← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويعبرون عن هذا على أنها حقيقة ومحلها في السماء، ولا يعد ذلك تناقضًا، ثم على فرض أنه تناقض في المخلوق وأنه لا تجتمع المعية حقيقة والعلو حقيقة، فهل يقاس الخالق بالمخلوق؟ الجواب: لا يقاس بل يقال: نثبت لله ما أثبته لنفسه من علوه ومعيته، ونعلم أنه لا تناقض بل هو عالٍ ومعنا ولا منافاة، إذًا: الجواب على هذا نقول: ليس بينهما تناقض للوجوه التالية: أولًا: أن الله جمع لنفسه بينهما، وما جمع الله بينه في كتابه فليس فيه تناقض، إذ لو كان لما صدق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فكل شيئين جمع الله بينهما فاعلم أنه لا تناقض بينهما. ثانيًا: لا تناقض ولا منافاة بين المعية حقيقة والعلو حقيقة أبدًا؛ لأننا نحس بالواقع المشاهد المتفق عليه عند علماء اللغة أنه يقال للشيء إنه معنا وهو في مكانه في السماء بعيدًا عنا. ثالثًا: على فرض أن هذا ممتنع في حق المخلوق فليس بممتنع في حق الخالق؛ لأن الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، في جميع نعوته، فهو عليٌّ في دنوه قريب في علوه، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في العقيدة المباركة ألا وهي: العقيدة الواسطية، وبه أيضًا نسلم من إلزام أهل التأويل لأهل السنة حيث يقولون: أنتم تنكرون علينا التأويل وأنتم تؤولون؛ لأنك إذا قرأت ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾ [الحديد: ٤]، كل هذه الضمائر تعود إلى الله ، ما الذي يخرج المعية عن هذا؟

стр. 177

إذا كان قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: أي: الله، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]: أي: الله، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾: أي: الله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾: أي: الله، لكن يجب كما قال شيخ الإسلام ﵀ أن يصان هذا الفهم عن الظنون الكاذبة، مثل: أن يعتقد الإنسان أنه معنا في مكاننا، أو أنه على السماء يعني أن السماء تقله، أو أنه إذا نزل إلى السماء الدنيا صارت السموات الأخرى تظله، هذا يجب أن يصان عنه؛ لأن الله تعالى في العلو، وعلوه من لازم ذاته وهو من الصفات الذاتية التي لا ينفك عنها كما لا ينفك عن سمعه وبصره فلينتبه لهذا. لكن ورد عن السلف ﵏ -عن كثير منهم- أنهم فسروا المعية بالعلم وهذا تفسير باللازم؛ لأن من لازم من كان معك أن يكون عالمًا بك، ولا شك أن هذا التفسير صحيح غير منكر والتفسير باللازم تفسير صحيح لكنه ليس هو المطابق؛ لأن الدلالات: ثلاثة أنواع: دلالة تضمن، ودلالة مطابقة، ودلالة التزام، هذا من دلالة الالتزام، واضطروا إلى ذلك من أجل الرد على أولئك الجهمية الذين كانوا يقولون: إن الله معنا في نفس المكان، ولهذا قال عبد الله بن المبارك ﵀: نقول: إن الله معنا بعلمه، ولا نقول: كما قال هؤلاء الجهمية، إنه معنا ها هنا يعني: في الأرض فتبين بذلك لماذا صارت أكثر عبارات السلف: أن المعية يعني العلم؟ ونحن نقول هذا التفسير صحيح غير منكر؛ لأنه تفسير باللازم والتفسير باللازم قد استعمله السلف في كثيرٍ من الآيات ولا يعد هذا خروجًا عما تقتضيه الآية، لكن التفسير الذي ينكر على الإنسان، أن يؤول تأويلًا مخالفًا للفظ بأنواع الدلالات الثلاث وهي: المطابقة والتضمن والالتزام.

стр. 178

المعية الخاصة بالوصف كثيرة في القرآن قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]، هذه الآية إذا آمن بها الإنسان سوف تحمله على ثقته بنفسه، لكن ثقته بنفسه: لا لأنه قوي قادر، ولكن لأن الله معه فإذا اتقى الإنسان ربه تقوى حقيقية، فإنه سوف يحصل له النصر والتأييد لأن الله يدافع عن الذين آمنوا، لكن الذي ينقصنا في الحقيقة هو التقوى، ولذلك نجد أننا فاشلون في كل المعارك التي خضناها مع إخوان القردة والخنازير وهم: اليهود. ونجد أن الإخوة الذين عندهم -فيما يظهر لنا والعلم عند الله تقوى وقوة- نجد أنهم غلبوا من كانوا أكبر دولة فيما سبق وهم الروس، ولكن الذين غلبوهم عندهم من التقوى ما ليس عندنا، يقولون: في الشيشان كان الروس أذل من الكلاب عندهم، حتى إنهم لما أمر ضُبَاطُهم وقوادهم جُيُوشَهم أن تتجمع، كانوا يتجمعون وينحدرون من رؤوس الجبال، يقول لي رجل ويقسم بالله أن سبعمائة آلية للحرب يقودها الروس، يقول: إن الشيشان قالوا: لا يمكن أن تسير هذه من حولنا، إلا والعَلَمُ المكتوب عليه "لا إله إلا الله محمد رسول الله" في المقدمة. فصاروا يقودونهم بلا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وهؤلاء يقول: أذل ما يكون، والذي قتل منهم -أي: من الروس- يقولون: سبعون ألفًا. ما كنا نظن هذا. فأقول: إن الإنسان إذا وثق بنفسه لما معه من تقوى الله والإحسان في عبادة الله، فليبشر بأن الله تعالى معه وأن الله ناصره، ثم ليُعلم أنه ليس من الضروري أن ينصر الإنسان في

стр. 179

حياته، بل إذا نصر ما يدعو إليه بعد موته فهو انتصار له بلا شك، ولهذا نحن نؤمن بأن انتصار الصحابة بفتحهم مشارق الأرض ومغاربها انتصارًا للرسول ﵊، فمن قام بالدعوة إلى الله مخلصًا لله متبعًا لشريعة الله ثم مات أو قتل، لكن بقيت الدعوة وانتصر بها من بعده، فهو في الحقيقة انتصار له، فيصدق قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨]. أما المعية المعينة بشخص فهي أعظم وأعظم، فقول الرسول ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، أبلغ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾؛ لأنه تعيين للشخص، وكذلك قول الله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. الفائدة التاسعة: أن هؤلاء لو أوفوا بعهد الله لأوفى الله لهم بعهده، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ولقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ إلى آخره. الفائدة العاشرة: أن الصلاة والزكاة مفروضة على الأمم السابقة، وهو كذلك، فالصلوات والزكوات مفروضة لكن لا يلزم من كونها مفروضة أن تكون مماثلة لما وجب علينا في الكيفية والوقت والمقدار، المهم أن جنس الصلاة مفروض وجنس الزكاة مفروض لكن قد يختلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتشبيه هنا للفرض، شَبَّه الفرض بالفرض ولا يلزم أن

стр. 180

يكون صيامهم كصيامنا، وبقي الحج فقد ثبت عن النبي ﷺ أن الأمم السابقة كان الحج مشروعًا في حقهم (١)، فهذه الأركان العظيمة -أركان الإسلام- مشروعة عند كل أمة. الفائدة الحادية عشرة: أنه يجب على بني إسرائيل الإيمان بجميع الرسل وعلى رأسهم محمدٌ ﷺ ؛ لأن الله تعالى لم يتكفل لهم بهذا الثواب إلا إذا آمنوا برسله لقوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾، ومن المعلوم أن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع الرسل، كما قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، مع أنه لم يسبق رسول قبل نوح، لكن لما كذبوا نوحًا صار تكذيبهم إياه تكذيبًا لجميع الرسل. الفائدة الثانية عشرة: وجوب نصرة الرسل، لقوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾، فنصرتهم في حياتهم أن يكون معهم في الجهاد والدفاع وغير ذلك، ونصرتهم بعد وفاتهم أن ينصروا شرائعهم ويقيموها بين الناس، فواجب علينا نحن الآن أن ننصر شريعة النبي ﷺ . الفائدة الثالثة عشرة: بيان فضل الله على العباد حيث إنَّه يعطيهم الرزق ثم يقول تعالى: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾، وهو المعطي أولًا والمثيب ثانيًا لقوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ﴾، والحكمة في التعبير عن الإنفاق في سبيل الله بالقرض، أن الله جعل الإنفاق في سبيله بمنزلة القرض الذي يلزم المستقرض أن يوفيه.

