← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال ابن برهان: من ادعي أن الباء للتبعيض فقد قال عن أهل اللغة بما لا يعرفون. الفائدة الخامسة عشرة: أنه لو غسل الرأس بدلًا عن المسح فإنه لا يجزئ؛ لأن الله أمر بالمسح، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) وعلي هذا فلو أدلى برأسه حتي صب الماء من الماسورة وعم جميع الرأس فإنه لا يجزئه. وقال بعض العلماء: إنه يجزئ مع الكراهة، مستدلًا بنظر لا بأثر، فيقول: إنما وجب مسح الرأس تخفيفًا علي العباد، فإذا أراد الإنسان أن يأخذ بما هو أكمل فلا حرج عليه، كما شرع للصائم أن يفطر عند غروب الشمس، ولو أراد الوصال فله أن يواصل إلي السحر، وبعض العلماء قال: له أن يواصل اليومين والثلاثة، لكن هذا القول فيه نظر، أعني القول بإجزاء الغسل بدل المسح؛ لأن حديث عائشة ﵂: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) يقتضي رده، أي: رد الغسل بدل المسح؛ ولأن هذا من باب التنطع في الدين، وقد قال النبي ﷺ : "هلك المتنطعون" (٣). الفائدة السادسة عشرة: وجوب غسل الرِّجل، لقوله:

стр. 107

﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وهي معطوفة على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ أي: واغسلوا أرجلكم، هذا على قراءة النصب. أما على قراءة الجر فقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على جواز الاقتصار على مسح الرجل؛ أخذًا بالقراءة الثانية ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وقال: إن الإنسان يغسل رجله مرة ويمسحها مرة أخري، يغسلها بناءً على قراءة النصب، ويمسحها على قراءة الجر، وهذا لولا السنة لكان له نوع من الوجاهة، يعني: لكان وجهة نظر جيدة لكن السنة تأبي ذلك، فإن النبي ﷺ كان يغسل قدميه ولم يرد حرف عنه ﷺ أنه كان يمسحها، بل إنه لما رأي بعض أصحابه قد غسل رجليه بما ليس بغسل نادي بأعلي صوته: "ويل للأعقاب من النار" (١) فدل ذلك على وجوب غسل القدم. إذًا: كيف ننزل الآية؟ أما من جهة الإعراب ننزلها على ما سبق أن بعض أهل العربية قال إنها مجرورة بالمجاورة، وأن محلها حقيقة النصب، أو ننزلها على أن الرِّجل لها حالان: حال تكون مستورة، وحال تكون مكشوفة، فإذا كانت مكشوفة فالفرض الغسل، وإذا كانت مستورة فالفرض المسح، ولهذا لم يأتِ مثله في اليدين؛ لأن اليدين ليس فيهما مسح، حتي إن الرسول ﵊ لما كان عليه الجبة الشامية وصعب عليه أن يخرج يده من الكم أخرج الكم من اليد، وأخرج يده من أسفل الجبة وغسلها عليه

стр. 108

الصلاة والسلام كما هو ثابت في الصحيح (١)، إذًا: نأخذ من القراءتين وجوب غسل الرِّجل إذا كانت مكشوفة، ومسحها إذا كانت مستورة، فيكون فيها إشارة إلي المسح على الخفين. وبناءً على ذلك: هل الأفضل للابس الخفين أن يخلعهما ويغسل القدمين أو أن يمسحهما؟ الثاني هو الأفضل، ويدل له أن المغيرة بن شعبة لما أراد أن يخلع خفي النبي ﷺ قال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما" (٢). الفائدة السابعة عشرة: وجوب غسل الرِّجل إلي الكعبين، والكعبان داخلان في الغسل، لقوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فهل نقول: إن الرِّجل أو القدم إذا أطلق يكون لما دون الكعبين كما قلنا في اليدين؟ الجواب: نعم، وذلك أن الرجل عند الإطلاق حدها مفصل العقب، وكما نعلم أن قطاع الطريق الذين تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف يقطعون من مفصل العقب، ويبقي العقب غير مقطوع، وهنا إذا قلنا: الرجل إلي الكعبين دخل العقب؛ لأن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق، وذهبت الرافضة إلي أن الكعبين هما العظمان الناتئان على ظهر القدم، قال ابن كثير ﵀: وقد خالفوا أهل السنة في تطهير الرجل من وجوه ثلاثة:

стр. 109

الوجه الأول: أنهم جعلوا حد التطهير إلي العظم الناتئ على ظهر القدم. الوجه الثاني: أنهم قالوا: إن الواجب في الرِّجل هو المسح دون الغسل. الوجه الثالث: أنهم أنكروا المسح على الخفين، وقالوا: لا يجوز المسح على الخفين، والعجب أنهم أنكروا ذلك مع أن من جملة رواة المسح الإمام على بن أبي طالب ﵁، إمام الأئمة عندهم، ومع ذلك خالفوه. على كل حال: لسنا الآن في موضع نقاش مع هذا الرأي، ولكن نقول: إن الكعبين هما العظمان الناتئان في أسفل الساق. الفائدة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة: وجوب الترتيب بين الأعضاء في الوضوء، ولذلك وجهان: الوجه الأول: أن قوله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ جواب للشرط، وجواب الشرط يكون مرتبًا في ذاته كما هو مرتب على فعل الشرط، ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ .. فَاَغسِلُواْ فقوله: "اغسلوا" إلي آخره مرتب على قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، فإذا كان كذلك لزم أن يكون هذا الفعل المرتب على شيء هو بنفسه مرتبًا. الوجه الثاني: أن الله أدخل الممسوح بين المغسولات، ولا نعلم لهذا فائدة إلا الترتيب، وهو أن يكون تطهير الرأس في محله أي: بين غسل اليدين وغسل الرِّجلين، هذا مأخوذ من الآية نفسها، أما من السنة: فقد قال النبي ﷺ أقبل على الصفا بعد الطواف وأراد السعي قال: "أبدأ بما بدأ الله به" (١) وفي لفظ

стр. 110

في غير الصحيح قال: "ابدءوا" (١) بلفظ الأمر، وهذا يدل على أن ما بدأ الله به فهو أحق بالتقديم، وعلي هذا يكون دليل الترتيب من وجهين في الآية ومن دليل منفصل من السنة ويتفرع على هذا أنه لو توضأ مُنكسًا فبدأ بالرِّجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، هل يصح الوضوء أم لا؟ الجواب: إن كان عبثًا فغير صحيح، أي لا يصح الوضوء في أي عضو من الأعضاء، بل قد يكون خطرًا على دين المرء أن يعبث بشريعة الله، وإن كان نسيانًا أو جهلًا صح غسل الوجه فقط، ثم يطهر ما بعده، هذا في الترتيب؛ لأنه إذا كان عابثًا فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا كله، وإن كان ناسيًا أو جاهلًا فإنه معفو عنه وحينئذٍ نقول: كأنك ابتدأت من الآن، وقد غسلت الوجه فأكمل الباقي. الفائدة العشرون: وجوب الموالاة، وجهه: أن غسل هذه الأعضاء جاء مرتبًا على الشرط، فلا بد أن يكون أجزاء هذا الفعل المرتب على الشرط لا بد أن تكون متوالية؛ لأن الشرط يعقبه المشروط، هذا وجه الدلالة من الآية، أما من حيث النظر، فيقال: إن الوضوء عبادة واحدة فإذا جزأه المتوضئ لم يظهر كونه عبادة واحدة، يعني: لو غسل وجهه الساعة الواحدة، وغسل يديه في الساعة الثانية، ومسح رأسه في الساعة الثالثة، وغسل رجليه في الساعة الرابعة فإنه لا يتبين أن هذه عبادة واحدة، إذًا: لا بد من الموالاة، ولكن كيف نحد الموالاة؟

