← Тафсир

Тафсир · id 5487

دقائق التفسير

ابن تيمية

Полный текст (300 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَقت مَا يذبحون لأعيادهم وكنائسهم فَإِنَّهُ فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ وَعند أبي عبد الله أَن تَفْسِير ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ إِنَّمَا عَنى بِهِ الْميتَة وَقد أخرجته فِي مَوْضِعه ومقصود الْخلال أَن نهي أَحْمد لم يكن لأجل ترك التَّسْمِيَة فَقَط فَإِن ذَلِك عِنْده لَا يحرم وَإِنَّمَا كَانَ لأَنهم ذبحوه لغير الله سَوَاء كَانُوا يسمون غير الله أَو لَا يسمون الله وَلَا غَيره وَلَكِن قصدهم الذّبْح لغير الله لَكِن قَالَ ابْن أبي مُوسَى ويجتنب أكل كل مَا ذبحه الْيَهُود وَالنَّصَارَى لكنائسهم وأعيادهم وَلَا يُؤْكَل مَا ذبح للزهرة وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة أَن ذَلِك مَكْرُوه غير محرم وَهَذَا الَّذِي ذكره القَاضِي وَغَيره وَأخذُوا ذَلِك فِيمَا أَظُنهُ مِمَّا نَقله عبد الله بن أَحْمد سَأَلت أبي عَمَّن ذبح للزهرة قَالَ لَا يُعجبنِي قلت أحرام أكله قَالَ لَا أَقُول حَرَامًا وَلَكِن لَا يُعجبنِي وَذَلِكَ أَنه أثبت الْكَرَاهَة دون التَّحْرِيم وَيُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا توقف عَن تَسْمِيَته محرما لِأَن مَا اخْتلف فِي تَحْرِيمه وتعارضت فِيهِ كالجمع بَين الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوه هَل يُسمى حَرَامًا على رِوَايَتَيْنِ كالروايتين عِنْده فِي أَن مَا اخْتلف فِي وُجُوبه هَل يُسمى فرضا على رِوَايَتَيْنِ وَمن أَصْحَابنَا من أطلق الْكَرَاهَة وَلم يُفَسر هَل أَرَادَ التَّحْرِيم أَو التَّنْزِيه قَالَ أَبُو الْحسن الْآمِدِيّ مَا ذبح لغير الله مثل الْكَنَائِس والزهرة وَالشَّمْس وَالْقَمَر فَقَالَ أَحْمد هُوَ مِمَّا اهل بِهِ لغير الله أكرهه كل مَا ذبح لغير الله وَالْكَنَائِس وَمَا ذَبَحُوا فِي أعيادهم أكرهه فَأَما مَا ذبح أهل الْكتاب على معنى الذَّكَاة فَلَا بَأْس بِهِ وَكَذَلِكَ مَذْهَب مَالك يكره مَا ذبحه النَّصَارَى لكنائسهم أَو ذَبَحُوا على اسْم الْمَسِيح أَو الصَّلِيب أَو أَسمَاء من مضى من أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ وَفِي الْمُدَوَّنَة وَكره مَالك أكل مَا ذبحه أهل الْكتاب لكنائسهم أَو لأعيادهم من غير تَحْرِيم وَتَأَول قَول الله ﴿أَو فسقا أهل لغير الله بِهِ﴾ قَالَ ابْن الْقَاسِم وَكَذَلِكَ مَا ذَبَحُوا وَسموا عَلَيْهِ اسْم الْمَسِيح وَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا ذَبَحُوا لكنائسهم وَلَا أرى أَن يُؤْكَل ونقلت الرُّخْصَة فِي ذَبَائِح الأعياد وَنَحْوهَا عَن طَائِفَة من الصَّحَابَة ﵃ وَهَذَا فِيمَا لم يسموا عَلَيْهِ غير الله فَإِن سموا غير الله فِي عيدهم أَو غير عيدهم حرم فِي أشهر

стр. 142

الرِّوَايَتَيْنِ وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور وَهُوَ مَذْهَب الْفُقَهَاء الثَّلَاثَة فِيمَا نَقله غير وَاحِد وَهُوَ قَول عَليّ بن أبي طَالب وَغَيره من الصَّحَابَة مِنْهُم أَبُو الدَّرْدَاء وَأَبُو أُمَامَة والعرباض بن سَارِيَة وَعبادَة بن الصَّامِت وَهُوَ قَول أَكثر فُقَهَاء الشَّام وَغَيرهم وَالثَّانيَِة لَا يحرم وَإِن سموا غير الله وَهُوَ قَول عَطاء وَمُجاهد وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث نقل ابْن مَنْصُور أَنه قيل لأبي عبد الله سُئِلَ سُفْيَان عَن رجل ذبح وَلم يذكر اسْم الله مُتَعَمدا قَالَ أرى أَن لَا يُؤْكَل قيل لَهُ أَرَأَيْت إِن كَانَ يرى أَنه يجزىء عَنهُ فَلم يذكر قَالَ أرى أَنه لَا يُؤْكَل قَالَ أَحْمد الْمُسلم فِيهِ اسْم الله يُؤْكَل وَلَكِن قد أَسَاءَ فِي ترك التَّسْمِيَة النَّصَارَى أَلَيْسَ يذكرُونَ غير اسْم الله وَوجه الِاخْتِلَاف أَن هَذَا قد دخل فِي قَوْله ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم﴾ وَفِي عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ لِأَن هَذِه الْآيَة تعم كل مَا نطق بِهِ لغير الله يُقَال أَهلَلْت بِكَذَا إِذا تَكَلَّمت بِهِ وَإِن كَانَ أَصله الْكَلَام الرفيع فَإِن الحكم لَا يخْتَلف بِرَفْع الصَّوْت وخفضه وَإِنَّمَا لما كَانَت عَادَتهم رفع الصَّوْت فِي الأَصْل خرج الْكَلَام على ذَلِك فَيكون الْمَعْنى وَمَا تكلم بِهِ لغير الله وَمَا نطق بِهِ لغير الله وَمَعْلُوم أَن مَا حرم أَن تجْعَل غير الله مُسَمّى فَكَذَلِك منويا إِذْ هَذَا مثل النيات فِي الْعِبَادَات فَإِن اللَّفْظ بهَا وَأَن كَانَ أبلغ لَكِن الأَصْل الْقَصْد أَلا ترى أَن المتقرب بالهدايا والضحايا سَوَاء قَالَ أذبحه لله أَو سكت فَإِن الْعبْرَة بِالنِّيَّةِ وتسميته الله على الذَّبِيحَة غير ذَبحهَا لله فَإِنَّهُ يُسَمِّي على مَا يقْصد بِهِ اللَّحْم وَأما القربان فَيذْبَح لله سُبْحَانَهُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ فِي قربانه اللَّهُمَّ مِنْك وَلَك بعد قَوْله بِسم الله وَالله أكبر لقَوْله تَعَالَى ﴿إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين﴾ والكافرون يصنعون بآلهتهم كَذَلِك فَتَارَة يسمون آلِهَتهم على الذَّبَائِح وَتارَة يذبحونها قربانا إِلَيْهِم وَتارَة يجمعُونَ بَينهمَا وكل ذَلِك وَالله أعلم يدْخل فِيمَا أهل لغير الله بِهِ فَإِن من سمى غير الله فقد أهل بِهِ لغير الله فَقَوله باسم كَذَا استعانة بِهِ وَقَوله لكذا عبَادَة لَهُ وَلِهَذَا جمع الله بَينهمَا فِي قَوْله ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾

стр. 143

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ حرم مَا ذبح على النصب وَهِي كل مَا ينصب ليعبد من دون الله وَأما احتجاج أَحْمد على هَذِه الْمَسْأَلَة بقوله تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لم يذكر اسْم الله عَلَيْهِ﴾ فَحَيْثُ اشْترطت التَّسْمِيَة فِي ذَبِيحَة الْمُسلم هَل تشْتَرط فِي ذَبِيحَة الْكِتَابِيّ على رِوَايَتَيْنِ وَإِن كَانَ الْخلال هُنَا قد ذكر عدم الِاشْتِرَاط فاحتجاجه بِهَذِهِ الْآيَة يخرج على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَلَمَّا تعَارض الْعُمُوم الحاظر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ والعموم الْمُبِيح وَهُوَ قَوْله ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم﴾ اخْتلف الْعلمَاء فِي ذَلِك وَالْأَشْبَه بِالْكتاب وَالسّنة مَا دلّ عَلَيْهِ أَكثر كَلَام أَحْمد من الْحَظْر وَإِن كَانَ من متأخري أَصْحَابنَا من لَا يذكر هَذِه الرِّوَايَة بِحَال وَذَلِكَ لِأَن عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ ﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ عُمُوم مَحْفُوظ لم تخص مِنْهُ صُورَة بِخِلَاف طَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب فَإِنَّهُ يشْتَرط لَهُ الذَّكَاة المبيحة فَلَو ذكى الْكِتَابِيّ فِي غير الْمحل الْمَشْرُوع لم تبح ذَكَاته وَلِأَن غَايَة الْكِتَابِيّ أَن تكون ذَكَاته كَالْمُسلمِ وَالْمُسلم لَو ذبح لغير الله أَو ذبح باسم غير الله لم يبح وَإِن كَانَ يكفر بذلك فَكَذَلِك الذِّمِّيّ لِأَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم﴾ سَوَاء وهم وَإِن كَانُوا يسْتَحلُّونَ هَذَا وَنحن لَا نستحله فَلَيْسَ كل مَا اسْتَحَلُّوهُ يحل لنا وَلِأَنَّهُ قد تعَارض دليلان حاظر ومبيح فالحاظر أولى أَن يقدم وَلِأَن الذّبْح لغير الله أَو باسم غَيره قد علمنَا يَقِينا أَنه لَيْسَ من دين الْأَنْبِيَاء ﵈ فَهُوَ من الشّرك الَّذِي أحدثوه فَالْمَعْنى الَّذِي لأَجله حلت ذَبَائِحهم مُنْتَفٍ فِي هَذَا وَالله تَعَالَى أعلم فَإِن قيل مَا إِذا سموا عَلَيْهِ غير الله بِأَن يَقُولُوا باسم الْمَسِيح وَنَحْوه فتحريمه ظَاهر أما إِذا لم يسموا أحدا وَلَكِن قصدُوا الذّبْح للمسيح أَو للكوكب وَنَحْوهمَا فَمَا وَجه تَحْرِيمه قيل قد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَى ذَلِك وَهُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ قد حرم مَا ذبح على النصب وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيمه وَإِن كَانَ ذابحه كتابيا لِأَنَّهُ لَو كَانَ التَّحْرِيم لكَونه وثينا لم يكن فرق بَين ذبحه على النصب وَغَيرهَا وَلِأَنَّهُ لما أَبَاحَ لنا طَعَام أهل الْكتاب دلّ على أَن طَعَام الْمُشْركين حرَام فتخصيص مَا ذبح على الوثن يَقْتَضِي فَائِدَة جَدِيدَة وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ذكر تَحْرِيم مَا ذبح على النصب وَمَا أهل بِهِ لغير الله وَقد دخل فِيمَا أهل بِهِ

стр. 144

لغير الله مَا أهل بِهِ أهل الْكتاب لغير الله فَكَذَلِك كل مَا ذبح على النصب فَإِذا ذبح الْكِتَابِيّ على مَا قد نصبوه من التماثيل فِي الْكَنَائِس فَهُوَ مَذْبُوح على النصب وَمَعْلُوم أَن حكم ذَلِك لَا يخْتَلف بِحُضُور الوثن وغيبته فَإِنَّمَا حرم لِأَنَّهُ قصد بذَبْحه عبَادَة الوثن وتعظيمه وَهَذِه الأنصاب قد قيل هِيَ من الْأَصْنَام وَقيل هِيَ غير الْأَصْنَام قَالُوا كَانَ حول الْبَيْت ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ حجرا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يذبحون عَلَيْهَا ويشرحون اللَّحْم عَلَيْهَا وَكَانُوا يعظمون هَذِه الْحِجَارَة ويعبدونها ويذبحون عَلَيْهَا وَكَانُوا إِذا شاؤوا أبدلوا هَذِه الْحِجَارَة بحجارة هِيَ أعجب إِلَيْهِم مِنْهَا وَيدل على ذَلِك قَول أبي ذَر فِي حَدِيث إِسْلَامه حَتَّى صرت كالنصب الْأَحْمَر يُرِيد أَنه كَانَ يصير أَحْمَر من تلوثه بِالدَّمِ وَفِي قَوْله ﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ قَولَانِ أَحدهمَا أَن نفس الذّبْح كَانَ يكون عَلَيْهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ فَيكون ذبحهم غير الْأَصْنَام فَيكون الذّبْح عَلَيْهَا لأجل أَن الْمَذْبُوح عَلَيْهَا مَذْبُوح للأصنام أَو مَذْبُوح لَهَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَحْرِيم كل مَا ذبح لغير الله وَلِأَن الذّبْح فِي الْبقْعَة لَا تَأْثِير لَهُ إِلَّا من جِهَة الذّبْح لغير الله كَمَا كرهه النَّبِي ﷺ من الذّبْح فِي مَوَاضِع أصنام الْمُشْركين ومواضع أعيادهم وَإِنَّمَا يكره الْمَذْبُوح فِي الْبقْعَة الْمعينَة لكَونهَا مَحل شرك فَإِذا وَقع الذّبْح حَقِيقَة لغير الله كَانَت حَقِيقَة التَّحْرِيم قد وجدت فِيهِ وَالْقَوْل الثَّانِي أَن الذّبْح على النصب أَي لأجل النصب كَمَا قيل أولم رَسُول الله ﷺ على زَيْنَب بِخبْز وَلحم وَأطْعم فلَان على وَلَده وَذبح فلَان على وَلَده وَنَحْو ذَلِك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ وَهَذَا ظَاهر على قَول من يَجْعَل النصب نفس الْأَصْنَام وَلَا مُنَافَاة بَين كَون الذّبْح لَهَا وَبَين كَونهَا كَانَت تلوث بِالدَّمِ وعَلى هَذَا القَوْل فالدلالة ظَاهِرَة وَاخْتِلَاف هذَيْن الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿على النصب﴾ نَظِير الِاخْتِلَاف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكُل أمة جعلنَا منسكا لِيذكرُوا اسْم الله على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ليشهدوا مَنَافِع لَهُم ويذكروا اسْم الله فِي أَيَّام مَعْلُومَات على مَا رزقهم من بَهِيمَة الْأَنْعَام﴾

стр. 145

فَإِنَّهُ قد قيل المُرَاد بِذكر اسْم الله عَلَيْهَا إِذا كَانَت حَاضِرَة وَقيل بل يعم ذكره لأَجلهَا فِي مغيبها وشهودها بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى ﴿لتكبروا الله على مَا هدَاكُمْ﴾ وَفِي الْحَقِيقَة مآل الْقَوْلَيْنِ إِلَى شَيْء وَاحِد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا ذبح على النصب﴾ كَمَا قد أومأنا إِلَيْهِ وفيهَا قَول ثَالِث ضَعِيف أَن الْمَعْنى على اسْم النّصْف وَهَذَا ضَعِيف لِأَن هَذَا الْمَعْنى حَاصِل من قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أهل لغير الله بِهِ﴾ فَيكون تكريرا لَكِن اللَّفْظ يحْتَملهُ كَمَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن ابْن عمر ﵄ أَنه كَانَ يحدث عَن رَسُول الله ﷺ أَنه لَقِي زيد بن عَمْرو بن نفَيْل بِأَسْفَل بلدح وَذَلِكَ قبل أَن ينزل على رَسُول الله ﷺ الْوَحْي فَقدمت إِلَى رَسُول الله ﷺ سفرة فِيهَا لحم فَأبى أَن يَأْكُل مِنْهَا ثمَّ قَالَ زيد إِنِّي لست آكل مِمَّا تذبحون على أنصابكم وَلَا آكل إِلَّا مَا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ فصل قَالَ شيخ الْإِسْلَام الْجِنّ مأمورون ومنهيون كالإنس وَقد بعث الله الرُّسُل من الْإِنْس إِلَيْهِم وَإِلَى الْإِنْس وَأمر الْجَمِيع بِطَاعَة الرُّسُل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس ألم يأتكم رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم آياتي وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا شَهِدنَا على أَنْفُسنَا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا وشهدوا على أنفسهم أَنهم كَانُوا كَافِرين﴾ وَهَذَا بعد قَوْله ﴿وَيَوْم يحشرهم جَمِيعًا يَا معشر الْجِنّ قد استكثرتم من الْإِنْس وَقَالَ أولياؤهم من الْإِنْس رَبنَا استمتع بَعْضنَا بِبَعْض وبلغنا أجلنا الَّذِي أجلت لنا قَالَ النَّار مثواكم خَالِدين فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ قَالَ غير وَاحِد من السّلف أَي كثير من أغويتم من الْإِنْس وأضللتموهم قَالَ الْبَغَوِيّ قَالَ بَعضهم استمتاع الْإِنْس بالجن مَا كَانُوا يلقون لَهُم من الأراجيف وَالسحر وَالْكهَانَة وتزيينهم

