Полный текст (300 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وَخَالف الْمُعْتَزلَة فِي ذَلِك وَأثبت الْعُلُوّ لله على الْعَرْش ومباينة الْمَخْلُوقَات وَقرر ذَلِك تقريرا هُوَ أكمل من تَقْرِير أَتْبَاعه بعده وَكَانَ النَّاس قد تكلمُوا فِيمَن بلغ كَلَام غَيره هَل يُقَال لَهُ حِكَايَة عَنهُ أم لَا وَأكْثر الْمُعْتَزلَة قَالُوا هُوَ حِكَايَة عَنهُ فَقَالَ ابْن كلاب الْقُرْآن الْعَرَبِيّ حِكَايَة عَن كَلَام الله لَيْسَ بِكَلَام الله
فجَاء بِعَهْد أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فسلك مسلكه فِي إِثْبَات أَكثر الصِّفَات وَفِي مَسْأَلَة الْقُرْآن أَيْضا واستدرك عَلَيْهِ قَوْله أَن هَذَا حِكَايَة وَقَالَ الْحِكَايَة إِنَّمَا تكون مثل المحكي فَهَذَا يُنَاسب قَول الْمُعْتَزلَة وَإِنَّمَا يُنَاسب قَوْلنَا أَن نقُول هُوَ عبارَة عَن كَلَام الله لِأَن الْكَلَام لَيْسَ من جنس الْعبارَة فَأنْكر أهل السّنة وَالْجَمَاعَة عَلَيْهِم عدَّة أُمُور
أَحدهَا قَوْلهم إِن الْمَعْنى كَلَام الله وَإِن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ لَيْسَ كَلَام الله وَكَانَت الْمُعْتَزلَة تَقول هُوَ كَلَام الله وَهُوَ مَخْلُوق فَقَالَ هَؤُلَاءِ هُوَ مَخْلُوق وَلَيْسَ بِكَلَام الله لِأَن من أصُول أهل السّنة أَن الصّفة إِذا قَامَت بِمحل عَاد حكمهَا على ذَلِك الْمحل فَإِذا قَامَ الْكَلَام بِمحل كَانَ هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ كَمَا أَن الْعلم وَالْقُدْرَة إِذا قاما بِمحل كَانَ هُوَ الْعَالم الْقَادِر وَكَذَلِكَ الْحَرَكَة وَهَذَا مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ على الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم من الْجَهْمِية فِي قَوْلهم إِن كَلَام الله مَخْلُوق خلقه فِي بعض الْأَجْسَام قَالُوا لَهُم لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْكَلَام كَلَام ذَلِك الْجِسْم الَّذِي خلقه فِيهِ فَكَانَت الشَّجَرَة هِيَ القائلة ﴿إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين﴾ فَقَالَ أَئِمَّة الْكلابِيَّة إِذا كَانَ الْقُرْآن الْعَرَبِيّ مخلوقا لم يكن كَلَام الله فَقَالَ طَائِفَة من متأخريهم بل نقُول الْكَلَام مقول بالاشتراك بَين الْمَعْنى الْمُجَرّد وَبَين الْحُرُوف الْمَنْظُومَة فَقَالَ لَهُم الْمُحَقِّقُونَ فَهَذَا يبطل أصل حجتكم على الْمُعْتَزلَة فَإِنَّكُم إِذا سلمتم أَن مَا هُوَ كَلَام الله حَقِيقَة لَا يُمكن قِيَامه بِهِ بل بِغَيْرِهِ أمكن الْمُعْتَزلَة أَن يَقُولُوا لَيْسَ كَلَامه إِلَّا مَا خلقه فِي غَيره
الثَّانِي قَوْلهم إِن ذَلِك الْمَعْنى هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر وَهُوَ معنى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَقَالَ أَكثر الْعُقَلَاء هَذَا الَّذِي قَالُوهُ مَعْلُوم الْفساد بضرورة الْعقل
الثَّالِث أَن مَا نزل بِهِ جِبْرِيل من الْمَعْنى وَاللَّفْظ وَمَا بلغه مُحَمَّد لأمته من الْمَعْنى وَاللَّفْظ لَيْسَ هُوَ كَلَام الله
وَمَسْأَلَة الْقُرْآن لَهَا طرفان أَحدهمَا تكلم الله بِهِ وَهُوَ أعظم الطَّرفَيْنِ وَالثَّانِي تَنْزِيله إِلَى خلقه وَالْكَلَام فِي هَذَا سهل بعد تَحْقِيق الأول وَقد بسطنا الْكَلَام فِي ذَلِك فِي عدَّة مَوَاضِع وَبينا مقالات أهل الأَرْض كلهم فِي هَذِه الْمسَائِل وَمَا دخل فِي ذَلِك من الِاشْتِبَاه ومأخذ كل طَائِفَة وَمعنى قَول السّلف الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَأَنَّهُمْ قصدُوا بِهِ إبِْطَال
стр. 177
قَول من يَقُول إِن الله لم يقم بِذَاتِهِ كَلَام وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّة كَلَام الله من الله لَيْسَ ببائن عَنهُ وَذكرنَا اخْتِلَاف المنتسبين إِلَى السّنة هَل يتَعَلَّق الْكَلَام بمشيئته وَقدرته أم لَا وَقَول من قَالَ من أَئِمَّة السّنة لم يزل الله متكلما إِذا شَاءَ وَأَن قَول السّلف مِنْهُ بَدَأَ لم يُرِيدُوا بِهِ أَنه فَارق ذَاته وَحل فِي غَيره فَإِن كَلَام الْمَخْلُوق بل وَسَائِر صِفَاته لَا تُفَارِقهُ وتنتقل إِلَى غَيره فَكيف يجوز أَن يُفَارق ذَات الله كَلَامه أَو غَيره من صِفَاته بل قَالُوا مِنْهُ بَدَأَ أَي هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ ردا على الْمُعْتَزلَة والجهمية وَغَيرهم الَّذين قَالُوا بَدَأَ من الْمَخْلُوق الَّذِي خلق فِيهِ وَقَوْلهمْ إِلَيْهِ يعود أَي يسري عَلَيْهِ فَلَا يبْقى فِي الْمَصَاحِف مِنْهُ حرف وَلَا فِي الصُّدُور مِنْهُ آيَة
وَالْمَقْصُود هُنَا الْجَواب عَن مسَائِل السَّائِل
فصل
وَأما قَول الْقَائِل أَنْتُم تعتقدون أَن مُوسَى سمع كَلَام الله مِنْهُ حَقِيقَة من غير وَاسِطَة وتقولون أَن الَّذِي تسمعونه كَلَام الله حَقِيقَة وتسمعونه من وَسَائِل بِأَصْوَات مُخْتَلفَة فَمَا الْفرق بَين ذَلِك
فَيُقَال لَهُ بَين هَذَا وَهَذَا من الْفرق أعظم مِمَّا بَين الْقدَم وَالْفرق فَإِن كل عَاقل يفرق بَين سَماع كَلَام النَّبِي ﷺ مِنْهُ بِغَيْر وَاسِطَة كسماع الصَّحَابَة مِنْهُ وَبَين سَمَاعه مِنْهُ بِوَاسِطَة المبلغين عَنهُ كَأبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وكل من السامعين سمع كَلَام النَّبِي ﷺ حَقِيقَة وَكَذَلِكَ من سمع شعر حسان بن ثَابت أَو عبد الله بن رَوَاحَة أَو غَيرهمَا من الشُّعَرَاء مِنْهُ بِلَا وَاسِطَة وَمن سَمعه من الروَاة عَنهُ يعلم الْفرق بَين هَذَا وَهَذَا وَهُوَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ شعر حسان لَا شعر غَيره وَالْإِنْسَان إِذا تعلم شعر غَيره فَهُوَ يعلم أَن ذَلِك الشَّاعِر أنشأ مَعَانِيه ونظم حُرُوفه بأصواته الْمُقطعَة وَإِن كَانَ الْمبلغ يرويهِ بحركة نَفسه وأصوات نَفسه
فَإِذا كَانَ هَذَا الْفرق معقولا فِي كَلَام المخلوقين بَين سَماع الْكَلَام من الْمُتَكَلّم بِهِ ابْتِدَاء وسماعه بِوَاسِطَة الرَّاوِي عَنهُ أَو الْمبلغ عَنهُ فَكيف لَا يعقل ذَلِك فِي سَماع كَلَام الله وَقد تقدم أَن من ظن أَن المسموع من الْقُرَّاء هُوَ صَوت الرب فَهُوَ إِلَى تَأْدِيب المجانين أقرب مِنْهُ إِلَى خطاب الْعُقَلَاء وَكَذَلِكَ من توهم أَن الصَّوْت قديم أَو أَن المداد قديم فَهَذَا لَا يَقُوله ذُو حس سليم بل مَا بَين لوحي الْمُصحف كَلَام الله وَكَلَام الله ثَابت فِي مصاحف الْمُسلمين لَا كَلَام غَيره فَمن قَالَ إِن الَّذِي فِي الْمُصحف لَيْسَ كَلَام الله بل كَلَام غَيره فَهُوَ ملحد مارق
وَمن زعم أَن كَلَام الله فَارق ذَاته وانتقل إِلَى غَيره كَمَا كتب فِي الْمَصَاحِف أَو أَن المداد قديم أزلي فَهُوَ أَيْضا ملحد مارق بل كَلَام المخلوقين يكْتب فِي الأوراق وَهُوَ لم يُفَارق ذواتهم
стр. 178
فَكيف لَا يعقل مثل هَذَا فِي كَلَام الله تَعَالَى
والشبهة تنشأ فِي مثل هَذَا من جِهَة أَن بعض النَّاس لَا يفرق بَين الْمُطلق من الْكَلَام والمقيد مِثَال ذَلِك أَن الْإِنْسَان يَقُول رَأَيْت الشَّمْس وَالْقَمَر والهلال إِذْ رَآهُ بِغَيْر وَاسِطَة وَهَذِه الرُّؤْيَة الْمُطلقَة وَقد يرَاهُ فِي مَاء أَو مرْآة فَهَذِهِ رُؤْيَة مُقَيّدَة فَإِذا أطلق قَوْله رَأَيْته أَو مَا رَأَيْته حمل على مَفْهُوم اللَّفْظ الْمُطلق وَإِذا قَالَ لقد رَأَيْت الشَّمْس فِي المَاء والمرآة فَهُوَ كَلَام صَحِيح مَعَ التَّقْيِيد وَاللَّفْظ يخْتَلف مَعْنَاهُ بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيد فَإِذا وصل بالْكلَام مَا يُغير مَعْنَاهُ كالشرط وَالِاسْتِثْنَاء وَنَحْوهمَا من التخصيصات الْمُتَّصِلَة كَقَوْلِه ﴿ألف سنة إِلَّا خمسين عَاما﴾ كَانَ هَذَا الْمَجْمُوع دَالا على تِسْعمائَة وَخمسين سنة بطرِيق الْحَقِيقَة عِنْد جَمَاهِير النَّاس
وَمن قَالَ إِن هَذَا مجَاز فقد غلط فَإِن هَذَا الْمَجْمُوع لم يسْتَعْمل فِي غير مَوْضِعه وَمَا يقْتَرن بِاللَّفْظِ من الْقَرَائِن اللفظية الْمَوْضُوعَة هِيَ من تَمام الْكَلَام وَلِهَذَا لَا يحْتَمل الْكَلَام مَعهَا مَعْنيين وَلَا يجوز نفي مفهومهما بِخِلَاف اسْتِعْمَال لفظ الْأسد فِي الرجل الشجاع مَعَ أَن قَول الْقَائِل هَذَا اللَّفْظ حَقِيقَة وَهَذَا مجَاز نزاع لَفْظِي وَهُوَ مُسْتَند من أنكر الْمجَاز فِي اللُّغَة أَو فِي الْقُرْآن وَلم ينْطق بِهَذَا أحد من السّلف وَالْأَئِمَّة وَلم يعرف لفظ الْمجَاز فِي كَلَام أحد من الْأَئِمَّة إِلَّا فِي كَلَام الإِمَام أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا كتبه من الرَّد على الزَّنَادِقَة والجهمية هَذَا من مجَاز الْقُرْآن وَأول من قَالَ ذَلِك مُطلقًا أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى فِي كِتَابه الَّذِي صنفه فِي مجَاز الْقُرْآن ثمَّ إِن هَذَا كَانَ مَعْنَاهُ عِنْد الْأَوَّلين مِمَّا يجوز فِي اللُّغَة ويسوغ فَهُوَ مُشْتَقّ عِنْدهم من الْجَوَاز كَمَا يَقُول الْفُقَهَاء عقد لَازم وَجَائِز وَكثير من الْمُتَأَخِّرين جعله من الْجَوَاز الَّذِي هُوَ العبور من معنى الْحَقِيقَة إِلَى معنى الْمجَاز ثمَّ إِنَّه لَا ريب أَن الْمجَاز قد يشيع ويشتهر حَتَّى يصير حَقِيقَة
وَالْمَقْصُود أَن الْقَائِل إِذا قَالَ رَأَيْت الشَّمْس أَو الْقَمَر أَو الْهلَال أَو غير ذَلِك فِي المَاء والمرآة فالعقلاء متفقون على الْفرق بَين هَذِه الرُّؤْيَة وَبَين رُؤْيَة ذَلِك بِلَا وَاسِطَة وَإِذا قَالَ قَائِل مَا رأى ذَلِك بل رأى مِثَاله أَو خياله أَو رأى الشعاع المنعكس أَو نَحْو ذَلِك لم يكن هَذَا مَانِعا لما يُعلمهُ النَّاس ويقولونه من أَنه رَآهُ فِي المَاء أَو الْمرْآة وَهَذِه الرُّؤْيَة فِي المَاء أَو الْمرْآة حَقِيقَة مُقَيّدَة وَكَذَلِكَ قَول النَّبِي ﷺ من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي حَقًا فَإِن الشَّيْطَان لَا يتَمَثَّل فِي صُورَتي هُوَ كَمَا قَالَ ﷺ رَآهُ فِي الْمَنَام حَقًا فَمن قَالَ مَا رَآهُ فِي الْمَنَام حَقًا فقد أَخطَأ وَمن قَالَ إِن رُؤْيَته فِي الْيَقَظَة بِلَا وَاسِطَة كالرؤية بالواسطة الْمقيدَة بِالنَّوْمِ فقد أَخطَأ وَلِهَذَا يكون لهَذِهِ تَأْوِيل وتعبير دون تِلْكَ
стр. 179
وَكَذَلِكَ مَا سَمعه مِنْهُ من الْكَلَام فِي الْمَنَام هُوَ سَماع مِنْهُ فِي الْمَنَام وَلَيْسَ هَذَا كالسماع مِنْهُ فِي الْيَقَظَة وَقد يرى الرَّائِي فِي الْمَنَام أشخاصا يخاطبهم ويخاطبونه والمرئيون لَا شُعُور لَهُم بذلك وَإِنَّمَا رأى مثالهم وَلَكِن يُقَال رَآهُمْ فِي الْمَنَام حَقِيقَة فيحترز بذلك عَن الرُّؤْيَا الَّتِي هِيَ حَدِيث النَّفس