стр. 111

من العلماء من قال: إننا لا نحدها بحد، ونقول: ما جري فيه العرف أنه منفصل فقد فاتت فيه الموالاة، وما لم يجرِ العرف أنه منفصل فهو متصل، وحدَّه بعض العلماء بحدٍّ آخر قد يكون أكثر انضباطًا وقال: حد الموالاة أن لا ينشف العضو قبل غسل الذي بعده بزمن معتدل، وهذا هو المشهور من المذهب. وبناءً على ذلك: لو أن العضو يبس قبل أن يغسل الثاني في زمن معتدل لانقطعت الموالاة، وإذا انقطعت الموالاة وجب إعادة الوضوء. الفائدة الحادية والعشرون: وجوب غسل البدن كاملًا من الجنابة، لقوله تعالي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. لو قال قائل: المريض إذا كان عليه جنابة ولا يستطيع أن يغتسل فهل يلزمه الوضوء، وإذا كان أيضًا عادم الماء وهو عليه الجنابة يعني لم يجد إلا ماءً يكفي لوضوئه فهل يتوضأ؟ الجواب: الظاهر أنه يتوضأ؟ لأن الوضوء يخفف الجنابة، ولهذا قال النبي ﷺ : "في الرجل ينام وهو جنب، قال: نعم إذا توضأ" (١) وكذلك أيضًا الجنب إذا أراد الجلوس في المسجد يتوضأ، فإذا كان الوضوء له تأثير في تخفيف الجنابة فليتوضأ. الفائدة الثانية والعشرون: أنه لا يشترط في الغسل ترتيب، وأن المغتسل لو بدأ من أسفل بدنه أو من وسط بدنه أو من أعلي

стр. 112

بدنه وعمَّه بالماء كان ذلك مجزئًا؛ لأن الله تعالي قال: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ ولم يُفَصِّل. وقال بعض الناس: بل يجب الغسل كما اغتسل النبي ﷺ فإن هذه الآية مجملة، وبيَّنتها السنة النبوية، وعلي هذا فلا بد أن يكون الاغتسال كاغتسال النبي ﷺ ، وهذا كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فبيَّن الرسول ﵊ كيفية إقامتها وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١). ولكن هذا ضعيف، والصواب أنه لا يشترط فيه الترتيب، ويدل لذلك: أنه ثبت في صحيح البخاري في قصة الرجل الذي لم يره النبي ﷺ يصلي بعد أن انتهي من صلاته، فسأله: لماذا لم تصلِّ؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، يعني: ليس عندي ماء أغتسل به، فقال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" وبعد ذلك جيء بالماء وانتهي الناس من الشرب وسَقْي إبلهم فقال النبي ﷺ حين بقي بقية قال لهذا الرجل: "خذ هذا فأفرغه على نفسك" (٢) فأخذه الرجل واغتسل، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يذكر له كيف يغتسل، قال: أفرغه على نفسك، وعلي هذا فيكون هذا الحديث موافقًا لظاهر القرآن، وهو أن الواجب في الغسل أن يعم البدن على أي كيفية كانت، لكن لا شك أن اتباع السنة أولي. فإن قال قائل: إذا انغمس الرجل في بركة أو في بحر ناويًا رفع الحدث من الجنابة ثم خرج فهل يكفيه؟

стр. 113

الجواب: نعم يكفيه لكن لا بد من المضمضة والاستنشاق، والدليل على هذا أنه يجب أن يطهر الفم والأنف في الحدث الأصغر ففي الأكبر من باب أولي. الفائدة الثالثة والعشرون: أنه لا تشترط الموالاة في الغسل، فيجوز أن يغسل بعض بدنه في أول النهار وبعض بدنه في آخر النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه تطهر، وليس كالوضوء الذي رتب على شرط فصار لا بد فيه من الموالاة، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكن الراجح أنه لا بد من الموالاة، وأنه لو غسل بعض جسده ثم ترك الباقي حتي نشف فإنه لا بد أن يعيد ما غسله أولًا، والتعليل: أن هذه عبادة واحدة فلا بد من أن تتوالي أجزاؤها. الفائدة الرابعة والعشرون: أن غسل الجنابة تُستباح به الصلاة، وأنه لا يجب الوضوء معه، وجه الدلالة: أن الله قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، ولم يذكر وضوءًا حتي لو لم ينوِ إلا رفع الحدث الأكبر فإنه يجزئه لعموم الآية، ولا شك أن المغتسل إما أن ينوي رفع الحدثين أو ينوي رفع الحدث أو ينوي استباحة الصلاة، فإن نوي رفع الحدثين أجزأه ولا إشكال، لقوله: ﷺ "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوي" (١) وإن نوي

стр. 114

استباحة الصلاة فلا شك أنه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر، وجهه أن الصلاة لا تستباح إلا بذلك، وإن نوي رفع الحدث الأكبر فقط، فمن العلماء من قال: إنه لا يجزئ عن الحدث الأصغر، ومنهم من قال: إنه يجزئ وهو الراجح؛ لأن الله لم يذكر سوي ذلك. الفائدة الخامسة والعشرون: أن المرض من أسباب جواز التيمم، لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾، يعني: فتيمموا، وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، فظاهر الآية: أن المريض يتيمم إلا إذا عدم الماء، فإما أن نأخذ بظاهر الآية ونقول: المريض لا يتيمم إلا إذا عدم الماء وحينئذٍ يبقي التقييد بالمرض لا فائدة منه؛ لأن من لم يجد الماء يباح له التيمم سواءً كان مريضًا أو غير مريض، فيقال في الجواب -والله أعلم-: إن قوله تعالي: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ يدل على أن المراد المريض الذي يلحقه الحرج من استعمال الماء. وأما التقييد بعدم وجود الماء فهو للمسافر؛ لأن المسافر لا يشق عليه استعمال الماء إذا وجده ولا يلحقه حرج به، فيكون تيمم المسافر مشروطًا بعدم وجود الماء، ويكون تيمم المريض مشروطًا بوجود الحرج، لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾. الفائدة السادسة والعشرون: أن الدين يسر سواء كان من أصل المشروعات أو إذا وجد سبب للرخصة؛ لأن المشقة تجلب التيسير لكنها لا تسقط الواجب إلا في حدود الشرع.

стр. 115

الفائدة السابعة والعشرون: أنه لا يجب التطهر بغير الماء، يعني: لو كان مع الإنسان نبيذ أو شاي أو لبن فإنه لا يتطهر به؛ لأن الله جعل آلة الطهارة هي الماء، قال تعالي: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. الفائدة الثامنة والعشرون: أن الماء ما دام يطلق عليه اسم الماء فإنه مطهر ولو تغير بشيء طاهر، لعموم الآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ و ﴿مَاءً﴾ نكرة في سياق النفي، فما دام اسم الماء باقيًا فإنه يجب التطهر به ولو مع التغير. الفائدة التاسعة والعشرون: وجوب طلب الماء، لقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ قال العلماء: ولا يقال: غير واجد إلا لمن طلب، فيقول: طلبت فلم أجد، أما إنسان باقٍ قاعد ويقول: لم أجد، هذا غير صحيح. ولكن كيف يكون هذا الطلب، هل يجب عليه أن يطلب الماء من مسافات بعيدة أو بقدر ما لا يكون فيه مشقة؟ الثاني، يعني يجب عليه أن يطلب الماء في الأماكن القريبة منه التي لا يلحقه حرج بطلب الماء فيها، وإذا تيقن عدم وجود الماء حوله فلا يجب عليه البحث عند كل صلاة؛ لأن هذا عبث ومنافٍ للحكمة ومنافٍ للشرع. فإن قال قائل: لو كان في أرض ولا يعلم أن حوله ماء ثم وجد الماء بعد الصلاة قريبًا منه هل يعيد أم لا؟ الجواب: نقول: إذا كان يعلم أنه لا ماء فيها وأن الماء حدث من بعد، كأرضٍ حفر فيها بئر بعد طلبه فهذا لا يعيد؛ لأنه جاهل، أما إذا كان لم يطلب ثم وجد الماء بعد صلاته فهذا عليه

