الجواب: اقرأ قوله تعالى: ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ فأضاف الاتباع إليه، خلافًا للجبرية الذين يقولون: إن الإنسان لا ينسب إليه فعله.
الفائدة الثالثة عشرة والرابعة عشرة: أنه كلما اتبع الإنسان ما يرضي الله ازداد معرفة بشريعة الله، لقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ واذكرها بالعكس من أعرض عن رضوان الله فإنه لا يهدى سبل الله؛ لأنه ليس أهلًا للهداية، وعلى هذا فنقول لكل طالب علم: أتريد أن يهديك الله ويرزقك علمًا؟ سيقول: بلى، نقول: عليك باتباع رضوان الله، كلما رأيت شيئًا يرضي الله فافعله، وكلما رأيت شيئًا يغضب الله فاجتنبه.
الفائدة الخامسة عشرة: إثبات الرضا لله، لقوله: ﴿رِضْوَانَهُ﴾، والرضا: صفة فعلية من صفات الله ، تتعلق بمشيئته ولها سبب، وسببها عمل العبد بتوفيق الله، وكل صفة من صفات الله يكون لها سبب فإنها من الصفات الفعلية؛ وذلك لأن السبب واقع بمشيئة الله، والصفة التابعة له تكون واقعة بمشيئة الله، فالرضا والغضب والفرح والضحك والعجب وما أشبه ذلك كلها من الصفات الفعلية.
لكن لو قال قائل: هل رضا الله كرضا المخلوق؟
الجواب: لا، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، هذا دليل أثري، والدليل العقلي: أنه إذا كانت ذات الرب لا تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته؛ لأن القول في الصفات فرع عن القول في الذات، هذا ما مشى عليه أهل السنة وقالوا: ليس لنا أن نتحكم
стр. 212
في كلام الله ورسوله بمقتضى أفهامنا، ولا أقول عقولنا؛ لأن عقولنا تبع تقتضي التبعية للكتاب والسنة، لكن بمقتضى أفهامنا، وهؤلاء المعطلة، كما قال شيخ الإسلام ﵀: أوتوا فهومًا وما أوتوا علومًا، عندهم فَهْم لكن ليس عندهم علم وليس عندهم عقل، أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً.
أهل السنة يؤمنون بهذه الصفات، ويؤمنون بأنها لا تماثل صفات المخلوقين، أهل التعطيل يقولون: لا، لا نؤمن بهذا؛ لأن هذه صفات نقص، الرضا صفة نقص، والمحبة صفة نقص، والغضب صفة نقص، فيجب أن نفسرها بلازمها، أو نسكت ونقول: لا نعلم معناها، يعني أهل التعطيل عندهم لا يمكن أن نتجاوز أحد الطريقين إما أن نعطل وإما أن نفوض، التفويض المعنوي ليس التفويض الكيفي بل المعنوي، وفي ذلك يقول صاحب الخلاصة:
وكل نص أوهم التشبيهَ ... فوضه أو أَوِّل ورم تنزيها
الواقع أن هذا ما نزه الله بل العكس نحن نقول: الرضا: صفة ثابتة لله تستلزم الإثابة والإكرام، هم يقولون: لا، الرضا: هو الإثابة والإكرام وعبر عنه بسببه الملازم له، فنقول: يا ويل الإنسان أن يسمع كلام الله: يقول عن نفسه أنه يرضى ثم يقول: لا ترضى، إنه ليس لك رضا، ليس لك غضب، ليس لك فرح -لا إله إلا الله- كيف لا يكون له ذلك وهو الذي أخبر عن نفسه ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، كيف يصف نفسه بما ليس متصفًا به وهو الذي يقول لعباده: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؟ وهل هذا إلا
стр. 213
إلغاز أن يتكلم بكلام الله وهو يريد خلافه؟ هذا إلغاز وتعمية، ولو أن المعطل فكر قليلًا لوجد أن تعطيله من أكبر العدوان في حق الله .
نحن نقول: الإثابة ناتجة عن الرضا وهي دليل على الرضا، يعني دليلًا عقليًّا على الرضا؛ لأن من أثابك يدل على أنه راضٍ عنك، فسبحان الله! تجد أن أهل الباطل سواء في المسائل العملية أو العلمية تجدهم متناقضين، وعلى هذا فالقاعدة الأصيلة الرصينة:
أولًا: أن تثبت ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو السنة.
ثانيًا: أن تنفي عنه مماثلة المخلوقين وبذلك تسلم، أما أن تؤول -والحقيقة- أما أن تحرف فهذا ضلال، ومن الضلال أيضًا أن تفوض، كقولك: والله ما أدري، الرضا لا أدري ما هو، أنا لا أقرأ القرآن ولا أتكلم في شيء، هذا أيضًا شر عظيم، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن مذهب المفوضة من شر أقوال أهل الباع والإلحاد، وصدق ﵀، إذا تأملت قول المفوضة عرفت أنه كفر وإلحاد، كيف ينزل الله علينا قرآنًا، أشرف ما فيه أن نعلم بالله وبأسمائه وصفاته وأحكامه وأفعاله، ثم لا نجد سبيلًا إلى فهم المعنى، ونجعلها عندنا بمنزلة ألف، باء، تاء.
وسبحان الله كيف يليق برجل مؤمن، أن يقول: ما قصه الله علينا عن فرعون وهامان وقارون معلوم المعنى، وما قص علينا عن نفسه غير معلوم، أي فائدة لنا من القرآن، ما دام ليس معلومًا فإننا لن نستفيد منه، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ
стр. 214
الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: إلا قراءة، معناه أنه ليس لنا حظ ولا نصيب إلا مجرد القراءة، على كل حال عقيدتنا: أن نؤمن بكل ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو في السنة، من غير تمثيل وبذلك نسلم في عقيدتنا.
لو قال قائل: كثيرًا ما نقول في مسائل الاعتقاد: ثبت بالحس والعقل والنقل، ويقول بعضهم: ثبت بالعقل والنقل، وآخر يقول: ثبت بالحس والنقل، ما الفرق بين الحس والعقل؟
الجواب: الحس: ما تدركه بالحواس كاللمس والشم والذوق.