стр. 181

الفائدة الرابعة عشرة: أنه لا بد أن تكون الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله حسنة لقوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ليخرج النقص عن الواجب والإسراف في البذل؛ لأن الإسراف ليس حسنًا والنقص ليس حسنًا. الفائدة الخامسة عشرة: أن الأعمال الصالحة تكفر الأعمال السيئة، لقوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقول النبي ﷺ : "أتبع السيئة الحسنة تمحها" (١). الفائدة السادسة عشرة: أنه يُبدأ بالنجاة من المرهوب قبل بيان حصول المطلوب، لقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ﴾ وهو شاهدٌ لما اشتهر عند العلماء أن التخلية قبل التحلية، يعني إزالة الشوائب والعوائق قبل أن يحصل المطلوب. الفائدة السابعة عشرة: أن الجنة ليست واحدة لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ هذا إذا قلنا: إن هذا الجمع عائد على الجنات لا على من دخلها؛ لأن فيه احتمالًا أن يكون عائدًا على من دخلها وأن كل واحد له جنة وإن كانت الجنة واحدة لكن تعددت باعتبار داخليها، فنقول: هذا محتمل ولكن القرآن دل على أنها جنات مجموعة أي: نفس الجنات، ففي سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال في الثانية: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢]. الفائدة الثامنة عشرة: أن نعيم الجنة نعيم للنفس والقلب

стр. 182

والسمع والبصر وكل شيء، وذلك حينما ذكر أن هذه الجنات تجري من تحتها الأنهار وهذا لا شك أنه يطرب السمع، فحفيف جريان النهر يطرب السمع، ولهذا تجد الإنسان يقف عند الشلالات متمتعًا بالاستماع إليها، وكذلك النظر أيضًا وكذلك القلب والنفس تستريح. الفائدة التاسعة عشرة: أن في الجنة أنهارًا لا نهر واحد، لقوله: ﴿الْأَنْهَارُ﴾ والأنهار: جمع نهر وقد ذكر الله عز جل أنواعها في سورة القتال، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، فالأنهار أربعة أنواع كما تقدم. فإن قال قائل: كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]، فذكر نهرًا واحدًا وهنا ذكر أنهارًا؟ الجواب: الإفراد باعتبار الجنس فلا ينافي التعدد، فالمراد جنس الأنهار. الفائدة العشرون: وعيد من كفر بعد الميثاق والنداء عليه بالضلال، لقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢]. الفائدة الحادية والعشرون: أن المؤمن يسير على سواء السبيل؛ أي: وسطها دون حافتيه، وجه ذلك: أنه إذا ثبت في حكم الكافر ضلال سواء السبيل فيثبت ضد حكمه للمؤمن؛ لأنه إذا تضادت الأعمال تضادت الجزاءات.

стр. 183

الفائدة الثانية والعشرون: التنبيه على أن الغالب أن وسط السبيل والطريق هو الحق؛ لأن سواء بمعنى وسط كقوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصافات: ٥٥]، أي: في وسطها ومستقرها وهذا هو الغالب أن ما تطرف إلى اليمين أو اليسار فهو ضلال، ولذلك جاء في الحديث: "حامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه" (١). * * * ° قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة: ١٣]. قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ "الفاء": عاطفة والعطف بالفاء يفيد الترتيب وإذا كان عطف فعلٍ على فعل، فإنه يفيد السببية مع الترتيب فإذا قلت: جاء زيد فعمرو، فالفاء للترتيب المحض؛ لأن العطف هنا عطف مفرد على مفرد، وإذا عطفت جملة على جملة فإنه قد يفيد الترتيب مع السببية وهو الغالب مثل أن تقول: كَفَرَ فلانٌ فكان في النار، آمن فلانٌ فكان في الجنة، أي: بسبب، وأحيانًا تكون لمجرد الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤]، فالهلاك بعد مجيء البأس. قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾، الفاء تقدم أنها

стр. 184

عاطفة تفيد الترتيب وتفيد السببية مع أن الباء التي بعدها تفيد السببية أيضًا. وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ "الباء" للسببية وهي حرف جر، و"ما" زائدة. لكن لو قال قائل: كيف يجتمع حرفان يفيدان التعليل وهما الباء والفاء؟ الجواب: نقول كيف يجتمع شاهدان على مشهود به واحد وتعدد الأسباب لا يستلزم تعدد المسبب. وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: بنقضهم ميثاقهم، فـ "ما" هنا زائدة للتوكيد، كما تقدم، والمؤكد نقض الميثاق، يعني: فبتأكدنا نقض الميثاق حصل كذا وكذا، و"ما" تأتي زائدة وتأتي مصدرية وتأتي موصولة وتأتي شرطية، وقد جمع بعضهم معانيها في بيت واحد فقال: محامل "ما" عشر إذا رمت عدها ... فحافظ على بيت سليم من الشعر ستفهم شرط الوصل فاعجب لنكرها ... بكف ونفي زِيْدَ تعظيم مصدر فمن جملة ما ذكر من المعاني أنها زائدة كما في هذه الآية، (بكف ونفي زيد) هذه الزائدة، فإذا قال قائل: ما الفائدة من الزائدة؟ قلنا: الفائدة التوكيد وهكذا جميع حروف الزيادة العاملة وغير العاملة فائدتها: التوكيد. قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ "النقض": ضد العقد، أي: حلهم الميثاق. وقوله: ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾: أي: الذي واثقهم الله عليه، وهو قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢]، فهؤلاء نقضوا الميثاق بسببه.

стр. 185

قوله: ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ "اللعن": هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فكانوا -والعياذ بالله- مطرودين مبعدين عن رحمة الله لا ينالهم الله برحمة، ومن لعنه الله لعنه اللاعنون، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: وما لي لا ألعن من لعنه الله أو من لعنه رسول الله (١). قوله: ﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ وفي قراءة ﴿قَاسِيَةً﴾، ﴿قَاسِيَةً﴾ اسم فاعل ﴿قَاسِيَةً﴾ صفة مشبهة، والصفة المشبهة أغلظ من اسم الفاعل؛ لأنها وصف ملازم، كما قال ابن مالك ﵀: ..................... ... كطاهر القلب جميل الظاهر فالصفة المشبهة ملازمة، إذًا ﴿قَاسِيَةً﴾ و ﴿قَاسِيَةً﴾ قراءتان، وإذا كان في الآية قراءتان، فالمعنى أن الأمرين كلاهما حاصل، فهي قسية وهذا وصفها الملازم، وقاسية عند وجود ما يوجب لين القلب تقسو -والعياذ بالله- فهي قسية وصفًا قاسية فعلًا كما قلنا: في قراءة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]، و"مَلِكْ"، قلنا: نجمع بين القراءتين فيكون المعنى: أنه ملك ذو تصرف، أي: ملك مالك؛ لأن بعض ملوك الدنيا يكون ملكًا غير مالك، وكثير من الناس مالك ولكنه غير ملك، كلنا يملك مالًا لكن لسنا ملوكًا، إذًا: ﴿قَاسِيَةً﴾ ﴿قَاسِيَةً﴾ قريب من هذا. قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ هذا أيضًا من ضلالهم والعياذ بالله ونقضهم العهد ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ أي:

