وقوله: ﴿الرُّسُلَ﴾ جمع رسول فيشمل الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأولهم نوح وآخرهم محمدٌ ﷺ .
قوله: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ يعني: ماذا أجابكم الذين أرسلناكم إليهم؟ وهذا كقوله تعالى في المرسل إليهم: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص: ٦٥] , وعلى هذا فيكون الله يسأل الرسل، ويسأل المرسل إليهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: ٦] , سؤال الذين أرسل إليهم أن يقال لهم: ماذا أجبتم المرسلين؟ وسؤال المرسلين أن يقال: ماذا أُجبتم؟ وهل هذا السؤال للاستعلام؟
الجواب: لا؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هل هو للتوبيخ أي: توبيخ المرسل إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨ - ٩]؟
الموؤودة ليس لها ذنب وتسأل بأي ذنب قتلت، توبيخًا لقاتليها، فيكون قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ المقصود به: توبيخ المرسل إليهم، وهذا لا شك أنه هو الصواب، أما الاستعلام فغير وارد، وقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ لا شك أن الإنسان يشكل عليه هذا النفي، وهو نفي مطلق عام؛ لأنه بـ "لا" النافية للجنس، فكيف لا يكون عند المرسلين علم؟
الجواب على هذا من وجوه:
الوجه الأول: إما أن يقال: لا علم لنا بما حدث بعدنا، يقول النبي ﷺ في الواردين على الحوض حين يردون فيذادون
стр. 982
عنه، فيقول: "أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك" (١) فيكون معنى قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾، أي: فيما حدث بعدنا، وهذا حق.
الوجه الثاني: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ بما في بواطن الذين أجابوا؛ لأن من الذين أجابوا الرسل من كانوا منافقين لا تعلم الرسل ما في قلوبهم، وهذا أيضًا وجه قوي، فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يعلمون ما في قلوب الذين يظهرون اتباعهم، قال الله : ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] , والمعرفة في لحن القول مبنية على قرينة ليس على شيء محسوس مقطوع به.
والوجه الثالث: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ إلا ما علمتنا وأنت تعلم ماذا أجبنا؛ لأنك علام الغيوب، وهذا وإن كان له وجه لكنه ليس بذاك القوي، فأحسن ما يقال: أنه لا علم لنا بما حدث بعدنا، أو لا علم لنا بما في بواطن الأمور.
هناك وجه رابع: أنهم قالوا: لا علم لنا تأدبًا مع الله ، كما يقول التلميذ لأستاذه: ليس عندي علم؛ تأدبًا معه، وإن كان عنده علم، وكأن ابن جرير ﵀ يميل إلى هذا القول، أي: إلى أن المعنى: أنهم يقولون: لا علم لنا؛ تأدبًا مع الله ؛ لأنهم يعلمون أن الله لم يسألهم استعلامًا؛ لأنه عالم.
стр. 983
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ جملة استئنافية تبين أنهم وَكلُوا العلم إلى عالمه وهو الله ﵎، والغيوب: جمع غيب، و "إنَّ": تنصب الاسم وترفع الخبر والكاف اسمها و "علَّام" خبرها وهو مضاف إلى الغيوب، "أنت" هنا، هل نقول: إنها توكيد للكاف في "إنك" أو نقول: هي ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو نقول: إنها مبتدأ وخبره علام؟ كل هذا محتمل، وأوجه الإعراب كثيرة، ولهذا يقولون: إن حجج النحويين كنافقاء اليرابيع، النافقاء: جُحر اليربوع، واليربوع ذكي يحفر له جحرًا في الأرض، ويمضي فيه ثم يحفر في آخره، إلى فوق، حتى إذا لم يبقَ إلا قشرة رقيقة تركها باقية فإذا سد عليه أحد الباب، وإذا النافقاء يسهل الخروج منها فيخرج من النافقاء، فيقولون: إن النحويين كما حجرتهم من جهة قلت: هذا لا يصح؛ أتوا بوجه آخر ولو كان الاحتمال بعيدًا، ولذلك لا يغلب النحوي القوي في النحو أبدًا لأنه يستطيع كما أتيت له بحجة، أتى لك بما يسوِّغ قوله.
فنقول: كلمة "أنت" إما تكون ضمير فصل أو توكيدًا للكاف أو مبتدأ، وخبره "علَّام" وعليه جملة المبتدأ والخبر تفيد الحصر؛ لأن الجملة إذا صار طرفاها معرفتين أفادت الحصر، لكن ضمير الفصل أقوى في الحصر.
وقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ هذه صيغة مبالغة بمعنى: أنه ذو علم بالغ بالغيوب، والغيوب جمع غيب، وهو ما يختفي على الخلق فالله جلَّ وعلا علام الغيوب، ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ [النمل: ٧٥] , يعلم حتى ما لم يكن كيف يكون، كما يعلم الموجود الذي يكون غائبًا عن الخلق .
стр. 984
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أنه يجب على الإنسان أن يتذكر هذا اليوم العظيم لينظر ماذا أجابت به الرسل، وهو يوم القيامة حين يجمع الرسل ويسألون.
الفائدة الثانية: تمام قدرة الله ﵎ وذلك بجمعه الرسل في ذلك الموقف العظيم، الذي يختلط فيه الآدميون والوحوش والسباع والإبل وغيرها، فيجمع الله الرسل بقدرته وإذنه.
الفائدة الثالثة: فضيلة الرسل عليهم الصلاة والسلام حيث إن الله يعتني بهم هذا الاعتناء حتى إنه يسألهم يوم القيامة في هذا المشهد العظيم: ماذا أجيبوا؟ تكريمًا لهم وإظهارًا لإبلاغهم الرسالة.
الفائدة الرابعة: إثبات القول لله ، وأن الله يقول. لقوله: "فيقول"، وإثبات القول لله قد امتلأ به القرآن وامتلأت به السنة، وصار إثبات القول لله من الأمور القطعية اليقينية.
الفائدة الخامسة: أنه يقول بحرف وصوت، وجه الدلالة: أن مقول القول هو قوله: "ماذا أجبتم"؟ وهذه حروف، ووجه الدلالة على الصوت: أنه يخاطب الرسل، فلا بد أن يكون الخطاب مسموعًا لهم، وإلا لم يكن له فائدة، وهذا الذي قررناه في إثبات القول لله ، وأنه بحرف وصوت هو الذي أجمع عليه أهل السنة أئمتهم ومقلدوهم، ومن قال سوى ذلك فهو مبتدع ضال، من قال: إن الله لا يوصف بالقول وإن الذي يضاف إليه
стр. 985
من الأقوال عبارة عن أصوات مخلوقة، خلقها الله لتعبر عما في نفسه، فهذا القول من أبطل الأقوال، وقد أبطله شيخ الإِسلام ﵀ في رسالة تسمى التسعينية من تسعين وجهًا وهو جدير بالإبطال؛ لأنه متناقض وفاسد، والمشكل أن هذا عليه كثير من الناس اليوم؛ لأنه مذهب الأشعرية السائد بين كثير من الأمة الإِسلامية، مع أنه باطل ولا يمكن أن يصدقه من كان على الفطرة السليمة.
الفائدة السادسة: تأدب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الله ، حيث قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هذا وجه.
الوجه الثاني: أنهم عرفوا قدر أنفسهم وأنهم لا يعلمون الغيب.
الوجه الثالث: أنهم علموا أن الأمم بعدهم لا يعلمون عنها شيئًا حسب الاحتمالات التي ذكرناها في وجه قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾.
الفائدة السابعة: إثبات علم الغيب لله ، لقول الرسل عليهم الصلاة والسلام وهذا القول إجماع منهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ يعني: لا غير، فمن ادعى علم الغيب فهو كافر؛ لأنه مكذب للقرآن الكريم، ولما أجمع عليه المسلمون، من قال: إنه سيحدث في يوم كذا، كذا وكذا فهو كاذب وهو كافر، والكهنة يخبرون عن الواقعات في المستقبل، لكنهم لهم أناس من الجن يستمعون الوحي ويسترقونه، ويلقونه إلى الكاهن، ويضيف الكاهن إليه كذبات كثيرة، ويصدُقُ في كلمة واحدة، وهذا لا
ينافي القول بأن الله تعالى علام الغيوب وحده؛ لأن الله قال في
стр. 986
هؤلاء الذين يسترقون السمع: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٨] , فاستثنى الله ، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات: ١٠].