стр. 146

لَهُم الْأُمُور الَّتِي يهيؤونها ويسهل سَبِيلهَا عَلَيْهِم واستمتاع الْجِنّ بالإنس طَاعَة الْإِنْس لَهُم فِيمَا يزينن لَهُم من الضَّلَالَة والمعاصي قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب هُوَ طَاعَة بَعضهم لبَعض وموافقة بَعضهم بَعْضًا وَذكر ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ مَا كَانَ استمتاع بَعضهم بِبَعْض إِلَّا أَن الْجِنّ أمرت وَعلمت الْإِنْس وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب قَالَ هُوَ الصَّحَابَة فِي الدُّنْيَا وَقَالَ ابْن السَّائِب استمتاع الْإِنْس بالجن استعاذتهم بهم واستمتاع الْجِنّ بالإنس أَن قَالُوا قد أسرنا الْإِنْس مَعَ الْجِنّ حَتَّى عاذوا بِنَا فيزدادون شرفا فِي أنفسهم وعظما فِي نُفُوسهم وَهَذَا كَقَوْلِه ﴿وَأَنه كَانَ رجال من الْإِنْس يعوذون بِرِجَال من الْجِنّ فزادوهم رهقا﴾ قلت الِاسْتِمْتَاع بالشَّيْء هُوَ أَن يتمتع بِهِ ينَال بِهِ مَا يَطْلُبهُ ويريده ويهواه وَيدخل فِي ذَلِك استمتاع الرِّجَال بِالنسَاء بَعضهم لبَعض كَمَا قَالَ ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ فَرِيضَة﴾ وَمن ذَلِك الْفَوَاحِش كاستمتاع الذُّكُور بالذكور وَالْإِنَاث بالإناث وَيدخل فِي هَذَا الِاسْتِمْتَاع بالاستخدام وأئمة الرياسة كَمَا يتمتع الْمُلُوك والسادة بجنودهم ومماليكهم وَيدخل فِي ذَلِك الِاسْتِمْتَاع بالأموال كاللباس وَمِنْه قَوْله ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره﴾ وَكَانَ من السّلف من يمتع الْمَرْأَة بخادم فَهِيَ تستمتع بخدمته وَمِنْهُم من يمتع بكسوة أَو نَفَقَة وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاء أَعلَى الْمُتْعَة خَادِم وَأَدْنَاهَا كسْوَة يجزىء فِيهَا الصَّلَاة وَفِي الْجُمْلَة استمتاع الْإِنْس بالجن وَالْجِنّ بالإنس يشبه استمتاع الْإِنْس بالإنس قَالَ تَعَالَى ﴿الأخلاء يَوْمئِذٍ بَعضهم لبَعض عَدو إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وتقطعت بهم الْأَسْبَاب﴾ قَالَ مُجَاهِد هِيَ المودات الَّتِي كَانَت لغير الله قَالَ الْخَلِيل ﴿إِنَّمَا اتخذتم من دون الله أوثانا مَوَدَّة بَيْنكُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا ثمَّ يَوْم الْقِيَامَة يكفر بَعْضكُم بِبَعْض ويلعن بَعْضكُم بَعْضًا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ فالمشرك يعبد مَا يهواه وَاتِّبَاع الْهوى هُوَ استمتاع من صَاحبه بِمَا يهواه وَقد وَقع فِي الْإِنْس وَالْجِنّ هَذَا كُله

стр. 147

وَتارَة يخْدم هَؤُلَاءِ لهَؤُلَاء فِي أغراضهم وَهَؤُلَاء لهَؤُلَاء فِي أغراضهم فالجن تَأتيه بِمَا يُرِيد من صُورَة أَو مَال أَو قتل عدوه وَالْإِنْس تطيع الْجِنّ فَتَارَة يسْجد لَهُ وَتارَة لما يَأْمُرهُ بِالسُّجُود لَهُ وَتارَة يُمكنهُ من نَفسه فيفعل بِهِ الْفَاحِشَة وَكَذَلِكَ الجينات مِنْهُنَّ من يُرِيد من الْإِنْس الَّذِي يخدمنه مَا يُرِيد نسَاء الْإِنْس من الرِّجَال وَهَذَا كثير فِي رجال الْجِنّ وَنِسَائِهِمْ فكثير من رِجَالهمْ ينَال من نسَاء الْإِنْس مَا يَنَالهُ الْإِنْسِي وَقد يفعل ذَلِك بالذكران وصرع الْجِنّ للإنس هُوَ لأسباب ثَلَاثَة تَارَة يكون الجني يحب المصروع ليتمتع بِهِ وَهَذَا الصرع يكون أرْفق من غَيره وأسهل وَتارَة يكون الْإِنْسِي آذاهم إِذا بَال عَلَيْهِم أَو صب عَلَيْهِم مَاء حارا أَو يكون قتل بَعضهم أَو غير ذَلِك من أَنْوَاع الْأَذَى هَذَا أَشد الصرع وَكَثِيرًا مَا يقتلُون المصروع وَتارَة يكون بطرِيق الْعَبَث بِهِ كَمَا يعبث سُفَهَاء الْإِنْس بأبناء السَّبِيل وَمن استمتاع الْإِنْس وَالْجِنّ استخدامهم فِي الْإِخْبَار بالأمور الغائبة كَمَا يخبر الْكُهَّان فَإِن فِي الْإِنْس من لَهُ غَرَض فِي هَذَا لما يحصل بِهِ من الرياسة وَالْمَال وَغير ذَلِك فَإِن كَانَ الْقَوْم كفَّارًا كَمَا كَانَت الْعَرَب لم تبال بِأَن يُقَال أَنه كَاهِن كَمَا كَانَ الْعَرَب كهانا وَقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة وفيهَا كهان وَكَانَ المُنَافِقُونَ يطْلبُونَ التحاكم إِلَى الْكُهَّان وَكَانَ أَبُو ابرق الْأَسْلَمِيّ أحد الْكُهَّان قبل أَن يسلم وَإِن كَانَ الْقَوْم مُسلمين لم يظْهر أَنه كَاهِن بل يَجْعَل ذَلِك من بَاب الكرامات وَهُوَ من جنس الْكُهَّان فَإِنَّهُ لَا يخْدم الْإِنْسِي بِهَذِهِ الْأَخْبَار إِلَّا لما يسْتَمْتع بِهِ من الْإِنْسِي بِأَن يطيعه الْإِنْسِي فِي بعض مَا يُريدهُ إِمَّا فِي شرك وَإِمَّا فِي فَاحِشَة وَإِمَّا فِي أكل حرَام وَإِمَّا فِي قتل بِغَيْر حق فالشياطين لَهُم غَرَض فِيمَا نهى الله عَنهُ من الْكفْر والفسوق والعصيان وَلَهُم لَذَّة فِي الشَّرّ والفتن يحبونَ ذَلِك وَإِن لم يكن فِيهِ مَنْفَعَة لَهُم وهم يقومُونَ بِأَمْر السَّارِق أَن يسرق وَيذْهب إِلَى أهل المَال فَيَقُولُونَ فلَان سرق مَتَاعكُمْ وَلِهَذَا يُقَال الْقُوَّة الملكية والبهيمية والسبعية والشيطانية فَإِن الملكية فِيهَا الْعلم النافع وَالْعَمَل الصَّالح والبهيمية فِيهَا الشَّهَوَات كَالْأَكْلِ وَالشرب والسبعية فِيهَا الْغَضَب وَهُوَ دفع المؤذي وَأما الشيطانة فشر مَحْض لَيْسَ فِيهَا جلب مَنْفَعَة وَلَا دفع مضرَّة والفلاسفة وَنَحْوهم مِمَّن لَا يعرف الْجِنّ وَالشَّيَاطِين لَا يعْرفُونَ هَذِه وَإِنَّمَا يعْرفُونَ الشَّهْوَة وَالْغَضَب والشهوة وَالْغَضَب خلقا لمصْلحَة وَمَنْفَعَة لَكِن المذموم هُوَ الْعدوان فيهمَا وَأما الشَّيْطَان فيأمر بِالشَّرِّ الَّذِي لَا مَنْفَعَة فِيهِ وَيُحب ذَلِك كَمَا فعل إِبْلِيس بِآدَم لما وسوس لَهُ وكما امْتنع من السُّجُود لَهُ فالحسد يَأْمر بِهِ الشَّيْطَان والحاسد لَا ينْتَفع بِزَوَال النِّعْمَة عَن الْمَحْسُود

стр. 148

لَكِن يبغض ذَلِك وَقد يكون بغضه لفَوَات غَرَضه وَقد لَا يكون وَمن استمتاع الْإِنْس بالجن استخدامهم فِي إِحْضَار بعض مَا يطلبونه من مَال وَطَعَام وَثيَاب وَنَفَقَة فقد يأْتونَ بِبَعْض ذَلِك وَقد يدلونه على كنز وَغَيره واستمتاع الْجِنّ بالإنس استعمالهم فِيمَا يُريدهُ الشَّيْطَان من كفر وفسوق ومعصية وَمن استمتاع الْإِنْس بالجن استخدامهم فِيمَا يَطْلُبهُ الْإِنْس من شرك وَقتل وفواحش فَتَارَة بتمثل الجني فِي صُورَة الْإِنْسِي فَإِذا اسْتَغَاثَ بِهِ فِي بعض أَتْبَاعه أَتَاهُ فَظن أَنه الشَّيْخ نَفسه وَتارَة يكون التَّابِع قد نَادَى شَيْخه وهتف بِهِ يَا سَيِّدي فلَان فينقل الجني ذَلِك الْكَلَام إِلَى الشَّيْخ بِمثل صَوت الْإِنْسِي حَتَّى يظنّ الشَّيْخ أَنه صَوت الْإِنْسِي بِعَيْنِه ثمَّ إِن الشَّيْخ يَقُول نعم وَيُشِير إِشَارَة يدْفع بهَا ذَلِك الْمَكْرُوه فَيَأْتِي الجني بِمثل ذَلِك الصَّوْت وَالْفِعْل يظنّ ذَلِك الشَّخْص أَنه شَيْخه نَفسه وَهُوَ الَّذِي أَجَابَهُ وَهُوَ الَّذِي فعل ذَلِك حَتَّى إِن تَابع الشَّيْخ قد تكون يَده فِي إِنَاء يَأْكُل فَيَضَع الجني يَده فِي صُورَة يَد الشَّيْخ وَيَأْخُذ من الطَّعَام فيظن ذَلِك التَّابِع أَنه شَيْخه حَاضر مَعَه والجني يمثل للشَّيْخ نَفسه مثل ذَلِك الْإِنَاء فَيَضَع يَده فِيهِ حَتَّى يظنّ الشَّيْخ أَن يَده فِي ذَلِك الْإِنَاء فَإِذا حضر المريد ذكر لَهُ الشَّيْخ أَن يَدي كَانَت فِي الْإِنَاء فيصدقه وَيكون بَينهمَا مَسَافَة شهر وَالشَّيْخ فِي مَوْضِعه وَيَده لم تطل وَلَكِن الجني مثل للشَّيْخ وَمثل للمريد حَتَّى ظن كل مِنْهُمَا أَن أَحدهمَا عِنْد الآخر وَإِنَّمَا كَانَ عِنْده مَا مثله الجني وخيله وَإِذا سُئِلَ الشَّيْخ المخدوم عَن أَمر غَائِب إِمَّا سَرقَة وَإِمَّا شخص مَاتَ وَطلب مِنْهُ أَن يخبر بِحَالهِ أَو عِلّة فِي النِّسَاء أَو غير ذَلِك فَإِن الجني قد يمثل ذَلِك فيريه صُورَة الْمَسْرُوق فَيَقُول الشَّيْخ ذهب لكم كَذَا وَكَذَا ثمَّ إِن كَانَ صَاحب المَال مُعظما وَأَرَادَ أَن يدله على سَرقته مثل لَهُ الشَّيْخ الَّذِي أَخذه أَو الْمَكَان الَّذِي فِيهِ المَال فيذهبون إِلَيْهِ فيجدونه كَمَا قَالَ وَالْأَكْثَر مِنْهُم أَنهم يظهرون صُورَة المَال وَلَا يكون عَلَيْهِ لِأَن الَّذِي سرق المَال مَعَه أَيْضا حَتَّى يَخْدمه وَالْجِنّ يخَاف بَعضهم من بعض كَمَا أَن الْإِنْس يخَاف بَعضهم بَعْضًا فَإِذا دلّ الجني عَلَيْهِ جَاءَ إِلَيْهِ أَوْلِيَاء السَّارِق فآذوه وَأَحْيَانا لَا يدل لكَون السَّارِق وأعوانه يخدمونه ويرشونه كَمَا يُصِيب معرف اللُّصُوص من الْإِنْس تَارَة يعرف السَّارِق وَلَا يعرف بِهِ إِمَّا لرغبة ينالها مِنْهُ وَإِمَّا لرهبة وَخَوف مِنْهُ وَإِذا كَانَ المَال الْمَسْرُوق لكبير يخافه ويرجوه عرف سارقه فَهَذَا وَأَمْثَاله من استمتاع بَعضهم بِبَعْض وَالْجِنّ مكلفون كتكليف الْإِنْس وَمُحَمّد ﷺ مُرْسل إِلَى الثقلَيْن الْجِنّ وَالْإِنْس وكفار الْجِنّ يدْخلُونَ النَّار بنصوص وَإِجْمَاع الْمُسلمين وَأما مؤمنهم ففيهم قَولَانِ وَأكْثر الْعلمَاء على أَنهم يثابون أَيْضا ويدخلون الْجنَّة وَقد رُوِيَ أَنهم يكونُونَ فِي ربضها يراهم الْإِنْس من

стр. 149

حَيْثُ لَا يرَوْنَ الْإِنْس عكس الْحَال فِي الدُّنْيَا وَهُوَ حَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الصَّغِير يحْتَاج النّظر فِي إِسْنَاده وَقد احْتج ابْن أبي ليلى وَأَبُو يُوسُف على ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ وَقد ذكر الْجِنّ وَالْإِنْس الْأَبْرَار والفجار فِي الْأَحْقَاف والأنعام وَاحْتج الْأَوْزَاعِيّ وَغَيره بقوله تَعَالَى ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾ وَقد قَالَ تَعَالَى فِي الْأَحْقَاف ﴿أُولَئِكَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل فِي أُمَم قد خلت من قبلهم من الْجِنّ وَالْإِنْس إِنَّهُم كَانُوا خاسرين وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا﴾ وَقد تقدم قبل هَذَا ذكر أهل الْجنَّة وَقَوله ﴿أُولَئِكَ الَّذين نتقبل عَنْهُم أحسن مَا عمِلُوا ونتجاوز عَن سيئاتهم فِي أَصْحَاب الْجنَّة﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا وليوفيهم أَعْمَالهم وهم لَا يظْلمُونَ﴾ قَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم دَرَجَات أهل الْجنَّة تذْهب علوا ودرجات أهل النَّار تذْهب سفلا وَقد قَالَ تَعَالَى عَن قَول الْجِنّ ﴿منا الصالحون وَمنا دون ذَلِك كُنَّا طرائق قددا﴾ وَقَالُوا ﴿وَأَنا منا الْمُسلمُونَ وَمنا القاسطون فَمن أسلم فَأُولَئِك تحروا رشدا وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا﴾ ففيهم الْكفَّار والفساق والعصاة وَفِيهِمْ من فِيهِ عباة وَدين بِنَوْع من قلَّة الْعلم كَمَا فِي الْإِنْس وكل نوع من الْجِنّ يمِيل إِلَى نَظِيره من الْإِنْس فاليهود مَعَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مَعَ النَّصَارَى والمسلمون مَعَ الْمُسلمين والفساق مَعَ الْفُسَّاق وَأهل الْجَهْل والبدع مَعَ أهل الْجَهْل والبدع واستخدام الْإِنْس لَهُم مثل اسْتِخْدَام الْإِنْس للإنس بِشَيْء مِنْهُم من يستخدمهم الْمُحرمَات من الْفَوَاحِش وَالظُّلم والشرك وَالْقَوْل على الله بِلَا علم وَقد يظنون ذَلِك من كرامات الصَّالِحين وَإِنَّمَا هُوَ من أَفعَال الشَّيَاطِين وَمِنْهُم من يستخدمهم فِي أُمُور مُبَاحَة إِمَّا إِحْضَار مَاله أَو دلَالَة على مَكَان فِيهِ مَال لَيْسَ لَهُ مَالك مَعْصُوم أَو دفع من يُؤْذِيه وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا كاستعانة الْإِنْس بَعضهم بِبَعْض فِي ذَلِك

стр. 150

وَالنَّوْع الثَّالِث أَن يستعملهم فِي طَاعَة الله وَرَسُوله كَمَا يسْتَعْمل الْإِنْس فِي مثل ذَلِك فيأمرهم بِمَا أَمر الله بِهِ وَرَسُوله وينهاههم عَمَّا نَهَاهُم الله عَنهُ وَرَسُوله كَمَا يَأْمر الْإِنْس وينهاهم وَهَذِه حَال نَبينَا ﷺ وَحَال من اتبعهُ واقتدى بِهِ من أمته وهم أفضل الْخلق فَإِنَّهُم يأمرون الْإِنْس وَالْجِنّ بِمَا أَمرهم الله بِهِ وَرَسُوله وَينْهَوْنَ الْإِنْس وَالْجِنّ عَمَّا نَهَاهُم الله عَنهُ وَرَسُوله إِذْ كَانَ نَبينَا مُحَمَّد ﷺ مَبْعُوثًا بذلك إِلَى الثقلَيْن الْإِنْس وَالْجِنّ وَقد قَالَ الله لَهُ ﴿قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني وَسُبْحَان الله وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ وَقَالَ ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ وَعمر رَضِي لما نَادَى يَا سَارِيَة الْجَبَل قَالَ إِن لله جُنُودا يبلغون صوتي وجنود الله هم من الْمَلَائِكَة وَمن صالحي الْجِنّ فجنود الله بلغُوا صَوت عمر إِلَى سَارِيَة وَهُوَ أَنهم نادوه بِمثل صَوت عمر وَإِلَّا نفس صَوت عمر لَا يصل نَفسه فِي هَذِه الْمسَافَة الْبَعِيدَة وَهَذَا كَالرّجلِ يَدْعُو آخر وَهُوَ بعيد عَنهُ فَيَقُول يَا فلَان فيعان على ذَلِك فَيَقُول الْوَاسِطَة بَينهمَا يَا فلَان وَقد يَقُول لمن هُوَ بعيد عَنهُ يَا فلَان احْبِسْ المَاء تعال إِلَيْنَا وَهُوَ لَا يسمع صَوته فيناديه الْوَاسِطَة بِمثل ذَلِك يَا فلَان احْبِسْ المَاء أرسل المَاء إِمَّا بِمثل صَوت الأول إِن كَانَ لَا يقبل إِلَّا صَوته وَإِلَّا فَلَا يضر بِأَيّ صَوت كَانَ إِذا عرف أَن صَاحبه قد ناداه وَهَذَا حِكَايَة كَانَ عمر مرّة قد أرسل جَيْشًا فجَاء شخص وَأخْبر أهل الْمَدِينَة بانتصار الْجَيْش وشاع الْخَبَر فَقَالَ عمر من أَيْن لكم هَذَا قَالُوا شخص صفته كَيْت وَكَيْت فَأخْبرنَا فَقَالَ عمر ذَاك أَبُو الهيتم يُرِيد الْجِنّ وَسَيَجِيءُ بريد الْإِنْسَان بعد ذَلِك بأيام وَقد يَأْمر الْملك بعض النَّاس بِأَمْر ويستكتمه إِيَّاه فَيخرج فَيرى النَّاس يتحدثون بِهِ فَإِن الْجِنّ تسمعه وتخبر بِهِ النَّاس وَالَّذين يستخدمون الْجِنّ فِي الْمُبَاحَات يشبه اسْتِخْدَام سُلَيْمَان لَكِن أعطي ملكا لَا يَنْبَغِي لأحد بعده وسخرت لَهُ الْإِنْس وَالْجِنّ وَهَذَا لم يحصل لغيره وَالنَّبِيّ ﷺ لما تفلت عَلَيْهِ العفريت ليقطع عَلَيْهِ صلَاته قَالَ فَأَخَذته فدعته حَتَّى سَالَ لعابه على يَدي وَأَرَدْت أَن أربطه إِلَى سَارِيَة من سواري الْمَسْجِد ثمَّ ذكرت دَعْوَة أخي سُلَيْمَان فأرسلته فَلم يستخدم النَّبِي الْجِنّ أصلا لَكِن دعاهم إِلَى الْإِيمَان بِاللَّه وَقَرَأَ عَلَيْهِم الْقُرْآن وبلغهم الرسَالَة وبايعهم كَمَا فعل بالإنس وَالَّذِي أوتيه ﷺ أعظم مِمَّا أوتيه سُلَيْمَان فَإِنَّهُ اسْتعْمل الْجِنّ وَالْإِنْس فِي عبَادَة الله وَحده وسعادتهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَا لغَرَض يرجع إِلَيْهِ إِلَّا ابْتِغَاء وَجه الله وَطلب مرضاته وَاخْتَارَ أَن يكون عبدا رَسُولا على أَن يكون نَبيا ملكا فداود وَسليمَان ويوسف أَنْبيَاء مُلُوك وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد رسل

