Полный текст (300 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
٩١
- فصل فِي معنى روح الْقُدس
قَالَ تَعَالَى ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم اذكر نعمتي عَلَيْك وعَلى والدتك إِذْ أيدتك بِروح الْقُدس﴾
فَيُقَال هَذَا مِمَّا لَا ريب فِيهِ وَلَا حجَّة لكم فِيهِ بل هُوَ حجَّة عَلَيْكُم فَإِن الله أيد الْمَسِيح ﵇ بِروح الْقُدس كَمَا ذكر ذَلِك فِي هَذِه الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى فِي الْبَقَرَة ﴿وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الرُّسُل فضلنَا بَعضهم على بعض مِنْهُم من كلم الله وَرفع بَعضهم دَرَجَات وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس﴾
وَهَذَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بالمسيح بل قد أيد غَيره بذلك وَقد ذكرُوا هم أَنه قَالَ لداود روحك الْقُدس لَا تنْزع مني وَقد قَالَ نَبينَا ﷺ لحسان بن ثَابت
اللَّهُمَّ أيده بِروح الْقُدس
وَفِي لفظ روح الْقُدس مَعَك مَا دمت تنافح عَن نبيه
وكلا اللَّفْظَيْنِ فِي الصَّحِيح
стр. 107
وَعند النَّصَارَى أَن الحواريين حلت فيهم روح الْقُدس وَكَذَلِكَ عِنْدهم روح الْقُدس حدث فِي جَمِيع الْأَنْبِيَاء
وَقد قَالَ تَعَالَى سُورَة النَّحْل الْآيَات ٩٨ ١٠٢
وَقد قَالَ تَعَالَى فِي مَوضِع آخر ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾
وَقَالَ ﴿قل من كَانَ عدوا لجبريل فَإِنَّهُ نزله على قَلْبك بِإِذن الله﴾
فقد تبين أَن روح الْقُدس هُنَا جِبْرِيل وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نورا نهدي بِهِ من نشَاء من عبادنَا﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ من أمره على من يَشَاء من عباده أَن أنذروا أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاتقون﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يلقِي الرّوح من أمره على من يَشَاء من عباده لينذر يَوْم التلاق﴾
فَهَذِهِ الرّوح الَّتِي أوحاها وَالَّتِي تنزل بهَا الْمَلَائِكَة على من يَشَاء من عباده غير الرّوح الْأمين الَّتِي تنزل بِالْكتاب وَكِلَاهُمَا يتسمى روحا وهما متلازمان فالروح الَّتِي ينزل بهَا
стр. 108
الْملك مَعَ الرّوح الْأمين الَّتِي ينزل بهَا روح الْقُدس يُرَاد بهَا هَذَا وَهَذَا
وبكلا الْقَوْلَيْنِ فسر الْمُفَسِّرُونَ قَوْله فِي الْمَسِيح ﴿وأيدناه بِروح الْقُدس﴾
وَلم يقل أحد أَن المُرَاد بذلك حَيَاة الله وَلَا اللَّفْظ يدل على ذَلِك وَلَا اسْتعْمل فِيهِ وهم إِمَّا أَن يسلمُوا أَن روح الْقُدس فِي حق غَيره لَيْسَ المُرَاد بهَا حَيَاة الله فَإِذا ثَبت أَن لَهَا معنى غير الْحَيَاة فَلَو اسْتعْمل فِي حَيَاة الله أَيْضا لم يتَعَيَّن أَن يُرَاد بهَا ذَلِك فِي حق الْمَسِيح فَكيف وَلم يسْتَعْمل فِي حَيَاة الله فِي حق الْمَسِيح وَإِمَّا أَن يدعوا أَن المُرَاد بهَا حَيَاة الله فِي حق الْأَنْبِيَاء والحواريين فَإِن قَالُوا ذَلِك لَزِمَهُم أَن يكون اللاهوت حَالا فِي جَمِيع الْأَنْبِيَاء والحواريين وَحِينَئِذٍ فَلَا فرق بَين هَؤُلَاءِ وَبَين الْمَسِيح
ويلزمهم أَيْضا أَن يكون فِي الْمَسِيح لاهوتان لاهوت الْكَلِمَة ولاهوت الرّوح فَيكون قد اتَّحد بِهِ أقنومان ثمَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وأيدناه بِروح الْقُدس﴾ يمْتَنع أَن يُرَاد بهَا حَيَاة الله فَإِن حَيَاة الله صفة قَائِمَة بِذَاتِهِ لَا تقوم بِغَيْرِهِ وَلَا تخْتَص بِبَعْض الموجودات غَيره وَأما عِنْدهم فالمسيح هُوَ الله الْخَالِق فَكيف يُؤَيّد بِغَيْرِهِ وَأَيْضًا فالمتحد بالمسيح هُوَ الْكَلِمَة دون الْحَيَاة فَلَا يَصح تأييده بهَا
فَتبين أَنهم يُرِيدُونَ أَن يحرفوا الْقُرْآن كَمَا حرفوا غَيره من الْكتب الْمُتَقَدّمَة وَأَن كَلَامهم فِي تَفْسِير الْمُتَشَابه من الْكتب الإلهية من جنس وَاحِد
فصل عِيسَى عبد الله وَرَسُوله
قَالَ تَعَالَى سُورَة الْبَقَرَة الْآيَة ٨٧
فَأخْبر عَن الْمَسِيح أَنه لم يقل لَهُم إِلَّا مَا أمره الله بِهِ بقوله أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم وَكَانَ عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دَامَ فيهم وَبعد وَفَاته كَانَ الله الرَّقِيب عَلَيْهِم فَإِذا كَانَ بَعضهم قد
стр. 109
غلط فِي النَّقْل عَنهُ أَو فِي تَفْسِير كَلَامه أَو تعمد تَغْيِير دينه لم يكن على الْمَسِيح ﵇ من ذَلِك دَرك وَإِنَّمَا هُوَ رَسُول عَلَيْهِ الْبَلَاغ الْمُبين
وَقد أخبر الله سُبْحَانَهُ أَن أول مَا تكلم بِهِ الْمَسِيح أَن قَالَ ﴿إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا وَبرا بوالدتي وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا﴾
ثمَّ طلب لنَفسِهِ السَّلَام فَقَالَ ﴿وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا﴾
وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ علينا مِنْهُ السَّلَام كَمَا يقوم الغالية فِيمَن يدعونَ فِيهِ الإلهية كالنصيرية فِي عَليّ والحاكمية فِي الْحَاكِم
الْوَجْه الثَّانِي أَن يُقَال إِن الله لم يذكر أَن الْمَسِيح مَاتَ وَلَا قتل وَإِنَّمَا قَالَ ﴿يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ ومطهرك من الَّذين كفرُوا﴾ وَقَالَ الْمَسِيح ﴿فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد﴾
وَقَالَ تَعَالَى سُورَة النِّسَاء الْآيَات ١٥٥ ١٦١
فذم الله الْيَهُود بأَشْيَاء مِنْهَا ﴿وَقَوْلهمْ على مَرْيَم بهتانا عَظِيما﴾ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّهَا بغي وَمِنْهَا قَوْلهم ﴿إِنَّا قتلنَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ وأضاف هَذَا القَوْل إِلَيْهِم
стр. 110
وذمهم عَلَيْهِ وَلم يذكر النَّصَارَى لِأَن الَّذين توَلّوا صلب المصلوب الْمُشبه بِهِ هم الْيَهُود وَلم يكن أحد من النَّصَارَى شَاهدا مَعَهم بل كَانَ الحواريون خَائِفين غائبين فَلم يشْهد أحد مِنْهُم الصلب وَإِنَّمَا شهده الْيَهُود وهم الَّذين أخبروا النَّاس أَنهم صلبوا الْمَسِيح وَالَّذين نقلوا أَن الْمَسِيح صلب من النَّصَارَى وَغَيرهم إِنَّمَا نقلوه عَن أُولَئِكَ الْيَهُود وهم شَرط من أعوان الظلمَة لم يَكُونُوا خلقا كثيرا يمْتَنع تواطؤهم على الْكَذِب
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ فنفى عَنهُ الْقَتْل ثمَّ قَالَ ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾
وَهَذَا عِنْد أَكثر الْعلمَاء مَعْنَاهُ قبل موت الْمَسِيح وَقد قيل قبل موت الْيَهُود وَهُوَ ضَعِيف كَمَا قيل إِنَّه قبل موت مُحَمَّد ﷺ وَهُوَ أَضْعَف فَإِنَّهُ لَو آمن بِهِ قبل الْمَوْت لنفعه إيمَانه بِهِ فَإِن الله يقبل تَوْبَة العَبْد مَا لم يُغَرْغر
وَإِن قيل المُرَاد بِهِ الْإِيمَان الَّذِي يكون بعد الغرغرة لم يكن فِي هَذَا فَائِدَة فَإِن كل أحد بعد مَوته يُؤمن بِالْغَيْبِ الَّذِي كَانَ يجحده فَلَا اخْتِصَاص للمسيح بِهِ وَلِأَنَّهُ قَالَ قبل مَوته وَلم يقل بعد مَوته وَلِأَنَّهُ وَلَا فرق بَين إيمَانه بالمسيح وَبِمُحَمَّدٍ صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه واليهودي الَّذِي يَمُوت على الْيَهُودِيَّة فَيَمُوت كَافِرًا بِمُحَمد والمسيح عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام وَلِأَنَّهُ قَالَ ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ وَقَوله ﴿ليُؤْمِنن بِهِ﴾ فعل مقسم عَلَيْهِ وَهَذَا إِنَّمَا يكون فِي الْمُسْتَقْبل فَدلَّ ذَلِك على أَن هَذَا الْإِيمَان بعد إِخْبَار الله بِهَذَا وَلَو أُرِيد قبل موت الْكِتَابِيّ لقَالَ وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا من يُؤمن بِهِ لم يقل ليُؤْمِنن بِهِ
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ إِن من أهل الْكتاب وَهَذَا يعم الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَدلَّ ذَلِك على أَن جَمِيع أهل الْكتاب الْيَهُود وَالنَّصَارَى يُؤمنُونَ بالمسيح قبل موت الْمَسِيح وَذَلِكَ إِذا نزل آمَنت الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِأَنَّهُ رَسُول الله لَيْسَ كَاذِبًا كَمَا يَقُول الْيَهُود وَلَا هُوَ الله كَمَا تَقوله النَّصَارَى
والمحافظة على هَذَا الْعُمُوم أولى من أَن يَدعِي أَن كل كتابي ليُؤْمِنن بِهِ قبل أَن يَمُوت الْكِتَابِيّ فَإِن هَذَا يسْتَلْزم إِيمَان كل يَهُودِيّ وَنَصْرَانِي وَهَذَا خلاف الْوَاقِع وَهُوَ لما قَالَ ﴿وَإِن من أهل الْكتاب إِلَّا ليُؤْمِنن بِهِ قبل مَوته﴾ وَدلّ على أَن المُرَاد بإيمَانهمْ قبل أَن يَمُوت هُوَ علم أَنه أُرِيد بِالْعُمُومِ عُمُوم من كَانَ مَوْجُودا حِين نُزُوله أَي لَا يتَخَلَّف مِنْهُم أحد عَن الْإِيمَان بِهِ لَا إِيمَان من كل مِنْهُم مَيتا
وَهَذَا كَمَا يُقَال إِنَّه لَا يبْقى بلد إِلَّا دخله الدَّجَّال إِلَّا مَكَّة وَالْمَدينَة أَي فِي الْمَدَائِن الْمَوْجُودَة حِينَئِذٍ وَسبب إِيمَان أهل الْكتاب بِهِ حِينَئِذٍ ظَاهر فَإِنَّهُ يظْهر لكل أحد أَنه رَسُول مؤيد لَيْسَ بِكَذَّابٍ وَلَا هُوَ رب الْعَالمين
стр. 111
فَالله تَعَالَى ذكر إِيمَانهم بِهِ إِذا نزل إِلَى الأَرْض فَإِنَّهُ تَعَالَى لما ذكر رَفعه إِلَى الله بقوله ﴿إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ﴾ وَهُوَ ينزل إِلَى الأَرْض قبل يَوْم الْقِيَامَة وَيَمُوت حِينَئِذٍ أخبر الْآيَة الزخرف الْآيَات ٥٩ ٦٥
فِي الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ
يُوشك أَن ينزل فِيكُم ابْن مَرْيَم حكما عدلا وإماما مقسطا فيكسر الصَّلِيب وَيقتل الْخِنْزِير وَيَضَع الْجِزْيَة
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم وَإِن الَّذين اخْتلفُوا فِيهِ لفي شكّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ من علم إِلَّا اتِّبَاع الظَّن وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رَفعه الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ بَيَان أَن الله رَفعه حَيا وَسلمهُ من الْقَتْل وَبَين أَنهم يُؤمنُونَ بِهِ قبل أَن يَمُوت
وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿ومطهرك من الَّذين كفرُوا﴾ وَلَو مَاتَ لم يكن فرق بَينه وَبَين غَيره
معنى التوفي
وَلَفظ التوفي فِي لُغَة الْعَرَب مَعْنَاهُ الِاسْتِيفَاء وَالْقَبْض وَذَلِكَ ثَلَاثَة أَنْوَاع أَحدهَا توفّي النّوم وَالثَّانِي توفّي الْمَوْت وَالثَّالِث توفّي الرّوح وَالْبدن جَمِيعًا فَإِنَّهُ بذلك خرج عَن حَال أهل الأَرْض الَّذين يَحْتَاجُونَ إِلَى الْأكل وَالشرب واللباس وَيخرج مِنْهُم الْغَائِط وَالْبَوْل والمسيح ﵇ توفاه الله وَهُوَ فِي السَّمَاء الثَّانِيَة إِلَى أَن ينزل إِلَى الأَرْض لَيست حَاله كحالة أهل الأَرْض فِي الْأكل وَالشرب واللباس وَالنَّوْم وَالْغَائِط وَالْبَوْل وَنَحْو ذَلِك
الْوَجْه الثَّالِث قَوْلهم إِنَّه عَنى بِمَوْتِهِ عَن موت الناسوت كَانَ يَنْبَغِي لَهُم أَن يَقُولُوا على أصلهم عَنى بتوفيته عَن توفّي الناسوت وَسَوَاء قيل مَوته أَو توفيته فَلَيْسَ هُوَ شَيْئا غير الناسوت فَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْء غَيره لم يتوف الله تَعَالَى قَالَ
стр. 112
﴿إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ﴾ فالمتوفى هُوَ الْمَرْفُوع إِلَى الله وَقَوْلهمْ إِن الْمَرْفُوع هُوَ اللاهوت مُخَالف لنَصّ الْقُرْآن وَلَو كَانَ هُنَاكَ موت فَكيف إِذا لم يكن فَإِنَّهُم جعلُوا الْمَرْفُوع غير الْمُتَوفَّى وَالْقُرْآن أخبر أَن الْمَرْفُوع هُوَ الْمُتَوفَّى
وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ هُوَ تَكْذِيب للْيَهُود فِي قَوْلهم ﴿إِنَّا قتلنَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله﴾ وَالْيَهُود لم يدعوا قتل لاهوت وَلَا أثبتوا لله لاهوتا فِي الْمَسِيح وَالله تَعَالَى لم يذكر دَعْوَى قَتله عَن النَّصَارَى حَتَّى يُقَال إِن مقصودهم قتل الناسوت دون اللاهوت بل عَن الْيَهُود الَّذين لَا يثبتون إِلَّا الناسوت