* * *
° قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾ [المائدة: ١١٠].
قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى﴾ نقول في ذلك كما قلنا في قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ أي: أن "إذ" مفعول لفعل محذوف تقديره "اذكر".
وقوله: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ هذا نداء وصف أو عطف بيان، "عيسى": منادى مبني على الضم؛ لأنه عَلَمٌ، وكل علم ينادى وهو غير مضاف فإنه يبنى على الضم في محل نصب، فتقول: "يا زيدُ" ولا تقول: "يا زيدًا"، وأما "ابن مريم" فهو وصف أو عطف بيان، ونصب؛ لأنه مضاف، و "مريم" اسم أمه، ونسب إليها؛ لأنه لا أب له، إذ إنه خلق من أم بلا أب.
قوله: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ هذا مقول القول، ثم فصل ذلك بقوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، "إذ" متعلقة بقوله: "نعمة"، و "نعمة" مفعول "اذكر" ﴿أَيَّدْتُكَ﴾ الفاعل مستتر
стр. 987
تقديره أنا، والفاعل إذا كان تقديره أنا أو نحن أو أنت، كان مستترًا وجوبًا، وإذا كان تقديره هو أو هي فهو مستتر جوازًا إلا في بعض المسائل مثل فعل التعجب فإن تقدير الفاعل فيه هو، ومع ذلك يكون مستترًا وجوبًا.
قوله: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ متعلق بـ "أيَّد".
قوله: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ هذا بيان لـ "نعمة" فالجملة استئنافية، وقوله: ﴿تُكَلِّمُ﴾ الفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، و ﴿النَّاسَ﴾ مفعول به، ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: حال كونك في المهد، "وكهلًا" وحال كونك كهلًا.
قوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ يعني: واذكر نعمتي عليك أيضًا إذ علمتك الكتاب، فتكون الواو حرف عطف، و "إذ" معطوفة على "إذ" الأولى.
وقوله: ﴿عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ "علَّم" ينصب مفعولين، المفعول الأول الكاف، والمفعول الثاني: الكتاب، والحكمة معطوف عليه، ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ معطوفان، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ﴾ معطوفة على ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾، فهو من نعمة الله عليه فهي أيضًا في محل نصب. ﴿تَخْلُقُ﴾: أي أنت، ﴿مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الكاف: اسم بمعنى "مثل"، أي: مثل هيئة الطير، وهو مضاف إلى "هيئة" وإن كان حرفًا، و "هيئة" مضاف إلى الطير، و ﴿بِإِذْنِي﴾ متعلق بـ "تخلق"، ﴿فَتَنْفُخُ﴾ معطوفة على تخلق، ﴿فِيهَا﴾ أي: في هذه المخلوقة التي خلقتها، ﴿طَيْرًا﴾ خبر تكون، واسمها مستتر جوازًا، والتقدير "فتكون" هي، و ﴿بِإِذْنِي﴾: متعلقة بتكون، ﴿وَتُبْرِئُ﴾ معطوفة على "تخلق"، يعني: "وإذ تبرئ الأكمه
стр. 988
والأبرص بإذني"، ﴿وَتُبْرِئُ﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره أنت، و ﴿الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ مفعول به ومعطوف عليه، و "بإذني" متعلق بتبرئ، ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ نقول في إعرابها كما قلنا في إعراب "تبرئ الأكمه"، ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ﴾ معطوفة على "إذ" الأولى "إذ أيدتك" يعني: واذكر نعمتي عليك إذ كففت بني إسرائيل عنك، و ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مفعول كففت، و ﴿عَنْكَ﴾ متعلقة بكففت، ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ متعلقة بـ (كففت) أيضًا، و ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف، والتقدير: بالآيات البينات.
قوله: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أي: من بني إسرائيل.
قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في محل نصب مقول القول، و "إن": نافية، و "هذا" مبتدأ، و "إلا": أداة حصر، و "سحر": خبر للمبتدأ، و "مبين": صفته.
يقول الله مذكرًا عيسى ﵊ بهذه النعم: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ وعيسى: هو ابن مريم وهو من بني إسرائيل، ومن ذرية إبراهيم، كما قال الله : ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤، ٨٥].
وقوله: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ مفعول "قال" والمعنى: اذكر النعمة التي أنعمت بها عليك وعلى والدتك، أما نعمته عليه فذكرها، وَعَدَّ منها ما عَدَّ، وأما نعمته على الأم فإنه هيئ لها ويسر لها المكان الذي تضع فيه حملها، وجعل عندها رطبًا جنيًّا، ونهرًا على قولٍ في معنى: ﴿سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] ومن نعمته أيضًا
стр. 989
على أمه: أنه أنطق عيسى في المهد ليبين براءة أمه مما اتهمها به اليهود الذين قالوا لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ [مريم: ٢٨]، يعني: وأنت كيف صرتِ على هذه الحال.
وقوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ أي: إذ قويتك، وروح القدس: هو جبريل ﵇، يؤيده في كل ما يحتاج فيه إلى تأييد.
قوله: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ هذا من نعمة الله عليه، أنه كلم الناس وهو في المهد، أي: صغير يحمل باليد، والعادة أن هذا لا يتكلم، ﴿وَكَهْلًا﴾: أي: كبيرًا، والكهل قيل: ما بين الثلاثين إلى الخمسين، وقيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وإنما ذكر الله تكليمه في المهد، وتكليمه حين كان كهلًا ليبين أن كلامه حين كان في المهد، ككلامه حين كان كهلًا لا يختلف، والمعروف أن الصغير لا يتكلم وأنه لو تكلم لم يكن ككلام الكبير لا في الأداء ولا في الترتيب ولا في المعنى.
ولذلك لو قال قائل: ما الفائدة من قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾؛ لأن كلام الإنسان في حال الكهولة أمر معلوم؟ قلنا: ليبين أن كلامه حين كان كهلًا ككلامه حين كان في المهد.
وقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ يعني: اذكر إذ علمتك الكتاب والحكمة، و ﴿الْكِتَابَ﴾ قيل إنه الكتابة وليس المراد الكتاب المنزل، بدليل قوله: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ فيكون الكتاب بمعنى: الكتابة، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هي العلم والفهم والعقل الراجح، حيث ينزل الأشياء في منازلها؛ لأنه أحد الرسل الكرام، فالحكمة إذًا: العلم والفهم والرشد، أي: تنزيل الأشياء في منازلها.
قوله: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة: هي الكتاب الذي
стр. 990
أنزله الله على موسى، والإنجيل: هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، وهو فرع عن التوراة؛ لأن الأصل هي التوراة، لكن الإنجيل جاء فيه بعض الأشياء التي لم تكن في التوراة، كما قال الله : ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠].
قوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ أي: تصنع من الطين شيئًا كهيئة الطير، ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ أي: فيما صنعت من هذه الهيئة، ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا﴾ وفي قراءة: (طائرًا بإذني) يعني: يخلق شكل طائر، ولنقل: شكل حمامة، فينفخ فيها نفخة واحدة فتكون طيرًا، يعني: طيرًا حيًّا، والقراءة الثانية: "طائرًا"، أي: أنها تطير بالفعل، وهذا لا أحد يقدر عليه إلا الله أو من أذن له بذلك.