стр. 116

الإعادة؛ وذلك لأنه مفرط حيث لم يطلب، والله يقول: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، ولا يجب على راجي الماء أن يؤخر الصلاة إلي آخر وقتها لأنه توجه الأمر إليه من أول الوقت، لكن التأخير أفضل. الفائدة الثلاثون: جواز التيمم من الصعيد الذي على ظهر الأرض أيًا كان لقوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ سواء كان هذا الصعيد رمنيًا أو حجريًا أو سبخة أو يابسًا أو رطبًا يعني: نديًا، المهم أنه يسمي صعيدًا. لو قال قائل: ورد في الحديث أن النبي ﷺ أقبل على جدار فمسح وجهه ويديه (١) كيف يوجه هذا الحديث؟ الجواب: الجدار إذا كان عليه غبار فلا بأس بالتيمم ولو كان مطليًا بالدهان، وكذلك لو كان الصعيد غير متصل بالأرض كأن يأخذ حجرًا أو رملًا وينقله إلي مكان، وكذا الغبار الذي يكون تحت السجادة أو الموكيت كل هذا جائز ولا بأس بالتيمم منه. الفائدة الحادية والثلاثون: أنه لا ينقض الوضوء إلا الغائط سواء ببول أو بعذرة، لقوله تعالي: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ولم يذكر سوي ذلك، ولهذا لم يُجْمِع العلماء من نواقض الوضوء إلا على ما خرج من السبيلين القبل أو الدبر، فكل النواقض ما عدا هذا فيها خلاف. وعليه فنقول: إنَّ القرآن دل على ناقضٍ واحد من نواقض

стр. 117

الوضوء وهو الخارج من السبيلين من بول أو غائط، والبقية تحتاج إلي دليل، فإن وجد دليل من السنة أخذنا به وإن لم يوجد فالأصل بقاء الوضوء؛ لأن الإنسان توضأ بمقتضي دليل شرعي وارتفع حدثه بمقتضي دليل شرعي، فلا يمكن أن ننقض هذا إلا بدليل شرعي، فلننظر، من العلماء من قال: في الآية دليل على أن مس المرأة ينقض الوضوء لقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وفي قراءة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ ولكن سبق في التفسير إن القول الراجح المتعين أن المراد بالملامسة الجماع، وبيَّنا وجه ذلك فيما سبق أثرًا ونظرًا، وننظر بقية النواقض. الثاني: الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء: كالدم وما تفرع منه، والقيء، والعرق، والريق وما أشبه ذلك، كل هذا لا ينقض الوضوء، فإن ادعي أحد شيئًا من ذلك ينقض الوضوء قلنا: هاتِ الدليل، فالصحابة ﵃ كانوا يصابون بالجراح وكانوا يقيئون ومع ذلك ولشدة دعاء الحاجة إلي بيانه لم يرد عن النبي ﷺ على وجهٍ يثبت أن ذلك ناقض للوضوء وعلي هذا فلا نقض. الثالث: لمس النساء من تقبيل أو مباشرة أو غير ذلك سوي الجماع، ليس في السنة. ما يدل على أنه ناقض للوضوء، إلا إذا خرج شيء فيكون النقض بالخارج، وعلي هذا فلو أن إنسانًا قَبَّلَ زوجته وهو على وضوء ولم يخرج منه شيء فوضوؤه باقٍ على حاله. لو قال قائل: مس الذكر إذا كان بشهوة يجب فيه الوضوء، ومس المرأة مظنة للشهوة أكثر من مس الذكر ولا يجب فيه الوضوء، فما الجواب عن هذا؟

стр. 118

الجواب: صحيح هذا الإيراد الذي قد يورده مورد، فنقول: مس المرأة لم يرد عن الرسول ﵊ أنه أمر بالوضوء، بل كان يُقبِّل بعض نسائه ويخرج إلي الصلاة ولا يتوضأ (١). الرابع: النوم، والنوم أيضًا فيه خلاف يبلغ إلي ثمانية أقوال، هل ينقض أو لا ينقض؟ والصحيح أنه ناقض لكن بشرط: أن يكون مظنة الحدث وهو النوم المستغرق الذي لو أحدث الإنسان فيه لم يحس بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يتراءي للإنسان الأحلام ولكنه مستيقظ ولو أحدث لأحس فهذا لا ينقض الوضوء، وقد كان الصحابة ﵃ ينتظرون العشاء الآخرة حتي تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون، وأمر النبي ﷺ من نعس في صلاته أن ينصرف، قال: "لأنه لا يدري أيدعو لنفسه أم يدعو عليها" (٢) أو كما قال ﷺ . فدل ذلك: على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء، ولكن ما هو النوم اليسير؟ هو الذي لو أحدث الإنسان حال نومه لأحس

стр. 119

بنفسه، ولا فرق بين أن يكون مضطجعًا أو متكئًا أو جالسًا أو قائمًا أو راكعًا. الخامس: أكل لحم الإبل، وفيه خلاف، والنقض به من مفردات الإمام أحمد ﵀، والأئمة الثلاثة كلهم على خلافه، لكن الرجوع للدليل هو الحاكم، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "توضؤوا من لحوم الإبل" (١) وأنه سئل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم"، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم، قال: إن "شئت" (٢)، وهذا يدل على وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، والدليل: أنه خَيَّرَ بين الوضوء وتركه في أكل لحم الغنم وقال في لحم الإبل: "نعم توضأ" فإذا خَيَّرَ في لحم الغنم دل على أن لحم الإبل لا خيار فيه، وأنه لا بد أن يتوضأ منه، ولا فرق بين أن يكون نيِّئًا أو مطبوخًا. فإذا قال قائل: إنه قد ورد عن النبي ﵊ فيما رواه أهل السنن من حديث جابر ﵁: "أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" (٣) و ﴿مَا﴾: اسم موصول يشمل لحم الإبل وغيره.

стр. 120

فالجواب: أن هذا عام ولحم الإبل خاص، ومعلومٌ أن الخاص يقضي على العام، وإنما قال جابر ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمر أولًا أن يتوضأ الإنسان إذا أكل مما مسته النار، حتي الخبزة إذا أكلها يتوضأ منها، ثم بعد ذلك نسخ هذا الأمر وصار الوضوء مما مست النار ليس بواجب. السادس: مس الذكر أيضًا فيه خلاف بين العلماء واختلفت فيه الأحاديث، ففي بعضها الأمر بالوضوء وفي بعضها أن لا وضوء منه، وعلل النبي ﵊ عدم الوضوء منه بقوله إنه بضعةً منك: لما سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة، أعليه وضوء؟ قال: "لا، إنما هو بَضْعَةٌ منك" (١)، و"البضعة": يعني الجزء، ومعلوم أن الإنسان إذا مس جزءًا منه لا ينتقض وضوؤه، فلو مس رأسه أو مس يده الأخري أو مس رجله أو بطنه أو ظهره لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مس ذكره، كلها أعضاء، وهذا التعليل تعليل بعلة ثابتة لا يمكن أن تتغير؛ لأنه لا يمكن أن يكون ذكر الإنسان غير بضعة منه، فهو لا يتغير، وإذا كانت العلة لا يمكن أن تتغير كان الحكم كذلك لا يمكن أن يتغير، ثم إن العلة هنا خبر من الرسول ﵊ أي: أنها علة منصوصة بلفظ الخبر، والخبر لا يمكن أن يتخلف، وعلي هذا فلا وضوء من مس الذكر. لكن قد ورد حديث آخر يقابله أن الرسول عليه الصلاة

