← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأما قوله ﷺ : "لعن الله زوارات القبور" (١) فلا تدخل نهائيًّا؛ لأنه صح الحديث عن النبي ﷺ لعن زائرات القبور (٢). وقوله: ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ "اللام" هنا: إشارة إلي الإخلاص، أي: اجعلوا قيامكم بالقسط أي: بالعدل لله ، لا تخشوا في ذلك أحدًا ولا تحابوا بذلك أحدًا. قوله: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ شُهَدَاءَ: نقول في إعرابها: يجوز أن تكون حالًا من فاعل قوامين، يعني: قوامين حال كونكم شهداء، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لـ "كان"؛ لأن تعدد الخبر جائز، قال الله : ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٤، ١٥]، أربعة أخبار: الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد. قوله: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ "شهداء": جمع شهيد أو جمع شاهد، المعني: أنكم إذا شهدتم فاشهدوا بالعدل. قوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: العدل، وقد جاء في الحديث: "المقسطون على مثابر من نور على يمين الله " (٣). قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾: ﴿وَلَا

стр. 142

يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: أي: لا يحملنكم، ﴿شَنَآنُ﴾: أي بغض، ﴿قَوْمٍ﴾: هم الجماعة من الناس، فإذا قيل: "قوم" وذكر معه نساء، فالقوم هم الرجال، والنساء للإناث، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، وإذا ذكر "قوم" وحده صار شاملًا للرجال والنساء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩]، يعني الذكور والإناث. وقوله: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ "على": حرف جر، "أن": مصدرية، "لا": نافية، "تعدلوا": فعل مضارع منصوب بـ "أن" وعلامة نصبه حذف النون، و"أن" وما دخلت عليه في محل جر، والتقدير: لا يحملكم بغضهم على عدم العدل وهو الجور. وقوله: ﴿اعْدِلُوا﴾ حتى فيمن تبغضون، "اعْدِلُوا": أي: قولوا بالعدل. والعدل: هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه. قوله: ﴿هُوَ﴾ أي: العدل، وقلنا ذلك مع أنه لم يسبق ذكر العدل؛ لأن العدل مفهوم من الفعل الذي هو: اعدلوا؛ لأن مرجع الضمير قد يكون منصوصًا عليه بلفظه، وقد يكون بلفظ دال عليه، فهنا قوله ﴿اعْدِلُوا﴾: دالٌ على أن الفعل مشتق من العدل، فيكون قوله: ﴿هُوَ﴾ أي: العدل الذي أمرتم به أقرب للتقوي ولم يقل: هو التقوى، بل قال: أقرب للتقوي؛ وذلك لأن العدل قد يحمل عليه مخافة الله فيكون تقوي، وقد يحمل عليه محبة الثناء عند الناس فلا يكون تقوي، ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بعد أن أمر بأن نكون قوامين، ونهي

стр. 143

أن يحملنا البغض على ترك العدل ثم أمر بالعدل، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وهذه كالطابع على ما سبق. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ هذه الجملة نقول فيها مثل قولنا فيما سبق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧] يعني أنها جملة تتضمن التهديد بمخالفة التقوى. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾ قالوا: إن الخبير أدق من العليم؛ لأن الخبير من الخُبْر وهو العلم ببواطن الأمر، ولذلك سميت المزارعة مخابرة؛ وسمي الزارع خبيرًا؛ لأنه يدس الحب في الأرض فيختفي، فالخبير هو العليم بخفايا الأمور. قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بالذي تعملونه من قول أو فعل، وذكر الله جلَّ وعلا هذا لكي نستقيم على أمره؛ لأننا لو خالفنا أمره لكان عالمًا بنا . من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: وجوب الإخلاص لله في الشهادة لقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، واعلم أنك إذا كنت مخلصًا لله بالشهادة فإنك لن تحابي قريبًا ولا صديقًا، ولن يحملك بغضك لشخص على أن لا تشهد له ما دمت مخلصًا لله تعالى بالشهادة. الفائدة الثانية: أن الواجب على الإنسان أن يشهد بالقسط -أي: بالعدل- ولو كان المشهود عليه قريبك، أباك أو أخاك لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]، ولا تعد شهادة الإنسان على أبيه وأمه عقوقًا بل هي بر؛

стр. 144

لأنك إذا شهدت عليهما منعتهما من الظلم وقد جعل النبي ﷺ منع الظالم من ظلمه نصرًا للظالم، فقال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم فيكف نصر الظالم؟ فقال: "تمنعه من ظلمه" (١). الفائدة الثالثة: وجوب الشهادة بالقسط ولو كنت كارهًا؛ لأن بعض الناس قد يحمله كراهة أن يتضرر الشخص على كتمان الشهادة فتجده مع نفسه في صراع: هل يشهد أو لا يشهد؟ فالواجب أن لا يحملك قرب قريب أو بغض بعيد على أن لا تشهد، اشهد بالعدل. لو قال قائل: أنا لا أريد أن أشهد مخافة أن يلحقني أذي فأكون آثمًا بهذا؟ الجواب: يقول العلماء: إذا خاف ضررًا لا يحتمل فلا بأس، لكن يبين الشهادة في موطن آخر، أما إذا كان الضرر يحتمل مثل أن يعاديه من شهد عليه أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز كتم الشهادة. الفائدة الرابعة: أن أساليب القرآن الكريم وإن شئت فقل -وهو أولى- أن تعبير القرآن الكريم بالعدل يدل على بطلان قول من يقول: إن الدين الإسلامي دين المساواة، فهذا على إطلاقه فيه نظر؛ لأنهم يريدون بهذا أن لا يفرقوا بين الرجل والمرأة، ويريدون بهذا أيضًا أن لا يفرقوا بين المسلم والكافر، ويريدون بهذا أن لا يفرقوا بين البر والفاجر، والله تعالى قد أنكر هذا

стр. 145

إنكارًا عظيمًا فقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ﴾ ما هذا الحكم؟ ما الذي حملكم عليه؟ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦] هذا الحكم؟ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وإذا تدبرت القرآن وجدت نفي المساواة فيه أكثر من إثباته، وأن الذي في القرآن هو العدل: وهو إعطاء كل ذي حق ما يستحق، ولذلك العبارة السليمة أن نقول: الدين الإسلامي دين العدل، وهو الذي أمر الله به في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، نعم إذا اتفق الناس في الحقوق صح أن نقول: إنه دين المساواة، إذا اجتمعوا في سبب الحكم وغاياته حينئذٍ نقول: هو دين المساواة، يعني إذا سرق الشريف وسرق الوضيع، هنا نقول: لا بأس ألَّا يفرق بين الشريف والوضيع وأنه يسوي بينهما؛ لأن التسوية هنا عدل. وعلى هذا فنقول: إذا كانت المساواة هي العدل فنعم، أما المساواة التي يرمي إليها هؤلاء فهذا ليس بصحيح، فالدين يفرق تمامًا، في كل موطن تكون الحكمة فيه هي التفريق، لهذا يجب على طالب العلم إذا رأي بعض كتب المُحْدَثِين المعاصرين يقولون: الدين الإسلامي دين المساواة، يقول: قف، من قال هذا؟ هاتِ آية في إثبات التسوية، وأنا آتي لك بآيات كثيرة في نفي التسوية، لكن بدلًا من أن تقول هذا هاتِ الكلمة الحبيبة التي ترد على القلب ورود الماء البارد على كبد العطشان وهي العدل. الفائدة الخامسة: أن العدل أقرب للتقوى وهو صريح. الفائدة السادسة والسابعة: أن الأعمال الصالحة منها ما يبعد عن التقوى ومنها ما يقرب، وينبني على الفائدة السابقة

стр. 146

تفاضل الأعمال، وتفاضل الأعمال قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل، وأن الأعمال تتفاوت والعمال يتفاوتون أيضًا قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، مع أنهم كلهم صحابة لكن لا يستوون، حتى قال النبي ﵊ لخالد بن الوليد حين حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ما حصل قال: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (١) هذا يقوله النبي ﷺ بين صحابي وآخر فكيف بمن بعدهم؟ هذا اختلاف في العمال. وكذلك أيضًا اختلاف الأعمال قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] وهلمَّ جرَّا، فالأعمال تتفاضل، ويلزم من تفاضل العمل تفاضل العامل، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الأعمال تتفاضل، والعمال يتفاضلون، وأن الإيمان يزيد وكذلك ينقص. الفائدة الثامنة: فضيلة التقوى، وانظر كيف يكرر الله التقوى في آيات كثيرة؛ لأنها في الحقيقة عليها مدار الإسلام، فإذا اتقى الإنسان ربه فسوف يقوم بدين الله تعالى على ما يريد الله جلَّ وعلا.