قوله: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ تبرئ أي: تشفي، الأكمه: من مرضه، والأكمه: أحسن ما قيل فيه: أنه هو الذي ولد بلا بصر، إما لأن الأجفان لم تنفتح، وهذا وقع، يعني: وقع مولود في زماننا هذا أكمه، أجفانه منطبقة غير منفتحة، أو أن المراد الأعشى الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار أو بالعكس، ولكن المعنى الأول أبلغ في الآية، أن يكون خلق بلا بصر فيبرئه بإذن الله ، وأما الأبرص فمعروف، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أن الله أعطاه هذه المعجزات؛ لأن الطب في زمنه ترقى إلى مكان بعيد، فآتاه الله من الآيات ما يعجز عنه الأطباء.
وقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ كررها لبيان أن هذه الآية العظيمة لم تكن إلا بإذن الله، في الآية التي في آل عمران كرر الإذن مرتين، لكن
стр. 991
مَنْ الذي قال ذلك في الآية التي في آل عمران هل الله خاطب عيسى أو عيسى خاطب قومه؟ عيسى خاطب قومه فافترقا.
لو قال قائل: في سورة آل عمران كان المتبادر إلى الذهن أن عيسى ﵇ عند مخاطبة قومه أن يكرر الإذن أكثر من هذه الآية لئلا يغلوا فيه؟
الجواب: في سورة آل عمران أضافها إلى الله حتى يبين أن الإله حقًّا هو الله ، هذا هو المهم، أما في هذه الآية فلئلا يغتر أحد بكونه يحيي الموتى، فقال: ﴿بِإِذْنِي﴾، وسيأتي ذلك في الفوائد إن شاء الله تعالى، وأيضًا لأجل أن يعرف عيسى ﵇ أنه إنما يتصرف بإذن الله .
وقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ أي: من قبورهم فيقف على القبر، ويقول: يا فلان اخرج، فيخرج بإذن الله ، وفي آية آل عمران يقول: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] , فإذا جمعت هذه إلى تلك صار عيسى ﵇ يحيي الميت قبل أن يدفن، ويحييه بعد أن يدفن.
وعن سؤال الطالب عن: الميت الذي يحييه عيسى ﵇ هل يبقى ويعيش بعد إحيائه أم ماذا؟
فالجواب: أما أنا ما حضرت، لكن هل هذا جواب سليم أم غير سليم؟ سليم؛ لأن هذا السؤال في غير محله، والمقصود بيان أنه ﵊ يحيي الموتى، أما كونه يبقى أو لا يبقى هذا البحث فيه غير سديد، والسؤال عنه غير جيد، وأنا دائمًا أقول: مسائل الغيب نقتصر فيها على ما ورد، والشأن كل الشأن أن يحيا بعد الموت لا أن يموت بعد الحياة.
стр. 992
النعمة الأخيرة، ذكرها في قوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾ ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ﴾ أي: صددت، ﴿عَنْكَ﴾ لأنهم أرادوا قتله، وقصة الصلب مشهورة، فإنهم اجتمعوا على قتله ثم انتدب بعضهم لذلك فألقى الله الشبه على واحدٍ منهم ورفع عيسى ﵊، وهذا الذي ألقي عليه الشبه يصيح: لست عيسى، ولكنهم كذبوه قالوا: أنت عيسى، فقتلوه وصلبوه، فادعى بنو إسرائيل أنهم قتلوا عيسى وصلبوه، ولكن الله كذبهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧] , بل هو حي باقٍ وسينزل في آخر الزمان
وقوله: ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ حين جئتهم بالبينات أرادوا قتلك، بعد أن ظهر الأمر وتبين وأتيت بآيات بينة، ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: قالوا: إن عيسى سحرنا، كيف يبرئ الأكمه؟ كيف يخلق شيئًا من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طائرًا؟ ما هذا إلا سحر، وكذبوه، وهكذا المكذبون للرسل كلهم يقولون: إن الرسل سحرة؛ لأن الرسل تأتي بآيات لا يستطيعها البشر، فيموهون على الأعمى ويقولون: إنهم سحروه، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات: ٥٢] , وهذه الآية عامة فكل الرسل قيل لهم هذا: ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّنٌ واضح؛ لأن "أبان" تستعمل متعدية ولازمة فيقال: أبان الفجرُ، أي: طلع، ويقال: أبان الأمرَ، أي: وضحه، وهي على حسب السياق، فتارة تكون بمعنى: أبان، وتارة تكون بمعنى: بأن، وهنا مأخوذة من بأن، أي: هذا سحر بَيِّنٌ ظاهر.
стр. 993
لو قال قائل: لماذا الصليب مقدس عند النصارى؟
الجواب: يقولون: إن عيسى ﵊ حسب زعمهم - أنه رضي بأن يفدي العالم بنفسه فرضي بالقتل والصلب، فمن أجل ذلك نعظمه، والحقيقة أنهم لو كانوا عقلاء لكانوا يكسرون الصليب؛ لأنه صلب عليه نبيهم على زعمهم، فكان يجب أن يكون أكره ما يكون إليهم النظر إلى الصليب، لكن كما هو معلوم النصارى ضالون ليس عندهم عقول.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: تذكير هذه الأمة بما جرى لأنبياء الأمم السابقة قبلها ومن أرسل إليهم؛ لأن قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ متعلقة بمحذوف، والتقدير: واذكر إذ قال الله.
الفائدة الثانية والثالثة: إثبات أن الله يتكلم ويقول بحرف وصوت؛ لأن مقول القول هو: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره, وهذه حروف، والقول لا يوجه إلا لمن يسمعه، ولو كان قول الله هو ما قام بنفسه، لم يصح أن يقول: إذ قال الله: يا عيسى، وفي هذا رد على الأشاعرة، الذين قالوا: إن قول الله وكلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وليس هو المسموع، والمسموع أصوات يخلقها الله تعبر عما في نفسه، وهذا القول باطل من أوجه كثيرة، كتب عليه شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ وجزاه الله خيرًا عن هذه الأمة - رسالة تسمى التسعينية، أبطل هذا القول من تسعين وجهًا وهو جدير بأن يبطل ويطرح؛ لأنه متناقض، والعجب أنهم هم والمعتزلة اتفقوا على أن ما في المصحف مخلوق، لكن المعتزلة قالوا: هو كلام الله، وهؤلاء
стр. 994
قالوا: هو عبارة عن كلام الله، فكان المعتزلة والجهمية من هذا الوجه أسعد منهم بالصواب مع أنهم كلهم خطأ؛ لأن هؤلاء يقولون - أعني الأشاعرة -: الذي في المصحف هذا ليس كلام الله، بل عبارة عن كلام الله وهو مخلوق، وأولئك يقولون: كلام الله مخلوق، ومن تدبر هذا القول وجده في غاية البطلان.
الفائدة الرابعة: بيان تذكير الله عباده بنعمه عليهم، وهذا جاء في القرآن في غير ما موضع، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣] , أحيانًا يكون عامًّا كهذه الآية، وأحيانًا يكون خاصًّا، مثل قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] , وما أشبه ذلك، وإنما يُذكِّر الله العباد بالنعمة من أجل وجوب شكرها؛ لأن وجوب شكر المنعم ثابت سمعًا وعقلًا، أما السمع فمملوء به القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢] , وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢] , وأما عقلًا: فلأنه ليس من المروءة أن تقابل النعمة بالإساءة والكفر، فشكر المنعم إذًا واجبٌ سمعًا وعقلًا، وفائدة التذكير بالنعم هو القيام بالشكر.
الفائدة الخامسة: جواز نسبة الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب، لقوله: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، وهل يمكن أن يكون للإنسان أم بلا أب؟
الجواب: نعم، وذلك فيما إذا نفى الزوج الولد عن نفسه فإنه ينتفي عنه بالشروط التي ذكرها الفقهاء ﵏، وكذلك ولد الزنا: إذا لم يستلحقه الزاني فإنه له أم وليس له أب، فإن استلحقه الزاني فالمسألة فيها خلاف معروف، وجمهور العلماء
стр. 995
على أنه لا يلحقه، لعموم قول النبي ﷺ : "وللعاهر الحجر" (١).