والعقل: ما تدركه بقلبك، أي: بعقلك، هذا الفرق، وممكن أن يجتمع الدليل السمعي العقلي والحسي، مثال ذلك: اليد تضاف إلى الإنسان وتضاف إلى البعير وتضاف إلى الذرَّة، فاختلافها مدرك بالحس، كلنا نعرف هذا يده كذا، وهذا يده كذا، وهذه يدها كذا، ودليل العقل أن تقول فيما يتعلق بصفات الله: إذا كانت ذات الخالق لا تماثل المخلوق، فكذلك صفاته هذا دليل عقلي ليس حسيًّا.
الفائدة السادسة عشرة: أن طرق السلامة كثيرة متعددة، لقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾؛ فمثلًا: أركان الإسلام خمسة، كل واحد سبيل، أبواب الجنة ثمانية كل باب له أناس مختصون به، إذًا: هناك سبل وهناك أبواب، والمراد بذلك الشرائع، أما الإسلام جملة فهو سبيل واحد.
الفائدة السابعة عشرة: أن من سلك سبيل الشريعة فقد سلم، لقوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، سلم بكل معنى الكلمة، سلم في عقيدته .. في أعماله .. في جزائه؛ لأن هذا المسلك سيؤدي به
стр. 215
إلى دار السلام التي يدعو الله إليها قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ [يونس: ٢٥].
لو قال قائل: ما حكم من يقول: إن أهل الكتاب ليسوا كفارًا؟
الجواب: هذا لا يعذر لأن هذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام، وإذا قال: إن أهل الكتاب يعني: اليهود والنصارى غير كفار فإنه قد كذب القرآن، ويعتبر مرتدًا، إما أن يقر ويقول: هم كفار قامت عليهم الحجة، وإذا مات على هذا فهو من أصحاب النار، وإما أن يقتل ليكون معهم، وأخبرني بعض الطلبة بأن كثيرًا من العوام لا يكفر أهل الكتاب، يقولون: هؤلاء يهود ونصارى ليسوا بكفار، فيجب أن يبيِّن، وهذه البدعة ما سمعناها إلا الآن، فهم كفار بنص القرآن، وإذا كان هذا في بلاد نجد فكيف بغيرنا؟ قال الله تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وهذه أشياء واضحة، أليس الرسول ﷺ قاتل أهل الكتاب؟
الجواب: بلى، وأخذ منهم الجزية ومن لم يسلمها قتله، هل الرسول ﵊ يقتل المسلمين؟ على كل حال: إذا كان هذا الأمر مشتبه على الناس يجب أن يبين في كل مناسبة، وكما ذكرنا سابقًا أن الله يناديهم بأهل الكتاب لإقامة الحجة عليهم لا إقرارًا لما هم عليه ولا إكرامًا لهم.
الفائدة الثامنة عشرة: الرد على القدرية الذين يقولون: إن الله لا علاقة له بفعل العبد، فالآية صريحة لقوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾.
стр. 216
الفائدة التاسعة عشرة: أن المعاصي ظلمات، والكفر والشرك أعظمها ظلمًا، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، والافتراء على الله كذبًا من أعظمها ظلمًا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٩٣]، ومنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله، من أعظمها ظلمًا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤].
المهم: أن المعاصي كلها من الظلمات، الجهل أيضًا ظلمة؛ لأنه يُعمِّي على الإنسان الطريق ولا يدري أين يذهب، ولا أين يلجأ وكيف يعمل، وكذلك أيضًا من الظلم ظلم العباد بالعدوان عليهم في أموالهم أو أبدانهم أو أعراضهم.
الفائدة العشرون: أن الشريعة نور وهي كذلك، هي نور لا شك، ولا يحس بذلك إلا من آتاه الله تعالى إيمانًا ويقينًا كاملًا، وكلما كمل الإيمان ازداد الإنسان نورًا وتبين له نور الشريعة -نسأل الله أن يبين لنا ذلك-.
الفائدة الحادية والعشرون: إثبات الإذن لله ولست أقصد بالإذن الأذن التي يسمع بها، لأن هذا أمر لا نعلمه، لكن الإذن الذي هو الإرادة، وهو نوعان: إذن شرعي وإذن كوني، فالإذن الشرعي: ما شرعه الله ، فكل ما شرعه الله فقد أذن به شرعًا، ولا يلزم من الإذن الشرعي وقوع ما أذن الله به، والإذن القدري أو الكوني: هو ما أراده الله وهذا الإذن لا بد أن يقع، لأنه إرادة الله -، لكن قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ هل المراد الإذن الشرعي أم القدري؟
стр. 217
الجواب: القدري؛ لأن إخراجهم من الظلمات إلى النور يتعلق بالربوبية أي: بالقدر.
الفائدة الثانية والعشرون: أنه كلما تمسك الانسان بشريعة الله هداه الله تعالى، لقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فالمعاصي سبب للزيغ، والطاعة والامتثال سبب للهداية والرشد، وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن ولا حاجة إلى استيعابها؛ لأنها تمر كثيرًا.
الفائدة الثالثة والعشرون: أن الطرق منها المستقيم ومنها المعوج، فطريق الله تعالى مستقيم، وما سواه من الطرق فإنه معوج، ليس فيه قيام ولا يوصل إلى نتيجة.
° قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧].
قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يخفى أن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: "اللام"، و"قد"، والقسم المقدر؛ لأن قوله: و ﴿لَقَدْ﴾ يقدر بقولك: واللهِ لقد كفر الذين قالوا.
إذا قال قائل: ما الذي أعلمكم أن هناك شيئًا محذوفًا هو القسم؟ نقول: أعلمنا ذلك ربنا ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ
стр. 218
مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، واللسان العربي: كلما جاءت مثل هذه الصيغة فهي مقدرة بقسم، وعلى هذا فيكون الذي دلنا على ذلك هو كلام الله .
وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وهؤلاء هم النصارى بنص القرآن: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾ "هو": ضمير فصل، وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء: الأول: الحصر، والثاني: التوكيد، والثالث: التمييز بين الصفة والخبر، وهذا الأخير أحيانًا يستغنى عنه ويعرف الخبر بدونه لكن يؤتى به، كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٤٠] فـ: ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ودليل ذلك نصب ما بعده، وإلا لكان مرفوعًا، ففي قوله: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ لا نحتاج لضمير الفصل للتمييز بين الصفة والخبر؛ لأن الضمائر تنعت ولا ينعت بها، وهنا لا يمكن أن تكون ﴿الْغَالِبِينَ﴾ نعتًا للواو من وجهين: أولًا: للقاعدة التي ذكرنا وهي أن الضمائر لا تنعت ولا ينعت بها، والثاني: أن ﴿الْغَالِبِينَ﴾ منصوبة، والواو مرفوعة، فلا يمكن أن تكون نعتًا لها.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أكدوا تأكيدًا بهذا الضمير أن الله هو المسيح ابن مريم قاتلهم الله أنى يؤفكون، كيف يكون الله هو المسيح ابن مريم، ابن مريم مخلوق وليس بخالق، الخالق هو الله ، فكيف يكون الخالق عين المخلوق؟ هذا مستحيل عقلًا كما هو مستحيل شرعًا، هم أيضًا قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله.
стр. 219
وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، "المسيح ": بمعنى الماسح، والمسيح الدجال بمعنى الممسوح، وليُنتَبه إلى الفرق: المسيح هنا بمعنى: الماسح، قال العلماء: لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ بإذن الله، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله فسمي مسيحًا، المسيح الدجال: مسيح: بمعنى ممسوح؛ لأن عينه ممسوحة حيث إنه أعور، وأما من استحب من العلماء ﵏ وعفا عنهم، أن يقال للمسيح الدجال: المسيخ، يعنى ممسوخًا، وفي عيسى ابن مريم المسيح فهذا غلط؛ لأن الذي علَّم أمته أن يقولوا: "أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال" (١) أعلم منهم بذلك ومع ذلك سماه المسيح.
وقوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أضافه إلى أمه؛ لأنه ليس له أب، وسيأتينا في الفوائد إن شاء الله أن من ليس له أبٌ يضاف إلى أمه، ومريم هي بنت عمران وأخت هارون.
وهل هي أخت لموسى وهارون ﵉؟
الجواب: لا، بل سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، وإلا فبينها وبينهما زمن بعيد.
قوله: "قل" يعني يا محمد، لهؤلاء: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، الله أكبر! حجة دامغة، من يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا.
стр. 220
إذًا: فالمسيح ابن مريم، مربوب مقدور عليه، يقدر الله على أن يهلكه وأمه ومن في الأرض جميعًا، فكيف يكون هو الله ؟ هذا لا يمكن، لو أراد الله تعالى أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا، لا أحد يملك من الله شيئًا، وهذه حجة دامغة، والدليل على هذا: أن عيسى ابن مريم ﵊، حاول اليهود أن يقتلوه، وفعلًا دخلوا وقتلوا من ألقى الله شبهه عليه، وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٥٧].
قوله: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ "يملك" بمعنى: يمنع، من يمنع شيئًا أراده الله إن أراد بالإرادة الكونية القدرية أن يهلك المسيح ابن مريم، أي: يتلفه بعد أن كان موجودًا، المسيح ابن مريم الذي قلتم إنه هو الله، وأمه أيضًا التي أتت به فيهلك الفرع والأصل، الفرع عيسى والأصل أمه، فالله تعالى لو أراد أن يهلك المسيح الذي زعمتم أنه الله وأصله التي هي أمه، ومن في الأرض جميعًا، هل أحذ يملك أن يمنع الله جلَّ وعلا؟ لا واللهِ، لا أحد يملك أن يمنع الله، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]، والقادر على أن يبعثهم بكلمة واحدة كلهم يوم القيامة قادر على أن يهلكهم بكلمة واحدة ولا أحد يرده ولا أحد يملك منه شيئًا.
قوله: ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ جميعًا: هذه حال من المسيح وأمه ﴿وَمَنْ﴾ في قوله: ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني يهلكهم كلهم.
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كل ما في السموات والأرض، كل ما نشاهده فهو مملوك لله، وإذا كان
стр. 221
مملوكًا لله، تعذر أن يكون هو الله، فاستدل الله على أنه ليس الله بأمرين:
الأول: أن المسيح لا يملك أن يدفع شيئًا عن نفسه لو أراد الله أن يهلكه.
الثاني: أن كل شيء في السماء والأرض فهو ملك لله فكيف يكون عيسى هو الله؟ كيف يكون المملوك مالكًا؟ هذا مناقض للعقل والفطرة.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، السموات وهي سبع، والأرض وهي سبع، السموات بنص القرآن أنها سبع، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون: ٨٦]، لكن الأرض ليس في القرآن تصريح بأنها سبع، لكن في القرآن ما يدل على أنها سبع، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، لو أردنا أن نقول: المماثلة في الوصف أو المماثلة في الكبر، أو المماثلة في العظم لكذبنا الواقع، إذ لا مقارنة بين السماء والأرض.
فإذا امتنعت الكيفية تعينت الكمية، فيكون المراد بقوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في العدد، وجاءت السنة صريحة بأنها سبع أراضين، كما في قوله ﷺ : "من اقتطع من الأرض شبرًا بفير حق - أو قال ظلمًا - طوقه يوم القيامة من سبع أرضين" (١).
стр. 222
لو قال قائل: ذكرتم فيما سبق أن الأراضين سبع فأين الست الباقية؟
الجواب: الست الباقية في جوف هذه الأرض؛ لأن النبي ﷺ قال: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين" (١). وهذا يدل على أن الأراضين في جوف هذه الأرض، لكن كيف؟ لا ندري.
وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ما بين السماء والأرض، لكن قد يقول قائل: لماذا جعل الله تعالى ما بين السماء والأرض عديلًا للسماء والأرض؟ قلنا: لأن بين السماء والأرض من الآيات العظيمة ما جاز أن يكون قسيمًا للسموات والأرض وعديلًا لهما.
إذًا نقول: "ما بينهما": فيه آيات عظيمة، وتجول الناس الآن في الكون وفي الآفاق يدل على أن هناك أشياء من أعجب ما يكون من مخلوقات الله ، ولهذا في القرآن الكريم كثيرًا ما يقرن ما بينهما، أي: بين السماء والأرض.
قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ هذا الدليل الثالث؛ لأن النصارى البلهاء الضلال قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم؛ لأنه خلق بدون أب، وافتدى بنفسه جميع الخلق، على زعمهم أن الخلق كانوا مستحقين للعذاب والعقوبة، وأن عيسى ابن مريم ﵊ افتدى الخلق بنفسه وصبر على القتل وعلى الصلب، فاستحق أن يكون إلهًا لهم.
قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ وإذا كان يخلق ما يشاء، فمن الذي يحجر عليه أن يخلق شخصًا من أم بلا أب، فقد خلق الله آدم لا
стр. 223
من أم ولا من أب، وخلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق بقية البشر من أم وأب، فالله على كل شيء قدير.
قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا الدليل الرابع، فبقدرته خلق عيسى من أم بلا أب.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: التصريح والتأكيد بكفر من قال: إن الله هو المسيح ابن مريم وهم النصارى، فما بقي شك في أن النصارى كفار، ومن قال: إنهم غير كفار وأنهم مؤمنون فإنه كافر إن علم ما جاء في القرآن والسنة من كفرهم؛ لأن لازم قوله هذا تكذيب الله ورسوله، وما أدري -سبحان الله-؟ أيداهنون النصارى من أجل أنهم أقوياء ماديًا وينسون من الذي أقدرهم على هذه المادة، من الذي أقدرهم على هذه المادة إلا الله، فكيف يخشونهم ولا يخشون الله؟ كيف يداهنونهم ويبسطون لهم الأرض ويفرشون لهم ورودًا، ويقولون: أنتم مؤمنون بالله واليوم الآخر، وأنتم على دين، ونحن على دين، واليهود على دين، وكأن الخلاف الذي بيننا وبين اليهود والنصارى، كالخلاف الذي بين أحمد بن حنبل ومحمد بن إدريس - سبحان الله - وهذه البدعة راجت على بعض الناس حتى راج أنه لا يجوز قتل المرتد؛ لأن الناس أحرار، يختار الإنسان من دينه ما يشاء، ولا إكراه في الدين -سبحان الله- هذا انقلاب -نسأل الله العافية- هذا أشد من التفسخ الخلُقي؛ لأن هذا يعود على العقيدة، وأن لا نتبرأ منهم والله يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ
стр. 224
وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
لماذا نداهنهم؟ بل نكفرهم ونقول ما قال نبينا ﵊: العنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١) ونقول: إن آمنوا بمثل ما اَمنا به فقد اهتدوا وإلا فهم طى ضلال، لكننا في الحقيقة لا نستطيع الآن أن نقاتلهم ولا أن نجاهدهم، لأسباب كثيرة:
منها: أنه ليس عندنا حصيلة إيمانية توجب أن نقاتلهم، فالإيمان ضعيف في عامة المسلمين، لا أقول: في كل واحد، بل في عامتهم.
ثانيًا: ليس عندنا حصيلة الاستقامة على دين الله وعلى العبادات، أين من يصوم النهار ويقوم الليل؛ كثير من المسلمين لا يصلون الصلاة في وقتها، وكثير من المسلمين لا يصلونها أبدًا ولا يعرفون كيف يتوضؤون، أين الحصيلة؟
الثالث: أنه ليس عندنا غيرة دينية، بمعنى أن نقاتلهم من أجل الدين، كثير من الذين يقاتلون الكفار يقاتلونهم للأرض أو لآثار حسية كآثار الجاهلية، لا يقاتلونهم من أجل أن يقيموا دين الله على أرض الله، وتأمل هذا تجده واضحًا، وهناك أسباب أخرى لا يطيب لي أن أقولها في هذا المقام لكنها تظهر للمتأمل.
стр. 225
فنحن الآن في الحقيقة عاجزون عن مقاومتهم، لكن لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نداهنهم في دين الله؛ لأنهم هم يودون، كما قال الله : ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩]، يودون هذا، لكن يأبى الله -إن شاء الله تعالى- أن نداهنهم في دين الله أبدًا، ولن نداهن، نسالمهم ما دمنا ضعفاء وإلى أن ياذن الله لنا بالقوة ويأذن لهم بالضعف.
وأما مسألة الدين فلا يمكن إطلاقًا أن نبيع ديننا لهم ولا لغيرهم، ولا يحل لنا هذا، لكن مع الأسف أنه يوجد الآن من يحطمون الدين باسم الدين: الدين الإسلامي دين التسامح، دين التساهل، دين المحبة، هذا ليس بصحيح على إطلاقه، فالتسامح مع من؟ مع إخواننا المسلمين؟ نعم، أما غيرهم فقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة: ١٢٣]، لكن مَنْ مد إلينا يد المسالمة مددنا إليه يد المسالمة، إذا كنا عاجزين عن المقاومة، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، أما الدين فلا نرضى أن يصاب بشيء أبدًا بل نقول: دين الإسلام دين خاص يمتاز عن غيره بأنه يؤمن بجميع الأديان أنها حق من عند الله، لكنها منسوخة بالإسلام، بعض الناس الجهال يقولون: اليهود يؤمنون بموسى والنصارى يؤمنون بعيسى، ثم يقول: كلٌ يؤمن بنبيه ما المانع؟ !
نقول: اقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
стр. 226
وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠)﴾ [النساء: ١٥٠] بعدها ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، أكد الله كفرهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ هؤلاء النصارى واليهود الآن يقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، اليهود يدعون أنهم يؤمنون بموسى، والنصارى يدعون بأنهم يؤمنون بعيسى، ويكفرون بمحمد، محمد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ من يخاطب؟ الأنبياء ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ عهدي الثقيل ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].