стр. 186

كلم الله ، "والكلم": اسم جمع كلمة والجمع كلمات. قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ أصل التحريف: التغيير: تغيير الشيء عن وجهه ولهذا تقول: انحرفت الدابة، يعني تغير مسيرها، وانحرفت السفينة: أي: تغير اتجاهها، إذًا "يحرفون": أي: يغيرون الكلم عن مواضعه، وتغيير الكلم عن مواضعه عندهم نوعان: تغيير في اللفظ وتغيير في المعنى، من تغييرهم في اللفظ: أنه لما قيل لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]، قالوا: حنطة، ما قالوا: حطة، يعني حط عنا ذنوبنا بل قالوا: حنطة، يعني: أعطنا أكلًا، ولما وجب على الزاني المحصن أن يُرجم حرفوا ذلك وقالوا: إن هذا في الوضعاء وليس في الشرفاء، وصاروا يرجمون الوضعاء ولا يرجمون الشرفاء، هذا تحريف معنوي يعني حملوا النصوص على غير ما أراد الله بها. إذًا: التحريف من هؤلاء يشمل التحريف اللفظي والمعنوي. واعلم أن التحريف المعنوي يكون في الدليل والتعطيل يكون في المدلول، فقوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] قالوا: استوى بمعنى استولى، حرفوا الدال إلى اللام، فالتحريف في الدليل وعطلوا المدلول فلم يثبتوا الاستواء، والآية تدل على الاستواء، وكل إنسان يحرف الدليل فسيعطل المدلول وسيدَّعي معنى لا يدل عليه اللفظ فيكون جانيًا على النص من وجهين: الأول: تعطيل النص عما أريد به، والثاني: إثبات معنى لا يراد به. قوله: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: عن المواضع التي أرادها الله به.

стр. 187

قوله: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا﴾ "نسوا" تحتمل معنيين: الأول: نسوا: أي: تركوا، والثاني: نسوا: أي: بعد الذكر، فالأول نسيان عملي، والثاني نسيان علمي، فهل المراد في هذه الآية الأول أو الثاني؟ الجواب: كلاهما المراد، نسوا: أي: تركوا عن عمد، نسوا: أي: تركوا عن عدم علم، يعني: نسوا العلم الذي كانوا يعلمونه من قبل. فإذا قال قائل: ما هو الدليل على تقسيم النسيان إلى هذا؟ قلنا: اقرأ قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، هذا نسيان علمي، واقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٩]، هذا نسيان عملي، وقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، هذا أيضًا نسيان عملي. وقوله: ﴿حَظًّا﴾ أي: نصيبًا، والحظ قد يكون في الخير وقد يكون في الشر، فقوله ﵎: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، هذا حظ محمود، وإذا قيل مثلًا: فلان حظه من اليوم الآخر النار، هذا مذموم، فقوله: "حظًّا": أي نصيبًا. قوله: ﴿مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: من الوحي الذي نزل عليهم ليتذكروا به، فهم نسوا حظًّا من التوراة؛ لأن الكلام الآن على اليهود، نسوا حظًّا من التوراة أي: تركوه عمدًا نتيجة تحريف الكلم عن مواضعه، أو نسوه بمعنى أنهم نسوه بعد العلم، وذلك أن كتبهم تلفت ولما تلفت صاروا يتخبطون فيها ويكتبون فيها ما أرادوا، فهذا وجه النسيان الذي هو ضد الذكر، والنسيان الذي هو ضد العمل.

стр. 188

وقوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ هل المراد لا تزال أيها المخاطب، أو لا تزال أيها الرسول؟ الجواب: الأول، يعني لا تزال أيها الإنسان؛ لأنه لم يتقدم للرسول ﷺ ذكر، أي: لا تزال أيها الإنسان أو أيها المتأمل في حالهم. قوله: ﴿تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ كلمة "خائنة" يحتمل أن تكون مصدرًا كالعاقبة والعافية ويحتمل أن تكون اسم فاعل، فإن كانت مصدرًا فالمعنى: لا تزال تطلع على خيانة منهم، وإن كانت اسم فاعل فالمعنى لا تزال تطلع على طائفةٍ خائنةٍ، أو نفس خائنة منهم، فتكون وصفًا لموصوف محذوف، أما كونها اسم فاعل فلا إشكال فيه؛ لأن اسم الفاعل يأتي على وزن فاعل، لكن كيف تكون مصدرًا وهل يأتي في المصادر ما هو على فاعل؟ قلنا: نعم يأتي، فكلمة (العافية) في قوله ﷺ : "اللهم إنن أسألك العافية" (١) مصدر "أسألك أن تعافني عافيةً"، وكلمة "العاقبة" كذلك مصدر، فاللغة العربية واسعة. لو قيل: (خائنة) ألا يمكن أن تكون اسم فاعل على أن التاء فيها للمبالغة، وأن الأصل على خائن منهم، كما يقال في داعٍ داعية؟ نقول: يمكن؛ لأن فيهم -أي: في اليهود- من طبيعته الخيانة فيصدق عليه أنه داعية أي: أن التاء فيه للمبالغة وهذا من سعة معاني القرآن الكريم، أنك تجد اللفظة الواحدة تحتمل معاني كثيرة، والقاعدة: أن ما احتمل أكثر من معنى، ولا مرجح ولا تضاد فإنه يحمل على كل ما يحتمله من معنى.

стр. 189

قوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ إلا قليلًا من اليهود فإنهم سالمون من هذه الأوصاف والعيوب، مثل عبد الله بن سلام ﵁، وهو من أحبار اليهود حبر من أحبارهم وعالم من علمائهم وليس فيه شيء من هذه الأوصاف، بل من حين قدم النبي ﵊ المدينة آمن به واتبعه وشهد له بالحق. وله أمثال: فمنهم من هو سالم من هذه العيوب، والأوصاف الذميمة لكنهم قليل ولهذا قال: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ "اعف عنهم": هل العفو عن القليل الذين لا خيانة فيهم، أو عن جميعهم؟ قيل: الضمير يعود على أقرب مذكور وهو القليل، يعني فاعف عن هؤلاء القليل الذين تقدم منهم الأذى والعداوة لرسالتك، ثم زالت أوصافهم السيئة، فيكون المراد: اعف عما مضى من سيئاتهم، وعلى هذا المعنى لا إشكال في الآية إطلاقًا. أي: اعف عن القليل الذين سلموا من الأوصاف الذميمة؛ لأن هؤلاء القليل كانوا يهودًا وكان منهم ما كان من المنابذة ونقض العهد لكن آمنوا، فنقول: على هذا التقدير لا إشكال في الآية إطلاقًا، لكن إذا قلنا: اعف عنهم أي: عن مجموعهم مع اتصافهم بهذه الأوصاف وخيانتهم، يبقى في ذلك إشكال وهو أن النبي ﷺ قاتل اليهود بأمر الله، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. فكيف الجمع؟

стр. 190

ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف أي: بالآيات التي تأمر بقتالهم. وما أكثر الناس الذين إذا أعياهم الجمع بين النصوص قالوا: هذا منسوخ، فيكون كثير من الشريعة منسوخًا، مع أن بعفالعلماء والمحققين يقول: أن كل النسخ لا يتجاوز عشرة أحكام، وعلى كل حال نحن نقول: إن بعض العلماء قال: إن هذه الآية منسوخة، وفي هذا إشكال؛ أي: أن تكون منسوخة. أولًا: لأننا لا نعلم التاريخ، ومن المعلوم أن من شرط النسخ العلم بالتاريخ حتى نعلم أن هذا بعد هذا فيكون ناسخًا له. ثانيًا: من شرط النسخ أيضًا: أن لا يمكن الجمع فإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأنه إذا أمكن الجمع وقلت: هذا منسوخ، فإن هذا إلغاء للنص الآخر وإلغاء النص ليس بهين، فكونك تقول: هذا بَطَلَ حُكْمُه وهو ثابت بالقرآن والسنة ليس بهين، ولذلك لا يجوز الإقدام على دعوى النسخ إلا بدليل لا مفر منه، ومتى أمكن الجمع فإن القول بالنسخ محرم؛ لأنه كما تقدم إبطال لأحد الدليلين، وهذا صعب أن يكون دليل ثابت ثم تدعي أنه بَطَلَ. ثانيًا: أن سورة المائدة من آخر ما نزل حتى قال بعض أهل العلم: إنه لا نسخ فيها، وأن جميع الأحكام الموجودة فيها محكمة لا منسوخة، وهذا مشهور عند أهل العلم. إذًا دعوى النسخ غير صحيحة، يبقى عندنا الجمع، جمع بعض العلماء بين هذا وبين الأمر بالقتال، أن الرسول ﵊ عفا عن الذين خانوا وعن الذين نابذوه، عفا عنهم: أي خفف عنهم العقوبة فلم يقتلهم ﵊. فبنو قينقاع،