стр. 147

الفائدة التاسعة: تهديد من خالف تقوى الله لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. الفائدة العاشرة: سعة علم الله، وأنه عالم ببواطن الأمور، وقد قال الله عن نفسه: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]، وفسر النبي ﷺ الباطن بأنه: "الذي ليس دونه شيء" (١) فليس دون الله شيء، كل شيء يراه، كل شيء يعلمه، كل شيء يقدر عليه، كل شيء في قبضته، ليس دونه شيء، وهذا قريب من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. الفائدة الحادية عشرة: أن خبرة الله شاملة للعمل، واعلم بأنه إذا قيل: عمل فهو للقول والفعل، القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح، لكن الفعل يطلق غالبًا على عمل الجوارح فقط، أما العمل فيطلق على هذا وهذا حتى إن شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة الواسطية -تلك العقيدة المباركة- قال: إن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، فجعل للقلب عملًا وله قولًا وهو كذلك. فقول القلب: هو إقراره وتصديقه وإيمانه، وفعله: رجاؤه وخوفه وتوكله وما أشبه ذلك ففيه نوع حركة قلبية، أما القول فهو: إقرار وتصديق. * * *

стр. 148

° قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ [المائدة: ٩]. قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ "وعد": يقال: "وعد" ويقال: "أوعد"، قالوا: "أوعد" في الشر "ووعد" في الخير، وبنوا عليه قول الشاعر: وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلفُ إيعادي ومنجزُ موعدي فالإيعاد في الشر، والوعد في الخير. قال: "وعد الله"، ولم يقل: أوعد؛ لأن الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكن هذا الذي قاله بعض أهل العلم قد ينازع فيه؛ لأن الله تعالى ذكر الوعد في العقوبة فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٨]، وهذا مما يدل على أن الوعد يأتي في الخير ويأتي في الشر. وهذا مطرد في القرآن، ولو كان غير مطرد لقلنا: إن إيعاد الله جلَّ وعلا الكفار بالنار على وجه السخرية كقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨] لكن لم يأتِ في القرآن ولو مرة واحدة (أوعد) في حق الكفار والمنافقين فهو غير مطرد. قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾: أي: بما يجب الإيمان به، وقد بَيَّن النبي ﵊ أن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" (١).

стр. 149

وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: يعني عملوا الأعمال الصالحات، فالصالحات: صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، فمتى يكون العمل صالحًا؟ يكون العمل صالحًا إذا تضمن أمرين: الأول: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان من أمة محمد أو من الأمم السابقة. فلا بد من أمرين: الأول: الإخلاص لله ؛ لأن العبادة حق لله وحده فلا يجوز أن تشرك بها معه غيره، وللأدلة الكثيرة الدالة على وجوب الإخلاص لله تعالى في العبادة كما في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]، وأيضًا قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله ﷺ : "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" (١) والنصوص في هذا كثيرة. أما المتابعة: فلأن النبي ﷺ قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) فأيُّ عمل ليس عليه أمر الله ورسوله من عبادات أو معاملات فإنه مردود على صاحبه، إذًا: لا بد أن يكون العمل عليه أمر الله ورسوله. ولا تتحقق المتابعة إلا إذا وافق العملُ الشريعة في أمور ستة؛ الأول: السبب، والثاني: الجنس، والثالث: النوع، أو الكيفية والتعبير بالكيفية أوضح، والرابع: القَدْر، والخامس: المكان، والسادس: الزمان، فلا بد أن تكون الموافقة للشريعة في هذه الأمور الستة.

стр. 150

فمن تعبد لله عبادةً علقها بسبب لم يجعله الله ورسوله سببًا فالعبادة باطلة لأنها بدعة مردودة، مثال ذلك: أن يقول المرء كلما لبس ثوبًا: اللهم صلِّ على محمد، فقيل له: لماذا؟ قال: أتذكر لبس النبي ﷺ للثوب فأصلي عليه، فنقول له: هذه العبادة بدعة؛ لأنها لم ترد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم كانوا يصلون على النبي إذا أرادوا اللباس. ولا بد أيضًا أن يكون موافقًا للشرع في جنس العبادة، فإن تعبد لله بما لم يشرع جنسه فالعبادة مردودة عليه، ومثال ذلك: أن يضحي بفرس بدلًا عن البقرة فنقول: هذه الأضحية غير مقبولة؛ لأنها ليست من جنس ما شرع الله ورسوله فلا تقبل. وأيضًا لا بد أن يكون موافقًا في النوع أو الكيفية وهو أخص من الجنس، فمن تعبد لله بعبادة لم يشرع نوعها، فإنها لا تقبل، كما لو أحدث أذكارًا مشروعة من حيث الجنس، لكنها لنوع آخر فإنها لا تقبل لقول الرسول ﷺ : "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١)، وكما لو سجد قبل الركوع فإنها لا تقبل لمخالفة الشريعة في الكيفية، وتقدم أننا أحيانًا نعبر بالنوع وأحيانًا بالكيفية، فالنوع هو الكيفية. كذلك أيضًا لا بد أن يكون العمل موافقًا للشرع في قدر العبادة، فلو تعبد لله تعالى بعبادة زائدة أو ناقصة لم تقبل منه، كما لو صلى الظهر خمسًا أو صلاها ثلاثًا لم تقبل لمخالفة الشريعة في العدد. ولا بد من أن يكون العمل موافقًا للشرع في مكان العبادة

стр. 151

كما لو اعتكف الإنسان في بيته بدلًا عن المسجد وانقطع للعبادة في البيت، فإنها لا تقبل، لأنها غير موافقة للشرع في المكان. ولا بد من موافقة العمل للشرع في زمان العبادة كما لو صام الإنسان في غير رمضان عن رمضان لم تقبل؛ لأنه في غير الزمن المشروع، وكذلك لو وقف بعرفة في غير يوم عرفة، أو رمى الجمرات في غير موسم الحج أو ما أشبه ذلك. إذًا العمل الصالح هو ما وافق الشريعة في هذه الأمور الستة. يقول الله في الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وهذا في مقابل الذنوب ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في مقابل الحسنات فالسيئات تغفر والحسنات يثابون عليها هذا الثواب العظيم. لو قال قائل: ما حكم الأيام التي تقام في بعض البلدان من الاحتفال بأيام المناسبات والذكرى كيوم كذا ويوم كذا مما لا يتقرب به إلى الله، لأن بعض أهل العلم يقولون: هذه بدعة، وبعضهم يقول: ليست بدعة، لأننا لا نتقرب بها إلى الله، إنما هي مناسبات للتنشيط والذكرى، مع أنكم ذكرتم أن البدعة ما خالفت الشرع في الست المتقدمة؟ الجواب: بالنسبة لهذه الأيام بعض العلماء قال: إنها ليست بدعة، يعني يوم الشجرة ويوم كذا ويوم كذا، يقولون هذه الأيام المقصود بها تذكير الناس، أما إذا كانت المناسبة مناسبة تولي أمير على إمرة، أو رئيس على رئاسة، أو ملك على ملك، فهذا إنما يفعل للتعظيم ولا يجوز؛ لأن الأعياد لا يجوز أن تكون إلا