إذا كان أنبياؤهم قد أُخذ عليهم العهد أن يؤمنوا بمحمد فهم من باب أولى ومع ذلك يكفرون بمحمد ﵊، ويقولون: نحن مؤمنون، ثم نقول لهم: أنتم في الحقيقة ما آمنتم؛ لأن محمدًا ﷺ موجود في التوراة وفي الإنجيل، مكتوب عندهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، هذا موجود، بل قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، مثل ما يعرف الرجل ابنه، يعرف أن محمدًا رسول الله ومع ذلك كفروا، كيف نقول: هؤلاء مؤمنون؟
ثم نقول: إن الله تعالى حكم على كل إنسان كفر برسول أنه كافر بجميع الرسل، حتى بمن لم يأتِ مِن الرسل فهو كافر به، قال الله تعالى في قوم نوح: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾
стр. 227
[الشعراء: ١٠٥]، من بعث من الرسل قبل نوح؟ لا أحد، ومع ذلك قال الله تعالى: إنهم كذبوا المرسلين.
فهؤلاء الذين يدعون أنهم مؤمنون بموسى وبعيسى نقول: أنتم الآن كافرون بموسى وعيسى، كافرون الكفر العام والكفر الخاص، أما العام: فكل من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، أما الخاص: فإن رسلكم جاءت كتبهم صريحة بأن محمدًا رسول الله حقًّا، وعرفتموه كما تعرفون أبناءكم.
ونحن أطلنا في هذا وتكلمنا على ذلك بكلام طويل ليس له مساس بالتفسير لكن له مساس بالواقع؛ لأن الدنيا أمامي مدلهمة من مثل هذه الأفكار الخبيثة الرديئة التي يريدها بعض من ليس عنده إيمان إلا أن يشاء الله.
فيجب علينا أن نقاوم هذا الفكر مقاومة تامة بقدر ما نستطيع الآن، هذا جهاد ليس بالسيف لكنه جهاد بالرأي والفكر، فلا يجوز السكوت على هذا إطلاقًا، فالحاصل أن في الآية الكريمة: كَفَّر الله تعالى كفرًا مؤكدًا من قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم.
الفائدة الثانية: الثناء على عيسى ابن مريم ﵊، لكون الله وصفه بأنه المسيح، والمسيح علمُ لقب، أما اسمه العلم بلا لقب فعيسى.
الفائدة الثالثة: جواز انتساب الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب، لقوله: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وأخذ المحققون من أهل العلم، أن من ليس له أب فإن عصبته أمه إذا لم يكن له عصبة؛ لأنه نسب إليها وجعلت بمنزلة الأب، أما إن كان له عصبة فأمه تأخذ فرضها والباقي لعصبته.
стр. 228
فإذا كان هناك ابن لامرأة ليس له أب، إما أنه ولد زنا أو أن أباه نفاه والتعن بنفيه أو لم يلتعن على خلاف، المهم أنه ليس له عصبة، ثم تزوج وجاء له أبناء، أمه هنا ليس لها إلا فرضها وهو السدس، والعاصب هنا أبناؤه، أما لو مات هذا الابن عن أمه وإخوانه من أم ليس لأب، فإخوانه من أمه يأخذون فرضًا، إن كان واحدًا فالسدس، وإن كانوا أكثر فالثلث، وأمه تأخذ الفرض والباقي تعصيبًا، لأنها بمنزلة الأب، وهذا القول هو الراجح: أن من ليس له أبٌ فعصبته أمه.
فإن قال قائل: إن كان للإنسان أب فهل يجوز أن ينسب إلى أمه؟
نقول: إن كان المراد الانتساب المطلق فهذا لا يجوز، وإن كان الانتساب لأنه اشتهر بها لكنه معروف أنه ولد فلان، فهذا لا بأس به، فمثلًا عبد الله بن بحينة: بحينة اسم أمه واسم أبيه مالك، ومع ذلك يطلق عليه هذا الاسم، كما نقول أيضًا في الانتساب إلى الجد، إذا كان للجد شهرة والانتساب إليه يعد شرفًا دون أن ينقطع الانتساب إلى الأب فلا بأس بذلك، ومنه قول النبي ﷺ عام حنين: "أنا النبي لا كذب، أنا بن عبد المطلب" (١) صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن عبد المطلب أشهر من عبد الله في قومه، وهو سيد معروف فلا بأس، لكن بشرط أن لا ينسى الأب، أما إن نسي فلا يجوز؛ لأنه يترتب على هذا مسائل حكمية.
стр. 229
الفائدة الرابعة: شدة الرد على النصارى حيث قال الله : ﴿الْمَسِيحَ﴾ ﴿وَأُمَّهُ﴾ المسيح: الذين يرونه إلهًا، يقول الله : لو أراد الله أن يهلكه ما استطاع أحد أن يمنعه، وهذا لا شك أن فيه صدمة قوية للنصارى، أن يقال في معبودهم وإلههم: إن الله تعالى قادر على أن يهلكه، وإذا أراد أن يهلكه فلا أحد يملك منعه.
الفائدة الخامسة: أنه إذا أراد الله شيئًا فإن الشرف والجاه والرئاسة ولو في الدين لا تمنع مما أراد الله؛ لأن المسيح ابن مريم ﵊ من أولي العزم من الرسل، ومع ذلك يقول الله : ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
الفائدة السادسة: أن نساء أهل الكتاب -ولو كانوا كفارًا، لكنهم منتسبون لأهل الكتاب- حلال، خلافًا لمن قال من العلماء: إنهم بعد أن بدلوا وغيروا وأشركوا فنساؤهم حرام، والصواب: أنَّ نساءهم حلال كطعامهم، ولو كانوا قد بدلوا وغيروا وكفروا وأشركوا.
الفائدة السابعة: الرد على أهل الباطل بالأدلة السمعية والعقلية؛ لأن الله رد عليهم بأدلة سمعية عقلية.