стр. 151

عبيد فَهُوَ أفضل كفضل السَّابِقين المقربين على الْأَبْرَار أَصْحَاب الْيَمين وَكثير مِمَّن يرى هَذِه الْعَجَائِب الخارقة يعْتَقد أَنَّهَا من كرامات الْأَوْلِيَاء وَكثير من أهل الْكَلَام وَالْعلم لم يعرفوا الْفرق بَين الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فِي الْآيَات الخارقة وَمَا لأولياء الشَّيْطَان من ذَلِك من السَّحَرَة والكهان وَالْكفَّار من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب وَأهل الْبدع والضلال من الداخلين فِي الْإِسْلَام جعلُوا الخوارق جِنْسا وَاحِدًا وَقَالُوا كلهَا يُمكن أَن تكون معْجزَة إِذا اقترنت بِدَعْوَى النُّبُوَّة وَالِاسْتِدْلَال بهَا والتحدي بِمِثْلِهَا وَإِذا ادّعى النُّبُوَّة من لَيْسَ بِنَبِي من الْكفَّار والسحرة فَلَا بُد أَن يسلبه الله مَا كَانَ مَعَه من ذَلِك وَأَن يقيض لَهُ من يُعَارضهُ وَلَو عَارض وَاحِد من هَؤُلَاءِ النَّبِي لأعجزه الله فخاصة المعجزات عِنْدهم مُجَرّد كَون الْمُرْسل إِلَيْهِم لَا يأْتونَ بِمثل مَا أَتَى بِهِ النَّبِي كَانَ مُعْتَادا للنَّاس قَالُوا إِن عجز النَّاس عَن الْمُعَارضَة خرق عَادَة فَهَذِهِ هِيَ المعجزات عِنْدهم وهم ضاهوا سلفهم من الْمُعْتَزلَة الَّذين قَالُوا المعجزات هِيَ خرق الْعَادة لَكِن أَنْكَرُوا كرامات الصَّالِحين وأنكروا أَن يكون السحر وَالْكهَانَة من جنس الشعبذة وحيل لم يعلمُوا أَن الشَّيَاطِين تعين على ذَلِك وَأُولَئِكَ أثبتوا الكرامات ثمَّ زَعَمُوا أَن الْمُسلمين أَجمعُوا على أَن هَذِه لَا تكون إِلَّا لرجل صَالح أَو نَبِي قَالُوا فَإِذا ظَهرت على يَد رجل كَانَ صَالحا بِهَذَا الْإِجْمَاع وَهَؤُلَاء أنفسهم قد ذكرُوا أَنَّهَا تكون للسحرة مَا هُوَ مثلهَا وتناقضوا فِي ذَلِك كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع فَصَارَ كثير من النَّاس لَا يعلمُونَ مَا للسحرة والكهان وَمَا يَفْعَله الشَّيَاطِين من الْعَجَائِب وظنوا أَنَّهَا لَا تكون إِلَّا لرجل صَالح فَصَارَ من ظَهرت هَذِه لَهُ يظنّ أَنَّهَا كَرَامَة فيقوى قلبه بِأَن طَرِيقَته هِيَ طَريقَة الْأَوْلِيَاء وَكَذَلِكَ غَيرهم يظنّ فِيهِ ذَلِك ثمَّ يَقُولُونَ الْوَلِيّ إِذا تولى لَا يعْتَرض عَلَيْهِ فَمنهمْ من يرَاهُ مُخَالفا لما علم بالاضطرار من دين الرَّسُول مثل ترك الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة وَأكل الْخَبَائِث كَالْخمرِ والحشيشة وَالْميتَة وَغير ذَلِك وَفعل الْفَوَاحِش وَالْفُحْش والتفحش فِي الْمنطق وظلم النَّاس وَقتل النَّفس بِغَيْر حق والشرك بِاللَّه وَهُوَ مَعَ ذَلِك يظنّ فِيهِ أَنه ولي من أَوْلِيَاء الله قد وهبه هَذِه الكرامات بِلَا عمل فضلا من الله تَعَالَى وَلَا يعلمُونَ أَن هَذِه من أَعمال الشَّيَاطِين وَأَن هَذِه من أَوْلِيَاء الشَّيَاطِين يضل بِهِ النَّاس ويغويهم وَدخلت الشَّيَاطِين فِي أَنْوَاع من ذَلِك فَتَارَة يأْتونَ الشَّخْص فِي النّوم يَقُول أحدهم أَنا أَبُو بكر الصّديق وَأَنا أتوبك لي وأصير شيخك وَأَنت تتوب النَّاس لي ويلبسه فَيُصْبِح وعَلى رَأسه مَا ألبسهُ فَلَا يشك أَن الصّديق هُوَ الَّذِي جَاءَهُ وَلَا يعلم أَنه الشَّيْطَان وَقد جرى مثل هَذَا لعدد من الْمَشَايِخ بالعراق والجزيرة وَالشَّام وَتارَة يقص شعره فِي النّوم فَيُصْبِح فيجد شعره مقصوصا وَتارَة يَقُول أَنا الشَّيْخ فلَان فَلَا يشك أَن الشَّيْخ نَفسه جَاءَهُ وقص شعره

стр. 152

وَكَثِيرًا مَا يستغيث الرجل بشيخه الْحَيّ أَو الْمَيِّت فيأتونه فِي صُورَة ذَلِك الشَّيْخ وَقد يخلصونه مِمَّا يكره فَلَا يشك أَن الشَّيْخ نَفسه جَاءَهُ أَو أَن ملكا تصور بصورته وجاءه وَلَا يعلم أَن ذَلِك الَّذِي تمثل إِنَّمَا هُوَ الشَّيْطَان لما أشرك بِاللَّه أضلته الشَّيَاطِين وَالْمَلَائِكَة لَا تجيب مُشْركًا وَتارَة يأْتونَ إِلَى من هُوَ خَال فِي الْبَريَّة وَقد يكون ملكا أَو أَمِيرا كَبِيرا وَيكون كَافِرًا وَقد انْقَطع عَن أَصْحَابه وعطش وَخَافَ الْمَوْت فيأتيه فِي صُورَة إنسي ويسقيه ويدعوه إِلَى الْإِسْلَام ويتوبه فَيسلم على يَدَيْهِ ويطعمه ويدله على الطَّرِيق وَيَقُول من أَنْت فَيَقُول أَنا فلَان وَيكون فِي مَوضِع كَمَا جرى مثل هَذَا لي كنت فِي مصر فِي قلعتها وَجرى مثل هَذَا إِلَى كثير من التّرْك من نَاحيَة الْمشرق وَقَالَ لَهُ ذَلِك الشَّخْص أَنا ابْن تَيْمِية فَلم يشك ذَلِك الْأَمِير أَنِّي أَنا هُوَ وَأخْبر بذلك ملك ماردين وَأرْسل بذلك ملك ماردين إِلَى مصر رَسُولا وَكنت فِي الْحَبْس فاستعظموا ذَلِك وَأَنا لم أخرج من الْحَبْس وَلَكِن كَانَ هَذَا جنيا يحبنا فيصنع بِالتّرْكِ التتر مثل مَا كنت أصنع بهم لما جاؤوا إِلَى دمشق كنت أدعوهم إِلَى الْإِسْلَام فَإِذا نطق أحدهم بِالشَّهَادَتَيْنِ أطعمتهم مَا تيَسّر فَعمل مَعَهم مثل مَا كنت أعمل وَأَرَادَ بذلك إكرامي ليظن ذَاك أَنِّي أَنا الَّذِي فعلت ذَلِك قَالَ لي طَائِفَة من النَّاس فَلم لايجوز أَن يكون ملكا قلت لَا إِن الْملك لَا يكذب وَهَذَا قد قَالَ أَنا ابْن تَيْمِية وَهُوَ يعلم أَنه كَاذِب فِي ذَلِك وَكثير من النَّاس رأى من قَالَ إِنِّي أَن الْخضر وَإِنَّمَا كَانَ جنيا ثمَّ صَار من النَّاس من يكذب بِهَذِهِ الحكايات إنكارا لمَوْت الْخضر وَالَّذين قد عرفُوا صدقهَا يقطعون بحياة الْخضر وكل من الطَّائِفَتَيْنِ مخطىء فَإِن الَّذين رَأَوْا من قَالَ إِنِّي أَنا الْخضر هم كَثِيرُونَ صَادِقُونَ والحكايات متواترة لَكِن أخطؤوا فِي ظنهم أَنه الْخضر وَإِنَّمَا كَانَ جنيا وَلِهَذَا يجْرِي مثل هَذَا للْيَهُود وَالنَّصَارَى فكثيرا مَا يَأْتِيهم فِي كنائسهم من يَقُول أَنه الْخضر وَكَذَلِكَ الْيَهُود يَأْتِيهم فِي كنائسهم من يَقُول أَنه الْخضر وَفِي ذَلِك من الحكايات الصادقة مَا يضيق عَنهُ هَذَا الْموضع يبين صدق من رأى شخصا وَظن أَنه الْخضر وَأَنه غلط فِي ظَنّه أَنه الْخضر وَإِنَّمَا كَانَ جنيا وَقد يَقُول أَنا الْمَسِيح أَو مُوسَى أَو مُحَمَّد أَو أَبُو بكر أَو عمر اَوْ الشَّيْخ فلَان فَكل هَذَا قد وَقع وَالنَّبِيّ ﷺ قَالَ من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي حَقًا فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل فِي صُورَتي قَالَ ابْن عَبَّاس فِي صورته الَّتِي كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاته وَهَذِه رُؤْيا فِي الْمَنَام وَأما فِي الْيَقَظَة فَمن ظن أَن أحدا من الْمَوْتَى يَجِيء بِنَفسِهِ للنَّاس عيَانًا قبل يَوْم الْقِيَامَة فَمن جَهله أَتَى وَمن هُنَا ضلت النَّصَارَى حَيْثُ اعتقدوا أَن الْمَسِيح بعد أَن صلب كَمَا يظنون أَنه أَتَى

стр. 153

إِلَى الحواريين وكلمهم ووصاهم وَهَذَا مَذْكُور فِي أَنَاجِيلهمْ وَكلهَا تشهد بذلك وَذَاكَ الَّذِي جَاءَ كَانَ شَيْطَانا قَالَ أَنا الْمَسِيح وَلم يكن هُوَ الْمَسِيح نَفسه وَيجوز أَن يشْتَبه مثل هَذَا على الحواريين كَمَا اشْتبهَ على كثير من شُيُوخ الْمُسلمين وَلَكِن مَا أخْبرهُم الْمَسِيح قبل أَن يرفع بتبليغه فَهُوَ الْحق الَّذِي يجب عَلَيْهِم تبليغه وَلم يرفع حَتَّى بلغ رسالات ربه فَلَا حَاجَة إِلَى مَجِيئه بعد أَن رفع إِلَى السَّمَاء وَأَصْحَاب الحلاج لما قتل كَانَ يَأْتِيهم من يَقُول أَن الحلاج فيرونه فِي صورته عيَانًا وَكَذَلِكَ شيخ بِمصْر يُقَال لَهُ الدسوقي بعد أَن مَاتَ كَانَ يَأْتِي أَصْحَابه من جِهَته رسائل وَكتب مَكْتُوبَة وَأرَانِي صَادِق من أَصْحَابه الْكتاب الَّذِي أرْسلهُ فرأيته بِخَط الْجِنّ وَقد رَأَيْت خطّ الْجِنّ غير مرّة وَفِيه كَلَام من كَلَام الْجِنّ وَذَاكَ المعتقد يعْتَقد أَن الشَّيْخ حَيّ وَكَانَ يَقُول انْتقل ثمَّ مَاتَ وَكَذَلِكَ شيخ آخر كَانَ بالمشرق وَكَانَ لَهُ خوارق من الْجِنّ وَقيل كَانَ بعد هَذَا يَأْتِي خَواص أَصْحَابه فِي صورته فيعتقدون أَنه هُوَ وَهَكَذَا الَّذين كَانُوا يَعْتَقِدُونَ بَقَاء عَليّ أَو بَقَاء مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قد كَانَ يَأْتِي إِلَى بعض أَصْحَابهم جني فِي صورته وَكَذَا منتظر الرافضة قد يرَاهُ أحدهم أَحْيَانًا وَيكون المرئي جنيا جنيا فَهَذَا بَاب وَاسع وَاقع كثيرا وَكلما كَانَ الْقَوْم أَجْهَل كَانَ عِنْدهم أَكثر فَفِي الْمُشْركين أَكثر مِمَّا فِي النَّصَارَى وَهُوَ فِي النَّصَارَى كَمَا هُوَ فِي الداخلين فِي الْإِسْلَام وَهَذِه الْأُمُور يسلم بِسَبَبِهَا نَاس وَيَتُوب بِسَبَبِهَا نَاس يكونُونَ أضلّ من أَصْحَابهَا فينتقلون بِسَبَبِهَا إِلَى مَا هُوَ خير مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ كالشيخ الَّذِي فِيهِ كذب وفجور من الْإِنْس قد يَأْتِيهِ قوم كفار فيدعوهم إِلَى الْإِسْلَام فيسلمون ويصيرون خيرا مِمَّا كَانُوا وَإِن كَانَ قصد ذَلِك الرجل فَاسِدا وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ إِن الله يُؤَيّد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر وبأقوام لَا خلاق لَهُم وَهَذَا كَانَ كالحجج والأدلة الَّتِي يذكرهَا كثير من أهل الْكَلَام والرأي فَإِنَّهُ يَنْقَطِع بهَا كثير من أهل الْبَاطِل ويقوى بهَا قُلُوب كثير من أهل الْحق وَإِن كَانَت فِي نَفسهَا بَاطِلَة فغيرها أبطل مِنْهَا وَالْخَيْر وَالشَّر دَرَجَات فينتفع بهَا أَقوام ينتقلون مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ إِلَى مَا هُوَ خير مِنْهُ وَقد ذهب كثير من مبتدعة الْمُسلمين من الرافضة والجهمية وَغَيرهم إِلَى بِلَاد الْكفَّار فَأسلم على يَدَيْهِ خلق كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مُسلمين مبتدعين وَهُوَ خير من أَن يَكُونُوا كفَّارًا وَكَذَلِكَ بعض الْمُلُوك قد يَغْزُو غزوا يظلم فِيهِ الْمُسلمين وَالْكفَّار وَيكون آثِما بذلك وَمَعَ هَذَا فَيحصل بِهِ نفع خلق كثير كَانُوا كفَّارًا فصاروا مُسلمين وَذَاكَ كَانَ شرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَائِم بِالْوَاجِبِ وَأما بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكفَّار فَهُوَ خير وَكَذَلِكَ كثير من الْأَحَادِيث الضعيفة فِي التَّرْغِيب والترهيب والفضائل وَالْأَحْكَام والقصص قد يسْمعهَا أَقوام فينتقلون بهَا إِلَى خير مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ وَإِن كَانَت كذبا وَهَذَا كَالرّجلِ يسلم رَغْبَة فِي الدُّنْيَا وَرَهْبَة من السَّيْف ثمَّ إِذا أسلم وَطَالَ مكثه بَين الْمُسلمين دخل الْإِيمَان فِي قلبه فَنَفْس ذَلِك الْكفْر الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وانتهاره ودخوله فِي حكم الْمُسلمين خير من أَن يبْقى كَافِرًا فانتقل إِلَى خير مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ وخف الشَّرّ الَّذِي كَانَ فِيهِ ثمَّ