وَقد زَعَمُوا أَنهم قَتَلُوهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ فَأثْبت رفع الَّذِي قَالُوا إِنَّهُم قَتَلُوهُ وَإِنَّمَا هُوَ الناسوت فَعلم أَنه هُوَ الَّذِي نفي عَنهُ الْقَتْل وَهُوَ الَّذِي رفع وَالنَّصَارَى معترفون بِرَفْع الناسوت لَكِن يَزْعمُونَ أَنه صلب وَأقَام فِي الْقَبْر إِمَّا يَوْمًا وَإِمَّا ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ صعد إِلَى السَّمَاء وَقعد عَن يَمِين الْأَب الناسوت مَعَ اللاهوت
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا﴾ مَعْنَاهُ أَن نفي قَتله هُوَ يَقِين لَا ريب فِيهِ بِخِلَاف الَّذين اخْتلفُوا بِأَنَّهُم فِي شكّ مِنْهُ من قَتله وَغير قَتله فليسوا مستيقنين أَنه قتل إِذْ لَا حجَّة مَعَه بذلك
وَلذَلِك كَانَت طَائِفَة من النَّصَارَى يَقُولُونَ إِنَّه لم يصلب فَإِن الَّذين صلبوا المصلوب هم الْيَهُود وَكَانَ قد اشْتبهَ عَلَيْهِم الْمَسِيح بِغَيْرِهِ كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَكَذَلِكَ عِنْد أهل الْكتاب أَنه اشْتبهَ بِغَيْرِهِ فَلم يعرفوا من هُوَ الْمَسِيح من أُولَئِكَ حَتَّى قَالَ لَهُم بعض النَّاس أَنا أعرفهُ فعرفوه وَقَول من قَالُوا معنى الْكَلَام مَا قَتَلُوهُ علما بل ظنا قَول ضَعِيف
الْوَجْه الرَّابِع أَنه قَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ ومطهرك من الَّذين كفرُوا﴾ فَلَو كَانَ الْمَرْفُوع هُوَ اللاهوت لَكَانَ رب الْعَالمين قَالَ لنَفسِهِ أَو لكلمته ﴿ورافعك إِلَيّ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ فالمسيح عِنْدهم هُوَ الله
وَمن الْمَعْلُوم أَنه يمْتَنع رفع نَفسه إِلَى نَفسه وَإِذا قَالُوا هُوَ الْكَلِمَة فهم مَعَ ذَلِك أَنه الْإِلَه الْخَالِق لَا يجعلونه بِمَنْزِلَة التَّوْرَاة وَالْقُرْآن وَنَحْوهمَا مِمَّا هُوَ كَلَام الله الَّذِي قَالَ فِيهِ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ بل عِنْدهم هُوَ الله الْخَالِق الرازق رب الْعَالمين وَرفع رب الْعَالمين إِلَى رب الْعَالمين مُمْتَنع
الْوَجْه الْخَامِس قَوْله ﴿وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم﴾ دَلِيل على أَنه بعد توفيته لم يكن الرَّقِيب عَلَيْهِم إِلَّا الله دون الْمَسِيح فَإِن قَوْله كنت أَنْت يدل على الْحصْر كَقَوْلِه إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق وَنَحْو ذَلِك فَعلم أَن الْمَسِيح بعد
стр. 113
توفيته لَيْسَ رقيبا على اتِّبَاعه بل الله هُوَ الرَّقِيب المطلع عَلَيْهِم المحصي أَعْمَالهم الْمجَازِي عَلَيْهَا والمسيح لَيْسَ برقيب فَلَا يطلع على أَعْمَالهم وَلَا يحصيها وَلَا يجازيهم بهَا
فصل فَسَاد قَول النَّصَارَى فِي أَن الْمَسِيح خَالق
قَالُوا وَقد سَمَّاهُ الله أَيْضا فِي هَذَا الْكتاب خَالِقًا حَيْثُ قَالَ ﴿وَإِذ تخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بإذني فتنفخ فِيهَا فَتكون طيرا بإذني﴾ سُورَة الْمَائِدَة ١١٠
فَأَشَارَ بالخالق إِلَى كلمة الله المتحدة فِي الناسوت الْمَأْخُوذَة من مَرْيَم أَنه كَذَا قَالَ على لِسَان دَاوُد النَّبِي
بِكَلِمَة الله خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَيْسَ خَالق إِلَّا الله وكلمته وروحه
وَهَذَا مِمَّا يُوَافق رَأينَا واعتقادنا فِي السَّيِّد الْمَسِيح لذكره لِأَنَّهُ حَيْثُ قَالَ وتخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير فتنفخ فِيهِ فَيكون طيرا بِإِذن الله أَي بِإِذن اللاهوت الْكَلِمَة المتحدة فِي الناسوت
وَالْجَوَاب إِن جَمِيع مَا يحتجون بِهِ من هَذِه الْآيَات وَغَيرهَا فَهُوَ حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم وَهَكَذَا شَأْن جَمِيع أهل الضلال إِذا احْتَجُّوا بِشَيْء من كتب الله وَكَلَام أنبيائه كَانَ فِي نفس مَا احْتَجُّوا بِهِ مَا يدل على فَسَاد قَوْلهم وَذَلِكَ لِعَظَمَة كتب الله الْمنزلَة وَمَا نطق بِهِ أنبياؤه فَإِنَّهُ جعل ذَلِك هدى وبيانا لِلْخلقِ وشفاء لما فِي الصُّدُور فَلَا بُد أَن يكون فِي كَلَام الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه أَجْمَعِينَ من الْهدى وَالْبَيَان مَا يفرق الله بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل والصدق وَالْكذب لَكِن النَّاس يُؤْتونَ من قبل أنفسهم لَا من قبل أَنْبيَاء الله تَعَالَى
إِمَّا من كَونهم لم يتدبروا القَوْل الَّذِي قالته الْأَنْبِيَاء حق التدبر حَتَّى يفقهوه ويفهموه
وَإِمَّا من جِهَة أَخذهم بِبَعْض الْحق دون بعض مثل أَن يُؤمنُوا بِبَعْض مَا أنزل الله دون بعض فيضلون من جِهَة مَا لم يُؤمنُوا بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن النَّصَارَى ﴿وَمن الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخذنَا ميثاقهم فنسوا حظا مِمَّا ذكرُوا بِهِ فأغرينا بَينهم الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾
وَإِمَّا من جِهَة نسبتهم إِلَى الْأَنْبِيَاء مَا لم يقولوه من أَقْوَال كذبت عَلَيْهِم وَمن جِهَة تَرْجَمَة
стр. 114
أَقْوَالهم بِغَيْر مَا تستحقه من التَّرْجَمَة وتفسيرها بِغَيْر مَا تستحقه من التَّفْسِير الَّذِي دلّ عَلَيْهِ كَلَام الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَإِنَّهُ يجب أَن يُفَسر كَلَام الْمُتَكَلّم بِبَعْض ببع وَيُؤْخَذ كَلَامه هَا هُنَا وَهَا هُنَا وتعرف مَا عَادَته يُعينهُ ويريده بذلك اللَّفْظ إِذا تكلم بِهِ وتعرف الْمعَانِي الَّتِي عرف أَنه أرادها فِي مَوضِع آخر فَإِذا عرف عرفه وعادته فِي مَعَانِيه وَأَلْفَاظه كَانَ هَذَا مِمَّا يستعان بِهِ على معرفَة مُرَاده
وَأما إِذا اسْتعْمل لَفظه فِي معنى لم تجر عَادَته بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ وَترك اسْتِعْمَاله فِي الْمَعْنى الَّذِي جرت عَادَته بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ وَحمل كَلَامه على خلاف الْمَعْنى الَّذِي قد عرف أَنه يُريدهُ بذلك اللَّفْظ يَجْعَل كَلَامه متناقضا وَيتْرك كَلَامه على مَا يُنَاسب سَائِر كَلَامه كَانَ ذَلِك تحريفا لكَلَامه عَن مَوْضِعه وتبديلا لمقاصده وكذبا عَلَيْهِ
فَهَذَا أصل من ضل فِي تَأْوِيل كَلَام الْأَنْبِيَاء على غير مُرَادهم فَإِذا عرف هَذَا فَيَقُول
الرَّد عَلَيْهِم
الْجَواب عَمَّا ذَكرُوهُ هُنَا من وُجُوه
أَحدهمَا أَن الله لم يذكر عَن الْمَسِيح خلقا مُطلقًا وَلَا خلقا عَاما كَمَا ذكر عَن نَفسه ﵎ فَأول مَا أنزل الله على نبيه مُحَمَّد ﷺ ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم هُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر سُبْحَانَ الله عَمَّا يشركُونَ هُوَ الله الْخَالِق البارئ المصور لَهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾
فَذكر نَفسه بِأَنَّهُ الْخَالِق البارىء المصور وَلم يصف قطّ شَيْئا من الْمَخْلُوقَات بِهَذَا لَا ملكا وَلَا نَبيا وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء وَهُوَ على كل شَيْء وَكيل لَهُ مقاليد السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجعلُوا لله شُرَكَاء الْجِنّ وخلقهم وخرقوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْر علم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة وَخلق كل شَيْء وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾
стр. 115
وَوصف نَفسه بِأَنَّهُ رب الْعَالمين وَبِأَنَّهُ مَالك يَوْم الدّين وَأَنه لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَأَنه الْحَيّ القيوم لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم وَأَنه على كل شَيْء قدير وَبِكُل شَيْء عليم وَنَحْو ذَلِك من خَصَائِص الربوبية وَلم يصف شَيْئا من مخلوقاته لَا ملكا مقربا وَلَا نَبيا مُرْسلا بِشَيْء من الخصائص الَّتِي يخْتَص بهَا الَّتِي وصف بهَا نَفسه
وَأما الْمَسِيح ﵇ فَقَالَ فِيهِ ﴿وَإِذ تخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بإذني فتنفخ فِيهَا فَتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني﴾
وَقَالَ الْمَسِيح عَن نَفسه ﴿أخلق لكم من الطين كَهَيئَةِ الطير فأنفخ فِيهِ فَيكون طيرا بِإِذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الْمَوْتَى بِإِذن الله﴾ فَلم يذكر إِلَّا خلق شَيْء معِين خَاص بِإِذن الله فَكيف يكون هَذَا الْخلق هُوَ ذَاك
الْوَجْه الثَّانِي أَنه خلق من الطين كَهَيئَةِ الطير وَالْمرَاد بِهِ تَصْوِيره بِصُورَة الطير وَهَذَا الْخلق يقدر عَلَيْهِ عَامَّة النَّاس فَإِنَّهُ يُمكن أحدهم أَن يصور من الطين كَهَيئَةِ الطير وَغير الطير من الْحَيَوَانَات وَلَكِن التَّصْوِير محرم بِخِلَاف تَصْوِير الْمَسِيح فَإِن الله أذن لَهُ فِيهِ
والمعجزة أَنه ينْفخ فِيهِ الرّوح فَيصير طيرا بِإِذن الله لَيْسَ المعجزة مُجَرّد خلقه من الطين فَإِن هَذَا مُشْتَرك وَلَقَد لعن النَّبِي ﷺ المصورين وَقَالَ
إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون
الْوَجْه الثَّالِث أَن الله أخبر أَن الْمَسِيح إِنَّمَا فعل التَّصْوِير وَهُوَ محرم والنفخ بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَأخْبر الْمَسِيح ﵇ أَنه فعله بِإِذن الله وَأخْبر الله أَن هَذَا من نعْمَته الَّتِي أنعم بهَا على الْمَسِيح ﵇ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن هُوَ إِلَّا عبد أنعمنا عَلَيْهِ وجعلناه مثلا لبني إِسْرَائِيل﴾
وَقَالَ تَعَالَى لَهُ ﴿عِيسَى ابْن مَرْيَم اذكر نعمتي عَلَيْك وعَلى والدتك إِذْ أيدتك بِروح الْقُدس تكلم النَّاس فِي المهد وكهلا وَإِذ علمتك الْكتاب وَالْحكمَة والتوراة وَالْإِنْجِيل وَإِذ تخلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بإذني فتنفخ فِيهَا فَتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وَإِذ تخرج الْمَوْتَى بإذني وَإِذ كَفَفْت بني إِسْرَائِيل عَنْك إِذْ جئتهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾
стр. 116
وَهَذَا كُله صَرِيح فِي أَنه لَيْسَ هُوَ الله وَإِنَّمَا هُوَ عبد الله فعل ذَلِك بِإِذن الله كَمَا فعل مثل ذَلِك غَيره من الْأَنْبِيَاء وصريح بِأَن الْإِذْن غير الْمَأْذُون لَهُ والمعلم لَيْسَ هُوَ الْمعلم والمنعم عَلَيْهِ وعَلى والدته لَيْسَ هُوَ إِيَّاه كَمَا لَيْسَ هُوَ والدته
وَالْوَجْه الرَّابِع أَنهم قَالُوا أشاروا بالخالق إِلَى كلمة الله المتحدة فِي الناسوت ثمَّ قَالُوا فِي قَوْله ﴿بِإِذن الله﴾ أَي بِإِذن الْكَلِمَة المتحدة فِي الناسوت وَهَذَا يبين تناقضهم وافتراءهم على الْقُرْآن لِأَن الله أخبر فِي الْقُرْآن أَن الْمَسِيح خلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بِإِذن الله فَفرق بَين الْمَسِيح وَبَين الله وَبَين أَن الله هُوَ الْآذِن للمسيح وَهَؤُلَاء زَعَمُوا أَن مُرَاده بذلك أَن اللاهوت المتحد بناسوت الْمَسِيح هُوَ الْخَالِق وَهُوَ الْآذِن فَجعلُوا الْخَالِق هُوَ الْآذِن وَهُوَ تَفْسِير لِلْقُرْآنِ بِمَا يُخَالف صَرِيح الْقُرْآن
الْوَجْه الْخَامِس أَن اللاهوت إِذا كَانَ هُوَ الْخَالِق لم يحْتَج إِلَى أَن يَأْذَن لنَفسِهِ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ هُوَ إِلَه وَاحِد وَهُوَ الْخَالِق فَكيف يحْتَاج أَن يَأْذَن لنَفسِهِ وينعم على نَفسه
الْوَجْه السَّادِس أَن الْخَالِق إِمَّا أَن يكون هُوَ الذَّات الموصوفة بالْكلَام أَو الْكَلَام الَّذِي هُوَ صفة للذات فَإِن كَانَ هُوَ الْكَلَام فَالْكَلَام صفة لَا تكون ذاتا قَائِمَة بِنَفسِهَا خالقة وَلَو لم تتحد بالناسوت واتحادها بالناسوت دون الْمَوْصُوف مُمْتَنع لَو كَانَ الِاتِّحَاد مُمكنا فَكيف وَهُوَ مُمْتَنع