стр. 191

وبنو النضير، هل قتلهم الرسول ﵊؟ لم يقتلهم مع أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين الرسول ﵊، وهذا نوع من العفو والصفح، وبنو قريظة أيضًا في الواقع أنه عفا عنهم؛ لأنه أنزلهم على حكم من رضوا حكمه، أنزلهم على حكم سعد بن معاذ وهذا نوع من العفو، وإلا لكان الرسول وضع فيهم السيف؛ لأنهم خانوا النبي ﵊ وألبوا الأحزاب عليه، ومع هذا أنزلهم على حكم سعد بن معاذ الذي رضوه، فتكون الآية الآن محكمة، ويكون المراد بالعفو ليس العفو الكامل الذي يقتضي عدم عقوبتهم بأي عقوبة، ولكنه عفو جزئي، ولا شك أن هذا خير من القول بالنسخ، بل القول بالنسخ مع إمكان الجمع محرم؛ لأنه يعني إبطال النص الذي اُدعي أنه منسوخ كما تقدم. قوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ "العفو": ترك المؤاخذة على الذنب، "والصفح": الإعراض عنه، ولا يلزم من العفو الصفح، لكن في الغالب أنه يلزم من الصفح العفو، مثال ذلك: رجل أساء إليك فعفوت عنه ولم تقتص منه، هذا عفو، فإن أعرضت ولم تتكلم فيما جرى منه أبدًا فإن هذا يسمى صفحًا. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا كالتعليل لما سبق أي: إنما أمرناك بالعفو والصفح؛ لأن الله تعالى يحب المحسنين، وفيه أيضًا أنه إذا كان الله يحب ذلك فلا تتأخر في العمل به. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: إثبات الأسباب لقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ وجه ذلك: لأن الفاء والباء دلَّا على السببية.

стр. 192

الفائدة الثانية: أن نقض الميثاق سبب للعنة الله ، لقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾. الفائدة الثالثة: أن اللعن عقوبة؛ لأن الله تعالى عاقب به من نقض الميثاق. وهنا سؤال: هل يجوز لنا أن نلعن من لعنه الله ورسوله؟ الجواب: نعم، نلعن من لعنه الله ورسوله لكن على سبيل العموم إذا جاءت اللعنة على سبيل العموم، وعلى سبيل الخصوص، إذا جاءت اللعنة على سبيل الخصوص، فمثلًا نقول: لعن الله المعتدين، لعن الله الظالمين وما أشبه ذلك، والرسول ﷺ دعا على قريش عمومًا فقال: "اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش" (١)، ولا يستبعد أن يوجد اللعن لشخص معين، أعني: الدعاء على شخص معين. الحاصل: أننا لا نخص باللعن شخصًا معينًا حتى ولو كان من الظالمين؛ لأننا لا ندري بماذا يختم لهذا الرجل، فقد يختم له بالخير، حتى لو كان كافرًا ومات على الكفر فإننا لا نلعنه؛ لأن هذا من باب سب الأموات، وقد أفضوا إلى ما قدموا ولا فائدة من ذلك؛ لأنه إن كان قد استحق اللعنة فهو ملعون لعنتَ أم لم تلعن، وإن لم يكن يستحق اللعنة بُؤْتَ بالإثم.

стр. 193

ولهذا لما دعا الرسول ﷺ على قوم باللعنة فقال: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" (١) نهاه الله تعالى بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وأما قوله ﷺ : "إنما أنا بشر يغضب كما يغضب البشر فأيما امرئ لعنته فاجعل ذلك كفارة له" (٢) فالمراد باللعن في هذا الحديث السب، ولهذا لما قال الصحابة ﵃: يا رسول الله! وهل يلعن الرجل أباه، قال ﷺ : "نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه" (٣) لكن لو دعا على الكافر بالهلاك لا يدخل في اللعن؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد. الفائدة الرابعة والخامسة: أنه كلما عصى الإنسان ربه قسا قلبه، لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، عكس ذلك أن نقول: كلما أطاع الإنسان ربه لان قلبه، وما أكثر الذين يطلبون أن تلين قلوبهم ويسألون ما هو الدواء لقسوة القلب؟ نقول: الدواء لقسوة القلب كثرة طاعة الله . الفائدة السادسة: أن للقلوب أحوالًا: قسوة ولينًا، وهو كذلك، كما قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا

стр. 194

مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. الفائدة السابعة: أن المعاصي سبب لقلة الفهم -أعني: فهم كلام الله أو للعدوان في فهمه لقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وتحريف الكلم عن مواضعه: إما أن يكون سببه الجهل وفقد العلم، وإما أن يكون سببه الاستكبار والعدوان، وعلى كلٍّ فالجملة معطوفة على ما سبق، أو أنها حال من فاعل قاسية، يعني: حال كونهم يحرفون الكلم عن مواضعه، المهم أن المعاصي سببٌ لعدم الأخذ بالنصوص وسبب لتحريفها. الفائدة الثامنة: أن المعاصي سبب لنسيان ما ذُكِّر به الإنسان، وقد تقدم أن النسيان نوعان: نسيان علم ونسيان عمل، وهذا كله لا شك سبب. أما كون المعاصي سبب لنسيان العلم فقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]، فإذا كانت الهداية سببًا لزيادة العلم فالمعصية سببٌ لنقصانها، وأما كون المعاصي سببًا لنسيان الترك فلقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، يعني إن تولوا وأعرضوا فاعلم أن سبب ذلك هو أنهم أذنبوا، فأراد الله تعالى أن يصيبهم ببعض ذنوبهم. الفائدة التاسعة: أن هؤلاء قد أقيمت عليهم الحجة، ولكنهم تركوا العمل بعد إقامة الحجة، لقوله: ﴿مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. الفائدة العاشرة: أن قسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه، ونسيان ما ذكر به الإنسان من خصال اليهود، وإذا كانت من خصالهم، فالواجب على الإنسان أن يبتعد عنها وأن يفر منها فراره من الأسد.

стр. 195

الفائدة الحادية عشرة: أن خيانة اليهود لا تزال باقية، لقوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾، وقد سبق تفسير كلمة خائنة، ومن تدبر تاريخهم عرف أنهم على ما وصفهم الله لا يزالون خونة، وأنه لا يُفرح منهم بعهد ولا يوثق منهم بوعد إذ إنهم خونة، إن رأوا قوة في مقابلهم ضعفوا أمامها، إن رأوا ضعفًا قووا أمامه، فهم يتبعون مصالحهم، ولا يبالون بوفاء الوعد أو العهد أو عدم وفائه؛ لأنهم لا يزالون خونة. الفائدة الثانية عشرة: أن من اليهود من طهر من ذلك، لقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وهذا هو الواقع فإن من اليهود من آمن برسول الله ﷺ وشهد له بالحق وحسن إسلامه وكان داعية لقومه. الفائدة الثالثة عشرة: حسن معاملة الإسلام لعدوه، وذلك حين أمر الله بالعفو عنهم والصفح، ولا سيما إذا ظهر النصر لنا، فحينئذٍ يأتي دور العفو؛ لأن العفو الحقيقي الذي يمدح عليه صاحبه هو: العفو مع القدرة، أما العفو مع العجز فهذا ليس بعفو ولا يحمد عليه الإنسان. الفائدة الرابعة عشرة: إثبات المحبة لله، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ومحبة الله ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف والذوق المحسوس، فإن الإنسان يحس بمحبة الله ؛ أي: بأنه يحب الله ويعمل بطاعته، وكذلك أيضًا: إذا أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى لله، صار لله وليًّا وذاق طعم الإيمان. الفائدة الخامسة عشرة والسادسة عشرة: أن عدم المؤاخذة على الذنب من الإحسان، لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