стр. 121

والسلام قال: "من مس ذكره فليتوضأ" (١) وهذا عام، فيقال: هذا الحديث عام، وإن شئت فقل: مطلق، وإذا كان كذلك وجب أن يحمل على معنىً لا ينافي الحديث الأول، فما هو المعني الذي لا ينافيه؟ نقول: إذا مس الإنسان ذكره كما يمس بقية أعضائه فإنه لا وضوء عليه؛ لأنه بضعة منه، أما إذا مسه للمعني الذي يختص بالذكر وهو الشهوة فعليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحال ليس مسه كمس بضعة من الإنسان، بل مسه المس الذي يختص بالذكر وهو الشهوة ولأن الشهوة مظنة الحدث؛ لأن الإنسان قد يمذي بدون أن يشعر بذلك، فألحقت المظنة باليقين، وعليه فيكون الراجح في هذه المسألة: أن من مس ذكره لشهوة انتقض وضوؤه ووجب عليه الوضوء، ومن مسه لغير شهوة فلا وضوء عليه، وهذا أعدل الأقوال وفيه الجمع بين الأقوال أيضًا؛ لأنك إذا قلت: لا وضوء، وافقت قول من يقول: لا وضوء فيه مطلقًا، وإذا قلت: فيه الوضوء؛ وافقت قول من يقول: إن فيه الوضوء مطلقًا، ويكون هذا التفصيل هو التحصيل. تنبيه: مس فرج الصغير لا ينقض الوضوء إلا إذا كان له سبع سنوات، وبعضهم يري الإطلاق، والراجح كما تقدم لا بد من شهوة. السابع: تغسيل الميت: لا دليل عليه، فحديثه ضعيف، ولا

стр. 122

دليل على أنه ناقض للوضوء، وعلي هذا فلا يكون ناقضًا للوضوء حتى إذا قلنا: إن الميت كله عورة فإنه لا ينتقض وضوء غاسله، وأما حمل الجنازة: فلا ينقض الوضوء ولا أظن أحدًا قال به. الثامن: الردة، في الواقع أنها تحبط الأعمال كلها، ولكن الله اشترط لحبوط العمل بها أن يموت الإنسان على الكفر، لكن إذا قلنا: بأنه يجب على من أسلم أن يغتسل صار الوضوء واجبًا من هذه الناحية، ووجوب الاغتسال لمن أسلم فيه خلاف أيضًا وربما يذكر إن شاء الله تعالي في مكان آخر. الفائدة الثانية والثلاثون: أن التيمم جائز في الحدث الأصغر وفي الحدث الأكبر؛ لأن الآية واضحة، قال تعالي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ذكر الله تعالي التيمم بعد الوضوء وبعد الغسل من الجنابة، فيكون في ذلك دليل على أن من عليه غسل الجنابة إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ويصلي، وهذه المسألة فيها خلاف قديم، حتى إن عمر ﵁ أنكر على عمار بن ياسر الإفتاء بجواز التيمم للجنب، وكان يرى -أي: عمر-: أن من عليه جنابة ينتظر حتى يصل إلي الماء ثم يغتسل، ولكن عمار بن ياسر ﵁ ذكر أن النبي بعثه هو وعمر في حاجة، وأن عمار بن ياسر أجنب فتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ظنًّا منه ﵁ أن طهارة التيمم كطهارة الماء، ومعلوم أن الجنب يجب عليه في طهارة الماء أن يعم بدنه فظن أن طهارة التراب كذلك، فتمرغ في التراب، ثم لما قدم إلى النبي ﷺ -

стр. 123

أخبره، "فأخبره النبي ﷺ أنه يكفيه أن يمسح وجهه ويديه" (١). ثم قال عمار: يا أمير المؤمنين إن شئت أن لا أحدث به لِمَا أوجب الله عليّ من طاعتك فعلت؟ قال: لا، نوليك ما توليت؛ يعني: فحدث به، فجعل يحدث به، ثم إن الأمة أجمعت بعد ذلك على أن التيمم يكون في الجنابة ويكون في الحدث الأصغر. لو قال قائل: هل الأولى لعادم الماء ألا يقرب زوجته لئلا يقع في الجنابة والحرج؟ الجواب: لعادم الماء أن يأتي أهله متى شاء ثم إذا لم يجد ماءً فليتيمم. الفائدة الثالثة والثلاثون: الإشارة إلى أنه ينبغي لقاضي الحاجة أن يستتر حتى يتواري عن الناس، وجهه قوله تعالي: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ فإن هذا هو سنة الصحابة ﵃ في حياة نبيهم ﷺ ، فيكون هذا دليلًا على أن من هديهم الاستتار عن الأعين ولا شك أنه من كمال الأدب، أما البول، فليس من الأمور المذمومة أن يبول الإنسان أمام الناس إذا كان قد ستر عورته؛ لأنه فَعَلَهُ من هو أشد الناس حياءً محمد رسول الله ﷺ حين أتى سُباطة قوم فبال فيها ﵊، قائمًا وكان حذيفة ﵁ حوله (٢).

стр. 124

الفائدة الرابعة والثلاثون: حكمة الشرع في التطهير حيث كان الاقتصار على أربعة أعضاء في الحدث الأصغر؛ لأن هذه الأعضاء هي غالبًا أدوات العمل وآلات العمل، فالبطش باليد، والمشي بالرجل، والبصر والشم والكلام في الوجه، والسمع والتخيل والتفكير في الرأس، فشرع تطهير هذه الأعضاء الأربعة. أما في الجنابة فشرع للإنسان أن يطهر جميع بدنه؛ وذلك لأن الجنابة تخلخل البدن كله، ولهذا يضعف الإنسان إذا حصلت منه الجنابة، ويؤمر إذا أراد أن يعود أن يغتسل فإن لم يمكنه فليتوضأ، ويدل لهذا -أعني: أن الجنابة تؤثر على جميع البدن- أن الرجل إذا زنى وهو محصن فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت من أجل أن يذوق جميع بدنه ألم العقوبة كما ذاق لذة الشهوة المحرمة. الفائدة الخامسة والثلاثون: التكنية عما يُستقبح ذكره لقوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾ وقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. الفائدة السادسة والثلاثون: أن التيمم جائزٌ بجميع ما على الأرض سواء كان رملًا أم ترابًا أم حجرًا أم غير ذلك. فإن قال قائل ننازع في هذه الفائدة لقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ و ﴿مِّن﴾: تقتضي التبعيض، ولا يمكن أن يَعْلَقَ شيءٌ باليد من الأرض إلا إذا كانت ترابيةً؟ قلنا: هذا الإيراد وارد بلا شك وهو دليل من يقول: إنه لا بد أن يكون التيمم بأرض فيها تراب، وأما التيمم على ما لا تراب فيه ولا غبار فيه فإنه لا يصح. لكن الجواب على هذا الإيراد: هو أنه قد علم بالضرورة أن

стр. 125

الرسول ﵊ كان يسافر الأسفار الطويلة في أيام الشتاء وأيام الصيف، وفي أسفاره يمر بالرمال ويمر بالأرض الممطورة، ولم ينقل أنه كان يحمل التراب معه ولا أنه كان لا يتيمم على مثل هذه الأراضي، وبهذا اندفع هذا الاعتراض، وسبق أن قلنا في التفسير: إن ﴿مِن﴾ يحتمل أن تكون للتبعيض ويحتمل أن تكون للابتداء. الفائدة السابعة والثلاثون: أنه لا بد أن يكون الصعيد الذي يتيمم منه طيبًا وهو الطاهر، وضده النجس، ولكن ليس هناك سعيد يكون نجسًا، بل لا بد أن يكون متنجسًا والمتنجس كالنجس، وعلي هذا فلا يصح التيمم على أرض متنجسة لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. الفائدة الثامنة والثلاثون: وجوب استيعاب الوجه بالمسح في التيمم، لقوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ ومن ثَمَّ يجب أن ننبه بعض العامة الذين إذا تيمموا مسحوا الأنف وما حوله وتركوا الباقي، فيقال: هذا لا شك أنه لا يجزئ؛ لأن الآية صريحة قال تعالى: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ أي: كلها. الفائدة التاسعة والثلاثون: أن اليد عند الإطلاق لا يدخل فيها الذراع لقوله: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ وجه الدلالة: أن الله لما أراد تجاوز الكف قيده، وذلك في نفس الآية التي معنا في طهارة الوضوء بالماء حيث قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. الفائدة الأربعون: وجوب الترتيب في التيمم بين الوجه واليدين، فيبدأ أولًا بالوجه ثم باليدين، وهل هذا الترتيب مطابق لترتيب الوضوء؟