فقد تبين امْتنَاع كَونه الْكَلِمَة تكون خالقة من وُجُوه وَإِن كَانَ الْخَالِق هُوَ الذَّات المتصفة بالْكلَام فَذَاك هُوَ الله الْخَالِق لكل شَيْء رب الْعَالمين وَعِنْدهم هُوَ الْأَب والمسيح عِنْدهم لَيْسَ هُوَ الْأَب فَلَا يكون هُوَ الْخَالِق لكل شَيْء وَالْقُرْآن يبين أَن الله هُوَ الَّذِي أذن للمسيح حَتَّى خلق من الطين كَهَيئَةِ الطير فَتبين أَن الَّذِي خلق من الطين كَهَيئَةِ الطير لَيْسَ هُوَ الله وَلَا صفة من صِفَاته فَلَيْسَ الْمَسِيح هُوَ ابْن قديم أزلي لله وَلَكِن عَبده فعل بِإِذْنِهِ
الْوَجْه السَّابِع قَوْلهم فَأَشَارَ بالخالق إِلَى كلمة الله المتحدة فِي الناسوت الْمَأْخُوذَة من مَرْيَم أَنه كَذَا قَالَ على لِسَان دَاوُد النَّبِي بِكَلِمَة الله خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض
فَيُقَال لَهُم هَذَا النَّص عَن دَاوُد حجَّة عَلَيْكُم كَمَا أَن التَّوْرَاة وَالْقُرْآن وَسَائِر مَا ثَبت عَن الْأَنْبِيَاء حجَّة عَلَيْكُم فَإِن دَاوُد ﵇ قَالَ بِكَلِمَة الله خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَلم يقل إِن كلمة الله هِيَ الخالقة كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُم أَنه أَشَارَ بالخالق إِلَى كلمة الله
وَالْفرق بَين الْخَالِق للسماوات وَالْأَرْض وَبَين الْكَلِمَة الَّتِي بهَا خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَمر ظَاهر مَعْرُوف كالفرق بَين الْقَادِر وَالْقُدْرَة فَإِن الْقَادِر هُوَ الْخَالِق وَقد خلق الْأَشْيَاء
стр. 117
بقدرته وَلَيْسَت الْقُدْرَة هِيَ الخالقة وَكَذَلِكَ الْفرق بَين المريد والإرادة فَإِن خلق الْأَشْيَاء بمشيئته وَلَيْسَت مَشِيئَته هِيَ الخالقة وَكَذَلِكَ الدُّعَاء وَالْعِبَادَة هُوَ للإله الْخَالِق لَا لشَيْء من صِفَاته فَالنَّاس كلهم يَقُولُونَ يَا الله يَا رَبنَا يَا خالقنا ارحمنا واغفر لنا وَلَا يَقُول أحد يَا كَلَام الله اغْفِر لنا وارحمنا وَلَا يَا قدرَة الله وَيَا مَشِيئَة الله وَيَا علم الله اغْفِر لنا وارحمنا وَالله تَعَالَى يخلق بقدرته ومشيئته وَكَلَامه وَلَيْسَت صِفَاته هِيَ الخالقة
الْوَجْه الثَّامِن أَن قَول دَاوُد ﵇ بِكَلِمَة الله خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض يُوَافق مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن والتوراة وَغير ذَلِك من كتب الْأَنْبِيَاء أَن الله يَقُول للشَّيْء كن فَيكون وَهَذَا فِي الْقُرْآن فِي غير مَوضِع وَفِي التَّوْرَاة قَالَ الله ليكن كَذَا ليكن كَذَا
الْوَجْه التَّاسِع قَوْلهم لِأَنَّهُ لَيْسَ خَالق إِلَّا الله وكلمته وروحه إِن أَرَادوا بكلمته كَلَامه وبروحه حَيَاته فَهَذِهِ من صِفَات الله كعلمه وَقدرته فَلم يعبر أحد من الْأَنْبِيَاء عَن حَيَاة الله بِأَنَّهَا روح الله فَمن حمل كَلَام أحد من الْأَنْبِيَاء بِلَفْظ الرّوح أَنه يُرَاد بِهِ حَيَاة الله فقد كذب عَلَيْهِ ثمَّ يُقَال هَذَا كَلَامه وحياته من صِفَات الله كعلمه وَقدرته وَحِينَئِذٍ فالخالق هُوَ الله وَحده وَصِفَاته دَاخِلَة فِي مُسَمّى اسْمه لَا يحْتَاج أَن تجْعَل معطوفة على اسْمه بواو التَّشْرِيك الَّتِي تؤذن بِأَن الله لَهُ شريك فِي خلقه فَإِن الله لَا شريك لَهُ
وَلِهَذَا لما قَالَ تَعَالَى ﴿الله خَالق كل شَيْء﴾ دخل كل مَا سواهُ فِي مخلوقاته وَلم تدخل صِفَاته كعلمه وَقدرته ومشيئته وَكَلَامه لِأَن هَذِه دَاخِلَة فِي مُسَمّى اسْمه لَيست أسماؤه مباينة لَهُ بل أسماؤه الْحسنى متناولة لذاته المقدسة المتصفة بِهَذِهِ الصِّفَات لَا يجوز أَن يُرَاد بأسمائه ذَات مُجَرّدَة عَن صِفَات الْكَمَال فَإِن تِلْكَ حَقِيقَة لَهَا وَيمْتَنع وجود ذَات مُجَرّدَة عَن صفة فضلا عَن وجود ذَاته تَعَالَى مُجَرّدَة عَن صِفَات كَمَاله الَّتِي هِيَ لَازِمَة لذاته يمْتَنع تحقق ذَاته دونهَا
وَلِهَذَا لَا يُقَال الله وَعلمه خلق وَالله وَقدرته خلق وَإِن أَرَادوا بكلمته وروحه الْمَسِيح أَو شَيْئا اتَّحد بناسوت الْمَسِيح فالمسيح ﵇ كُله مَخْلُوق كَسَائِر الرُّسُل وَالله وَحده هُوَ الْخَالِق وَإِن شِئْت قلت إِن أُرِيد بِالروحِ والكلمة مَا هُوَ صفة لله فَتلك دَاخِلَة فِي مُسَمّى اسْمه وَإِن أُرِيد مَا لَيْسَ بِصفة فَذَلِك مَخْلُوق لَهُ كالناسوت
الْوَجْه الْعَاشِر أَن دَاوُد ﵇ لَا يجوز أَن يُرِيد بِكَلِمَة الله الْمَسِيح لِأَن الْمَسِيح عِنْد جَمِيع النَّاس هُوَ اسْم للناسوت وَهُوَ عِنْدهم اسْم اللاهوت والناسوت لما اتَّحد والاتحاد فعل حَادث عِنْدهم فَقبل الِاتِّحَاد لم يكن هُنَاكَ ناسوت وَلَا مَا يُسمى مسيحيا فَعلم أَن دَاوُد لم يرد بِكَلِمَة الله الْمَسِيح وَلَكِن غايتهم أَن يَقُولُوا أَرَادَ الْكَلِمَة الَّتِي اتّحدت فِيهَا بعد الْمَسِيح لَكِن الَّذِي خلق بِإِذن الله هُوَ الْمَسِيح كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن بقوله ﴿يبشرك بِكَلِمَة مِنْهُ اسْمه الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم وجيها فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمن المقربين﴾
стр. 118
فالكلمة الَّتِي ذكرهَا وَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي بهَا خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَيست هِيَ الْمَسِيح الَّذِي خلق من الطين كَهَيئَةِ الطير بِإِذن الله فاحتجاجهم بِهَذَا على هَذَا احتجاج بَاطِل بل تِلْكَ الْكَلِمَة الَّتِي بهَا خلقت السَّمَاوَات وَالْأَرْض لم يكن مَعهَا ناسوت حِين خلقت بِاتِّفَاق الْأُمَم والمسيح لَا بُد أَن يدْخل فِيهِ الناسوت فَعلم أَنه لم يرد بِالْكَلِمَةِ الْمَسِيح
стр. 119
فصل
قَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ فتنا بَعضهم بِبَعْض لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ من الله عَلَيْهِم من بَيْننَا أَلَيْسَ الله بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ﴾ سُورَة الْأَنْعَام ٥٣
فتخصيص هَذَا بِالْإِيمَان كتخصيص هَذَا بمزيد علم وَقُوَّة وَصِحَّة وجمال وَمَال قَالَ تَعَالَى ﴿أهم يقسمون رَحْمَة رَبك نَحن قسمنا بَينهم معيشتهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ورفعنا بَعضهم فَوق بعض دَرَجَات ليتَّخذ بَعضهم بَعْضًا سخريا﴾ سُورَة الزخرف ٣٢ وَإِذا خص أحد الشخصين بِقُوَّة وطبيعة تَقْتَضِي غذَاء صَالحا خصّه بِمَا يُنَاسب ذَلِك من الصِّحَّة والعافية ون لم يُعْط الآخر ذَلِك نقص عَنهُ وَحصل لَهُ ضعف وَمرض
وَالظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه فَهُوَ لَا يضع الْعقُوبَة إِلَّا فِي الْمحل الَّذِي يَسْتَحِقهَا لَا يَضَعهَا على محسن أبدا وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
يَمِين الله ملأى لَا يغيضها
стр. 120
نَفَقَة سحاء اللَّيْل وَالنَّهَار أَرَأَيْتُم مَا أنْفق مُنْذُ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فَإِنَّهُ لم يغض مَا فِي يَمِينه والقسط بِيَدِهِ الْأُخْرَى يقبض ويبسط فَبين أَنه يحسن ويعدل وَلَا يخرج فعله عَن الْعدْل وَالْإِحْسَان وَلِهَذَا قيل كل نعْمَة مِنْهُ فضل وكل نقمة مِنْهُ عدل
وَلِهَذَا يخبر أَنه تَعَالَى يُعَاقب النَّاس بِذُنُوبِهِمْ وَأَن إنعامه عَلَيْهِم إِحْسَان مِنْهُ كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الإلهي يَقُول الله تَعَالَى يَا عبَادي إِنِّي حرمت الظُّلم على نَفسِي وَجَعَلته بَيْنكُم محرما فَلَا تظالموا إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ سُورَة النِّسَاء ٧٩ أَي مَا أَصَابَك من نعم تحبها كالنصر والرزق فَالله أنعم بذلك عَلَيْك وَمَا أَصَابَك من نقم تكرهها فبذنوبك وخطاياك فالحسنات والسيئات هُنَا أَرَادَ بهَا النعم والمصائب كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وبلوناهم بِالْحَسَنَاتِ والسيئات﴾ سُورَة الْأَعْرَاف ٦٨ وكما قَالَ تَعَالَى ﴿إِن تصبك حَسَنَة تسؤهم وَإِن تصبك مُصِيبَة يَقُولُوا قد أَخذنَا أمرنَا من قبل﴾ سُورَة التوربة ٥٠ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن تمسسكم حَسَنَة تسؤهم وَإِن تصبكم سَيِّئَة يفرحوا بهَا﴾ سُورَة آل عمرَان ١٢٠ وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا أذقنا النَّاس رَحْمَة فرحوا بهَا وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم إِذا هم يقنطون﴾ سُورَة الرّوم ٣٦ فَأخْبر أَن مَا يُصِيب بِهِ النَّاس من الْخَيْر فَهُوَ رَحْمَة مِنْهُ أحسن بهَا إِلَى عباده وَمَا أَصَابَهُم بِهِ من الْعُقُوبَات فبذنوبهم وَتَمام الْكَلَام على هَذَا مَبْسُوط فِي مَوَاضِع آخر
وَكَذَلِكَ الْحِكْمَة أجمع الْمُسلمُونَ على أَن الله تَعَالَى مَوْصُوف بالحكمة لَكِن تنازعوا فِي تَفْسِير ذَلِك
فَقَالَت طَائِفَة الْحِكْمَة ترجع إِلَى علمه بِأَفْعَال الْعباد وإيقاعها على الْوَجْه الَّذِي أَرَادَهُ
стр. 121
وَلم يثبتوا إِلَّا الْعلم والإرادة وَالْقُدْرَة
وَقَالَ الْجُمْهُور من أهل السّنة وَغَيرهم بل هُوَ حَكِيم فِي خلقه وَأمره وَالْحكمَة لَيست مُطلق الْمَشِيئَة إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ كل مُرِيد حكيما وَمَعْلُوم أَن الْإِرَادَة تَنْقَسِم إِلَى محمودة ومذمومة بل الْحِكْمَة تَتَضَمَّن مَا فِي خلقه وَأمره من العواقب المحمودة والغايات المحبوبة وَالْقَوْل بِإِثْبَات هَذِه الْحِكْمَة لَيْسَ هُوَ قَول الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم من الشِّيعَة فَقَط بل هُوَ قَول جَمَاهِير طوائف الْمُسلمين من أهل التَّفْسِير وَالْفِقْه والْحَدِيث والتصوف وَالْكَلَام وَغَيرهم فأئمة الْفُقَهَاء متفقون على إِثْبَات الْحِكْمَة والمصالح فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَإِنَّمَا يُنَازع فِي ذَلِك طَائِفَة من نفاة الْقيَاس وَغير نفاته وَكَذَلِكَ مَا فِي خلقه من الْمَنَافِع وَالْحكم والمصالح لِعِبَادِهِ مَعْلُوم
وَأَصْحَاب القَوْل الأول كجهم بن صَفْوَان وموافقيه كالأشعري وَمن وَافقه من الْفُقَهَاء من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَغَيرهم يَقُولُونَ لَيْسَ فِي الْقُرْآن لَام التَّعْلِيل فِي أَفعَال الله بل لَيْسَ فِيهِ إِلَّا لَام الْعَاقِبَة
وَأما الْجُمْهُور فَيَقُولُونَ بل لَام التَّعْلِيل دَاخِلَة فِي أَفعَال الله وَأَحْكَامه
وَالْقَاضِي أَبُو يعلى وَأَبُو الْحسن بن الزَّاغُونِيّ وَنَحْوهمَا من أَصْحَاب أَحْمد وَإِن كَانُوا قد يَقُولُونَ بِالْأولِ فهم يَقُولُونَ بِالثَّانِي أَيْضا فِي غير مَوضِع وَكَذَلِكَ أمثالهم من الْفُقَهَاء أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهمَا
وَأما ابْن عقيل فِي بعض الْمَوَاضِع وَأَبُو خازم بن القَاضِي أبي يعلى وَأَبُو الْخطاب الصَّغِير فيصرحون بِالتَّعْلِيلِ وَالْحكمَة فِي أَفعَال الله مُوَافقَة لمن قَالَ ذَلِك من أهل النّظر
وَالْحَنَفِيَّة هم من أهل السّنة وقائلين بِالْقدرِ وجمهورهم يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ والمصالح
стр. 122
والكرامية وأمثالهم هم أَيْضا من الْقَائِلين بِالْقدرِ المثبتين لخلافة الْخُلَفَاء المفضلين لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وهم أَيْضا يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ وَالْحكمَة وَكثير من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ وَالْحكمَة وبالتحسين والتقبيح العقليين كَأبي بكر الْقفال وَأبي عَليّ بن أبي هُرَيْرَة وَغَيرهم من أَصْحَاب الشَّافِعِي وَأبي الْحسن التَّمِيمِي وَأبي الْخطاب من أَصْحَاب أَحْمد
وَفِي الْجُمْلَة النزاع فِي تَعْلِيل أَفعَال الله وَأَحْكَامه مَسْأَلَة لَا تتَعَلَّق بالأمانة أصلا وَأكْثر أهل السّنة على إِثْبَات الْحِكْمَة وَالتَّعْلِيل