فَإِن الرُّؤْيَا ثَلَاثَة أَقسَام رُؤْيا بشرى من الله ورؤيا تحزين من الشَّيْطَان ورؤيا مِمَّا يحدث الْمَرْء بِهِ نَفسه فِي الْيَقَظَة فيراه فِي الْمَنَام وَقد ثَبت هَذَا التَّقْسِيم فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ وَلَكِن الرُّؤْيَا يظْهر لكل أحد من الْفرق بَينهَا وَبَين الْيَقَظَة مَا لَا يظْهر فِي غَيرهَا فَكَمَا أَن الرُّؤْيَة تكون مُطلقَة وَتَكون مُقَيّدَة بِوَاسِطَة الْمرْآة وَالْمَاء أَو غير ذَلِك حَتَّى إِن المرئي يخْتَلف باخْتلَاف الْمرْآة فَإِذا كَانَت كَبِيرَة مستديرة رأى كَذَلِك وَإِن كَانَت صَغِيرَة أَو مستطيلة رأى كَذَلِك فَكَذَلِك فِي السماع يفرق بَين من سمع كَلَام غَيره مِنْهُ وَمن سَمعه بِوَاسِطَة الْمبلغ فَفِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَقْصُود سَماع كَلَامه كَمَا أَن هُنَاكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ يقْصد رُؤْيَة نفس النَّبِي لَكِن إِذا كَانَ بِوَاسِطَة اخْتلف باخْتلَاف الْوَاسِطَة فيختلف باخْتلَاف أصوات المبلغين كَمَا يخْتَلف المرئي باخْتلَاف المرايا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾
فَجعل التكليم ثَلَاثَة أَنْوَاع الْوَحْي الْمُجَرّد والتكليم من وَرَاء حجاب كَمَا كلم مُوسَى ﵇ والتكليم بِوَاسِطَة إرْسَال الرَّسُول كَمَا كلم الرُّسُل بإرسال الْمَلَائِكَة وكما نبأنا الله من أَخْبَار الْمُنَافِقين بإرسال مُحَمَّد ﷺ
والمسلمون متفقون على أَن الله أَمرهم بِمَا أَمرهم بِهِ فِي الْقُرْآن ونهاهم عَمَّا نَهَاهُم عَنهُ فِي الْقُرْآن وَأخْبرهمْ بِمَا أخْبرهُم بِهِ فِي الْقُرْآن فَأمره وَنَهْيه وإخباره بِوَاسِطَة الرَّسُول فَهَذَا تكليم مُقَيّد بِالْإِرْسَال وسماعنا لكَلَامه سَماع مُقَيّد بِسَمَاعِهِ من الْمبلغ لَا مِنْهُ وَهَذَا الْقُرْآن كَلَام الله مبلغا عَنهُ مؤدا عَنهُ ومُوسَى سمع كَلَامه مسموعا مِنْهُ لَا مبلغا عَنهُ وَلَا مؤدا عَنهُ وَإِذا عرف هَذَا الْمَعْنى زاحت الشُّبْهَة
وَالنَّبِيّ ﷺ يروي عَن ربه ويخبر عَن ربه ويحكي عَن ربه فَهَذَا يذكر مَا يذكرهُ عَن ربه من كَلَامه الَّذِي قَالَه رَاوِيا حاكيا عَنهُ فَلَو قَالَ من قَالَ إِن الْقُرْآن حِكَايَة إِن مُحَمَّدًا حَكَاهُ عَن الله كَمَا يُقَال بلغه عَن الله وَأَدَّاهُ عَن الله لَكَانَ قد قصد معنى صَحِيحا لَكِن يقصدون مَا يَقْصِدهُ الْقَائِل بقوله فلَان يَحْكِي فلَانا أَي يفعل مثل فعله وَهُوَ أَنه يتَكَلَّم بِمثل كَلَام الله فَهَذَا بَاطِل قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾
стр. 180
ونكتة الْأَمر أَن الْعبْرَة بِالْحَقِيقَةِ الْمَقْصُودَة لَا بالوسائل الْمَطْلُوبَة لغَيْرهَا فَلَمَّا كَانَ مَقْصُود الرَّائِي أَن يرى الْوَجْه مثلا فَرَآهُ فِي الْمَرْأَة حصل مَقْصُوده وَقَالَ رَأَيْت الْوَجْه وَإِن كَانَ ذَلِك بِوَاسِطَة انعكاس الشعاع فِي الْمرْآة وَكَذَلِكَ من كَانَ مَقْصُوده أَن يسمع القَوْل الَّذِي قَالَه غَيره الَّذِي ألف أَلْفَاظه وَقصد مَعَانِيه فَإِذا سَمعه مِنْهُ أَو من غَيره حصل هَذَا الْمَقْصُود وَإِن كَانَ سَمَاعه من غَيره هُوَ بِوَاسِطَة صَوت ذَلِك الْغَيْر الَّذِي يتَخَلَّف باخْتلَاف الصائتين والقلوب إِنَّمَا تُشِير إِلَى الْمَقْصُود لَا إِلَى مَا ظهر بِهِ الْمَقْصُود كَمَا فِي الِاسْم والمسمى فَإِن الْقَائِل إِذا قَالَ جَاءَ زيد وَذهب عَمْرو وَلم يكن مَقْصُوده إِلَّا الْإِخْبَار بالمجيء عَن الْمُسَمّى وَلَكِن بِذكر الِاسْم أظهر ذَلِك
فَمن ظن أَن الْمَوْصُوف بالمجيء والإتيان هُوَ لفظ زيد أَو لفظ عَمْرو كَانَ مُبْطلًا فَكَذَلِك إِذا قَالَ الْقَائِل هَذَا كَلَام الله وَكَلَام الله غير مَخْلُوق فالمقصود هُنَا الْكَلَام نَفسه من حَيْثُ هُوَ هُوَ وَإِن كَانَ إِنَّمَا ظهر وَسمع بِوَاسِطَة حَرَكَة التَّالِي وصوته فَمن ظن أَن الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ صَوت القارىء وحركته كَانَ مُبْطلًا وَلِهَذَا لما قَرَأَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ على الإِمَام أَحْمد ﵁ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَسَأَلَهُ هَل هَذَا كَلَام الله وَهل هُوَ مَخْلُوق فَأَجَابَهُ بِأَنَّهُ كَلَام الله وَأَنه غير مَخْلُوق فَنقل عَنهُ أَبُو طَابَ خطأ مِنْهُ أَنه قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق فاستدعاه وَغَضب عَلَيْهِ وَقَالَ أَنا قلت لَك لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق قَالَ لَا وَلَكِن قَرَأت عَلَيْك ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَقلت لَك هَذَا غير مَخْلُوق فَقلت نعم قَالَ فَلم تحكي عني مَا لم أقل لَا تقل هَذَا فَإِن هَذَا لم يقلهُ عَالم وقصته مَشْهُورَة حَكَاهَا عبد الله وَصَالح وحنبل والمروذي وفوزان وبسطها الْخلال فِي كتاب السّنة وصنف الْمَرْوذِيّ فِي مَسْأَلَة اللَّفْظ مصنفا ذكر فِيهِ أَقْوَال الْأَئِمَّة
وَهَذَا الَّذِي ذكره الإِمَام أَحْمد من أحسن الْكَلَام وأدقه فَإِن الْإِشَارَة إِذا أطلقت انصرفت إِلَى الْمَقْصُود وَهُوَ كَلَام الله الَّذِي تكلم بِهِ لَا إِلَى مَا وصل بِهِ إِلَيْنَا من أَفعَال الْعباد وأصواتهم فَإِذا قيل لَفْظِي جعل نفس الوسائط غير مخلوقة وَهَذَا بَاطِل كَمَا أَن من رأى وَجها فِي مرْآة فَقَالَ أكْرم الله هَذَا الْوَجْه وحياه أَو قبحه كَانَ دعاؤه على الْوَجْه الْمَوْجُود فِي الْحَقِيقَة الَّذِي رأى بِوَاسِطَة الْمرْآة لَا على الشعاع المنعكس فِيهَا وَكَذَلِكَ إِذا رأى الْقَمَر فِي المَاء فَقَالَ قد أبدر أَو لم يبدر فَإِنَّمَا مَقْصُوده الْقَمَر الَّذِي فِي السَّمَاء لَا خياله وَكَذَلِكَ من سَمعه يذكر رجلا فَقَالَ هَذَا رجل صَالح أَو رجل فَاسق علم أَن الْمشَار إِلَيْهِ هُوَ الشَّخْص الْمُسَمّى بِالِاسْمِ لَا نفس
стр. 181
الصَّوْت المسموع من النَّاطِق فَلَو قَالَ هَذَا الصَّوْت أَو صوتي بفلان صَالح أَو فَاسق فسد الْمَعْنى
وَكَانَ بَعضهم يَقُول لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَرَأى فِي مَنَامه وضارب يضْربهُ وَعَلِيهِ فَرْوَة فأوجعه بِالضَّرْبِ فَقَالَ لَهُ لَا تضربني فَقَالَ أَنا مَا أضربك وَإِنَّمَا أضْرب الفروة فَقَالَ إِنَّمَا يَقع الضَّرْب عَليّ فَقَالَ هَكَذَا إِذا قلت لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فالخلق إِنَّمَا يَقع على الْقُرْآن يَقُول كَمَا أَن الْمَقْصُود بِالضَّرْبِ بدنك واللباس وَاسِطَة فَهَكَذَا الْمَقْصُود بالتلاوة كَلَام الله وصوتك وَاسِطَة فَإِذا قلت مَخْلُوق وَقع ذَلِك على الْمَقْصُود كَمَا إِذا سَمِعت قَائِلا يذكر رجلا فَقلت أَنا أحب هَذَا وَأَنا أبْغض هَذَا انْصَرف الْكَلَام إِلَى الْمُسَمّى الْمَقْصُود بِالِاسْمِ لَا إِلَى صَوت الذاكر وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّة الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق كَيْفَمَا تصرف بِخِلَاف أَفعَال الْعباد وأصواتهم فَإِنَّهُ من نفى عَنْهَا الْخلق كَانَ مبتدعا ضَالًّا
فصل
وَأما قَول الْقَائِل تَقولُونَ إِن الْقُرْآن صفة الله وَإِن صِفَات الله غير مخلوقة فَإِن قُلْتُمْ أَن هَذَا نفس كَلَام الله فقد قُلْتُمْ بالحلول وَأَنْتُم تكفرون بالحلولية والاتحادية وَإِن قُلْتُمْ مغير ذَلِك قُلْتُمْ بمقالتنا
فَمن تبين لَهُ مَا نبهنا عَلَيْهِ سهل عَلَيْهِ الْجَواب عَن هَذَا وَأَمْثَاله فَإِن منشأ الشُّبْهَة أَن قَول الْقَائِل هَذَا كَلَام الله يَجْعَل أَحْكَامه وَاحِدَة سَوَاء كَانَ كَلَامه مسموعا مِنْهُ أَو كَلَامه مبلغا عَنهُ
وَمن هُنَا تخْتَلف طوائف من النَّاس
طَائِفَة قَالَت هَذَا كَلَام الله وَهَذَا حُرُوف وأصوات مخلوقة فَكَلَام الله مَخْلُوق
وَطَائِفَة قَالَت هَذَا مَخْلُوق وَكَلَام الله لَيْسَ بمخلوق فَهَذَا لَيْسَ كَلَام الله
وَطَائِفَة قَالَت هَذَا كَلَام الله وَكَلَام الله لَيْسَ بمخلوق وَهَذَا ألفاظنا وتلاوتنا فألفاظنا وتلاوتنا غير مخلوقة
ومنشأ ضلال الْجَمِيع من عدم الْفرق فِي الْمشَار إِلَيْهِ فِي هَذَا فَأَنت تَقول هَذَا الْكَلَام الَّذِي تسمعه من قَائِله صدق وَحقّ وصواب وَهُوَ كَلَام حَكِيم وَكَذَلِكَ إِذا سمعته من ناقله تَقول هَذَا الْكَلَام صدق وَحقّ وصواب وَهُوَ كَلَام حَكِيم فالمشار إِلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاحِد وَتقول أَيْضا إِن هَذَا صَوت حسن وَهَذَا كَلَام من وسط الْقلب ثمَّ إِذا سمعته من النَّاقِل تَقول هَذَا صَوت حسن أَو كَلَام من وسط الْقلب فالمشار إِلَيْهِ هُنَا لَيْسَ هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ
стр. 182
هُنَاكَ بل أَشَارَ إِلَى مَا يخْتَص بِهِ هَذَا من صَوته وَقَلبه وَإِلَى مَا يخْتَص بِهِ هَذَا من صَوته وَقَلبه وَإِذا كتب الْكَلَام فِي صفحتين كالمصحفين تَقول فِي كلم فهما هَذَا قُرْآن كريم وَهَذَا كتاب مجيد وَهَذَا كَلَام الله فالمشار إِلَيْهِ وَاحِد ثمَّ تَقول هَذَا خطّ حسن وَهَذَا قلم النّسخ أَو الثُّلُث وَهَذَا الْخط أَحْمَر أَو أصفر والمشار إِلَيْهِ هُنَا مَا يخْتَص بِهِ كل من المصحفين عَن الآخر
فَإِذا ميز الْإِنْسَان فِي الْمشَار إِلَيْهِ بِهَذَا وَهَذَا تبين الْمُتَّفق والمفترق وَعلم أَن من قَالَ هَذَا الْقُرْآن كَلَام الله وَكَلَام الله غير مَخْلُوق أَن الْمشَار إِلَيْهِ الْكَلَام من حَيْثُ هُوَ مَعَ قطع النّظر عَمَّا بِهِ وصل إِلَيْنَا من حركات الْعباد وأصواتهم وَمن قَالَ هَذَا مَخْلُوق وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مُجَرّد صَوت العَبْد وحركته لم يكن لَهُ فِي هَذَا حجَّة على أَن الْقُرْآن نَفسه حُرُوفه ومعانيه الَّذِي تعلم هَذَا القارىء من غَيره وبلغه بحركته وصوته مَخْلُوق من اعْتقد ذَلِك فقد أَخطَأ وضل
وَيُقَال لهَذَا هَذَا الْكَلَام الَّذِي أَشرت إِلَيْهِ كَانَ مَوْجُودا قبل أَن يخلق هَذَا القارىء فَهَب أَن القارىء لم تخلق نَفسه وَلَا وجدت لَا أَفعاله وَلَا أصواته فَمن أَيْن يلْزم أَن يكون الْكَلَام نَفسه الَّذِي كَانَ مَوْجُودا قبله يعْدم بِعَدَمِهِ وَيحدث بحدوثه فإشارته بالخلق إِن كَانَت إِلَى مَا يخْتَص بِهِ هَذَا القارىء من أَفعاله وأصواته فالقرآن غَنِي عَن هَذَا القارىء وموجود قبله فَلَا يلْزم من عدم هَذَا عَدمه وَإِن كَانَت إِلَى الْكَلَام الَّذِي يتعلمه النَّاس بَعضهم من بعض فَهَذَا هُوَ الْكَلَام الْمنزل من الله الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيل إِلَى مُحَمَّد وبلغه مُحَمَّد لأمته وَهُوَ كَلَام الله الَّذِي تكلم بِهِ فَذَاك يمْتَنع أَن يكون مخلوقا فَإِنَّهُ لَو كَانَ مخلوقا لَكَانَ كلَاما لمحله الَّذِي خلق فِيهِ وَلم يكن كلَاما لله وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ سُبْحَانَهُ إِذا خلق كلَاما كَانَ كَلَامه كَانَ مَا أنطق بِهِ كل نَاطِق كَلَامه مثل تَسْبِيح الْجبَال والحصى وَشَهَادَة الْجُلُود بل كَانَ كَلَام فِي الْوُجُود وَهَذَا قَول الحلولية يَقُولُونَ
... وكل كَلَام فِي الْوُجُود كَلَامه ... سَوَاء علينا نثره ونظامه ...