стр. 154

إِذا أَرَادَ الله هدايته أَدخل الْإِيمَان فِي قلبه وَالله تَعَالَى بعث الرُّسُل بتحصيل الْمصَالح وتكميلها وتعطيل الْمَفَاسِد وتعليلها وَالنَّبِيّ ﷺ دَعَا الْخلق بغاية الْإِمْكَان وَنقل كل شخص إِلَى خير مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ بِحَسب الْإِمْكَان ﴿وَلكُل دَرَجَات مِمَّا عمِلُوا وليوفيهم أَعْمَالهم وهم لَا يظْلمُونَ﴾ وَأكْثر الْمُتَكَلِّمين يردون بَاطِلا بباطل وبدعة ببدعة لَكِن قد يردون بَاطِل الْكفَّار من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب بباطل الْمُسلمين فَيصير الْكَافِر مُسلما مبتدعا وأخص من هَؤُلَاءِ من يرد الْبدع الظَّاهِرَة كبدعة الرافضة ببدعة أخف مِنْهَا وَهِي بِدعَة أهل السّنة وَقد ذكرنَا فِيمَا تقدم أَصْنَاف الْبدع وَلَا ريب أَن الْمُعْتَزلَة خير من الرافضة وَمن الْخَوَارِج فَإِن الْمُعْتَزلَة تقر بخلافة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَكلهمْ يتولون أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوف عَنْهُم أَنهم يتولون عليا وَمِنْهُم من يفضله على أبي بكر وَعمر وَلَكِن حُكيَ عَن بعض متقدميهم أَنه قَالَ فسق يَوْم الْجمل إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ وَلَا أعلم عينهَا وَقَالُوا أَنه قَالَ لَو شهد عَليّ وَالزُّبَيْر لم أقبل شَهَادَتهمَا لفسق أَحدهمَا لَا بِعَيْنِه وَلَو شهد عَليّ مَعَ آخر فَفِي قبُول شَهَادَته قَولَانِ وَهَذَا القَوْل شَاذ فيهم وَالَّذِي عَلَيْهِ عامتهم تَعْظِيم عَليّ وَمن الْمَشْهُور عِنْدهم ذمّ مُعَاوِيَة وَأبي مُوسَى وَعَمْرو بن الْعَاصِ لأجل عَليّ وَمِنْهُم من يكفر هَؤُلَاءِ ويفسقهم بِخِلَاف طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة فَإِنَّهُم يَقُولُونَ أَن هَؤُلَاءِ تَابُوا من قِتَاله وَكلهمْ يتَوَلَّى عُثْمَان ويعظمون أَبَا بكر وَعمر ويعظمون الذُّنُوب فَهُوَ يتحرون الصدْق كالخوارج لَا يختلقون الْكَذِب كالرافضة وَلَا يرَوْنَ أَيْضا اتِّخَاذ دَار غير دَار الْإِسْلَام كالخوارج وَلَهُم كتب فِي تَفْسِير الْقُرْآن وَنصر الرَّسُول وَلَهُم محَاسِن كَثِيرَة يترجحون على الْخَوَارِج وَالرَّوَافِض وَهُوَ قصدهم إِثْبَات تَوْحِيد الله وَرَحمته وحكمته وَصدقه وطاعته وأصولهم الْخمس على هَذِه الصِّفَات الْخمس لكِنهمْ غلطوا فِي بعض مَا قَالُوهُ فِي كل وَاحِد من أصولهم الْخمس فَجعلُوا من التَّوْحِيد نفي الصِّفَات وإنكار الرُّؤْيَة وَالْقَوْل بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق فَوَافَقُوا فِي ذَلِك الْجَهْمِية وَجعلُوا من الْعدْل أَنه لَا يَشَاء مَا يكون وَيكون مَا لَا يَشَاء وَأَنه لم يخلق أَفعَال الْعباد فنفوا قدرته ومشيئته وخلقه لإِثْبَات الْعدْل وَجعلُوا من الرَّحْمَة نفي أُمُور خلقهَا لم يعرفوا مَا فِيهَا من الْحِكْمَة وَكَذَلِكَ هم الْخَوَارِج قَالُوا بإنفاذ الْوَعيد ليثبتوا أَن الرب صَادِق لَا يكذب إِذا كَانَ عِنْدهم قد أخبر بالوعيد الْعَام فَمَتَى لم يقل بذلك لزم كذبه وغلطوا فِي فهم الْوَعيد وَكَذَلِكَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر بِالسَّيْفِ قصدُوا بِهِ طَاعَة الله وَرَسُوله كَمَا يَقْصِدهُ الْخَوَارِج والزيدية فغلطوا فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ إنكارهم للخوارق غير المعجزات قصدُوا بِهِ إِثْبَات النُّبُوَّة ونصرها وغلطوا فِيمَا سلكوه فَإِن النَّصْر لَا يكون بتكذيب الْحق وَذَلِكَ لكَوْنهم لم يحققوا خَاصَّة آيَات الْأَنْبِيَاء ولأشعرية مَا ردُّوهُ من بدع الْمُعْتَزلَة والرافضة والجهمية وَغَيرهم وبينوا مَا بَينُوهُ من تناقضهم وعظموا الحَدِيث وَالسّنة وَمذهب الْجَمَاعَة فَحصل بِمَا قَالُوهُ من بَيَان تنَاقض

стр. 155

أَصْحَاب الْبدع الْكِبَار وردهم مَا انْتفع بِهِ خلق كثير فَإِن الْأَشْعَرِيّ كَانَ من الْمُعْتَزلَة وَبَقِي على مَذْهَبهم أَرْبَعِينَ سنة يقْرَأ على أبي عَليّ الجبائي فَلَمَّا انْتقل عَن مَذْهَبهم كَانَ خَبِيرا بأصولهم وبالرد عَلَيْهِم وَبَيَان تناقضهم وَأما مَا بَقِي عَلَيْهِ من السّنة فَلَيْسَ هُوَ من خَصَائِص الْمُعْتَزلَة بل هُوَ من الْقدر الْمُشْتَرك بَينهم وَبَين الْجَهْمِية وَأما خَصَائِص الْمُعْتَزلَة فَلم يوالهم الْأَشْعَرِيّ فِي شَيْء مِنْهَا بل ناقضهم فِي جَمِيع أصولهم وَمَال فِي مسَائِل الْعدْل والأسماء وَالْأَحْكَام إِلَى مَذْهَب جهم وَنَحْوه وَكثير من الطوائف كالنجارية اتِّبَاع حُسَيْن النجار والضرارية أَتبَاع ضرار بن عمر ويخالفون الْمُعْتَزلَة فِي الْقدر والأسماء وَالْأَحْكَام وإنفاذ الْوَعيد والمعتزلة من أبعد النَّاس عَن طَرِيق أهل الْكَشْف والخوارق والصوفية يذمونها ويعيبونها وَكَذَلِكَ يبالغون فِي ذمّ النَّصَارَى أَكثر مِمَّا يبالغون فِي ذمّ الْيَهُود وهم إِلَى الْيَهُود أقرب كَمَا أَن الصُّوفِيَّة وَنَحْوهم إِلَى النَّصَارَى أقرب فَإِن النَّصَارَى عِنْدهم عبَادَة وزهد وأخلاق بِلَا معرفَة وَلَا بَصِيرَة فهم ضالون وَالْيَهُود عِنْدهم علم وَنظر بِلَا قصد صَالح وَلَا عبَادَة وَلَا زهد وَلَا أَخْلَاق كَرِيمَة فهم مغضوب عَلَيْهِم وَالنَّصَارَى ضالون قَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم وَلَا أعلم فِي هَذَا الْحَرْف اخْتِلَافا بَين الْمُفَسّرين وروى بِإِسْنَاد عَن أبي روق عَن ابْن عَبَّاس وَغير طَرِيق الضَّالّين وهم النَّصَارَى الَّذين أضلهم الله بفريتهم عَلَيْهِ يَقُول فألهمنا دينك الْحق وَهُوَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ حَتَّى لَا تغْضب علينا كَمَا غضِبت على الْيَهُود وَلَا تضلنا كَمَا أضللت النَّصَارَى فتعذبنا كَمَا تُعَذبهُمْ يَقُول امنعنا من ذَلِك برفقك ورحمتك ورأفتك وقدرتك قَالَ ابْن أبي حَاتِم وَلَا أعلم فِي هَذَا الْحَرْف اخْتِلَافا بَين الْمُفَسّرين وَقد قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة كَانُوا يَقُولُونَ من فسد من عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شبه من الْيَهُود وَمن فسد من عبادنَا فَفِيهِ شبه من النَّصَارَى فَأهل الْكَلَام أصل أَمرهم هُوَ النّظر فِي الْعلم وَدَلِيله فيعظمون الْعلم وَطَرِيقه وَهُوَ الدَّلِيل والسلوك فِي طَرِيقه وَهُوَ النّظر وَأهل الزّهْد يعظمون الْإِرَادَة والمريد وَطَرِيق أهل الْإِرَادَة فَهَؤُلَاءِ يبنون أَمرهم على الْإِرَادَة وَأُولَئِكَ يبنون أَمرهم على النّظر وَهَذِه هِيَ الْقُوَّة العلمية وَلَا بُد لأهل الصِّرَاط الْمُسْتَقيم من هَذَا وَهَذَا وَلَا بُد أَن يكون هَذَا وَهَذَا مُوَافقا لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول فالإيمان قَول وَعمل وموافقة السّنة وَأُولَئِكَ عظموا النّظر وأعرضوا عَن الْإِرَادَة وعظموا جنس النّظر وَلم يلتزموا النّظر الشَّرْعِيّ فغلطوا من جِهَة كَون جَانب الْإِرَادَة لم يعظموه وَإِن كَانُوا يوجبون الْأَعْمَال الظَّاهِرَة فهم لَا يعْرفُونَ أَعمال الْقُلُوب وحقائقها وَمن جِهَة أَن النّظر لم يميزوا فِيهِ بَين النّظر الشَّرْعِيّ الْحق الَّذِي أَمر بِهِ الشَّارِع وَأخْبر بِهِ وَبَين النّظر البدعي الْبَاطِل الْمنْهِي عَنهُ

стр. 156

وَكَذَلِكَ الصُّوفِيَّة عظموا جنس الْإِرَادَة إِرَادَة الْقلب وذموا الْهوى وبالغوا فِي الْبَاب وَلم يُمَيّز كثير مِنْهُم بَين الْإِرَادَة الشَّرْعِيَّة الْمُوَافقَة لأمر الله وَرَسُوله وَبَين الْإِرَادَة البدعية بل أَقبلُوا على طَرِيق الْإِرَادَة طَريقَة النّظر وَأعْرض كثير مِنْهُم فَدخل عَلَيْهِم الدَّاخِل من هَاتين الْجِهَتَيْنِ وَلِهَذَا صَار هَؤُلَاءِ يمِيل إِلَيْهِم النَّصَارَى ويميلون إِلَيْهِم وَأُولَئِكَ يمِيل إِلَيْهِم الْيَهُود ويميلون إِلَيْهِم وَبَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى غَايَة التنافر والتباغض وَكَذَلِكَ بَين أهل الْكَلَام والرأي وَبَين أهل التصوف والزهد تنافر وتباغض هَذَا وَهَذَا من الْخُرُوج عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا ونسأل الله الْعَظِيم أَن يهدينا وَسَائِر إِخْوَاننَا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم وَلَا الضَّالّين آمين

стр. 157

١٤٨ - فصل قَالَ تَعَالَى ﴿يَا بني آدم قد أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير﴾ الْآيَة وَفِيهِمَا قراءتان إِحْدَاهمَا بِالنّصب فَيكون لِبَاس التَّقْوَى أَيْضا منزلا واما قِرَاءَة الرّفْع فَلَا وكلتاهما حق وَقد قيل خلقناه وَقيل وقدلتاهما حق وَقد قيل خلقناه وَقيل وقدلتاهما حق وَقد قيل خلقناه وَقيل أنزلنَا أَسبَابه وَقيل ألهمناهم كَيْفيَّة صَنعته وَهَذِه الْأَقْوَال ضَعِيفَة فَإِن النَّبَات الذى ذكرُوا لم يجيءفيه لفظ أنزلنَا وَلم يسْتَعْمل فِي كل مَا يصنع أنزلنَا فَلم يقل أأنزلنا الدّور وأنزلنا الطَّبْخ وَنَحْو ذَلِك وَهُوَ لم يقل إِنَّا أنزلنَا كل لِبَاس ورياش وَقد قيل إِن الريش والرياش المُرَاد بِهِ اللبَاس الفاخر كِلَاهُمَا بِمَعْنى وَاحِد مثل اللّبْس واللباس وَقد قيل هما المَال وَالْخصب والمعاش وارتاش فلَان حسنت حَالَته وَالصَّحِيح أَن الرياض هُوَ الأثاث وَالْمَتَاع قا أَبُو عَمْرو وَالْعرب تَقول أَعْطَانِي فلَان ريشه أَي كسوته وجهازه وَقَالَ غَيره الرياض فِي كَلَام الْعَرَب الأثاث وَمَا ظهر من الْمَتَاع وَالثيَاب والفرش وَنَحْوهَا وَبَعض الْمُفَسّرين أطلق عَلَيْهِ لفظ المَال وَالْمرَاد بِهِ مَال مَخْصُوص

стр. 158

قَالَ أَبُو زيد جمالا وَهَذَا لِأَنَّهُ مَأْخُوذ من ريش الطَّائِر وَهُوَ مَا يروش بِهِ وَيدْفَع عَنهُ الْحر وَالْبرد وجمال الطَّائِر ريشه وَكَذَلِكَ مَا يبيت فِيهِ الْإِنْسَان من الْفرش وَمَا يبسطه تَحْتَهُ وَنَحْو ذَلِك وَالْقُرْآن مَقْصُوده جنس اللبَاس الَّذِي يلبس على الْبدن وَفِي الْبيُوت وَالله أعلم

стр. 159

فصل قَالَ تَعَالَى ﴿قل أَمر رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأقِيمُوا وُجُوهكُم عِنْد كل مَسْجِد﴾ سُورَة الْأَعْرَاف ٢٩ لم يقل عِنْد كل مشْهد وَقَالَ ﴿مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله شَاهِدين على أنفسهم بالْكفْر أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم وَفِي النَّار هم خَالدُونَ إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين﴾ سُورَة التَّوْبَة ١٧ ١٨ وَلم يقل ﴿إِنَّمَا يعمر﴾ مشَاهد الله بل عمار الْمشَاهد يَخْشونَ بهَا غير الله ويرجون غير الله وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَن الْمَسَاجِد لله فَلَا تدعوا مَعَ الله أحدا﴾ سُورَة الْجِنّ ١٨ وَلم يقل وَأَن الْمشَاهد لله وَقَالَ ﴿ومساجد يذكر فِيهَا اسْم الله كثيرا﴾ سُورَة الْحَج ٤٠ وَلم يقل ومشاهد وَقَالَ ﴿فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع وَيذكر فِيهَا اسْمه يسبح لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال رجال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بيع عَن ذكر الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة﴾ سُورَة النُّور ٣٦ ٣٧ وَأَيْضًا فقد علم بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر بل علم بالاضطرار من دين الاسلام أَن الرَّسُول ﷺ شرع لأمته عمَارَة الْمَسَاجِد بالصلوات والاجتماع للصلوات الْخمس ولصلاة الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ وَغير ذَلِك وَأَنه لم يشرع لأمته أَن يبنوا على قبر نَبِي وَلَا رجل صَالح لَا من أهل الْبَيْت ولاغيرهم لَا مَسْجِدا وَلَا مشهدا وَلم يكن على عَهده ﷺ فِي الْإِسْلَام

стр. 160

مشْهد مُبين على قبر وَكَذَلِكَ على عهد خلفائه الرَّاشِدين وَأَصْحَابه الثَّلَاثَة وَعلي بن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة لم يكن على عَهدهم مشْهد مَبْنِيّ لَا على قبر نَبِي وَلَا غَيره لَا على قبر إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وَلَا على غَيره بل لما قدم الْمُسلمُونَ إِلَى الشَّام غير مرّة وَمَعَهُمْ عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان بن عَفَّان وَعلي بن أبي طَالب وَغَيرهم ثمَّ لما قدم عمر لفتح بَيت الْمُقَدّس ثمَّ لما قدم لوضع الْجِزْيَة على أهل الذِّمَّة ومشارطتهم ثمَّ لما قدم إِلَى سرغ فَفِي جَمِيع هَذِه المرات لم يكن أحدهم يقْصد السّفر إِلَى قبر الْخَلِيل وَلَا كَانَ هُنَاكَ مشْهد بل كَانَ هُنَاكَ الْبناء الْمَبْنِيّ على المغارة وَكَانَ مسدودا بِلَا بَاب لَهُ مثل حجَّة النَّبِي ﷺ ثمَّ لم يزل الْأَمر هَكَذَا فِي خلَافَة بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس إِلَى أَن ملك النَّصَارَى تِلْكَ الْبِلَاد فِي أَوَاخِر الْمِائَة الْخَامِسَة فبنوا ذَلِك الْبناء واتخذوه كَنِيسَة ونقبوا بَاب الْبناء فَلهَذَا تَجِد الْبَاب منقوبا لَا مَبْنِيا ثمَّ لما استنقذ الْمُسلمُونَ مِنْهُم تِلْكَ الأَرْض اتخذها من اتخذها مَسْجِدا بل كَانَ الصَّحَابَة إِذا رَأَوْا أحدا بنى مَسْجِدا على قبر نهوه عَن ذَلِك وَلما ظهر قبر دانيال بتستر كتب فِيهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ إِلَى عمر ﵁ فَكتب إِلَيْهِ عمر أَن تحفر بِالنَّهَارِ ثَلَاثَة عشر قبرا وتدفنه بِاللَّيْلِ فِي وَاحِد مِنْهَا لِئَلَّا يفتتن النَّاس بِهِ وَكَانَ عمر بن الْخطاب إِذا رَآهُمْ ينتابون مَكَانا يصلونَ فِيهِ لكَونه مَوضِع نَبِي ينهاهم عَن ذَلِك وَيَقُول إِنَّمَا هلك من كَانَ قبلكُمْ باتخاذ آثَار أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِد من أَدْرَكته الصَّلَاة فِيهِ فَليصل وَإِلَّا فليذهب فَهَذَا وَأَمْثَاله كَانُوا يحققون بِهِ التَّوْحِيد الَّذِي أرسل الله بِهِ الرَّسُول إِلَيْهِم ويتبعون فِي ذَلِك سنته ﷺ وَالْإِسْلَام مَبْنِيّ على أصلين أَن لَا نعْبد إِلَّا الله وَأَن نعبده بِمَا شرع لَا نعبده بالبدع فالنصارى خَرجُوا عَن الْأَصْلَيْنِ وَكَذَلِكَ المبتدعون من هَذِه الْأمة من الرافضة وَغَيرهم وَأَيْضًا فَإِن النَّصَارَى يَزْعمُونَ أَن الحواريين الَّذين اتبعُوا الْمَسِيح أفضل من إِبْرَاهِيم