стр. 152

بمناسبات شرعية، وأما المناسبات غير الشرعية لا تشرع، لكن ما يذكر عن أيام الشجرة وأشباهها، يقولون: إننا لا نتخذها على سبيل أنها عيد، ولذلك لا نخصها بيوم معين إنما هي تذكير وتنشيط وكأنها ابتداء عمل، ولكن عندي لو أن الناس تنزهوا عنها لكان أحسن. لكن لو قال قائل: قلتم: إن هذه الأيام ليست أعيادًا بل لشحذ الهمة لكن ألا يشكل على هذا أنها تشبه بالكفار كأسبوع كذا ويوم كذا؟ الجواب: علة التشبه بالكفار تشتبه على كثير من الناس مع أن الأئمة نصوا على أنه: إذا كان مصدر الشيء من غير المسلمين ثم انتشر وصار المسلمون يفعلونه زال التشبه؛ لأن التشبه حقيقته: أن يقوم الإنسان بما يختص بالغير، وما دام أن هذه المسألة شاعت بين المسلمين فلا تعد تشبهًا، مثال ذلك: لبس البنطلون أتى من الكفار لكن تبعهم المسلمون وصار الآن يلبسه المسلم والكافر. لو قال قائل: ما حكم تحري الإنسان لأوقات كاجتماع الناس في حفل أو فرح، فيتحرى هذا الوقت ويذهب ويخطب ويعظهم بخير، وكذلك إذا رآهم مجتمعين في عزائم في بيت أو غيره، وهل يعتبر هذا بدعة لأنه خصص هذا بالزمان أو المكان؟ الجواب: أما من جهة الموعظة فإذا وجد سبب لها فإنها تفعل في أي مكان، لكن إذا اتخذ هذا راتبًا وكأنه هو السبب، قلنا: هذا خطأ، فمثلًا: الاجتماع في العرس أو في وليمة كبيرة، إذا رأى الإنسان من المناسب أن يتكلم، وذلك بأن رآهم متشوفين

стр. 153

لكلامه، والناس يختلفون في هذه الناحية، فمن الناس رجالٌ يتشوف الناس إلى كلامهم ويتمنون أن يتكلموا، فهنا نقول: الكلام جيد، وكذلك لو طلب منه أن يتكلم، فهنا أيضًا نقول: تكلم؛ لأنك سئلت العلم، فإذا سئلت العلم فبيِّنه، أما إنسان ليس ذا أهمية عند الناس ولا الناس يترقبون كلامه يفرض نفسه عليهم ثم يتكلم في مثل هذه المناسبات، لا شك أن هذا فيه تضييق على الناس، وكثير من الناس يأتون إلى هذه الحفلات فيجتمع بعضهم ببعض مع طول الزمان ويتساءلون عن أحوالهم وعن قراباتهم، فيقطع هذا عليهم ما يريدون أو ما يتكلمون فيكون شهرة بين الناس، هذه واحدة، وكذلك العزاء أشد وأشد، لأن كون الإنسان يأتي ويخطب في الحاضرين تكون بدعة على بدعة؛ لأن أصل الاجتماع على عزاء غير مشروع كما نص على ذلك أهل العلم، منهم من كرهه وصرح بالكراهة، ومنهم من قال: إنه بدعة، وكتب الفقهاء بين أيدينا. كذلك أيضًا ما أحدثه بعض الناس عند الدفن وذلك بأن يقوم أحدهم خطيبًا ويخطب ويعظ الناس هذا أيضًا من البدع؛ لأن الرسول ﷺ لم يفعل هذا، وغاية ما ورد عن الرسول ﵊ أنه انتهى إلى القبر مع أصحابه ولمَّا يلحد، يعني: ما تم تلحيد القبر، فجلسوا وجلس النبي ﵊ معهم وجعل ينكت بمخصرة معه -ينكت بها الأرض- ويحدثهم عن حال الإنسان عند الموت وبعد الدفن، وهذه ليست خطبة، هذه موعظة وليست راتبة، لم يفعلها الرسول كلما دفن أحدًا، بل فعلها لأنه ينتظر التلحيد، فبدلًا من أن يسكت أو

стр. 154

يتكلموا في شيء غير مناسب تكلم ﵊ (١). من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: فضيلة الإيمان والعمل الصالح وجه ذلك: ما رتب عليها من الثواب؛ لأن كل عمل رتب عليه ثواب فإنه فاضل مأمور به. الفائدة الثانية: أن الإيمان وحده لا يكفي بل لا بد من عمل، ولهذا نجد كثيرًا من الناس يركزون على العقيدة، فيقولون: عقيدتنا سليمة والحمد لله ولا يتعرضون للعمل وهذا قصور، بل لا بد مع العقيدة من عمل صالح. الفائدة الثالثة: إثبات المغفرة لله ، لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وقد تقدم معنى المغفرة وأنها ستر الذنب والتجاوز عنه. فإن قال قائل: المغفرة هنا مطلقة، لم يقل: من الله؟ الجواب: هي مطلقة، لكن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وهذا أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الذي بيده المغفرة والرحمة هو الله . الفائدة الرابعة: تفضل الله على عباده، حيث جعل الثواب بمنزلة الأجر، كأن العامل أجير إذا وَفَّى العمل أعطي أجره، مع أن المنَّة لله أولًا وآخرًا.

стр. 155

الفائدة الخامسة: عظم ثواب المؤمنين العاملين الصالحات حيث عظمه الله ، وتعظيم العظيم للشيء يدل على أنه عظيم عظمة لا يتخيلها الإنسان ولا يتصورها، وهو كذلك. * * * ° قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ [المائدة: ١٠]. ولما كان هذا القرآن مثاني كما وصفه الله بذلك، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فلما ذكر ثواب المؤمنين العاملين للصالحات ثنى بذكر من يقابلهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ﴿كَفَرُوا﴾ في مقابل الأعمال الصالحات، ﴿كَفَرُوا﴾ في مقابل الإيمان، فكذبوا بما يجب التصديق به وكفروا بما يجب العمل به. وقوله: ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فهم لم يستقيموا على الأمر ولم يصدقوا الخبر، بل قابلوا الخبر بالتكذيب، وقابلوا العمل بالكفر. قوله: ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: المراد بالآيات هنا الآيات الشرعية والكونية، فمن أنكر ربوبية الله وخلقه للمخلوقات وتصرفه في الكون، فهذا مكذب بالآيات الكونية، ومن أقر بذلك لكنه لم يقم بطاعة الله فقد كفر وكذب بالآيات الشرعية، وآيات الله تعالى كونية وشرعية. فالكونية: هذا الكون بما فيه من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والبحار والأنهار وغير ذلك من المخلوقات العظيمة، التي بعضها لا تحيط به كبرًا وبعضها لا تحيط به