لكن لو قال قائل: إذا كانت نسبته إلى أمه توجب التساؤلات، وأن ينكسر قلبه، وأن يساء إلى أمه فهل يعدل عن هذا؟
الجواب: نعم يعدل عن هذا؛ لأن نسبته إلى أمه إذا لم يكن له أب على سبيل الإباحة والجواز، فإذا كان يستلزم ما يؤدي صاحبه فإنه يعدل إلى نسبته إلى آخر، لكن ننسبه إلى من؟ نقول: ننسبه إلى اسمٍ يصح لكل إنسان مثل: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الكريم، عبد اللطيف، وما أشبه ذلك، فعلى هذا نقول: الأصل فيمن ليس له أب أن ينسب إلى أمه، فإن خشي من ذلك مضرة أو إيذاء نسب إلى من يصح أن ينطبق على كل أحد.
الفائدة السادسة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب عليهم الشكر كما يجب على من أرسل إليهم؛ لأن الله أمر عيسى أن يذكر نعمته عليه وعلى أمه، ونقول: نعم يجب وهم - أي: الأنبياء - أشد الناس قيامًا بشكر النعمة، فقد كان إمامهم محمدٌ ﷺ يقوم في الليل حتى تتورم قدماه وتتفطر، فيقال: "يا رسول الله! أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا" (٢).
стр. 996
الفائدة السابعة: أن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد، لقوله: ﴿عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ ولا شك أنها نعمة على الولد كما هي نعمة على الوالد، وهل النعمة على الولد نعمة على الوالد من باب المساواة أو الأولى؟ من باب الأولى؛ لأن الولد بضعة من أبيه، كما قال النبي ﷺ في فاطمة ﵂ لا إنها بضعة مني، يريبني ما رابها" (١) فنعمة الله على الولد في الحقيقة نعمة من الله على الوالد.
الفائدة الثامنة: أن الله تعالى يؤيد البشر بالملائكة، لقوله تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
الفائدة التاسعة: هذه المزية لجبريل ﵇ وأنه يؤيد الأنبياء والرسل.
الفائدة العاشرة: اللقب الفاضل لجبريل: روح القدس، فإن القدس بمعنى: الطهارة والنزاهة من كل عيب، فهو: أي: جبريل ﵇ ذو مِرَّةٍ، أي: ذو هيئة حسنة، وهو قوي كما قال الله : ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير: ٢٠]، وله مكانة عند الله ، كما قال الله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ [التكوير: ٢٠]، واليهود يبغضون جبريل، والمسلمون يحبون جبريل؛ لأن جبريل موكل بالوحي ينزل به وفيه حياة الأمة، وأولئك يكرهون جبريل يقولون: إنه ينزل بالعذاب، ولكنه ينزل بالعذاب على من يستحقه.
стр. 997
الفائدة الحادية عشرة: هذه الآية العظيمة التي أعطاها الله تعالى عيسى وهي: أنه يكلم الناس في المهد وكهلًا على السواء، أي: أنه يتكلم بكلام رصين بليغ عجيب مع أنه في المهد، وعادة لا يتكلم الإنسان في المهد إنما ينبغ نبغًا لا يفهم، لكن هذا من آيات الله ، كما أن أصل عيسى من آيات الله، وسبق ما ذكره الله تعالى لنا من كلام عيسى في المهد، لما قال قوم مريم لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، فأشارت إليه فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٣]، كلام عجيب بليغ، لكن الله على كل شيء قدير.
الفائدة الثانية عشرة: التنصيص على النعمة بالعلم والشرع والحكمة، وأنها أخص من مطلق النعمة؛ لأن مطلق النعمة سبق في قوله تعالى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ لكن العلم خصه فقال: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وعلى هذا فيجب على طالب العلم أن يشكر الله تعالى على نعمته عليه، حيث خصه بالعلم الذي حَرَمَهُ كثيرًا من الناس، وإذا من الله عليه بالعبادة والدعوة إلى الله صار نعمة فوق نعمة، فكم من أناس ضلوا عن سواء السبيل، قال الله : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، والإنسان إذا شعر بنعمة الله عليه بالعلم والعبادة والدعوة فإنه يزداد فرحًا وسرورًا ومثابرة وصبرًا على ما هو عليه من طلب العلم وازدياد العبادة وقوة الدعوة إلى الله .
стр. 998
الفائدة الثالثة عشرة: التنصيص على الحكمة وهي معرفة أسرار الشريعة وغاياتها وثمراتها، فإن معرفة ذلك لا شك أنه يزيد الإيمان وأنه يزيد الإنسان بصيرة في شرائع الله، وأنها أي: الشرائع من لدن حكيم عليم، ولهذا نقول: إنه لا يمكن أن يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، هذه قاعدة خذها مضطردة، فإن وجدت ما ينافيه فاعلم أن الأمر لا يخلو من أحد أمرين ولا بد: إما أن عقلك ليس بصريح، يعني: فيه شبهات أوجبت إخفاء الحق عليك أو شهوات انطمس بها -نسأل الله العافية- وإما أن يكون النص غير صحيح، يكون حديثًا ضعيفًا أو مكذوبًا على النبي ﷺ أو ما أشبه ذلك، أما أن يكون عقل صريح سالم من الشبهات والشهوات ونقل صحيح فلا يمكن أن يتناقضا أبدًا.
الفائدة الرابعة عشرة: أن التوراة والإنجيل كتابان من عند الله ، وسبق أن قلنا: إن عطفهما على الكتاب من باب عطف الخاص على العام، إذا لم نقل: إن المراد بالكتاب الكتابة.
الفائدة الخامسة عشرة: بيان قدرة الله تبارك تعالى على إحياء الموتى وعلى إدخال الروح في الجماد، لقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْر﴾.
الفائدة السادسة عشرة: إطلاق لفظ الخلق على ما صنعه المخلوق، فمثلًا: لو صنعت بابًا، تقول: خلقت بابًا، ويدل لهذا قول الله ﵎: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقوله في الحديث الصحيح: "يقال للمصورين: أحيوا ما
стр. 999
خلقتم" (١)، فإن قال قائل: إذا أثْبَتَ صفة الخلق للمخلوق، فأي فرق بين خلق الخالق وخلق المخلوق؟
الجواب: الفرق عظيم جدًّا، خلق الخالق إيجاد من عدم على ما يريد الله : قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦]، خلق المخلوق: تحويل مخلوق الله إلى صفة أخرى، وإلا فالأصل من الله ، وهل يمكن لأحد أن يجعل من الحجر ذهبًا؟ لا يمكن، لكن يمكن أن يجعل من الذهب حليًا، وأن يجعل منه على شكل حيوان، كما جعلت بنو إسرائيل الحلي الذي أخذوه من آل فرعون عجلًا، فافترق الخلق المنسوب للخالق والخلق المنسوب للمخلوق، خلق المخلوق يعني: تحويل الشيء من شيء إلى آخر، ليس ذاته ولكن صفاته، وأما خلق الخالق: فهو إيجاد من عدم، وهذا لا يستطيع أحد أن يفعله.
الفائدة السابعة عشرة: أن الله جعل لعيسى آيةً تعجز علماء الفن الذى اشتهر في حياته، فقد قيل: إن عيسى ابن مريم ﵊ اشتهر في وقته الطب وترقى ترقيًا عظيمًا، فجاء عيسى بآيات لا يستطيع الأطباء أن يقوموا بها، كما أن السحر في عهد موسى كان منتشرًا فجاء موسى بآيات تبطل سحرهم، وكما أن البلاغة كانت منتشرة في العرب في عهد الرسول ﷺ فجاء الله تعالى بكتاب أعجزهم.
стр. 1000
الفائدة الثامنة عشرة: أنه يختار من الآيات أشدها إعجازًا، فإنه لم يَمُنَّ على عيسى بأن يخلق أرنبًا أو قطًا أو ما أشبه ذلك بل طائرًا؛ لأن الطيران في الجو أبلغ من المشي على الأرض، فاختار الله له أن يخلق طائرًا، يعني: على صورة الطير.
