← Тафсир

Тафсир · id 547

تفسير العثيمين: النساء

ابن عثيمين

Полный текст (1 106 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

تَحَاوُرَكُمَا﴾ فهذا سمع يراد به بيان إحاطة الله بكل مسموع. وتارةً يراد به التأييد والنصرة، مثل قول الله ﵎: لموسى وهارون ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] يعني: فأؤيدكما وأنصركما. وقد يراد بذلك في هذه الآية التهديد أيضًا، وهو تهديد فرعون، وأما الذي للتهديد فمثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وهؤلاء اليهود، قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ قال تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] وهذا لا شك أن المقصود به التهديد، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠] فهو مسموع مكتوب، وستكون القراءة يومِ القيامة قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]. قال بعض السلف: والله لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك، خذ هذا الكتاب اقرأه وحاسب نفسك. القسم الثاني من أقسام السمع: سمع الإستجابة؛ أي: أن الله يستجيب، وذلك فيما إذا أضيف إلى الدعاء أو نحو ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] أي: لمجيبه، وليس مراد إبراهيم ﵊ أن الله يسمع دعاءه فقط؛ لأن سماع الدعاء لا شك أنه كمال، وأن الله تعالى مدرك لكل مسموع، لكن المقصود من دعاء الداعي الإستجابة،

стр. 947

فيكون معنى سميع الدعاء أي: مستجيب الدعاء، قالوا: ومن ذلك قول المصلي: سمع الله لمن حمده؛ أي: استجاب، وهذا حق، ويؤيد ذلك أنه عُدِّي باللام، "سمع الله لمن حمده"، ولو كان المراد إدراك الحمد، أو إدراك قول الحامد، لقال: سمع الله من حمده. أما العليم فهذا أوسع شيء، فعلم الله تعالى محيط بكل شيء جل وعلا، محيط بالظاهر والباطن، بالماضي والمستقبل، بالواجب والممكن والمستحيل، ولهذا لا شيء أعم من العلم فيما يحضرني الآن، فالعلم شامل جدًا، فهو يتعلق بالماضي والمستقبل. ومن ذلك قول موسى ﵊: حين سأله فرعون ما بال القرون الأولى ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢] سبحان الله! ﴿لَا يَضِلُّ﴾ جهلًا ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ذكرًا، بل هو جل وعلا عالم بكل شيء، ولا ينسى الماضي، بينما العالم سوى الله أهل للنسيان، كذلك علم الله محيط بالظاهر والباطن: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] ولا شيء أخفى من هذا، فما توسوس به نفسك وتحدثك به فالله تعالى يعلم به، وأما الظاهر فظاهر علم الله به، وكذلك علم الله محيط بالواجب والممكن والمستحيل. أما المستحيل: فقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] هذا خبر عن علم، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكون في السموات والأرض آلهة سوى الله، ومستحيل

стр. 948

غاية الإستحالة، فهذا خبر عن مستحيل صادر عن علم. أما العلم بالواجب: فعلم الله تعالى بنفسه، وبماله من الأسماء والصفات، فإن هذا من العلم بالواجب، وهو أعلم بنفسه من غيره. وأما تعلقه بالممكن: فعلمه بما يحدث في الكون، فكل ما يحدث في الكون غير ما يتعلق بالله ، فهو ممكن؛ لأن الكون كله حادث بعد أن لم يكن "كان الله تعالى ولم يكن شيء قبله" (١)، وفي لفظ: "لم يكن شيء غيره" (٢)، فكل الكون حادث، وقابل للزوال؛ لأن كل حادث قابل للزوال، بدليل عدمه قبل وجوده، وكلمة "قابل" ليس معناها أن كل موجود فانٍ، لكنه قابل للفناء، وإنما قلنا ذلك لئلا يرد علينا مسألة الروح، فالروح مخلوقة بعد العدم، لكنها باقية لا تفنى، والولدان والحور في الجنة مخلوقة، ولكنها لا تفنى، بل تبقى أبد الآبدين، والجنة أيضًا مخلوقة وتبقى أبد الآبدين، والنار مخلوقة وتبقى أبد الآبدين؛ ولهذا نقول: كل موجود قابل للزوال لا أنه زائل؛ لأن من المخلوقات شيئًا لا يزول، لكن كونه حادثًا بعد أن لم يكن دليل على أنه من أقسام الممكن القابل للعدم والوجود. ووجه ذلك: أنه لو لم يكن قابلًا للوجود لم يوجد، ولو لم يكن قابلًا للعدم لم يعدم أولًا. المهم: أن علم الله محيط بكل شيء، وإيماننا بعلم الله ليس أن نؤمن بهذه الصفة العظيمة الواسعة الشاملة، لكن المهم

стр. 949

أن نحذر من أن يعلم في قلوبنا ما لا يرضاه عنا، أو أن يعلم من أفعالنا ما لا يرضاه عنا، أو من أقوالنا ما لا يرضاه عنا، أو مما نترك ما لا يرضاه عنا، هذا هو المهم، ولهذا يجب أن يركز طالب العلم على الفوائد المسلكية التي تستفاد من أسماء الله وصفاته، لا على أقسامها وتقسيمها وعمومها وشمولها، وأهم شيء أن تُعدل من منهجك ومسلكك، ولهذا قال الله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] أن تعبدوه بمقتضى هذه الأسماء، وقال النبي ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاهما دخل الجنة" (١) ومن إحصائها التعبد لله بمقتضاها، وفقنا الله إلى ذلك. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء: ١٤٩]. ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ هذه جملة شرطية، وجواب الشرط قيل: إنه محذوف، وقيل: إنه قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ , وهذه الجملة وإن كان ظاهر الحال أنه لا رابط بينها وبين الشرط، لكنها تدل عليه، وسنتكلم إن شاء الله عن ذلك. قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾، ﴿تُبْدُوا﴾ أي: تظهروا، وعرفنا أن الإبداء بمعنى الإظهار من ذكر مقابله، وهو قوله: ﴿أَوْ

стр. 950

تُخْفُوهُ﴾ وهذه قاعدة مفيدة في التفسير، أنه ربما يخفى عليك معنى بعض الكلمات، فتنظر إلى ما يقابلها، فقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] لو أن أحدًا سأل ما معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ لعرفت معناها من ذكر مقابلها، وهو قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ فيكون معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: فرادى، إذًا: المعنى إن تظهروا خيرًا أو تخفوه فلن تعدموا أجره، فسوف تؤجرون عليه؛ لأن الخير مطلوب ونافق، سواءً كان مبدى، أو مخفي. في مقابل ذلك قوله: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾، قوله: ﴿تَعْفُوا﴾ العفو هو الإبراء من التبعة، فالمعنى ﴿تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ أي: تبرئوا من أساء إليكم من تبعة سوئه. وقوله: ﴿عَنْ سُوءٍ﴾ أي: عما يسوء من قولٍ أو فعل. قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أي: أنه ذو عفو مع القدرة على الإنتقام ممن أساء إليه، فإذا كان الله تعالى عافيًا عمن أساء مع القدرة، فأنتم من باب أولى أن تعفوا؛ لأنكم ليس لديكم القدرة في الإنتصار للنفس، والإنتقام من المجرم كالذي عند الله . من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن الخير خير، سواء أبدي أو أخفي، فإن قيل: أيهما أفضل الإبداء أو الإخفاء؟ الجواب: قد يقول القائل: الإخفاء أفضل، وهنا قد يعارض قوله: كون الله بدأ بالإظهار فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، ولكن الذي يظهر أن ذلك راجع إلى المصلحة، فإن كانت المصلحة في الإبداء أظهر، مثل أن يكون رجلًا ذا