стр. 126

الجواب: بلى فغسل اليدين بعد غسل الوجه، إذًا مطابق. فإن قال قائل: "الواو" لا تقتضي الترتيب بل هي لمطلق الجمع؟ قلنا: لكن تقتضيه بالقرينة، القرينة هنا أن الله تعالى بدأ بالوجه وقد قال النبي ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به" (١) فظاهر السنة الترتيب لكنه ليس قطعيًّا. لكن لو قال قائل: ما الحكم إذا خالف التيمم الترتيب؟ الجواب: الفقهاء يقولون: إذا كان التيمم عن جنابة فلا بأس أن يخالف الترتيب في التيمم؛ لأن الغسل لا يشترط له الترتيب، والتيمم بدلًا عن الغسل، أما في الحدث الأصغر فلا بد من الترتيب، ولكن يقال: إن طهارة التيمم لا يمكن قياسها على طهارة الماء لوجود الفوارق الكثيرة بينهما، وإلحاق الفرع بالأصل لا بد أن يكون بينهما اتفاق يجمعهما. الفائدة الحادية والأربعون: انتفاء الحرج في هذا الدين الإسلامي، لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: من مشقة، فالدين الإسلامي والحمد لله كله مبني على اليسر، وليس اليسر منوطًا بهوى كل إنسان؛ لأنه لو كان منوطًا بهوى كل إنسان لكان بعض الناس يشق عليه أن يقوم يصلي الفجر في الشتاء، ولكن المعنى أن كل ما شرعه الله فهو ميسر ليس فيه مشقة. الفائدة الثانية والأربعون: إثبات الإرادة لله لقوله: ﴿مَا يُرِيدُ

стр. 127

وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾، فأثبت الله تعالى لنفسه الإرادة بنفي إرادة الحرج وإثبات إرادة التطهير. الفائدة الثالثة والأربعون: إثبات الإرادة الشرعية لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾. الفائدة الرابعة والأربعون: رفع الحرج عن هذه الأمة تارةً يكون برفع المشروع بالكلية، وتارةً بتخفيفه، وتارةً بفعل بدله، فهذه ثلاثة أقسام: إما أن يرتفع التكليف بهذا الشيء الذي فيه الحرج بالكلية، وإما أن يخفف، وإما أن يجعل له بدل. مثال الأول: كفارة القتل، إذا عجز الإنسان عن صيام شهرين متتابعين تسقط عنه، أي: ترفع عنه بالكلية. مثال الثاني: القيام في الصلاة إذا عجز الإنسان عنها، يخفف فيصلي قاعدًا إذا لم يستطع أن يصلي قائمًا. مثال الثالث: أن يكون إلي بدل، فالإنسان العاجز عن الصيام عجزًا مستمرًا لا يلزمه أنه يصوم لكن عليه البدل وهو: إطعام مسكين عن كل يوم، فصار الأمر والحمد لله واسعًا، وبناءً على هذه القاعدة التي أخذناها من كلام ربنا نقول: إن من عجز عن الكفارات أيًا كانت الكفارة وقت الوجوب فإنها تسقط عنه، وأما قول بعض العلماء: إنه لا يسقط من الكفارات عند العجز إلا كفارة الجماع في الحيض، وكفارة الجماع في نهار رمضان فهذا الحصر لا دليل عليه. والصواب: أن جميع الكفارات إذا كان حين وجوبها عاجزًا عنها فإنها تسقط، كما قلنا في الزكاة إذا كان فقيرًا فإنه لا زكاة عليه، ولو اغتنى هل نقول: اقضِ عن السنوات التي مضت بعد التكليف؟ لا نقول بهذا.

стр. 128

الفائدة الخامسة والأربعون: سعة رحمة الله حيث نفي الحرج عن عباده، ولكن لو سألنا سائل: أليس يوجد في بني إسرائيل شيء من الحرج في عباداتهم؟ قلنا: بلى، لكن ذلك بسببهم، هم الذين تسببوا في ذلك، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]، إلى آخره. الفائدة السادسة والأربعون: أن التيمم مطهر وليس بمبيح؛ لأن بعض أهل العلم ﵏ يري أن التيمم يبيح ما كان محظورًا بدون الماء، يعني يبيح الصلاة بدون ماء؛ لأن الأصل أن الصلاة بدون ماء حرام، لكن إذا عدم الماء أو خيف الضرر باستعماله وتيمم أبيحت الصلاة. فيرى بعض العلماء: أن طهارة التيمم استباحة لما كان محظورًا، وبناءً على هذا لو تيمم لقراءة القرآن، لم يصلِّ نافلة؛ لأن النافلة أعلي من قراءة القرآن، وإن شئت فقل: لأن وجوب الطهارة للنافلة أقوي من وجوب الطهارة لقراءة القرآن، بل الوضوء لقراءة القرآن سنة وليس بواجب، ومس المصحف هو الذي تجب له الطهارة، ولو نوي صلاة نافلة لم يصلِّ بذلك فرضًا؛ لأن الفرض أعلي من النفل، ولو خرج الوقت وهو على طهارته بطل تيممه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها، وهذا الرجل لم يتيمم إلا للصلاة الحاضرة، والصلاة الحاضرة تنتهي بخروج وقتها، ولكن هذا القول ضعيف، والصواب أن التيمم مطهر، ودلالة ذلك في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، دلالته من كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ فبعد أن ذكر الوضوء والغسل والتيمم، قال: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾.

стр. 129

وقال النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (١) والطهور بالفتح: ما تحصل به الطهارة، وعلي هذا فيكون التيمم مطهرًا رافعًا للحدث، فإذا تيمم لقراءة القرآن يصلي به النافلة؛ لأنه تطهر، وإذا تيمم للنافلة يصلي به الفريضة، وإذا تيمم للصلاة وخرج وقتها يصلي به الصلاة الأخري، ما دام لم ينتقض وضوؤه وهلمَّ جرَّا. وإذا تيمم عن الجنابة أول مرة كفاه فلا يتيمم بعد ذلك إلا عن الحدث الأصغر فقط؛ لأنه حين تيمم للجنابة تطهر منها وارتفعت الجنابة فلا حاجة إلي أن نقول: أعد التيمم للجنابة كلما دخل وقت الصلاة؛ لأن الله تعالى سمي ذلك تطهيرًا، والنبي ﷺ سمي الأرض طهورًا. بقي أن يقال: هل إذا قلنا: إنه مطهر هل هو مطهر طهارة مقيدة بوجود الماء أو طهارة مطلقة بمعني أنه لو وجد الماء فهو على طهارته فلا يجب عليه استعمال الماء؟ الجواب: الأول، وعلي هذا فإذا تيمم لجنابة ثم وجد الماء وجب عليه الغسل. لو قيل: أليس قد طهر من الجنابة؟ الجواب: بلى، إذًا لماذا توجبون عليه الغسل وقد طهر من جنابته؟ نقول: لنا أدلة في هذا: الدليل الأول: قصة الرجل الذي رآه النبي ﷺ بعد صلاة

стр. 130

الفجر أو إحدي الصلوات، فقال: "ما منعك أن تصلي؟ " قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك". ثم جاء الماء بعد ذلك فأمره أن يغتسل (١) مع أن الرجل تيمم وصلي فأمره أن يغتسل. الدليل الثاني: قوله ﷺ : "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجد الماء فليتقِ الله وليمسه بشرته" (٢). إذًا: عندنا دليلان من السنة، وقال شيخ الإسلام ﵀: إن الإجماع منعقد على ذلك، يعني أن العلماء أجمعوا بأن من تيمم لعدم الماء ثم وجد الماء فلا بد أن يتطهر به، وكذلك إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فالصحيح أنه يقطع الصلاة لأن وجود الماء يبطل التيمم فيكون كالذي أحدث في أثناء الصلاة فيجب عليه أن يعيد الصلاة. حينئذٍ تكون القاعدة بانه مطهر فيها شيءٌ من الاستثناء، ولكن هذا الاستثناء دل عليه النص والإجماع، ومعلوم أننا لا نقدم على النص شيئًا؛ لأننا قلنا: إنه مطهر بالنص فإذا وجد الماء وقلنا: يلزمك استعماله فإنما قلنا ذلك بالنص، ونحن لا محيد لنا عما دل عليه الكتاب والسنة.