стр. 156

صغرًا، إنك أحيانًا تفتش الكتاب فتجد في طياته حشرات صغيرة جدًّا جدًّا لا تكاد تراها بالعين، وهذه مخلوقات الله يرزقها الله ويعلم مستقرها ومستودعها ولا يخفى عليه أمرها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦]. والآيات الشرعية: هي ما جاءت به الرسل وكانت آيات دالة على الله ؛ لأن البشر لا يمكن أن يأتوا بمثلها، فمن يأتي بشريعة تصلح للبشر في كل زمان ومكان؟ بالنسبة للشريعة المحمدية لا أحد، وكذلك الشرائع بالنسبة للأمم السابقة، هي ملائمة تمامًا لأحوالهم وأزمانهم وأماكنهم، فلا أحد يستطيع أن يأتي بمثل هذه الآيات الشرعية. قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾ هذه مبتدأ ثاني، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هي المبتدأ الأول، "وأصحاب" خبر للمبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول والرابط الإشارة. قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: أي: أهل الجحيم الملازمون لها، والجحيم هي النار أعاذنا الله منها، وسميت بذلك لبعد قعرها وسوادها. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن القرآن الكريم مثاني، إذا ذكر أهل العمل الصالح ذكر أهل العمل السيئ، وفائدة ذلك: أن لا يغلب جانب الرجاء أو جانب الخوف؛ وذلك أن الإنسان إذا لم يكن أمامه إلا أوصاف المؤمنين وجزاء المؤمنين فإن ذلك قد يحمله على الرجاء

стр. 157

وينسى الخوف، وإذا لم يكن أمامه إلا أوصاف الكافرين وعقوبة الكافرين، فقد يستولي عليه الخوف والقنوط من رحمة الله، فلهذا كان الله تعالى يذكر هذا إلى جنب هذا، حتى لا يستولي القنوط من رحمة الله عند ذكر ما يخوف، أو الأمن من مكر الله عند ذكر ما يُرَجِّي. فإن قال قائل: أيهما أفضل للعامل أن يغلب جانب الخوف أو أن يغلب جانب الرجاء؟ الجواب: أن أحسن الأقوال في هذا: أنه عند عمل العمل الصالح يغلب جانب الرجاء، وعند الهم بالسيئة يغلب جانب الخوف؛ لأنه إذا عمل العمل الصالح وغلب جانب الرجاء أحسن الظن بالله، وأن الله تعالى سيقبل عمله، ويثيبه عليه فينشط على العمل، ويحتسب الأجر على الله. وعند الهم بالمعصية لو غلب جانب الرجاء لقالت له نفسه: إن الله غفور رحيم، وهذه معصية سهلة وأنت إذا فعلتها فتب، باب التوبة مفتوح وما أشبه ذلك، لكن إذا غلب جانب الخوف، وخاف أن لا يوفق للتوبة وأن يزيغ قلبه، حينئذٍ يكف عن المعصية، فأحسن الأقوال في ذلك: أن ينظر الإنسان إلى حاله، فعندما يفعل الطاعات يغلب جانب الرجاء، وعندما يهم بالمعصية يغلب جانب الخوف. لو قال قائل: إن الخوف والرجاء من العبادات القلبية فكيف يستطيع الإنسان أن يحقق الخوف والرجاء ويعرف أنه يمشي بين هذين؟ الجواب: هذا ليس انفعالًا في الواقع، وإذا قدر انفعالًا فإننا نقول للإنسان إذا مُنِّيَ بشيء يحبه: أيرجوه أو لا؟ يرجوه،

стр. 158

وإذا خوف يخاف، لو أن رجلًا كريمًا قال: من عمل هذا فله كذا وكذا، فعمله الإنسان، يرجو أو يخاف؟ يرجو، كذلك بالعكس، لو أن رجلًا ظالمًا قال: من فعل كذلك عاقبته بكذا، فالإنسان يخاف، وإن كان انفعالًا، لكن لا بد أن يتأثر الإنسان بما يكون أمامه من طمع أو خوف. فإن قال قائل: ألم يقل الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فبيَّن الله تعالى أن من أوصاف هؤلاء السادة: أنهم إذا آتوا ما يؤتون فقلوبهم وجلة، يخافون أن لا يقبل منهم، كما جاء ذلك في تفسيره؟ قلنا: نعم هو كذلك، وهذا إذا خاف الإنسان أن يعجب بعمله فيجب أن يخاف، وأما إذا كان بريئًا من ذلك وهو يعلم أن ذلك العمل الصالح بمعونة الله، فليحسن الظن بالله ، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي" (١). الفائدة الثانية: أن الكفر قد يصحبه التكذيب وقد لا يصحبه، ولهذا أحيانًا يذكر الله الكفر فقط، مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١]، وأحيانًا يذكر التكذيب فقط، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢]، وأحيانًا يقرن بينهما،

стр. 159

وذلك لأن كلًّا منهما قد يكون وحده موجبًا للخلود في النار، فإذا اجتمعا جميعًا، صار ذلك أشد وأعظم والعياذ بالله. الفائدة الثالثة: أن على الإنسان أن يكون مستسلمًا استسلامًا تامًا لآيات الله مصدقًا بأخبارها منفذًا لأحكامها؛ لأن الله توعد المكذبين بالآيات والكافرين بها بأنهم أصحاب الجحيم، وقد ذكر الله في سورة النساء قسمًا مؤكدًا، أنهم لا يؤمنون إلا بشروط فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ هذه الأولى، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ هذه الثانية، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] هذه الثالثة، فمن حكَّم غير الله ورسوله فليس بمؤمن، ومن حكم الله ورسوله ولكنه صار في قلبه ضيق، ولم ينشرح صدره بما حكم الله به ورسوله فليس بمؤمن، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾، ومن لم يجد حرجًا لكن صار يتكاسل ويتهاون في التسليم فإنه لم يؤمن، ثم قد يكون الانتفاء لما نهي عنه انتفاءً كاملًا، وقد يكون انتفاءً جزئيًا حسب ما قام في قلبه وعمله. الفائدة الرابعة: أن الكافرين المكذبين مخلدون في النار لقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وكلما جاءت ﴿أَصْحَابُ﴾: فالمراد بها الملازمة الدائمة، كقول النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جئت به -أو قال: لا يتبع ما جئت به- إلا كان من أصحاب النار" (١). * * *

стр. 160

° قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ [المائدة: ١١]. الكلام على قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقدم تفسيره كثيرًا وأظنه لا يخفى. قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أمر الله تعالى أن نذكر نعمته، لا من أجل مجرد الذكر والخبر، ولكن للقيام بشكر هذه النعمة؛ لأنه لا يكفي مجرد أن أقول: إن الله سلمني من العدو، أو إن الله مكنني من العدو، أو إن الله نصرني على العدو، أو إن الله خذل عدوي هذا لا يكفي، لا بد أن يكون ذلك شكرًا لله ، فإن كان شكرًا بأن كان الإنسان يتحدث بنعمة الله ثناءً على الله فهذا من الشكر. وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ﴾، ﴿إِذْ﴾ متعلقة بقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فتكون في موضع نصب على الحال. قوله: ﴿هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾، القوم هم المشركون، وقد هموا بقتل النبي ﷺ ، وهموا أيضًا بأن يقاتلوه في مكة ولكنَّ الله قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]، وقال في سورة النساء: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، فعدة وقائع يهم الكفار بأن يبسطوا أيديهم إلى الرسول ﵊ وأصحابه، ولكن الله تعالى يكف أيديهم ويسلم الرسول وأصحابه، ولذلك قال تعالى: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ أي: ولم يستطيعوا أن ينالوكم بسوء وهذه نعمة عظيمة، أن يهم عدوك بشيء ثم