стр. 161

ومُوسَى وَغَيرهمَا من الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ ويزعمون أَن الحواريين رسل شافههم الله بِالْخِطَابِ لأَنهم يَقُولُونَ إِن الله هُوَ الْمَسِيح وَيَقُولُونَ أَيْضا إِن الْمَسِيح ابْن الله والرافضة تجْعَل الْأَئِمَّة الاثنى عشر أفضل من السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وغالبيتهم يَقُولُونَ إِنَّهُم أفضل من الْأَنْبِيَاء لأَنهم يَعْتَقِدُونَ فيهم الإلهية كَمَا اعتقدته النَّصَارَى فِي الْمَسِيح وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ إِن الدّين مُسلم للأحبار والرهبان فالحلال مَا حللوه وَالْحرَام مَا حرمُوهُ وَالدّين مَا شرعوه والرافضة تزْعم أَن الدّين مُسلم إِلَى الْأَئِمَّة فالحلال مَا حللوه وَالدّين مَا شرعوه وَأما من دخل فِي غلو الشِّيعَة كالإسماعيلية الَّذين يَقُولُونَ بإلهية الْحَاكِم وَنَحْوه من أئمتهم وَيَقُولُونَ إِن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل نسخ شَرِيعَة مُحَمَّد بن عبد الله وَغير ذَلِك من مقالات الغالية من الرافضة فَهَؤُلَاءِ شَرّ من أَكثر الْكفَّار من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين وهم ينتسبون إِلَى الشِّيعَة يتظاهرون بمذاهبهم فَإِن قيل مَا وصفت بِهِ الرافضة من الغلو والشرك والبدع مَوْجُود كثير مِنْهُ فِي كثير من المنتسبين إِلَى السّنة فَإِن فِي كثير مِنْهُم غلوا فِي مشايخهم وإشراكا بهم وابتداعا لعبادات غير مَشْرُوعَة وَكثير مِنْهُم يقْصد قبر من يحسن الظَّن بِهِ إِمَّا ليسأله حاجاته وَإِمَّا ليسأل الله تَعَالَى بِهِ حَاجَة وَإِمَّا لظَنّه أَن الدُّعَاء عِنْد قَبره أجوب مِنْهُ فِي الْمَسَاجِد وَفِيهِمْ من يفضل زِيَارَة قبورشيوخهم على الْحَج وَمِنْهُم من يجد عِنْد قبر من يعظمه من الرقة والخشوع مَا لَا يجده فِي الْمَسَاجِد والبيوت وَغير ذَلِك مِمَّا يُوجد فِي الشِّيعَة ويروون أَحَادِيث مكذوبة من جنس أكاذيب الرافضة مثل قَوْله لَو أحسن أحدكُم ظَنّه بِحجر نَفعه الله بِهِ وَقَوْلهمْ إِذا أعيتكم الْأُمُور فَعَلَيْكُم بأصحاب الْقُبُور وَقَوْلهمْ قبر فلَان هُوَ الترياق المجرب ويروون عَن بعض شيوخهم أَنه قَالَ لصَاحبه إِن كَانَ لَك حَاجَة فتعال إِلَى قَبْرِي واستغث بِي وَنَحْو ذَلِك فَإِن فِي الْمَشَايِخ من يفعل بعد مماته كَمَا كَانَ يفعل فِي حَيَاته وَقد يستغيث الشَّخْص بِوَاحِد مِنْهُم فيتمثل لَهُ الشَّيْطَان فِي صورته إِمَّا حَيا وَإِمَّا مَيتا وَرُبمَا قضى حَاجته أَو قضى بعض حَاجته كَمَا يجْرِي نَحْو ذَلِك لِلنَّصَارَى مَعَ شيوخهم ولعباد الْأَصْنَام من الْعَرَب والهند وَالتّرْك وَغَيرهم قيل هَذَا كُله مِمَّا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله وكل مَا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله فَهُوَ مَذْمُوم مَنْهِيّ عَنهُ سَوَاء كَانَ فَاعله منتسبا إِلَى السّنة أَو إِلَى التشييع وَلَكِن الْأُمُور المذمومة الْمُخَالفَة للْكتاب

стр. 162

وَالسّنة فِي هَذَا وَغَيره هِيَ فِي الرافضة أَكثر مِنْهَا فِي أهل السّنة فَمَا يُوجد فِي أهل السّنة من الشَّرّ فَفِي الرافضة أَكثر مِنْهُ وَمَا يُوجد فِي الرافضة من الْخَبَر فَفِي أهل السّنة أَكثر مِنْهُ وَهَذَا حَال أهل الْكتاب مَعَ الْمُسلمين فَمَا يُوجد فِي الْمُسلمين شَرّ إِلَّا وَفِي أهل الْكتاب أَكثر مِنْهُ وَلَا يُوجد فِي أهل الْكتاب خير إِلَّا وَفِي الْمُسلمين أعظم مِنْهُ وَلِهَذَا يذكر مناظرة الْكفَّار من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب بِالْعَدْلِ فَإِذا ذكرُوا عَيْبا فِي الْمُسلمين لم يبرئهم مِنْهُ لَكِن يبين أَن عُيُوب الْكفَّار أعظم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ قل قتال فِيهِ كَبِير﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَصد عَن سَبِيل الله وَكفر بِهِ وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَإِخْرَاج أَهله مِنْهُ أكبر عِنْد الله والفتنة أكبر من الْقَتْل﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٢١٧ وَهَذِه الْآيَة نزلت لِأَن سَرِيَّة من الْمُسلمين ذكر أَنهم قتلوا ابْن الْحَضْرَمِيّ فِي آخر يَوْم من رَجَب فعابهم الْمُشْركُونَ بذلك فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة

стр. 163

فصل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ وَقد روى مَالك فِي موطئِهِ عَن زيد بن اسْلَمْ عَن عبد الحميد بن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن الْخطاب أَنه أخبرهُ عَن مُسلم بن يسَار الْجُهَنِيّ أَن عمر بن الْخطاب سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة ﴿أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا﴾ الْآيَة فَقَالَ عمر بن الْخطاب سَمِعت رَسُول الله ﷺ يسْأَل عَنْهَا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ﵎ خلق آدم ثمَّ مسح على ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للجنة وبعمل اهل الْجنَّة يعْملُونَ ثمَّ مسح على ظَهره فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة فَقَالَ خلقت هَؤُلَاءِ للنار وبعمل أهل النَّار يعْملُونَ فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله فَفِيمَ الْعَمَل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله ﵎ إِذا خلق العَبْد للجنة اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال أهل الْجنَّة وَإِذا خلق العَبْد للنار اسْتَعْملهُ بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى يَمُوت على عمل من أَعمال أهل النَّار وَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا رَوَاهُ أهل السّنَن وَالْمَسَانِيد كَأبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن وَقد قيل إِن إِسْنَاده مُنْقَطع وَأَن رَاوِيه مَجْهُول وَمَعَ هَذَا فقد رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ مَعَ أَنه أبلغ من غَيره لقَوْله ثمَّ مسح ظَهره بِيَمِينِهِ فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة ثمَّ مسح ظَهره فاستخرج مِنْهُ ذُرِّيَّة وَمن الْعجب أَن الْآجُرِيّ يروي فِي كتاب الشَّرِيعَة لَهُ من طَرِيق مَالك وَالثَّوْري وَاللَّيْث وَغَيرهم فَلَو تَأمل أَبُو الْمَعَالِي وذووه الْكتاب الَّذِي أنكروه لوجدوا فِيهِ مَا يخصمهم وَلَكِن أَبُو الْمَعَالِي مَعَ فرط ذكائه وحرصه على الْعلم وعلو قدره فِي فنه كَانَ قَلِيل الْمعرفَة بالآثار النَّبَوِيَّة وَلَعَلَّه لم يطالع الْمُوَطَّأ بِحَال حَتَّى يعلم مَا فِيهِ فَإِنَّهُ لم يكن لَهُ بالصحيحين البُخَارِيّ وَمُسلم وَسنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ أَمْثَال هَذِه السّنَن علم أصلا فَكيف بالموطأ وَنَحْوه وَكَانَ مَعَ حرصه على الِاحْتِجَاج فِي مسَائِل الْخلاف فِي الْفِقْه إِنَّمَا عمدته سنَن أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو الْحسن مَعَ تَمام إِمَامَته فِي الحَدِيث فَإِنَّهُ إِنَّمَا صنف هَذِه السّنَن كي يذكر فِيهَا الْأَحَادِيث المستغربة فِي الْفِقْه وَيجمع طرقها فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي يحْتَاج فِيهَا إِلَى مثله فَأَما الْأَحَادِيث الْمَشْهُورَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا فَكَانَ يَسْتَغْنِي عَنْهَا فِي ذَلِك فَلهَذَا كَانَ مُجَرّد

стр. 164

الِاكْتِفَاء بكتابه فِي هَذَا الحَدِيث يُورث جهلا عَظِيما بأصول الْإِسْلَام وَاعْتبر ذَلِك بِأَن كتاب أبي الْمَعَالِي الَّذِي هُوَ نخبة عمره نِهَايَة الْمطلب فِي دراية الْمَذْهَب لَيْسَ فِيهِ حَدِيث وَاحِد معزو إِلَى صَحِيح البُخَارِيّ إِلَّا حَدِيث وَاحِد فِي الْبَسْمَلَة وَلَيْسَ ذَلِك الحَدِيث فِي البُخَارِيّ كَمَا ذكره ولقلة علمه وَعلم أَمْثَاله بأصول الْإِسْلَام اتّفق أَصْحَاب الشَّافِعِي على أَنه لَيْسَ لَهُم وَجه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي فَإِذا لم يسوغ أَصْحَابه أَن يعْتد بخلافهم فِي مَسْأَلَة من فروع الْفِقْه كَيفَ يكون حَالهم فِي غير هَذَا وَإِذا اتّفق أَصْحَابه على أَن لَا يجوز أَن يتَّخذ إِمَامًا فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة من مسَائِل الْفُرُوع فَكيف يتَّخذ إِمَامًا فِي أصُول الدّين مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ إِنَّمَا نبل قدره عِنْد الْخَاصَّة والعامة بتبحره فِي مَذْهَب الشَّافِعِي ﵁ لِأَن مَذْهَب الشَّافِعِي مؤسس على الْكتاب وَالسّنة وَهَذَا الَّذِي ارْتَفع بِهِ عِنْد الْمُسلمين غَايَته فِيهِ أَنه يُوجد مِنْهُ نقل جُمُعَة أَو بحث تفطن لَهُ فَلَا يَجْعَل إِمَامًا فِيهِ كالأئمة الَّذين لَهُم وُجُوه فَكيف بالْكلَام الَّذِي نَص الشَّافِعِي وَسَائِر الْأَئِمَّة على أَنه لَيْسَ بعد الشّرك بِاللَّه ذَنْب أعظم مِنْهُ وَقد بَينا أَن مَا جعله أصل دينه فِي الْإِرْشَاد والشامل وَغَيرهمَا هُوَ بِعَيْنِه من الْكَلَام الَّذِي نصت عَلَيْهِ الْأَئِمَّة وَلِهَذَا روى عَنهُ ابْن طَاهِر أَنه قَالَ وَقت الْمَوْت لقد خضت الْبَحْر الخضم وخليت أهل الْإِسْلَام وعلومهم وَدخلت فِي الَّذِي نهوني عَنهُ والآن إِن لم يدركني رَبِّي برحمته فالويل لِابْنِ الْجُوَيْنِيّ وَهَا أَنا أَمُوت على عقيدة أُمِّي أَو عقائد عَجَائِز نيسابور وَقَالَ أَبُو عبد الله بن الْعَبَّاس الرستمي حكى لنا الإِمَام أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عَليّ الطَّبَرِيّ الْفَقِيه قَالَ دَخَلنَا على الإِمَام أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ نعوده فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ بنيسابور فَأقْعدَ فَقَالَ لنا اشْهَدُوا على أَنِّي رجعت عَن كل مقَالَة قلتهَا أُخَالِف فِيهَا مَا قَالَ السّلف الصَّالح ﵈ وَإِنِّي أَمُوت على مَا يَمُوت عَلَيْهِ عَجَائِز نيسابور وَعَامة الْمُتَأَخِّرين من أهل الْكَلَام سلكوا خَلفه من تلامذته وتلامذة تلامذته وتلامذة تلامذة تلامذته وَمن بعدهمْ ولقلة علمه بِالْكتاب وَالسّنة وَكَلَام سلف الْأمة يظنّ أَن أَكثر الْحَوَادِث لَيست فِي الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع مَا يدل عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يعلم حكمهَا بِالْقِيَاسِ كَمَا يذكر ذَلِك فِي كتبه وَمن كَانَ لَهُ علم بالنصوص ودلالتها على الْأَحْكَام علم أَن قَول أبي مُحَمَّد بن حزم وَأَمْثَاله أَن النُّصُوص تستوعب جَمِيع الْحَوَادِث أقرب إِلَى الصَّوَاب من هَذَا القَوْل وَإِن كَانَ فِي طَريقَة هَؤُلَاءِ من الْإِعْرَاض عَن بعض الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة مَا قد يُسمى قِيَاسا جليا وَقد يَجْعَل من دلَالَة اللَّفْظ مثل فحوى الْخطاب وَالْقِيَاس فِي معنى الأَصْل وَغير ذَلِك وَمثل الجمود على الِاسْتِصْحَاب الضَّعِيف وَمثل الْإِعْرَاض عَن مُتَابعَة أَئِمَّة من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ مَا هُوَ معيب عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ الْقدح فِي أَعْرَاض الْأَئِمَّة لَكِن الْغَرَض أَن قَول هَؤُلَاءِ فِي اسْتِيعَاب النُّصُوص للحوادث وَإِن الله وَرَسُوله قد بَين للنَّاس دينهم هُوَ أقرب إِلَى الْعلم وَالْإِيمَان الَّذِي هُوَ الْحق مِمَّن يَقُول أَن الله لم يبين النَّاس حكم أَكثر مَا يحدث لَهُم من الْأَعْمَال بل وَكلهمْ فِيهَا إِلَى الظنون المتقابلة والآراء المتعارضة وَلَا ريب أَن سَبَب هَذَا كُله ضعف الْعلم بالآثار النَّبَوِيَّة والْآثَار السلفية

стр. 165

وَإِلَّا فَلَو كَانَ لأبي الْمَعَالِي وَأَمْثَاله بذلك علم راسخ وَكَانُوا قد عضوا عَلَيْهِ بضرس قَاطع لكانوا ملحقين بأئمة الْمُسلمين لما كَانَ فيهم من الاستعداد لأسباب الِاجْتِهَاد وَلَكِن اتبع أهل الْكَلَام الْمُحدث والرأي الضَّعِيف للظن وَمَا تهوى الْأَنْفس الَّذِي ينقص صَاحبه إِلَى حَيْثُ جعله الله مُسْتَحقّا لذَلِك وَإِن كَانَ لَهُ من الِاجْتِهَاد فِي تِلْكَ الطَّرِيقَة مَا لَيْسَ لغيره فَلَيْسَ الْفضل بِكَثْرَة الِاجْتِهَاد وَلَكِن بِالْهدى والسداد كَمَا جَاءَ فِي الْأَثر مَا ازْدَادَ مُبْتَدع اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ من الله بعدا وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ فِي الْخَوَارِج يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاتهم وصيامه مَعَ صِيَامهمْ وقراءته مَعَ قراءتهم يقرؤون الْقُرْآن لَا يُجَاوز حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية وَيُوجد لأهل الْبدع من أهل الْقبْلَة لكثير من الرافضة والقدرية والجهمية وَغَيرهم من الِاجْتِهَاد مَا لَا يُوجد لأهل السّنة فِي الْعلم وَالْعَمَل وَكَذَلِكَ لكثير من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين لَكِن إِنَّمَا يُرَاد الْحسن من ذَلِك كَمَا قَالَ الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ قَالَ أخلصه وأصوبه فَقيل لَهُ يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه فَقَالَ إِن الْعَمَل إِذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل وَإِذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة وَأما الشَّافِعِي ﵁ فقد روى الْأَحَادِيث الَّتِي تتَعَلَّق بغرض كِتَابه مثل حَدِيث النُّزُول وَحَدِيث مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ الَّذِي فِيهِ قَول رَسُول الله ﷺ لِلْجَارِيَةِ أَيْن الله قَالَت فِي السَّمَاء قَالَ من أَنا قَالَت أَنْت رَسُول الله قَالَ أعْتقهَا فَإِنَّهَا مُؤمنَة وَقد رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه بل روى فِي كِتَابه الْكَبِير الَّذِي اختصر مِنْهُ مُسْنده من الحَدِيث مَا هُوَ من أبلغ أَحَادِيث الصِّفَات وَرَوَاهُ بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف فَقَالَ أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنِي مُوسَى بن عُبَيْدَة حَدثنِي أَبُو الْأَزْهَر مُعَاوِيَة بن إِسْحَاق بن طَلْحَة عَن عبيد الله بن عُمَيْر أَنه سمع أنس بن مَالك يَقُول أَتَى جِبْرِيل بِمِرْآة بَيْضَاء فِيهَا نُكْتَة إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ النَّبِي ﷺ مَا هَذِه قَالَ هَذِه الْجُمُعَة فضلت بهَا أَنْت وَأمتك فَالنَّاس لكم فِيهَا تبع الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلكم فِيهَا خير وفيهَا سَاعَة لَا يُوَافِقهَا عبد مُؤمن يَدْعُو الله بِخَير إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ وَهُوَ عندنَا يَوْم الْمَزِيد قَالَ النَّبِي ﷺ يَا جِبْرِيل وَمَا يَوْم الْمَزِيد قَالَ إِن رَبك اتخذ فِي الفردوس وَاديا أفيح فِيهِ كثب مسك فَإِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة أنزل الله مَا شَاءَ من مَلَائكَته وَحَوله مَنَابِر من نور عَلَيْهَا مقاعد لِلنَّبِيِّينَ وحفت تِلْكَ المنابر بمنابر من ذهب مكللة