الفائدة الثامنة: بيان كمال سلطان الله وأنه لا أحد يمنعه مما أراد، لقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
стр. 230
الفائدة التاسعة: أنه عند المناظرة ينبغي بأن تبدأ بأول مَنْ يحتج به المناظر، وأنه على خلاف ما ناظر عليه، وجهه: أن الله بدأ بذكر إهلاك المسيح وأمه الذي يعتقد هؤلاء أنه إلهًا.
الفائدة العاشرة: عموم ملك الله لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
الفائدة الحادية عشرة: اختصاص هذا الملك بالله، لقوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ وجه الدلالة: أنه قدم الخبر، ومن القواعد المقررة عند أهل البلاغة وأهل الأصول: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
فإن قال قائل: إن الله تعالى أضاف الملك إلى غيره، في غير ما آية من كتاب الله، فما الجمع؟
قلنا: من أضاف الله إليه ملكًا فإنه ملك قاصر من جميع الوجوه، مثل قول الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، والآيات في هذا متعددة، فيقال: الملك المضاف إلى المخلوق ليس كملك الله ، بل هو ملك قاصر، لا يشمل كل ما ذكر، وهو أيضًا قاصر في التصرف فيه، إذ إن الإنسان لا يملك التصرف كما يشاء فيما هو ملكه، لو أراد الإنسان أن يتلف ماله وقال: هذا ملكي أنا لي أن أتلفه؟ قلنا: حرام عليك، ليس لك أن تتلفه؛ لأن الشرع نهى عن إضاعة المال، ولو أراد أن يعتدي على ملك غيره لقلنا: لا يمكن؛ لأن ملكك محصور، وبهذا نعرف أن الملك التام هو ملك الله .
стр. 231
الفائدة الثانية عشرة: الإشارة إلى أن ما بين السماء والأرض هو خلق عظيم حتى جعله الله عديلًا أو إن شئت فقل: قسيمًا للسموات والأرض دليله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
لو قال قائل: ما بين السموات والأرض خلق عظيم ولذلك جعله الله قسيمًا للسموات والأرض، فما مدى صحة أقوال أهل الهيئة في تلك المخلوقات؟
الجواب: ما يذكره علماء الهيئة في هذا الأمر لا يصدق ولا يكذب، مثل أقوال بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب، ولا يوافقون عليه لأنها مسافات هائلة، حتى إن بعضهم يقول: إن النجوم التي نراها الليلة هي نجوم البارحة، ولم يصل إلينا نورها إلا بعد أربع وعشرين ساعة، فهذا لا نصدقه ولا نكذبه، وقد تقدم أن هناك مخلوقات كالرياح والغيوم والأمطار، كل هذه المخلوقات بين السماء والأرض.
الفائدة الثالثة عشرة: أن الله تعالى له المشيئة المطلقة لقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ وقد فصل الله تعالى هذا في بعض المواضع مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠]، وهذا من جملة كمال ملكه وتمام خلقه.
الفائدة الرابعة عشرة: أن أفعال العباد مخلوقة؛ لأن الله جلَّ وعلا إذا كان مالكًا للسموات والأرض وما بينهما وهو خالق ما يشاء، فالإنسان مما في السموات والأرض فتكون أفعاله مخلوقة لله.
стр. 232
الفائدة الخامسة عشرة: بيان عموم قدرة الله ، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والقدرة أن يفعل الفاعل ما أراد بدون عجز، وثَمَّ شيئان قدرة وقوة وبينهما فرق:
فالقوة: تكون من ذوي الإدراك وغيرهم فيقال: الحديد قوي، ويقال: فلان قوي، وأما القدرة فلا تقال إلا فيما له إدراك، إذ لا يقال عن الحديد مثلًا: إنه قدير.
ثانيًا: أن القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف، وهي من هذه الناحية أخص من القدرة؛ لأنه ليس كل قادر قويًّا، قد يكون الإنسان يقدر على أن يحمل هذا الكيس فوق ظهره لكن مع التعب والمشقة، هذا نقول: إنه قادر ولا نقول: إنه قوي، وإذا أخذه بسهولة ولم يتعب منه، قلنا: إنه قوي، ويلزم من قوته أن يكون قادرًا.
والسادسة عشرة، والسابعة عشرة: أن القدرة تتعلق بكل شيء، فهو على كل شيء قدير من إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وتغيير الشيء وتحويله إلى شيء آخر، والهداية والإضلال وغير ذلك فكل شيء هو قادر عليه.
ويتفرع عن القدرة على الشيء أن يكون عالمًا به؛ لأنه لا يمكن أن يفعل شيئًا مع قدرة إلا وهو عالم به، فتكون هذه الصفة متضمنة لصفة العلم، ومعلوم أنها تكون متضمنة أيضًا لصفة الوجود ومتضمنة لصفة الكمال؛ لأن بعض الصفات يستلزم صفات أخرى.
стр. 233
° قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ [المائدة: ١٨].
قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ "اليهود": أتباع موسى الذين يَدَّعون أنهم متبعون له، و"النصارى": أتباع عيسى الذين يَدَّعون أنهم متبعون له، قالوا عن أنفسهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ولا يريدون أنهم أبناء الله بنوة الولادة؛ لأنه ما ادعى أحد منهم ذلك، غاية ما هنالك أن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، وقوله: ﴿أَبْنَاءُ﴾ هنا من باب المبالغة في المحبة والمودة؛ أي: أننا كأبنائه في مودته لنا وشفقته علينا وإكرامنا وإعزازنا وما أشبه ذلك.
وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ من باب عطف الصفة الأعم على الصفة الأخص، وإن كان بعض المفسرين قال: إنه من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن المرادف للأبناء هم الأحبة، لكن ما ذكرناه هو الأولى؛ لأن الأصل في المتعاطفين هو التغاير، والتغاير إما بالذوات وإما بالأوصاف، فإذا قلنا: أبناء الله يعني كأبنائه في الشفقة والحنو والإعزاز وما إلى ذلك، قلنا: ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ تكون من باب عطف المعنى العام على المعنى الأخص.