стр. 161

يحجزه الله عنك، لقد قال الله في سورة الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]، وقال فيها: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]. لما أمر بذكر النعمة قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ والتقوى هي: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي. قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني وليتوكل المؤمنون على الله، ونعلم جميعًا أن قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ فهي مقدمة عليه لإفادة الحصر، و"الفاء": زيدت لتحسين اللفظ، وإلا لو قيل: وعلى الله ليتوكل، صح الكلام. وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ "اللام": لام الأمر وأصلها مكسورة، لكنها تسكن إذا سبقها "الفاء" أو "الواو"أو "ثم"، وفي هذه الآية التي معنا سبقها الفاء، وفي قوله تعالى ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ﴾ [الحج: ١٥]، سبقها "ثم"، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩]، سبقها الواو. قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، "التوكل" أحسن ما قيل فيه: إنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، ثقة به ﵎ وتفويضًا إليه، فالتوكل على الله، أن تعتمد على الله في جلب المنافع، والإنسان محتاج إلى المنافع، ودفع المضار ثقةً بالله ، وتفويضًا إليه، وبهذا يظهر الفرق بين توكل الإنسان على العبد وتوكله على الرب، إن توكل الإنسان على الرب تفويض مطلق، فهو يعتقد أن الله تعالى هو الذي له الحكم فيه وله السلطة عليه، لكن توكله على شخصٍ وَكَّلَه أن يشتري له حاجة، ليس تفويضًا إليه، ولكنه وَكَّلَه وهو يعتقد أنه

стр. 162

دونه في المرتبة، يعني: عندما تعتمد على شخص وكلته يشتري لك حاجة هل هو كتوكلك على الله؟ الجواب: لا، توكلي على الله توكل عبادة وتفويض واستسلام، وتوكلي على إنسان وكلته ليس إلا اعتمادًا على شخصه: أنا الذي أدبره، وأنا الذي أريد أن يتوكل، وأنا الذي بيدي فسخ وكالته. فالفرق بين التوكل على الله والتوكل على العبد فرق عظيم، لكن مع ذلك، لا ينبغي للإنسان أن يقول: توكلت على فلان في شراء كذا وكذا، بل يقول: وكلت فلانًا، لئلا يستعمل اللفظ الذي لا يطلق إلا لله في حق العبد. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ يعني: الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أنه يجب على الإنسان أن يذكر نعمة الله عليه في جلب المنافع ودقع المضار، وجه ذلك: أمر الله جلَّ وعلا بذكر نعمه بكف أيدي الأعداء عنا. لو قال قائل: في كثير من الأحيان ما يكاد الإنسان يذكر نعمة هو فيها إلا ويُحْرَمْها، فهل يجب عليه في هذه الحال أن يذكر نعمة الله عليه؟ الجواب: هذا غلط، الله يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]، لكن ربما يكون ذكره إياها على سبيل الفخر والإعجاب فحينئذٍ يُحْرَمُ إياها، حتى لو كانت النعمة لا تستوجب فخرًا ولا عجبًا كصحة مثلًا أو مال أو ذهاب أو إياب

стр. 163

أو أي شيء، فنقول: أبدًا لا يمكن، الإنسان مأمور أن يتحدث بنعمة الله بدون فخر، وبدون إعجاب. * * * الفائدة الثانية: أن كف الأذى والضرر من النعم وهو كذلك، وكثير من الناس يظنون أن النعم هي الإيجاد، وهذا قصور، النعمة: إما إيجاد معدوم وإما كف موجود، ولهذا يشكر الله على هذا وهذا. الفائدة الثالثة: وجوب تقوى الله عند ذكر النعم حتى لا يطغى الإنسان ويرتفع ويربأ بنفسه، لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. الفائدة الرابعة: وجوب التوكل على الله ، لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾. الفائدة الخامسة: إخلاص التوكل لله ، وجه ذلك: تقديم المعمول، والقاعدة عند البلاغيين: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. فإن قال قائل: هل التوكل يمنع فعل الأسباب؟ الجواب: لا، بل التوكل لا يتم إلا بفعل الأسباب، وأضرب لكم مثلًا بسيد المتوكلين محمد ﷺ ، ومع ذلك كان يتوقى الحر ويتوقى البرد ويلبس الدروع في الحرب، ولبس ﵊ في أُحد درعين، كل ذلك توقيًا للسهام، فَفِعْل الأسباب النافعة الحقيقية لا ينافي التوكل، بل هو من تمام التوكل. ولهذا لو قال قائل: أنا لن أسعى في طلب الرزق، يرزقني الذي رزق الثعابين في جحورها، أنا متوكل على الله؟

стр. 164

قلنا: هذا عجز وكسل. التوكل على الله: التفويض إذا لم تستطع الأسباب، فإذا عجز الإنسان عن الأسباب فليس عنده إلا التفويض، ولهذا تجد الكفار إذا غشيهم موجٌ كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين أي: فوضوا الأمر إلى الله، وكذلك الإنسان إذا ألم به شيء لا يستطيع دفعه تجده ليس له حول ولا قوة، أما مع القدرة على فعل الأسباب فإنه لا بد من فعلها، لو أن الإنسان قال: أنا أريد أن أسافر إلى مكة للحج، قلنا: خذ معك نفقة قال: لا حاجة لذلك أنا متوكل على الله، ماذا نقول في هذا؟ هذا عجز وتواني وكسل، إذا كنت متوكلًا على الله حقيقة فافعل السبب، خذ معك ما يكفيك للنفقة أو أجر نفسك على بعض الناس تكون معهم ويكفونك المؤنة أو ما أشبه ذلك. الفائدة السادسة: أن التوكل من الإيمان، لقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فوجه الأمر إلى المؤمنين؛ لأنهم هم أهل التوكل. الفائدة السابعة: أن ترك التوكل على الله نقص في الإيمان، ولكن هل ينافي كمال الإيمان أو ينافي أصل الإيمان؟ فيه تفصيل فمن توكل على نبي ميت، وكل الأنبياء أموات إلا عيسى فهو حي في السماء فهذا ينافي أصل الإيمان، من توكل على قبر فهذا ينافي أصل الإيمان، فمن اعتمد على سبب معلوم وهو سبب شرعي أو قدري فذلك لا ينافي الإيمان، لكن لا تجعل عمدتك هذا السبب بل اجعله سببًا والمسبب هو الله ، ولهذا نجد الأسباب كثيرًا ما تتخلف مسبباتها؛ لأن الأمر بيد الله ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. * * *

стр. 165

° قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ [المائدة: ١٢]. قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: "اللام" و"قد" و"القسم المقدر"، والتقدير: والله لقد، وهذه قاعدة كلما جاء تعبير بهذا فهو مؤكد بثلاثة مؤكدات ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤] وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ٤] وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فالآيات مؤكدة بثلاثة مؤكدات. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهدهم، والسياق هنا سياق غائي. قوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾ هذا التفات من الغيبة إلى التكلم ولو كان الكلام على نسق واحد لقال: وبَعَثَ. وقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: أي: جعلنا منهم اثني عشر رقيبًا، قوله: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ﴾ الأعداد المركبة مثل ثلاث عشر، وأربع عشر وثلاثة عشر وأربعة عشر، لا نعرب الجزء الأول وحده والثاني وحده، إلا اثني عشر واثنتي عشرة، فيعرب الجزء الأول بحسب العوامل، ففي الرفع نجعله بالألف وفي النصب والجر بالياء؛ لأنه ملحق بالمثنى، وإنما قلنا: إنه