стр. 196

الْمُحْسِنِينَ﴾، فدل هذا على أن عدم المؤاخذة على الذنب يعتبر إحسانًا، وكثير من الناس لا يفهم من الإحسان إلا الشيء الإيجابي، يعني الإعطاء، والصدقة، والهدية، والتبرع وليس كذلك. ويتفرع على هذه الفائدة أن فوات الأجر يعتبر عقوبة فقوله ﷺ : "من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو حرث أو صيد انتقص من أجره كل يوم قيراط" (١) هذه عقوبة وإن كانت ليست عقوبة إيلام وتعذيب لكن فوات محبوب، ثم ليعلم أن أصل العفو ليس مشروعًا إلا إذا كان فيه إصلاح، فالعفو لا بد أن يكون في محله، ولذلك الله اشترط في العفو أن يكون إصلاحًا فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] ولهذا لو كان عفونا عن هذا الرجل يؤدي إلى تسلطه وعدوانه على الناس لم نعف عنه، فالإحسان يتضمن شيئين: إما إيصال مطلوب، وإما العفو عن مرهوب. الفائدة السابعة عشرة: الحث على الإحسان، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقد تقدم غير بعيد أن الإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الخالق، وإحسان في معاملة المخلوق. فالإحسان في عبادة الخالق: بَيَّنَهُ الرسول ﷺ بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٢).

стр. 197

والإحسان في معاملة المخلوق: هو أن تبذل لهم المعروف وأن لا تعتدي عليهم بما ليس بمألوف، ومنهم من قال: الإحسان: بذل الندى وكف الأذى وهذا بمعنى ما ذكرنا، ومما يدل على أن كف الأذى يعتبر من الإحسان هذه الآية. ° قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤]. قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ يعني وأخذنا من الذين قالوا: إنا نصارى ميثاقًا، ولم يقل: ومن النصارى، بل قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، مع أنه في الآية الأخرى يثبت الله تعالى لهم هذا الوصف، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، لكن هنا قال: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، وفائدة ذلك: إقامة الحجة عليهم حيث يدَّعون أنهم نصارى وأنهم أهل نصرٍ للحق، ومع ذلك نسوا حظًّا مما ذكروا به. وقوله: ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ إذًا أَخَذَ الله الميثاق من اليهود وأخذ الله الميثاق من النصارى وكذلك من هذه الأمة، فإن الله تعالى أخذ منا الميثاق، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]، وقد أخذ الله الميثاق على بني آدم كلهم أن يؤمنوا به وبرسله ويوحدوه ولا يشركوا به شيئًا، فأخذ الله الميثاق على الذين قالوا:

стр. 198

إنا نصارى ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، نسوا: أي: تركوا وهذا نسيان عمل، وهل يمكن أن يكون نسيان علم؟ لا يمكن، إن قلنا: إن بني إسرائيل قد سقطت عنهم المؤاخذة بالنسيان، لأنه إذا سقطت عنهم المؤاخذة فإنهم لا يعاقبون. لكن إذا قلنا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان خاص بهذه الأمة، قلنا: إن قوله: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] يتناول: نسيان العلم ونسيان العمل، ولا شك أن نسيان العمل أشد من نسيان العلم حتى على القول: بأنهم يؤاخذون بنسيان العلم. وقوله: ﴿حَظًّا﴾ أي: نصيبًا. قوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ولم يذكر الله تعالى لهؤلاء النصارى مثل ما ذكر لليهود من أنه لعنهم وجعل قلوبهم قاسية، وابتلوا بتحريف الكلم عن مواضعه، ونسوا حظًّا مما ذُكِّروا به. أما هؤلاء فقال: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، هذا العقاب يقول : ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ أي: ألقيناها بينهم، لكنه عبر بالإغراء كأن كل واحد قد أغري بالآخر من شدة العداوة بينهم. وقوله: ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، "العداوة": بالقول والفعل، و"البغضاء": بالقلب. يعني: فلا موالاة بينهم ولا موادة، بل العداوة التي هي ضد الولاية والبغضاء التي هي ضد المودة. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: حتى إلى وقتنا هذا، فالنصارى مختلفون متعادون، يضلل بعضهم بعضًا ويكفر بعضهم بعضًا. فان قال قائل: نحن الآن نجد أن النصارى متفقون؟

стр. 199

نقول: هذا الاتفاق اتفاقٌ ظاهري وإلا ففي قلوبهم من العداوة والبغضاء بعضهم لبعض ما لا يعلمه إلا الله، ثم هم متفقون على عدو ثالث، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، فهم متفقون على عدوٍ ثالث وإلا فهم فيما بينهم مختلفون، قلوبهم متنافرة واعتداءاتهم ظاهرة. وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ نقول: العداوة الآن والبغضاء بين النصارى وبين طوائفهم لا شك أنها موجودة؛ لأن خبر الله صِدْق، وقد قال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، لكن ما نشاهده من الاتفاق الظاهري: فإنه مخالف لما في الباطن، ثم كما تقدم لأن اتفاقهم ضد عدو للجميع وليس هذا بغريب في مسائل الدنيا وسياستها. قوله: ﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أما يوم القيامة فقد سبق أنه اليوم الذي يبعث فيه الناس وأنه سمي بذلك لأمور ثلاثة: الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين، والثاني: أنه يقام فيه الأشهاد، والثالث: أنه يقام فيه العدل. قوله: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ "سوف": للتحقيق، لكنها تدل على التراخي وأختها "السين" للتحقيق، لكنها تدل على الفورية، فإذا قلت: سيقوم زيدٌ. فالمعنى أنه يقوم الآن، وإذا قلت: سوف يقوم؛ أي: فيما بعد، لكن كلاهما يدل على التحقيق وأن الأمر محقق ولا بد من وقوعه. وقوله: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أي: يخبرهم بما كانوا يصنعون، وإخباره بأنه سوف

стр. 200

ينبؤهم تهديد؛ لأنه إذا نبأهم بما صنعوا، فما بعد ذلك إلا الجزاء بما يستحقون. وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أي: بما كانوا يعملونه من نسيان الحظ مما ذكروا به. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: إقامة الحجة على الخصم بما يدعيه، لقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾؛ لأنه تقدم أن الحكمة من قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ دون قوله: ومن النصارى؛ لإقامة الحجة عليهم بما ادعوه، فهم يدعون أنهم نصارى، ومع ذلك نسوا حظًّا مما ذُكِّروا به. لو قال قائل: سمى الله الذين يَدَّعون أنهم أتباع عيسى بالنصارى وهم يسمون أنفسهم بالمسيحيين، ويرفضون نسبتهم إلى النصرانية، ما السبب في ذلك؟ الجواب: السبب في ذلك أنهم إذا انتسبوا إلى المسيح انتسبوا إلى دين وإلى رسول دينه حق، وهذا أهون من قولهم: إنا نصارى، لا سيما إذا قلنا: إن كلمة النصارى نسبة إلى بلد تسمى الناصرة؛ لأن النسبة حينئذٍ تكون نسبة أرضية وطنية، لكن إذا قلنا: مسيحيون صارت نسبة إلى رسول متبوع، كما يسمي أهل التحريف أنفسهم بأهل التأويل، قالوا ذلك تلطيفًا للأمر وجعل هذا الشيء أمرًا مقبولًا؛ لأنهم لو قالوا: أهل التحريف؛ ما تبعهم أحد. الفائدة الثانية: أن الله لم يغفل أمةً من الميثاق الذي أخذه عليهم، لما تقدم أنه أخذ الميثاق على اليهود،