стр. 131

مثال ذلك: رجل تيمم لعدم الماء لصلاة الفجر وبقي إلي العشاء، أيعيد التيمم عند وقت كل صلاة؟ إن قلنا: لا، أخطأنا، وإن قلنا: نعم، أخطأنا، فالجواب ينبني على الخلاف، فإذا قلنا: إنه مطهر فلا يعيده ويصلي بتيمم الفجر صلاة العشاء، وإذا قلنا: إنه غير مطهر يعيد التيمم؛ أي: كلما خرج وقت الصلاة بطل التيمم، وعليه فإذا أراد أن يصلي الضحي بتيمم صلاة الفجر على القول بأنه مبيح لا رافع، لا بد أن يتيمم ثانية. الفائدة السابعة والأربعون: أن الإنسان لو تيمم ولبس الخفين ثم وجد الماء فهل يمسح عليهما؟ الجواب: نقول: التيمم لا يتعلق به طهارة؛ لأن القدم ليس لها دخل في التيمم، وقد قال النبي ﷺ للمغيرة ﵁: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" (١) فدل هذا على أنه لا يمسح الخف إلا في طهارة تشمل القدمين، وعلي هذا إذا كان الإنسان في البر وليس عنده ماء ولبس الخفين على غير طهارة، وجاء وقت الصلاة وتيمم، لا نقول: اخلع الخفين؛ لأن القدم لا تتعلق بها طهارة التيمم، إذًا يبقي لابسًا للخفين ولو يبقي عشر سنوات وطهارته تيمم فإنه لا حرج عليه. الفائدة الثامنة والأربعون: إثبات الحكمة في شرع الله، وجه ذلك التعليل في قوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا الذي دل عليه الكتاب والسنة من وجوه لا تحصي، أن الله سبحانه وتعالي حكيم في كل ما يخلق وفي كل ما يشرع. الفائدة التاسعة والأربعون: وهي متفرعة عن الفائدة السابقة

стр. 132

الاستسلام لقضاء الله الشرعي والكوني، فما دمت تعتقد أن هذا الحكم مبني على حكمة فسوف تستسلم، وتقول: ما دام لحكمة فإننا راضون، وكذلك لحكم الله الكوني، إذا أراد الله الجدب، أو أراد الله الفقر والمرض وكثرة الموت، فإننا نعلم أن هذا لحكمة ليس عبثًا ولا لمجرد المشيئة، بل هو لحكمة، وحينئذٍ نستسلم للقضاء الكوني والقضاء الشرعي. لكن من أهل البدع من نفي الحكمة، وقال: إن الله تعالى لا يفعل لحكمة ولا يشرع لحكمة إنما هي مجرد مشيئة، ويأتي بشبهات منها حديث عائشة ﵂: "كان يصيبنا ذلك (يعني: الحيض) فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (١)، ولكن يقال: إن الأمر الشرعي عند المؤمنين هو حكمة، يعني مجرد أن أعرف أن الله شرعه أنا أؤمن بأنه لحكمة، فعائشة ﵂ فوضت الحكمة إلي الله ؛ لأن هذا هو ما يؤمرون به وكفي بذلك حكمة. الفائدة الخمسون: أن الطهارة بأقسامها الثلاثة: الغسل والوضوء والتيمم نعمة من الله على العباد، لقوله: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، ولا شك أنها نعمة ومن رأي فضائل الوضوء وما يكفر من الذنوب، عرف نعمة الله بهذا وكذلك الغسل من الجنابة ولاسيما في أيام الشتاء وأيام المشقة.

стр. 133

لو قال قائل: جماعة مشتركون في ماء، والماء لا يكفي أن يتطهر به الجميع فماذا يصنعون؟ الجواب: إن آثر أحدهما الآخر قلنا: الإيثار بالواجب لا يجوز، فلم يبقَ علينا إلا القرعة. لو قال قائل: رجل عنده ماء قليل، كنصف قارورة صغيرة، وهذا الماء لا يكفي إلا لغسل وجهه ويديه فماذا يصنع؟ الجواب: إذا كان لا يكفي إلا غسل وجهه ويديه يستعمله ويتيمم عن الباقي. فلو قيل: ذكرتم فيما سبق أنه لا يُجمع بين الطهارتين؟ فالجواب: نقول: لا يجمع بين طهارتين كاملتين، يعني أن الإنسان يتوضأ وضوءًا كاملًا ويتيمم، أما إذا لم يجد إلا بعض الماء، فقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال النبي ﷺ : "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم" (١) وقد أمرنا بالوضوء ولم نستطع إلا بعضه، وإذا قلنا: لا بد من الغبار فلا بد أن ينشف يديه قبل أن يتيمم، وإذا قلنا: ليس بشرط فلا بأس. الفائدة الحادية والخمسون: أن الشكر هو العمل الصالح، لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فلو قال قائل: ما هو الشكر؟ نقول: إن النبي ﷺ بَيَّنَهُ في

стр. 134

قوله: "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] " (١). إذًا: فشكر الله هو العمل الصالح، ولا شك أن تفسير كلام الرسول ﷺ وكلام الله بعضه ببعض أولي من أن نلتمس تفسيرات أخري، لكن ذكرنا فيما سبق أن الشكر محله القلب واللسان والجوارح، ولا يكون إلا في مقابلة نعمة، وأما الحمد فإنه يكون في مقابلة نعمة أو على كمال صفة المحمود ويكون بالجوارح واللسان. * * * ° قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [المائدة: ٧]. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إنما أمر الله تعالى أن نذكر النعمة: من أجل أن نعرف فضله علينا حتى يسهل علينا الانقياد لطاعته؛ لأن الإنسان بمقتضي فطرته وطبيعته لا بد أن ينقاد لمن أحسن إليه فيقول : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تذكروها، ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ يعني العهد الذي عاهدكم به وهو قوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ فإن قول

стр. 135

المؤمن: سَمِعنَا وَأَطَعنا، يعني التزامه بكل الشريعة بدون تفريط، بين أن يكون مما يهواه قلبه أو مما لا يهواه. وقوله: ﴿سَمِعْنَا﴾: أي: فيما يقال، ﴿وَأَطَعْنَا﴾: أي: فيما يؤمر وينهى، فيتضمن تصديق الخبر وامتثال الأمر واجتناب النهي. قوله: ﴿اوَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتخذوا وقاية منه جلَّ وعلا وذلك بفعل أوامره وترك نواهيه على علم وبصيرة. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة هذه تعليل تتضمن التهديد، يعني أنه لا بد أن تكون التقوى مبنية على صلاح القلب وليست مجرد قول باللسان، بل لا بد أن تكون تقوى الإنسان في قلبه وجوارحه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بصاحبة الصدور، وما هي صاحبة الصدور؟ الجواب: هي القلوب، واعلم أن كلمة "ذات" تطلق في اللغة العربية على عدة معانٍ: منها أنها تطلق اسمًا موصولًا في لغة طيء، كما قال ابن مالك ﵀: وكالتي أيضًا لديهم ذاتُ ... ............................... فقولنا: (جاءت المرأة التي أطاعت الله)، في لغة طيء يقولون: (جاءت المرأة ذات أطاعت الله)، فهي عندهم بمعني "التي". وتطلق أيضًا على الجهة، مثل قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، أي: الجهة أو الصلة التي بينكم. وتطلق بمعني صاحبة كما في هذه الآية: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بصاحبة الصدور، ولا تطلق على النفس إلا في اصطلاح