الفائدة التاسعة عشرة: أن النفخ له تأثير في الأجساد إذا أراد الله أن يؤثر؛ لأنه نَفَخَ في الطير الذي صنعه فصار طائرًا كما في القراءة الأخرى، لما نفخ فيه صار حيوانًا من الطيور ثم طار لتحقق أنه دخلته الروح، ومن ثَمَّ جاءت القراءة على المريض عن طريق النفث، والنفث كما نعلم جميعًا يتضمن نفخًا وريقًا، وهذا مؤثر بإذن الله ، ولهذا لو أن القارئ صار يقرأ ويأخذ بإصبعه من ريقه ويبل به مكان الألم أو يبل به المريض، فلا أظنه ينفع، لا بد من نفث مع ريق.
الفائدة العشرون: ما أعطاه الله تعالى عيسى من الآيات في إبراء الأكمه، وهو الذي خلق بلا عين ولا بصر، وهذا دليل على قدرة الله، والظاهر والله أعلم أنه يبرئه في الحال، ولا يحتاج إلى علاج وإلى انتظار، كما جرى للنبي ﷺ في عين أبي قتادة ﵁ حين جرحت في أُحد وبرزت على خده -العين برزت على الخد- فأتي به إلى الرسول ﵊ فأخذ العين وردها في مكانها، وعادت كما كانت في الحال (١)،
стр. 1001
سبحان الله العظيم هذه قدرة لا يبلغها الأطباء، فالظاهر أن إبراءه الأكمه والأبرص، يكون في الحال، بدون معالجة وتردد.
الفائدة الحادية والعشرون والثانية والعشرون: هذه الآية العظيمة لعيسى أنه يخرج الموتى من القبور لقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ وهذه لا يقدر عليها أحد، أما هل يبقى الميت إذا خرج أو لا يبقى هذا ليس لنا فيه كلام ولا ينبغي أن نتكلم فيه؛ لأن الآية حصلت بإخراجه من قبره، أما هل يبقى ويعيش مع الناس، أو يموت بعد أن خرج وبرز للناس ثم يدفن؟ فهذا ليس لنا في معرفته مصلحة، وليس لنا أن نسأل عنه؛ لأن الآية حاصلة بدونه.
ففي هذه الآية الجمل الأربع: الطير، إبراء الأكمه، وإبراء الأبرص، وإحياء الموتى، فيه دليل على أنه لا يمكن لأي بشر مهما أوتي أن يحصل له مراده إلا بإذن الله ؛ لأن كل جملة أو كل كلمة قيدها الله تعالى بإذنه؛ لئلا يدعي مدعٍ أن الخلق لهم استقلال في أفعالهم، فيكون لهذه الفائدة فرع وهو الرد على القدرية: والقدرية هم الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ليس لله فيه إرادة، الإنسان يأكل ويشرب ويدخل ويخرج ويتحرك ويسكن بإرادة تامة ليس لله فيها تعلق، وهذا يعني: إثبات خالق مع الله ، أو إثبات موجد للحوادث مع الله ، ولهذا سميت القدرية مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون: إن الحوادث الكونية لها خالقان: ظلمة ونور، وهؤلاء يقولون: الحوادث في الكون لها موجدان، كل واحد مستقل عن الآخر، أفعال العباد يستقل بها العباد حتى إن بعضهم يقول: إن الله لا يعلم من أفعال العباد إلا ما وقع، وأما ما لم يقع فلا يعلمه الله ، فوصفوا الله ﵎ بالجهل فيما هو في ملكه ﵎.
стр. 1002
الفائدة الثالثة والعشرون: إثبات إذن الله، وليعلم أن الإذن المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: إذن كوني قدري، وإذن شرعي تعبدي، مثال الإذن الكوني: هذه الآية: ﴿تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾، ومثال الإذن الشرعي: قول الله تبارك وتعالي: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ شرعًا أو قدرًا؟ قدرًا قد أذن فيه، فإنه مكن لهؤلاء من أن يشرعوا لأقوامهم ما لم يأذن به الله، ومكن الأقوام أن يتعبدوا بهذه الشريعة البدعية، لكن شرعًا لا، والفائدة من معرفة القسمين: أن نؤمن بأن ما أذن الله فيه قدرًا فلا بد من وقوعه، وما لم يأذن به فلا يمكن وقوعه، أما شرعًا: فما أذن الله فيه شرعًا فقد يقع وقد لا يقع، وما لم يأذن فيه فقد يقع وقد لا يقع، هذا هو الفرق.
لكن لو قال قائل: ما الفرق بين الإذن والإرادة؟
الجواب: الإرادة والإذن متقاربان، لكن الإذن أبلغ في التأثير، فمثلًا: أنا أريد منك أن تفعل، وأذنت أن تفعل، هذا أبلغ، لكن بالنسبة لصفات الله متقاربة.
الفائدة الرابعة والعشرون: أن الله يدافع عن المؤمنين وأن كف الأذى عن الإنسان من نعمة الله عليه، ولهذا امتن الله به على المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، نأخذ هذا من قوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فكلما كان الإنسان أشد إيمانًا بالله دفع الله عنه، وتسليط بعض الناس عليه بالإيذاء ما هو إلا كتسليط المرض على الرسل والأنبياء من باب رفعة الدرجات، وإلا فلا شك أن
стр. 1003
هناك أئمة من هذه الأمة أوذوا أشد الإيذاء، بل الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤذون، كما قال الله : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤]، لكن هذا من باب رفعة الدرجات.
الفائدة الخامسة والعشرون: تشجيع الداعي إلى الله الذي يأتي بالآيات البينات فإنه عرضة للإيذاء لقوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، فكل إنسان يدعو إلى الله ويأتي بالبراهين والأدلة، لا بد أن يسلط عليه من يسلط، ولكن الله تعالى بقوته وقدرته يصرف عنه.
الفائدة السادسة والعشرون: تمرد بني إسرائيل الذين كفروا حيث ادعوا أن هذا سحر بل حصروا ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يعني: ولا يمكن أن يكون حقًّا.
الفائدة السابعة والعشرون: أن السحر ما خفي سببه، فقالوا: كيف يكون عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله كيف يكون هذا؟ هذا سحر! لو أن أحدًا وقف على جثةٍ هامدة وقال: قومي فقامت ماذا يقول الناس؟ يقولون: هذا ساحر، كيف يقوم الميت؟ فهم لَبَّسوا والعياذ بالله على عباد الله وقالوا في آيات الأنبياء: إنها سحر مبين.
الفائدة الثامنة والعشرون: أن المؤمنين يتبين لهم الحق ويعلمون أنه حق؛ لأن مثل هذا القول: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إنما يصدر من أهل كفر، أما المؤمن فيؤمن بالآيات ويرى أنها حق ويزيد إيمانه بها.
الفائدة التاسعة والعشرون: أن عيسى عليه الصلاة والسلام
стр. 1004
كغيره من الرسل جاء بالآيات البينات، يعني: الواضحات التي لا تشكل على أحد، وقد أخبر النبي ﷺ أنه ما من نبي بعثه الله إلا أعطاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، ولولا هذا لكان الناس معذورين، ألا يصدقوا، يعني: لولا الآيات مع الرسل عليهم الصلاة والسلام، لكان الناس لهم عذر ألا يصدقوا، وعليه فيكون قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، يكون مقيدًا بأنهم أوتوا آياتٍ يؤمن على مثلها البشر، وآيات الأنبياء أنواع كثيرة يجمعها أنها معنوية وحسية، وقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ فصلًا قيمًا جدًّا جدًّا في آخر كتابه: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ذكر فيه آيات النبي ﵊، وقال: إن آياته نوعان: حسية ومعنوية، والحسية آفاقية وأرضية ووضح توضيحًا كاملًا، وأن من أعظم آياته بل أعظم آياته هذا القرآن، الذي كان آية في وقته وفيما بعده إلى يوم القيامة، ولهذا قال ﵊: "وإنما الذي أوتيته وحيٌ أوحاه الله إلي -أو كلمة نحوها- فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١) لأن القرآن بقي، وآيات الأنبياء انتهت بحياتهم فقط، ما لبث أقوامهم أن حرفوا الكتب من بعدهم، أهل التوراة وأهل الإنجيل والكتب الأخرى.