стр. 201

وأخذه على النصارى، وأخذه على هذه الأمة؛ بل أخذه على جميع بني آدم. الفائدة الثالثة: أن إضاعة حق الله من أسباب إلقاء العداوة والبغضاء بين الناس، بمعنى أنك متى وجدت عداوة وبغضاء بين الناس، فهذا بسبب إعراضهم عن دين الله لقوله: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا﴾، فـ ﴿أَغْرَيْنَا﴾: و"الفاء" للسببية. الفائدة الرابعة: أن العكس يكون بالعكس، بمعنى أن الناس إذا قاموا بطاعة الله واتفقوا عليها فإن الله يلقي بينهم المودة والمحبة والولاية. الفائدة الخامسة: التفريق بين العداوة والبغضاء، العداوة: ضدها الولاية، والبغضاء: ضدها المحبة، وهناك فرق بين حبيبٍ ليس وليًا وبين حبيبٍ هو ولي، وبين بغيض ليس عدوًا، وبغيض هو عدو؛ لأن البغيض قد يعتدي عليك فيكون بذلك بغيضًا عدوًا، وقد لا يعتدي عليك ولكن يكرهك فقط، فلا يكون عدوًا. الفائدة السادسة: إثبات يوم القيامة، لقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهو آتٍ لا محالة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٧]. الفائدة السابعة: تهديد هؤلاء النصارى الذين نسوا حظًّا مما ذكروا به وذلك في قوله: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. الفائدة الثامنة: إثبات علم الله، لقوله: ﴿يُنَبِّئُهُمُ﴾؛ لأنه لا إنباء إلا بعد علم وهو كذلك. الفائدة التاسعة: الرد على الجبرية، لقوله: ﴿يَصْنَعُونَ﴾

стр. 202

فأضاف الفعل إليهم، والأصل أن الفعل إذا أضيف إلى أحد فإنه قائم به مختار له، والجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، حتى في الحركات الإرادية يقولون: هو مجبر، حتى لو أراد الإنسان أن يأكل أو يشرب يقولون: هو مجبر على ذلك، ولا شك أن قولهم هذا يخالف المحسوس والمعقول والمنقول. ° قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦]. قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: هم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك فالمراد بالكتاب هنا: الجنس وهو التوراة والإنجيل، وأضافهم الله تعالى إلى الكتاب وسماهم أهلًا له لإقامة الحجة عليهم ونفي العذر، كأنه قال: يا أهل الكتاب أنتم أهل الكتاب عندكم علم وعندكم معرفة، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ وأنتم تعرفون هذا الرسول كما تعرفون أبناءكم. قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يريد به محمدًا ﷺ . قوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ "يُبَيِّنُ" الجملة حال من رسول؛ أي: حال كونه يبين لكم؛ أي: يظهر لكم. قوله: ﴿كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: يبين لكم حكمه؛ لأن الحاجة تدعو إليه. والبعض الآخر يعفو

стр. 203

عنه، فيبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب مما تقوم به الحجة عليكم. قوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾، أي: يتركه ولا يذكره؛ لأنه لا حاجة لذكره، وسماه عفوًا لأن فيه سترًا لفضائحهم التي كانوا يقومون بها من كتمان ما أنزل الله، فيعفو عن كثير مما لا تدعو الحاجة إلى ذكره، ومن تدبر القرآن وجد فيه أخبارًا كثيرة عن بني إسرائيل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، فهذا دأب أهل الكتاب. قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، "النور": هل المراد به محمدٌ ﷺ المراد ما يحصل من الكتاب والسنة من الهدى؟ المراد الثاني، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَكِتَابٌ﴾ معطوفًا على نور، من باب عطف المقتضي على المقتضى، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: ٢ - ٤]. وأيضًا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤]، فمحمدٌ ﷺ أتى بالنور الذي هو الهدي الساطع اللامع الذي لا ظلمة معه. وقوله: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ هو القرآن وقد تقدم أنه سمي كتابًا لأمور ثلاثة: أولًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ. ثانيًا: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة. ثالثًا: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا، وفعال: بمعنى مفعول، كما جاء ذلك كثيرًا في اللغة العربية، مثل: غراس وبناء.

стр. 204

وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ هل المراد مبين لغيره أو بيِّن لنفسه؟ المراد كلاهما، وذلك؛ لأن "أبان" الرباعي يستعمل لازمًا ويستعمل متعديًا، فتقول: أبان الصبحُ، بمعنى: بان، وتقول: فلان أبان الحقَ، بمعنى: أظهر، وإذا كانت الكلمة تستعمل في معنيين، فإنها تحمل عليهما بالشرطين اللذين ذكرناهما سابقًا، الأول: أن لا يتنافيا، وأن تحتملهما على السواء، وهنا الكلمة تحتمل هذا وهذا مع أن بعضهما لازم لبعض، فإنه إذا كان مبيِّنًا لغيره فهو بَيِّن بنفسه. قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ "يهدي به": "الباء" هنا للسببية، "والهداية" هنا: إن كان المراد بقوله: "به" يعني: بدلالته، فالهداية هنا هداية دلالة، وإن كان المراد بقوله: "يهدي به" أي: باتباعه، فالهداية هداية توفيق ودلالة. وننظر إلى بقية السياق، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ ﴿مَنِ﴾: مفعول أول، "سبل": مفعول ثاني، و"رضوانه": مفعول لـ"اتبع"، إذًا: المهدي هو متبع الرضوان، والذي هدي إليه هو سبل السلام. قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: تطلَّبه وابتغاه ورأى ما يرضي الله فقام به. قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ولم يقل: سبيل السلام، مع أن التعبير الغالب أنه يعبر عن طريق الإسلام بالإفراد، وعن طرق الضلال بالجمع، لكن هنا لما قال: ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ تعين أن يكون المراد بالسبل هنا شرائع الإسلام؛ لأنه إذا كان متبعًا

стр. 205

لرضوان الله فقد اهتدى وأسلم وآمن، لكن الإسلام له شرائع وله سبل، فلهذا قال: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، وإضافة السبل إلى السلام من باب إضافة الشيء إلى مسبَّبِه؛ أي: السبل التي يحصل بها السلام، فالسلام من كل شيء، والسلام من النار، والسلام من الزيغ، والسلام من الشبهات، يعني تشمل كل معنى تحتمله كلمة السلام. قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾: أي: الله ، والمراد بقوله: يخرجهم أي: من اتبع رضوانه، وعاد الضمير في قوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ إلى ﴿مَنِ﴾ بلفظ الجمع مراعاة لمعناها؛ لأن ﴿مَنِ﴾ لفظها مفرد ومعناها قد يراد به الجمع، فصح أن يعود الضمير إليها مجموعًا، وهذه قاعدة في "من"، سواء كانت اسمًا موصولًا أو اسم شرط، فيجوز أن يعود الضمير إليها بلفظ الجمع باعتبار المعنى وبلفظ الإفراد باعتبار اللفظ، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، فتجد أن الله تعالى أعاد الضمير إليها مرة بلفظ الجمع ومرة بلفظ الإفراد، ثم أعاد مرة ثانية بلفظ الإفراد. فقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ الضمير جاء بلفظ الإفراد، وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ إفراد أيضًا، ﴿خَالِدِينَ﴾ أعاد الضمير بصيغة الجمع، وقوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ جاء بصيغة الإفراد. قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ الظلمات، ظلمات الجهل والشرك والمعاصي والفسوق وغير ذلك.