стр. 136

المتكلمين، فإنهم يطلقون الذات على النفس أي: على ما يقابل الصفة، ولهذا نجد في كلام الذين يتكلمون في العقائد نجد كثيرًا ما يقولون: الذات والصفات ويعبرون بالذات عن النفس، فقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، إذا أردنا أن نفسرها على حسب اصطلاح المتكلمين نقول: نفسه، أي: ذاته، وليست نفس الله صفة سوى الذات بل هي الذات نفسها، فقول بعض أهل العقائد: ونثبت لله نفسًا، قد يفهم منه بعض الناس، أن النفس صفة زائدة على الذات وليس كذلك، ولكن يريدون أننا نصف الله بالنفس فقط، ولكنها ليست هي صفة مستقلة بل هي الذات نفسها. فقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كقوله تمامًا: يحذركم الله الله، أي: أن الله له نفس، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، يعني: ما عندك وما عندي، فيجب التنبيه لهذا؛ لأن بعض الناس إذا قرأ في كتب العقائد "نثبت لله نفسًا" فيظن أن ذلك صفة زائدة على الذات وليست كذلك. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن من المشروع أن يذكر الإنسان نعمة الله، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ في ذلك تفصيل: فإن أدى عدم ذكرها إلي نسيان الواجب، كان ذكرها واجبًا، مثل أن يرى نفسه قد شطحت وأبعدت عن فعل المأمور وترك المحذور فليذكرها نعمة الله، فليقل مثلًا: اذكري أيتها النفس نعمة الله عليك بالعافية وبالصحة وبإرسال الرسل وبإنزال الكتب وببيان الحق وما أشبه ذلك.

стр. 137

الفائدة الثانية: إثبات أن لله تعالى علينا نعمة وهو أمر لا يحتاج إلي برهان، ولكن هل النعمة تكون للمؤمن والكافر أو للمؤمن وحده؟ نقول: أما النعمة العامة التي يشترك فيها البهائم والإنسان فهي للمؤمن والكافر، فالكافر يتمتع بنعمة الله كما تتمتع البهيمة، وأما النعمة الخاصة: التي هي نعمة الله تعالى على العبد بالإيمان والعلم فهذه خاصة بالمؤمن، فإذا سألك سائل: هل لله على الكافر نعمة؟ فقل: في ذلك تفصيل. أما النعمة العامة فنعم، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وأما الخاصة: فإنه لا يدخل فيها الكافر؛ لأنها خاصة بالمؤمنين. الفائدة الثالثة: أنه يجب على الإنسان أن يذكر الميثاق الذي واثق الله عليه وهو العهد بالسمع والطاعة. فإن قال قائل: نحن لا نذكر هذا الميثاق؟ قلنا: إن عقد الميثاق يكون بالقول وبالفعل، أما القول فإننا لا نستحضره، حتى لو صح حديث: "إن الله استخرج ذرية آدم من ظهره وأخذ عليهم العهد والميثاق" (١). وأما الفعل فنعم، هو ثابت وذلك بما فطر الله عليه الإنسان من التوحيد والاعتراف بالله ، وكذلك أيضًا بما أعطاه من العقل الذي يميز به بين الحق والباطل والصدق والكذب، وهذا ميثاق بالفعل، يعني أنت لا تستحضر أنك

стр. 138

عاهدت الله بالقول، لكن بما أعطاك من العقل والفطرة صار ذلك عهدًا. لو قال قائل: ما صحة قول: من قال: إن الميثاق هو الميثاق الذي أخذه النبي ﷺ في بيعة الرضوان أو بيعة العقبة؟ الجواب: لا؛ لأن الصحابة ﵃ لما نزل قول الله تبارك وتعالي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] قالوا: ما نطيق هذا، فأمروا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، ثم خفف عنهم. الفائدة الرابعة: أن السمع المجرد لا يغني شيئًا، فلا بد أن يكون سمعًا واستجابة، فاما مجرد السمع فلا، وذلك لقوله: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالي: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ [الأنفال: ٢١]، فنفي الله عنهم السمع؛ لأنهم لم يأتوا بفائدة السمع وهي الطاعة، فعلي هذا لا يكفي مجرد السماع بل السماع حجة على العبد، فعليه عند السماع أن يمتثل. الفائدة الخامسة: فضيلة التقوى وأنها مبنية على تذكر العهد والميثاق، لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وقد قلنا: إن أجمع كلمة في معنى التقوى هي: اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه على علم وبصيرة. الفائدة السادسة: تهديد من خرج عن التقوى، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. الفائدة السابعة: أن التقوى محلها القلب، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يعني فاجعلوا مدار التقوى على القلوب. ولهذا

стр. 139

قال النبي ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١) نسأل الله أن يصلح قلوبنا جميعًا. الفائدة الثامنة: عموم علم الله وأنه شامل لما ظهر وبطن، ووجه الدلالة من الآية: أنه أخبرنا بأنه عليم بذات الصدور، فيقتضي أنه كان عالمًا بالظاهر والباطن. * * * ° قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨]. في الآية قراءتان: قراءة بالسكون: ﴿شَنَآنُ﴾، وقراءة بالفتح: ﴿شَنْآنُ﴾ والظاهر والله أعلم أن سبب القراءة بالسكون هو التخفيف؛ لأن ﴿شَنَآنُ﴾ فيها شيء من الثقل، لتوالي الحركتين، فإذا قيل: ﴿شَنْآنُ﴾ صار ذلك أخف، على كل حال التعليل هذا تعليل لما وقع لا لما سيقع. بمعني أنه ليس لنا أن نتصرف ونختار اللفظ الأسهل على اللسان لكن نعلل ما وقع من القراءات؛ لأن القراءة توقيفية. قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق مرارًا مثل هذه الصيغة وبيان ما يترتب عليها.

стр. 140

قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ﴾ ﴿كُونُوا﴾: أَمْرٌ بأن نكون، والأمر هنا شرعي. وقوله: ﴿قَوَّامِينَ﴾: أي: ذوي قيام، وإنما قلت ذلك؛ لئلا يقال: إن الأمر في كثرة القيام وليس في القيام أصله، فنقول: "قوامين" التشديد فيها للنسبة وليس للكثرة، ويحتمل أن نجعلها للكثرة باعتبار كثرة المخاطبين، فإذا كانوا أمة فقام واحدٌ بهذا وقام واحد بهذا، وواحد بهذا صار المجموع كثيرًا، فصاروا قوامين. على كل حال: إن جعلت "فعَّالًا" للكثرة فهي باعتبار المجموع، إذا كان كل واحدٍ قائمًا بالقسط وهم أمة صح أن يقال: قوامون، وإن جعلتها غير مبالغة فهي للنسبة، أي: كونوا ذوي قيام، فتشمل القليل والكثير. والحاصل: أننا إذا قلنا إنه موجه للكثرة صار الذي يأتي بمرة واحدة ليس داخلًا في الأمر وليس ممتثلًا له، وإنما نأخذ ذلك من أدلة أخرى؛ لأن الذي قام بالقسط مرة واحدة قد امتثل، وإذا كان مأمورًا به في واحدة فمن باب أولى يكون مأمورًا به في كل مرة، وضابط التفريق بين المعنيين القرينة والسياق، فقول الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] لو قال قائل: إن هذه للكثرة ما استقام؛ لأن المنفي على هذا المعني هو كثرة الظلم فقط، فإذا قلنا للنسبة صح ذلك؛ لأن الله جلَّ وعلا نفى عن نفسه نسبة الظلم إليه ولو مرة واحدة، وأيضًا إذا قلت: "لا تكن أكَّالًا" فالمعنى لا تكثر الأكل، وليس المعنى لا تأكل أبدًا،