وَلَكِن الَّذين أَنْكَرُوا ذَلِك من أهل السّنة احْتَجُّوا بحجتين
إِحْدَاهمَا أَن ذَلِك يسْتَلْزم التسلسل فَإِنَّهُ إِذا فعل لعِلَّة فَتلك الْعلَّة أَيْضا حَادِثَة فتفتقر إِلَى عِلّة إِن وَجب أَن يكون لكل حَادث عِلّة وَإِن عقل الإحداث بِلَا عِلّة لم يحْتَج إِلَى إِثْبَات عِلّة فهم يَقُولُونَ إِن أمكن الإحداث بِغَيْر عِلّة لم يحْتَج إِلَى عِلّة وَلم يكن ذَلِك عَبَثا وَإِن لم يكن وجود الإحداث إِلَّا لعِلَّة فَالْقَوْل فِي حُدُوث الْعلَّة كالقول فِي حُدُوث الْمَعْلُول وَذَلِكَ يسْتَلْزم التسلسل
الْحجَّة الثَّانِيَة أَنهم قَالُوا من فعل لعِلَّة كَانَ مستكملا بهَا لِأَنَّهُ لَو لم يكن حُصُول الْعلَّة أولى من عدمهَا لم تكن عِلّة والمستكمل بِغَيْرِهِ نَاقص بِنَفسِهِ وَذَلِكَ مُمْتَنع على الله
وأوردوا على الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم من الشِّيعَة حجَّة تقطعهم على أصولهم فَقَالُوا الْعلَّة الَّتِي فعل لأَجلهَا إِن كَانَ وجودهَا وَعدمهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاء امْتنع أَن تكون عِلّة وَإِن كَانَ وجودهَا أولى فَإِن كَانَت مُنْفَصِلَة عَنهُ لزم أَن يستكمل بِغَيْرِهِ وَإِن كَانَت قَائِمَة بِهِ لزم أَن يكون محلا للحوادث
стр. 123
وَأما المجوزون للتَّعْلِيل فهم متنازعون فالمعتزلة وأتباعهم من الشِّيعَة تثبت من التَّعْلِيل مَا لَا يعقل وَهُوَ أَنه فعل لعِلَّة مُنْ فَصِلَ ة عَن الْفَاعِل مَعَ كَون وجودهَا وَعدمهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاء
وَأما أهل السّنة الْقَائِلُونَ بِالتَّعْلِيلِ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِن الله يحب ويرضى كَمَا دلّ على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة وَيَقُولُونَ إِن الْمحبَّة وَالرِّضَا أخص من الْإِرَادَة وَأما الْمُعْتَزلَة وَأكْثر أَصْحَاب الْأَشْعَرِيّ فَيَقُولُونَ إِن الْمحبَّة وَالرِّضَا والإرادة سَوَاء فجمهور أهل السّنة يَقُولُونَ إِن الله لَا يحب الْكفْر والفسوق والعصيان وَلَا يرضاه وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي مُرَاده كَمَا دخلت سَائِر الْمَخْلُوقَات لما فِي ذَلِك من الْحِكْمَة وَهُوَ وَإِن كَانَ شرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَاعِل فَلَيْسَ كل مَا كَانَ شرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شخص يكون عديم الْحِكْمَة بل لله فِي الْمَخْلُوقَات حكم قد يعلمهَا بعض النَّاس وَقد لَا يعلمهَا
فصل
قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا جَاءَك الَّذين يُؤمنُونَ بِآيَاتِنَا فَقل سَلام عَلَيْكُم كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم﴾ سُورَة الْأَنْعَام ٥٤ لم يمْنَع هَذَا أَن يكون كل مِنْهُم متصفا بِهَذِهِ الصّفة وَلَا يجوز أَن يُقَال إِنَّهُم لَو عمِلُوا سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابُوا من بعده وَأَصْلحُوا لم يغْفر إِلَّا لبَعْضهِم
وَلِهَذَا تدخل من هَذِه فِي النَّفْي لتحقيق نفي الْجِنْس كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا ألتناهم من عَمَلهم من شَيْء﴾ سُورَة الطّور ٢١ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا من إِلَه إِلَّا الله﴾ سُورَة آل عمرَان ٦٢ وَقَوله ﴿فَمَا مِنْكُم من أحد عَنهُ حاجزين﴾ سُورَة الحاقة ٤٧ وَلِهَذَا إِذا دخلت فِي النَّفْي تَحْقِيقا أَو تَقْديرا أفادت نفي الْجِنْس قطعا فالتحقيق مَا ذكر وَالتَّقْدِير كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا من إِلَه إِلَّا الله﴾ سُورَة آل عمرَان ٦٢ وَقَوله ﴿لَا ريب فِيهِ﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢ وَنَحْو ذَلِك بِخِلَاف مَا إِذا لم تكن من مَوْجُودَة كَقَوْلِك مَا رَأَيْت رجلا فَإِنَّهَا ظَاهِرَة لنفي الْجِنْس وَلَكِن قد يجوز أَن يَنْفِي بهَا الْوَاحِد من الْجِنْس كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ يجوز أَن يُقَال مَا رَأَيْت رجلا بل رجلَيْنِ فَتبين أَنه يجوز إِرَادَة الْوَاحِد وَإِن كَانَ الظَّاهِر نفي الْجِنْس بِخِلَاف مَا إِذا دخلت من فَإِنَّهُ يَنْفِي الْجِنْس قطعا
وَلِهَذَا لَو قَالَ لعبيده من أَعْطَانِي مِنْكُم ألفا فَهُوَ حر فَأعْطَاهُ كل وَاحِد ألفا عتقوا
стр. 124
كلهم وَكَذَلِكَ لَو قَالَ لنسائه من أبرأتني مِنْكُن من صَدَاقهَا فَهِيَ طَالِق فأبرأنه كُلهنَّ طلقن كُلهنَّ فَإِن الْمَقْصُود بقوله مِنْكُم بَيَان جنس الْمُعْطِي والمبرىء لَا إِثْبَات هَذَا الحكم لبَعض العبيد والأزواج
فَإِن قيل فَهَذَا كَمَا لَا يمْنَع أَن يكون كل الْمَذْكُور متصفا بِهَذِهِ الصّفة فَلَا يُوجب ذَلِك أَيْضا فَلَيْسَ فِي قَوْله ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات﴾ مَا يَقْتَضِي أَن يَكُونُوا كلهم كَذَلِك
قيل نعم وَنحن لَا ندعي أَن مُجَرّد هَذَا اللَّفْظ دلّ على أَن جَمِيعهم موصوفون بِالْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح وَلَكِن مقصودنا أَن من لَا يُنَافِي شُمُول هَذَا الْوَصْف لَهُم فَلَا يَقُول قَائِل إِن الْخطاب دلّ على أَن الْمَدْح شملهم وعمهم بقوله ﴿مُحَمَّد رَسُول الله وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم﴾ إِلَى آخر الْكَلَام وَلَا ريب أَن هَذَا مدح لَهُم بِمَا ذكر من الصِّفَات وَهُوَ الشدَّة على الْكفَّار وَالرَّحْمَة بَينهم وَالرُّكُوع وَالسُّجُود يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا والسيما فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود وَأَنَّهُمْ يبتدؤون من ضعف إِلَى كَمَال الْقُوَّة والاعتدال كالزرع والوعد بالمغفرة وَالْأَجْر الْعَظِيم لَيْسَ على مُجَرّد هَذِه الصِّفَات بل على الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح فَذكر مَا بِهِ يسْتَحقُّونَ الْوَعْد وَإِن كَانُوا كلهم بِهَذِهِ الصّفة وَلَوْلَا ذكر ذَلِك لَكَانَ يظنّ أَنهم بِمُجَرَّد مَا ذكر يسْتَحقُّونَ الْمَغْفِرَة وَالْأَجْر الْعَظِيم وَلم يكن فِيهِ بَيَان سَبَب الْجَزَاء بِخِلَاف مَا إِذا ذكر الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح فَإِن الحكم إِذا علق باسم مُشْتَقّ مُنَاسِب كَانَ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاق سَبَب الحكم
فصل
فِي قَول إِبْرَاهِيم
لَا أحب الآفلين
ظن هَؤُلَاءِ أَن قَول إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿هَذَا رَبِّي﴾ سُورَة الْأَنْعَام ٧٧ أَرَادَ بِهِ هَذَا خَالق السَّمَاوَات وَالْأَرْض الْقَدِيم الأزلي وَأَنه اسْتدلَّ على حُدُوثه بالحركة
وَهَذَا خطأ من وُجُوه
стр. 125
أَحدهَا أَن قَول الْخَلِيل ﴿هَذَا رَبِّي﴾ سَوَاء قَالَه على سَبِيل التَّقْدِير لتقريع قومه أَو على سَبِيل الِاسْتِدْلَال والترقي أَو غير ذَلِك لَيْسَ المُرَاد بِهِ هَذَا رب الْعَالمين الْقَدِيم الأزلي الْوَاجِب الْوُجُود بِنَفسِهِ وَلَا كَانَ قومه يَقُولُونَ إِن الْكَوَاكِب أَو الْقَمَر أَو الشَّمْس رب الْعَالمين الأزلي الْوَاجِب الْوُجُود بِنَفسِهِ وَلَا قَالَ هَذَا أحد من أهل المقالات الْمَعْرُوفَة الَّتِي ذكرهَا النَّاس لَا من مقالات أهل التعطيل والشرك الَّذين يعْبدُونَ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب وَلَا من مقالات غَيرهم بل قوم إِبْرَاهِيم ﷺ كَانُوا يتخذونها أَرْبَابًا يدعونها ويتقربون إِلَيْهَا بِالْبِنَاءِ عَلَيْهَا والدعوة لَهَا وَالسُّجُود والقرابين وَغير ذَلِك وَهُوَ دين الْمُشْركين الَّذين صنف الرَّازِيّ كِتَابه على طريقتهم وَسَماهُ السِّرّ المكتوم فِي دَعْوَة الْكَوَاكِب والنجوم وَالسحر والطلاسم والعزائم
وَهَذَا دين الْمُشْركين من الصابئين كالكشدانيين والكنعانيين واليونانيين وأرسطو وَأَمْثَاله من أهل هَذَا الدّين وَكَلَامه مَعْرُوف فِي السحر الطبيعي الروحاني والكتب الْمَعْرُوفَة بذخيرة الْإِسْكَنْدَر بن فيلبس الَّذِي يؤرخون بِهِ وَكَانَ قبل الْمَسِيح بِنَحْوِ ثَلَاثمِائَة سنة
وَكَانَت اليونان مُشْرِكين يعْبدُونَ الْأَوْثَان كَمَا كَانَ قوم إِبْرَاهِيم مُشْرِكين يعْبدُونَ الْأَوْثَان وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل ﴿إِنَّنِي برَاء مِمَّا تَعْبدُونَ إِلَّا الَّذِي فطرني فَإِنَّهُ سيهدين﴾ سُورَة الزخرف ٢٦ ٢٧ وَقَالَ ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا كُنْتُم تَعْبدُونَ أَنْتُم وآباؤكم الأقدمون فَإِنَّهُم عَدو لي إِلَّا رب الْعَالمين﴾ سُورَة الشُّعَرَاء ٧٥ ٧٧ وأمثال ذَلِك مِمَّا يبين تبرؤه مِمَّا يعبدوه غير الله
وَهَؤُلَاء الْقَوْم عامتهم من نفاة صِفَات الله وأفعاله الْقَائِمَة بِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَب الفلاسفة الْمَشَّائِينَ فَإِنَّهُم يَقُولُونَ إِنَّه لَيْسَ لَهُ صفة ثبوتية بل صِفَاته إِمَّا سلبية وَإِمَّا إضافية وَهُوَ مَذْهَب القرامطة الباطنية الْقَائِلين بدعوة الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالسُّجُود لَهَا كَمَا كَانَ على ذَلِك من كَانَ عَلَيْهِ من بني عبيد مُلُوك الْقَاهِرَة وأمثالهم
فالشرك الَّذِي نهى عَنهُ الْخَلِيل وعادى أَهله عَلَيْهِ كَانَ أَصْحَابه هم أَئِمَّة هَؤُلَاءِ النفاة للصفات وَالْأَفْعَال وَأول من أظهر هَذَا النَّفْي فِي الْإِسْلَام الْجَعْد بن دِرْهَم معلم مَرْوَان ابْن مُحَمَّد
стр. 126
قَالَ الإِمَام أَحْمد وَكَانَ يُقَال إِنَّه من أهل حران وَعنهُ أَخذ الجهم بن صَفْوَان مَذْهَب نفاة الصِّفَات وَكَانَ بحران أَئِمَّة هَؤُلَاءِ الصابئة الفلاسفة بقايا أهل هَذَا الدّين أهل الشّرك وَنفي الصِّفَات وَالْأَفْعَال وَلَهُم مصنفات فِي دَعْوَة الْكَوَاكِب كَمَا صنفه ثَابت بن قُرَّة وَأَمْثَاله من الصابئة الفلاسفة أهل حران وكما صنفه أَبُو معشر الْبَلْخِي وَأَمْثَاله وَكَانَ لَهُم بهَا هيكل الْعلَّة الأولى وهيكل الْعقل الفعال وهيكل النَّفس الْكُلية وهيكل زحل وهيكل المُشْتَرِي وهيكل المريخ وهيكل الشَّمْس وهيكل الزهرة وهيكل عُطَارِد وهيكل الْقَمَر وَقد بسط هَذَا فِي هَذَا الْموضع
الْوَجْه الثَّانِي أَنه لَو كَانَ المُرَاد بقوله ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أَنه رب الْعَالمين لكَانَتْ قصَّة الْخَلِيل حجَّة على نقيض مطلوبهم لِأَن الْكَوَاكِب وَالْقَمَر وَالشَّمْس مَا زَالَ متحركا من حِين بزوغه إِلَى عِنْد أفوله وغروبه وَهُوَ جسم متحرك متحيز صَغِير فَلَو كَانَ مُرَاده هَذَا للَزِمَ أَن يُقَال إِن إِبْرَاهِيم لم يَجْعَل الْحَرَكَة والانتقال مَانِعَة من كَون المتحرك الْمُنْتَقل رب الْعَالمين بل وَلَا كَونه صَغِيرا بِقدر الْكَوْكَب وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَهَذَا مَعَ كَونه لَا يَظُنّهُ عَاقل مِمَّن هُوَ دون إِبْرَاهِيم صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ فَإِن جوزوه عَلَيْهِ كَانَ حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم
الْوَجْه الثَّالِث أَن الأفول هُوَ المغيب والاحتجاب لَيْسَ هُوَ مُجَرّد الْحَرَكَة والانتقال وَلَا يَقُول أحد لَا من أهل اللُّغَة وَلَا من أهل التَّفْسِير إِن الشَّمْس وَالْقَمَر فِي حَال ميسرهما فِي السَّمَاء إنَّهُمَا آفلان وَلَا يَقُول للكواكب المرئية فِي السَّمَاء فِي حَال ظُهُورهَا وجريانها إِنَّهَا آفلة وَلَا يَقُول عَاقل لكل من مَشى وسافر وطار إِنَّه آفل
الْوَجْه الرَّابِع أَن هَذَا القَوْل الَّذِي قَالُوهُ لم يقلهُ أحد من عُلَمَاء السّلف أهل التَّفْسِير وَلَا بُد من أهل اللُّغَة بل هُوَ من التفسيرات المبتدعة فِي الْإِسْلَام كَمَا ذكر ذَلِك عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ وَغَيره من عُلَمَاء السّنة وبينوا أَن هَذَا من التَّفْسِير المبتدع