стр. 166

بالياقوت والزبرجد عَلَيْهَا الشُّهَدَاء وَالصِّدِّيقُونَ وَيجْلس من ورائهم على تِلْكَ الكثب فَيَقُول الله لَهُم أَنا ربكُم قد صدقتكم وعدي فاسألوني أعطكم فَيَقُولُونَ رَبنَا نَسْأَلك رضوانك فَيَقُول قد رضيت عَنْكُم وَلكم عَليّ مَا تمنيتم وَلَدي مزِيد فهم يحبونَ يَوْم الْجُمُعَة لما يعطيهم فِيهِ رَبهم من خير وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي اسْتَوَى ربكُم على الْعَرْش فِيهِ وَفِيه خلق آدم وَفِيه تقوم السَّاعَة وَأما مَا رَوَاهُ الثَّوْريّ وَاللَّيْث بن سعد وَابْن جريج وَالْأَوْزَاعِيّ وَحَمَّاد بن سَلمَة وَحَمَّاد بن زيد وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَنَحْوهم من هَذِه الْأَحَادِيث فَلَا يُحْصِيه إِلَّا الله بل هَؤُلَاءِ عَلَيْهِم مدَار هَذِه الْأَحَادِيث من جهتهم أخذت وَحَمَّاد بن سَلمَة الَّذِي قَالَ إِن مَالِكًا احتذى موطأه على كِتَابه هُوَ قد جمع أَحَادِيث الصِّفَات لما أظهرت الْجَهْمِية إنكارها حَتَّى إِن حَدِيث خلق آدم على صورته أَو صُورَة الرَّحْمَن قد رَوَاهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة رَوَاهُ اللَّيْث بن سعد عَن ابْن عجلَان وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد وَمن طَرِيقه رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ الثَّوْريّ عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عَطاء عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا وَلَفظه خلق آدم على صُورَة الرَّحْمَن مَعَ أَن الْأَعْمَش رَوَاهُ مُسْندًا فَإِذا كَانَ الْأَئِمَّة يروون مثل هَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله مُرْسلا فَكيف يُقَال أَنهم كَانُوا يمتنعون عَن رِوَايَتهَا والْحَدِيث هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث معمر عَن همام عَن أبي هُرَيْرَة وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث قَتَادَة عَن أبي أَيُّوب عَن أبي هُرَيْرَة وَقد رُوِيَ عَن ابْن الْقَاسِم قَالَ سَأَلت مَالِكًا عَن من يحدث الحَدِيث إِن الله خلق آدم على صورته والْحَدِيث إِن الله يكْشف عَن سَاقه يَوْم الْقِيَامَة وَإنَّهُ يدْخل فِي النَّار يَده حَتَّى يخرج من أَرَادَ فَأنْكر ذَلِك إنكارا شَدِيدا وَنهى أَن يتحدث بِهِ أحد قلت هَذَانِ الحديثان كَانَ اللَّيْث بن سعد يحدث بهما فَالْأول حَدِيث الصُّورَة حدث بِهِ عَن ابْن عجلَان وَالثَّانِي هُوَ فِي حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ الطَّوِيل وَهَذَا الحَدِيث قد أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث اللَّيْث وَالْأول قد أَخْرجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث غَيره وَابْن الْقَاسِم إِنَّمَا سَأَلَ مَالِكًا لأجل تحديث اللَّيْث بذلك فَيُقَال إِمَّا أَن يكون مَا قَالَه مَالك مُخَالفا لما فعله اللَّيْث وَنَحْوه أَو لَيْسَ بمخالف بل يكره أَن يتحدث بذلك لمن يفتنه ذَلِك ولايحمله عقله كَمَا قَالَ ابْن مَسْعُود مَا من رجل يحدث قوما حَدِيثا لَا تبلغه عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ فتْنَة لبَعْضهِم وَقد كَانَ مَالك يتْرك رِوَايَة أَحَادِيث كَثِيرَة لكَونه لَا يَأْخُذ بهَا وَلم يَتْرُكهَا غَيره فَلهُ فِي ذَلِك مَذْهَب فغاية مَا يعْتَذر لمَالِك أَن يُقَال كره أَن يتحدث بذلك حَدِيث يفتن المستمع الَّذِي لَا يحمل عقله ذَلِك واما إِن قيل أَنه كره التحدث بذلك مُطلقًا فَهَذَا مَرْدُود على من قَالَه فقد حدث بِهَذِهِ الْأَحَادِيث من هم أجل من مَالك عِنْد نَفسه وَعند الْمُسلمين كَعبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن

стр. 167

عَبَّاس وَعَطَاء بن أبي رَبَاح وَقد حدث بهَا نظراؤه كسفيان الثَّوْريّ وَاللَّيْث بن سعد وَابْن عُيَيْنَة وَالثَّوْري أعلم من مَالك بِالْحَدِيثِ وأحفظه لَهُ وَهُوَ أقل غَلطا فِيهِ من مَالك وَإِن كَانَ مَالك ينقي من يحدث عَنهُ وَأما اللَّيْث فقد قَالَ فِيهِ الشَّافِعِي كَانَ أفقه من مَالك إِلَّا أَنه ضيعه أَصْحَابه فَفِي الْجُمْلَة هَذَا كَلَام فِي حَدِيث مَخْصُوص أما أَن يُقَال أَن الْأَئِمَّة أَعرضُوا عَن هَذِه الْأَحَادِيث مُطلقًا فَهَذَا بهتان عَظِيم

стр. 168

١٧٩ - بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سُورَة التَّوْبَة فصل سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام ﵀ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ فَسَماهُ هُنَا كَلَام الله وَقَالَ فِي مَكَان آخر ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ فَمَا معنى ذَلِك فَإِن طَائِفَة مِمَّن يَقُول بالعبارة يدعونَ أَن هَذَا حجَّة لَهُم ثمَّ يَقُولُونَ أَنْتُم تعتقدون أَن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ سمع كَلَام الله حَقِيقَة من الله من غير وَاسِطَة وتقولون إِن الَّذِي تسمعونه كَلَام الله حَقِيقَة وتسمعونه من وسائط بِأَصْوَات مُخْتَلفَة فَمَا الْفرق بَين هَذَا وَهَذَا وتقولون أَن الْقُرْآن صفة لله تَعَالَى فَمَا الْفرق بَين هَذَا وَهَذَا وتقولون إِن الْقُرْآن صفة لله تَعَالَى وَإِن صِفَات الله تَعَالَى قديمَة فَإِن قُلْتُمْ أَن هَذَا نفس كَلَام الله تَعَالَى فقد قُلْتُمْ بالحلول وَأَنْتُم تكفرون الحلولية والاتحادية وَإِن قُلْتُمْ غير ذَلِك قُلْتُمْ بمقالتنا وَنحن نطلب مِنْكُم فِي ذَلِك جَوَابا نعتمد عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَأجَاب الْحَمد لله رب الْعَالمين هَذِه الْآيَة حق كَمَا ذكر الله وَلَيْسَت إِحْدَى الْآيَتَيْنِ مُعَارضَة لِلْأُخْرَى بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا فِي وَاحِدَة مِنْهُمَا حجَّة لقَوْل بَاطِل وَإِن كَانَ كل من الْآيَتَيْنِ قد يحْتَج بهَا بعض النَّاس على قَول بَاطِل وَذَلِكَ أَن قَوْله ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ فِيهِ دلَالَة على أَن يسمع كَلَام الله من التَّالِي الْمبلغ وَأَن مَا يَقْرَؤُهُ الْمُسلمُونَ هُوَ كَلَام الله كَمَا فِي حَدِيث جَابر فِي السّنَن أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يعرض نَفسه على النَّاس فِي الْموقف وَيَقُول أَلا رجل يحملني إِلَى قومه لأبلغ كَلَام رَبِّي فَإِن قُريْشًا مَنَعُونِي أَن أبلغ كَلَام رَبِّي وَفِي حَدِيث أبي بكر الصّديق ﵁ أَنه لما خرج

стр. 169

على الْمُشْركين فَقَرَأَ عَلَيْهِم ﴿الم غلبت الرّوم فِي أدنى الأَرْض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ قَالُوا لَهُ هَذَا كلامك أم كَلَام صَاحبك فَقَالَ لَيْسَ بكلامي وَلَا بِكَلَام صَاحِبي وَلكنه كَلَام الله وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿ذَرْنِي وَمن خلقت وحيدا وَجعلت لَهُ مَالا ممدودا وبنين شُهُودًا ومهدت لَهُ تمهيدا ثمَّ يطْمع أَن أَزِيد كلا إِنَّه كَانَ لآياتنا عنيدا سَأُرْهِقُهُ صعُودًا إِنَّه فكر وَقدر فَقتل كَيفَ قدر ثمَّ قتل كَيفَ قدر ثمَّ نظر ثمَّ عبس وَبسر ثمَّ أدبر واستكبر فَقَالَ إِن هَذَا إِلَّا سحر يُؤثر إِن هَذَا إِلَّا قَول الْبشر﴾ فَمن قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن قَول الْبشر كَانَ قَوْله مضاهيا لقَوْل الوحيد الَّذِي أصلاه الله سقر وَمن الْمَعْلُوم لعامة الْعُقَلَاء أَن من بلغ كَلَام غَيره كالمبلغ لقَوْل النَّبِي ﷺ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امرىء مَا نوى إِذا سَمعه النَّاس من الْمبلغ قَالُوا هَذَا حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَهَذَا كَلَام رَسُول الله ﷺ وَلَو قَالَ الْمبلغ هَذَا كَلَامي وَقَوْلِي لكذبه النَّاس لعلمهم بِأَن الْكَلَام كَلَام لمن قَالَه مبتدئا منشئا لَا لمن أَدَّاهُ رَاوِيا مبلغا فَإِذا كَانَ مثل هَذَا مَعْلُوما فِي تَبْلِيغ كَلَام الْمَخْلُوق فَكيف لَا يعقل فِي تَبْلِيغ كَلَام الْخَالِق الَّذِي هُوَ أولى أَن لَا يَجْعَل كلَاما لغير الْخَالِق جلّ وَعلا وَقد أخبر تَعَالَى بِأَنَّهُ منزل مِنْهُ فَقَالَ ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعلمُونَ أَنه منزل من رَبك بِالْحَقِّ﴾ وَقَالَ ﴿حم تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ ﴿حم تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ فجبريل رَسُول الله من الْمَلَائِكَة جَاءَ بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ من الْبشر وَالله يصطفي من الْمَلَائِكَة رسلًا وَمن النَّاس وَكِلَاهُمَا مبلغ لَهُ كَمَا قَالَ ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك﴾ وَقَالَ ﴿إِلَّا من ارتضى من رَسُول فَإِنَّهُ يسْلك من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه رصدا ليعلم أَن قد أبلغوا رسالات رَبهم﴾ وَهُوَ مَعَ هَذَا كَلَام الله

стр. 170

لَيْسَ لجبريل وَلَا لمُحَمد فِيهِ إِلَّا التَّبْلِيغ وَالْأَدَاء كَمَا أَن المعلمين لَهُ فِي هَذَا الزَّمَان والتاليين لَهُ فِي الصَّلَاة أَو خَارج الصَّلَاة لَيْسَ لَهُم فِيهِ إِلَّا ذَلِك لم يحدثوا شَيْئا من حُرُوفه وَلَا مَعَانِيه قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِذا قَرَأت الْقُرْآن فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَإِذا بدلنا آيَة مَكَان آيَة وَالله أعلم بِمَا ينزل قَالُوا إِنَّمَا أَنْت مفتر بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ ليثبت الَّذين آمنُوا وَهدى وبشرى للْمُسلمين وَلَقَد نعلم أَنهم يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعلمهُ بشر لِسَان الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ أعجمي وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ كَانَ بعض الْمُشْركين يزْعم أَن النَّبِي ﷺ تعلمه من بعض الْأَعَاجِم الَّذين بِمَكَّة إِمَّا عبد بن الْحَضْرَمِيّ وَإِمَّا غَيره كَمَا ذكر ذَلِك الْمُفَسّرين فَقَالَ تَعَالَى ﴿لِسَان الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ﴾ أَي يضيفون إِلَيْهِ التَّعْلِيم لِسَان ﴿أعجمي وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ فَكيف يتَصَوَّر من يُعلمهُ أعجمي وَهَذَا الْكَلَام عَرَبِيّ وَقد أخبر أَنه نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ فَهَذَا بَيَان أَن هَذَا الْقُرْآن الْعَرَبِيّ الَّذِي تعلمه من غَيره لم يكن هُوَ الْمُحدث لحروفه ونظمه إِذْ يُمكن لَو كَانَ كَذَلِك أَن يكون تلقى من الأعجمي مَعَانِيه وَألف هُوَ حُرُوفه وَبَيَان أَن هَذَا الذ تعلمه من غير نزل بِهِ روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ يدل على أَن الْقُرْآن جَمِيعه منزل من الرب لم ينزل مَعْنَاهُ دون حُرُوفه وَمن الْمَعْلُوم أَن من بلغ كَلَام غَيره كمن بلغ كَلَام النَّبِي ﷺ أَو غَيره من النَّاس أَو أنْشد شعر غَيره كَمَا لَو أنْشد منشد قَول لبيد أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل أَو قَول عبد الله بن رَوَاحَة حَيْثُ قَالَ شهِدت بِأَن وعد الله حق وَأَن النَّار مثوى الكافرينا ... وَأَن الْعَرْش فَوق المَاء طَاف وَفَوق الْعَرْش رب العالمينا أَو قَوْله وَفينَا رَسُول الله يَتْلُو كِتَابه إِذا انْشَقَّ مَعْرُوف من الْفجْر سَاطِع يبيت يُجَافِي جنبه عَن فرَاشه إِذا استثقلت بالمشركين الْمضَاجِع ... أرانا الْهدى بعد الْعَمى فَقُلُوبنَا بِهِ مُوقِنَات أَن مَا قَالَ وَاقع

стр. 171

وَهَذَا الشّعْر قَالَ منشئه لَفظه وَمَعْنَاهُ وَهُوَ كَلَامه لَا كَلَام غَيره بحركته وصوته وَمَعْنَاهُ الْقَائِم بِنَفسِهِ ثمَّ إِذا أنْشدهُ المنشد وبلغه عَنهُ علم أَن شعر ذَلِك المنشىء وَكَلَامه ونظمه وَقَوله مَعَ أَن هَذَا التَّالِي أنْشدهُ بحركة نَفسه وَصَوت نَفسه وَقَامَ بِقَلْبِه من الْمَعْنى نَظِير من قَامَ بقلب الأول وَلَيْسَ الصَّوْت المسموع من المنشد هُوَ الصَّوْت المسموع من المنشىء وَالشعر شعر المنشىء لَا شعر المنشد والمحدث عَن النَّبِي ﷺ إِذا روى قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ بلغه بحركته وصوته مَعَ أَن النَّبِي ﷺ تكلم بِهِ بحركته وصوته وَلَيْسَ صَوت الْمبلغ صَوت النَّبِي ﷺ وَلَا حركته كحركته وَالْكَلَام كَلَام رَسُول الله ﷺ لَا كَلَام الْمبلغ لَهُ عَنهُ فَإِذا كَانَ هَذَا مَعْلُوما معقولا فَكيف لَا يعقل أَن يكون مَا يقْرَأ القارىء إِذا قَرَأَ ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك يَوْم الدّين﴾ أَن يُقَال هَذَا الْكَلَام كَلَام البارىء وَإِن كَانَ الصَّوْت صَوت القارىء فَمن ظن أَن الْأَصْوَات المسموعة من الْقُرَّاء صَوت الله فَهُوَ ضال مفتر مُخَالف لصريح الْمَعْقُول وصحيح الْمَنْقُول قَائِل قولا لم يقلهُ أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين بل قد أنكر الإِمَام أَحْمد وَغَيره على من قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق وبدعوه كَمَا جهموا من قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق وَقَالُوا الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق كَيفَ تصرف فَكيف من قَالَ لَفْظِي بِهِ قديم أَو صوتي بِهِ قديم فابتدع هَذَا وضلاله أوضح فَمن قَالَ إِن لَفظه بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق أَو صَوته أَو فعله أَو شَيْئا من ذَلِك فَهُوَ ضال مُبْتَدع وَهَؤُلَاء قد يحتجون بقوله ﴿حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ وَيَقُولُونَ هَذَا كَلَام الله وَكَلَام الله غير مَخْلُوق فَهَذَا غير مَخْلُوق وَنحن لَا نسْمع إِلَّا صَوت القارىء وَهَذَا جهل مِنْهُم فَإِن سَماع كَلَام الله بل وَسَمَاع كل كَلَام يكون تَارَة من الْمُتَكَلّم بِهِ بِلَا وَاسِطَة وَيكون بِوَاسِطَة الرَّسُول الْمبلغ لَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ وَمن قَالَ إِن الله كلمنا بِالْقُرْآنِ كَمَا كلم مُوسَى بن عمرَان أَو إِنَّا نسْمع كَلَامه كَمَا سَمعه مُوسَى بن عمرَان فَهُوَ من أعظم النَّاس جهلا وضلالا وَلَو قَالَ قَائِل إِنَّا نسْمع كَلَام النَّبِي ﷺ كَمَا سَمعه الصَّحَابَة مِنْهُ لَكَانَ ضلاله وَاضحا فَكيف من يَقُول أَنا أسمع كَلَام الله مِنْهُ كَمَا سَمعه مُوسَى وَإِن كَانَ الله كلم مُوسَى تكليما بِصَوْت سَمعه مُوسَى فَلَيْسَ صَوت المخلوقين صَوتا للخالق وَكَذَلِكَ مناداته لِعِبَادِهِ بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب وتكلمه بِالْوَحْي حَتَّى يسمع أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض صَوته كجر السلسلة على الصَّفَا وأمثال ذَلِك مِمَّا جَاءَت بِهِ النُّصُوص والْآثَار كلهَا لَيْسَ فِيهَا أَن

стр. 172

صفة الْمَخْلُوق هِيَ صفة الْخَالِق بل وَلَا مثلهَا بل فِيهَا الدّلَالَة على الْفرق بَين صفة الْخَالِق وَبَين صفة الْمَخْلُوق فَلَيْسَ كَلَامه مثل كَلَامه وَلَا مَعْنَاهُ مثل مَعْنَاهُ وَلَا حرفه مثل حرفه وَلَا صَوته مثل صَوته كَمَا أَنه لَيْسَ علمه مثل علمه وَلَا قدرته مثل قدرته وَلَا سَمعه مثل سَمعه وَلَا بَصَره مثل بَصَره فَإِن الله لَيْسَ كمثله شَيْء لَا فِي ذَاته وَلَا فِي صِفَاته وَلَا فِي أَفعاله وَلما اسْتَقر فِي فطر الْخلق كلهم الْفرق بَين سَماع الْكَلَام من الْمُتَكَلّم بِهِ ابْتِدَاء وَبَين سَمَاعه من الْمبلغ عَنهُ كَانَ ظُهُور هَذَا الْفرق فِي سَماع كَلَام الله من المبلغين عَنهُ أوضح من أَن يحْتَاج إِلَى الإطناب وَقد بَين أَئِمَّة السّنة وَالْعلم كَالْإِمَامِ أَحْمد وَالْبُخَارِيّ صَاحب الصَّحِيح فِي كِتَابه فِي خلق الْأَفْعَال وَغَيرهمَا من أَئِمَّة السّنة من الْفرق بَين صَوت الله المسموع مِنْهُ وَصَوت الْعباد بِالْقُرْآنِ وَغَيره مَا لَا يخالفهم فِيهِ أحد من الْعلمَاء أهل الْعقل وَالدّين فصل وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ فَهَذَا قد ذكره فِي موضِعين فَقَالَ فِي الحاقة ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم وَمَا هُوَ بقول شَاعِر قَلِيلا مَا تؤمنون وَلَا بقول كَاهِن قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ فالرسول هُنَا مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ فِي التكوير ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين مُطَاع ثمَّ أَمِين وَمَا صَاحبكُم بمجنون وَلَقَد رَآهُ بالأفق الْمُبين﴾ فالرسول هُنَا جِبْرِيل فأضافه إِلَى الرَّسُول من الْبشر تَارَة وَإِلَى الرَّسُول من الْمَلَائِكَة تَارَة باسم الرَّسُول وَلم يقل إِنَّه لقَوْل ملك وَلَا نَبِي لِأَن لفظ الرَّسُول يبين أَنه مبلغ عَن غَيره لَا منشيء لَهُ من عِنْده ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ فَكَانَ قَوْله ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ بِمَنْزِلَة قَوْله لتبليغ رَسُول أَو مبلغ من رَسُول كريم أَو جَاءَ بِهِ رَسُول كريم أَو مسموع عَن رَسُول كريم وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه أنشأه أَو أحدثه أَو أنشأ شَيْئا مِنْهُ أَو أحدثه رَسُول كريم إِذْ لَو كَانَ منشئا لم يكن رَسُولا فِيمَا أنشأه وابتدأه وَإِنَّمَا يكون رَسُولا فِيمَا بلغه وَأَدَّاهُ وَمَعْلُوم أَن الضَّمِير عَائِد إِلَى الْقُرْآن مُطلقًا وَأَيْضًا فَلَو كَانَ أحد الرسولين أنشأ حُرُوفه ونظمه امْتنع أَن يكون الرَّسُول الآخر هُوَ المنشىء الْمُؤلف لَهَا فَبَطل أَن تكون إِضَافَته إِلَى الرَّسُول لأجل أَحْدَاث لَفظه ونظمه وَلَو جَازَ