وَمن قَالَ الْقُرْآن مَخْلُوق فَهُوَ بَين أَمريْن إِمَّا أَن يَجْعَل كل كَلَام فِي الْوُجُود كَلَامه وَبَين أَن يَجعله غير مُتَكَلم بِشَيْء أصلا فَيجْعَل الْعباد الْمُتَكَلِّمين أكمل مِنْهُ وَشبهه بالأصنام والجمادات والموات كالعجل الَّذِي لَا يكلمهم ولايهديهم سَبِيلا فَيكون قد فر من إِثْبَات صِفَات الْكَمَال لَهُ حذرا فِي زَعمه من التَّشْبِيه فوصفه بِالنَّقْصِ وَشبهه بالجامد والموات
وَكَذَلِكَ قَول الْقَائِل هَذَا نفس كَلَام الله وَعين كَلَام الله وَهَذَا الَّذِي فِي الْمُصحف هُوَ عين كَلَام الله وَنَفس كَلَام الله وأمثال هَذِه الْعبارَات هَذِه مفهومها عِنْد الْإِطْلَاق فِي فطر الْمُسلمين أَنه كَلَامه لَا كَلَام غَيره وَأَنه لَا زِيَادَة فِيهِ وَلَا نُقْصَان فَإِن من ينْقل كَلَام غَيره
стр. 183
ويكتبه فِي كتاب قد يزِيد فِيهِ وَينْقص كَمَا جرت عَادَة النَّاس فِي كثير من مكاتبات الْمُلُوك وَغَيرهَا فَإِذا جَاءَ كتاب السُّلْطَان فَقيل هَذَا الَّذِي فِيهِ كَلَام السُّلْطَان بِعَيْنِه بِلَا زِيَادَة وَلَا نقص يَعْنِي لم يزدْ فِيهِ الْكَاتِب وَلَا نقص وَكَذَلِكَ من نقل كَلَام بعض الْأَئِمَّة فِي مَسْأَلَة من تصنيفه قيل هَذَا الْكَلَام كَلَام فلَان بِعَيْنِه يَعْنِي لم يزدْ فِيهِ وَلم ينقص كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ نضر الله امْرأ سمع منا حَدِيثا فَبَلغهُ كَمَا سَمعه
فَقَوله فَبَلغهُ كَمَا سَمعه لم يرد بِهِ أَنه يبلغهُ بحركاته وأصواته الَّتِي سَمعه بهَا وَلَكِن أَرَادَ أَنه يَأْتِي بِالْحَدِيثِ على وَجهه لَا يزِيد فِيهِ ولاينقص فَيكون قد بلغه كَمَا سَمعه فالمستمع لَهُ من الْمبلغ يسمعهُ كَمَا قَالَه ﷺ وَيكون قد سمع كَلَام رَسُول الله ﷺ كَمَا قَالَه وَذَلِكَ معنى قَوْلهم هَذَا كَلَامه بِعَيْنِه وَهَذَا نفس كَلَامه لَا يُرِيدُونَ أَن هَذَا هُوَ صَوته وحركاته وَهَذَا لَا يَقُوله عَاقل وَلَا يخْطر ببال عَاقل ابْتِدَاء وَلَكِن اتِّبَاع الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس يلجىء أَصْحَابه إِلَى القرمطة فِي السمعيات والسفسطة فِي العقليات
وَلَو ترك النَّاس على فطرتهم لكَانَتْ صَحِيحَة سليمَة فَإِذا رأى النَّاس كلَاما صَحِيحا فَإِن من تكلم بِكَلَام وَسمع مِنْهُ وَنقل عَنهُ أَو كتبه فِي كتاب لَا يَقُول عَاقل أَن نفس مَا قَامَ الْمُتَكَلّم من الْمعَانِي الَّتِي فِي قلبه والألفاظ الْقَائِمَة بِلِسَانِهِ فارقته وانتقلت عَنهُ إِلَى المستمع والمبلغ عَنهُ وَلَا فارقته وحلت فِي الْوَرق بل وَلَا يَقُول أَن نفس مَا قَامَ بِهِ من الْمعَانِي والألفاظ هُوَ نفس المداد الَّذِي فِي الْوَرق بل ولايقول أَن نفس أَلْفَاظه الَّتِي هِيَ أصواته هِيَ أصوات الْمبلغ عَنهُ فَهَذِهِ الْأُمُور كلهَا ظَاهِرَة لَا يَقُولهَا عَاقل فِي كَلَام الْمَخْلُوق إِذا سمع وَبلغ أَو كتب فِي كتاب فَكيف يُقَال ذَلِك فِي كَلَام الله الَّذِي سمع مِنْهُ وَبلغ عَنهُ أَو كتبه سُبْحَانَهُ كَمَا كتب التَّوْرَاة لمُوسَى وكما كتب الْقُرْآن فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وكما كتبه الْمُسلمُونَ فِي مصاحفهم
وَإِذا كَانَ من سمع كَلَام مَخْلُوق فَبَلغهُ عَنهُ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ بل شعر مَخْلُوق كَمَا يبلغ شعر حسان وَابْن رَوَاحَة ولبيد وأمثالهم من الشُّعَرَاء وَيَقُول النَّاس هَذَا شعر حسان بِعَيْنِه وَهَذَا هُوَ نفس شعر حسان وَهَذَا شعر لبيد بِعَيْنِه كَقَوْلِه
... أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ...
وَمَعَ هَذَا فَيعلم كل عَاقل أَن رُوَاة الشّعْر ومنشديه لم يسلبوا الشُّعَرَاء نفس صفاتهم حَتَّى حلت بهم بل وَلَا نفس مَا قَامَ بأولئك من صفاتهم وأفعالهم كأصواتهم وحركاتهم حلت بالرواة والمنشدين فَكيف يتَوَهَّم متوهم أَن صِفَات الْبَارِي كَلَامه أَو غير كَلَامه فَارق ذَاته وَحل فِي مخلوقاته وَأَن مَا قَامَ بالمخلوق من صِفَاته وأفعاله كحركاته وأصواته هِيَ صِفَات الْبَارِي حلت
стр. 184
فِيهِ وهم لَا يَقُولُونَ مثل ذَلِك فِي الْمَخْلُوق بل يمثلون الْعلم بِنور السراج يقتبس مِنْهُ المتعلم وَلَا ينقص مَا عِنْد الْعَالم كَمَا يقتبس المقتبس ضوء السراج فَيحدث الله لَهُ ضوءا كَمَا يُقَال أَن الْهوى يَنْقَلِب نَارا بمجاورة الفتيلة للمصباح من غير أَن تَتَغَيَّر تِلْكَ النَّار الَّتِي فِي الْمِصْبَاح والمقرىء والمعلم يقرىء الْقُرْآن وَيعلم الْعلم وَلم ينقص مِمَّا عِنْده شَيْء بل يصير عِنْد المتعلم مثل مَا عِنْده
وَلِهَذَا يُقَال فلَان ينْقل علم فلَان وينقل كَلَامه وَيُقَال الْعلم الَّذِي كَانَ عِنْد فلَان صَار إِلَى فلَان وأمثال ذَلِك كَمَا يُقَال نقلت مَا فِي الْكتاب وَنسخت مَا فِي الْكتاب أَو نقلت الْكتاب أَو نسخته وهم لَا يُرِيدُونَ أَن نفس الْحُرُوف الَّتِي فِي الْكتاب الأول عدمت مِنْهُ وحلت فِي الثَّانِي بل لما كَانَ الْمَقْصُود من نسخ الْكتاب من الْكتب ونقلها من جنس نقل الْعلم وَالْكَلَام وَذَلِكَ يحصل بِأَن يَجْعَل فِي الثَّانِي مثل مَا فِي الأول فَيبقى الْمَقْصُود بِالْأولِ مَنْقُولًا مَنْسُوخا وَإِن كَانَ لم يتَغَيَّر الأول بِخِلَاف نقل الْأَجْسَام وتوابعها فَإِن ذَلِك إِذا نقل من مَوضِع إِلَى مَوضِع زَالَ عَن الأول
وَذَلِكَ لِأَن الْأَشْيَاء لَهَا وجود فِي أَنْفسهَا وَهُوَ وجودهَا الْعَيْنِيّ وَلها ثُبُوتهَا فِي الْعلم ثمَّ فِي اللَّفْظ المطابق للْعَمَل ثمَّ فِي الْخط وَهَذَا الَّذِي يُقَال وجود فِي الْأَعْيَان وَوُجُود فِي الأذهان وَوُجُود فِي اللِّسَان وَوُجُود فِي البنان وجود عَيْني وَوُجُود علمي ولفظي ورسمي وَلِهَذَا افْتتح الله كِتَابه بقوله تَعَالَى ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ فَذكر الْخلق عُمُوما وخصوصا ثمَّ ذكر التَّعْلِيم عُمُوما وخصوصا فالخط يُطَابق اللَّفْظ وَاللَّفْظ يُطَابق الْعلم وَالْعلم هُوَ المطابق للمعلوم
وَمن هُنَا غلط من غلط فَظن أَن الْقُرْآن فِي الْمُصحف كالأعيان فِي الْوَرق فَظن أَن قَوْله ﴿إِنَّه لقرآن كريم فِي كتاب مَكْنُون﴾ كَقَوْلِه ﴿الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل﴾ فَجعل إِثْبَات الْقُرْآن الَّذِي هُوَ كَلَام الله فِي الْمَصَاحِف كإثبات الرَّسُول فِي الْمَصَاحِف وَهَذَا غلط إِثْبَات الْقُرْآن كإثبات اسْم الرَّسُول هَذَا كَلَام وَهَذَا كَلَام وَأما إِثْبَات اسْم الرَّسُول فَهَذَا كإثبات الْأَعْمَال أَو كإثبات الْقُرْآن فِي زبر الْأَوَّلين قَالَ تَعَالَى ﴿وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين﴾ فثبوت الْأَعْمَال فِي الزبر وَثُبُوت الْقُرْآن فِي زبر الْأَوَّلين هُوَ مثل كَون الرَّسُول مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَلِهَذَا قيد سُبْحَانَهُ هَذَا بِلَفْظ الزبر والكتب زبر يُقَال زبرت الْكتاب إِذا كتبته وَالزَّبُور بِمَعْنى
стр. 185
الْمَزْبُور أَي الْمَكْتُوب فالقرآن نَفسه لَيْسَ عِنْد بني إِسْرَائِيل وَلَكِن ذكره كَمَا أَن مُحَمَّدًا نَفسه لَيْسَ عِنْدهم وَلَكِن ذكره فثبوت الرَّسُول فِي كتبهمْ كثبوت الْقُرْآن فِي كتبهمْ بِخِلَاف ثُبُوت الْقُرْآن فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَفِي الْمَصَاحِف فَإِن نفس الْقُرْآن أثبت فِيهَا فَمن جعل هَذَا مثل هَذَا كَانَ ضلاله بَينا وَهَذَا مَبْسُوط فِي مَوْضِعه
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن نفس الموجودات وصفاتها إِذا انْتَقَلت من مَحل إِلَى مَحل حلت فِي ذَلِك الْمحل الثَّانِي وَأما الْعلم بهَا وَالْخَبَر عَنْهَا فَيَأْخذهُ الثَّانِي عَن الأول مَعَ بَقَائِهِ فِي الأول وَإِن كَانَ الَّذِي عِنْد الثَّانِي هُوَ نَظِير ذَلِك وَمثله لَكِن لما كَانَ الْمَقْصُود بالعلمين وَاحِدًا فِي نَفسه صَارَت وحدة الْمَقْصُود توجب وحدة التَّابِع لَهُ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ وَلم يكن للنَّاس غَرَض فِي تعدد التَّابِع كَمَا فِي الِاسْم مَعَ الْمُسَمّى فَإِن اسْم الشَّخْص وَإِن ذكره أنَاس متعددون ودعا بِهِ أنَاس متعددون فَالنَّاس يَقُولُونَ إِنَّه اسْم وَاحِد لمسمى وَاحِد فَإِذا قَالَ الْمُؤَذّن أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَقَالَ ذَلِك هَذَا الْمُؤَذّن وَهَذَا الْمُؤَذّن وَقَالَهُ غير الْمُؤَذّن فَالنَّاس يَقُولُونَ إِن هَذَا الْمَكْتُوب هُوَ اسْم الله وَاسم رَسُوله كَمَا أَن الْمُسَمّى هُوَ الله وَرَسُوله
وَإِذا قَالَ ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ وَقَالَ ﴿اركبوا فِيهَا بِسم الله﴾ وَقَالَ ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ وَقَالَ ﴿بِسم الله﴾ فَفِي الْجَمِيع الْمَذْكُور هُوَ اسْم الله وَإِن تعدد الذّكر والذاكر فَالْخَبَر الْوَاحِد عَن الْمخبر الْوَاحِد من مخبره وَالْأَمر الْوَاحِد بالمأمور بِهِ من الْآمِر الْوَاحِد بِمَنْزِلَة الِاسْم الْوَاحِد لمسماه هَذَا فِي الْمركب نَظِير هَذَا فِي الْمُفْرد وَهَذَا هُوَ وَاحِد بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة وَبِاعْتِبَار اتِّحَاد الْمَقْصُود وَإِن تعدد من يذكر ذَلِك الِاسْم وَالْخَبَر وتعددت حركاتهم وأصواتهم وَسَائِر صفاتهم
وَأما قَول الْقَائِل إِن قُلْتُمْ إِن هَذَا نفس كَلَام الله فقد قُلْتُمْ بالحلول وَأَنْتُم تكفرون الحلولية والاتحادية فَهَذَا قِيَاس فَاسد مِثَاله مِثَال رجل ادّعى أَن النَّبِي ﷺ يحل بِذَاتِهِ فِي بدن الَّذِي يقْرَأ حَدِيثه فَأنْكر النَّاس ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالُوا إِن النَّبِي ﷺ لَا يحل فِي بدن غَيره فَقَالَ أَنْتُم تَقولُونَ إِن الْمُحدث يقْرَأ كَلَامه وَإِن مَا يقرأه هُوَ كَلَام النَّبِي ﷺ فَإِذا قُلْتُمْ ذَلِك فقد قُلْتُمْ بالحلول وَمَعْلُوم أَن هَذَا فِي غَايَة الْفساد
وَالنَّاس متفقون على إِطْلَاق القَوْل بِأَن كَلَام زيد فِي هَذَا الْكتاب وَهَذَا الَّذِي سمعناه كَلَام زيد وَلَا يستجيز الْعَاقِل إِطْلَاق القَوْل بِأَنَّهُ هُوَ نَفسه فِي هَذَا الْمُتَكَلّم أَو فِي هَذَا الْوَرق وَقد نطقت النُّصُوص بِأَن الْقُرْآن فِي الصُّدُور كَقَوْل النَّبِي ﷺ استذكروا الْقُرْآن فَلَهو أَشد نفلتا من صُدُور الرِّجَال من النعم فِي عقلهَا وَقَوله الْجوف الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْء من
стр. 186
الْقُرْآن كالبيت الخرب وأمثال ذَلِك وَلَيْسَ هَذَا عِنْد عَاقل مثل أَن يُقَال الله فِي صدورنا وأجوافنا وَلِهَذَا لما ابتدع شخص يُقَال لَهُ الصُّورِي بِأَن من قَالَ الْقُرْآن فِي صدورنا فقد قَالَ بقول النَّصَارَى فَقيل لِأَحْمَد قد جَاءَت جهمية رَابِعَة أَي جهمية الخلقية واللفظية والواقفية وَهَذِه الرَّابِعَة اشْتَدَّ نكيره لذَلِك وَقَالَ هَذَا أعظم من الْجَهْمِية وَهُوَ كَمَا قَالَ
فَإِن الْجَهْمِية لَيْسَ فيهم من يُنكر أَن يُقَال الْقُرْآن فِي الصُّدُور وَلَا يشبه هَذَا بقول النَّصَارَى بالحلول إِلَّا من هُوَ فِي غَايَة الضَّلَالَة والجهالة فَإِن النَّصَارَى يَقُولُونَ الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس إِلَه وَاحِد وَإِن الْكَلِمَة الَّتِي هِيَ اللاهوت تدرعت الناسوت وَهُوَ عِنْدهم إِلَه يخلق ويرزق وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَيَقُولُونَ الْمَسِيح ابْن الله وَلِهَذَا كَانُوا متناقضين فَإِن الَّذِي تدرع الْمَسِيح إِن كَانَ هُوَ الْإِلَه الْجَامِع للأقانيم فَهُوَ الْأَب نَفسه وَإِن كَانَ هُوَ صفة من صِفَاته فالصفة لَا تخلق وَلَا ترزق وَلَيْسَت إِلَهًا والمسيح عِنْدهم إِلَه وَلَو قَالَ النَّصَارَى إِن كَلَام الله فِي صدر الْمَسِيح كَمَا هُوَ فِي صُدُور سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ لم يكن فِي قَوْلهم مَا يُنكر
فالحلولية المشهورون بِهَذَا الِاسْم من يَقُول بحلول الله فِي الْبشر كَمَا قَالَت النَّصَارَى والغالية من الرافضة وغلاة أَتبَاع الْمَشَايِخ أَو يَقُولُونَ بحلوله فِي كل شَيْء كَمَا قَالَت الْجَهْمِية أَنه بِذَاتِهِ فِي كل مَكَان وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَيْسَ فِي مخلوقاته شَيْء من ذَاته وَلَا فِي ذَاته شَيْء من مخلوقاته وَكَذَلِكَ من قَالَ باتحاده بالمسيح أَو غَيره أَو قَالَ باتحاده بالمخلوقات كلهَا أَو قَالَ وجوده وجود الْمَخْلُوقَات أَو غير ذَلِك