стр. 141

وأما قوله ﷺ : "لعن الله زوارات القبور" (١) فلا تدخل نهائيًّا؛ لأنه صح الحديث عن النبي ﷺ لعن زائرات القبور (٢). وقوله: ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ "اللام" هنا: إشارة إلي الإخلاص، أي: اجعلوا قيامكم بالقسط أي: بالعدل لله ، لا تخشوا في ذلك أحدًا ولا تحابوا بذلك أحدًا. قوله: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ شُهَدَاءَ: نقول في إعرابها: يجوز أن تكون حالًا من فاعل قوامين، يعني: قوامين حال كونكم شهداء، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لـ "كان"؛ لأن تعدد الخبر جائز، قال الله : ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٤، ١٥]، أربعة أخبار: الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد. قوله: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ "شهداء": جمع شهيد أو جمع شاهد، المعني: أنكم إذا شهدتم فاشهدوا بالعدل. قوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: العدل، وقد جاء في الحديث: "المقسطون على مثابر من نور على يمين الله " (٣). قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾: ﴿وَلَا

стр. 142

يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: أي: لا يحملنكم، ﴿شَنَآنُ﴾: أي بغض، ﴿قَوْمٍ﴾: هم الجماعة من الناس، فإذا قيل: "قوم" وذكر معه نساء، فالقوم هم الرجال، والنساء للإناث، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، وإذا ذكر "قوم" وحده صار شاملًا للرجال والنساء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩]، يعني الذكور والإناث. وقوله: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ "على": حرف جر، "أن": مصدرية، "لا": نافية، "تعدلوا": فعل مضارع منصوب بـ "أن" وعلامة نصبه حذف النون، و"أن" وما دخلت عليه في محل جر، والتقدير: لا يحملكم بغضهم على عدم العدل وهو الجور. وقوله: ﴿اعْدِلُوا﴾ حتى فيمن تبغضون، "اعْدِلُوا": أي: قولوا بالعدل. والعدل: هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه. قوله: ﴿هُوَ﴾ أي: العدل، وقلنا ذلك مع أنه لم يسبق ذكر العدل؛ لأن العدل مفهوم من الفعل الذي هو: اعدلوا؛ لأن مرجع الضمير قد يكون منصوصًا عليه بلفظه، وقد يكون بلفظ دال عليه، فهنا قوله ﴿اعْدِلُوا﴾: دالٌ على أن الفعل مشتق من العدل، فيكون قوله: ﴿هُوَ﴾ أي: العدل الذي أمرتم به أقرب للتقوي ولم يقل: هو التقوى، بل قال: أقرب للتقوي؛ وذلك لأن العدل قد يحمل عليه مخافة الله فيكون تقوي، وقد يحمل عليه محبة الثناء عند الناس فلا يكون تقوي، ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بعد أن أمر بأن نكون قوامين، ونهي

стр. 143

أن يحملنا البغض على ترك العدل ثم أمر بالعدل، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وهذه كالطابع على ما سبق. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ هذه الجملة نقول فيها مثل قولنا فيما سبق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧] يعني أنها جملة تتضمن التهديد بمخالفة التقوى. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾ قالوا: إن الخبير أدق من العليم؛ لأن الخبير من الخُبْر وهو العلم ببواطن الأمر، ولذلك سميت المزارعة مخابرة؛ وسمي الزارع خبيرًا؛ لأنه يدس الحب في الأرض فيختفي، فالخبير هو العليم بخفايا الأمور. قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بالذي تعملونه من قول أو فعل، وذكر الله جلَّ وعلا هذا لكي نستقيم على أمره؛ لأننا لو خالفنا أمره لكان عالمًا بنا . من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: وجوب الإخلاص لله في الشهادة لقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، واعلم أنك إذا كنت مخلصًا لله بالشهادة فإنك لن تحابي قريبًا ولا صديقًا، ولن يحملك بغضك لشخص على أن لا تشهد له ما دمت مخلصًا لله تعالى بالشهادة. الفائدة الثانية: أن الواجب على الإنسان أن يشهد بالقسط -أي: بالعدل- ولو كان المشهود عليه قريبك، أباك أو أخاك لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، ولا تعد شهادة الإنسان على أبيه وأمه عقوقًا بل هي بر؛

стр. 144

لأنك إذا شهدت عليهما منعتهما من الظلم وقد جعل النبي ﷺ منع الظالم من ظلمه نصرًا للظالم، فقال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم فيكف نصر الظالم؟ فقال: "تمنعه من ظلمه" (١). الفائدة الثالثة: وجوب الشهادة بالقسط ولو كنت كارهًا؛ لأن بعض الناس قد يحمله كراهة أن يتضرر الشخص على كتمان الشهادة فتجده مع نفسه في صراع: هل يشهد أو لا يشهد؟ فالواجب أن لا يحملك قرب قريب أو بغض بعيد على أن لا تشهد، اشهد بالعدل. لو قال قائل: أنا لا أريد أن أشهد مخافة أن يلحقني أذي فأكون آثمًا بهذا؟ الجواب: يقول العلماء: إذا خاف ضررًا لا يحتمل فلا بأس، لكن يبين الشهادة في موطن آخر، أما إذا كان الضرر يحتمل مثل أن يعاديه من شهد عليه أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز كتم الشهادة. الفائدة الرابعة: أن أساليب القرآن الكريم وإن شئت فقل -وهو أولى- أن تعبير القرآن الكريم بالعدل يدل على بطلان قول من يقول: إن الدين الإسلامي دين المساواة، فهذا على إطلاقه فيه نظر؛ لأنهم يريدون بهذا أن لا يفرقوا بين الرجل والمرأة، ويريدون بهذا أيضًا أن لا يفرقوا بين المسلم والكافر، ويريدون بهذا أن لا يفرقوا بين البر والفاجر، والله تعالى قد أنكر هذا

стр. 145

إنكارًا عظيمًا فقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ﴾ ما هذا الحكم؟ ما الذي حملكم عليه؟ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] هذا الحكم؟ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وإذا تدبرت القرآن وجدت نفي المساواة فيه أكثر من إثباته، وأن الذي في القرآن هو العدل: وهو إعطاء كل ذي حق ما يستحق، ولذلك العبارة السليمة أن نقول: الدين الإسلامي دين العدل، وهو الذي أمر الله به في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، نعم إذا اتفق الناس في الحقوق صح أن نقول: إنه دين المساواة، إذا اجتمعوا في سبب الحكم وغاياته حينئذٍ نقول: هو دين المساواة، يعني إذا سرق الشريف وسرق الوضيع، هنا نقول: لا بأس ألَّا يفرق بين الشريف والوضيع وأنه يسوي بينهما؛ لأن التسوية هنا عدل. وعلى هذا فنقول: إذا كانت المساواة هي العدل فنعم، أما المساواة التي يرمي إليها هؤلاء فهذا ليس بصحيح، فالدين يفرق تمامًا، في كل موطن تكون الحكمة فيه هي التفريق، لهذا يجب على طالب العلم إذا رأي بعض كتب المُحْدَثِين المعاصرين يقولون: الدين الإسلامي دين المساواة، يقول: قف، من قال هذا؟ هاتِ آية في إثبات التسوية، وأنا آتي لك بآيات كثيرة في نفي التسوية، لكن بدلًا من أن تقول هذا هاتِ الكلمة الحبيبة التي ترد على القلب ورود الماء البارد على كبد العطشان وهي العدل. الفائدة الخامسة: أن العدل أقرب للتقوى وهو صريح. الفائدة السادسة والسابعة: أن الأعمال الصالحة منها ما يبعد عن التقوى ومنها ما يقرب، وينبني على الفائدة السابقة
следующие страницы →