وبسبب هَذَا الابتداع أَخذ ابْن سينا وَأَمْثَاله لفظ الأفول بِمَعْنى الْإِمْكَان كَمَا قَالَ فِي إشاراته
قَالَ قوم إِن هَذَا الشَّيْء المحسوس مَوْجُود لذاته وَاجِب لنَفسِهِ لَكِن إِذا تذكرت مَا
стр. 127
قيل فِي شَرط وَاجِب الْوُجُود لم تَجِد هَذَا المحسوس وَاجِبا وتلوث قَوْله تَعَالَى ﴿لَا أحب الآفلين﴾ سُورَة الْأَنْعَام ٧٦ فَإِن الْهوى فِي حَظِيرَة الْإِمْكَان أفول مَا فَهَذَا قَوْله
وَمن الْمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ من لُغَة الْعَرَب أَنهم لَا يسمون كل مَخْلُوق مَوْجُود آفلا وَلَا كل مَوْجُود بِغَيْرِهِ آفلا وَلَا كل مَوْجُود يجب وجوده بِغَيْرِهِ لَا بِنَفسِهِ آفلا وَلَا مَا كَانَ من هَذِه الْمعَانِي الَّتِي يعنيها هَؤُلَاءِ بِلَفْظ الْإِمْكَان بل هَذَا أعظم افتراء على الْقُرْآن واللغة من تَسْمِيَة كل متحرك آفلا وَلَو كَانَ الْخَلِيل أَرَادَ بقوله ﴿لَا أحب الآفلين﴾ سُورَة الْأَنْعَام ٧٦ هَذَا الْمَعْنى لم ينْتَظر مغيب الْكَوْكَب وَالشَّمْس وَالْقَمَر ففساد قَول هَؤُلَاءِ المتفلسفة فِي الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ أظهر من فَسَاد قَول أُولَئِكَ
وأعجب من هَذَا قَول من قَالَ فِي تَفْسِيره إِن هَذَا قَول الْمُحَقِّقين
واستعارته لفظ الْهوى والحظيرة لَا يُوجب تَبْدِيل اللُّغَة الْمَعْرُوفَة فِي معنى الأفول فَإِن وضع هُوَ لنَفسِهِ وضعا آخر فَلَيْسَ لَهُ أَن يَتْلُو عَلَيْهِ كتاب الله تَعَالَى فيبدله أَو يحرفه
وَقد ابتدعت القرامطة الباطنية تَفْسِيرا آخر كَمَا ذكره أَبُو حَامِد فِي بعض مصنفاته كمشكاة الْأَنْوَار وَغَيرهَا أَن الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر هِيَ النَّفس وَالْعقل الفعال وَالْعقل الأول وَنَحْو ذَلِك
وشبهتهم فِي ذَلِك أَن إِبْرَاهِيم ﷺ أجل من أَن يَقُول لمثل هَذِه الْكَوَاكِب إِنَّه رب الْعَالمين بِخِلَاف مَا ادعوهُ من النَّفس وَمن الْعقل الفعال الَّذِي يَزْعمُونَ أَنه رب كل مَا تَحت فلك الْقَمَر وَالْعقل الأول الَّذِي يَزْعمُونَ أَنه مبدع الْعَالم كُله
وَقَول هَؤُلَاءِ وَإِن كَانَ مَعْلُوم الْفساد بِالضَّرُورَةِ من دين الْإِسْلَام فابتداع أُولَئِكَ طرق مثل هَؤُلَاءِ على هَذَا الْإِلْحَاد
وَمن الْمَعْلُوم بالاضطرار من لُغَة الْعَرَب أَن هَذِه الْمعَانِي لَيست هِيَ الْمَفْهُوم من لفظ الْكَوْكَب وَالْقَمَر وَالشَّمْس
وَأَيْضًا فَلَو قدر أَن ذَلِك يُسمى كوكبا وقمرا وشمسا بِنَوْع من التَّجَوُّز فَهَذَا غَايَته أَن يسوغ للْإنْسَان أَن يسْتَعْمل اللَّفْظ فِي ذَلِك لكنه لَا يُمكنهُ أَن يَدعِي أَن أهل اللُّغَة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن كَانُوا يُرِيدُونَ أَن يَدعِي أَن أهل اللُّغَة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن كَانُوا يُرِيدُونَ هَذَا بِهَذَا
стр. 128
وَالْقُرْآن نزل بلغَة الَّذين خاطبهم الرَّسُول ﷺ فَلَيْسَ لأحد أَن يسْتَعْمل أَلْفَاظه فِي معَان بِنَوْع من التَّشْبِيه والاستعارة ثمَّ يحمل كَلَام من تقدمه على هَذَا الْوَضع الَّذِي أحدثه هُوَ
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا﴾ الْأَنْعَام ٧٦ فَذكره مُنْكرا لِأَن الْكَوَاكِب كَثِيرَة ثمَّ قَالَ ﴿فَلَمَّا رأى الْقَمَر﴾ الْأَنْعَام ٧٧ ﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس﴾ سُورَة الْأَنْعَام ٧٨ بِصِيغَة التَّعْرِيف لكَي يبين أَن المُرَاد الْقَمَر الْمَعْرُوف وَالشَّمْس الْمَعْرُوفَة وَهَذَا صَرِيح بِأَن الْكَوَاكِب مُتعَدِّدَة وَأَن المُرَاد وَاحِد مِنْهَا وَأَن الشَّمْس وَالْقَمَر هما هَذَانِ المعروفان
وايضا فَإِن قَالَ ﴿لَا أحب الآفلين﴾ والأفول هُوَ المغيب والاحتجاب فَإِن أُرِيد بذلك المغيب عَن الْأَبْصَار الظَّاهِرَة فَمَا يَدعُونَهُ من الْعقل وَالنَّفس لَا يزَال محتجبا عَن الْأَبْصَار لَا يرى بِحَال بل وَكَذَلِكَ وَاجِب الْوُجُوب عِنْدهم لَا يرى بالأبصار بِحَال بل تمْتَنع رُؤْيَته بالأبصار عِنْدهم
وَإِن أَرَادَ المغيب عَن بصائر الْقُلُوب فَهَذَا أَمر نسبي إضافي فَيمكن أَن تكون تَارَة حَاضِرَة فِي الْقلب وَتارَة غَائِبَة عَنهُ كَمَا يُمكن مثل ذَلِك فِي وَاجِب الْوُجُود فالأفول أَمر يعود إِلَى حَال الْعَارِف بهَا لَا يكسبها صفة نقص وَلَا كَمَال وَلَا فرق فِي ذَلِك بَينهَا وَبَين غَيرهَا
وَأَيْضًا فالعقول عِنْدهم عشرَة والنفوس تِسْعَة بِعَدَد الأفلاك
فَلَو ذكر الْقَمَر وَالشَّمْس فَقَط لكَانَتْ شبهتهم أقوى حَيْثُ يَقُولُونَ نور الْقَمَر مُسْتَفَاد من نور الشَّمْس كَمَا أَن النَّفس مُتَوَلّدَة عَن الْعقل مَعَ مَا فِي ذَلِك لَو ذَكرُوهُ من الْفساد أما مَعَ ذكر كَوْكَب فَقَوْلهم هَذَا من أظهر الْأَقْوَال للقرامطة الباطنية فَسَادًا لما فِي ذَلِك من عدم الشّبَه والمناسبة الَّتِي تسوغ فِي اللُّغَة إِرَادَة مثل هَذَا
فصل
الْأَنْبِيَاء أفضل الْخلق
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن ذُريَّته دَاوُد وَسليمَان وَأَيوب ويوسف ومُوسَى وَهَارُون وَكَذَلِكَ نجزي الْمُحْسِنِينَ وزَكَرِيا وَيحيى وَعِيسَى وإلياس كل من الصَّالِحين﴾ ﴿وَمن آبَائِهِم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ سُورَة الْأَنْعَام ٨٤ ٨٧ فَأخْبر أَنه اجتباهم وهداهم
والأنبياء أفضل الْخلق بِاتِّفَاق الْمُسلمين وبعدهم الصديقون وَالشُّهَدَاء
стр. 129
والصالحون فلولا وجوب كَونهم من المقربين الَّذين هم فَوق أَصْحَاب الْيَمين لَكَانَ الصديقون أفضل مِنْهُم أَو من بَعضهم
وَالله تَعَالَى قد جعل خلقه ثَلَاثَة أَصْنَاف فَقَالَ تَعَالَى فِي تقسيمهم فِي الأخرة ﴿وكنتم أَزْوَاجًا ثَلَاثَة فأصحاب الميمنة مَا أَصْحَاب الميمنة وَأَصْحَاب المشأمة مَا أَصْحَاب المشأمة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المقربون فِي جنَّات النَّعيم﴾ سُورَة الْوَاقِعَة ٧ ١٢ وَقَالَ فِي تقسيمهم عِنْد الْمَوْت ﴿فَأَما إِن كَانَ من المقربين فَروح وَرَيْحَان وجنة نعيم وَأما إِن كَانَ من أَصْحَاب الْيَمين فسلام لَك من أَصْحَاب الْيَمين وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم﴾ سُورَة الْوَاقِعَة ٨٨ ٩٤ وَكَذَلِكَ ذكر فِي سُورَة الْإِنْسَان والمطففين هَذِه الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة
والأنبياء أفضل الْخلق وهم أَصْحَاب الدَّرَجَات العلى فِي الْآخِرَة فَيمْتَنع أَن يكون النَّبِي من الْفجار بل وَلَا يكون من عُمُوم أَصْحَاب الْيَمين بل من أفضل السَّابِقين المقربين فَإِنَّهُم أفضل من عُمُوم الصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَإِن كَانَ النَّبِي أَيْضا يُوسُف بِأَنَّهُ صديق وَصَالح وَقد يكون شَهِيدا لَكِن ذَلِك أَمر يخْتَص بهم لَا يشركهم فِيهِ من لَيْسَ بِنَبِي كَمَا قَالَ عَن الْخَلِيل ﴿وَآتَيْنَاهُ أجره فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ سُورَة العنكبوت ٢٧ وَقَالَ يُوسُف ﴿توفني مُسلما وألحقني بالصالحين﴾ سُورَة يُوسُف ١٠١
فَهَذَا مِمَّا يُوجب تَنْزِيه الْأَنْبِيَاء أَن يَكُونُوا من الْفجار والفساق وعَلى هَذَا إِجْمَاع سلف الْأمة وجماهيرها
وَأما من جوز أَن يكون غير النَّبِي أفضل مِنْهُ فَهُوَ من أَقْوَال بعض ملاحدة الْمُتَأَخِّرين من غلاة الشِّيعَة والصوفية والمتفلسفة وَنَحْوهم
وَمَا يحْكى عَن الفضلية من الْخَوَارِج أَنهم جوزوا الْكفْر على النَّبِي فَهَذَا بطرِيق
стр. 130
اللَّازِم لَهُم لِأَن كل مَعْصِيّة عِنْدهم كفر وَقد جوزوا الْمعاصِي على النَّبِي وَهَذَا يَقْتَضِي فَسَاد قَوْلهم بِأَن قَوْلهم كل مَعْصِيّة كفر وَقَوْلهمْ بِجَوَاز الْمعاصِي عَلَيْهِم وَإِلَّا فَلم يلتزموا أَن يكون النَّبِي كَافِرًا ولازم الْمَذْهَب لَا يجب أَن يكون مذهبا
وَطَوَائِف أهل الْكَلَام الَّذين يجوزون بعثة كل مُكَلّف من الْجَهْمِية والأشعرية وَمن وافقهم من اتِّبَاع الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة كَالْقَاضِي أبي يعلى وَابْن عقيل وَغَيرهم متفقوه أَيْضا على أَن الْأَنْبِيَاء أفضل الْخلق وَأَن النَّبِي لَا يكون فَاجِرًا لَكِن يَقُولُونَ هَذَا لم يعلم بِالْعقلِ بل علم بِالسَّمْعِ بِنَاء على مَا تقدم من أصلهم من أَن الله يجوز أَن يفعل كل مُمكن
وَأما الْجُمْهُور الَّذين يثبتون الْحِكْمَة والأسباب فَيَقُولُونَ نَحن نعلم بِمَا عَمِلْنَاهُ من حِكْمَة الله أَنه لَا يبْعَث نَبيا فَاجِرًا وَأَن مَا ينزل على الْبر الصَّادِق لَا يكون إِلَّا مَلَائِكَة لَا تكون شياطين كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لتنزيل رب الْعَالمين نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك لتَكون من الْمُنْذرين﴾ إِلَى قَوْله ﴿هَل أنبئكم على من تنزل الشَّيَاطِين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السّمع وَأَكْثَرهم كاذبون وَالشعرَاء يتبعهُم الْغَاوُونَ ألم تَرَ أَنهم فِي كل وَاد يهيمون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ سُورَة الشُّعَرَاء ١٩٢ ٢٢٦
فَهَذَا مِمَّا بَين الله بِهِ الْفرق بَين الكاهن وَالنَّبِيّ وَبَين الشَّاعِر وَالنَّبِيّ لما زعم المفترون أَن مُحَمَّدًا ﷺ شَاعِر وكاهن وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة ﵂
أَن النَّبِي ﷺ لما أَتَاهُ الْوَحْي فِي أول الْأَمر وَخَافَ على نَفسه قبل أَن يستيقن أَنه ملك قَالَ لِخَدِيجَة لقد خشيت على نَفسِي قَالَت كلا وَالله لَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث وَتحمل الْكل وتقري الضَّيْف وتكسب الْمَعْدُوم وَتعين على نَوَائِب الْحق فاستدلت ﵂ بِحسن عقلهَا على أَن من يكون الله قد خلقه بِهَذِهِ الْأَخْلَاق الْكَرِيمَة الَّتِي هِيَ من أعظم صِفَات الْأَبْرَار الممدوحين أَنه لَا يخزيه فَيفْسد الشَّيْطَان عقله وَدينه وَلم يكن مَعهَا قبل ذَلِك وَحي تعلم بِهِ انْتِفَاء ذَلِك بل عَلمته بِمُجَرَّد عقلهَا الرَّاجِح
وَكَذَلِكَ لما ادّعى النُّبُوَّة من ادَّعَاهَا من الْكَذَّابين مثل مُسَيْلمَة الْكذَّاب والعنسي وَغَيرهمَا مَعَ مَا كَانَ يشْتَبه من أَمرهم لما كَانَ ينزل عَلَيْهِم من الشَّيْطَان ويوحون إِلَيْهِم
стр. 131
حَتَّى يظنّ الْجَاهِل أَن هَذَا من جنس مَا ينزل على الْأَنْبِيَاء ويوحى إِلَيْهِم فَكَانَ مَا يبلغ الْعُقَلَاء وَمَا يرونه من سيرتهم وَالْكذب الْفَاحِش وَالظُّلم وَنَحْو ذَلِك يبين لَهُم أَنه لَيْسَ بِنَبِي إِذْ قد علمُوا أَن النَّبِي لَا يكون كَاذِبًا وَلَا فَاجِرًا
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ لما قَالَ لَهُ ذُو الْخوَيْصِرَة اعْدِلْ يَا مُحَمَّد فَإنَّك لم تعدل فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ
لقد خبت وخسرت إِن لم أعدل أَلا تأمنوني وَأَنا أَمِين من فِي السَّمَاء وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِالْفَتْح أَي أَنْت خاسر خائب إِن لم أعدل إِن ظَنَنْت أَنِّي ظَالِم مَعَ اعتقادك أَنِّي نَبِي فَإنَّك تجوز أَن يكون الرَّسُول الَّذِي آمَنت بِهِ ظَالِما وَهَذَا خيبة وخسران فَإِن ذَلِك يُنَافِي النُّبُوَّة ويقدح فِيهَا
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل وَمن يغلل يَأْتِ بِمَا غل يَوْم الْقِيَامَة﴾ سُورَة آل عمرَان ١٦١ وَفِيه قراءتان يغل ويغل أَي ينْسب إِلَى الْغلُول بَين سُبْحَانَهُ أَنه مَا لأحد أَن ينْسبهُ إِلَى الْغلُول كَمَا أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يغل فَدلَّ على أَن النَّبِي لَا يكون غالا
وَدَلَائِل هَذَا الأَصْل عَظِيمَة لَكِن مَعَ وُقُوع الذَّنب الَّذِي هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ذَنْب وَقد لَا يكون ذَنبا من غَيره مَعَ تعقبه بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار لَا يقْدَح فِي كَون الرجل من المقربين السَّابِقين وَلَا الْأَبْرَار وَلَا يلْحقهُ بذلك وَعِيد فِي الْآخِرَة فضلا عَن أَن يَجعله من الْفجار