* * *
стр. 1005
° قال الله : ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣)﴾ [المائدة: ١١١ - ١١٣].
قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ (إذ): على حسب ما سبق مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ أوحيت.
وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ أن: هنا تفسيرية؛ لأنها إذا وقعت بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه سميت تفسيرية، والوحي فعل متضمن لمعنى القول دون حروفه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، فـ (أن) هنا يعربها أهل النحو على أنها تفسيرية.
وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أعاد حرف الجر في قوله: ﴿وَبِرَسُولِي﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿بِي﴾ لأنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يؤتى بحرف الجر الذي كان في المعطوف عليه، هذا هو الأشهر في اللغة العربية، وربما يخرج الكلام عن الأصل مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] "والأرحامِ" بالكسر، على قراءة، والقراءة المشهورة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] بالنصب، ومثل قوله تعالى: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ولم يقل: وبالمسجد، وإلا فالأصل أنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يعاد حرف الجر.
стр. 1006
قوله: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ هذا جواب: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾.
قوله: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ يجوز في مثل هذا، أي: في قوله: ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، أن تضعف النون وألا تضعف، إن ضعفت فلا بد من الإتيان بالضمير: بأننا، وإن لم تضعف أدغمت النون بنون الضمير فصارت: بأنا مسلمون، وقد جاء ذلك في القرآن.
قوله: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ هذه أيضًا جملة استئنافية وعامل "إذ" محذوف، والتقدير: اذكر إذ قال الحواريون، ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عيسى: منادى وهو في مثل هذا يبنى على الضم في محل نصب ولكن جاءت "ابن" وهي صفة أو عطف بيان منصوبة، ولم تتبع موصوفها؛ لأنها مضافة، ولهذا تقول: يا زيدُ بنَ عبد الله، ولا تقل: يا زيدُ بنُ عبد الله؛ لأن هذا أعني المضاف لو سلط عليه العامل لنصبه، فإذا كان العامل لو سلط عليه مباشرة لنصبه، فكيف والعامل لم يسلط عليه إلا بواسطة المعطوف عليه عطف بيان أو بدل.
قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فيها قراءتان: قراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وقراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾، وكلاهما سبعية، أما: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فهي فعل وفاعل، وأما "هل تستطيع رَبَّكَ" فهي فعل وفاعل مستتر متصل ومفعول به، الفاعل المستتر في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾، يعود على عيسى.
قوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ جار ومجرور صفة لمائدة، وذلك؛ لأن الجار والمجرور والفعل إذا أتى بعد النكرة فهو صفة، وإن أتى بعد المعرفة فهو حال.
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه متعلقة بقوله: ﴿اتَّقُوا
стр. 1007
اللَّهَ﴾؛ لأن الإيمان يحمل على التقوى وهي شرط في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ (أوحيت) هنا، هل هو الوحي الشرعي أو الوحي الكوني الإلهامي؟ في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إنه الوحي الشرير، يعني: أوحيت إليهم بواسطة عيسى، وإلا من المعلوم أن الوحي الشرعي لا يكون إلا للأنبياء والرسل، لكن أوحيت إليهم شرعًا بواسطة نبيهم عيسى ﵊، أما إذا كان وحيًا كونيًّا: فالمراد به الإلهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، أوحينا وحي إلهام أو وحي شرع؟ وحي إلهام، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]، هذا وحي إلهام، وهو وحي كوني؛ لأنه يتعلق بالخالق.
فإن قال قائل: ألا يمكن أن نحمل الآية على المعنيين جميعًا، فيكون الله تعالى أوحى إلى نبيهم عيسى أن يبلغهم ذلك وألهمهم قبوله؟
الجواب: بلى يمكن أن يحمل الوحي على المعنيين جميعًا.
وقوله: ﴿الْحَوَارِيِّينَ﴾ الحواريون: هم الخلص من الأصحاب، وقد قال النبي ﷺ : "لكل نبي حواري، وحواري الزبير بن العوام" (١)، وتأمل كيف كان هؤلاء هم الخلص من
стр. 1008
أصحابه، ماذا صنعوا بعد ذلك وهم الخلص؟ اقرن هؤلاء الخلص بالخلص من هذه الأمة تجد الفرق العظيم، كما لو قرنت الخلص من قوم موسى لوجدت الفرق العظيم بينهم وبين الخلص من هذه الأمة، مما يدلك على فضل هذه الأمة، التي اختارها الله تعالى لاتباع هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أن آمنوا بي: الإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته والإيمان بأسمائه وصفاته، يعني يتضمن أربعة أشياء، والمراد الانفراد بهذه الأشياء.
فالإيمان بوجوده رد على أولئك الشيوعيين الذين يقولون: ليس هناك رب، وإنما هي طبائع تتفاعل، وينتج بعضها بعضًا وإلا فلا رب -والعياذ بالله- لأنه قد ختم على قلوبهم نسأل الله العافية.
الإيمان بربوبيته: رد على من يقولون: إن الله له معين في الخلق أو له شريك، ولهذا نفى الله ذلك في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣].
الإيمان بألوهيته: المراد انفراده بالألوهية رد على الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر يعبدونه كما يعبدون الله كمشركي قريش.
الإيمان بأسمائه وصفاته: رد على طائفتين المعطلة والممثلة.
стр. 1009
الطائفة الأولى: الممثلة: أشركوا بالله، فقالوا مثلًا: إن لله وجهًا كوجوهنا، وله يد كأيدينا، وله عين كأعيننا، وما أشبه ذلك، هؤلاء مشركون.
الطائفة الثانية: المعطلة الذين نفوا الوجه واليد والعين والقدم والنزول والاستواء وما أشبه ذلك، هؤلاء معطلون، لهم نصيب من قول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وإن كانوا لا يعطلون الألوهية لكنهم يعطلون الأسماء والصفات، فمن آمن برب لا يوصف بسمع ولا بصر ولا حكمة ولا عزة ولا قوة ولا مجيء ولا استواء هل آمن برب حقيقة؟ لا.
قوله: ﴿وَبِرَسُولِي﴾ أي: عيسى ﵊، والإيمان برسول واحد يتضمن الأمر بالإيمان بجميع الرسل؛ لأن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، ألم تقرأ قول الله : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وهل أحد أرسل قبل نوح؟
الجواب: لا، ويجب أن تكون لا قوية، لا يوجد رسول قبل نوح، ومع هذا قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ لأنه إذا كذب بواحد من الجنس فقد كذب بالجنس كله، إذا آمنوا بعيسى فقد آمنوا بجميع الرسل ومنهم محمد ﵊؛ لأن عيسى بشربه.
قوله: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ قالوا بالسنتهم، ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ قالوا لمن، لله أو لعيسى؟ إذا كان عيسى هو الذي أمرهم فسيكون قولهم: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ لعيسى فأقروا
стр. 1010
واستشهدوا، وإذا أقر الإنسان واستشهد، صار استشهاده غيره مانعًا له من الإنكار فيما بعد؛ لأن الإنسان قد يقر بنفسه، لكن إذا لم يكن عنده من يشهد عليه ربما ينكر، لكن هم أقروا بالسنتهم واستشهدوا، استشهدوا عيسى إذا كان المراد بقوله: ﴿قَالُوا﴾ أي لعيسى، أما إذا كان المراد أنهم قالوا لله ، فإن المستشهد هنا هو الله ﵎.
وقوله: ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون لله ولا انقياد إلا بإيمانٍ بأن الله تعالى آمرٌ وناهٍ، واعلم أن الإسلام إذا أطلق شمل الإيمان، والإيمان إذا أطلق شمل الإسلام، وإذا اجتمعا صار الإسلام علانية والإيمان سرًّا، يعني الاسلام الأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأفعال الجوارح، والإيمان: الأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وحبها ورجائها وغير ذلك.