стр. 951

أسوة إذا أظهر ما عنده من خير تأسى به الناس، وفعلوا فعله فهذا طيب، سواء كان ذلك على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص، بأن يتصدق على شخص معين حتى يراه الناس أنه تصدق عليه، فيقتدوا به؛ لأن كثيرًا من الناس لا يتصدق على أحد إلا إذا علم أن الجهة الفلانية تصدقت عليه، كجمعية البر الخيرية مثلًا. إذًا نقول: الإبداء والإخفاء يرجع إلى المصلحة، فإن لم تظهر المصلحة الراجحة في الإبداء فالإخفاء أفضل، لقول النبي ﷺ فيمن يظلهم الله في ظله: "ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (١). ٢ - أن الإحسان إلى الغير إما بإعطاء الخير ظاهرًا أو خفيًا، وإما بدفع السوء وذلك بالعفو عنه، لقوله: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ فالعفو عن السوء خير، فيستفاد من ذلك فضيلة العفو عن السوء. ولكن لا نقول: إن العفو أفضل مطلقًا، بل تبع المصلحة، ولهذا قيد الله العفو في مكان آخر بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فإذا كان في العفو إصلاح فهو أفضل، وإن كان في العفو إفساد فالإنتصار أفضل، فمثلًا لو كان هذا الرجل شريرًا، فلو عفونا عنه لازداد في شره واعتدائه على الناس، فهنا الإنتصار أفضل، أولًا: لإعطاء النفس حظها؛ لأن النفس تحب أن تنتصر ولا شك.

стр. 952

وثانيًا: لكف شره عن الناس، فيكون هنا الإنتصار أفضل، وأما إذا تساوى الأمران فلا شك أن العفو أفضل، أولًا: لما فيه من الإحسان إلى المسيء. وثالثًا: أن الله تعالى يحب العافين عن الناس. ٣ - الإشارة إلى أنك إذا عفوت عن الخلق عفوًا في محله فأبشر بعفو الله، لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ يعني: فمتى عفوتم عفا الله عنكم، وهذا له شواهد كثيرة في الشريعة، منها قول الرسول ﵊: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (١)، ومنها: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" (٢)، ومنها: "الجزاء من جنس العمل" (٣)، والشواهد على هذا كثيرة. ٤ - فضل الله سبحانه بالعفو عن حقه، حتى إنه جل وعلا يغفر لمن لا يشرك به شيئًا، تفضلًا؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] حتى وإن عظمت الذنوب فإن الله تعالى يغفرها إن شاء، فضلًا منه. ٥ - أن عفو الله تعالى أكمل أنواع العفو؛ لأنه عفو مع القدرة، لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ويتولد من الجمع بين

стр. 953

العفو والقدرة صفة الكمال، وهو أن الله سبحانه عفى مع القدرة على الإنتقام، وهذا هو العفو الحقيقي، أما العفو مع العجز عن الإنتقام فليس بعفو، فلو أن أحدًا اعتدى عليك وهو أقوى منك بدنًا، وأضخم منك جسمًا، ففكرت وقلت: إن أخذت بحقي فأخشى أن يزيد في الضرب والعدوان، لكن يا فلان! الله يسامحك، فهذا عفو مع العجز، فإن كان فيه احتمال أن يأخذ بحقه فله أجر بقدر هذا الإحتمال، وإن لم يكن احتمال فليس له أجر، اللهم إلا أن يكون بإدخال السرور على المعتدي، فيما لو ارتدع عن العدوان وفكر، فإذا هو يشعر بأن المعتدى عليه قد سامحه فيطمئن قلبه، فهنا قد يؤجر. ٦ - إثبات هذين الإسمين من أسماء الله وهما: العفو والقدير، فيدلان على إثبات صفة العفو والقدرة؛ لأن القاعدة في باب الأسماء والصفات: أن كل اسم متضمن لصفة، ولا عكس. * * * * قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ والكفر بالله ورسله: أن يكفر الإنسان بما يجب الإيمان به، سواء كان كفرًا بوجود الله، أو كفرًا بربوبيته، بأن ادعى بأن معه ربًا، أو كفرًا بألوهيته بأن عبد معه غيره، أو كفرًا بأسمائه وصفاته بأن أنكرها وجحدها، المهم الكفر بالله: هو جحد ما يجب الإيمان به في جانب الله،

стр. 954

قوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾، كذلك جحد ما يجب نحوهم، فهذا الكفر بالرسل. قوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فالذين لا يؤمنون بالرسل يكفرون بالله ، والذين يكفرون ببعض الرسل يكفرون بجميعهم ﵈. وقوله: ﴿وَيُرِيدُونَ﴾ أي: يهمهم أن يفرقوا بين الله ورسله، فيؤمنون بالله ويكفرون بالرسل، أو يؤمنون بالرسل بعضهم دون بعض، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ وهذا كثير، فمثلًا: النصارى يدعون أنهم يؤمنون بالله، ويدعون بأنهم يؤمنون بعيسى وموسى ﵉ ومن سبقهما، هكذا يقولون، لكن يكفرون بمحمد ﷺ ، وهو أفضل الرسل، ففرقوا بين الله ورسله، وآمنوا بالله وكفروا بالرسل، وفرقوا كذلك بين الرسل، فآمنوا ببعضهم وكفروا ببعضهم. قوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا يوصلهم إلى الله، فيظنون أنهم بهذا العمل سلكوا طريقًا حسنًا يوصلهم إلى الله ، ولكنهم كما قال الله تعالى: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٤، ١٠٥]. قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وقوله: "هُمْ" ضمير فصل. فإن قال قائل: أفلا يجوز أن تكون مبتدأ ثانيًا و ﴿الْكَافِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة خبر المبتدأ الأول؟ قلنا: هذا جائز، لكنه خلاف الأولى؛ لأن ظاهر القرآن أن ما بعده خبر ما قبله، قال الله

стр. 955

تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٤٠] ولم يقل: "هم الغالبون" فدل هذا على أن مثل هذا التركيب تكون فيه "هُم" ضمير فصل لا محل له من الإعراب. الثاني: أننا إذا قلنا: إن "هم" ضمير فصل لا محل له من الإعراب؛ صرنا لا نفتقر إلى جملة تكون خبر المبتدأ، وصار المبتدأ والخبر جملة واحدة، والأصل في الأخبار أنها مفرد لا جملة، إذًا قوله: ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل، وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء: أولًا: التوكيد. ثانيًا: الحصر. ثالثًا: التمييز بين الخبر وبين التابع؛ لأنه إذا جاء ضمير الفصل تعين أن ما بعده خبر، وإذا لم يأت احتمل أن يكون خبرًا وأن يكون تابعًا، فإذا قلت: "زيد الفاضل في الدرس" فهنا يحتمل أن "الفاضل" صفة، فيكون المعنى: زيد الفاضل في الدرس حاضر، فإذا قلت: "زيد هو الفاضل في الدرس" تعين أن تكون خبرًا، وحصرته في الفضل، فقلت: زيد هو الفاضل ومحله في الدرس. وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، ﴿حَقًّا﴾ هذه منصوبة، وإعرابها مصدر مؤكد لمضمون الجملة، ومضمون الجملة قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فأثبت الله لهم أنهم الكفار حقًا، فتأتي ﴿حَقًّا﴾ مؤكدة لمضمون الجملة، وذلك لأن أحقية هؤلاء للكفر مفهومة من قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فإذا جاءت ﴿حَقًّا﴾ صارت مؤكدة لمضمون الجملة، وصار عاملها محذوفًا وجوبًا،