قال الله تعالى مفندًا دعواهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ فهنا أبطل الحجة قبل أن يذكر الرد، وهكذا ينبغي في المناظرة أن
стр. 234
تبطل حجة الخصم ثم تأتي بما يُثْبِت خلاف قوله. فهنا قال: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ وهذا يتضمن الشيئين مما ينافي أن يكونوا أحبة وأبناءً: الأول: أنهم أذنبوا، والأصل في الابن ألا يكون مذنبًا في جانب والده، بل يكون سميعًا مطيعًا له لا عاصيًا مذنبصا. الثاني: من جهة الأبوة التعذيب منافٍ لدعواهم أن الله أب لهم أو أنه حبيبهم؛ لأن العادة أن المحب يعفو ويصفح عن حبيبه إذا اعتدى أو أذنب أو ما أشبه ذلك، فهنا نقض الله تعالى دعواهم بأمرين:
الأمر الأول: أنهم أذنبوا.
والأمر الثاني: أنهم عذبوا.
فكيف تقولون أنكم أحباء له وأنتم تعصونه وتذنبون ثم كيف يكون حبيبًا لكم وهو يعذبكم؟ ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، ثم احتج الله عليهم بعد أن أبطل حجتهم، فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾، و"بل": هنا للإضراب الإبطالي؛ لأنهم لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ كسائر البشر، و"البشر" هم بنو آدم، وسموا بشرًا؛ لأن أبشارهم بادية بخلاف بقية المخلوقات فإن غالبها أبشارها غير بادية، بنو آدم أبشارهم بادية لحكمة عظيمة، ولذلك تجدهم مفتقرين إلى اللباس شتاءً وصيفًا حياءً وخجلًا، فأراد الله أن يجعل أبشارهم بادية حتى يعرفوا أنهم مضطرون إلى ستر هذه العورة، وإلى فعل ما يقون به أنفسهم من الأذى، إشارة إلى أنهم كما أنهم مستحقون لهذا حسًّا، فهم مستحقون له أيضًا معنى فليلبسوا لباس التقوى حتى يتقوا به النار، كما يلبسوا لباس الجلود حتى يتقوا بها الأذى.
стр. 235
وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: من سائر المخلوقات.
قوله: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالأمر إليه، يغفر لمن يشاء أن يغفر له فيوفقه لفعل أسباب المغفرة، وإنما قلنا ذلك؛ لأن لدينا قاعدة مهمة وهي: أن كل فعل قرنه الله بالمشيئة فلا بد أن يكون موافقًا للحكمة؛ لأن مشيئة الله ليست مشيئة مجردة ترجح شيئًا على شيء بدون سبب.
وعلى هذا فقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: لمن اقتضت حكمته أن يغفر له وهو التائب من الذنب، وكذلك من مَنَّ الله عليه بالمغفرة بدون توبة وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وقوله: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعذب من يشاء أن يعذبه بأن فعل ما يقتضي التعذيب، وليس الأمر لمجرد مشيئة؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بذنب، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢]، لا ظلمًا بزيادة السيئات ولا هضمًا بنقص الحسنات، وعلى هذا فيكون التعذيب المقرون بالمشيئة مقيدًا بما إذا اقتضت الحكمة أن يُعَذِّبَ، ومن ذلك: أنتم أيها اليهود والنصارى، فقد شاء الله تعالى أن يعذبكم وفعلًا عذبكم بذنوبكم؛ لأنكم عصيتموه.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ هذا تقدم الكلام عليه في الآية التي قبلها، لكن اختلف ختم الآيتين، فقال في الآية السابقة: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]؛ لأن المقام مقام ردٍّ على الذين قالوا: إن الله هو
стр. 236
المسيح ابن مريم، أما هنا فالمقام مقام تهديد ووعيد، فقال: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع لا إلى غيره، وإنما قلت: لا إلى غيره، من أجل تقديم الخبر، وتقديم الخبر يفيد الحصر، إذًا: فليست المسألة مسألة دعوى أنكم أبناء الله وأحباؤه، وإنما المسألة مسألة عمل إما سيء وإما حسن.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: كذب اليهود والنصارى في دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه.
الفائدة الثانية: أن اليهود والنصارى يقرون بثبوت المحبة لله، فيقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقد أنكر طائفة من هذه الأمة صفة المحبة لله، وقالوا: إن الله لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ، وفسروا المحبة التي أثبتها الله لنفسه، بما لا يدل عليه ظاهر لفظه، فقالوا: المحبة: هي الثواب أو إرادة الثواب وفسروها بأحد المعنيين، لأن مذهبهم أن الإرادة ثابتة لله، فهم يثبتون أن الله مريد وله إرادة، ويثبتون أن الله خالق وله مخلوق، وأن الثواب شيء منفصل عن الله، فهو من جملة المفعولات وليس من جملة الصفات وهؤلاء هم الأشاعرة، يقولون: لا يوجد محبة بين الله وبين العبد، وإنما المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، اليهود والنصارى قالوا هذا، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، فأثبتوا أن الله تعالى يحب وأنهم هم أحبابه.
الفائدة الثالثة: أن اليهود يَدَّعون ما يقتضي أن يكونوا خيرًا من هذه الأمة، وجهه: أنهم قالوا ذلك في معرض الرد على رسالة النبي، فكأنهم قالوا: نحن أحق بالرسالة منكم أيها العرب، فنحن أبناء الله وأحباؤه.
стр. 237
الفائدة الرابعة: الإشارة إلى ما اشتهر عند بني إسرائيل، أنهم شعب الله المختار ويرون أنهم أفضل العالمين، وأفضل من العرب الذين منهم ظهر الإسلام وبهم ظهر.
الفائدة الخامسة: إنكار الله تعالى عليهم هذه الدعوى من وجهين: الوجه الأول: رد ما ادعوه، والثاني: إثبات ما لا يمكن معه هذه الدعوة.