قوله: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ يعني: أذكر يا محمد إذ قال الحواريون المنتخبون من قوم عيسى: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ انظر إلى هذا الخطاب الجاف، لم يقولوا: يا رسول الله أو يا نبي الله، قالوا: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ﴾ فيه إشكال عظيم على هذه القراءة؛ لأن شكهم في قدرة الله يستلزم الكفر، فلهذا أشكل على أهل العلم كيف يقولون هذا وهم الحواريون؟
فنقول في الجواب عن هذا من وجهين: الوجه الأول: إما أن تحمل الاستطاعة على الإرادة، وهذا سائغ في كلام العرب، تقول لصاحبك: يا فلان هل تستطيع أن تمشي معي لفلان
стр. 1011
سأزوره، وأنت تعرف أنه يقدر، لكن المراد: هل تريد أن تمشي معي، فيكون قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ أي: هل يريد وليس عندهم شك في كونه قادرًا فتكون الاستطاعة بمعنى القدرة. الوجه الثاني: أن يكون عنده الإيمان بقدرة الله على كل شيء، لكن التفصيل قد يتردد الإنسان في حصوله ويحتاج إلى زيادة الطمأنينة، يعني هم يؤمنون بالقدرة العامة، لكن قد يحصل عند الإنسان شك في القدرة الخاصة، كحال الرجل الذي قال لأهله، وكان مسرفًا على نفسه: "إذا أنا متُ فأحرقوني ثم ذروني في اليم -يعني في البحر- فوالله لأن قدر الله علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين" (١) الرجل خائف من الله، وليس عنده شك بأنه قادر، لكن على سبيل العموم، أما على هذا الفعل بعينه، فإنه يقول: لعله إذا أحرق وذر في اليم لا يقدر النه عليه، وانظر إلى مريم، وانظر إلى زكريا، لما بشره الله تعالى بأنه سيهبه ولدًا ماذا قال؟ ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ [مريم: ٨]، كيف يصير هذا؟ قال الله له: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم: ٩]، يعني انظر لأصلك: ﴿خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ إذًا: فالله قادر على أن يخلق ولدًا، ومع هذا طلب آية على تحقق ما بشر به.
هناك وجه ثالث يقول: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ ليس من الاستطاعة التي هي ضد العجز، بل من الاستطاعة التي هي الإطاعة، يعني:
стр. 1012
هل يطيعك ربك إذا سألته أن ينزل علينا مائدة أو لا يطيع؟ وهذا القول يرجع إلى المعنى الأول: وهو: الإرادة؛ لأن الإطاعة بمعنى الانقياد، فالمعنى: هل إذا سألت ربك يطيعك؟ فتكون الاستطاعة هنا ليست من باب الطوق والقدرة، لكن من باب الإطاعة وهي الانقياد إذا سألته.
قوله: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، اتقوا الله: يعني: امتنعوا عن هذا الطلب أو عن هذا السؤال الذي يتضمن الطلب، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: مؤمنين بقدره راضين بقضائه، إن أغناكم أغناكم، وان أعدمكم أعدمكم؛ لأن المؤمن حقًّا والمتقي حقًّا يرضى بقضاء الله وقدره ولا يسأل أشياء تكون خارجة عن نطاق العادة، هذا على قراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾.
أما على قراءة: "هل تستطيع رَبَّكَ" فالمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ فتكون الاستطاعة هنا عائدة إلى عيسى ﵇، يعني: هل تستطيع أن تسأل الله، أو تستحيي فلا تسأل؟ وعلى هذه القراءة ليس هناك إشكال، -والحمد لله- وعلى القراءة الأولى تقدمت الوجوه التي يجاب بها عن الإشكال.
قوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ المائدة: تطلق أحيانًا على الطعام، والأصل أنها تطلق على الكرسي الذي يكون عليه الطعام، لكن قد تطلق على الطعام، وهنا المراد والله أعلم الأمران جميعًا، يعني: كرسي الطعام وهو الخمان أو الخوّان -أنا لا أضبط اللفظة- وعليه الطعام، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من فوق، ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿قَالُوا نُرِيد﴾ يعني: أخبروه
стр. 1013
بالسبب أنهم سألوا هذا السؤال العجيب، ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ إذًا هم جياع، وهو يشبه من بعض الوجوه وإن كان أحسن منها، ما قاله قوم موسى له: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، لكن هؤلاء طلبوا شيئًا ينزل من السماء، قالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ ثانيًا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ (تطمئن): تستقر ولا يكون فيها قلق ولا ريب، هذا الغرض الثاني، الثالث: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ كيف نعلم أن قد صدقتنا؟ نعم هو قال لهم: إنه رسول الله، فإن جاء بآية بينة فقد صدقهم وإن لم يأتِ فلم يصدقهم، لكن كيف يقولون: ونعلم أن قد صدقتنا وهم قد صدقوه؟ هذا إشكال لكن الجواب: إما أن المعنى: ونزداد علمًا أن قد صدقتنا، ولا شك أنه كلما وجدت الآيات الدالة على صدق القائل ازددت علمًا بصدق القائل، أو يكون بعضهم عنده تردد، والعلم ينفي الشك والتردد، ولكن أيما أولى الإحسان بهم ظنًّا ونقول: نعلم أي: نزداد علمًا، أو نقول: لعل بعضهم عنده تردد؛ الأول أحسن، ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: أخبرتنا بالصدق، يقال: صدق بمعنى: أخبره بالصدق، ويقال: صدق بمعنى: أتى بما وعده به، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، يعني: تقتلونهم، بمعنى أتى بما وعد به، ويقال: صدقه؛ إذا أخبره بالصدق وإن لم ياتِ بما أخبر به، كقوله ﷺ في الشيطان: "صدقك وهو كذوب" (١).
стр. 1014
﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ هذا أمر رابع، يعني: نشهده بأعيننا من غير أن نخبر عنه، وليس الخبر كالمعاينة.
من فوائد الآيات الكريمات:
الفائدة الأولى: إثبات وحي الله عز جل، لقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ﴾ ووحي الله ينقسم إلى قسمين: وحي شرع، ووحي إلهام، فالأول يتعلق بالشرع، والثاني يتعلق بالكون، وقد تقدمت الأمثلة في التفسير.
الفائدة الثانية: أن عيسى ﵇ له حواريون، يعني: أصحابًا ذا صفاء في مودتهم، كما قال تعالى في آخر سورة الصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، وكما تقدم في الحديث: "لكل نبي حواري، وإن حواري الزبير بن العوام" (١) هذه منقبة لا شك للزبير، لكن أبو بكر ﵁ قال عنه النبي ﷺ : "لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا" (٢).
الفائدة الثالثة: أن الإيمان بالله لا يتم إلا بالإيمان برسوله، لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، وقد بَيَّنَ النبي ﷺ أن الإيمان: هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هذه الأركان لا بد منها في الإيمان، فمن نقص منها واحدًا لم يكن مؤمنًا.
стр. 1015
الفائدة الرابعة: استجابة الحواريين لما أوحي إليهم به، حيث قالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾.
الفائدة الخامسة: جواز حذف المعلوم، حيث قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ ولم يقولوا: بك وبرسولك؛ لأن هذا معلوم، فالمطلق يحمل على المقيد إذا كان معلومًا، فإذا عقد الإنسان عقدًا، وذكر عند الإيجاب شروطًا، فقال الآخر: قبلت البيع منك، مثال ذلك قال: بعتك هذا البيت على أن أسكن فيه سنة، فقال: قبلت البيع، هل يثبت الشرط؟ نعم يثبت؛ لأن قوله البيع يعني القبول بهذا الشرط وإن لم يذكر، لكنه معلوم من السياق.
الفائدة السادسة: جواز استثبات الشيء بالإشهاد عليه، لقوله: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ وفي الدعاء المأثور: "اللهم إني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وأنبياءك وجميع خلقك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك" (١) هذا من أذكار المساء والصباح على خلاف في ثبوت الحديث.