стр. 173

أَن تكون الْإِضَافَة هُنَا لأجل إِحْدَاث الرَّسُول لَهُ أَو لشَيْء مِنْهُ لجَاز أَن نقُول إِنَّه قَول الْبشر وَهَذَا قَول الوحيد الَّذِي أصلاه الله سقر فَإِن قَالَ قَائِل فالوحيد جعل الْجَمِيع قَول الْبشر وَنحن نقُول إِن الْكَلَام الْعَرَبِيّ قَول الْبشر وَأما مَعْنَاهُ فَهُوَ كَلَام الله فَيُقَال لَهُم هَذَا نصف قَول الوحيد ثمَّ هَذَا بَاطِل من وُجُوه أُخْرَى وَهُوَ أَن مَعَاني هَذَا النّظم معَان مُتعَدِّدَة متنوعة وَأَنْتُم تَجْعَلُونَ ذَلِك الْمَعْنى وَاحِدًا هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار وتجعلون ذَلِك الْمَعْنى إِذا عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِذا عبر عَنهُ بالعبرانية كَانَ توراة وَإِذا عبر عَنهُ بالسُّرْيَانيَّة كَانَ إنجيلا وَهَذَا مِمَّا يعلم بُطْلَانه بِالضَّرُورَةِ من الْعقل وَالدّين فَإِن التَّوْرَاة إِذا عربناها لم يكن مَعْنَاهَا معنى الْقُرْآن وَالْقُرْآن إِذا ترجمناه بالعبرانية لم يكن مَعْنَاهُ معنى التَّوْرَاة وَأَيْضًا فَإِن معنى آيَة الْكُرْسِيّ لَيْسَ هُوَ معنى آيَة الدّين وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ فِي معنى الْكَلَام ومسمى كَلَام الله كَمَا تشترك الْأَعْيَان فِي مُسَمّى النَّوْع فَهَذَا الْكَلَام وَهَذَا الْكَلَام وَهَذَا الْكَلَام كُله يشْتَرك فِي أَنه كَلَام الله اشْتِرَاك الْأَشْخَاص فِي أَنْوَاعهَا كَمَا أَن هَذَا الْإِنْسَان وَهَذَا الْإِنْسَان وَهَذَا الْإِنْسَان يشتركون فِي مُسَمّى الْإِنْسَان وَلَيْسَ فِي الْخَارِج خص بِعَيْنِه هُوَ هَذَا وَهَذَا وَهَذَا وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي الْخَارِج كَلَام وَاحِد هُوَ معنى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَهُوَ معنى آيَة الدّين وَآيَة الْكُرْسِيّ وَمن خَالف هَذَا كَانَ فِي مُخَالفَته لصريح الْمَعْقُول من جنس من قَالَ إِن أصوات الْعباد وأفعالهم قديمَة أزلية فَاضْرب بِكَلَام البدعتين رَأس قائلهما والزم الصِّرَاط الْمُسْتَقيم صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وبسبب هَاتين البدعتين الحمقاوين ثارت الْفِتَن وعظمت الإحن وَإِن كَانَ كل من أَصْحَاب الْقَوْلَيْنِ قد يفسرونهما بِمَا قد يلتبس على كثير من النَّاس كَمَا فسر من قَالَ إِن الصَّوْت المسموع من العَبْد أَو بعضه قديم وَأَن الْقَدِيم ظهر فِي الْمُحدث من غير حُلُول فِيهِ وَأما أَفعَال الْعباد فَرَأَيْت بعض الْمُتَأَخِّرين يزْعم أَنَّهَا قديمَة خَيرهَا وشرها وَفسّر ذَلِك بِأَن الشَّرْع قديم وَالْقدر قديم وَهِي مَشْرُوعَة مقدرَة وَلم يفرق بَين الشَّرْع الَّذِي هُوَ كَلَام الله والمشروع الَّذِي هُوَ الْمَأْمُور بِهِ والمنهي عَنهُ وَلم يفرق بَين الْقدر الَّذِي هُوَ علم الله وَكَلَامه وَبَين الْمَقْدُور الَّذِي هُوَ مخلوقاته والعقلاء كلهم يعلمُونَ بالاضطرار أَن الْأَمر وَالْخَبَر نَوْعَانِ للْكَلَام لَفظه وَمَعْنَاهُ لَيْسَ الْأَمر وَالْخَبَر صِفَات لموصوف وَاحِد فَمن جعل الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر صِفَات للْكَلَام لَا أنواعا لَهُ فقد خَالف ضَرُورَة الْعقل وَهَؤُلَاء فِي هَذَا بِمَنْزِلَة من زعم أَن الْوُجُود

стр. 174

وَاحِد إِذْ لم يفرق بَين الْوَاحِد بالنوع وَالْوَاحد بِالْعينِ فَإِن انقسام الْمَوْجُود إِلَى الْقَدِيم والمحدث وَالْوَاجِب والممكن والخالق والمخلوق والقائم بِنَفسِهِ والقائم بِغَيْرِهِ كانقسام الْكَلَام إِلَى الْأَمر وَالْخَبَر أَو إِلَى الْإِنْشَاء والإخبار أَو إِلَى الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر فَمن قَالَ الْكَلَام معنى وَاحِد هُوَ الْأَمر وَالْخَبَر فَهُوَ كمن قَالَ الْوُجُود وَاحِد هُوَ الْخَالِق والمخلوق أَو الْوَاجِب والممكن وكما أَن حَقِيقَة هَذَا تؤول إِلَى تَعْطِيل الْخَالِق فحقيقة هَذَا تؤول إِلَى تَعْطِيل كَلَامه وتكليمه وَهَذَا حَقِيقَة قَول فِرْعَوْن الَّذِي أنكر الْخَالِق وتكليمه لمُوسَى وَلِهَذَا آل الْأَمر بمحقق هَؤُلَاءِ إِلَى تَعْظِيم فِرْعَوْن وتوليه وتصديقه فِي قَوْله ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ بل إِلَى تَعْظِيمه على مُوسَى وَإِلَى الاستحقار بِتَكْلِيم الله لمُوسَى كَمَا قد بسط فِي غير هَذَا الْموضع وَأَيْضًا فَيُقَال مَا تَقول فِي كَلَام كل مُتَكَلم إِذا نَقله عَنهُ غَيره كَمَا قد ينْقل كَلَام النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة وَالْعُلَمَاء وَالشعرَاء وَغَيرهم وَيسمع من الروَاة أَو المبلغين أَن ذَلِك المسموع من الْمبلغ بِصَوْت الْمبلغ هُوَ كَلَام الْمبلغ أَو كَلَام الْمبلغ عَنهُ فَإِن قَالَ كَلَام الْمبلغ لزم أَن يكون الْقُرْآن كلَاما لكل من سمع مِنْهُ فَيكون الْقُرْآن المسموع كَلَام ألف ألف قارىء لَا كَلَام الله تَعَالَى وَأَن يكون قَوْله إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ونظائره كَلَام كل من رَوَاهُ لَا كَلَام الرَّسُول وَحِينَئِذٍ فَلَا فَضِيلَة لِلْقُرْآنِ ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ فَإِنَّهُ على قَول هَؤُلَاءِ قَول كل مُنَافِق قَرَأَهُ وَالْقُرْآن يقرأه الْمُؤمن وَالْمُنَافِق كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ مثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب وَمثل الْمُؤمن الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن مثل التمرة طعمها طيب وَلَا ريح لَهَا وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الريحانة رِيحهَا طيب وطعمها مر وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن مثل الحنظلة طعمها مر وَلَا ريح لَهَا وعَلى هَذَا التَّقْدِير فَلَا يكون الْقُرْآن قَول بشر وَاحِد بل قَول ألف ألف بشر وَأكْثر من ذَلِك وَفَسَاد هَذَا فِي الْعقل وَالدّين وَاضح وَإِن قَالَ كَلَام الْمبلغ عَنهُ علم أَن الرَّسُول الْمبلغ لِلْقُرْآنِ لَيْسَ الْقُرْآن كَلَامه وَلكنه كَلَام الله وَلَكِن لما كَانَ الرَّسُول الْملك قد يُقَال إِنَّه شَيْطَان بَين الله أَنه تَبْلِيغ ملك كريم لَا تَبْلِيغ شَيْطَان رجيم وَلِهَذَا قَالَ ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَمَا هُوَ بقول شَيْطَان رجيم﴾ وَبَين فِي هَذِه الْآيَة أَن الرَّسُول البشري الَّذِي صحبناه وسمعناه مِنْهُ لَيْسَ بمجنون وَمَا هُوَ على الْغَيْب بمتهم وَذكره باسم الصاحب لما فِي ذَلِك

стр. 175

من النِّعْمَة بِهِ علينا إِذْ كُنَّا لَا نطيق أَن نتلقى إِلَّا عَمَّن صحبناه وَكَانَ من جنسنا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ وَقَالَ ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ﴾ كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿والنجم إِذا هوى مَا ضل صَاحبكُم وَمَا غوى﴾ وَبَين أَن الرَّسُول الَّذِي من أَنْفُسنَا وَالرَّسُول الملكي أَنَّهُمَا مبلغان فَكَانَ فِي هَذَا تَحْقِيق أَنه كَلَام الله فَلَمَّا كَانَ الرَّسُول البشري يُقَال إِنَّه مَجْنُون أَو مفتر نزهه عَن هَذَا وَهَذَا وَكَذَلِكَ فِي السُّورَة الْأُخْرَى قَالَ ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم وَمَا هُوَ بقول شَاعِر قَلِيلا مَا تؤمنون وَلَا بقول كَاهِن قَلِيلا مَا تذكرُونَ تَنْزِيل من رب الْعَالمين﴾ وَهَذَا مِمَّا يبين أَنه إِضَافَة إِلَيْهِ لِأَنَّهُ بلغه وَأَدَّاهُ لَا لِأَنَّهُ أحدثه وأنشأه فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَإنَّهُ لتنزيل رب الْعَالمين نزل بِهِ الرّوح الْأمين﴾ فَجمع بَين قَوْله ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم﴾ وَبَين قَوْله ﴿وَإنَّهُ لتنزيل رب الْعَالمين﴾ والضميران عائدان إِلَى وَاحِد فَلَو كَانَ الرَّسُول أحدثه وأنشأه لم يكن تَنْزِيلا من رب الْعَالمين بل كَانَ يكون تَنْزِيلا من الرَّسُول وَمن جعل الضَّمِير فِي هَذَا عَائِدًا إِلَى غير مَا يعود إِلَيْهِ الضَّمِير الآخر مَعَ أَنه لَيْسَ فِي الْكَلَام مَا يَقْتَضِي اخْتِلَاف الضميرين وَمن قَالَ أَن هَذَا عبارَة عَن كَلَام الله فَقل لَهُ هَذَا الَّذِي تَقْرَأهُ أهوَ عبارَة عَن الْعبارَة الَّتِي أحدثها الرَّسُول الْملك أَو الْبشر على زعمك أم هُوَ نفس تِلْكَ الْعبارَة فَإِن جعلت هَذَا عبارَة عَن تِلْكَ الْعبارَة جَازَ أَن تكون عبارَة جِبْرِيل أَو الرَّسُول عبارَة عَن عبارَة الله وَحِينَئِذٍ فَيبقى النزاع لفظيا فَإِنَّهُ مَتى قَالَ إِن مُحَمَّدًا سَمعه من جِبْرِيل جَمِيعه وَجِبْرِيل سَمعه من الله جَمِيعه والمسلمون سَمِعُوهُ من الرَّسُول جَمِيعه فقد قَالَ الْحق وَبعد هَذَا فَقَوله عبارَة لأجل التَّفْرِيق بَين التَّبْلِيغ والمبلغ عَنهُ كَمَا سنبينه وَإِن قلت لَيْسَ هَذَا عبارَة عَن تِلْكَ الْعبارَة بل هُوَ نفس تِلْكَ الْعبارَة فقد جعلت مَا يسمع من الْمبلغ هُوَ بِعَيْنِه مَا يسمع من الْمبلغ عَنهُ إِذْ جعلت هَذِه الْعبارَة هِيَ بِعَينهَا عبارَة جِبْرِيل فَحِينَئِذٍ هَذَا يبطل أصل قَوْلك وَاعْلَم أَن أصل القَوْل بالعبارة أَن أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن سعيد بن كلاب هُوَ أول من قَالَ فِي الْإِسْلَام إِن معنى الْقُرْآن كَلَام الله وحروفه لَيست كَلَام الله فَأخذ بِنصْف قَول الْمُعْتَزلَة وَنصف قَول أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَكَانَ قد ذهب إِلَى إِثْبَات الصِّفَات لله تَعَالَى

стр. 176

وَخَالف الْمُعْتَزلَة فِي ذَلِك وَأثبت الْعُلُوّ لله على الْعَرْش ومباينة الْمَخْلُوقَات وَقرر ذَلِك تقريرا هُوَ أكمل من تَقْرِير أَتْبَاعه بعده وَكَانَ النَّاس قد تكلمُوا فِيمَن بلغ كَلَام غَيره هَل يُقَال لَهُ حِكَايَة عَنهُ أم لَا وَأكْثر الْمُعْتَزلَة قَالُوا هُوَ حِكَايَة عَنهُ فَقَالَ ابْن كلاب الْقُرْآن الْعَرَبِيّ حِكَايَة عَن كَلَام الله لَيْسَ بِكَلَام الله فجَاء بِعَهْد أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فسلك مسلكه فِي إِثْبَات أَكثر الصِّفَات وَفِي مَسْأَلَة الْقُرْآن أَيْضا واستدرك عَلَيْهِ قَوْله أَن هَذَا حِكَايَة وَقَالَ الْحِكَايَة إِنَّمَا تكون مثل المحكي فَهَذَا يُنَاسب قَول الْمُعْتَزلَة وَإِنَّمَا يُنَاسب قَوْلنَا أَن نقُول هُوَ عبارَة عَن كَلَام الله لِأَن الْكَلَام لَيْسَ من جنس الْعبارَة فَأنْكر أهل السّنة وَالْجَمَاعَة عَلَيْهِم عدَّة أُمُور أَحدهَا قَوْلهم إِن الْمَعْنى كَلَام الله وَإِن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ لَيْسَ كَلَام الله وَكَانَت الْمُعْتَزلَة تَقول هُوَ كَلَام الله وَهُوَ مَخْلُوق فَقَالَ هَؤُلَاءِ هُوَ مَخْلُوق وَلَيْسَ بِكَلَام الله لِأَن من أصُول أهل السّنة أَن الصّفة إِذا قَامَت بِمحل عَاد حكمهَا على ذَلِك الْمحل فَإِذا قَامَ الْكَلَام بِمحل كَانَ هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ كَمَا أَن الْعلم وَالْقُدْرَة إِذا قاما بِمحل كَانَ هُوَ الْعَالم الْقَادِر وَكَذَلِكَ الْحَرَكَة وَهَذَا مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ على الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم من الْجَهْمِية فِي قَوْلهم إِن كَلَام الله مَخْلُوق خلقه فِي بعض الْأَجْسَام قَالُوا لَهُم لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْكَلَام كَلَام ذَلِك الْجِسْم الَّذِي خلقه فِيهِ فَكَانَت الشَّجَرَة هِيَ القائلة ﴿إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين﴾ فَقَالَ أَئِمَّة الْكلابِيَّة إِذا كَانَ الْقُرْآن الْعَرَبِيّ مخلوقا لم يكن كَلَام الله فَقَالَ طَائِفَة من متأخريهم بل نقُول الْكَلَام مقول بالاشتراك بَين الْمَعْنى الْمُجَرّد وَبَين الْحُرُوف الْمَنْظُومَة فَقَالَ لَهُم الْمُحَقِّقُونَ فَهَذَا يبطل أصل حجتكم على الْمُعْتَزلَة فَإِنَّكُم إِذا سلمتم أَن مَا هُوَ كَلَام الله حَقِيقَة لَا يُمكن قِيَامه بِهِ بل بِغَيْرِهِ أمكن الْمُعْتَزلَة أَن يَقُولُوا لَيْسَ كَلَامه إِلَّا مَا خلقه فِي غَيره الثَّانِي قَوْلهم إِن ذَلِك الْمَعْنى هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر وَهُوَ معنى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَقَالَ أَكثر الْعُقَلَاء هَذَا الَّذِي قَالُوهُ مَعْلُوم الْفساد بضرورة الْعقل الثَّالِث أَن مَا نزل بِهِ جِبْرِيل من الْمَعْنى وَاللَّفْظ وَمَا بلغه مُحَمَّد لأمته من الْمَعْنى وَاللَّفْظ لَيْسَ هُوَ كَلَام الله وَمَسْأَلَة الْقُرْآن لَهَا طرفان أَحدهمَا تكلم الله بِهِ وَهُوَ أعظم الطَّرفَيْنِ وَالثَّانِي تَنْزِيله إِلَى خلقه وَالْكَلَام فِي هَذَا سهل بعد تَحْقِيق الأول وَقد بسطنا الْكَلَام فِي ذَلِك فِي عدَّة مَوَاضِع وَبينا مقالات أهل الأَرْض كلهم فِي هَذِه الْمسَائِل وَمَا دخل فِي ذَلِك من الِاشْتِبَاه ومأخذ كل طَائِفَة وَمعنى قَول السّلف الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَأَنَّهُمْ قصدُوا بِهِ إبِْطَال