стр. 166

ملحق بالمثنى ولم نجعله مثنى حقيقة؛ لأنه ليس له مفرد، إذ إن "اثنا" ليس مفرده: "اثني"، لكن مفرده واحد، فلهذا يعربونه على أنه ملحق بالمثنى، ويكون إعرابه كما تقدم بالألف رفعًا وبالياء نصبًا وجرًا، ولكنه لا يضاف إلى عشر، بل يقال: اثنا مركب مع عشر، وعشر مبنية على الفتح لا محل له من الإعراب. قوله: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ﴿نَقِيبًا﴾ هذه تمييز وكلما جاءتك كلمة تفسر العدد وهي المعدود فأعربها على أنها تمييز، مثلًا: ثلاثة عشر رجلًا نقول: رجلًا: تمييز، ولهذا يقول صاحب الألفية: اسم بمعنى: مِن مُبينٌ نكرة ... يُنْصَبُ تمييزًا بما قد فسره وقوله: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ﴿نَقِيبًا﴾ فعيل بمعنى فاعل، "وناقب" بمعنى منقب، مُنَقِّب: يعني مفتش والنقباء هم العرفاء؛ لأن العريف يفتش عمن جُعل عريفًا عليه وأصل التنقيب التفتيش، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [ق: ٣٦] أي: فتشوا فيها. يعني: جعل الله منهم نقباء أي: عرفاء على قومهم كل سبط عليهم عريف؛ لأنهم اثنا عشر أسباطًا، وهذا من عناية الله بهم، أن جعل عليهم العرفاء من أجل أن يوجهوههم ويؤدبوهم. قوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾: أي: بالنصر والتأييد، وهذه المعية خاصة وسنتكلم إن شاء الله عليها في الفوائد. قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ هذا بدأ الميثاق، ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: أي: أتيتم بها مستقيمة، والصلاة معروفة: هي التعبد لله تعالى بذات الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير المختتمة

стр. 167

بالتسليم، هذا هو الأصل، وعلى هذا فصلوات النصارى واليهود الآن صلوات محرفة، فهم كما حرفوا في التأويل حرفوا أيضًا في الأفعال. قوله: ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾، ﴿وَآتَيْتُمُ﴾: بمعنى أعطيتم، والزكاة: مالٌ واجب في أموال مخصوصة، وقوله: ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ أي: إلى مستحقها. ولهذا نقول: إن "آتى" تنصب مفعولين: الأول: الزكاة، والثاني: محذوف، أي: آتيتم الزكاة أهلها، وسميت زكاة لأنها تزكي أخلاق باذلها، تزكيها يعني تنميها، فإن بذل المال ينمي الأخلاق بلا شك، وإذا أردت أن ينشرح صدرك فأكثر من النفقة لكن بدون إسراف. قوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾؛ أي: أقررتم إقرارًا مستلزمًا للقبول والإذعان، هذا معنى الإيمان، فمجرد الإقرار لا يعتبر إيمانًا، ولو كان مجرد الإقرار إيمانًا لكان أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مقر برسالة النبي ﷺ . وقوله: ﴿بِرُسُلِي﴾ "الرسل": جمع رسول: وهم الذين أرسلهم الله تعالى إلى بني إسرائيل، وأكثر الأنبياء الذين قصوا علينا من بني إسرائيل. قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: نصرتموهم؛ لأن التعزير يعني النصرة وأصله من التقوية، قال الله ﵎: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، أي: تعزروا الرسول ﷺ . قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أي: بذلتم المال محتسبين الأجر من عنده؛ لأن المقرض يعطي القرض على أنه سوف يرد إليه عوضه، فالإقراض لله: يعني احتساب الثواب منه؛ كأنك بذلت الشيء ابتغاء مرضاته لتنال بذلك ثوابه.

стр. 168

فإن قال قائل: قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ﴾ مع قوله: ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾، هل هو من باب عطف المتغايرين أو هو من باب عطف العام على الخاص أم ماذا؟ يرى بعض العلماء أنه من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الزكاة حقيقة إذا أدَّاها الإنسان محتسبًا ثوابها فهي من إقراض الله، ويكون ذكر الإقراض وهو أعم من الزكاة بعد ذكر الزكاة ليشمل الزكاة وغيرها. وقيل: المراد بالإقراض هنا الصدقة؛ أي: ما زاد على الزكاة وعلى هذا يكون العطف عليها من باب عطف المتغايرين. وقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ القرض الحسن: ما كان خالصًا لله على وفق شريعة الله، وقد بَيَّن الرسول ﵊ الإحسان في عبادة الخالق: أنه تمام الإيمان والمراقبة، فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١). قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ هذا جواب قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾، وهل هو جواب للشرط التي هي: "إنْ" أو جواب للقسم المقدر المدلول عليه باللام، في قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾؟ الثاني، فهو جواب القسم ولهذا لم يقترن بالفاء، ولو كان جوابًا للشرط لاقترن بالفاء، وفي هذا يقول ابن مالك ﵀: واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم والذي أخر هنا الشرط، إذًا: الذي حذف هو جواب الشرط.

стр. 169

وقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أَجْعَلُهَا مكفرة بالحسنات التي فعلت من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالرسل وتعزيرهم، وإقراض الله قرضًا حسنًا، فالسيئات تكفر بهذه الحسنات. قوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ وإذا جمعت بينها وبين أكفر، صار بها النجاة من المرهوب وحصول المطلوب، النجاة من المرهوب في قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ لأنها إذا كفرت لم يعاقب عليها، وحصول المطلوب، في قوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وبالتتبع والاستقراء، نجد أن أغلب ما يكون تقديم النجاة من المرهوب، ليرد المطلوب على محل خالٍ مما يرهب، فتكون التصفية قبل التحلية؛ يعني: صَفِّ الشيء قبل أن تحليه، اكنس المكان قبل أن تفرشه، وتأمل الآن في القرآن والسنة وفي غيرهما أيضًا، تجد أن النفي غالبًا يكون مقدمًا على الإثبات: فكلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" قدم فيها النفي على الإثبات؛ ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب. وقوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾: المراد بها جنة المأوى، وهي كما نرى تذكر أحيانًا مفردة، وأحيانًا مجموعة، قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ [الحديد: ٢١]، "جنة": هنا مفردة، وتأتي جنات كثيرة مجموعة، فإفرادها باعتبار الجنس وجمعها باعتبار النوع؛ لأن الجنة أنواع، وقد ذكر الله تعالى في آخر سورة الرحمن أربعة أنواع، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]،

стр. 170

ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢] يعنى سواهما لكن أيهما أشرف الأوليان أو الأخريان؟ الجواب: الأوليان، وابن القيم في النونية ذكر أن الفروق عشرة، لكن قال النظم يعييني أن أسوقها، إذًا تجمع الجنة على جنات باعتبار الأنواع وتفرد باعتبار الجنس. وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ لو أننا فسرنا، جنات بما نفسر به الجنات في الدنيا، وقلنا: الجنات: بساتين كثيرة الأشجار كثيرة الثمار، لم يذهب الذهن بعيدًا ولاستقلَّ نعيم الآخرة، لكن إذا قلنا: الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه -اللهم اجعلنا منهم- فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أيهما أشد هزًا للمشاعر؟ الثاني بلا شك. ولهذا قد نعتب على بعض الناس أن يفسر جنة المأوى بأنها البستان الكثير الأشجار، وأنها سميت بذلك لأن أشجارها ملتف بعضها إلى بعض فهي تستر من فيها، نقول: هذا لا شك أنه يقلل من تخيل الجنة وأنها شيء عظيم، فنقول: الجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ هذا يهز المشاعر ويوجب أن يسارع الإنسان ويسابق إليه. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ معلوم أنه ليس المراد من تحت أرضها؛ لأن النهر إذا جرى من تحت الأرض فأي فائدة فيه؟ ولهذا لا ننتفع بالأنهار الجوفية، ولكن المراد بقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال العلماء: أي: من تحت قصورها وأشجارها، وما