فاما قَول الْقَائِل إِن كَلَام الله فِي قُلُوب أنبيائه وعباده الْمُؤمنِينَ وَإِن الرُّسُل بلغت كَلَام الله وَالَّذِي بلغته هُوَ كَلَام الله وَإِن الْكَلَام فِي الصَّحِيفَة وَنَحْو ذَلِك فَهَذَا لَا يُسمى حلولا وَمن سَمَّاهُ حلولا لم يكن بتسميته لذَلِك مُبْطلًا للحقائق وَقد تقدم أَن ذَلِك لَا يَقْتَضِي مُفَارقَة صفة الْمَخْلُوق لَهُ وانتقالها إِلَى غَيره فَكيف صفة الْخَالِق ﵎ وَلَكِن لما كَانَ فِيهِ شُبْهَة الْحُلُول تنَازع النَّاس فِي إِثْبَات لفظ الْحُلُول ونفيه عَنهُ هَل يُقَال إِن كَلَام الله حَال فِي الْمُصحف أَو حَال فِي الصُّدُور وَهل يُقَال كَلَام النَّاس الْمَكْتُوب حَال فِي الْمُصحف أَو حَال فِي قُلُوب
стр. 187
حافظيه وَنَحْو ذَلِك فَمنهمْ طَائِفَة نفت الْحُلُول كَالْقَاضِي أبي يعلى وَأَمْثَاله وَقَالُوا ظهر كَلَام الله فِي ذَلِك وَلَا نقُول حل لِأَن حُلُول صفة الْخَالِق فِي الْمَخْلُوق أَو حُلُول الْقَدِيم فِي الْمُحدث مُمْتَنع
وَطَائِفَة أطلقت القَوْل بِأَن كَلَام الله حَال فِي الْمُصحف كَأبي إِسْمَاعِيل الْأنْصَارِيّ الْهَرَوِيّ الملقب بشيخ الْإِسْلَام وَغَيره وَقَالُوا لَيْسَ هَذَا هُوَ الْحُلُول الْمَحْذُور الَّذِي نفيناه بل نطلق القَوْل بِأَن الْكَلَام فِي الصَّحِيفَة وَلَا يُقَال بِأَن الله فِي الصَّحِيفَة أَو فِي صدر الْإِنْسَان كَذَلِك نطلق القَوْل بِأَن كَلَامه حَال فِي ذَلِك دون حُلُول ذَاته
وَطَائِفَة ثَالِثَة كَأبي عَليّ بن أبي مُوسَى وَغَيره قَالُوا لَا نطلق الْحُلُول نفيا وَلَا إِثْبَاتًا لِأَن إِثْبَات ذَلِك يُوهم انْتِقَال صفة الرب إِلَى الْمَخْلُوقَات وَنفي ذَلِك يُوهم نفي نزُول الْقُرْآن إِلَى الْخلق فنطلق مَا أطلقته النُّصُوص ونمسك عَمَّا فِي إِطْلَاق مَحْذُور لما فِي ذَلِك من الْإِجْمَال
واما قَول الْقَائِل إِن قُلْتُمْ إِن هَذَا نفس كَلَام الله فقد قُلْتُمْ بالحلول وَإِن قُلْتُمْ غير ذَلِك قُلْتُمْ بمقالتنا فجواب ذَلِك أَن الْمقَالة الْمُنكرَة هُنَا تَتَضَمَّن ثَلَاثَة أُمُور فَإِذا زَالَت لم يبْق مُنْكرا
أَحدهَا من يَقُول إِن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ لم يتَكَلَّم الله بِهِ وَإِنَّمَا أحدثه غير الله كجبريل وَمُحَمّد وَالله خلقه فِي غَيره
الثَّانِي قَول من يَقُول إِن كَلَام الله لَيْسَ إِلَّا معنى وَاحِدًا هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر وَإِن الْكتب الإلهية تخْتَلف باخْتلَاف الْعبارَات لَا باخْتلَاف الْمعَانِي فَيجْعَل معنى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَاحِدًا وَكَذَلِكَ معنى آيَة الدّين وَآيَة الْكُرْسِيّ كمن يَقُول إِن مَعَاني أَسمَاء الله الْحسنى بِمَعْنى وَاحِد فَمَعْنَى الْعَلِيم والقدير والرحيم والحكيم معنى وَاحِد فَهَذَا إلحاد فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وآياته
الثَّالِث قَول من يَقُول إِن مَا بلغته الرُّسُل عَن الله من الْمَعْنى والألفاظ لَيْسَ هُوَ كَلَام الله وَإِن الْقُرْآن كَلَام التالين لَا كَلَام رب الْعَالمين فَهَذِهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة بَاطِلَة بِأَيّ عبارَة عبر عَنْهَا
واما قَول من قَالَ إِن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ كَلَام الله بلغه عَنهُ رَسُول الله ﷺ وَأَنه تَارَة
стр. 188
يسمع من الله وَتارَة من رسله مبلغين عَنهُ وَهُوَ كَلَام الله حَيْثُ تصرف وَكَلَام الله تكلم بِهِ لم يخلقه فِي غَيره وَلَا يكون كَلَام الله مخلوقا وَلَو قَرَأَهُ النَّاس وكتبوه وسمعوه وَقَالَ مَعَ ذَلِك إِن أَفعَال الْعباد وأصواتهم وَسَائِر صفاتهم مخلوقة فَهَذَا لَا يُنكر عَلَيْهِ
وَإِذا نفى الْحُلُول وَأَرَادَ بِهِ أَن صفة الْمَوْصُوف لَا تُفَارِقهُ وتنتقل إِلَى غَيره فقد أصَاب فِي هَذَا الْمَعْنى لَكِن عَلَيْهِ مَعَ ذَلِك أَن يُؤمن أَن الْقُرْآن الْعَرَبِيّ كَلَام الله تَعَالَى وَلَيْسَ هُوَ وَلَا شَيْء مِنْهُ كلَاما لغيره وَلَكِن بلغته عَنهُ رسله وَإِذا كَانَ كَلَام الْمَخْلُوق يبلغ عَنهُ مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ كَلَامه حُرُوفه ومعانيه وَمَعَ الْعلم بِأَن شَيْئا من صِفَاته لم تفارق ذَاته فالعلم بِمثل هَذَا من كَلَام الْخَالِق أولى وَأظْهر وَالله أعلم
стр. 189
فصل
قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ سُورَة التَّوْبَة ٥٩ فَجعل الإيتاء لله وَالرَّسُول لِأَن المُرَاد بِهِ الإيتاء الشَّرْعِيّ وَهُوَ مَا أَبَاحَهُ الله على لِسَان رَسُوله بِخِلَاف مَا آتَاهُ الْملك خلقا وَقدرا وَلم يطع الله وَرَسُوله فِيهِ فَإِن ذَلِك مَذْمُوم مُسْتَحقّ للعقاب وَإِن كَانَ قد آتَاهُ الله ذَلِك خلقا وَقدرا وَأما من رَضِي بِمَا آتَاهُ الله وَرَسُوله فَهُوَ مِمَّن رَضِي بِمَا أحله الله وَرَسُوله وَلم يطْلب مَا حرم عَلَيْهِ كَالَّذِين قَالَ الله فيهم ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله﴾ سُورَة التَّوْبَة ٥٨ ٥٩ وَلم يقل وَرَسُوله لِأَن الله وَحده كَاف عَبده كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ سُورَة الزمر ٣٦ وَقَالَ ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ سُورَة آل عمرَان ١٧٣ ثمَّ دعاهم إِلَى أَن يَقُولُوا ﴿سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله﴾ فَذكر أَن الرَّسُول يُؤْتِيهم وَأَن ذَلِك من فضل الله وَحده لم يقل من فَضله وَفضل رَسُوله ثمَّ ذكر قَوْله ﴿إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ وَلم يقل وَرَسُوله كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿فَإِذا فرغت فانصب وَإِلَى رَبك فارغب﴾ سُورَة الشَّرْح ٧ ٨
وَأما مَا فِي الْقُرْآن من ذكر عِبَادَته وَحده ودعائه وَحده والاستعانة بِهِ وَحده وَالْخَوْف
стр. 190
مِنْهُ وَحده فكثير كَقَوْلِه ﴿وَلَا يَخْشونَ أحدا إِلَّا الله﴾ سُورَة الْأَحْزَاب ٣٩ وَقَوله ﴿فإياي فارهبون﴾ سُورَة النَّحْل ٥١ و ﴿وإياي فاتقون﴾ سُورَة الْبَقَرَة ٤١ وَقَوله ﴿فَلَا تخافوهم وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ سُورَة آل عمرَان ١٧٥ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿فَلَا تدع مَعَ الله إِلَهًا آخر فَتكون من الْمُعَذَّبين﴾ سُورَة الشُّعَرَاء ٢١٣ ﴿واعبدوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾ سُورَة النِّسَاء ٣٦
وَأما الْمحبَّة فَهِيَ لله وَرَسُوله والإرضاء لله وَالرَّسُول كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله﴾ سُورَة التَّوْبَة ٢٤ وَقَوله ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه إِن كَانُوا مُؤمنين﴾ سُورَة التَّوْبَة ٦٢ فالرسول علينا أَن نحبه وعلينا أَن نرضيه بل قد ثَبت عَنهُ فِي الصَّحِيح أَنه قَالَ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَلَده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَكَذَلِكَ الطَّاعَة لله وَالرَّسُول قَالَ تَعَالَى ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ سُورَة النِّسَاء ٨٠
والعبادات بأسرها الصَّلَاة وَالسُّجُود وَالطّواف وَالدُّعَاء وَالصَّدَََقَة والنسك وَالذّبْح لَا يصلح إِلَّا لله وَلم يخص الله بقْعَة نَفْعل الصَّلَاة فِيهَا إِلَّا الْمَسَاجِد لَا مَقْبرَة وَلَا مشهدا وَلَا مغارة وَلَا مقَام نَبِي وَلَا غير ذَلِك وَلَا خص بقْعَة غير الْمَسَاجِد بِالذكر وَالدُّعَاء إِلَّا مشاعر الْحَج لَا قبر نَبِي وَلَا صَالح وَلَا مغارة وَلَا غير ذَلِك وَلَا يقبل على وَجه الأَرْض شييء عبَادَة لله إِلَّا الْحجر الْأسود وَلَا يتمسح إِلَّا بِهِ وبالركن الْيَمَانِيّ وَلَا يسْتَلم الركنان الشاميان وهما من الْبَيْت فَكيف غَيرهمَا وَقد طَاف ابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة فَجعل مُعَاوِيَة يسْتَلم الْأَركان الْأَرْبَعَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ إِن رَسُول الله ﷺ لم يسْتَلم إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليمانيين فَقَالَ مُعَاوِيَة لَيْسَ من الْبَيْت شَيْء مهجور فَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵁ لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة فَقَالَ مُعَاوِيَة صدقت وَرجع إِلَى قَوْله
فالعبادات مبناها على أصلين أَحدهمَا أَن لَا يعبد إِلَّا الله وَحده لَا نعْبد من دونه شَيْئا لَا ملكا وَلَا نَبيا وَلَا صَالحا وَلَا شَيْئا من الْمَخْلُوقَات وَالثَّانِي أَن نعبده بِمَا أمرنَا بِهِ على لِسَان رَسُوله لَا نعبده ببدع لم يشرعها الله وَرَسُوله
والعبادات تَتَضَمَّن كَمَال الْحبّ وَكَمَال الخضوع فَمن أحب شَيْئا من الْمَخْلُوقَات كَمَا يحب الْخَالِق فَهُوَ مُشْرك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله﴾
стр. 191
سُورَة الْبَقَرَة ١٦٥ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَي الذَّنب أعظم قَالَ أَن تجْعَل لله ندا وَهُوَ خلقك قلت ثمَّ أَي قَالَ أَن تقتل ولدك خشيَة أَن يطعم مَعَك قلت ثمَّ أَي قَالَ ثمَّ أَن تُزَانِي بحليلة جَارك فَأنْزل الله تَصْدِيق ذَلِك ﴿وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون﴾ سُورَة الْفرْقَان ٦٨
وَالنَّبِيّ قد أَمر بِالْعبَادَة فِي الْمَسَاجِد وَذكر فضل الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة وَرغب فِي ذَلِك وَلم يَأْمر قطّ بِقصد مَكَان لأجل نَبِي وَلَا صَالح بل نهى عَن اتخاذها مَسَاجِد فَلَا يجوز أَن تقصد للصَّلَاة فِيهَا وَالدُّعَاء وَهَذَا كُله لتحقيق التَّوْحِيد وإخلاص الدّين لله فقد قَالَ بعض النَّاس يَا رَسُول الله رَبنَا قريب فنناجيه أَو بعيد فنناديه فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بِي لَعَلَّهُم يرشدون﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٨٦
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أقرب مَا يكون العَبْد من ربه وَهُوَ ساجد وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ ينزل رَبنَا كل لَيْلَة إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا حِين يبْقى ثلث اللَّيْل الْأَخير فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ من يسألني فَأعْطِيه حَتَّى يطلع الْفجْر
فالرسل صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه أمروا النَّاس بِعبَادة الله وَحده لَا شريك لَهُ وسؤاله ودعائه ونهوا أَن يدعى أحد من دون الله تَعَالَى وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أحب الْبِقَاع إِلَى الله تَعَالَى الْمَسَاجِد وأبغضها إِلَى الله تَعَالَى الْأَسْوَاق يَعْنِي الْبِقَاع الَّتِي كَانَت
стр. 192
تكون فِي مدينته وَنَحْوهَا وَلم يكن بِالْمَدِينَةِ لَا حانة وَلَا كَنِيسَة وَلَا مَوضِع شرك وَهَذِه الْمَوَاضِع شَرّ من الْأَسْوَاق
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ شرار النَّاس الَّذين تُدْرِكهُمْ السَّاعَة وهم أَحيَاء وَالَّذين يتخذون الْقُبُور مَسَاجِد هَذَا إِذا بنى الْمَسْجِد الْمُسَمّى مشهدا على قبر صَحِيح فَكيف وَكثير من هَذِه الْمشَاهد المبنية على قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ من الصَّحَابَة والقرابة وَغَيرهم كذب وَكثير مِنْهَا مُخْتَلف فِيهِ لَا يتوثق فِيهِ بِنَقْل ينْقل فِي ذَلِك مِمَّا يُوجد بِالشَّام وَالْعراق وخراسان وَغير ذَلِك وَالسَّبَب فِي خفائها وَكَثْرَة الْخلاف فِيهَا أَن الله حفظ الدّين الَّذِي بعث بِهِ رَسُوله بقوله ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ سُورَة الْحجر ٩ واتخاذ هَذِه معابد لَيْسَ من الدّين فَلهَذَا لم يحفظ هَذِه المقامات والمشاهد بل مَبْنِيّ أَمرهم على الْجَهْل والضلال وَإِنَّمَا يسْتَند أَهلهَا إِلَى منامات تكون من الشَّيَاطِين أَو إِلَى أَخْبَار وَإِمَّا مكذوبة وَإِمَّا منقولة عَمَّن لَيْسَ قَوْله حجَّة
وَالشَّيَاطِين تضل أَهلهَا كَمَا تضل عباد الْأَصْنَام فَتَارَة تكلمهم وَتارَة تتراءى لَهُم وَتارَة تقضي بعض حوائجهم وَتارَة تصيح وتحرك السلَاسِل الَّتِي فِيهَا الْقَنَادِيل وتطفىء الْقَنَادِيل وَتارَة تفعل أمورا أخر كَمَا تفعل عبَادَة الْأَوْثَان الَّتِي كَانَت للْعَرَب وَهِي الْيَوْم تفعل مثل ذَلِك فِي أوثان التّرْك والصين والسودان وَغَيرهم فيظنون أَن ذَلِك هُوَ الْمَيِّت أَو ملك صور على صورته وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان أضلهم بالشرك كَمَا يجْرِي ذَلِك لعباد الْأَصْنَام المصورة على صُورَة الْآدَمِيّين هَذَا بَاب وَاسع لَيْسَ هَذَا مَوضِع اسْتِقْصَائِهِ
стр. 193
٢٠٥
- فصل
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار﴾ سُورَة التَّوْبَة ١٠٠ هم هَؤُلَاءِ الَّذين أَنْفقُوا من قبل الْفَتْح وقاتلوا وَأهل بيعَة الرضْوَان كلهم مِنْهُم وَكَانُوا أَكثر من ألف وَأَرْبَعمِائَة