стр. 177

قَول من يَقُول إِن الله لم يقم بِذَاتِهِ كَلَام وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّة كَلَام الله من الله لَيْسَ ببائن عَنهُ وَذكرنَا اخْتِلَاف المنتسبين إِلَى السّنة هَل يتَعَلَّق الْكَلَام بمشيئته وَقدرته أم لَا وَقَول من قَالَ من أَئِمَّة السّنة لم يزل الله متكلما إِذا شَاءَ وَأَن قَول السّلف مِنْهُ بَدَأَ لم يُرِيدُوا بِهِ أَنه فَارق ذَاته وَحل فِي غَيره فَإِن كَلَام الْمَخْلُوق بل وَسَائِر صِفَاته لَا تُفَارِقهُ وتنتقل إِلَى غَيره فَكيف يجوز أَن يُفَارق ذَات الله كَلَامه أَو غَيره من صِفَاته بل قَالُوا مِنْهُ بَدَأَ أَي هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ ردا على الْمُعْتَزلَة والجهمية وَغَيرهم الَّذين قَالُوا بَدَأَ من الْمَخْلُوق الَّذِي خلق فِيهِ وَقَوْلهمْ إِلَيْهِ يعود أَي يسري عَلَيْهِ فَلَا يبْقى فِي الْمَصَاحِف مِنْهُ حرف وَلَا فِي الصُّدُور مِنْهُ آيَة وَالْمَقْصُود هُنَا الْجَواب عَن مسَائِل السَّائِل فصل وَأما قَول الْقَائِل أَنْتُم تعتقدون أَن مُوسَى سمع كَلَام الله مِنْهُ حَقِيقَة من غير وَاسِطَة وتقولون أَن الَّذِي تسمعونه كَلَام الله حَقِيقَة وتسمعونه من وَسَائِل بِأَصْوَات مُخْتَلفَة فَمَا الْفرق بَين ذَلِك فَيُقَال لَهُ بَين هَذَا وَهَذَا من الْفرق أعظم مِمَّا بَين الْقدَم وَالْفرق فَإِن كل عَاقل يفرق بَين سَماع كَلَام النَّبِي ﷺ مِنْهُ بِغَيْر وَاسِطَة كسماع الصَّحَابَة مِنْهُ وَبَين سَمَاعه مِنْهُ بِوَاسِطَة المبلغين عَنهُ كَأبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وكل من السامعين سمع كَلَام النَّبِي ﷺ حَقِيقَة وَكَذَلِكَ من سمع شعر حسان بن ثَابت أَو عبد الله بن رَوَاحَة أَو غَيرهمَا من الشُّعَرَاء مِنْهُ بِلَا وَاسِطَة وَمن سَمعه من الروَاة عَنهُ يعلم الْفرق بَين هَذَا وَهَذَا وَهُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ شعر حسان لَا شعر غَيره وَالْإِنْسَان إِذا تعلم شعر غَيره فَهُوَ يعلم أَن ذَلِك الشَّاعِر أنشأ مَعَانِيه ونظم حُرُوفه بأصواته الْمُقطعَة وَإِن كَانَ الْمبلغ يرويهِ بحركة نَفسه وأصوات نَفسه فَإِذا كَانَ هَذَا الْفرق معقولا فِي كَلَام المخلوقين بَين سَماع الْكَلَام من الْمُتَكَلّم بِهِ ابْتِدَاء وسماعه بِوَاسِطَة الرَّاوِي عَنهُ أَو الْمبلغ عَنهُ فَكيف لَا يعقل ذَلِك فِي سَماع كَلَام الله وَقد تقدم أَن من ظن أَن المسموع من الْقُرَّاء هُوَ صَوت الرب فَهُوَ إِلَى تَأْدِيب المجانين أقرب مِنْهُ إِلَى خطاب الْعُقَلَاء وَكَذَلِكَ من توهم أَن الصَّوْت قديم أَو أَن المداد قديم فَهَذَا لَا يَقُوله ذُو حس سليم بل مَا بَين لوحي الْمُصحف كَلَام الله وَكَلَام الله ثَابت فِي مصاحف الْمُسلمين لَا كَلَام غَيره فَمن قَالَ إِن الَّذِي فِي الْمُصحف لَيْسَ كَلَام الله بل كَلَام غَيره فَهُوَ ملحد مارق وَمن زعم أَن كَلَام الله فَارق ذَاته وانتقل إِلَى غَيره كَمَا كتب فِي الْمَصَاحِف أَو أَن المداد قديم أزلي فَهُوَ أَيْضا ملحد مارق بل كَلَام المخلوقين يكْتب فِي الأوراق وَهُوَ لم يُفَارق ذواتهم

стр. 178

فَكيف لَا يعقل مثل هَذَا فِي كَلَام الله تَعَالَى والشبهة تنشأ فِي مثل هَذَا من جِهَة أَن بعض النَّاس لَا يفرق بَين الْمُطلق من الْكَلَام والمقيد مِثَال ذَلِك أَن الْإِنْسَان يَقُول رَأَيْت الشَّمْس وَالْقَمَر والهلال إِذْ رَآهُ بِغَيْر وَاسِطَة وَهَذِه الرُّؤْيَة الْمُطلقَة وَقد يرَاهُ فِي مَاء أَو مرْآة فَهَذِهِ رُؤْيَة مُقَيّدَة فَإِذا أطلق قَوْله رَأَيْته أَو مَا رَأَيْته حمل على مَفْهُوم اللَّفْظ الْمُطلق وَإِذا قَالَ لقد رَأَيْت الشَّمْس فِي المَاء والمرآة فَهُوَ كَلَام صَحِيح مَعَ التَّقْيِيد وَاللَّفْظ يخْتَلف مَعْنَاهُ بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيد فَإِذا وصل بالْكلَام مَا يُغير مَعْنَاهُ كالشرط وَالِاسْتِثْنَاء وَنَحْوهمَا من التخصيصات الْمُتَّصِلَة كَقَوْلِه ﴿ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾ كَانَ هَذَا الْمَجْمُوع دَالا على تِسْعمائَة وَخمسين سنة بطرِيق الْحَقِيقَة عِنْد جَمَاهِير النَّاس وَمن قَالَ إِن هَذَا مجَاز فقد غلط فَإِن هَذَا الْمَجْمُوع لم يسْتَعْمل فِي غير مَوْضِعه وَمَا يقْتَرن بِاللَّفْظِ من الْقَرَائِن اللفظية الْمَوْضُوعَة هِيَ من تَمام الْكَلَام وَلِهَذَا لَا يحْتَمل الْكَلَام مَعهَا مَعْنيين وَلَا يجوز نفي مفهومهما بِخِلَاف اسْتِعْمَال لفظ الْأسد فِي الرجل الشجاع مَعَ أَن قَول الْقَائِل هَذَا اللَّفْظ حَقِيقَة وَهَذَا مجَاز نزاع لَفْظِي وَهُوَ مُسْتَند من أنكر الْمجَاز فِي اللُّغَة أَو فِي الْقُرْآن وَلم ينْطق بِهَذَا أحد من السّلف وَالْأَئِمَّة وَلم يعرف لفظ الْمجَاز فِي كَلَام أحد من الْأَئِمَّة إِلَّا فِي كَلَام الإِمَام أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا كتبه من الرَّد على الزَّنَادِقَة والجهمية هَذَا من مجَاز الْقُرْآن وَأول من قَالَ ذَلِك مُطلقًا أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى فِي كِتَابه الَّذِي صنفه فِي مجَاز الْقُرْآن ثمَّ إِن هَذَا كَانَ مَعْنَاهُ عِنْد الْأَوَّلين مِمَّا يجوز فِي اللُّغَة ويسوغ فَهُوَ مُشْتَقّ عِنْدهم من الْجَوَاز كَمَا يَقُول الْفُقَهَاء عقد لَازم وَجَائِز وَكثير من الْمُتَأَخِّرين جعله من الْجَوَاز الَّذِي هُوَ العبور من معنى الْحَقِيقَة إِلَى معنى الْمجَاز ثمَّ إِنَّه لَا ريب أَن الْمجَاز قد يشيع ويشتهر حَتَّى يصير حَقِيقَة وَالْمَقْصُود أَن الْقَائِل إِذا قَالَ رَأَيْت الشَّمْس أَو الْقَمَر أَو الْهلَال أَو غير ذَلِك فِي المَاء والمرآة فالعقلاء متفقون على الْفرق بَين هَذِه الرُّؤْيَة وَبَين رُؤْيَة ذَلِك بِلَا وَاسِطَة وَإِذا قَالَ قَائِل مَا رأى ذَلِك بل رأى مِثَاله أَو خياله أَو رأى الشعاع المنعكس أَو نَحْو ذَلِك لم يكن هَذَا مَانِعا لما يُعلمهُ النَّاس ويقولونه من أَنه رَآهُ فِي المَاء أَو الْمرْآة وَهَذِه الرُّؤْيَة فِي المَاء أَو الْمرْآة حَقِيقَة مُقَيّدَة وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي حَقًا فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل فِي صُورَتي هُوَ كَمَا قَالَ ﷺ رَآهُ فِي الْمَنَام حَقًا فَمن قَالَ مَا رَآهُ فِي الْمَنَام حَقًا فقد أَخطَأ وَمن قَالَ إِن رُؤْيَته فِي الْيَقَظَة بِلَا وَاسِطَة كالرؤية بالواسطة الْمقيدَة بِالنَّوْمِ فقد أَخطَأ وَلِهَذَا يكون لهَذِهِ تَأْوِيل وتعبير دون تِلْكَ

стр. 179

وَكَذَلِكَ مَا سَمعه مِنْهُ من الْكَلَام فِي الْمَنَام هُوَ سَماع مِنْهُ فِي الْمَنَام وَلَيْسَ هَذَا كالسماع مِنْهُ فِي الْيَقَظَة وَقد يرى الرَّائِي فِي الْمَنَام أشخاصا يخاطبهم ويخاطبونه والمرئيون لَا شُعُور لَهُم بذلك وَإِنَّمَا رأى مثالهم وَلَكِن يُقَال رَآهُمْ فِي الْمَنَام حَقِيقَة فيحترز بذلك عَن الرُّؤْيَا الَّتِي هِيَ حَدِيث النَّفس فَإِن الرُّؤْيَا ثَلَاثَة أَقسَام رُؤْيا بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشَّيْطَان ورؤيا مِمَّا يحدث الْمَرْء بِهِ نَفسه فِي الْيَقَظَة فيراه فِي الْمَنَام وَقد ثَبت هَذَا التَّقْسِيم فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ وَلَكِن الرُّؤْيَا يظْهر لكل أحد من الْفرق بَينهَا وَبَين الْيَقَظَة مَا لَا يظْهر فِي غَيرهَا فَكَمَا أَن الرُّؤْيَة تكون مُطلقَة وَتَكون مُقَيّدَة بِوَاسِطَة الْمرْآة وَالْمَاء أَو غير ذَلِك حَتَّى إِن المرئي يخْتَلف باخْتلَاف الْمرْآة فَإِذا كَانَت كَبِيرَة مستديرة رأى كَذَلِك وَإِن كَانَت صَغِيرَة أَو مستطيلة رأى كَذَلِك فَكَذَلِك فِي السماع يفرق بَين من سمع كَلَام غَيره مِنْهُ وَمن سَمعه بِوَاسِطَة الْمبلغ فَفِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَقْصُود سَماع كَلَامه كَمَا أَن هُنَاكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يقْصد رُؤْيَة نفس النَّبِي لَكِن إِذا كَانَ بِوَاسِطَة اخْتلف باخْتلَاف الْوَاسِطَة فيختلف باخْتلَاف أصوات المبلغين كَمَا يخْتَلف المرئي باخْتلَاف المرايا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ فَجعل التكليم ثَلَاثَة أَنْوَاع الْوَحْي الْمُجَرّد والتكليم من وَرَاء حجاب كَمَا كلم مُوسَى ﵇ والتكليم بِوَاسِطَة إرْسَال الرَّسُول كَمَا كلم الرُّسُل بإرسال الْمَلَائِكَة وكما نبأنا الله من أَخْبَار الْمُنَافِقين بإرسال مُحَمَّد ﷺ والمسلمون متفقون على أَن الله أَمرهم بِمَا أَمرهم بِهِ فِي الْقُرْآن ونهاهم عَمَّا نَهَاهُم عَنهُ فِي الْقُرْآن وَأخْبرهمْ بِمَا أخْبرهُم بِهِ فِي الْقُرْآن فَأمره وَنَهْيه وإخباره بِوَاسِطَة الرَّسُول فَهَذَا تكليم مُقَيّد بِالْإِرْسَال وسماعنا لكَلَامه سَماع مُقَيّد بِسَمَاعِهِ من الْمبلغ لَا مِنْهُ وَهَذَا الْقُرْآن كَلَام الله مبلغا عَنهُ مؤدا عَنهُ ومُوسَى سمع كَلَامه مسموعا مِنْهُ لَا مبلغا عَنهُ وَلَا مؤدا عَنهُ وَإِذا عرف هَذَا الْمَعْنى زاحت الشُّبْهَة وَالنَّبِيّ ﷺ يروي عَن ربه ويخبر عَن ربه ويحكي عَن ربه فَهَذَا يذكر مَا يذكرهُ عَن ربه من كَلَامه الَّذِي قَالَه رَاوِيا حاكيا عَنهُ فَلَو قَالَ من قَالَ إِن الْقُرْآن حِكَايَة إِن مُحَمَّدًا حَكَاهُ عَن الله كَمَا يُقَال بلغه عَن الله وَأَدَّاهُ عَن الله لَكَانَ قد قصد معنى صَحِيحا لَكِن يقصدون مَا يَقْصِدهُ الْقَائِل بقوله فلَان يَحْكِي فلَانا أَي يفعل مثل فعله وَهُوَ أَنه يتَكَلَّم بِمثل كَلَام الله فَهَذَا بَاطِل قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾

стр. 180

ونكتة الْأَمر أَن الْعبْرَة بِالْحَقِيقَةِ الْمَقْصُودَة لَا بالوسائل الْمَطْلُوبَة لغَيْرهَا فَلَمَّا كَانَ مَقْصُود الرَّائِي أَن يرى الْوَجْه مثلا فَرَآهُ فِي الْمَرْأَة حصل مَقْصُوده وَقَالَ رَأَيْت الْوَجْه وَإِن كَانَ ذَلِك بِوَاسِطَة انعكاس الشعاع فِي الْمرْآة وَكَذَلِكَ من كَانَ مَقْصُوده أَن يسمع القَوْل الَّذِي قَالَه غَيره الَّذِي ألف أَلْفَاظه وَقصد مَعَانِيه فَإِذا سَمعه مِنْهُ أَو من غَيره حصل هَذَا الْمَقْصُود وَإِن كَانَ سَمَاعه من غَيره هُوَ بِوَاسِطَة صَوت ذَلِك الْغَيْر الَّذِي يتَخَلَّف باخْتلَاف الصائتين والقلوب إِنَّمَا تُشِير إِلَى الْمَقْصُود لَا إِلَى مَا ظهر بِهِ الْمَقْصُود كَمَا فِي الِاسْم والمسمى فَإِن الْقَائِل إِذا قَالَ جَاءَ زيد وَذهب عَمْرو وَلم يكن مَقْصُوده إِلَّا الْإِخْبَار بالمجيء عَن الْمُسَمّى وَلَكِن بِذكر الِاسْم أظهر ذَلِك فَمن ظن أَن الْمَوْصُوف بالمجيء والإتيان هُوَ لفظ زيد أَو لفظ عَمْرو كَانَ مُبْطلًا فَكَذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل هَذَا كَلَام الله وَكَلَام الله غير مَخْلُوق فالمقصود هُنَا الْكَلَام نَفسه من حَيْثُ هُوَ هُوَ وَإِن كَانَ إِنَّمَا ظهر وَسمع بِوَاسِطَة حَرَكَة التَّالِي وصوته فَمن ظن أَن الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ صَوت القارىء وحركته كَانَ مُبْطلًا وَلِهَذَا لما قَرَأَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ على الإِمَام أَحْمد ﵁ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَسَأَلَهُ هَل هَذَا كَلَام الله وَهل هُوَ مَخْلُوق فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ كَلَام الله وَأَنه غير مَخْلُوق فَنقل عَنهُ أَبُو طَابَ خطأ مِنْهُ أَنه قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق فاستدعاه وَغَضب عَلَيْهِ وَقَالَ أَنا قلت لَك لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق قَالَ لَا وَلَكِن قَرَأت عَلَيْك ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَقلت لَك هَذَا غير مَخْلُوق فَقلت نعم قَالَ فَلم تحكي عني مَا لم أقل لَا تقل هَذَا فَإِن هَذَا لم يقلهُ عَالم وقصته مَشْهُورَة حَكَاهَا عبد الله وَصَالح وحنبل والمروذي وفوزان وبسطها الْخلال فِي كتاب السّنة وصنف الْمَرْوذِيّ فِي مَسْأَلَة اللَّفْظ مصنفا ذكر فِيهِ أَقْوَال الْأَئِمَّة وَهَذَا الَّذِي ذكره الإِمَام أَحْمد من أحسن الْكَلَام وأدقه فَإِن الْإِشَارَة إِذا أطلقت انصرفت إِلَى الْمَقْصُود وَهُوَ كَلَام الله الَّذِي تكلم بِهِ لَا إِلَى مَا وصل بِهِ إِلَيْنَا من أَفعَال الْعباد وأصواتهم فَإِذا قيل لَفْظِي جعل نفس الوسائط غير مخلوقة وَهَذَا بَاطِل كَمَا أَن من رأى وَجها فِي مرْآة فَقَالَ أكْرم الله هَذَا الْوَجْه وحياه أَو قبحه كَانَ دعاؤه على الْوَجْه الْمَوْجُود فِي الْحَقِيقَة الَّذِي رأى بِوَاسِطَة الْمرْآة لَا على الشعاع المنعكس فِيهَا وَكَذَلِكَ إِذا رأى الْقَمَر فِي المَاء فَقَالَ قد أبدر أَو لم يبدر فَإِنَّمَا مَقْصُوده الْقَمَر الَّذِي فِي السَّمَاء لَا خياله وَكَذَلِكَ من سَمعه يذكر رجلا فَقَالَ هَذَا رجل صَالح أَو رجل فَاسق علم أَن الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ الشَّخْص الْمُسَمّى بِالِاسْمِ لَا نفس
следующие страницы →