стр. 956

فلا يصح أن يقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ "أُحق ذلك حقًا"، وذلك لأنها مؤكدة لمضمون الجملة، فكانت مضمون الجملة كأنها الفعل المحذوف، ولا يجمع بين هذا وهذا. ولهذا ذكره ابن مالك وغيره من العلماء: أن المصدر المؤكد لمضمون الجملة قبله يجب حذف عامله. قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أي: هيأنا، فهي بمعنى: أعددنا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١] وهنا قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ وفي هذا السياق ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ خروج عن مقتضى السياق، إذ مقتضى السياق أن يقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا﴾ لهم؛ لأنه متى أمكن الإتيان بالضمير فإنه لا يؤتى بغيره، فإن ذكر الضمير أوضح في الجملة وأخصر، لكن هنا عدل عن الإتيان بالضمير إلى الإتيان بالظاهر المطابق لوصفه، فما هي البلاغة في هذا؟ الجواب: البلاغة: أن هذا إظهار في مقام الإضمار، والإظهار في مقام الإضمار له فوائد وهي: إرادة العموم؛ لأنه إذا قال: "أعتدنا لهم عذابًا مهينًا"، صار هذا خاصًا بهم، لكن قوله: ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ فكل كافر سواء هؤلاء أو غيرهم. الفائدة الثانية: تطبيق الوصف على مرجع الضمير الذي لولا هذا الظاهر لكان موجودًا، فأين مرجع الضمير لو كان هناك ضمير؟ الجواب: هؤلاء الذين قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، ومثل ذلك قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ

стр. 957

وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ [البقرة: ٩٨] لم يقل: عدوًا له الذي هو مقتضى السياق. الفائدة الثالثة: مراعاة فواصل الآيات. من فوائد الآيتين الكريمتين: ١ - غلبة الهوى على كثير من الناس؛ لأن هؤلاء الذين يفرقون بين الله ورسله أو يؤمنون ببعض الرسل دون بعض، لا يحملهم على ذلك إلا الهوى، فاليهود يقولون: لا نؤمن بغير موسى، والنصارى يقولون: لا نؤمن بغير عيسى، لمجرد الهوى. ٢ - أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، ويدل على هذا أيضًا قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥] مع أن نوحًا كان أول الرسل، ومع ذلك جعل تكذيب قومه له تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأن التكفير بالرسول كأنه تكفير بالجنس أي: بجنس الرسالة، وإلا فما الفرق بين محمد، وعيسى، وموسى، وإدريس ونوح ﵈، وما أشبه ذلك؟ ٣ - أن هؤلاء المفرقين يقولون: إننا نتخذ ذلك سبيلًا، يعني: لنرضي هؤلاء وهؤلاء، وهذا لا ينجيهم من عذاب الله، ولا ينجيهم من الكفر. ٤ - ذم تلك الطريقة أي: الإيمان بالبعض دون البعض، وإن هذا منهج قبيح، فيتفرع على هذا ذم أهل الكلام الذين أرادوا أن يجمعوا بين الدليل السمعي والعقلي في صفات الله، وقالوا: إننا أخذنا بهذا وهذا، من أجل التوفيق بين الأدلة، وهم خالفوا الأدلة كلها، فهم أرادوا الجمع بين دليل السمع والعقل، ولكنهم

стр. 958

في الحقيقة خالفوا السمع والعقل كما هو معروف من مناظرتهم والرد عليهم. ٥ - وعيد الكفار بالعذاب المهين. ٦ - أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنهم إنما فرقوا بين الرسل استكبارًا وهوى، فأعد لهم العذاب الذي يهينهم ويخذلهم، ولهذا قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ٧ - أن الإظهار في موضع الإضمار لا يعد تطويلًا بلا فائدة، وجه ذلك: أن الضمير أخصر من الظاهر، فلا يقول القائل: إن الإتيان بالظاهر في موضع الضمير تطويل وزيادة بلا فائدة، بل نقول: هو فائدة، وقد ذكرنا فيما سبق أن من فوائد الإظهار في موضع الإضمار قصد العموم، وتطبيق الوصف على أولئك الذين يعود الضمير عليهم لو كان موجودًا، وكذلك بيان عليه الحكم، فمثلًا: في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ لو قال: "أعتدنا لهم" لم يتبين لماذا أعد لهم هذا العذاب، لكن لما قال: ﴿لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ كأن هذا الوصف يفيد العلية؛ أي: أن العلة في إعداد العذاب المهين لهم هو الكفر. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء: ١٥٢]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ لما ذكر الله حال الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ذكر حال الذين يجمعون في الإيمان بين الجميع، والقرآن هكذا! إذا

стр. 959

ذكر حالًا ذكر ما يضادها، إذا ذكر عقوبة ذكر المثوبة؛ لأنه مثاني تثنى فيه المعاني، فيؤتى بهذا ثم بهذا, ولأن التنويع مما يشد النفس والذهن إلى ما يتلى أو يسمع؛ ولأجل أن يكون سير الإنسان إلى الله بين طرفي النقيض: الإفراط والتفريط؛ لأن الإنسان لو غلب جانب الرجاء لحصل له الأمن من مكر الله، ولو غلب جانب الخوف لحصل عليه القنوط واليأس من رحمة الله. قول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الإيمان بالله سبق عدة مرات ماذا يتضمن، والإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام كذلك، فإنه يقتضي الإيمان بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله ، وأما الإيمان بشرائعهم فإن الشريعة الإِسلامية التي جاء بها محمد ﷺ نسخت جميع الشرائع، لكن نؤمن بأن شرائعهم من عند الله . قوله: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ في أصل الإيمان لا في العمل، ففي أصل الإيمان نؤمن بالجميع، وأنهم كلهم رسالتهم حق من عند الله، أما العمل فقد قال الله ﵎: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ووجه ذلك: أن أصل الإيمان شيء واحد، وهو الإيمان بالواحد القهار ، وأما الشرائع فإنها تختلف باختلاف الناس وأحوالهم، والعموم والخصوص، فلهذا جعل الله لكل ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ حتى الشريعة الإِسلامية في أول أمرها ليست كالشريعة الإِسلامية في آخر الأمر، ففي أول الأمر ليس هناك صوم، ولا زكاة، ولا حج، ثم فرضت الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة؛ لأن الله يشرع الشرائع حسب ما يليق بأحوال الناس.

стр. 960

وقوله: ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: في أصل الإيمان, فيقولون: إيماننا بمحمد، وإيماننا بنوح عليهما الصلاة والسلام على حد سواء، بمعنى: إننا نؤمن بأن الرسولين الكريمين وكذلك من بينهما من الرسل كلهم على حق ومن عند الله، وهذا في أصل الإيمان كما قلت، أما في الشرائع فتختلف. قوله: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ أتى باسم الإشارة هنا تعظيمًا لهم، وجاءت بصيغة البعيد لعلو منزلتهم. وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾، سوف والسين تتناوبان على فعل المضارع كثيرًا، لكن هناك بينهما فرق، فالسين للتحقيق والتقريب، وسوف للتحقيق مع البعد، فهذا الفرق بينهما، وكلاهما يدل على التحقيق، لكن السين للقريب، وسوف للبعيد، فهل إيتاء أجورهم كان بعيدًا؟ الجواب: هو بعيد قريب، أما من جهة امتداده، وأن الله تعالى يجازيهم شيئًا فشيئًا، ثم يأتي الجزاء الأوفى في يوم القيامة فهو لا شك أنه بعيد، وأما كون كل آت قريب فهو قريب، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]. وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: ثواب أعمالهم، وسمى الله ثواب الأعمال أجورًا تكرمًا منه وفضلًا منه ، فكأنه استأجر هؤلاء على عمل عملوه ثم أعطاهم أجرهم، كالإنسان يستأجر أناسًا ليبنوا له بناءً فإذا بنوه أعطاهم أجورهم، وهذا يعني أن الله التزم وألزم نفسه سبحانه بأن يثيب هؤلاء، ولا مانع من أن يكون الله تعالى ألزم نفسه بما شاء كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].