стр. 206

قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ الإذن: هنا قدري، والإذن القدري بمعنى: المشيئة والإرادة، ويقابله الإذن الشرعي، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، معلوم أن الله أذن لهم قدرًا لكنه لم يأذن لهم شرعًا، ومن الإذن الشرعي قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ومن الإذن القدري قوله في هذه الآية: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فالإذن نوعان: إذن قدري وإذن شرعي. والفرق بينهما: أن الإذن الشرعي لا يكون إلا فيما يرضاه الله ، والإذن القدري يكون فيما يرضاه وفيما لا يرضاه، هذا الفرق الأول. والفرق الثاني: أن ما أذن به شرعًا فقد يقع وقد لا يقع، إذ إن الناس قد يمتثلون، وقد لا يمتثلون وأما ما أذن به قدرًا فلا بد من وقوعه. قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الهداية إذا تعدَّت بـ "إلى" فهي هداية الدلالة، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: يدلهم إليه، وهذا يعني فتح أبواب العلم لهم حتى يعلموا ما لم يكونوا يعلمونه من قبل. من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: خطاب اليهود والنصارى بأهل الكتاب، وقد يقول قائل: في هذا إكرام لهم وإعزاز لهم أن سماهم أهل الكتاب؟

стр. 207

والجواب عن ذلك أن نقول: سماهم أهل الكتاب لا إكرامًا لهم، ولكن إقامة للحجة عليهم؛ لأن أهل الكتاب هم الذين يجب عليهم أن يكونوا أول عامل به، كما قال تعالى في أول سورة البقرة: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١]. إذًا: فالذين يطنطنون الآن ويريدون أن يقربوا بين الأديان ويقولون: إن الله سماهم أهل كتاب، زعمًا منهم أو إيهامًا منهم أن ذلك من باب التكريم لهم والرضا بما هم عليه، نقول: إن الله لم يخاطبهم بذلك تكريمًا لهم، وكيف يكون ذلك إكرامًا لهم؟ والله يقول: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠]، لكنه ناداهم بهذا الوصف، إقامة للحجة عليهم، وأن تصرفهم أبعد ما يكون عن العقل، لأن أهل الكتاب يجب أن يكونوا أول عامل به. الفائدة الثانية: رفع شأن النبي ﷺ وذلك لقوله: ﴿رَسُولُنَا﴾، فإن إضافة رسالته إلى الله لا شك أنها شرف، وكل ما يضاف إلى الله فهو شرف، حتى الجماد إذا أضيف إلى الله كان ذلك شرفًا له، قال تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦]. الفائدة الثالثة: أن محمدًا رسول الله مرسل إلى أهل الكتاب لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾، وهو كذلك، حتى أقسم النبي ﷺ "أنه لا يسمع به يهوديٌّ ولا نصراني ثم لا يؤمن بما جاء به إلا كان من أصحاب النار" (١)، فهو مرسل إليهم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين.

стр. 208

الفائدة الرابعة: أن محمدًا رسول الله مبيِّن لقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ ﵊ سراجٌ منير، مبين للخلق كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، والتبيين الذي ذكره الله هنا يشمل تبيين اللفظ وتبيين المعنى، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. الفائدة الخامسة: أن أهل الكتاب أهل كتمان للعلم، لقوله: ﴿كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾. الفائدة السادسة: أن من كتم العلم من هذه الأمة ففيه شبه باليهود والنصارى؛ لأن هذا هو دأبهم، فمن كتم فقد شابههم في أقبح خصلة -والعياذ بالله- وهي كتمان ما جاءهم من العلم. الفائدة السابعة: أن رسول الله ﷺ سكت عن أشياء من معايب أهل الكتاب لم يبيِّنْها لهم. فإذا قال قائل: لماذا لم يبيِّن ويفضحهم؟ قلنا: فضيحتهم فيما بُيِّن كافية، وأما السكوت عما لم يبين؛ لأن المصلحة تقتضي ذلك، وقد يكون في هذا نوع من التأليف، أي: من تأليف قلوبهم. الفائدة الثامنة: أن ما جاء به محمدٌ رسول الله ﷺ كله نور، ثور يشع، إن تأملت أخباره استنرت بها، وأحكامه كذلك، فهو نور يستنير به الإنسان في طريقه إلى الله ، وفي طريقه إلى معاملة عباد الله. هو أيضًا نور في القلب، فكل من تمسك بشريعة محمدٍ ﷺ ازداد نورًا في قلبه وفراسة واستنباطًا للأحكام الشرعية وغير ذلك.

стр. 209

هو أيضًا نورٌ في الوجه؛ لأن المتمسك بشريعة النبي ﵊ لا بد أن يؤثر ذلك عليه في مقاله وفعاله وحاله، فيستنير الوجه، ولهذا تجد للعلماء الربانيين، نورًا في وجوههم يكاد يكون محسوسًا، أما المعنوي فمعلوم حتى لو كان العالم الرباني جلده ليس بأبيض فإنه يستنير وجهه، والنور شيء واللون شيء آخر. ونورٌ أيضًا في القبر، فإن الإنسان إذا كان مؤمنًا -جعلنا الله منهم- يفسح له في قبره مد بصره ويأتيه من روح الجنة ونعيمها (١)، هو أيضًا نورٌ يوم القيامة قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]. إذًا: فكلمة نور شاملة عامة في كل ما يمكن أن يكون فيه ظلمة فالدين الإسلامي ينيره. الفائدة التاسعة: أن القرآن مكتوب، وتقدم أنه مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا وفي اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة. الفائدة العاشرة والحادية عشرة: أن القرآن الكريم مبيِّن للأشياء، وأوضح من ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وكلمة "مبين" ذكرنا في التفسير أنها يصح أن تكون متعدية أو لازمة، فإن كانت لازمة فالمعنى: أنه بيِّن بنفسه، وإن كانت متعدية فالمعنى: أنه مبين لغيره، والقرآن لا شك أن بيانه بنفسه وإبانته لغيره هو وصفه، فإذا كان مبينًا وتبيانًا لكل شيء، ألا يتفرع على هذا أنه لا يليق بنا أن نعرض

стр. 210

عن تدبره بل علينا أن نتدبره، وأول ما يرد علينا من المسائل نطلبها في كتاب الله، فإن عجزنا عن استبيانها في كتاب الله ففي سنة رسول الله ﷺ ، وسنة رسول الله مبينةٌ للقرآن بأمر الله، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فإذا لم يكن في القرآن ولا في السنة وعجزنا عن إدراك الحكم الشرعي في الكتاب والسنة، حينئذٍ إما أن نسأل أهل الذكر، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وإما أن نتوقف، وإن كان الإنسان أهلًا للاجتهاد فلا حرج عليه أن يجتهد كالإنسان الذي لا يعرف القبلة بنفسه ولا أخبره بها ثقة، فعليه أن يجتهد ويتحرى. الفائدة الثانية عشرة: أن الهداية بيد الله ولهذا أدلة كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]، والآيات في هذا كثيرة، فالهداية بيد الله، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وإذا كانت من الله، تفرع عن ذلك: أولًا: أن لا نسأل الهداية إلا من الله وأن نلح على ربنا بالهداية: اللهم اهدني، اللهم اهدني دائمًا. ثانيًا: أن نعلم أن أفعالنا لا نستقل بها بل هي بتوفيق الله جلَّ وعلا، فيكون فيها رد على القدرية، إذا كان الله جلَّ وعلا يهدي معناه أن لأفعالنا علاقة بهداية الله، فيكون في ذلك رد على القدرية القائلين: بأن الإنسان مستقل بنفسه وبعمله وبمشيئته وبقدرته، وهل فيها موافقة للجبرية؟