وَقد قَالَ تَعَالَى فِي عُمُوم وصف الْمُؤمنِينَ ﴿وَللَّه مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض ليجزي الَّذين أساؤوا بِمَا عمِلُوا وَيجْزِي الَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى الَّذين يجتنبون كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللمم إِن رَبك وَاسع الْمَغْفِرَة﴾ سُورَة النَّجْم ٣١ ٣٢ وَقَالَ ﴿وسارعوا إِلَى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين الَّذين يُنْفقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر العاملين﴾ سُورَة آل عمرَان ٣٣٣ ٣٣٦ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاؤون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾
стр. 132
سُورَة الزمر ٣٣ ٣٥ وَقَالَ ﴿حَتَّى إِذا بلغ أشده وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة قَالَ رب أوزعني أَن أشكر نِعْمَتك الَّتِي أَنْعَمت عَليّ وعَلى وَالِدي وَأَن أعمل صَالحا ترضاه وَأصْلح لي فِي ذريتي إِنِّي تبت إِلَيْك وَإِنِّي من الْمُسلمين أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة وعد الصدْق الَّذِي كَانُوا يوعدون﴾ سُورَة الْأَحْقَاف ١٥ ١٦
وَقد قَالَ فِي قصَّة إِبْرَاهِيم ﵇ ﴿فَآمن لَهُ لوط وَقَالَ إِنِّي مهَاجر إِلَى رَبِّي إِنَّه هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ سُورَة العنكبوت ٢٦ وَقَالَ فِي قصَّة شُعَيْب ﵇ ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه لنخرجنك يَا شُعَيْب وَالَّذين آمنُوا مَعَك من قريتنا أَو لتعودن فِي ملتنا قَالَ أولو كُنَّا كارهين قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا وسع رَبنَا كل شَيْء علما على الله توكلنا رَبنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وَأَنت خير الفاتحين﴾ سُورَة الْأَعْرَاف ٨٨ ٨٩ وَقَالَ فِي سُورَة إِبْرَاهِيم ﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا لرسلهم لنخرجنكم من أَرْضنَا أَو لتعودن فِي ملتنا فَأوحى إِلَيْهِم رَبهم لَنهْلكَنَّ الظَّالِمين﴾ سُورَة إِبْرَاهِيم ١٣
وَقد ذمّ الله تَعَالَى وتبارك فِرْعَوْن بِكَوْنِهِ رفع نبوة مُوسَى بِمَا تقدم من قَتله نفسا بِغَيْر حق فَقَالَ ﴿ألم نربك فِينَا وليدا وَلَبِثت فِينَا من عمرك سِنِين وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت وَأَنت من الْكَافرين قَالَ فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين ففررت مِنْكُم لما خفتكم فوهب لي رَبِّي حكما وَجَعَلَنِي من الْمُرْسلين﴾ سُورَة الشُّعَرَاء ١٨ ٢١ وَكَانَ مُوسَى ﷺ قد تَابَ من ذَلِك كَمَا أخبر الله تَعَالَى عَنهُ وَغفر لَهُ بقوله ﴿فوكزه مُوسَى فَقضى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا من عمل الشَّيْطَان إِنَّه عَدو مضل مُبين قَالَ رب إِنِّي ظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي فغفر لَهُ إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ سُورَة الْقَصَص ١٥ ١٦
فَإِن قيل فَإِذا كَانَ قد غفر لَهُ فلماذا يمتنعون من الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة لأجل مَا بدا مِنْهُم فَيَقُول آدم إِذا طلبت مِنْهُ الشَّفَاعَة إِنِّي نهيت عَن أكل الشَّجَرَة وأكلت مِنْهَا نَفسِي نَفسِي اذْهَبُوا إِلَى نوح فَيَأْتُونَ نوحًا فَيَقُول إِنِّي دَعَوْت على أهل الأَرْض دَعْوَة لم أومر
стр. 133
بهَا والخليل يذكر تعريضاته الثَّلَاث الَّتِي سَمَّاهَا كذبا وَكَانَت تعريضا ومُوسَى يذكر قتل النَّفس
قيل هَذَا من كَمَال فَضلهمْ وخوفهم وعبوديتهم وتواضعهم فَإِن من فَوَائِد مَا يُتَاب مِنْهُ أَن يكمل عبودية العَبْد ويزيده خوفًا وخضوعا فيرفع الله بذلك دَرَجَته وَهَذَا الِامْتِنَاع مِمَّا يرفع الله بِهِ درجاتهم وَحِكْمَة الله تعلى فِي ذَلِك أَن تصير الشَّفَاعَة لمن غفر الله مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر
وَلِهَذَا كَانَ مِمَّن امْتنع وَلم يذكر ذَنبا الْمَسِيح وَإِبْرَاهِيم أفضل مِنْهُ وَقد ذكر ذَنبا وَلَكِن قَالَ الْمَسِيح لست هُنَاكُم اذْهَبُوا إِلَى عبد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَتَأَخر الْمَسِيح عَن الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي خص بِهِ مُحَمَّد ﷺ هُوَ من فَضَائِل الْمَسِيح وَمِمَّا يقربهُ إِلَى الله صلوَات الله عَلَيْهِم أجميعن
فَعلم أَن تأخرهم عَن الشَّفَاعَة لم يكن لنَقص درجاتهم عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ بل لما علموه من عَظمَة الْمقَام الْمَحْمُود الَّذِي يَسْتَدْعِي من كَمَال مغْفرَة الله للْعَبد وَكَمَال عبودية العَبْد لله مَا اخْتصَّ بِهِ من غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر وَلِهَذَا قَالَ الْمَسِيح اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّد عبدا غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر فَإِنَّهُ إِذا غفر لَهُ مَا تَأَخّر لم يخف أَن يلام إِذا ذهب إِلَى ربه ليشفع وَإِن كن لم يشفع إِلَّا بعد الْإِذْن بل إِذا سجد وَحمد ربه بِمَحَامِد يفتحها عَلَيْهِ لم يكن يحسنها قبل ذَلِك فَيُقَال لَهُ أَي مُحَمَّد ارْفَعْ رَأسك وَقل يسمع وسل تعطه
стр. 134
وَاشْفَعْ تشفع وَهَذَا كُله فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا
وَأما من قيل لَهُ تقدم وَلم يعرف أَنه غفر لَهُ مَا تَأَخّر فيخاف أَن يكون ذَهَابه إِلَى الشَّفَاعَة قبل أَن يُؤذن لَهُ فِي الشَّفَاعَة ذَنبا فَتَأَخر لكَمَال خَوفه من الله تَعَالَى وَيَقُول أَنا قد أذنبت وَمَا غفر لي فَأَخَاف أَن اذنب ذَنبا آخر فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ
لَا يلْدغ الْمُؤمن من جُحر مرَّتَيْنِ
وَمن مَعَاني ذَلِك أَنه لَا يُؤْتى من وَجه وَاحِد مرَّتَيْنِ فَإِذا ذاق مَا فِي الذَّنب من الْأَلَم وَزَالَ عَنهُ خَافَ أَن يُذنب ذَنبا آخر فَيحصل لَهُ ذَلِك الْأَلَم وَهَذَا كمن مرض من أَكلَة ثمَّ عوفي فَإِذا دعِي إِلَى كل شَيْء خَافَ أَن يكون مثل ذَلِك الأول لم يَأْكُلهُ يَقُول قد أصابني بِتِلْكَ الْأكلَة مَا أصابني فَأَخَاف أَن تكون هَذِه مثل تِلْكَ ولبسط هَذِه الْأُمُور مَوضِع آخر
فصل
قَالَ تَعَالَى ﴿وَجعلُوا لله شُرَكَاء الْجِنّ وخلقهم وخرقوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَات بِغَيْر علم سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يصفونَ بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة وَخلق كل شَيْء وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ فَإِن قَوْله ﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي مبدعهما كَمَا ذكر مثل ذَلِك فِي الْبَقَرَة وَلَيْسَ المُرَاد أَنَّهُمَا بديعة سماواته وأرضه كَمَا تحتمله الْعَرَبيَّة لَوْلَا السِّيَاق لِأَن الْمَقْصُود نفي مَا زعموه من خرق الْبَنِينَ وَالْبَنَات لَهُ وَمن كَونه اتخذ ولدا
وَهَذَا يَنْتَفِي بضده كَونه أبدع السَّمَوَات ثمَّ قَالَ ﴿أَنى يكون لَهُ ولد﴾ وَذكر ثَلَاثَة أَدِلَّة على نفي ذَلِك
أَحدهَا كَونه لَيْسَ لَهُ صَاحِبَة فَهَذَا نفي الْولادَة الْمَعْهُودَة وَقَوله ﴿وَخلق كل شَيْء﴾ نفي للولادة الْعَقْلِيَّة وَهِي التولد لِأَن خلق كل شَيْء يُنَافِي تولدها عَنهُ وَقَوله
стр. 135
﴿وَهُوَ بِكُل شَيْء عليم﴾ يشبه وَالله أعلم أَن يكون لما ادَّعَت النَّصَارَى أَن المتحد بِهِ هُوَ الْكَلِمَة الَّتِي يفسرونها بِالْعلمِ والصائبة الْقَائِلُونَ بالتولد وَالْعلَّة لَا يجعلونه عَالما بِكُل شَيْء ذكر أَنه بِكُل شَيْء عليم لإِثْبَات هَذِه الصّفة لَهُ ردا على الصائبة ونفيها عَن غَيره ردا على النَّصَارَى
وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَقَوْل من قَالَ بتولد الْعُقُول والنفوس الَّتِي يَزْعمُونَ أَنَّهَا الْمَلَائِكَة أظهر فِي كَونهم يَقُولُونَ أَنه ولد الْمَلَائِكَة وَأَنَّهُمْ بنوه وَبنَاته فالعقول بنوه والنفوس بَنَاته من قَول النَّصَارَى
وَدخل فِي هَذَا من تفلسف من المنتسبة إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى إِنِّي أعرف كَبِيرا لَهُم سُئِلَ عَن الْعقل وَالنَّفس فَقَالَ بِمَنْزِلَة الذّكر وَالْأُنْثَى فقد جعلهم كالابن وَالْبِنْت وهم يجعلونهم متولدين عَنهُ تولد الْمَعْلُول عَن الْعلَّة فَلَا يُمكنهُ أَن يفك ذَاته عَن معلوله وَلَا معلوله عَنهُ كَمَا لَا يُمكنهُ أَن يفصل نَفسه عَن نَفسه بِمَنْزِلَة شُعَاع الشَّمْس مَعَ الشَّمْس وأبلغ
وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ إِن هَذِه الْأَرْوَاح الَّتِي وَلَدهَا مُتَّصِلَة بالأفلاك الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب كاتصال اللاهوت بجسد الْمَسِيح فيعبدونها كَمَا عبدت النَّصَارَى الْمَسِيح إِلَّا أَنهم أكفر من وُجُوه كَثِيرَة وهم أَحَق بالشرك من النَّصَارَى فَإِنَّهُم يعْبدُونَ مَا يعلمُونَ أَنه مُنْفَصِل عَن الله وَلَيْسَ هُوَ إِيَّاه وَلَا صفة من صِفَاته وَالنَّصَارَى يَزْعمُونَ أَنهم مَا يعْبدُونَ إِلَّا مَا اتَّحد بِاللَّه لَا لما وَلَده من المعلولات
ثمَّ من عبد الْمَلَائِكَة وَالْكَوَاكِب وأرواح الْبشر وأجسادهم اتخذ الْأَصْنَام على صورهم وطبائعهم فَكَانَ ذَلِك أعظم أَسبَاب عبَادَة الْأَصْنَام
وَلِهَذَا كَانَ الْخَلِيل إِمَام الحنفاء مُخَاطبا لهَؤُلَاء الَّذين عبدُوا الْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالَّذين عبدُوا الْأَصْنَام مَعَ إشراكهم واعترافهم بِأَصْل الْجَمِيع
وَقد ذكر الله قصتهم فِي الْقُرْآن فِي غير مَوضِع وَأُولَئِكَ هم الصابئون الْمُشْركُونَ الَّذين ملكهم نمروذ وعلماؤهم الفلاسفة من اليونانيين وَغَيرهم الَّذين كَانُوا بِأَرْض الشَّام والجزيرة وَالْعراق وَغَيرهَا وجزائر الْبَحْر قبل النَّصَارَى وَكَانُوا بِهَذِهِ الْبِلَاد فِي أَيَّام بني إِسْرَائِيل وهم الَّذين كَانُوا يُقَاتلُون بني إِسْرَائِيل فيغلبون تَارَة ويغلبون تَارَة وسنحاريب وبخت نصر وَنَحْوهمَا هم مُلُوك الصابئة بعد الْخَلِيل والنمروذ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانه
فَتبين بذلك مَا فِي الْقُرْآن من الرَّد لمقالات الْمُتَقَدِّمين قبل هَذِه الْأمة وَالْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ فِيهَا من إِثْبَات الْولادَة لله وَإِن كَانَ كثير من النَّاس لَا يفهم دلَالَة الْقُرْآن على هَذِه المقالات لِأَن ذَلِك يحْتَاج إِلَى شَيْئَيْنِ إِلَى تصور مقالتهم بِالْمَعْنَى لَا بِمُجَرَّد اللَّفْظ وَإِلَى تصور
стр. 136
معنى الْقُرْآن وَالْجمع بَينهمَا فتجد الْمَعْنى الَّذِي عنوه قد دلّ الْقُرْآن على ذكره وإبطاله
وَأما اتِّحَاد الْوَلَد فيفسر بِعَين الْولادَة وَهُوَ من بَاب الْأَفْعَال لَا من بَاب الصِّفَات كَمَا يَقُوله طَائِفَة من النَّصَارَى فِي الْمَسِيح
فصل
فَهَذَا نفي كَونه سُبْحَانَهُ والدا لشَيْء أَو متخذا لشَيْء ولدا بِأَيّ وَجه من وُجُوه الْولادَة أَو اتِّخَاذ الْوَلَد أيا كَانَ
وَأما نفي كَونه مولودا فيتضمن نفي كَونه متولدا بِأَيّ نوع من التوالد من أحد من الْبشر وَسَائِر مَا تولد من غَيره فَهُوَ رد على من قَالَ الْمَسِيح هُوَ الله ورد على الدَّجَّال الَّذِي يَقُول إِنَّه الله ورد على من قَالَ فِي بشر إِنَّه الله من غَالِيَة هَذِه الْأمة فِي عَليّ وَبَعض أهل الْبَيْت أَو بعض الْمَشَايِخ كَمَا قَالَ قوم ذَلِك فِي عَليّ وَطَائِفَة من أهل الْبَيْت وقالوه فِي الْأَنْبِيَاء ايضا وَقَالَهُ قوم فِي الحلاج وَقوم فِي الْحَاكِم بِمصْر وَقوم فِي الشَّيْخ عدي وَقوم فِي يُونُس العنيني وَقوم يعمونه فِي الْمَشَايِخ ويصوبون هَذَا كُله