стр. 961

وقد قال الأول: ما للعباد عليه حقٌ واجب ... كلا ولا عملٌ لديه ضائعُ إن عُذِّبوا فبعدله أو نُعِّموا ... فبفضله وهو الكريم الواسعُ ولكن ابن القيم ﵀ قيد هذا فقال: ما للعباد عليه حقٌ واجبُ ... هو أوجب الأجر العظيم الشأن فجعل عليه حقًا واجبًا، لكن هو الذي أوجبه. إن عذبوا فبعدله أو نعموا ... فبفضله والفضل للمنان فالحاصل: أن الله سمى الثواب أجرًا تكرمًا منه وفضلًا؛ كأن العاملين لأنفسهم عاملون له، إذا انتهى عملهم أوفاهم أجورهم. وقوله: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ لم يبين هنا مقدار الأجر، لكنه بينه في مواضع كثيرة في القرآن، وكذلك في السنة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لما كان هؤلاء المؤمنون ﴿بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ لما كانوا قد يخطئون، ختم الله هذه الآية بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ولما كان هذا الإيمان المطابق من فضله ورحمته أردف المغفرة بالرحمة، فهؤلاء لا بد أن يقصروا, ولا أحد إلا يقصر، فختم الآية بالمغفرة، ثم هذا الإيمان الذي حصل لهم ليس بكسبهم، ولا من عمل أيديهم، ولكنه من رحمة الله ، فلذلك ناسب أن تختم الآية بالغفور الرحيم. من فوائد الآية الكريمة: ١ - أن القرآن الكريم مثاني، إذا ذكر شيئًا ذكر ضده بالوجوه التي ذكرناها في الشرح.

стр. 962

٢ - أنه لا بد أن نؤمن بالله وجميع الرسل، ولكن كيف يكون الإيمان وبمن نؤمن؟ أما الإيمان فكيفيته: أن نؤمن بأصل الرسالة، وأنهم رسل حق من عند الله ، وأما الشرائع فتختلف، لكل منهم شرعة ومنهاج، أما من نؤمن به فيجب علينا أن نؤمن بكل من ذكره الله في القرآن باسمه، وعينه؛ لأنهم عينوا لنا، وما لم يعين فنؤمن به إجمالًا؛ لأننا نؤمن أن من الرسل من لم يقصصهم الله علينا، فنؤمن بهم إجمالًا. ٣ - أنه لا يجوز أن نفرق بين أحد منهم، وذلك في أصل الإيمان, وهل نفرق بينهم في الفضل ونقول هذا الرسول أفضل من هذا الرسول؟ الجواب: نعم، يجب علينا أن نفضل بينهم؛ لأن الله تعالى أخبر بذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] , وعلى هذا فسبب التفضيل ما حباهم الله به من المناقب والفضائل، وكثرة الأتباع وما أشبه ذلك، وهو توقيفي، لكننا إذا علمنا أن الله فضل هذا الرسول على ذاك، إما أن نعلم السبب ويتضح، وإما أن لا نعلمه، ولهذا قال العلماء: إن أولي العزم من الرسل خمسة: أولهم: محمد ﷺ ، وفضله الله على غيره لما له من المناقب العظيمة التي لم يدركها أحد، والفضائل التي خصه الله بها، والأتباع الذين لا يوجد مثلهم في جميع أتباع الرسل، بل هم ضعفا أتباع الرسل كلهم؛ لأن الرسول ﷺ أخبر بأن الجنة عشرون ومئة صف، هذه الأمة منها ثمانون صفًا (١)، وهذا يعني أن

стр. 963

هذه الأمة تعدل جميع الأمم وتزيد الضعف، ثم إبراهيم ﵊ بعد محمد ﷺ ، وهذان الرسولان الكريمان هما خليلا الرحمن، ولم تثبت الخلة فيما نعلم لأحد سواهما، ثم موسى لأنه ﵊ كابد من المشقة مع فرعون ومع بني إسرائيل ما لم يتبين لنا في رسول سواه، بقي عندنا عيسى ونوح، أيهما أفضل؟ منهم من قال: إن نوحًا أفضل؛ لأن نوحًا ﵊ بقي يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وحصل منهم من السخرية والإستهزاء به ما هو معلوم في القرآن والسنة، ومنهم من فضل عيسى؛ لأنه كابد بني إسرائيل، وبنو إسرائيل هم أشد الناس عتوًا وطغيانًا كما يظهر ذلك لمن تدبر القرآن والسنة، فحصل له مشقة إلى حد أن بني إسرائيل جعلوا أمه زانية، وجعلوا عيسى ولد زنا والعياذ بالله! قاتلهم الله! فحصل له ﵊ من المضائق، وحصل له من المناقب والكرامات ما لم نعلم أنه حصل لنوح. ولو قال قائل: إما أن نجعلهم على حد سواء، وإما أن نتوقف لكان هذا خيرًا؛ لأنه ليس هناك أشياء تميز تمامًا أيهما أفضل. المهم: أن إيماننا بالرسل يدخل فيه الإيمان بما حباهم الله تعالى به من الفضائل، وأن نفضل بعضهم على بعض، وهذا لا يضر، ولكن إذا أدى هذا التفضيل إلى خصومة ونزاع، واحتقار رسولنا إذا فضلناه على رسول الآخرين، فإنه يجب التوقف والسكوت، حتى إن الرسول ﵊، قال: "لا ينبغي لعبدٍ أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" (١) مع أن يونس عليه الصلاة

стр. 964

والسلام خرج مغاضبًا لقومه قبل أن يؤذن له بالخروج، ولهذا نجوا لما آمنوا حين جاءهم العذاب؛ لأن نبيهم لم يبق فيهم فأنجاهم الله، فالمهم: أنه لو قدر أننا نريد أن نفاضل بين محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، وعندنا يهود ولو فضلنا محمدًا ﷺ لذهبوا يفضلون موسى ﵇، ويحتقرون محمدًا، فحينئذ يجب الكف عن ذلك. ٤ - أن الله وعد هؤلاء ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ بالأجور، ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾. ٥ - تمام منة الله سبحانه على العباد، حيث سمى الثواب أجرًا، ومن المعلوم أن الأجر ثابت لزومًا للمستأجر، والذي أوجب هذا الأجر هو الله تعالى، أوجبه على نفسه، وهذا يدل على تمام فضل الله ومنته، أما كيف تكون هذه الأجور؟ فإن الله تعالى بينها في كتابه، وكذلك السنة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويختلف الأجر باختلاف الأشخاص، واختلاف النيات، واختلاف المتابعة، أما اختلافه باختلاف الأشخاص فكما قال النبي ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (١) هذا لأنهم أصحابه، فهذا باعتبار الأشخاص.

стр. 965

وكذلك أخبر النبي ﵊ عن أيام الصبر "أن العامل فيهن له أجر خمسين من الصحابة" (١)، والمراد أن ما يلحقه من المشقة في العمل يقابل خمسين مرة من عمل الصحابة؛ لأن الصحابة كلهم مؤمنون، وكلهم مستقيمون، لكن أيام الصبر كل الناس على خلاف هذا الرجل الذي قام بطاعة الله، فهو غريب بينهم، ومن المعلوم أنه إذا كان غريبًا بينهم فسوف تشق عليه العبادة، فمن أجل ذلك صار للعامل فيهن أجر خمسين واحدًا من الصحابة، وهذا لا يعني الفضل المطلق على الصحابة؛ لأن هؤلاء فاقوا الصحابة في مشقة العمل عليهم، أما الفضل المطلق فهو للصحابة ﵃. ويكون أيضًا الأجر بحسب الإخلاص، فمن كان أخلص لله كان أكثر ثوابًا، حتى إن الله قال في الحديث القدسي: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (٢) وكذلك يختلف باختلاف المتابعة، فمن كان للرسول ﷺ أتبع، كان أجره أكثر، حتى قال النبي ﵊: "إياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٣).