стр. 171

أحسن اضطراد الأنهر تحت الأشجار الظليلة والقصور الفخمة العظيمة، لها منظر لا يتصوره الإنسان في الواقع، هذه الأنهار ليست كأنهار الدنيا، أنواعها أربعة: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] يعني: لا يمكن أن يتغير وأنهار الدنيا تتغير، والثاني: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥]، بل هو من أحسن ما يكون مذاقًا: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، وقد نفى الله عنها الغول، قال تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ [الصافات: ٤٧]، وقال ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، نقي ليس فيه شيء مما يكون في عسل الدنيا، هذه أنهار أربعة تجري جريان. الماء: ربما يتصور الإنسان كيف يجري، وكذلك اللبن الذي لم يتغير طعمه؛ لأن اللبن جارٍ، والخمر قد يتصور جريانه وقد لا يتصور؛ لأن الخمر ليس كله سواء، الرابع: العسل في تصورنا الآن أنه لا يمكن جريانه لكنه في الجنة نهر يجري، ثم إن ابن القيم ﵀ ذكر في النونية أن هذه الأنهار تجري بغير أخدود، فقال: أنهارها من غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضانِ الله أكبر! النهر يجري ليس له أخدود يمنعه أن ينحرف يمينًا ويسارًا ولا حفر له على سطح مكان، ومع هذا أيضًا لا يجري إلا حيث شاء صاحبه، يصرفه كيف شاء ليس هناك عمال ولا عوامل وإنما هي: إرادات، قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، إذًا هنا ميثاق بين متعاقدين: عمل يسير في مقابل ثواب كثير.

стр. 172

قوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ "مَن" هنا: شرطية جوابها ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾، أي: فمن كفر بعد هذا الميثاق ولم يقم بما واثق الله عليه ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، "الضلال": بمعنى الضياع والتيه، يعني تاه عن الصراط المستقيم، و ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: مستقيمه الموصل إلى المراد، وهذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تذكير هذه الأمة وتذكير بني إسرائيل بما أخذه الله عليهم من الميثاق، أما تذكير بني إسرائيل فالأمر فيه واضح، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وأما تذكيرنا نحن الأمة الإسلامية؛ فلأنه ليس بين البشر وبين الخالق عهد يتضمن المحاباة إلا تفضلًا من الله ، فإذا قمنا بما أوجب الله علينا فلنا الأجر مرتين، حسب ما جاءت به النصوص عن النبي ﷺ (١). الفائدة الثانية: ذكر الله نفسه بالغيبة تعظيمًا وتكبيرًا له جلَّ وعلا، وجه ذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: "لقد أخذنا"، وهذا كما يقول الملك لجنوده إن الملك يأمركم أن تفعلوا كذا لا يقول: إني آمركم، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. الفائدة الثالثة: أن من أساليب البلاغة الانتقال من أسلوب

стр. 173

إلى آخر لتنبيه المخاطب، لقوله: ﴿وَبَعَثْنَا﴾ بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ ولا شك أن تغير الأسلوب يوجب الانتباه. الفائدة الرابعة: إثبات أن الله تعالى خلق أعمال العباد، لقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾؛ لأن النقباء مفتشون، وإذا كان الله هو الباعث لهم، لزم أن تكون أفعالهم مخلوقة لله. الفائدة الخامسة: الرد على القدرية لقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾، وجه الدلالة لأنهم قاموا بأمر الله، لكن القدرية يقولون: إن أفعال العبد ليست مخلوقة لله، وليس لله فيها تعلق. الفائدة السادسة: الرد على الجبرية، لقوله: ﴿نَقِيبًا﴾ لأن النقيب: هو المنقب، فأضاف الله تعالى الفعل إليهم، وهذا يدل على أن الإنسان غير مجبور، ونصوص الكتاب والسنة تدل على بطلان قول القدرية وبطلان قول الجبرية. الفائدة السابعة: أنه ينبغي للناس أن يتخذوا نقباء يرجعون إليهم في أمورهم، عند النزاع يكونون مصلحين وعند الإشكال يكونون موضحين وما أشبه ذلك، ولهذا أمر النبي ﷺ ، إذا كانوا ثلاثة في سفر أن يؤمروا أحدهم (١) من أجل أن يوجههم ويدبر شؤونهم، ولا يكون الأمر فوضى. الفائدة الثامنة: منَّة الله على بني إسرائيل بأنه ناصرهم، لقوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ واعلم أن الله تعالى وصف نفسه بالمعية في عدة آيات، فمرة ذكرها عامة ومرة ذكرها خاصة بوصف، ومرة ذكرها خاصة بشخص، وكلها حق، فالعامة

стр. 174

مقتضاها الإحاطة بالخلق علمًا وقدرة وسلطانًا وتدبيرًا وملكًا وغير ذلك، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُو﴾ [المجادلة: ٧]، والمعية الخاصة إما مقيدة بوصف كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، لكن هذه تقتضي مع الإحاطة العامة تقتضي النصر والتأييد والدفاع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، وإما مقيدة بشخص، مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، ومثل قول النبي ﷺ فيما حكاه الله عنه لصاحبه أبي بكر ﵁: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. هذه المعية، هل هي حقيقة أو هي مجاز عن العلم والإحاطة والنصرة والتأييد وما أشبه ذلك؟ الجواب: الأول كسائر الصفات، أنها حقيقة وأنها تقتضي في كل موضع ما يناسبها. لكن إذا قلنا: إنها حقيقة، هل تنافي ما ذُكر من علو الله جلَّ وعلا؟ الجواب: لا، أبدًا، بل هو معنا وهو على عرشه، وليس معنى قوله ﴿مَعَنَا﴾، أنه في الأرض، كلا، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، ومن كان هذا شأنه كيف يمكن أن يتصور عاقل فضلًا عن مؤمن أن يكون معنا

стр. 175

في أماكننا، فالله معنا وهو عالٍ، ولا مانع؛ لأن الله بكل شيء محيط، حتى إن الرسول ﵊ لما رفع الصحابة أصواتهم بالتكبير، قال: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصمًا ولا غائبًا، -أصم: لا يسمع، ولا غائب: لا يرى- إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" (١)، نحن نؤمن بهذا، لكن ليس معنى ذلك أن الله في نفس المكان؛ لأنك لو قلت هذا لكنت ممن عمل بالنصوص ولكن نظر إليها نظر الأعور؛ أي: من جانب واحد. ولهذا لما نظرت الجهمية إلى هذا من جانب واحد، قالوا: إن الله معنا في كل مكان، لكنهم غفلوا عن نصوص العلو، ونحن نقول: إن الله تعالى معنا حقيقة وهو على عرشه حقيقة، ولا منافاة. فإن قال قائل: هل يتصور العقل أن الشيء يطلق عليه أنه معك وهو بعيد عنك؟ قلنا: نعم، إنه يتصور في الأمور المخلوقة، فالقمر يقول المسافرون إنه معنا، والنجم يقولون إنه معنا، والشمس يقولون: إنها معنا، وأمكنة هذه المخلوقات في السماء، يعني العرب تقول: القمر معنا والقطب معنا والجدي معنا، يقولون هذا،