وَقد ذهب بَعضهم إِلَى أَن السَّابِقين الْأَوَّلين هم من صلى إِلَى الْقبْلَتَيْنِ وَهَذَا ضَعِيف فَإِن الصَّلَاة إِلَى الْقبْلَة المنسوخة لَيْسَ بِمُجَرَّدِهِ فَضِيلَة وَلِأَن النّسخ لَيْسَ من فعلهم الَّذِي يفضلون بِهِ وَلِأَن التَّفْضِيل بِالصَّلَاةِ إِلَى الْقبْلَتَيْنِ لم يدل عَلَيْهِ دَلِيل شَرْعِي كَمَا دلّ على التَّفْضِيل بِالسَّبقِ إِلَى الْإِنْفَاق وَالْجهَاد والمبايعة تَحت الشَّجَرَة وَلَكِن فِيهِ سبق الَّذين ادركوا ذَلِك على من لم يُدْرِكهُ كَمَا أَن الَّذين أَسْلمُوا قبل أَن تفرض الصَّلَوَات الْخمس هم سَابِقُونَ على من تَأَخّر إِسْلَامه عَنْهُم وَالَّذين أَسْلمُوا قبل أَن تجْعَل صَلَاة الْحَضَر أَربع رَكْعَات هم سَابِقُونَ على من تَأَخّر إِسْلَامه عَنْهُم وَالَّذين أَسْلمُوا قبل أَن يُؤذن فِي الْجِهَاد أَو قبل أَن يفْرض صِيَام شهر رَمَضَان هم سَابِقُونَ على من أسلم بعدهمْ وَالَّذين أَسْلمُوا قبل أَن يفْرض الْحَج هم سَابِقُونَ على من تَأَخّر عَنْهُم وَالَّذين أَسْلمُوا قبل تَحْرِيم الْخمر هم سَابِقُونَ على من أسلم بعدهمْ وَالَّذين أَسْلمُوا قبل تَحْرِيم الرِّبَا كَذَلِك فشرائع الْإِسْلَام من الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم كَانَت تنزل شَيْئا فَشَيْئًا وكل من أسلم قبل أَن تشرع شَرِيعَة فَهُوَ سَابق على من تَأَخّر عَنهُ وَله بذلك فَضِيلَة ففضيلة من اسْلَمْ قبل نسخ الْقبْلَة على من أسلم بعده هِيَ من هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ مثل هَذَا مِمَّا يتَمَيَّز بِهِ السَّابِقُونَ الْأَولونَ عَن التَّابِعين إِذْ لَيْسَ بعض هَذِه الشَّرَائِع بِأولى بجعله خيرا من بعض وَلِأَن الْقُرْآن وَالسّنة قد دلا على تَقْدِيم أهل الْحُدَيْبِيَة فَوَجَبَ أَن تفسر هَذِه الْآيَة بِمَا يُوَافق سَائِر النُّصُوص
وَقد علم بالاضطرار أَنه كَانَ فِي هَؤُلَاءِ السَّابِقين الْأَوَّلين أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَطَلْحَة
стр. 194
وَالزُّبَيْر وَبَايع النَّبِي ﷺ بِيَدِهِ عَن عُثْمَان لِأَنَّهُ كَانَ غَائِبا قد أرْسلهُ إِلَى أهل مَكَّة ليبلغهم رسَالَته وبسببه بَايع النَّبِي ﷺ النَّاس لما بلغه أَنهم قَتَلُوهُ
وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن عبد الله ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يدْخل النَّار أحد بَايع تَحت الشَّجَرَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّه بهم رؤوف رَحِيم﴾ سُورَة التَّوْبَة ١١٧ فَجمع بَينهم وَبَين الرَّسُول فِي التَّوْبَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا﴾ سُورَة الْأَنْفَال ٧٢ إِلَى قَوْله ﴿وَالَّذين آمنُوا من بعد وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا مَعكُمْ فَأُولَئِك مِنْكُم﴾ سُورَة الْأَنْفَال ٧٥ فَأثْبت الْمُوَالَاة بَينهم
وَقَالَ للْمُؤْمِنين ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ سُورَة الْمَائِدَة ٥١ إِلَى قَوْله ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ الْمَائِدَة ٥٥ ٥٦ وَقَالَ تَعَالَى ﴿والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ سُورَة التَّوْبَة ٧١ فَأثْبت الْمُوَالَاة بَينهم وَأمر بِمُوَالَاتِهِمْ والرافضة تتبرأ مِنْهُم وَلَا تتولاهم وأصل الْمُوَالَاة الْمحبَّة وأصل المعاداة البغض وهم يبغضونهم وَلَا يحبونهم
وَقد وضع بعض الْكَذَّابين حَدِيثا مفترى أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي عَليّ لما تصدق بِخَاتمِهِ فِي الصَّلَاة وَهَذَا كذب بِإِجْمَاع أهل الْعلم بِالنَّقْلِ وَكذبه بَين من وُجُوه كَثِيرَة
стр. 195
مِنْهَا أَن قَوْله الَّذين صِيغَة جمع وَعلي وَاحِد
مِنْهَا أَن الْوَاو لَيست وَاو الْحَال إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ لَا يسوغ أَن يتَوَلَّى إِلَّا من أعْطى الزَّكَاة فِي حَال الرُّكُوع فَلَا يتَوَلَّى سَائِر الصَّحَابَة والقرابة
وَمِنْهَا أَن الْمَدْح إِنَّمَا يكون بِعَمَل وَاجِب أَو مُسْتَحبّ وإيتاء الزَّكَاة فِي نفس الصَّلَاة لَيْسَ وَاجِبا وَلَا مُسْتَحبا بِاتِّفَاق عُلَمَاء الْملَّة فَإِن فِي الصَّلَاة شغلا
وَمِنْهَا أَنه لَو كَانَ إيتاؤها فِي الصَّلَاة حسنا لم يكن فرق بَين حَال الرُّكُوع وَغير حَال الرُّكُوع بل إيتاؤها فِي الْقيام وَالْقعُود أمكن
وَمِنْهَا أَن عليا لم يكن عَلَيْهِ زَكَاة على عهد النَّبِي ﷺ
وَمِنْهَا أَنه لم يكن لَهُ أَيْضا خَاتم وَلَا كَانُوا يلبسُونَ الْخَوَاتِم حَتَّى كتب النَّبِي ﷺ كتابا إِلَى كسْرَى فَقيل لَهُ إِنَّهُم لَا يقبلُونَ كتابا إِلَّا مَخْتُومًا فَاتخذ خَاتمًا من ورق وَنقش فِيهَا مُحَمَّد رَسُول الله
وَمِنْهَا أَن إيتَاء غير الْخَاتم فِي الزَّكَاة خير من إيتَاء الْخَاتم فَإِن أَكثر الْفُقَهَاء يَقُولُونَ لَا يجزىء إِخْرَاج الْخَاتم فِي الزَّكَاة
وَمِنْهَا أَن هَذَا الحَدِيث فِيهِ أَنه أعطَاهُ السَّائِل والمدح فِي الزَّكَاة أَن يُخرجهَا ابْتِدَاء ويخرجها على الْفَوْر لَا ينْتَظر أَن يساله سَائل
وَمِنْهَا أَن الْكَلَام فِي سِيَاق النَّهْي عَن مُوالَاة الْكفَّار وَالْأَمر بموالاة الْمُؤمنِينَ كَمَا يدل عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام
وَسَيَجِيءُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى تَمام الْكَلَام على هَذِه الْآيَة فَإِن الرافضة لَا يكادون يحتجون بِحجَّة إِلَّا كَانَت حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم كاحتجاجهم بِهَذِهِ الْآيَة على الْولَايَة الَّتِي هِيَ الْإِمَارَة وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْولَايَة الَّتِي هِيَ ضد الْعَدَاوَة والرافضة مخالفون لَهَا
والإسماعيلية والنصيرية وَنَحْوهم يوالون الْكفَّار من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين وَالْمُنَافِقِينَ ويعادون الْمُؤمنِينَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين وَهَذَا أَمر مَشْهُور فيهم يعادون خِيَار عباد الله الْمُؤمنِينَ ويوالون الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين من التّرْك وَغَيرهم
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ﴾ سُورَة الْأَنْفَال ٦٤ أَي الله كافيك وكافي من اتبعك من الْمُؤمنِينَ وَالصَّحَابَة أفضل من اتبعهُ من
стр. 196
الْمُؤمنِينَ وأولهم
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا﴾ وَالَّذين رَآهُمْ النَّبِي ﷺ يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا هم الَّذين كَانُوا على عصره
وَقَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَألف بَين قُلُوبهم﴾ سُورَة الْأَنْفَال ٦٢ ٦٣ وَإِنَّمَا أيده فِي حَيَاته بالصحابة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاؤون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾ سُورَة الزمر ٣٣ ٣٥ وَهَذَا الصِّنْف الَّذِي يَقُول الصدْق وَيصدق بِهِ خلاف الصِّنْف الَّذِي يفتري الْكَذِب أَو يكذب بِالْحَقِّ لما جَاءَهُ كَمَا سنبسط القَوْل فيهمَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَالصَّحَابَة الَّذين كَانُوا يشْهدُونَ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن الْقُرْآن حق هم أفضل من جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ بعد الْأَنْبِيَاء
وَلَيْسَ فِي الطوائف المنتسبة إِلَى الْقبْلَة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبا بِالْحَقِّ من المنتسب إِلَى التَّشَيُّع وَلِهَذَا لَا يُوجد الغلو فِي طَائِفَة أَكثر مِمَّا يُوجد فيهم وَمِنْهُم من ادّعى إلهية الْبشر وَادّعى النُّبُوَّة فِي غير النَّبِي ﷺ وَادّعى الْعِصْمَة فِي الْأَئِمَّة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ أعظم مِمَّا يُوجد فِي سَائِر الطوائف وَاتفقَ أهل الْعلم على أَن الْكَذِب لَيْسَ فِي طَائِفَة من الطوائف المنتسبين إِلَى الْقبْلَة أَكثر مِنْهُ فيهم
стр. 197
٢١٨
- فصل
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام ﵀
قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا وَقدره منَازِل لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾
وَقَوله ﴿وَجعل اللَّيْل سكنا وَالشَّمْس وَالْقَمَر حسبانا﴾ وَقَوله ﴿الشَّمْس وَالْقَمَر بحسبان﴾ قَوْله ﴿وَالْقَمَر قدرناه منَازِل حَتَّى عَاد كالعرجون الْقَدِيم﴾ وَقَوله ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة قل هِيَ مَوَاقِيت للنَّاس وَالْحج﴾ دَلِيل على تَوْقِيت مَا فِيهَا من التَّوْقِيت للسنين والحساب فَقَوله ﴿لِتَعْلَمُوا عدد السنين والحساب﴾ إِن علق بقوله ﴿وَقدره منَازِل﴾ كَانَ الحكم مُخْتَصًّا بالقمر وَإِن أُعِيد إِلَى أول الْكَلَام تعلق بهما وَيشْهد للْأولِ قَوْله من الْأَهِلّة فَإِنَّهُ مُوَافق لذَلِك وَلِأَن كَون الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نورا لَا يُوجب علم عدد السنين والحساب بِخِلَاف تَقْدِير الْقَمَر منَازِل فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِي علم عدد السنين والحساب وَلم يذكر انْتِقَال الشَّمْس فِي البروج
وَيُؤَيّد ذَلِك قَوْله ﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله﴾ الْآيَة فَإِنَّهُ نَص على أَن السّنة هلالية وَقَوله ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات﴾ يُؤَيّد ذَلِك لَكِن يدل على الآخر قَوْله ﴿وَجَعَلنَا اللَّيْل وَالنَّهَار آيَتَيْنِ فمحونا آيَة اللَّيْل وَجَعَلنَا آيَة النَّهَار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكُم ولتعلموا عدد السنين والحساب﴾
وَهَذَا وَالله أعلم لِمَعْنى تظهر بِهِ حِكْمَة مَا فِي الْكتاب وَمَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة من اعْتِبَار الشَّهْر وَالْعَام الْهِلَالِي دون الشمسي إِن كل وَاحِد من الشَّهْر وَالْعَام يَنْقَسِم فِي اصْطِلَاح الْأُمَم إِلَى عددي وطبيعي فَأَما الشَّهْر الْهِلَالِي فَهُوَ طبيعي وسنته عددية
واما الشَّهْر الشمسي فعددي وسنته طبيعية فَأَما جعل شهرنا هلاليا فحكمته ظَاهِرَة لِأَنَّهُ طبيعي وَإِنَّمَا علق بالهلال دون الِاجْتِمَاع لِأَنَّهُ أَمر مضبوط بالحس لَا يدْخلهُ
стр. 198
خلل وَلَا يفْتَقر إِلَى حِسَاب بِخِلَاف الِاجْتِمَاع فَإِنَّهُ أَمر خَفِي يفْتَقر إِلَى حِسَاب وَبِخِلَاف الشَّهْر الشمسي لَو ضبط
وَأما السّنة الشمسية فَإِنَّهَا وَإِن كَانَت طبيعية فَهِيَ من جنس الِاجْتِمَاع لَيْسَ أمرا ظَاهرا للحس بل يفْتَقر إِلَى حِسَاب سير الشَّمْس فِي الْمنَازل وَإِنَّمَا الَّذِي يُدْرِكهُ الْحس تقريب ذَلِك فَإِن انْقِضَاء الشتَاء وَدخُول الْ فَصْل الَّذِي تسميه الْعَرَب الصَّيف ويسميه غَيرهَا الرّبيع أَمر ظَاهر بِخِلَاف محاذاة الشَّمْس لجزء من أَجزَاء الْفلك يُسمى برج كَذَا أَو محاذاتها لإحدى نقطتي الرَّأْس أَو الذَّنب فَإِنَّهُ يفْتَقر إِلَى حِسَاب
وَلما كَانَت البروج اثْنَي عشر فَمَتَى تكَرر الْهِلَالِي اثْنَي عشر فقد انْتقل فِيهَا كلهَا فَصَارَ ذَلِك سنة كَامِلَة تعلّقت بِهِ أَحْكَام ديننَا من المؤقتات شرعا أَو شرطا إِمَّا بِأَصْل الشَّرْع كالصيام وَالْحج وَإِمَّا بِسَبَب من العَبْد كالعدة وَمُدَّة الْإِيلَاء وَصَوْم الْكَفَّارَة وَالنّذر وَإِمَّا بِالشّرطِ كالأجل فِي الدّين وَالْخيَار والأيمان وَغير ذَلِك
فصل
﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾
و ﴿أَوْلِيَاء الله﴾ هم ﴿الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ كَمَا ذكر الله تَعَالَى فِي كِتَابه وهم قِسْمَانِ المقتصدون أَصْحَاب الْيَمين والمقربون السَّابِقُونَ
فولي الله ضد عَدو الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ وَقَالَ ﴿وَيَوْم يحْشر أَعدَاء الله إِلَى النَّار فهم يُوزعُونَ﴾ وَقَالَ ﴿أفتتخذونه وَذريته أَوْلِيَاء من دوني وهم لكم عَدو﴾ وَقد روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الله تَعَالَى من عادى لي
стр. 199
وليا فقد بارزني بالمحاربة وَمَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِمثل أَدَاء مَا افترضت عَلَيْهِ وَلَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَبِي يمشي وَلَئِن سَأَلَني لأعطينه وَلَئِن استعاذني لأعيذنه وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددي عَن قبض نفس عَبدِي الْمُؤمن يكره الْمَوْت وأكره مساءته وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ
وَالْوَلِيّ مُشْتَقّ من الْوَلَاء وَهُوَ الْقرب كَمَا أَن الْعَدو من الْعَدو وَهُوَ الْبعد فولي الله من وَالَاهُ بالموافقة لَهُ فِي محبوباته ومرضياته وتقرب إِلَيْهِ بِمَا أَمر بِهِ من طاعاته وَقد ذكر النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح الصِّنْفَيْنِ الْمُقْتَصِدِينَ من أَصْحَاب الْيَمين وهم المتقربون إِلَى الله بالواجبات والسابقين المقربين وهم المتقربون إِلَيْهِ بالنوافل بعد الْوَاجِبَات
وَذكر الله الصِّنْفَيْنِ فِي سُورَة فاطر والواقعة وَالْإِنْسَان والمطففين وَأخْبر أَن الشَّرَاب الَّذِي يرْوى بِهِ المقربون بشربهم إِيَّاه صرفا يمزج لأَصْحَاب الْيَمين
وَالْوَلِيّ الْمُطلق هُوَ من مَاتَ على ذَلِك فَأَما إِن قَامَ بِهِ الْإِيمَان وَالتَّقوى وَكَانَ فِي علم الله أَنه يرْتَد عَن ذَلِك فَهَل يكون فِي حَال إيمَانه وتقواه وليا لله أَو يُقَال لم يكن وليا لله قطّ لعلم الله بعاقبته هَذَا فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء وَكَذَلِكَ عِنْدهم الْإِيمَان الَّذِي يعقبه الْكفْر هَل هُوَ إِيمَان صَحِيح ثمَّ يبطل بِمَنْزِلَة مَا يحبط من الْأَعْمَال بعد كَمَاله أَو هُوَ إِيمَان بَاطِل بِمَنْزِلَة من أفطر قبل غرُوب الشَّمْس فِي صِيَامه وَمن أحدث قبل السَّلَام فِي صلَاته فِيهِ أَيْضا قَولَانِ للفقهاء والمتكلمين والصوفية
والنزاع فِي ذَلِك بَين أهل السّنة والْحَدِيث من أَصْحَاب الإِمَام أَحْمد وَغَيرهم وَكَذَلِكَ يُوجد النزاع فِيهِ بَين أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم لَكِن أَكثر أَصْحَاب أبي حنيفَة لَا يشترطون سَلامَة الْعَاقِبَة وَكثير من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد يشْتَرط سَلامَة الْعَاقِبَة وَهُوَ قَول كثير من متكلمي أهل الحَدِيث كالأشعري وَمن متكلمي الشِّيعَة ويبنون على هَذَا النزاع أَن ولي الله هَل يصير عدوا لله وَبِالْعَكْسِ وَمن أحبه الله وَرَضي عَنهُ هَل أبغضه وَسخط عَلَيْهِ فِي وَقت مَا وَبِالْعَكْسِ وَمن أبغضه الله وَسخط عَلَيْهِ هَل أحبه الله وَرَضي عَنهُ فِي وَقت مَا على الْقَوْلَيْنِ
وَالتَّحْقِيق هُوَ الْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ فَإِن علم الله الْقَدِيم الأزلي وَمَا يتبعهُ من محبته وَرضَاهُ وبغضه وَسخطه وولايته وعداوته لَا يتَغَيَّر فَمن علم الله مِنْهُ أَنه يوافي حِين مَوته بِالْإِيمَان وَالتَّقوى فقد تعلق بِهِ محبَّة الله وولايته وَرضَاهُ عَنهُ أزلا وأبدا وَكَذَلِكَ من علم الله مِنْهُ
стр. 200
أَنه يوافي حِين مَوته بالْكفْر فقد تعلق بِهِ بغض الله وعداوته وَسخطه أزلا وأبدا لَكِن مَعَ ذَلِك فَإِن الله تَعَالَى يبغض مَا قَامَ بِالْأولِ من كفر وفسوق قبل مَوته وَقد يُقَال أَنه يبغضه ويمقته على ذَلِك كَمَا ينهاه عَن ذَلِك وَهُوَ يَأْمر بِمَا فعله الثَّانِي من الْإِيمَان وَالتَّقوى وَيُحب مَا يَأْمر بِهِ ويرضاه وَقد يُقَال أَنه يواليه حِينَئِذٍ على ذَلِك
وَالدَّلِيل على ذَلِك اتِّفَاق الْأَئِمَّة على أَن من كَانَ مُؤمنا ثمَّ ارْتَدَّ فَإِنَّهُ لَا يحكم بِأَن إيمَانه الأول كَانَ فَاسِدا بِمَنْزِلَة من أفسد الصَّلَاة وَالصِّيَام وَالْحج قبل الْإِكْمَال وَإِنَّمَا يُقَال كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله﴾ وَقَالَ ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ وَقَالَ ﴿وَلَو أشركوا لحبط عَنْهُم مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ وَلَو كَانَ فَاسِدا فِي نَفسه لوَجَبَ الحكم بِفساد أنكحته الْمُتَقَدّمَة وَتَحْرِيم ذبائحه وَبطلَان إِرْثه الْمُتَقَدّم وَبطلَان عباداته جَمِيعهَا حَتَّى لَو كَانَ قد حج عَن غَيره كَانَ حجه بَاطِلا وَلَو صلى مُدَّة بِقوم ثمَّ ارْتَدَّ كَانَ عَلَيْهِم أَن يُعِيدُوا صلَاتهم خَلفه وَلَو شهد أَو حكم ثمَّ ارْتَدَّ لوَجَبَ أَن تفْسد صلَاته وَحكمه وَنَحْو ذَلِك وَكَذَلِكَ أَيْضا الْكَافِر إِذا تَابَ من كفره لَو كَانَ محبوبا لله وليا لَهُ فِي حَال كفره لوَجَبَ أَن يقْضِي بِعَدَمِ أَحْكَام ذَلِك الْكفْر وَهَذَا كُله خلاف مَا ثَبت بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
وَالْكَلَام فِي هَذِه الْمَسْأَلَة نَظِير الْكَلَام فِي الأرزاق والآجال وَهِي أَيْضا مَبْنِيَّة على قَاعِدَة الصِّفَات الفعلية وَهِي قَاعِدَة كَبِيرَة
وعَلى هَذَا يخرج جَوَاب السَّائِل فَمن قَالَ إِن ولي الله لَا يكون إِلَّا من وافاه حِين الْمَوْت بِالْإِيمَان وَالتَّقوى فالعلم بذلك أصعب عَلَيْهِ وعَلى غَيره وَمن قَالَ قد يكون وليا لله من كَانَ مُؤمنا تقيا وَإِن لم تعلم عاقبته فالعلم بِهِ أسهل
وَمَعَ هَذَا يُمكن الْعلم بذلك للْوَلِيّ نَفسه وَلغيره وَلكنه قَلِيل وَلَا يجوز لَهُم الْقطع على ذَلِك فَمن ثبتَتْ ولَايَته بِالنَّصِّ وَأَنه من أهل الْجنَّة كالعشرة وَغَيرهم فعامة أهل السّنة يشْهدُونَ لَهُ بِمَا شهد لَهُ بِهِ النَّص وَأما من شاع لَهُ لِسَان صدق فِي الْأمة بِحَيْثُ اتّفقت الْأمة على الثَّنَاء عَلَيْهِ فَهَل يشْهد لَهُ بذلك هَذَا فِيهِ نزاع بَين أهل السّنة وَالْأَشْبَه أَن يشْهد لَهُ بذلك هَذَا فِي الْأَمر الْعَام
وَأما خَواص النَّاس فقد يعلمُونَ عواقب أَقوام بِمَا كشف الله لَهُم لَكِن هَذَا لَيْسَ مِمَّن
стр. 201
يجب التَّصْدِيق الْعَام بِهِ فَإِن كثيرا مِمَّن يظنّ بِهِ أَنه حصل لَهُ هَذَا الْكَشْف يكون ظَانّا فِي ذَلِك ظنا لَا يُغني من الْحق شَيْئا وَأهل المكاشفات والمخاطبات يصيبون تَارَة ويخطئون أُخْرَى كَأَهل النّظر وَالِاسْتِدْلَال فِي موارد الِاجْتِهَاد وَلِهَذَا وَجب عَلَيْهِم جَمِيعهم أَن يعتصموا بِكِتَاب الله وَسنة رَسُول ﷺ وَأَن يزنوا مواجيدهم ومشاهدتهم وآراءهم ومعقولاتهم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله وَلَا يكتفوا بِمُجَرَّد ذَلِك فَإِن سَنَد الْمُحدثين والمخاطبين الملهمين من هَذِه الْأمة هُوَ عمر ابْن الْخطاب وَقد كَانَت تقع لَهُ وقائع فيردها عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ أَو صديقه التَّابِع لَهُ الْآخِذ عَنهُ الَّذِي هُوَ أكمل من الْمُحدث الَّذِي يحدثه قلبه عَن ربه
وَلِهَذَا وَجب على جَمِيع الْخلق اتِّبَاع الرَّسُول وطاعته فِي جَمِيع أُمُوره الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة وَلَو كَانَ أحد يَأْتِيهِ من الله مَالا يحْتَاج إِلَى عرضه على الْكتاب وَالسّنة لَكَانَ مستغنيا عَن الرَّسُول ﷺ فِي بعض دينه وَهَذَا من أَقْوَال المارقين الَّذين يظنون أَن من النَّاس من يكون مَعَ الرَّسُول كالخضر مَعَ مُوسَى وَمن قَالَ هَذَا فَهُوَ كَافِر
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته فَينْسَخ الله مَا يلقِي الشَّيْطَان ثمَّ يحكم الله آيَاته وَالله عليم حَكِيم﴾ فقد ضمن الله للرسول وَلِلنَّبِيِّ أَن ينْسَخ مَا يلقِي الشَّيْطَان فِي أمْنِيته وَلم يضمن ذَلِك للمحدث وَلِهَذَا كَانَ فِي الْحَرْف الآخر الَّذِي كَانَ يقْرَأ بِهِ ابْن عَبَّاس وَغَيره وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي وَلَا مُحدث إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته
وَيحْتَمل وَالله أعلم أَن لَا يكون هَذَا الْحَرْف متلوا حَيْثُ لم يضمن نسخ مَا ألْقى الشَّيْطَان فِي أُمْنِية الْمُحدث فَإِن نسخ مَا ألْقى الشَّيْطَان لَيْسَ إِلَّا للأنبياء وَالْمُرْسلِينَ إِذْ هم معصومون فِيمَا يبلغونه عَن الله تَعَالَى أَن يسْتَقرّ فِيهِ شَيْء من إِلْقَاء الشَّيْطَان وَغَيرهم لَا تجب عصمته من ذَلِك وَإِن كَانَ من أَوْلِيَاء الله الْمُتَّقِينَ فَلَيْسَ من شَرط أَوْلِيَاء الله الْمُتَّقِينَ أَن لَا يَكُونُوا مخطئين فِي بعض الْأَشْيَاء خطأ مغفورا لَهُم بل وَلَا من شرطهم ترك الصَّغَائِر مُطلقًا بل وَلَا من شرطهم ترك الْكَبَائِر أَو الْكفْر الَّذِي تعقبه التَّوْبَة
وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاؤون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ﴾ فقد وَصفهم الله بِأَنَّهُم هم المتقون والمتقون هم أَوْلِيَاء
стр. 202
الله وَمَعَ هَذَا فَأخْبر أَنه يكفر عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا وَهَذَا أَمر مُتَّفق عَلَيْهِ بَين أهل الْعلم وَالْإِيمَان
وَإِنَّمَا يُخَالف فِي ذَلِك الغالية من الرافضة وَأَشْبَاه الرافضة من الغالية فِي بعض المشائخ وَمن يَعْتَقِدُونَ أَنه من الْأَوْلِيَاء فالرافضة تزْعم أَن الأثني عشر معصومون من الْخَطَأ والذنب ويرون هَذَا من أصُول دينهم والغالية فِي المشائخ قد يَقُولُونَ إِن الْوَلِيّ مَحْفُوظ وَالنَّبِيّ مَعْصُوم وَكثير مِنْهُم إِن لم يقل ذَلِك بِلِسَانِهِ وَقد بلغ الغلو بالطائفتين إِلَى أَن يجْعَلُوا بعض من غلوا فِيهِ بِمَنْزِلَة النَّبِي وَأفضل مِنْهُ وَإِن زَاد الْأَمر جعلُوا لَهُ نوعا من الإلهية وكل هَذَا من الضلالات الْجَاهِلِيَّة المضاهية للضلالات النَّصْرَانِيَّة فَإِن فِي النَّصَارَى من الغلو فِي الْمَسِيح والأحبار والرهبان مَا ذمهم الله عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن وَجعل ذَلِك عِبْرَة لنا لِئَلَّا نسلك سبيلهم وَلِهَذَا قَالَ سيد ولد آدم لَا تطروني كَمَا أطرت النَّصَارَى عِيسَى ابْن مَرْيَم فَإِنَّمَا أَنا عبد فَقولُوا عبد الله وَرَسُوله
هَذَا تَفْسِير آيَات أشكلت حَتَّى لَا يُوجد فِي طَائِفَة من كتب التَّفْسِير إِلَّا مَا هُوَ خطأ فِيهَا
مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يتبع الَّذين يدعونَ من دون الله شُرَكَاء﴾ ظن طَائِفَة أَن مَا نَافِيَة وَهُوَ خطأ بل هِيَ اسْتِفْهَام فَإِنَّهُم يدعونَ مَعَه شُرَكَاء كَمَا أخبر عَنْهُم فِي غير مَوضِع فالشركاء يوصفون فِي الْقُرْآن بِأَنَّهُم يدعونَ لأَنهم يتبعُون وَإِنَّمَا يتبع الْأَئِمَّة وَلِهَذَا قَالَ ﴿إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن﴾ وَلَو أَرَادَ النَّفْي لقَالَ إِن يتبعُون إِلَّا من لَيْسُوا شُرَكَاء بل بَين أَن الشّرك لَا علم مَعَه إِن هُوَ إِلَّا الظَّن والخرص كَقَوْلِه ﴿قتل الخراصون﴾
стр. 203
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
سُورَة هود
فصل عرض لما تضمنته السُّورَة
قد افْتتح السُّورَة فَقَالَ ﴿كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير أَلا تعبدوا إِلَّا الله إِنَّنِي لكم مِنْهُ نَذِير وَبشير﴾ فَذكر أَنه نَذِير وَبشير نَذِير ينذر بِالْعَذَابِ لأهل النَّار وَبشير يبشر بالسعادة لأهل الْحق
ثمَّ ذكر حَال الْفَرِيقَيْنِ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء فَقَالَ ﴿وَلَئِن أذقنا الْإِنْسَان منا رَحْمَة ثمَّ نزعناها مِنْهُ إِنَّه ليؤوس كفور وَلَئِن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليَقُولن ذهب السَّيِّئَات عني إِنَّه لفرح فخور إِلَّا الَّذين صَبَرُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ لَهُم مغْفرَة وَأجر كَبِير﴾
ثمَّ ذكر بعد هَذَا قصَص الْأَنْبِيَاء وَحَال من اتبعهم وَمن كذبهمْ كَيفَ سعد هَؤُلَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وشقي هَؤُلَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَذكر مَا جرى لَهُم إِلَى قَوْله ﴿ذَلِك من أنباء الْقرى نَقصه عَلَيْك﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَذَلِكَ يَوْم مشهود﴾
ثمَّ ذكر حَال الَّذين سعدوا وَالَّذين شَقوا ثمَّ قَالَ ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة لمن خَافَ عَذَاب الْآخِرَة﴾ فَإِنَّهُ قد يُقَال غَايَة مَا أصَاب هَؤُلَاءِ أَنهم مَاتُوا وَالنَّاس كلهم يموتون
стр. 204
وَأما كَونهم أهلكوا كلهم وَصَارَت بُيُوتهم خاوية وصاروا عِبْرَة يذكرُونَ بِالشَّرِّ ويلعنون إِنَّمَا يخَاف ذَلِك من آمن بِالآخِرَة فَإِن لعنة الْمُؤمنِينَ لَهُم بِالآخِرَة وبغضهم لَهُم كَمَا جرى لآل فِرْعَوْن هُوَ مِمَّا يزيدهم عذَابا كَمَا أَن لِسَان الصدْق وثناء النَّاس ودعاءهم للأنبياء واتباعهم لَهُم هُوَ مِمَّا يزيدهم ثَوابًا
فَمن اسْتدلَّ بِمَا أصَاب هَؤُلَاءِ على صدق الْأَنْبِيَاء فَآمن بِالآخِرَة خَافَ عَذَاب الْآخِرَة وَكَانَ ذَلِك لَهُ آيَة وَأما من لم يُؤمن بِالآخِرَة ويظن أَن من مَاتَ لم يبْعَث فقد لَا يُبَالِي بِمثل هَذَا وَإِن كَانَ يخَاف هَذَا من لَا يخَاف الْآخِرَة لَكِن كل من خَافَ الْآخِرَة كَانَ هَذَا حَاله وَذَلِكَ لَهُ آيَة
وَقد ختم السُّورَة بقوله ﴿وَقل للَّذين لَا يُؤمنُونَ اعْمَلُوا على مكانتكم إِنَّا عاملون﴾ إِلَى آخرهَا كَمَا افتتحها بقوله ﴿أَن لَا تعبدوا إِلَّا الله﴾ فَذكر التَّوْحِيد وَالْإِيمَان بالرسل فَهَذَا دين الله فِي الْأَوَّلين والآخرين قَالَ أَبُو الْعَالِيَة كلمتان يسْأَل عَنْهُمَا الْأَولونَ وَالْآخرُونَ مَاذَا كُنْتُم تَعْبدُونَ وماذا أجبتم الْمُرْسلين