стр. 966

٦ - إثبات اسمين من أسماء الله: الغفور الرحيم، الغفور في مقابل الذنوب، والرحيم في مقابل الثواب والحسنات؛ لأن المغفرة تتعلق بالذنب، والرحمة تتعلق بحصول المطلوب من الثواب والأجور. * * * * قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ [النساء: ١٥٣]. ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ﴾ وفي قراءة ﴿أَنْ﴾ (تُنْزِل) ومعناهما واحد، والخطاب في قوله: ﴿يَسْأَلُكَ﴾ لرسول الله ﷺ ، وهو من الخطابات الموجهة إليه على وجه الخصوص، فلا يتناول أمتهُ. والخطاب الموجه للرسول ﵊: إما أن يدل الدليل على أنه له وللأمة فهذا واضح، وإما أن يدل الدليل على أنه خاص به، فهذا أيضًا واضح على أنه خاص به، وإما أن لا تكون هناك قرينة تدل على هذا ولا على هذا، فالأصل أنه له، وأمته تبع له. فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] هنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولهذا قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ولم يقل: لك، وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ هذا يدل على أنه له وللأمة،

стр. 967

ومثل هذه الآية ﴿يَسْأَلُكَ﴾ الخطاب لهُ، وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١] الخطاب له، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب: ٤٥] الخطاب لهَ، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الخطاب لهُ. وقوله: ﴿أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، لكن اليهود في المدينة أكثر من النصارى بكثير، فيوجد نصارى لا شك، لكن اليهود أكثر منهم، وسبب كثرتهم في المدينة أنهم قرؤوا التوراة أنه يبعث نبي هو خاتم الأنبياء، وشريعته أكبر الشرائع، وأن مهاجره المدينة، فجاءوا من فلسطين إلى المدينة، ينتظرون بعثة النبي ﷺ ، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: يقولون للمشركين: سيبعث نبي، ونكون أتباعًا له، ونغلبكم ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] فهذا هو سبب وجود ثلاث قبائل من اليهود في المدينة. فأهل الكتاب هنا من حيث الأصل يشمل اليهود والنصارى، لكن أكثر ما يكون في المدينة هم اليهود. قوله: ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ هذا السؤال يحتمل أنه للتحدي، أو لإقامة البينة كما يدعون أنه ليس برسول؛ لأن الكتب السابقة كانت تنزل من السماء لا سيما التوارة، فإن الله كتب لموسى في الألواح من كل شيء، وأنزلها عليه، فكأنهم يقولون: إما أن تأتي بكتاب من السماء فنصدقك، وإما أن تكون كموسى ينزل عليه كتاب من السماء فتكون نبيًا، فالآية تحتمل هذا وهذا.

стр. 968

أما قريش فقالوا: لولا أنزل عليه ملك، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٨، ٩] وقوله: ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ أي: بصورة الرجل؛ لأنه لا يمكن أن يكون ملكًا بصورة الملائكة ثم يخاطب البشر، فلو أن الله أرسل ملكًا إلى البشر لجعله بصورة البشر. قوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني: فلا تعجب أن يسألوك ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَقَدْ﴾ جملة معطوفة على مقدر، دل عليه السياق، والمعنى: إذا سألوا هذا فلا تستغرب، ولا تستكثر هذا السؤال ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ والذي سألوه قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والعياذ بالله! وهؤلاء هم القوم السبعون الذين اختارهم موسى، فقد اختار موسى من قومه سبعين رجلًا لميقات الله، فجاءوا لميقات الله، وسمعوا الله يكلم موسى، سمعوه بآذانهم يكلم موسى، ومع ذلك لم يصدقوه ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ يعني: وإلا فلست بصادق، وهذا الذي يسمع ليس كلام الله، وماذا حصل لهم؟ قال الله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ وماتوا في آن واحد، ولكن موسى ﵊ سأل ربه أن يحييهم، ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فأحياهم الله، ثم صاروا في بني إسرائيل. الحاصل أن هؤلاء قالوا قولًا أعظم مما طلبوا من

стр. 969

الرسول، ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ يعني: نراه بأعيننا، وهذا شيء مستحيل! من هم الذين يرون الله في الدنيا؟ ! الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يرون الله في الدنيا، فكيف بهؤلاء القوم العتاة المعاندين؟ فقول الله : ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾؛ أي: أنهم صعقوا فهلكوا، وقوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بسبب ظلمهم، فالباء هنا للسببية، والظلم أنهم اعتدوا في الدعاء ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَة﴾ وهذا عدوان عظيم، لا بالنسبة لموسى، ولا بالنسبة للرب ، فإن مثل هذا لا يمكن أبدًا، ومن دعا بما لا يمكن فقد اعتدى في الدعاء. قوله: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾ فيها قراءة أخرى وهي: "أَرْنَا الله" يعني: بسكون الراء؛ لأن هذه أخف على الإنسان وإلا فالمعنى واحد. قوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، قوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ المفعول الثاني محذوف؛ أي: إلهًا، وقوله: ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب الذكري، يعني: أضف إلى هذا الأمر المنكر منكرًا آخرًا، وهو اتخاذهم العجل إلهًا، وهذا العجل ليس حيوانًا، بل عجلًا جمادًا، استعاروا حليًا، ثم صنعوه على هيكل عجل، وجعلوا داخله مجوفًا، وجعلوا له ثقبًا في رأسه، وفتحة في دبره، فيوجهونه إلى الريح مستدبرًا إياها، فتدخل الريح في هذا المجوف من ثقب واسع، وتخرج من ثقب ضيق، وبطبيعة الحال سوف يكون له صوت، فكان له خوار كخوار الثور، وقوم العجل هؤلاء ثيران، فقد قال لهم السامري: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] يعني: أن موسى ضل وضاع عن الإله؛

стр. 970

لأنه كان قد واعد ربه ثلاثين ليلة، فأتمها الله عشرًا حتى صارت أربعين ليلة، قالوا: موسى ضال، يبحث عن الإله، وهذا هو الإله، فاتخذوا هذا العجل الذي صنعوه بأيديهم إلهًا يعبدونه، ونصحهم هارون وقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه: ٩٠] فكان الجواب: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾ [طه: ٩١] , ونعرف أن موسى ﵇ لم يضل إلهه، وأن له إلهًا سوى هذا، وبقوا على عبادة العجل، وهذا أيضًا منكر عظيم، حيث جعلوا مع الله إلهًا آخر صنعوه بأيديهم، ثم صاروا كالصبيان، تدخل الريح من الدبر وتخرج من الفم، ويظنون أن هذا خواره، وإذا كان إله يخور فما الفائدة منه؟ لكن هذا يدل على سفاهة عقولهم، وأنهم على حد كبير من السفه! وقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ يعني: الآيات البينات، والبينات الظاهرة التي ليس فيها إشكال؛ لأن موسى ﵇ آتاه الله تسع آياتٍ بينات واضحة جلية، يغني عنها آية واحدة، كان له عصى يهش بها على غنمه، ويتوكأ عليها, وله فيها مآرب كالدفاع عن نفسه وما أشبه ذلك، فإذا ألقاها انقلبت في الحال ثعبانًا مبينًا، وحية عظيمة فهذه من أعظم الآيات. ثم هي ليست حية وهمية تخيلية كما هو في صنيع السحرة، بل هي حية حقيقية تتحرك، وتأكل وتبلع بإذن الله ، والسحرة ملأوا الدنيا حبالًا وعصيًا، وصار يخيل إلى موسى أنها تسعى حتى ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ [طه: ٦٧] فألقى هذه العصا،

стр. 971

فبدأت تلتهم هذه الحبال والعصي، وسبحان الله! يعني: في لحظة تذوب هذه الحبال والعصي، ثم تبلع أُخر في لحظة، يعني: هذا خلاف المعتاد، فالمعتاد أن الطعام يدخل في الجوف، ويبقى مدة، ويتحول إلى دم ثم يخرج فضلات، لكن هذه بإذن الله تبلع، والظاهر - والله أعلم - أنه يخرج مباشرة منصهرًا خالصًا، وهذا من آيات الله ، ومع ذلك جاءتهم البينات وشاهدوها، ولكنهم اتخذوا العجل إلهًا. قوله: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ سبحان ربنا ، ما أكرمه وأعظمه، عفا الله عنهم؛ لأنهم أمروا بالتوبة، ولكنها توبةٌ شديدة، منَّ الله علينا معشر هذه الأمة الإِسلامية المحمدية برفعها، أمروا أن يقتلوا أنفسهم، وليس معنى أن كل واحد يقتل نفسه، بل يقتل بعضهم بعضًا، لكن الأمة الواحدة كأنها نفس واحدة، فألقيت عليهم الظلمة، وأخذوا الخناجر والسكاكين، وجعل الواحد منهم يقتل مَنْ أمامه ولو كان أباه أو أمه، فلما علم الله منهم صدق الرجوع إلى الله، وامتثال الأمر؛ لأن كون الإنسان يؤمر بأن يقتل قومه، هذه من أشد ما يكون على النفوس، فلما انقادوا وذلوا إلى هذا النوع من التوبة رفع الله عنهم ذلك وعفا عنهم. قوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ﴿وَآتَيْنَا﴾ أعطينا، والسلطان في كل موضع بحسبه، فسلطان الأنبياء هي آياتهم؛ لأنها حجة قوية يتسلطون بها على من أنكر، فهذا السلطان الذي أوتي موسى هو الحجج والبراهين الدالة، حتى إن الله سبحانه كتب لهم في التوراة من كل شيء موعظة وتفصيلًا لكل شيء، والعموم هنا في قوله: ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٤] أي: مما