فَقَوله سُبْحَانَهُ ﴿وَلم يُولد﴾ نفي لهَذَا كُله فَإِن هَؤُلَاءِ كلهم مولودون وَالله لم يُولد وَلِهَذَا لما ذكر الله الْمَسِيح فِي الْقُرْآن قَالَ ﴿ابْن مَرْيَم﴾ بِخِلَاف سَائِر الْأَنْبِيَاء كَقَوْلِه ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح﴾ وَقَوله ﴿مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل﴾ وَقَوله ﴿إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم اذكر نعمتي عَلَيْك وعَلى والدتك﴾ وَقَوله ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ وَقَوله ﴿وَجَعَلنَا ابْن مَرْيَم وَأمه آيَة﴾ وَقَوله ﴿وَقَوْلهمْ إِنَّا قتلنَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله﴾
وَفِي ذَلِك فَائِدَتَانِ
إِحْدَاهمَا بَيَان أَنه مَوْلُود وَالله لم يُولد
وَالثَّانيَِة نسبته إِلَى مَرْيَم بِأَنَّهُ ابْنهَا لَيْسَ هُوَ ابْن الله
стр. 137
وَأما قَوْله ﴿لن يستنكف الْمَسِيح﴾ الْآيَة وَقَوله ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ فَإِنَّهُ حكى قَوْلهم الَّذِي قَالُوهُ وهم قد نسبوه إِلَى الله أَنه ابْنه فَلم يضمنوا ذَلِك قَوْلهم الْمَسِيح ابْن مَرْيَم
وَقَوله ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ نفي للشركاء والأنداد يدْخل فِيهِ كل من جعل شَيْئا كفوا لله فِي شَيْء من خَواص الربوبية مثل خلق الْخلق والإلهية كالعبادة لَهُ ودعائه وَنَحْو ذَلِك
فَهَذِهِ نكت تبين اشْتِمَال كتاب الله على إبِْطَال قَول من يعْتَقد فِي أحد من الْبشر الإلهية باتحاد أَو حُلُول أَو غير ذَلِك
فصل
قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار﴾ سُورَة الْأَنْعَام ١٠٣
أَولا النزاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بَين طوائف الإمامية كَمَا النزاع فِيهَا بَين غَيرهم فالجهمية والمعتزلة والخوارج وَطَائِفَة من غير الإمامية تنكرهَا والإمامية لَهُم فِيهَا قَولَانِ فجمهور قدمائهم يثبت الرُّؤْيَة وَجُمْهُور متأخريهم ينفونها وَقد تقدم أَن أَكثر قدمائهم يَقُولُونَ بالتجسيم
قَالَ الْأَشْعَرِيّ وكل المجمسة إِلَّا نَفرا قَلِيلا يَقُول بِإِثْبَات الرُّؤْيَة وَقد يثبت الرُّؤْيَة من لَا يَقُول بالتجسيم
قلت وَأما الصَّحَابَة والتابعون وأئمة الْإِسْلَام المعروفون بِالْإِمَامَةِ فِي الدّين كمالك وَالثَّوْري وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث بن سعد وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق وَأبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وأمثال هَؤُلَاءِ وَسَائِر أهل السّنة والْحَدِيث والطوائف المنتسبين إِلَى السّنة وَالْجَمَاعَة كالكلابية والكرامية والأشعرية والسالمية وَغَيرهم فَهَؤُلَاءِ كلهم متفقون على إِثْبَات الرُّؤْيَة لله تَعَالَى وَالْأَحَادِيث بهَا متواترة عَن النَّبِي ﷺ عِنْد أهل الْعلم بحَديثه
وَكَذَلِكَ الْآثَار بهَا متواترة عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان وَقد ذكر الإِمَام أَحْمد وَغَيره من الْأَئِمَّة الْعَالمين أَقْوَال السّلف أَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان متفقون على أَن الله يرى فِي الْآخِرَة بالأبصار ومتفقون على أَنه لَا يرَاهُ أحد فِي الدُّنْيَا بِعَيْنِه وَلم يتنازعوا فِي ذَلِك
стр. 138
إِلَّا فِي نَبينَا ﷺ خَاصَّة مِنْهُم من نفى رُؤْيَته بِالْعينِ فِي الدُّنْيَا وَمِنْهُم من أثبتها وَقد بسطت هَذِه الْأَقْوَال والأدلة من الْجَانِبَيْنِ فِي غير هَذَا الْموضع وَالْمَقْصُود هُنَا نقل إِجْمَاع السّلف على إِثْبَات الرُّؤْيَة بِالْعينِ فِي الْآخِرَة ونفيها فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْخلاف فِي النَّبِي ﷺ خَاصَّة
وَأما احتجاجه واحتجاج النفاة أَيْضا بقوله تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار﴾ سُورَة الْأَنْعَام ١٠٣ فالآية حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم لِأَن الْإِدْرَاك إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ مُطلق الرُّؤْيَة أَو الرُّؤْيَة الْمقيدَة بالإحاطة وألأول بَاطِل لِأَنَّهُ لَيْسَ كل من رأى شَيْئا يُقَال أَنه أدْركهُ كَمَا لَا يُقَال أحَاط بِهِ كَمَا سُئِلَ ابْن عَبَّاس ﵄ عَن ذَلِك فَقَالَ أَلَسْت ترى السَّمَاء قَالَ بلَى قَالَ أكلهَا ترى قَالَ لَا
وَمن رأى جَوَانِب الْجَيْش أَو الْجَبَل أَو الْبُسْتَان أَو الْمَدِينَة لَا يُقَال أَنه أدْركهَا وَإِنَّمَا يُقَال أدْركهَا إِذا أحَاط بهَا رُؤْيَة وَنحن فِي هَذَا الْمقَام لَيْسَ علينا بَيَان ذَلِك وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا بَيَانا لسند الْمَنْع بل الْمُسْتَدلّ بِالْآيَةِ عَلَيْهِ أَن يبين أَن الْإِدْرَاك فِي لُغَة الْعَرَب مرادف للرؤية وَأَن كل من رأى شَيْئا يُقَال فِي لغتهم أَنه أدْركهُ وَهَذَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ كَيفَ وَبَين لفظ الرُّؤْيَة وَلَفظ الْإِدْرَاك عُمُوم وخصوص أَو اشْتِرَاك لَفْظِي فقد تقع رُؤْيَة بِلَا إِدْرَاك وَقد يَقع إِدْرَاك بِلَا رُؤْيَة فَإِن الْإِدْرَاك يسْتَعْمل فِي إِدْرَاك الْعلم وَإِدْرَاك الْقُدْرَة فقد يدْرك الشَّيْء بِالْقُدْرَةِ وَإِن لم يُشَاهد كالأعمى الَّذِي طلب رجلا هَارِبا مِنْهُ فأدركه وَلم يره وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَاب مُوسَى إِنَّا لمدركون قَالَ كلا إِن معي رَبِّي سيهدين﴾ سُورَة الشُّعَرَاء ٦١ ٦٢ فنفى مُوسَى الْإِدْرَاك مَعَ إِثْبَات الترائي فَعلم أَنه قد يكون رُؤْيَة بِلَا إِدْرَاك والإدراك هُنَا هُوَ إِدْرَاك الْقُدْرَة أَي ملحقون محاط بِنَا وَإِذا انْتَفَى هَذَا الْإِدْرَاك فقد تَنْتفِي إحاطة الْبَصَر أَيْضا
وَمِمَّا يبين ذَلِك أَن الله تَعَالَى ذكر هَذِه الْآيَة يمدح بهَا نَفسه وَمَعْلُوم أَن كَون الشَّيْء لَا يرى لَيْسَ صفة مدح لِأَن النَّفْي الْمَحْض لَا يكون مدحا إِن لم يتَضَمَّن أمرا ثبوتيا وَلِأَن الْمَعْدُوم أَيْضا لَا يرى والمعدوم لَا يمدح فَعلم أَن مُجَرّد نفي الرُّؤْيَة لَا مدح فِيهِ
وَهَذَا أصل مُسْتَمر وَهُوَ أَن الْعَدَم الْمَحْض الَّذِي لَا يتَضَمَّن ثبوتا لَا مدح فِيهِ وَلَا كَمَال فَلَا يمدح الرب نَفسه بِهِ بل وَلَا يُوصف نَفسه بِهِ وَإِنَّمَا يصفها بِالنَّفْيِ المتضمن معنى ثُبُوت كَقَوْلِه ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ وَقَوله ﴿من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وَقَوله ﴿وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ وَقَوله ﴿وَلَا يؤوده حفظهما وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢٢٥ وَقَوله ﴿لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض﴾ سُورَة سبأ ٣ وَقَوله ﴿وَمَا مسنا من لغوب﴾
стр. 139
سُورَة ق ٣٨ وَنَحْو ذَلِك من القضايا السلبية الَّتِي يصف الرب تَعَالَى بهَا نَفسه وَأَنَّهَا تَتَضَمَّن اتصافه بِصِفَات الْكَمَال الثبوتية مثل كَمَال حَيَاته وقيوميته وَملكه وَقدرته وَعلمه وهدايته وانفراده بالربوبية والإلهية وَنَحْو ذَلِك وكل مَا يُوصف بِهِ الْعَدَم الْمَحْض فَلَا يكون إِلَّا عدما مَحْضا وَمَعْلُوم أَن الْعَدَم الْمَحْض يُقَال فِيهِ أَنه لَا يرى فَعلم أَن نفي الرُّؤْيَة عدم مَحْض وَلَا يُقَال فِي الْعَدَم الْمَحْض لَا يدْرك وَإِنَّمَا يُقَال هَذَا فِيمَا لَا يدْرك لعظمته لَا لعدمه
وَإِذا كَانَ الْمَنْفِيّ هُوَ الْإِدْرَاك فَهُوَ لَا يحاط بِهِ رُؤْيَة كَمَا لَا يحاط بِهِ علما وَلَا يلْزم من نفي إحاطة الْعلم والرؤية نفي الْعلم والرؤية بل يكون ذَلِك دَلِيلا على أَنه يرى وَلَا يحاط بِهِ كَمَا يعلم وَلَا يحاط بِهِ فَإِن تَخْصِيص الْإِحَاطَة بِالنَّفْيِ يَقْتَضِي أَن مدرك الرُّؤْيَة لَيْسَ بمنفي وَهَذَا الْجَواب قَول أَكثر الْعلمَاء من السّلف وَغَيرهم وَقد رُوِيَ مَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَغَيره وَقد رُوِيَ فِي ذَلِك حَدِيث مَرْفُوع إِلَى النَّبِي ﷺ وَلَا تحْتَاج الْآيَة إِلَى تَخْصِيص وَلَا خُرُوج عَن ظَاهر الْآيَة فَلَا نحتاج أَن نقُول لَا نرَاهُ فِي الدُّنْيَا أَو نقُول لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار بل المبصرون أَو لَا تُدْرِكهُ كلهَا بل بَعْضهَا وَنَحْو ذَلِك من الْأَقْوَال الَّتِي فِيهَا تكلّف
ثمَّ نَحن فِي هَذَا الْمقَام يكفينا أَن نقُول الْآيَة تحْتَمل ذَلِك فَلَا يكون فِيهَا دلَالَة على نفي الرُّؤْيَة فَبَطل اسْتِدْلَال من اسْتدلَّ بهَا على الرُّؤْيَة وَإِذا أردنَا أَن نثبت دلَالَة الْآيَة على الرُّؤْيَة مَعَ نَفيهَا للإدراك الَّذِي هُوَ الْإِحَاطَة أَقَمْنَا الدّلَالَة على أَن الْإِدْرَاك فِي اللُّغَة لَيْسَ هُوَ مرادفا للرؤية بل هُوَ أخص مِنْهَا وأثبتنا ذَلِك باللغة لَيْسَ هُوَ مرادفا للرؤية بل هُوَ أخص مِنْهَا وأثبتنا ذَلِك باللغة وأقوال الْمُفَسّرين من السّلف وبأدلة أُخْرَى سمعية وعقلية
стр. 140
فصل فِي ذَبَائِح أهل الْكتاب
قَالَ شيخ الْإِسْلَام
قَالَ الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ وَقَالَ ﴿وَمَا أهل بِهِ لغير الله﴾ فَكل مَا ذبح لغير الله فَلَا يُؤْكَل لَحْمه
وروى ابْن حَنْبَل عَن عَطاء فِي ذَبِيحَة النَّصْرَانِي يَقُول اسْم الْمَسِيح قَالَ كل
قَالَ ابْن حَنْبَل سَمِعت أَبَا عبد الله يسْأَل عَن ذَلِك قَالَ لَا تَأْكُل قَالَ الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ فَلَا أرى هَذَا ذَكَاته ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾
فاحتجاج أبي عبد الله بِالْآيَةِ دَلِيل على أَن الْكَرَاهَة عِنْده كَرَاهَة تَحْرِيم وَهَذَا قَول عَامَّة قدماء الْأَصْحَاب
قَالَ الْخلال فِي بَاب التوقي لأكل مَا ذبحت النَّصَارَى وَأهل الْكتاب لأعيادهم وذبائح أهل الْكتاب لكنائسهم كل من رُوِيَ عَن أبي عبد الله روى الْكَرَاهَة فِيهِ وَهِي مُتَفَرِّقَة فِي هَذِه الْأَبْوَاب
وَمَا قَالَ ابْن حَنْبَل فِي هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ ذكر عَن أبي عبد الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ فَإِنَّمَا الْجَواب من أبي عبد الله فِيمَا أهل لغير الله بِهِ وَأما التَّسْمِيَة وَتركهَا فقد روى عَنهُ جَمِيع أَصْحَابه أَنه لَا بَأْس بِأَكْل مَا لم يسموا عَلَيْهِ إِلَّا فِي
стр. 141
وَقت مَا يذبحون لأعيادهم وكنائسهم فَإِنَّهُ فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾
وَعند أبي عبد الله أَن تَفْسِير ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ إِنَّمَا عَنى بِهِ الْميتَة وَقد أخرجته فِي مَوْضِعه
ومقصود الْخلال أَن نهي أَحْمد لم يكن لأجل ترك التَّسْمِيَة فَقَط فَإِن ذَلِك عِنْده لَا يحرم وَإِنَّمَا كَانَ لأَنهم ذبحوه لغير الله سَوَاء كَانُوا يسمون غير الله أَو لَا يسمون الله وَلَا غَيره وَلَكِن قصدهم الذّبْح لغير الله
لَكِن قَالَ ابْن أبي مُوسَى ويجتنب أكل كل مَا ذبحه الْيَهُود وَالنَّصَارَى لكنائسهم وأعيادهم وَلَا يُؤْكَل مَا ذبح للزهرة
وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة أَن ذَلِك مَكْرُوه غير محرم وَهَذَا الَّذِي ذكره القَاضِي وَغَيره وَأخذُوا ذَلِك فِيمَا أَظُنهُ مِمَّا نَقله عبد الله بن أَحْمد سَأَلت أبي عَمَّن ذبح للزهرة قَالَ لَا يُعجبنِي قلت أحرام أكله قَالَ لَا أَقُول حَرَامًا وَلَكِن لَا يُعجبنِي وَذَلِكَ أَنه أثبت الْكَرَاهَة دون التَّحْرِيم
وَيُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا توقف عَن تَسْمِيَته محرما لِأَن مَا اخْتلف فِي تَحْرِيمه وتعارضت فِيهِ كالجمع بَين الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوه هَل يُسمى حَرَامًا على رِوَايَتَيْنِ كالروايتين عِنْده فِي أَن مَا اخْتلف فِي وُجُوبه هَل يُسمى فرضا على رِوَايَتَيْنِ
وَمن أَصْحَابنَا من أطلق الْكَرَاهَة وَلم يُفَسر هَل أَرَادَ التَّحْرِيم أَو التَّنْزِيه