وَلِهَذَا قَالَ ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين﴾ و ﴿أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ هُوَ الشّرك فِي الْعِبَادَة وَهَذَانِ هما الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَكَانَ النَّبِي ﷺ يقْرَأ تَارَة فِي رَكْعَتي الْفجْر سورتي الْإِخْلَاص وَتارَة بآيتي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فَيقْرَأ قَوْله ﴿آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ الْآيَة فأولها الْإِيمَان وَآخِرهَا الْإِسْلَام وَيقْرَأ فِي الثَّانِيَة ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَلا نعْبد إِلَّا الله﴾ فأولها إخلاص الْعِبَادَة لله وَآخِرهَا الْإِسْلَام لَهُ
وَقَالَ ﴿وَلَا تجادلوا أهل الْكتاب إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن إِلَّا الَّذين ظلمُوا مِنْهُم وَقُولُوا آمنا بِالَّذِي أنزل إِلَيْنَا وَأنزل إِلَيْكُم وإلهنا وإلهكم وَاحِد وَنحن لَهُ مُسلمُونَ﴾ فَفِيهَا الْإِيمَان وَالْإِسْلَام فِي آخرهَا وَقَالَ ﴿الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وأزواجكم تحبرون﴾
стр. 205
فصل
وَقَوله تعى لى ﴿كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت﴾ فقد فَصله بعد إحكامه بِخِلَاف من تكلم لم يحكمه وَقد يكون فِي الْكَلَام الْمُحكم مَا لم يُبينهُ لغيره فَهُوَ سُبْحَانَهُ أحكم كِتَابه ثمَّ فَصله وَبَينه لِعِبَادِهِ كَمَا قَالَ ﴿وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين﴾ وَقَالَ ﴿وَلَقَد جئناهم بِكِتَاب فصلناه على علم هدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ﴾ فَهُوَ سُبْحَانَهُ بَينه وأنزله على عباده بِعلم لَيْسَ كمن يتَكَلَّم بِلَا علم
وَقد ذكر براهين التَّوْحِيد والنبوة قبل ذكر الْفرق بَين أهل الْحق وَالْبَاطِل فَقَالَ ﴿أم يَقُولُونَ افتراه قل فَأتوا بِعشر سور مثله مفتريات﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَهَل أَنْتُم مُسلمُونَ﴾ فَلَمَّا تحداهم بالإتيان بِعشر سور مثله مفتريات هم وَجَمِيع من يَسْتَطِيعُونَ من دونه كَانَ فِي مَضْمُون تحديه أَن هَذَا لَا يقدر أحد على الْإِتْيَان بِمثلِهِ من دون الله كَمَا قَالَ ﴿قل لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾
وَحِينَئِذٍ فَعلم أَن ذَلِك من خَصَائِص من أرْسلهُ الله وَمَا كَانَ مُخْتَصًّا بِنَوْع فَهُوَ دَلِيل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مُسْتَلْزم لَهُ وكل ملزوم دَلِيل على لَازمه كآيات الْأَنْبِيَاء كلهَا فَإِنَّهَا مُخْتَصَّة بجنسهم
وَهَذَا الْقُرْآن مُخْتَصّ بجنسهم وَمن بَين الْجِنْس خاتمهم لَا يُمكن أَن يَأْتِي بِهِ غَيره وَكَانَ ذَلِك برهانا بَينا على أَن الله أنزلهُ وَأَنه نزل بِعلم الله هُوَ الَّذِي أخبرهُ بِخَبَرِهِ وَأمر بِمَا أَمر بِهِ كَمَا قَالَ ﴿لَكِن الله يشْهد بِمَا أنزل إِلَيْك أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ الْآيَة وَثُبُوت الرسَالَة ملزوم لثُبُوت التَّوْحِيد وَأَنه لَا إِلَه إِلَّا الله من جِهَة أَن الرَّسُول أخبر بذلك وَمن جِهَة أَنه لَا يقدر أحد على الْإِتْيَان بِهَذَا الْقُرْآن إِلَّا الله فَإِن من الْعلم مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله إِلَى غير ذَلِك من وُجُوه الْبَيَان فِيهِ كَمَا قد بسط وَنبهَ عَلَيْهِ فِي غير هَذَا الْموضع وَلَا سِيمَا هَذِه السُّورَة فَإِن فِيهَا
стр. 206
من الْبَيَان والتعجيز مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وفيهَا من المواعظ وَالْحكم وَالتَّرْغِيب والترهيب مَا لَا يقدر قدره إِلَّا الله
وَالْمَقْصُود هُنَا هُوَ الْكَلَام على قَوْله ﴿أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَة من ربه ويتلوه شَاهد مِنْهُ﴾ حَيْثُ سَأَلَ السَّائِل عَن تَفْسِيرهَا وَذكر مَا فِي التفاسير من كَثْرَة الِاخْتِلَاف فِيهَا وَأَن ذَلِك الِاخْتِلَاف يزِيد الطَّالِب عمى عَن معرفَة المُرَاد الَّذِي يحصل بِهِ الْهدى والرشاد فَإِن الله تَعَالَى إِنَّمَا نزل الْقُرْآن ليهتدي بِهِ لَا ليختلف فِيهِ وَالْهدى إِنَّمَا يكون إِذا عرفت مَعَانِيه فَإِذا حصل الِاخْتِلَاف المضاد لتِلْك الْمعَانِي الَّتِي لَا يُمكن الْجمع بَينه وَبَينهَا وَلم يعرف الْحق وَلم تفهم الْآيَة وَمَعْنَاهَا وَلم يحصل بِهِ الْهدى وَالْعلم الَّذِي هُوَ المُرَاد بإنزال الْكتاب
قَالَ أَبُو عبد الرحمن السّلمِيّ حَدثنَا الَّذين كَانُوا يقرئوننا الْقُرْآن عُثْمَان بن عُثْمَان وَعبد الله بن مَسْعُود وَغَيرهمَا أَنهم كَانُوا إِذا تعلمُوا من النَّبِي ﷺ عشر آيَات لم يتجاوزوها حَتَّى يعلمُوا مَا فِيهَا من الْعلم وَالْعَمَل قَالُوا فتعلمنا الْقُرْآن وَالْعلم وَالْعَمَل جَمِيعًا
وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ مَا أنزل الله آيَة إِلَّا وَهُوَ يحب أَن يعلم فِي مَاذَا نزلت وماذا عَنى بهَا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ وتدبر الْكَلَام إِنَّمَا ينْتَفع بِهِ إِذا فهم وَقَالَ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾
فالرسل تبين للنَّاس مَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم وَعَلَيْهِم أَن يبلغُوا النَّاس الْبَلَاغ الْمُبين وَالْمَطْلُوب من النَّاس أَن يعقلوا مَا بلغه الرُّسُل وَالْعقل يتَضَمَّن الْعلم وَالْعَمَل فَمن عرف الْخَيْر وَالشَّر فَلم يتبع الْخَيْر ويحذر الشَّرّ لم يكن عَاقِلا وَلِهَذَا لَا يعد عَاقِلا إِلَّا من فعل مَا يَنْفَعهُ واجتنب مَا يضرّهُ فالمجنون الَّذِي لَا يفرق بَين هَذَا وَهَذَا قد يلقِي نَفسه فِي المهالك وَقد يفر مِمَّا يَنْفَعهُ
فصل
قَالَ تَعَالَى ﴿خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ سُورَة هود ٧ وَأخْبر أَنه ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ سُورَة فصلت ١١
وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله قدر مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ
стр. 207
عَرْشه على المَاء وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره عَن عمرَان بن حُصَيْن ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء وَخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَفِي رِوَايَة ثمَّ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض والْآثَار متواترة عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِمَا يُوَافق الْقُرْآن وَالسّنة من أَن الله تَعَالَى خلق السَّمَوَات من بخار المَاء الَّذِي سَمَّاهُ الله دخانا
وَقد تكلم عُلَمَاء الْمُسلمين من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ فِي أول هَذِه الْمَخْلُوقَات على قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء الْهَمدَانِي وَغَيره أَحدهمَا أَنه هُوَ الْعَرْش وَالثَّانِي أَنه هُوَ الْقَلَم ورجحوا القَوْل الأول لما دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة أَن الله تَعَالَى لما قدر مقادير الْخَلَائق بالقلم الَّذِي أمره أَن يكْتب فِي اللَّوْح كَانَ عَرْشه على المَاء فَكَانَ الْعَرْش مخلوقا قبل الْقَلَم قَالُوا الْآثَار المروية أَن أول مَا خلق الله الْقَلَم مَعْنَاهَا من هَذَا الْعَالم وَقد اخبر الله تَعَالَى أَنه خلقه فِي سِتَّة أَيَّام فَكَانَ حِين خلقه زمن يقدر بِهِ خلقه ينْفَصل إِلَى أَيَّام
فَعلم أَن الزَّمَان كَانَ مَوْجُودا قبل أَن يخلق الله الشَّمْس وَالْقَمَر ويخلق فِي هَذَا الْعَالم اللَّيْل وَالنَّهَار
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي خطبَته عَام حجَّة الْوَدَاع إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيئَةِ يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض السّنة اثْنَا عشر شهرا وَمِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذُو الْقعدَة وَذُو الْحجَّة وَالْمحرم وَرَجَب مُضر الَّذِي بَين جمادي وَشَعْبَان وَفِي الصَّحِيح عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ خطْبَة فَذكر بَدْء الْخلق حَتَّى دخل أهل الْجنَّة مَنَازِلهمْ وَأهل النَّار مَنَازِلهمْ
هَذَا وَفِي التَّوْرَاة مَا يُوَافق خبر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن وَأَن الأَرْض كَانَت مغمورة بِالْمَاءِ والهواء يهب فَوق المَاء وَأَن فِي أول الْأَمر خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَنه خلق ذَلِك فِي
стр. 208
أَيَّام وَلِهَذَا قَالَ من قَالَ من عُلَمَاء اهل الْكتاب مَا ذكره الله تَعَالَى فِي التَّوْرَاة يدل على أَنه خلق هَذَا الْعَالم من مَادَّة أُخْرَى وَأَنه خلق ذَلِك فِي أزمان قبل أَن يخلق الشَّمْس وَالْقَمَر
وَلَيْسَ فِيمَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ فِي الْقُرْآن وَغَيره أَنه خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض من غير مَادَّة وَلَا أَنه خلق الْإِنْس أَو الْجِنّ أَو الْمَلَائِكَة من غير مَادَّة بل يخبر أَنه خلق ذَلِك من مَادَّة وَإِن كَانَت الْمَادَّة مخلوقة من مَادَّة أُخْرَى كَمَا خلق الْإِنْس من آدم وَخلق آدم من طين وَفِي صَحِيح مُسلم عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ خلقت الْمَلَائِكَة من نور وخلقت الجان من مارج من نَار وَخلق آدم مِمَّا وصف لكم
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن الْمَنْقُول عَن أساطين الفلاسفة القدماء لَا يُخَالف مَا أخْبرت بِهِ الْأَنْبِيَاء من خلق هَذَا الْعَالم من مَادَّة بل الْمَنْقُول عَنْهُم أَن هَذَا الْعَالم مُحدث كَائِن بعد إِن لم يكن
وَأما قَوْلهم فِي تِلْكَ الْمَادَّة هَل هِيَ قديمَة الْأَعْيَان أَو محدثة بعد أَن لم تكن أَو محدثة من مَادَّة أُخْرَى بعد مَادَّة قد تضطرب النقول عَنْهُم فِي هَذَا الْبَاب وَالله أعلم بِحَقِيقَة مَا يَقُوله كل من هَؤُلَاءِ فَإِنَّهَا أمة عربت كتبهمْ ونقلت من لِسَان إِلَى لِسَان وَفِي مثل ذَلِك قد يدْخل من الْغَلَط وَالْكذب مَا لَا يعلم حَقِيقَته وَلَكِن مَا تواطأت بِهِ النقول عَنْهُم يبْقى مثل الْمُتَوَاتر وَلَيْسَ لنا غَرَض معِين فِي معرفَة قَول كل وَاحِد مِنْهُم بل ﴿تِلْكَ أمة قد خلت لَهَا مَا كسبت وَلكم مَا كسبتم وَلَا تسْأَلُون عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ﴾ سُورَة الْبَقَرَة ١٣٤ ١٤١
لَكِن الَّذِي لَا ريب فِيهِ أَن هَؤُلَاءِ اصحاب التعاليم كأرسطو واتباعه كَانُوا مُشْرِكين يعْبدُونَ الْمَخْلُوقَات وَلَا يعْرفُونَ النبوات وَلَا الْمعَاد البدني وَأَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى خير مِنْهُم فِي الإلهيات والنبوات والمعاد
وَإِذا عرف أَن نفس فلسفتهم توجب عَلَيْهِم أَن لَا يَقُولُوا بقدم شَيْء من الْعَالم علم أَنهم مخالفون لصريح الْمَعْقُول كَمَا أَنهم مخالفون لصحيح الْمَنْقُول وَأَنَّهُمْ فِي تَبْدِيل الْقَوَاعِد الصَّحِيحَة المعقولة من جنس الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي تَبْدِيل مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُود فِي هَذَا الْبَاب
ثمَّ إِنَّه إِذا قدر أَنه لَيْسَ عِنْدهم من الْمَعْقُول مَا يعْرفُونَ بِهِ أحد الطَّرفَيْنِ فَيَكْفِي فِي ذَلِك إِخْبَار الرُّسُل باتفاقهم على خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وحدوث هَذَا الْعَالم والفلسفة الصَّحِيحَة المبنية على المعقولات الْمَحْضَة توجب عَلَيْهِم تَصْدِيق الرُّسُل فِيمَا أخْبرت بِهِ وَتبين
стр. 209
أَنهم علمُوا ذَلِك بطرِيق يعجزون عَنْهَا وَأَنَّهُمْ أعلم بالأمور الإلهية والمعاد وَمَا يسْعد النَّفس ويشقيها مِنْهُم وتدلهم على أَن من اتبع الرُّسُل كَانَ سعيدا فِي الْآخِرَة وَمن كذبهمْ كَانَ شقيا فِي الْآخِرَة وَأَنه لَو علم الرجل من الطبيعيات والرياضيات مَا عَسى أَن يعلم وَخرج عَن دين الرُّسُل كَانَ شقيا وَأَن من أطَاع الله وَرَسُوله بِحَسب طاقته كَانَ سعيدا فِي الْآخِرَة وَإِن لم يعلم شَيْئا من ذَلِك
وَلَكِن سلفهم اكثروا الْكَلَام فِي ذَلِك لأَنهم لم يكن عِنْدهم من آثَار الرُّسُل مَا يَهْتَدُونَ بِهِ إِلَى تَوْحِيد الله وعبادته وَمَا ينفع فِي الْآخِرَة وَكَانَ الشّرك مستحوذا عَلَيْهِم بِسَبَب السحر وَالْأَحْوَال الشيطانية وَكَانُوا يُنْفقُونَ أعمارهم فِي رصد الْكَوَاكِب ليستعينوا بذلك على السحر والشرك وَكَذَلِكَ الْأُمُور الطبيعية وَكَانَ مُنْتَهى عقلهم أمورا عقلية كُلية كَالْعلمِ بالوجود الْمُطلق وانقسامه إِلَى عِلّة ومعلول وجوهر عرض وتقسيم الْجَوَاهِر ثمَّ تَقْسِيم الْأَعْرَاض وَهَذَا هُوَ عِنْدهم الْحِكْمَة الْعليا والفلسفة الأولى ومنتهى ذَلِك الْعلم بالوجود الْمُطلق الَّذِي لَا يُوجد إِلَّا فِي الأذهان دون الْأَعْيَان