стр. 211

الجواب: اقرأ قوله تعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ فأضاف الاتباع إليه، خلافًا للجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا ينسب إليه فعله. الفائدة الثالثة عشرة والرابعة عشرة: أنه كلما اتبع الإنسان ما يرضي الله ازداد معرفة بشريعة الله، لقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ واذكرها بالعكس من أعرض عن رضوان الله فإنه لا يهدى سبل الله؛ لأنه ليس أهلًا للهداية، وعلى هذا فنقول لكل طالب علم: أتريد أن يهديك الله ويرزقك علمًا؟ سيقول: بلى، نقول: عليك باتباع رضوان الله، كلما رأيت شيئًا يرضي الله فافعله، وكلما رأيت شيئًا يغضب الله فاجتنبه. الفائدة الخامسة عشرة: إثبات الرضا لله، لقوله: ﴿رِضْوَانَهُ﴾، والرضا: صفة فعلية من صفات الله ، تتعلق بمشيئته ولها سبب، وسببها عمل العبد بتوفيق الله، وكل صفة من صفات الله يكون لها سبب فإنها من الصفات الفعلية؛ وذلك لأن السبب واقع بمشيئة الله، والصفة التابعة له تكون واقعة بمشيئة الله، فالرضا والغضب والفرح والضحك والعجب وما أشبه ذلك كلها من الصفات الفعلية. لكن لو قال قائل: هل رضا الله كرضا المخلوق؟ الجواب: لا، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، هذا دليل أثري، والدليل العقلي: أنه إذا كانت ذات الرب لا تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته؛ لأن القول في الصفات فرع عن القول في الذات، هذا ما مشى عليه أهل السنة وقالوا: ليس لنا أن نتحكم

стр. 212

في كلام الله ورسوله بمقتضى أفهامنا، ولا أقول عقولنا؛ لأن عقولنا تبع تقتضي التبعية للكتاب والسنة، لكن بمقتضى أفهامنا، وهؤلاء المعطلة، كما قال شيخ الإسلام ﵀: أوتوا فهومًا وما أوتوا علومًا، عندهم فَهْم لكن ليس عندهم علم وليس عندهم عقل، أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً. أهل السنة يؤمنون بهذه الصفات، ويؤمنون بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، أهل التعطيل يقولون: لا، لا نؤمن بهذا؛ لأن هذه صفات نقص، الرضا صفة نقص، والمحبة صفة نقص، والغضب صفة نقص، فيجب أن نفسرها بلازمها، أو نسكت ونقول: لا نعلم معناها، يعني أهل التعطيل عندهم لا يمكن أن نتجاوز أحد الطريقين إما أن نعطل وإما أن نفوض، التفويض المعنوي ليس التفويض الكيفي بل المعنوي، وفي ذلك يقول صاحب الخلاصة: وكل نص أوهم التشبيهَ ... فوضه أو أَوِّل ورم تنزيها الواقع أن هذا ما نزه الله بل العكس نحن نقول: الرضا: صفة ثابتة لله تستلزم الإثابة والإكرام، هم يقولون: لا، الرضا: هو الإثابة والإكرام وعبر عنه بسببه الملازم له، فنقول: يا ويل الإنسان أن يسمع كلام الله: يقول عن نفسه أنه يرضى ثم يقول: لا ترضى، إنه ليس لك رضا، ليس لك غضب، ليس لك فرح -لا إله إلا الله- كيف لا يكون له ذلك وهو الذي أخبر عن نفسه ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، كيف يصف نفسه بما ليس متصفًا به وهو الذي يقول لعباده: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؟ وهل هذا إلا

стр. 213

إلغاز أن يتكلم بكلام الله وهو يريد خلافه؟ هذا إلغاز وتعمية، ولو أن المعطل فكر قليلًا لوجد أن تعطيله من أكبر العدوان في حق الله . نحن نقول: الإثابة ناتجة عن الرضا وهي دليل على الرضا، يعني دليلًا عقليًّا على الرضا؛ لأن من أثابك يدل على أنه راضٍ عنك، فسبحان الله! تجد أن أهل الباطل سواء في المسائل العملية أو العلمية تجدهم متناقضين، وعلى هذا فالقاعدة الأصيلة الرصينة: أولًا: أن تثبت ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو السنة. ثانيًا: أن تنفي عنه مماثلة المخلوقين وبذلك تسلم، أما أن تؤول -والحقيقة- أما أن تحرف فهذا ضلال، ومن الضلال أيضًا أن تفوض، كقولك: والله ما أدري، الرضا لا أدري ما هو، أنا لا أقرأ القرآن ولا أتكلم في شيء، هذا أيضًا شر عظيم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن مذهب المفوضة من شر أقوال أهل الباع والإلحاد، وصدق ﵀، إذا تأملت قول المفوضة عرفت أنه كفر وإلحاد، كيف ينزل الله علينا قرآنًا، أشرف ما فيه أن نعلم بالله وبأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، ثم لا نجد سبيلًا إلى فهم المعنى، ونجعلها عندنا بمنزلة ألف، باء، تاء. وسبحان الله كيف يليق برجل مؤمن، أن يقول: ما قصه الله علينا عن فرعون وهامان وقارون معلوم المعنى، وما قص علينا عن نفسه غير معلوم، أي فائدة لنا من القرآن، ما دام ليس معلومًا فإننا لن نستفيد منه، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ

стр. 214

الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: إلا قراءة، معناه أنه ليس لنا حظ ولا نصيب إلا مجرد القراءة، على كل حال عقيدتنا: أن نؤمن بكل ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو في السنة، من غير تمثيل وبذلك نسلم في عقيدتنا. لو قال قائل: كثيرًا ما نقول في مسائل الاعتقاد: ثبت بالحس والعقل والنقل، ويقول بعضهم: ثبت بالعقل والنقل، وآخر يقول: ثبت بالحس والنقل، ما الفرق بين الحس والعقل؟ الجواب: الحس: ما تدركه بالحواس كاللمس والشم والذوق. والعقل: ما تدركه بقلبك، أي: بعقلك، هذا الفرق، وممكن أن يجتمع الدليل السمعي العقلي والحسي، مثال ذلك: اليد تضاف إلى الإنسان وتضاف إلى البعير وتضاف إلى الذرَّة، فاختلافها مدرك بالحس، كلنا نعرف هذا يده كذا، وهذا يده كذا، وهذه يدها كذا، ودليل العقل أن تقول فيما يتعلق بصفات الله: إذا كانت ذات الخالق لا تماثل المخلوق، فكذلك صفاته هذا دليل عقلي ليس حسيًّا. الفائدة السادسة عشرة: أن طرق السلامة كثيرة متعددة، لقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾؛ فمثلًا: أركان الإسلام خمسة، كل واحد سبيل، أبواب الجنة ثمانية كل باب له أناس مختصون به، إذًا: هناك سبل وهناك أبواب، والمراد بذلك الشرائع، أما الإسلام جملة فهو سبيل واحد. الفائدة السابعة عشرة: أن من سلك سبيل الشريعة فقد سلم، لقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، سلم بكل معنى الكلمة، سلم في عقيدته .. في أعماله .. في جزائه؛ لأن هذا المسلك سيؤدي به

стр. 215

إلى دار السلام التي يدعو الله إليها قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥]. لو قال قائل: ما حكم من يقول: إن أهل الكتاب ليسوا كفارًا؟ الجواب: هذا لا يعذر لأن هذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وإذا قال: إن أهل الكتاب يعني: اليهود والنصارى غير كفار فإنه قد كذب القرآن، ويعتبر مرتدًا، إما أن يقر ويقول: هم كفار قامت عليهم الحجة، وإذا مات على هذا فهو من أصحاب النار، وإما أن يقتل ليكون معهم، وأخبرني بعض الطلبة بأن كثيرًا من العوام لا يكفر أهل الكتاب، يقولون: هؤلاء يهود ونصارى ليسوا بكفار، فيجب أن يبيِّن، وهذه البدعة ما سمعناها إلا الآن، فهم كفار بنص القرآن، وإذا كان هذا في بلاد نجد فكيف بغيرنا؟ قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وهذه أشياء واضحة، أليس الرسول ﷺ قاتل أهل الكتاب؟ الجواب: بلى، وأخذ منهم الجزية ومن لم يسلمها قتله، هل الرسول ﵊ يقتل المسلمين؟ على كل حال: إذا كان هذا الأمر مشتبه على الناس يجب أن يبين في كل مناسبة، وكما ذكرنا سابقًا أن الله يناديهم بأهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم لا إقرارًا لما هم عليه ولا إكرامًا لهم. الفائدة الثامنة عشرة: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الله لا علاقة له بفعل العبد، فالآية صريحة لقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾.
следующие страницы →