стр. 972

يحتاجه بنو إسرائيل في عهدهم، كما في قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦] ﴿الْعَالَمِينَ﴾ أي: على عالمي زمانهم، وليسوا على كل العالمين حتى الأمة هذه، لكن هذا الكتاب المبين الذي قال الله فيه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] هذا يعم كل شيء؛ لأنه كتاب للأمة إلى يوم القيامة، فلا بد أن يكون قد أتى بما تحتاجه الأمة إلى يوم القيامة. وقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قوله: ﴿وَآتَيْنَا﴾ من أبان، وهو صالح لأن يكون من أبان اللازم أو أبان المتعدي؛ لأن كلمة "أبان" رباعية تكون لازمة، كما يقال: أبان الصبح، فهذه لازمة يعني: بأن، وتكون متعدية كما تقول: أبان لي هذا الرجل ما أشكل علي، فهذا السلطان الذي أوتيه موسى مبين مظهر للحق، وهو بيَّن بنفسه، وهذا مبني على القول الراجح وهو جواز استعمال المشترك في معنيين، والمشترك: هو ما تعدد معناهُ واتحد لفظه، فلفظه لفظًا واحدًا يصلح للمعنيين فأكثر، مثل كلمة "العين"، فإنها تكون للعين الباصرة، وتكون للذهب، فيسمى عينًا، وتكون للشمس، تسمى عينًا، وتكون للماء البخاري، تسمى عينًا، فهذا المشترك، فهل يمكن أن يستعمل المشترك في جميع المعاني التي يصلح لها؟ الجواب نقول: يمكن، لكن لا بد من قرينة، ولا بد من أن لا يتنافى المعنيان، فقول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ [التكوير: ١٧] قال العلماء: ﴿عَسْعَسَ﴾ كلمةٌ تصلح للإقبال والإدبار؛ أي: إذا أقبل أو إذا أدبر، فيصح أن نقول: إن ﴿عَسْعَسَ﴾ بمعنى: أقبل وأدبر؛ لأنهما لا يتنافيان، فيقسم الله بالليل حين إقباله، وذلك عند غروب الشمس، ويقسم بالليل حين إدباره، وذلك عند طلوع الفجر أو طلوع الشمس.

стр. 973

إذًا قوله: ﴿مُبِينًا﴾ هنا نقول: ما دامت صالحة للمتعدي واللازم فهي من المشترك، ويجوز أن نستعملها في المعنيين لعدم التنافي بينهما. من فوائد الآية الكريمة: ١ - فيها دليل على تعنت أهل الكتاب، وإنما قلت ذلك لأن هذا اللفظ المطابق للقرآن، وكلما أمكن أن نأتي باللفظ الذي هو لفظ القرآن والمطابق له فهو أولى. ٢ - دفاع الله تعالى عن الرسول ﵊؛ لأنه سلاه بقوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾، وإلا فإن الرسول ﵊ إذا طلب منه أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتابًا من السماء - وهم أهل كتاب - ولم يفعل، من المعلوم أن هذا سيكون في قلبه حرج منه؛ لأن أهل الكتاب معروفون عند الجاهليين بالعلم؛ لما في أيديهم من الكتب، فإذا قالوا: أنزل علينا ﴿كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ ولكنه لم يفعل لا بد أن يكون في قلبه شيء، وسوف يلحقه من الغم والهم ما يلحقه، فدافع الله عنه وقال: لا تتعجب ولا تستكبر هذا السؤال ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾. ٣ - أن بني إسرائيل كما آذوا موسى آذوا محمدًا ﵊، يعني: أهل الكتاب كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] آذوا الرسول محمدًا ﷺ ، فهموا بقتله كما في قصةِ بني النضير، وكذلك فعلوا في الواقع، إذ أهدوا إليه في خيبر شاة فيها سم، ولاكها ولكنه لفظها، إلا أنها أثرت في لهواته عليه الصلاة

стр. 974

والسلام، أثرت فيها ألمًا، حتى قال في مرضه: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا أوان انقطاع الأبهر مني" (١)، ولهذا ذهب بعض التابعين - وأظنه الزهريّ - إلى أن محمدًا ﷺ من النبيين الذين قتلتهم بنو إسرائيل. ٤ - أن سؤال الإنسان أن يرى الله جهرة من أكبر العدوان، لقوله: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ وهل يؤخذ منه أنه يمتنع في الدنيا أن يرى أحد ربه؟ الجواب: نعم، الظاهر أنه يؤخذ منه؛ لأن الله قال: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾؛ لأنه لو كان يمكن لكان سؤالهم ليس بذاك الشنيع، لكنه لا يمكن أن يرى الله في الدنيا، ويدل لهذا: أن موسى ﵇ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] لكن قول موسى ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ليس كقول هؤلاء ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فبينهما فرق، فموسى سأل الرؤيا شوقًا إلى الله ﴿ ، ومحبة لرؤيته، اللهم لا تحرمنا إياها, لكن بنو إسرائيل قالوا ذلك تحديًا وعنادًا واستكبارًا، فقال الله له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: لا يمكن، ثم ضرب الله له مثلًا فقال: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] فقوله: ﴿اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ أي على ما هو عليه، ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ جعله مندكًا بالمرة، صار كالرمل، ولم يهرب

стр. 975

كما يتوقع الناس: بل استقر مكانه، وإن هرب فلن تراني، كأن الجبل لم يتمالك نفسه حتى انهد، ولم يتمكن من الهرب، ولما رأى موسى هذا الأمر العظيم ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أغمي عليه، ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: لم أسأل هذا إنكارًا، أو جحدًا فأنا أول المؤمنين، لكن أتوب إليك مما سألت؛ لأن هذا السؤال لا يجوز. ومحمد ﷺ لم ير الله على كل الأقوال؛ لأن النبي ﷺ سئل، هل رأيت ربك؟ قال: "رأيت نورًا" (١)، وفي رواية قال: "نور أنى أراه" (٢)، يعني: كيف أراه مع هذه الأنوار، الحجب حجب عظيمة من الأنوار، قال النبي ﵊: "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه، - أي: بهاؤه وعظمته - ما انتهى إليه بصره من خلقه" (٣) والمعنى: لأحرقت سبحات وجهه كل شيء؛ لأن بصره ينتهي إلى كل شيء. فمع هذه العظمة كيف يمكن لأحد في الدنيا أن يراه، فالرسول ﵊ لم ير ربه على كل الأقوال: أولًا: من قوله هو نفسه ﷺ حيث قال: "نور أنى أراه؟ ! "، وقال في لفظ آخر: "رأيت نورًا" يعني: نورًا حجب الرؤية، وعائشة ﵂ أنكرت ذلك، وقالت: "من زعم أن

стр. 976

محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" (١) هذا دليل. وابن عباس ﵄ كما يقول شيخ الإِسلام: إنه لم يقل إن محمدًا رأى ربه بعينه، حتى نقول إن قوله معارض لقول عائشة، وإنما الرؤية التي أثبتها ابن عباس ﵄ هي رؤية القلب التي قويت حتى صار كالمشاهد، وهذا الأقرب من ابن عباس؛ لأن ابن عباس ﵄ أفقه من أن يظن أن محمدًا ﷺ يرى الله في الدنيا. والخلاصة: أن هذه الآية فيها إشارة إلى أنه لا يمكن رؤية الله في الدنيا، والآية الأخرى التي في سورة الأعراف صريحة. ورؤية الله في المنام لا تسمى رؤية عين، ونحن كلامنا في رؤية العين، وإلا فقد قال الرسول عليه الصلاة السلام: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٢) وحقيقةً: أن الإنسان أحيانًا يصل إلى درجة كأنما يشاهد الله ، لكن ليس هذا مرادنا، إنما مرادنا أنه رؤي بالعين يقظة، كما ذكرت آنفًا، أما أنه من قوة اليقين كأنه يشاهده فهي رؤية من حيث اليقين؛ لأن الإنسان إذا رأى شيئًا تيقن، فإذا رآه بقلبه ووصل إلى هذا الحد صار كما قال الرسول: "أن تعبد الله كأنك تراه" (٣).