стр. 210
فصل
فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار﴾
وَزَعَمت طَائِفَة من هَؤُلَاءِ الاتحادية الَّذين ألحدوا فِي أَسمَاء الله وآياته أَن فِرْعَوْن كَانَ مُؤمنا وَأَنه لَا يدْخل النَّار وَزَعَمُوا أَنه لَيْسَ فِي الْقُرْآن مَا يدل على عَذَابه بل فِيهِ مَا يَنْفِيه كَقَوْلِه ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ قَالُوا فَإِنَّمَا أَدخل آله دونه وَقَوله ﴿يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار﴾ قَالُوا إِنَّمَا أوردهم وَلم يدخلهَا قَالُوا وَلِأَنَّهُ قد آمن أَنه لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنت بِهِ بَنو إِسْرَائِيل وَوضع جِبْرِيل الطين فِي فَمه لَا يرد إِيمَان قلبه
وَهَذَا القَوْل كفر مَعْلُوم فَسَاده باضطرار من دين الْإِسْلَام لم يسْبق ابْن عَرَبِيّ إِلَيْهِ فِيمَا أعلم أحد من أهل الْقبْلَة بل وَلَا من الْيَهُود وَلَا من النَّصَارَى بل جَمِيع أهل الْملَل مطبقون على كفر فِرْعَوْن
فَهَذَا عِنْد الْخَاصَّة والعامة أبين من أَن يسْتَدلّ عَلَيْهِ بِدَلِيل فَإِنَّهُ لم يكفر أحد بِاللَّه وَيَدعِي لنَفسِهِ الربوبية والإلهية مثل فِرْعَوْن
وَلِهَذَا ثنى الله قصَّته فِي الْقُرْآن فِي مَوَاضِع فَإِن الْقَصَص إِنَّمَا هِيَ أَمْثَال مَضْرُوبَة للدلالة على الْإِيمَان وَلَيْسَ فِي الْكفَّار أعظم من كفره وَالْقُرْآن قد دلّ على كفره وعذابه فِي الْآخِرَة فِي مَوَاضِع
أَحدهَا قَوْله تَعَالَى فِي الْقَصَص ﴿فذانك برهانان من رَبك إِلَى فِرْعَوْن وملئه إِنَّهُم كَانُوا قوما فاسقين﴾ إِلَى قَوْله ﴿وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين﴾
فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه أرْسلهُ إِلَى فِرْعَوْن وَقَومه وَأخْبر أَنهم كَانُوا قوما فاسقين وَأخْبر أَنهم ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سحر مفترى﴾ وَأخْبر أَن فِرْعَوْن قَالَ ﴿مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي﴾ وَأَنه أَمر باتخاذ الصرح ليطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَأَنه يَظُنّهُ كَاذِبًا وَأخْبر أَنه استكبر فِرْعَوْن وَجُنُوده وظنوا أَنهم لَا يرجعُونَ إِلَى الله وَأَنه أَخذ فِرْعَوْن وَجُنُوده فنبذهم فِي اليم فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين وَأَنه جعلهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ وَأَنه أتبعهم فِي الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين
стр. 211
فَهَذَا نَص فِي أَن فِرْعَوْن من الْفَاسِقين المكذبين لمُوسَى الظَّالِمين الداعين إِلَى النَّار الملعونين فِي الدُّنْيَا بعد غرقهم المقبوحين فِي الدَّار الْآخِرَة
وَهَذَا نَص فِي أَن فِرْعَوْن بعد غرقه مَلْعُون وَهُوَ فِي الْآخِرَة مقبوح غير مَنْصُور وَهَذَا إِخْبَار عَن غَايَة الْعَذَاب وَهُوَ مُوَافق للموضع الثَّانِي فِي سُورَة الْمُؤمن وَهُوَ قَوْله ﴿وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ وَهَذَا إِخْبَار عَن فِرْعَوْن وَقَومه أَنه حاق بهم سوء الْعَذَاب فِي البرزخ وَأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَة يدْخلُونَ أَشد الْعَذَاب وَهَذِه الْآيَة أحد مَا اسْتدلَّ بِهِ الْعلمَاء على عَذَاب البرزخ
وَإِنَّمَا دخلت الشُّبْهَة على هَؤُلَاءِ الْجُهَّال لما سمعُوا آل فِرْعَوْن فظنوا أَن فِرْعَوْن خَارج مِنْهُم وَهَذَا تَحْرِيف للكلم عَن موَاضعه بل فِرْعَوْن دَاخل فِي آل فِرْعَوْن بِلَا نزاع بَين أهل الْعلم بِالْقُرْآنِ واللغة يتَبَيَّن ذَلِك بِوُجُوه
أَحدهَا أَن لفظ آل فلَان فِي الْكتاب وَالسّنة يدْخل فِيهَا ذَلِك الشَّخْص مثل قومه فِي الْمَلَائِكَة الَّذِي ضافوا إبراهم ﴿إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَته﴾ ثمَّ قَالَ ﴿فَلَمَّا جَاءَ آل لوط المُرْسَلُونَ قَالَ﴾ يَعْنِي لوطا ﴿إِنَّكُم قوم منكرون﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم حاصبا إِلَّا آل لوط نجيناهم بِسحر﴾ ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ﴿وَلَقَد جَاءَ آل فِرْعَوْن النّذر كذبُوا بِآيَاتِنَا كلهَا فأخذناهم أَخذ عَزِيز مقتدر﴾
وَمَعْلُوم أَن لوطا فِي هَذِه الْمَوَاضِع وَكَذَلِكَ فِرْعَوْن دَاخل فِي آل فِرْعَوْن والمكذبين المأخوذين وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَمَا صليت على آل إِبْرَاهِيم وَكَذَلِكَ قَوْله كَمَا باركت على آل إِبْرَاهِيم فإبراهيم دَاخل فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ قَوْله لِلْحسنِ إِن الصَّدَقَة لَا تحل لآل مُحَمَّد
وَفِي الصَّحِيح عَن عبد الله بن أبي أوفى قَالَ كَانَ الْقَوْم إِذا أَتَوا رَسُول الله ﷺ بِصَدقَة يُصَلِّي عَلَيْهِم فَأتى أبي بِصَدقَة فَقَالَ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى وَأَبُو أوفى هُوَ صَاحب الصَّدَقَة
стр. 212
وَنَظِير هَذَا الِاسْم أهل الْبَيْت فَإِن الرجل يدْخل فِي أهل بَيته كَقَوْل الْمَلَائِكَة ﴿رَحْمَة الله وَبَرَكَاته عَلَيْكُم أهل الْبَيْت﴾ وَقَول النَّبِي ﷺ سلمَان منا أهل الْبَيْت وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت﴾ وَذَلِكَ لِأَن آل الرجل مِمَّن يؤول إِلَيْهِ وَنَفسه مِمَّن يؤول إِلَيْهِ وَأهل بَيته هم من يأهله وَهُوَ مِمَّن يأهل أهل بَيته
فقد تبين أَن الْآيَة الَّتِي ظنُّوا أَنَّهَا حجَّة لَهُم هِيَ حجَّة عَلَيْهِم فِي تَعْذِيب فِرْعَوْن مَعَ سَائِر آل فِرْعَوْن فِي البرزخ وَفِي يَوْم الْقِيَامَة وَيبين ذَلِك أَن الْخطاب فِي الْقِصَّة كلهَا إِخْبَار عَن فِرْعَوْن وَقَومه قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين إِلَى فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون فَقَالُوا سَاحر كَذَّاب﴾ إِلَى قَوْله ﴿قَالَ فِرْعَوْن مَا أريكم إِلَّا مَا أرى وَمَا أهديكم إِلَّا سَبِيل الرشاد﴾ إِلَى قَوْله ﴿وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ إِلَى قَوْله ﴿وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾ إِلَى قَوْله ﴿قَالَ الَّذين استكبروا إِنَّا كل فِيهَا إِن الله قد حكم بَين الْعباد﴾
فَأخْبر عقب قَوْله ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ عَن محاجتهم فِي النَّار وَقَول الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا وَقَول المستكبرين للضعفاء ﴿إِنَّا كل فِيهَا﴾ وَمَعْلُوم أَن فِرْعَوْن هُوَ رَأس المستكبرين وَهُوَ الَّذِي استخف قومه فأطاعوه وَلم يستكبر اُحْدُ استكبار فِرْعَوْن فَهُوَ أَحَق بِهَذَا النَّعْت وَالْحكم من جَمِيع قومه
الْموضع الثَّانِي وَهُوَ حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم قَوْله تَعَالَى ﴿فاتبعوا أَمر فِرْعَوْن وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار وَبئسَ الْورْد المورود﴾ إِلَى قَوْله ﴿بئس الرفد المرفود﴾ فَأخْبر أَن يقدم قومه وَلم يقل يسوقهم وَأَنه أوردهم النَّار وَمَعْلُوم أَن الْمُتَقَدّم إِذا أورد الْمُتَأَخِّرين النَّار كَانَ هُوَ أول من يردهَا وَإِلَّا لم يكن قادما بل كَانَ سائقا يُوضح ذَلِك أَنه قَالَ ﴿وأتبعوا فِي هَذِه لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة﴾ فَعلم أَنه وهم يردون النَّار وَأَنَّهُمْ جَمِيعًا ملعونون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
стр. 213
وَمَا أخلق المحاج عَن فِرْعَوْن أَن يكون بِهَذِهِ المثابة فَإِن الْمَرْء مَعَ من أحب ﴿وَالَّذين كفرُوا بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ وَأَيْضًا فقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فلولا كَانَت قَرْيَة آمَنت فنفعها إيمَانهَا إِلَّا قوم يُونُس لما آمنُوا﴾ يَقُول هلا آمن قوم فنفعهم إِيمَانهم إِلَّا قوم يُونُس
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم كَانُوا أَكثر مِنْهُم وَأَشد قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض﴾ إِلَى قَوْله ﴿سنة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده وخسر هُنَالك الْكَافِرُونَ﴾ فَأخْبر عَن الْأُمَم المكذبين للرسل أَنهم آمنُوا عِنْد رُؤْيَة الْبَأْس وَأَنه لم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم حِينَئِذٍ وَأَن هَذِه سنة الله الخالية فِي عباده
وَهَذَا مُطَابق لما ذكره الله فِي قَوْله لفرعون ﴿آلآن وَقد عصيت قبل وَكنت من المفسدين﴾ فَإِن هَذَا الْخطاب هُوَ اسْتِفْهَام إِنْكَار أَي الْآن تؤمن وَقد عصيت قبل فَأنْكر أَن يكون هَذَا الْإِيمَان نَافِعًا أَو مَقْبُولًا فَمن قَالَ إِنَّه نَافِع مَقْبُول فقد خَالف نَص الْقُرْآن وَخَالف سنة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده
يبين ذَلِك أَنه لَو كَانَ إيمَانه حِينَئِذٍ مَقْبُولًا لدفع عَنهُ الْعَذَاب كَمَا دفع عَن قوم يُونُس فَإِنَّهُم لما قبل إِيمَانهم متعوا إِلَى حِين فَإِن الإغراق هُوَ عَذَاب على كفره فَإِذا لم يكن كَافِرًا لما يسْتَحق عذَابا
وَقَوله بعد هَذَا ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتَكون لمن خَلفك آيَة﴾ يُوجب أَن يعْتَبر من خَلفه وَلَو كَانَ إِنَّمَا مَاتَ مُؤمنا لم يكن الْمُؤمن مِمَّا يعْتَبر بإهلاكه وإغراقه وَأَيْضًا فَإِن النَّبِي ﷺ لما أخبرهُ ابْن مَسْعُود بقتل أبي جهل قَالَ هَذَا فِرْعَوْن هَذِه الْأمة فَضرب النَّبِي ﷺ الْمثل فِي رَأس الْكفَّار المكذبين لَهُ بِرَأْس الْكفَّار المكذبين لمُوسَى
فَهَذَا يبين أَنه هُوَ الْغَايَة فِي الْكفْر فَكيف يكون قد مَاتَ مُؤمنا وَمَعْلُوم أَن من مَاتَ مُؤمنا لَا يجوز أَن يوسم بالْكفْر وَلَا يُوصف لِأَن الْإِسْلَام يهدم مَا كَانَ قبله وَفِي مُسْند أَحْمد وَإِسْحَاق وصحيح أبي حَاتِم عَن عَوْف بن مَالك عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ فِي تَارِك الصَّلَاة يَأْتِي مَعَ قَارون وَفرْعَوْن وهامان وَأبي بن خلف
стр. 214
وَسُئِلَ ﵀
عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَأما الَّذين سعدوا فَفِي الْجنَّة خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يَوْم نطوي السَّمَاء كطي السّجل للكتب﴾
فَأجَاب الْحَمد لله قَالَ طوائف من الْعلمَاء أَن قَوْله ﴿مَا دَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَرَادَ بهَا سَمَاء الْجنَّة وَأَرْض الْجنَّة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِذا سَأَلْتُم الله الْجنَّة فَاسْأَلُوهُ الفردوس فَإِنَّهُ أَعلَى الْجنَّة وأوسط الْجنَّة وسقفه عرش الرَّحْمَن وَقَالَ بعض الْعلمَاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كتبنَا فِي الزبُور من بعد الذّكر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبَادي الصالحون﴾ هِيَ أَرض الْجنَّة
وعَلى هَذَا فَلَا مُنَافَاة بَين انطواء هَذِه السَّمَاء وَبَقَاء السَّمَاء الَّتِي هِيَ سقف الْجنَّة إِذْ كل مَا علا فَإِنَّهُ يُسمى فِي اللُّغَة سَمَاء كَمَا يُسمى السَّحَاب سَمَاء والسقف سَمَاء
وَأَيْضًا فَإِن السَّمَوَات وَإِن طويت وَكَانَت كَالْمهْلِ واستحالت عَن صورتهَا فَإِن ذَلِك لَا يُوجب عدمهَا وفسادها بل أَصْلهَا بَاقٍ بتحويلها من حَال إِلَى حَال كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم تبدل الأَرْض غير الأَرْض وَالسَّمَاوَات﴾ وَإِذا بدلت فَإِنَّهُ لَا يزَال سَمَاء دائمة وَأَرْض دائمة وَالله أعلم
стр. 215
٢٧٢
- فصل
وَأما قَوْله ﴿وَلَقَد هَمت بِهِ وهم بهَا لَوْلَا أَن رأى برهَان ربه﴾ فالهم اسْم جنس تَحْتَهُ نَوْعَانِ كَمَا قَالَ الإِمَام أَحْمد الْهم همان هم خطرات وهم إِصْرَار وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ إِن العَبْد إِذا هم بسيئة لم تكْتب عَلَيْهِ وَإِذا تَركهَا لله كتبت لَهُ حَسَنَة وَإِن عَملهَا كتبت لَهُ سَيِّئَة وَاحِدَة وَإِن تَركهَا من غير أَن يَتْرُكهَا لله لم تكْتب لَهُ حَسَنَة وَلَا تكْتب عَلَيْهِ سَيِّئَة ويوسف ﷺ هم هما تَركه لله وَلذَلِك صرف الله عَنهُ السوء والفحشاء لإخلاصه وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون إِذا قَامَ الْمُقْتَضى للذنب وَهُوَ الْهم وعارضه الْإِخْلَاص الْمُوجب لانصراف الْقلب عَن الذَّنب لله فيوسف ﵇ لم يصدر مِنْهُ إِلَّا حَسَنَة يُثَاب عَلَيْهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين اتَّقوا إِذا مسهم طائف من الشَّيْطَان تَذكرُوا فَإِذا هم مبصرون﴾ وَأما مَا ينْقل من أَنه حل سراويله وَجلسَ مجْلِس الرجل من الْمَرْأَة وَأَنه رأى صُورَة يَعْقُوب عاضا
следующие страницы →