قَالَ أَبُو الْحسن الْآمِدِيّ مَا ذبح لغير الله مثل الْكَنَائِس والزهرة وَالشَّمْس وَالْقَمَر فَقَالَ أَحْمد هُوَ مِمَّا اهل بِهِ لغير الله أكرهه كل مَا ذبح لغير الله وَالْكَنَائِس وَمَا ذَبَحُوا فِي أعيادهم أكرهه فَأَما مَا ذبح أهل الْكتاب على معنى الذَّكَاة فَلَا بَأْس بِهِ
وَكَذَلِكَ مَذْهَب مَالك يكره مَا ذبحه النَّصَارَى لكنائسهم أَو ذَبَحُوا على اسْم الْمَسِيح أَو الصَّلِيب أَو أَسمَاء من مضى من أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ
وَفِي الْمُدَوَّنَة وَكره مَالك أكل مَا ذبحه أهل الْكتاب لكنائسهم أَو لأعيادهم من غير تَحْرِيم وَتَأَول قَول الله ﴿أَو فسقا أهل لغير الله بِهِ﴾
قَالَ ابْن الْقَاسِم وَكَذَلِكَ مَا ذَبَحُوا وَسموا عَلَيْهِ اسْم الْمَسِيح وَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا ذَبَحُوا لكنائسهم وَلَا أرى أَن يُؤْكَل
ونقلت الرُّخْصَة فِي ذَبَائِح الأعياد وَنَحْوهَا عَن طَائِفَة من الصَّحَابَة ﵃ وَهَذَا فِيمَا لم يسموا عَلَيْهِ غير الله فَإِن سموا غير الله فِي عيدهم أَو غير عيدهم حرم فِي أشهر
стр. 142
الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور وَهُوَ مَذْهَب الْفُقَهَاء الثَّلَاثَة فِيمَا نَقله غير وَاحِد وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب وَغَيره من الصَّحَابَة مِنْهُم أَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو أُمَامَة والعرباض بن سَارِيَة وَعبادَة بن الصَّامِت وَهُوَ قَول أَكثر فُقَهَاء الشَّام وَغَيرهم
وَالثَّانيَِة لَا يحرم وَإِن سموا غير الله وَهُوَ قَول عَطاء وَمُجاهد وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث
نقل ابْن مَنْصُور أَنه قيل لأبي عبد الله سُئِلَ سُفْيَان عَن رجل ذبح وَلم يذكر اسْم الله مُتَعَمدا قَالَ أرى أَن لَا يُؤْكَل قيل لَهُ أَرَأَيْت إِن كَانَ يرى أَنه يجزىء عَنهُ فَلم يذكر قَالَ أرى أَنه لَا يُؤْكَل قَالَ أَحْمد الْمُسلم فِيهِ اسْم الله يُؤْكَل وَلَكِن قد أَسَاءَ فِي ترك التَّسْمِيَة النَّصَارَى أَلَيْسَ يذكرُونَ غير اسْم الله
وَوجه الِاخْتِلَاف أَن هَذَا قد دخل فِي قَوْله ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم﴾ وَفِي عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ لِأَن هَذِه الْآيَة تعم كل مَا نطق بِهِ لغير الله يُقَال أَهلَلْت بِكَذَا إِذا تَكَلَّمت بِهِ وَإِن كَانَ أَصله الْكَلَام الرفيع فَإِن الحكم لَا يخْتَلف بِرَفْع الصَّوْت وخفضه وَإِنَّمَا لما كَانَت عَادَتهم رفع الصَّوْت فِي الأَصْل خرج الْكَلَام على ذَلِك فَيكون الْمَعْنى وَمَا تكلم بِهِ لغير الله وَمَا نطق بِهِ لغير الله
وَمَعْلُوم أَن مَا حرم أَن تجْعَل غير الله مُسَمّى فَكَذَلِك منويا إِذْ هَذَا مثل النيات فِي الْعِبَادَات فَإِن اللَّفْظ بهَا وَأَن كَانَ أبلغ لَكِن الأَصْل الْقَصْد
أَلا ترى أَن المتقرب بالهدايا والضحايا سَوَاء قَالَ أذبحه لله أَو سكت فَإِن الْعبْرَة بِالنِّيَّةِ وتسميته الله على الذَّبِيحَة غير ذَبحهَا لله فَإِنَّهُ يُسَمِّي على مَا يقْصد بِهِ اللَّحْم وَأما القربان فَيذْبَح لله سُبْحَانَهُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي قربانه
اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك بعد قَوْله بِسم الله وَالله أكبر لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين﴾ والكافرون يصنعون بآلهتهم كَذَلِك فَتَارَة يسمون آلِهَتهم على الذَّبَائِح وَتارَة يذبحونها قربانا إِلَيْهِم وَتارَة يجمعُونَ بَينهمَا وكل ذَلِك وَالله أعلم يدْخل فِيمَا أهل لغير الله بِهِ فَإِن من سمى غير الله فقد أهل بِهِ لغير الله فَقَوله باسم كَذَا استعانة بِهِ وَقَوله لكذا عبَادَة لَهُ وَلِهَذَا جمع الله بَينهمَا فِي قَوْله ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾
стр. 143
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ حرم مَا ذبح على النصب وَهِي كل مَا ينصب ليعبد من دون الله
وَأما احتجاج أَحْمد على هَذِه الْمَسْأَلَة بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ فَحَيْثُ اشْترطت التَّسْمِيَة فِي ذَبِيحَة الْمُسلم هَل تشْتَرط فِي ذَبِيحَة الْكِتَابِيّ على رِوَايَتَيْنِ وَإِن كَانَ الْخلال هُنَا قد ذكر عدم الِاشْتِرَاط فاحتجاجه بِهَذِهِ الْآيَة يخرج على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
فَلَمَّا تعَارض الْعُمُوم الحاظر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ والعموم الْمُبِيح وَهُوَ قَوْله ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم﴾ اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك
وَالْأَشْبَه بِالْكتاب وَالسّنة مَا دلّ عَلَيْهِ أَكثر كَلَام أَحْمد من الْحَظْر وَإِن كَانَ من متأخري أَصْحَابنَا من لَا يذكر هَذِه الرِّوَايَة بِحَال وَذَلِكَ لِأَن عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ ﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ عُمُوم مَحْفُوظ لم تخص مِنْهُ صُورَة بِخِلَاف طَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب فَإِنَّهُ يشْتَرط لَهُ الذَّكَاة المبيحة فَلَو ذكى الْكِتَابِيّ فِي غير الْمحل الْمَشْرُوع لم تبح ذَكَاته وَلِأَن غَايَة الْكِتَابِيّ أَن تكون ذَكَاته كَالْمُسلمِ وَالْمُسلم لَو ذبح لغير الله أَو ذبح باسم غير الله لم يبح وَإِن كَانَ يكفر بذلك فَكَذَلِك الذِّمِّيّ لِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم﴾ سَوَاء وهم وَإِن كَانُوا يسْتَحلُّونَ هَذَا وَنحن لَا نستحله فَلَيْسَ كل مَا اسْتَحَلُّوهُ يحل لنا
وَلِأَنَّهُ قد تعَارض دليلان حاظر ومبيح فالحاظر أولى أَن يقدم
وَلِأَن الذّبْح لغير الله أَو باسم غَيره قد علمنَا يَقِينا أَنه لَيْسَ من دين الْأَنْبِيَاء ﵈ فَهُوَ من الشّرك الَّذِي أحدثوه فَالْمَعْنى الَّذِي لأَجله حلت ذَبَائِحهم مُنْتَفٍ فِي هَذَا وَالله تَعَالَى أعلم
فَإِن قيل مَا إِذا سموا عَلَيْهِ غير الله بِأَن يَقُولُوا باسم الْمَسِيح وَنَحْوه فتحريمه ظَاهر أما إِذا لم يسموا أحدا وَلَكِن قصدُوا الذّبْح للمسيح أَو للكوكب وَنَحْوهمَا فَمَا وَجه تَحْرِيمه
قيل قد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَهُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ قد حرم مَا ذبح على النصب وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيمه وَإِن كَانَ ذابحه كتابيا لِأَنَّهُ لَو كَانَ التَّحْرِيم لكَونه وثينا لم يكن فرق بَين ذبحه على النصب وَغَيرهَا وَلِأَنَّهُ لما أَبَاحَ لنا طَعَام أهل الْكتاب دلّ على أَن طَعَام الْمُشْركين حرَام فتخصيص مَا ذبح على الوثن يَقْتَضِي فَائِدَة جَدِيدَة
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ذكر تَحْرِيم مَا ذبح على النصب وَمَا أهل بِهِ لغير الله وَقد دخل فِيمَا أهل بِهِ
стр. 144
لغير الله مَا أهل بِهِ أهل الْكتاب لغير الله فَكَذَلِك كل مَا ذبح على النصب فَإِذا ذبح الْكِتَابِيّ على مَا قد نصبوه من التماثيل فِي الْكَنَائِس فَهُوَ مَذْبُوح على النصب
وَمَعْلُوم أَن حكم ذَلِك لَا يخْتَلف بِحُضُور الوثن وغيبته فَإِنَّمَا حرم لِأَنَّهُ قصد بذَبْحه عبَادَة الوثن وتعظيمه وَهَذِه الأنصاب قد قيل هِيَ من الْأَصْنَام وَقيل هِيَ غير الْأَصْنَام
قَالُوا كَانَ حول الْبَيْت ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ حجرا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يذبحون عَلَيْهَا ويشرحون اللَّحْم عَلَيْهَا وَكَانُوا يعظمون هَذِه الْحِجَارَة ويعبدونها ويذبحون عَلَيْهَا وَكَانُوا إِذا شاؤوا أبدلوا هَذِه الْحِجَارَة بحجارة هِيَ أعجب إِلَيْهِم مِنْهَا وَيدل على ذَلِك قَول أبي ذَر فِي حَدِيث إِسْلَامه حَتَّى صرت كالنصب الْأَحْمَر يُرِيد أَنه كَانَ يصير أَحْمَر من تلوثه بِالدَّمِ
وَفِي قَوْله ﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ قَولَانِ
أَحدهمَا أَن نفس الذّبْح كَانَ يكون عَلَيْهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ فَيكون ذبحهم غير الْأَصْنَام فَيكون الذّبْح عَلَيْهَا لأجل أَن الْمَذْبُوح عَلَيْهَا مَذْبُوح للأصنام أَو مَذْبُوح لَهَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيم كل مَا ذبح لغير الله وَلِأَن الذّبْح فِي الْبقْعَة لَا تَأْثِير لَهُ إِلَّا من جِهَة الذّبْح لغير الله كَمَا كرهه النَّبِي ﷺ من الذّبْح فِي مَوَاضِع أصنام الْمُشْركين ومواضع أعيادهم وَإِنَّمَا يكره الْمَذْبُوح فِي الْبقْعَة الْمعينَة لكَونهَا مَحل شرك فَإِذا وَقع الذّبْح حَقِيقَة لغير الله كَانَت حَقِيقَة التَّحْرِيم قد وجدت فِيهِ
وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الذّبْح على النصب أَي لأجل النصب كَمَا قيل
أولم رَسُول الله ﷺ على زَيْنَب بِخبْز وَلحم وَأطْعم فلَان على وَلَده وَذبح فلَان على وَلَده وَنَحْو ذَلِك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ وَهَذَا ظَاهر على قَول من يَجْعَل النصب نفس الْأَصْنَام وَلَا مُنَافَاة بَين كَون الذّبْح لَهَا وَبَين كَونهَا كَانَت تلوث بِالدَّمِ
وعَلى هَذَا القَوْل فالدلالة ظَاهِرَة
وَاخْتِلَاف هذَيْن الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿على النصب﴾ نَظِير الِاخْتِلَاف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكُل أمة جعلنَا منسكا لِيذكرُوا اسْم الله على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ليشهدوا مَنَافِع لَهُم ويذكروا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾
стр. 145
فَإِنَّهُ قد قيل المُرَاد بِذكر اسْم الله عَلَيْهَا إِذا كَانَت حَاضِرَة
وَقيل بل يعم ذكره لأَجلهَا فِي مغيبها وشهودها بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى ﴿لتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾
وَفِي الْحَقِيقَة مآل الْقَوْلَيْنِ إِلَى شَيْء وَاحِد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ كَمَا قد أومأنا إِلَيْهِ
وفيهَا قَول ثَالِث ضَعِيف أَن الْمَعْنى على اسْم النّصْف وَهَذَا ضَعِيف لِأَن هَذَا الْمَعْنى حَاصِل من قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ فَيكون تكريرا لَكِن اللَّفْظ يحْتَملهُ كَمَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن ابْن عمر ﵄ أَنه كَانَ يحدث عَن رَسُول الله ﷺ
أَنه لَقِي زيد بن عَمْرو بن نفَيْل بِأَسْفَل بلدح وَذَلِكَ قبل أَن ينزل على رَسُول الله ﷺ الْوَحْي فَقدمت إِلَى رَسُول الله ﷺ سفرة فِيهَا لحم فَأبى أَن يَأْكُل مِنْهَا ثمَّ قَالَ زيد إِنِّي لست آكل مِمَّا تذبحون على أنصابكم وَلَا آكل إِلَّا مَا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ
فصل
قَالَ شيخ الْإِسْلَام
الْجِنّ مأمورون ومنهيون كالإنس وَقد بعث الله الرُّسُل من الْإِنْس إِلَيْهِم وَإِلَى الْإِنْس وَأمر الْجَمِيع بِطَاعَة الرُّسُل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم آياتي وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا شَهِدنَا على أَنْفُسنَا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين﴾ وَهَذَا بعد قَوْله ﴿وَيَوْم يحشرهم جَمِيعًا يَا معشر الْجِنّ قد استكثرتم من الْإِنْس وَقَالَ أولياؤهم من الْإِنْس رَبنَا استمتع بَعْضنَا بِبَعْض وبلغنا أجلنا الَّذِي أجلت لنا قَالَ النَّار مثواكم خَالِدين فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ قَالَ غير وَاحِد من السّلف أَي كثير من أغويتم من الْإِنْس وأضللتموهم قَالَ الْبَغَوِيّ قَالَ بَعضهم استمتاع الْإِنْس بالجن مَا كَانُوا يلقون لَهُم من الأراجيف وَالسحر وَالْكهَانَة وتزيينهم
следующие страницы →