الفائدة السابعة: أن الإيمان هو الإسلام لقوله: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ولم يقولوا: مؤمنون، قالوا: مسلمون، فدل هذا على أن الإيمان هو الإسلام، وقد ذهب إلى هذا جماعة من
стр. 1016
أهل العلم، وقالوا: لا فرق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا بمثل هذه الآية، واستدلوا أيضًا بقول الله ﵎: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، ولكن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، والصواب: أن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وإذا ذُكر مع الإيمان صار له معنىً آخر، ويدل لهذا التفصيل قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، يعني: لم يدخل لكن قريبًا يدخل؛ لأن: "لما" تفيد النفي مع قرب المنفي، إذًا كيف نُخَرِّج هذه الآية؟ نخرجها: أنهم جمعوا بين الإيمان والإسلام، فيكون الإيمان في القلوب، والإسلام في الجوارح، يعني: أنهم آمنوا وانقادوا انقيادًا تامًّا لأوامر الله ورسوله.
الفائدة الثامنة: أن الحواريين مع كونهم خُلصًا عندهم شيء من الجفاء، لقولهم: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
فإن قال قائل: لعل شريعتهم تبيح لهم أن ينادوا نبيهم باسمه، بخلاف هذه الشريعة، فقد قال الله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، قلنا: وليكن ذلك، لكن هل من الأدب أن يخاطبوا عيسى ابن مريم ﵊ باسمه مع أنهم يريدون أن يدعو الله لهم بحصول هذه المائدة، أو الأليق ما داموا يريدونه أن يسأل الله لهم أن ينادوه بوصف النبوة والرسالة؛ لأنه أنسب وأقرب إلى إجابة دعوتهم؛ الجواب الثاني لا شك، على كل حال هذا الخطاب لا شك أن فيه شيئًا من الجفاء.
стр. 1017
الفائدة التاسعة: أن هؤلاء الحواريين يريدون من الآيات ما يملأ بطونهم، والدليل أنهم أول ما بدؤوا بالأكل قالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ فيشبه قول اليهود لما قيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨]، ماذا فعلوا؟ دخلوا على أستاههم أي: على أدبارهم، يقولون: حنطة، أمروا أن يقولوا: حطة، يعني: احطط عنا ذنوبنا، لكن قالوا: لا، نريد شيئًا ثانٍ، وهو ملئ البطن حنطة، هؤلاء قولهم يشبه هذا القول، والأصل واحد، فكلهم من بني إسرائيل، فلا عجب أن يكون سؤالهم متقاربًا والله أعلم.
الفائدة العاشرة: أن وقوع الشيء يعطي يقينًا أكثر من الخبر به، ومنه قول النبي ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة" (١) ولهذا أمثلة منها: قول إبراهيم ﵊: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، نأخذ هذا من قولهم: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾.
الفائدة الحادية عشرة: أن آيات الأنبياء يزداد بها تصديقًا، لقوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: أخبرتنا بالصدق.
الفائدة الثانية عشرة: ثبوت الخبر بالتواتر وكثرة المخبرين، لقولهم: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ويمكن أن يستدل بهذا أيضًا على أن الصحابة رضوان الله عنهم قولهم حق وحجة؛ لأفهم شاهدوا النبي ﷺ ، وشاهدوا آياته، وأيقنوا بها أكثر من غيرهم، وفهموها أكثر من غيرهم.
* * *
стр. 1018
* قال الله : ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ [المائدة: ١١٤].
قوله: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ الإعراب في قوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ هو أن لفظ الجلالة "الله" منادى مبني على الضم في محل نصب، و"رب": بدل أو عطف بيان، وإن شئت فاجعله صفة، أي: نعتًا، وصار منصوبًا؛ لأنه مضاف.
قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ الجملة صفة لمائدة، و"عيدًا": خبر تكون، واسمها مستتر.
وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ بدل من قوله: "لنا"، لكنه بإعادة حرف الجر، أي: بإعادة العامل؛ لأن قوله: "لنا" يشمل الأول والآخر، لكن أتى بالتفصيل في قوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾.
وقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ معطوفة على "أعيدًا".
وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الجملة تدل على أن الله ﵎ موصوف بهذا الوصف.
وقوله: "ارزقنا": فعل أمر، لكن هل يقال في الأمر الموجه إلى الله أنه فعل أمر؟
الجواب: لا يقال تأدبًا مع الله، ولكن يقال: فعل طلب أو فعل سؤال أو ما أشبه ذلك.
قوله: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: قال عيسى ابن مريم مستجيبًا لطلب هؤلاء الحواريين، سائلًا الله أن ينزل عليهم مائدة من السماء، والسماء: يحتمل أن تكون العلو أو تكون السماء هي السقف المحفوظ، كما سبق.
стр. 1019
وقوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ أي: نتذكرها كلما جاء وقتها؛ لأن العيد: اسم لما يعود ويتكرر، ومنه الأعياد الشرعية، وهي: عيد الفطر وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع.
وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أولهم: الذين كانوا في عهد عيسى، وآخرهم: الذين كانوا من بعده.
وقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: علامة على قدرتك وعلى سمعك وعلمك، وآية على صدق عيسى ﵊؛ لأن هؤلاء طلبوا الآية ليعلموا أن عيسى قد صدقهم.
وقوله: ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أي: أعطنا؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله ﵎: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]، أي: أعطوهم منه.
وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يعني: أخيرهم من جهة الكم والكيف، فلا أحد أكرم من الله، ولا أحد أجود من الله .
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستطيعون أن يأتوا بكل ما يطلب منهم، وأنهم كغيرهم مفتقرون إلى الله يسألونه ويلجئون إليه.
الفائدة الثانية: أنه ينبغي للإنسان في حال الدعاء أن يذكر هذين المعنيين الألوهية والربوبية، لقوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ لأن هذا نوع من التوسل؛ يتوسل الإنسان بإلوهية الله وربوبيته.
الفائدة الثالثة: أن عيسى ﵊ أجاب الحواريين على وجه الأمانة التامة؛ لأنه قال: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما قالوا هم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢].
стр. 1020
الفائدة الرابعة: أن هذه المائدة تكون عيدًا للنصارى كلما جاء زمنها فهو عيد لهم.
فإذا قال قائل: هل هذا يقتضي أن نقول: كلما مر وقت المناسبات فإننا نجعله عيدًا؟
الجواب: لا؛ لأن هذه الأشياء ليس فيها قياس وهي كانت عيدًا بطلب نبيهم ﵊.
لو قال قائل: أيصح أن يدعو الإنسان بدعاء سورة المائدة: "اللهم أنزل علينا مائدة من السماء"؟
الجواب: أقول للسائل: أعندك شك في رسالة محمد ﷺ ؟
فإذا لم يكن عندك شك، فإذا جئت تدعو فقل: اللهم ارزقني مائدة وتكفيك مائدة الأرض.
لو قال قائل: لو أن داعية سأل الله مثل هذه الأشياء التي سألها عيسى ﵇ وذلك لِيُري الناس صدق دعوته؟
الجواب: هذا لا ينبغي إلا في مقام التحدي، في مقام التحدي لا بأس، كما يذكر عن خالد بن الوليد ﵁ أنه أكل السم، لكن بغير تحدي، لا، واصبر ولا تستعجل الآيات حتى تتم دعوتك، قد يكون الله أخر عنك الآيات الدالة على صدقك وهي الكرامات؛ لأن الآيات للأولياء من الكرامات، قد يكون ذلك لرفعة درجاتك وصبرك، أما في مقام التحدي فنعم، وليعلم أن من الاعتداء في الدعاء أن يكون الشيء المسؤول مستحيلًا كونًا وشرعًا، مثال المستحيل كونًا: أن يسأل الله تعالى أن يجعله مغيرًا للخلق، فهذا مستحيل؛ لأنه لا يملك التغيير إلا الله ، وكذلك أن يدعو أن يمكنه الله من