стр. 176

ويعبرون عن هذا على أنها حقيقة ومحلها في السماء، ولا يعد ذلك تناقضًا، ثم على فرض أنه تناقض في المخلوق وأنه لا تجتمع المعية حقيقة والعلو حقيقة، فهل يقاس الخالق بالمخلوق؟ الجواب: لا يقاس بل يقال: نثبت لله ما أثبته لنفسه من علوه ومعيته، ونعلم أنه لا تناقض بل هو عالٍ ومعنا ولا منافاة، إذًا: الجواب على هذا نقول: ليس بينهما تناقض للوجوه التالية: أولًا: أن الله جمع لنفسه بينهما، وما جمع الله بينه في كتابه فليس فيه تناقض، إذ لو كان لما صدق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فكل شيئين جمع الله بينهما فاعلم أنه لا تناقض بينهما. ثانيًا: لا تناقض ولا منافاة بين المعية حقيقة والعلو حقيقة أبدًا؛ لأننا نحس بالواقع المشاهد المتفق عليه عند علماء اللغة أنه يقال للشيء إنه معنا وهو في مكانه في السماء بعيدًا عنا. ثالثًا: على فرض أن هذا ممتنع في حق المخلوق فليس بممتنع في حق الخالق؛ لأن الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، في جميع نعوته، فهو عليٌّ في دنوه قريب في علوه، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة المباركة ألا وهي: العقيدة الواسطية، وبه أيضًا نسلم من إلزام أهل التأويل لأهل السنة حيث يقولون: أنتم تنكرون علينا التأويل وأنتم تؤولون؛ لأنك إذا قرأت ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤]، كل هذه الضمائر تعود إلى الله ، ما الذي يخرج المعية عن هذا؟

стр. 177

إذا كان قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: أي: الله، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]: أي: الله، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾: أي: الله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾: أي: الله، لكن يجب كما قال شيخ الإسلام ﵀ أن يصان هذا الفهم عن الظنون الكاذبة، مثل: أن يعتقد الإنسان أنه معنا في مكاننا، أو أنه على السماء يعني أن السماء تقله، أو أنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صارت السموات الأخرى تظله، هذا يجب أن يصان عنه؛ لأن الله تعالى في العلو، وعلوه من لازم ذاته وهو من الصفات الذاتية التي لا ينفك عنها كما لا ينفك عن سمعه وبصره فلينتبه لهذا. لكن ورد عن السلف ﵏ -عن كثير منهم- أنهم فسروا المعية بالعلم وهذا تفسير باللازم؛ لأن من لازم من كان معك أن يكون عالمًا بك، ولا شك أن هذا التفسير صحيح غير منكر والتفسير باللازم تفسير صحيح لكنه ليس هو المطابق؛ لأن الدلالات: ثلاثة أنواع: دلالة تضمن، ودلالة مطابقة، ودلالة التزام، هذا من دلالة الالتزام، واضطروا إلى ذلك من أجل الرد على أولئك الجهمية الذين كانوا يقولون: إن الله معنا في نفس المكان، ولهذا قال عبد الله بن المبارك ﵀: نقول: إن الله معنا بعلمه، ولا نقول: كما قال هؤلاء الجهمية، إنه معنا ها هنا يعني: في الأرض فتبين بذلك لماذا صارت أكثر عبارات السلف: أن المعية يعني العلم؟ ونحن نقول هذا التفسير صحيح غير منكر؛ لأنه تفسير باللازم والتفسير باللازم قد استعمله السلف في كثيرٍ من الآيات ولا يعد هذا خروجًا عما تقتضيه الآية، لكن التفسير الذي ينكر على الإنسان، أن يؤول تأويلًا مخالفًا للفظ بأنواع الدلالات الثلاث وهي: المطابقة والتضمن والالتزام.

стр. 178

المعية الخاصة بالوصف كثيرة في القرآن قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، هذه الآية إذا آمن بها الإنسان سوف تحمله على ثقته بنفسه، لكن ثقته بنفسه: لا لأنه قوي قادر، ولكن لأن الله معه فإذا اتقى الإنسان ربه تقوى حقيقية، فإنه سوف يحصل له النصر والتأييد لأن الله يدافع عن الذين آمنوا، لكن الذي ينقصنا في الحقيقة هو التقوى، ولذلك نجد أننا فاشلون في كل المعارك التي خضناها مع إخوان القردة والخنازير وهم: اليهود. ونجد أن الإخوة الذين عندهم -فيما يظهر لنا والعلم عند الله تقوى وقوة- نجد أنهم غلبوا من كانوا أكبر دولة فيما سبق وهم الروس، ولكن الذين غلبوهم عندهم من التقوى ما ليس عندنا، يقولون: في الشيشان كان الروس أذل من الكلاب عندهم، حتى إنهم لما أمر ضُبَاطُهم وقوادهم جُيُوشَهم أن تتجمع، كانوا يتجمعون وينحدرون من رؤوس الجبال، يقول لي رجل ويقسم بالله أن سبعمائة آلية للحرب يقودها الروس، يقول: إن الشيشان قالوا: لا يمكن أن تسير هذه من حولنا، إلا والعَلَمُ المكتوب عليه "لا إله إلا الله محمد رسول الله" في المقدمة. فصاروا يقودونهم بلا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وهؤلاء يقول: أذل ما يكون، والذي قتل منهم -أي: من الروس- يقولون: سبعون ألفًا. ما كنا نظن هذا. فأقول: إن الإنسان إذا وثق بنفسه لما معه من تقوى الله والإحسان في عبادة الله، فليبشر بأن الله تعالى معه وأن الله ناصره، ثم ليُعلم أنه ليس من الضروري أن ينصر الإنسان في

стр. 179

حياته، بل إذا نصر ما يدعو إليه بعد موته فهو انتصار له بلا شك، ولهذا نحن نؤمن بأن انتصار الصحابة بفتحهم مشارق الأرض ومغاربها انتصارًا للرسول ﵊، فمن قام بالدعوة إلى الله مخلصًا لله متبعًا لشريعة الله ثم مات أو قتل، لكن بقيت الدعوة وانتصر بها من بعده، فهو في الحقيقة انتصار له، فيصدق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. أما المعية المعينة بشخص فهي أعظم وأعظم، فقول الرسول ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، أبلغ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾؛ لأنه تعيين للشخص، وكذلك قول الله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. الفائدة التاسعة: أن هؤلاء لو أوفوا بعهد الله لأوفى الله لهم بعهده، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ولقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ إلى آخره. الفائدة العاشرة: أن الصلاة والزكاة مفروضة على الأمم السابقة، وهو كذلك، فالصلوات والزكوات مفروضة لكن لا يلزم من كونها مفروضة أن تكون مماثلة لما وجب علينا في الكيفية والوقت والمقدار، المهم أن جنس الصلاة مفروض وجنس الزكاة مفروض لكن قد يختلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتشبيه هنا للفرض، شَبَّه الفرض بالفرض ولا يلزم أن

стр. 180

يكون صيامهم كصيامنا، وبقي الحج فقد ثبت عن النبي ﷺ أن الأمم السابقة كان الحج مشروعًا في حقهم (١)، فهذه الأركان العظيمة -أركان الإسلام- مشروعة عند كل أمة. الفائدة الحادية عشرة: أنه يجب على بني إسرائيل الإيمان بجميع الرسل وعلى رأسهم محمدٌ ﷺ ؛ لأن الله تعالى لم يتكفل لهم بهذا الثواب إلا إذا آمنوا برسله لقوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾، ومن المعلوم أن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع الرسل، كما قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، مع أنه لم يسبق رسول قبل نوح، لكن لما كذبوا نوحًا صار تكذيبهم إياه تكذيبًا لجميع الرسل. الفائدة الثانية عشرة: وجوب نصرة الرسل، لقوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾، فنصرتهم في حياتهم أن يكون معهم في الجهاد والدفاع وغير ذلك، ونصرتهم بعد وفاتهم أن ينصروا شرائعهم ويقيموها بين الناس، فواجب علينا نحن الآن أن ننصر شريعة النبي ﷺ . الفائدة الثالثة عشرة: بيان فضل الله على العباد حيث إنَّه يعطيهم الرزق ثم يقول تعالى: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾، وهو المعطي أولًا والمثيب ثانيًا لقوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ﴾، والحكمة في التعبير عن الإنفاق في سبيل الله بالقرض، أن الله جعل الإنفاق في سبيله بمنزلة القرض الذي يلزم المستقرض أن يوفيه.
следующие страницы →