стр. 977

وهذا مشهور عن شيخ الإِسلام ﵀ أنه يقول: إن المؤمن يرى الله في المنام بقدر عمله وإيمانه به، واتباعه لرسوله ﷺ ، لكن في نفسي من هذا شيء، ويمكن أن يقال: إن الله يري هذا الإنسان ملكًا أو ما أشبه ذلك على قدر اتباعه وتمسكه. ٥ - عناد بني إسرائيل وتعنتهم، حيث كانوا يسمعون كلام الله، ولكنهم قالوا لنبيهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. ٦ - أن الذنب كلما عظم كان أسرع للعقوبة، لقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب، ولهذا أخذتهم الصاعقة في الحال فماتوا جميعًا. ٧ - بيان قدرة الله سبحانه حيث أهلكهم جميعًا، وهو سبحانه على كل شيء قدير، ففي يوم القيامة عند قيام الساعة ينفخ في الصور؛ فيصعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله بلحظة واحدة، وينفخ فيه فيقوم الناس من قبورهم بلحظة واحدة. ٨ - إثبات الأسباب، وأن لها أثرًا في حصول المسببات، لقوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ فإن الباء للسببية، وهذه مسألة ذكر بعض العلماء أن عليها من كتاب الله ألف دليل على إثبات الأسباب، وتعليل الأحكام وبيان الحكم. ٩ - أن الله تعالى لا يظلم الناس شيئًا، لقوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾، وليس أخذ الله إياهم مجرد مشيئة، ولكن لأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١].

стр. 978

١٠ - بيان سفه بني إسرائيل، وأنهم مع عنادهم واستكبارهم أهل سفه، وذلك بعبادتهم العجل واتخاذهم إياه إلهًا، لقوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْل﴾. ١١ - أنهم اتخذوا ذلك عن علم، فليس لهم عذر، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ومعلوم أن المذنب بعد العلم أشدُ من المذنب عن غير علم، بل إن المذنب عن غير علم لا أثر لذنبه مطلقًا - على القول الراجح -. ١٢ - أن ما جاءت به الرسل فهو حجة ظاهرة لا تخفى إلا على من أعمى الله قلبه، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. ١٣ - بيان شمول عفو الله، حيث قال: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾. ١٤ - عظمة الرب ، وذلك بعود الضمير إلى الله تعالى بصيغة الجمع، فإن قوله: ﴿فَعَفَوْنَا﴾ لا شك أنها للتعظيم، وليست للتعدد كما زعم النصرانيُ الخبيث، فإن النصراني يقول: الآلهة متعددة، وهذا موجود في القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس: ١٢] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] وما أشبه ذلك، فيقال له: إن هذا للتعظيم، وأنت من الذين في قلوبهم زيغ تتبع المتشابه، وإلا فعندك آيات محكمات ظاهرات كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] ولكن هذا الذي في قلبه زيغ هو الذي يتبع المتشابه. ١٥ - أن الله تعالى أعطى موسى حججًا بينة لا تخفى على أحد، لقوله: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ وهذا هو ظاهر الآية، وإن كان بعضهم قال: تسلطًا على بني إسرائيل، لكن الصواب ما

стр. 979

ذكرنا أن قوله: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: بالحجج البينة الظاهرة، وقد مر علينا أن الله آتاه تسع آيات بينات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وهي في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣] هذه خمس، ومع العصا واليد صارت سبعًا، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] فهذه تسع، وهذه التي ذكرها الله آيات صريحة، وهي سلطان بين الحجة، ﴿الطُّوفَانَ﴾ يعني: الغرق، فأغرق الثمار قبل أن تخرج، ﴿وَالْجَرَادَ﴾ أكلها بعد أن خرجت، ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ أفسدها بعد أن خزنت، ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ أفسدت الماء ﴿وَالدَّمَ﴾ الصحيح أنه النزيف يخرج به - أي: بهذا النزيف - فائدة الغذاء، فانظر الآن هي سلسلة من حين ما بذروا إلى أن وصل إلى غذاء الجسم، وهو الدم، وكلهم ابتلوا به والعياذ بالله! ١٦ - العذر بالجهل مطلقًا لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ حتى عباد القبور، فالصحيح أنه لا فرق، وأن الدين كله واحد. * * * * قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾ [النساء: ١٥٤]. ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ قوله: ﴿وَرَفَعْنَا﴾ الضمير يعود إلى الرب ، لكنه جاء بصيغة الجمع تعظيمًا. قوله ﴿فَوْقَهُمُ﴾ أي: فوق رؤوس بني إسرائيل.

стр. 980

و ﴿الطُّورَ﴾ الجبل المعروف، وهو جبل عظيم كبير، اجتثه الله تعالى ورفعه حينما تقاعسوا عن تنفيذ الأوامر، فصار الجبل فوقهم كأنه ظلة، حتى ظنوا أنه واقع عليهم، وقيل لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] , فآمنوا إيمان إكراه في الحقيقة؛ لأنهم هددوا بالموت والهلاك، فإيمانهم إيمان اضطرار - والعياذ بالله! - ولهذا قال المفسرون: لما سجدوا كانوا ينظرون إلى الجبل، وإلى الآن يقولون: إن اليهود يسجدون على أطراف الجباه - وليس باستقامة - كأنما ينظرون إلى شيء يخافون أن يقع عليهم. وقوله: ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي: رفعًا مصحوبًا بالميثاق؛ لأن الله تعالى أمرهم عند رفعه أن يأخذوا الكتاب بقوة، والميثاق هو العهد المؤكد. قوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾؛ أي: باب بيت المقدس,: ﴿سُجَّدًا﴾ أي: ساجدين لله تعالى شكرًا لله تعالى على النعمة؛ لأن الله تعالى أمرهم أن يذهبوا إلى هذه القرية، وأن يقاتلوا أهلها, ولكنهم قالوا: إن فيها قومًا جبارين، والقصة مبسوطة في سورة المائدة، وبعد أن حصل عليهم التيه أربعين سنة أذن الله لهم بدخول القرية، وقيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: حال كونكم سجدًا؛ أي: ساجدين لله . وهل المراد بالسجود حقيقتهُ أو المراد الذل والخضوع كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥] الظاهر الأول: لأنهم دخلوا على أستاههم. وقوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ ولكنهم لم يفعلوا،

стр. 981

وإنما دخلوا على أستاههم، والإست: هي الدبر، والمعنى أنهم دخلوا يزحفون - والعياذ بالله - استكبارًا، وقيل: إنهم دخلوا على القفا، وقيل لهم: قولوا حطة، ولكنهم لم يفعلوا، لم يقولوا: حطة بل قالوا: حنطة، يعني: كأن هؤلاء القوم لا يريدون إلا أن يأكلوا ويشربوا فقط كالبهائم. قوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ وفي قراءة: "لَا تَعدُّوا في السَّبْتِ" والتعدي والعدو بمعنى واحد، والمعنى: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ بصيد الحيتان وقد حرمت عليكم، وكان اليهود قد حرم الله عليهم أن يصيدوا الحوت في يوم السبت ابتلاء وامتحانًا، فصارت الحيتان تأتي يوم السبت شرعًا، أي: طافية على سطح الماء وبكثرة، وكان اليهود - كما هو معروف من سيرتهم - أهل طمع وجشع، فغاظهم ذلك، وقالوا: ما الطريق إلى أخذ هذه الحيتان التي تأتي يوم السبت شرعًا، وفي غير يوم السبت لا يأتي منها شيء، فاحتالوا على ذلك بأن وضعوا شباكًا يوم الجمعة، فتأتي الحيتان وتتساقط فيها، ثم يأتون يوم الأحد فيأخذونها، فالفعل هنا ظاهره الإباحة؛ لأنهم ما تعدوا في السبت، لكن المقصود منه انتهاك حرمة الصيد في يوم السبت. ولهذا قيل لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] فقلبوا قردة؛ لأن القرد أشبه ما يكون بالإنسان، وهم بفعلهم هذا يشبه أن يكون حلالًا؛ لأنهم لم يصيدوا مباشرة يوم السبت، لما قيل لهم: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ لم يمتثلوا بل اعتدوا يوم السبت على وجه الحيلة والمكر والخداع، ومن استحل المحرم بالحيلة فهو أعظم إثمًا ممن استحله بصرحه؛ لأنه إذا استحله بالحيلة جمع بين مفسدتين:

стр. 982

المفسدة الأولى: استحلال المحرم. المفسدة الثانية: الخداع والتحيل على رب العالمين، الذي ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩]. ولهذا كان الذين يتحيلون على الربا أعظم إثمًا من الذين يأتون الربا على وجه صريح؛ لأن المتحيلين يخادعون الله، فيجمعون بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع؛ ولأن المتحيلين يرون أنهم على صواب، فلا يكادون ينزعون عنه، والذي يأتي الشيء صريحًا ويعرف أنه أخطأ فربما تلومه نفسه في يوم من الأيام حتى ينزجر. قوله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أي: عهدًا قويًا على أن يقوموا بما أمروا به، ولكنهم لم يقوموا بذلك، فنقضوا العهد ولم يبالوا، وكفروا بنعمة الله. * * * * قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء: ١٥٥]. ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، ﴿فَبِمَا﴾ الفاء عاطفة، والباء حرف جر، و "مَا" زائدة إعرابًا، ولكنها زائدة معنى؛ لأن كل حرف زائد إعرابًا فإنه يفيد التوكيد، والتوكيد لا شك أنه زيادة معنى، وعلى هذا فنعرب "مَا" زائدة، و "نقض" اسم مجرور بالباء؛ لأنه لو حذفت "ما" صار التركيب "فبنقضهم ميثاقهم". وأين متعلق الجار والمجرور في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾؟

стр. 983

الجواب: كلام الله يفسر بعضه بعضًا, وفي سورة المائدة قال الله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ وعلى هذا فيكون الجار والمجرور متعلقًا بمحذوف يفسره ما جاء في القرآن الكريم نفسه. وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم، ونقض الميثاق هو المخالفة فيه، بأن يكون بينك وبين آخر عهد ثم تخالفه، فهذا هو نقض الميثاق، وهؤلاء خالفوا ما أمروا به ولم يقوموا به فنقضوا الميثاق. قوله: ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الكونية والشرعية فالظاهر العموم، يعني: ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ حين كفروا بموسى، واقترحوا عليه وقَالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] إلى غير ذلك مما يعرف من سيرة القوم "الأمة الغضبية"، ومن أراد أن يعرف شيئًا من سيرتهم فليعد إلى كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم ﵀، فإنه بين معايبهم ومخازيهم والعياذ بالله! قوله: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ﴿وَقَتْلِهِمُ﴾ فيها ثلاث قراءات: "وَقَتْلِهُمُ الأَنْبِيَاء" أي: بضم الهاء والميم، والقراءة الثانية: كسر الهاء وضم الميم "وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ"، القراءة الثالثة: كسر الهاء والميم، "وَقَتْلِهِم الأَنْبِيَاءَ" وكلها قراءات سبعية يجوز للقارئ أن يقرأ بها, ولكن إنما يحسن ذلك لطالب العلم، أما العامي فلا تسمعه قراءة غير التي في المصحف؛ لأنك إذا أسمعته قراءة أخرى لهان القرآن بقلبه، أو لغلطك، وقال: إن هذا يتخبط بكتاب الله ، كما أنكر عمر ﵁ على هشام بن الحكم حين قرأ الآية من سورة الفرقان على خلاف ما كان

стр. 984

يقرؤها عمر ﵄، حتى تنازعا إلى النبي ﷺ . فالعامة إذا قرأت بخلاف ما في أيديهم لا شك أنهم سوف ينكرون عليك إنكارًا عظيمًا - وإن كنت على حق - ثم لو قدرنا أنهم لو وثقوا بك فسوف يهون القرآن في نفوسهم، والإنسان يجب عليه أن يجعل تعظيم القرآن في قلوب الناس أعلى من كل شيء يعظم سوى الله . وقوله: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾ جمع نبي، فإن كان نبيء بالهمزة فيقال: الأنبئاء، وإن كان بالياء قيل: الأنبياء، وكلتاهما قراءتان: "الأنبئاء" "والأنبياء". وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هذا بيان للواقع، وليس قيد احتراز؛ لأنه لا يمكن أن يكون قتل النبي بحق، لكنه بيان للواقع، وأن قتل النبي ليس بحق، والقيد الذي لبيان الواقع يفيد العلية، يعني: كأنه قال: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ لأن قتل الأنبياء ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، وسيأتي إن شاء الله بيان الحق في الفوائد. قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ نسأل الله العافية، إذا دعوا إلى الحق قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ والغلف: جمع أغلف، والأغلف: هو المغلف الذي عليه غلاف لا يصل إليه شيء، فهم يقولون هكذا ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وهذا كقول قريش: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] فقريش أعظم؛ لأنهم قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ وبنو إسرائيل قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ لا نسمع، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ لا نرى، فسدُّوا جميع الطرق - أعني: قريشًا - قالوا: القلوب لا تفقه، والآذان لا تسمع، والأعين لا

стр. 985

تبصر، والعياذ بالله! مع أن الحق أبلج، وأوضح ما يكون - نسأل الله الهداية -. قال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، قوله: ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب الإبطالي، يعني: بل ليس في قلوبهم غلاف، وليست قلوبهم غلفًا، ولكن ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ لأن الأصل الفطرة، والفطرة دين الإِسلام، وما يرد عليها مما لا يوصل الحق إلى القلب فهو وارد، وليس أصليًا فيها، فكأن الله كذبهم، وقال: إن القلوب ليست غلفًا، ولكن طبع عليها - بعد أن كانت على الفطرة - بكفرهم. وقوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: جعل عليها طابعًا، والشيء المختوم يجعل عليه طابع يطبع عليه، يعني: بمعنى الختم. وقوله: ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ الباء للسببية؛ أي: بسبب كفرهم طبع على قلوبهم فلا يصل إليها الخير. ولهذا قال: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، اختلف العلماء في قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقيل: إن المعنى لا يؤمنون أبدًا، وأن مثل هذا التعبير جارٍ في لسان العرب، فهو نفي للكل، وقيل: المعنى: إلا قليلًا منهم، فيكون الإستثناء من الواو، في قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم، وعلى هذا فينقسمون إلى قسمين: مؤمن وهو الأقل، وكافر وهو الأكثر، وقيل: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعود على الإيمان أي: لا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا، ثم هل المعنى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلا ضعيفًا، أو ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ في الزمن، بمعنى: أن أكثر وقتهم الكفر، وقد ينقدح الإيمان في قلوبهم ولكن سرعان ما
следующие страницы →