الفائدة السادسة: أنه ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة خصمك أولًا ثم تأتي بما يثبت قولك، ولهذا تجد العلماء الذين يذكرون أقوال العلماء -أي: اختلافهم- تجدهم يذكرون أولًا الرد على القول المقابل لأقوالهم ثم يذكرون ما يثبت أقوالهم، وهذا كله مبني على القاعدة المعروفة وهي: التخلية قبل التحلية.
الفائدة السابعة: أن عذاب الله لبني إسرائيل -أي: لليهود والنصارى- لم ينقطع ولن ينقطع، لقوله: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، فلم يقل: فلِمَ عذبكم، ليستفاد بذلك أن تعذيب الله تعالى لهم مستمر؛ لأن الفعل المضارع يفيد الاستمرار، واليهود معذبون مشردون خاصة؛ لأن دعواهم المحبة والنبوة أعظم من دعوى النصارى، وهم إن شاء الله سيعذبون العذاب الأخير على يد المسلمين وذلك حينما يقتتلون مع المسلمين، فيقتلهم المسلمون حتى إن اليهودي يختبئ خلف الشجرة فتنادي المسلم: هذا يهوديٌّ فاقتله.
لو قال قائل: هل يؤخذ من قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أن الحق يؤخذ ممن جاء به، وجه ذلك لم ينكر عليهم إثباتهم صفة المحبة؟
стр. 238
الجواب: لا شك أن الحق يؤخذ ممن جاء به وقد تقدم هذا كثيرًا، وبينا أن الرسول ﵊ قَبِلَ الحق من الشيطان (١)، والله قَبِلَ الحق من المشركين، والرسول قَبلَه من اليهود أيضًا (٢).
الفائدة الثامنة: إثبات الأسباب لقوله: ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾.
الفائدة التاسعة: الاحتراز عما يوهم باطله، حيث قال: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ ولم يقل: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ فقط، لأنه لو قالها بدون أن يقرنها بقوله: ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾ لأوهم أن الله تعالى يعذب بغير ذنب.
الفائدة العاشرة: أن هؤلاء الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه هم من البشر، والبشر عند الله سواء، وأكرمهم عند الله أتقاهم.
الفائدة الحادية عشرة: إثبات خلق الله للبشر، لكن قد يقول قائل: هذا أمر لا حاجة إليه، لأنه أمر معلوم، ولكن الله تعالى قال: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾ فبيَّن أن هؤلاء مخلوقون وأنهم كغيرهم من البشر.
الفائدة الثانية عشرة: إثبات المغفرة والتعذيب من الله لمن شاء، ولكن هل هذا مجرد مشيئة إن شاء غفر وإن شاء عذب أو لابد من سبب؟
стр. 239
الجواب: الثاني، لا بد من سبب، وقد تبين لنا قاعدة مهمة: أن كل فعل علقه الله جلَّ وعلا بالمشيئة فإنه تابع لحكمة، إذ ليس لله مشيئة مجردة بل هي مقرونة بحكمته ﵎، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠].
الفائدة الثالثة عشرة: إثبات المشيئة لله، والمشيئة: بمعنى الإرادة الكونية، واعلم أنه ليس فيها انقسام، يعني أنها لا تقسم إلى مشيئة كونية ومشيئة شرعية، بخلاف الإرادة، فالمشيئة: شيء واحد وهي الإرادة الكونية.
الفائدة الرابعة عشرة: اختصاص وانفراد الله بالملك وأنه لا مالك معه لقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ ووجه ذلك تقديم الخبر على المبتدأ.
فإن قال قائل: إن الله أثبت لعباده ملكًا كقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وما أشبه ذلك؟
قلنا: لا سواء بين الملكين، فملك الله تعالى عام تام، وملك الآدمي قاصر ناقص، ولهذا لا يملك الإنسان أن يتلف ماله، مع أنه ماله فلو أراد إنسان أن يحرق ماله، قلنا: لا يمكن وحجرنا عليه ومنعناه؛ لأنه خلاف ما أمر الله به، بل هو مما نهى الله عنه.
الفائدة الخامسة عشرة: أن بين السموات والأرض من المخلوقات العظيمة ما اقتضى أن يكون مقابلًا ومعادلًا للسموات والأرض لقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
стр. 240
الفائدة السادسة عشرة: أن مرجع الخلائق إلى الله وحده، لقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يعني: المرجع.
* * *
° قال الله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ [المائدة: ١٩].
قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ في هذه الصفحة من المصحف نداء لأهل الكتاب مرتين، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ والمراد بهم: اليهود والنصارى.
وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ وهو محمد ﷺ .
وقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ الجملة حالية، حال من رسول، يعني حال كونه يبين لكم؛ أي: يوضح ويفصل، ولم يذكر الله ﵎ المُبَيَّن ليكون أعم؛ لأن حذف المفعول يفيد العموم، وهذه قاعدة معروفة في اللغة العربية: أن الحذف يفيد العموم، فقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أي: يبين كل ما يحتاج الناس إلى بيانه، ولهذا قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].
وقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ يعني حال كون البيان ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾؛ أي: مدة من الزمن لم يأتِ فيها رسول، هذه المدة ليس لنا كبير فائدة في معرفتها على التحديد، لكن نعرف أنها مدة طويلة تقدر بنحو ستمائة سنة بين عيسى وبين محمدٍ ﷺ لأن آخر الأنبياء الذين بعثوا إلى الناس هو عيسى ﵊ ومن بعده محمد ﷺ ، فليس بينهما نبي، ولهذا ما يذكر
стр. 241
في بعض التواريخ: أن خالد بن سنان وفلان وفلان أنهم أنبياء، وأنهم بعثوا بعد عيسى، فهذا كله ليس بصحيح، لأن النبي ﷺ قد أخبر أنه ليس بينه وبين عيسى نبي (١)، ويدل على ذلك أن عيسى ﵇ قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فلم يأتِ أحد بعد عيسى إلا محمد ﷺ .
وقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ إنما نص على هذه الفترة ليتبين أن الناس كانوا في أشد الحاجة إلى بعثة الرسول وهذا هو الواقع، "فإن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم"، أي: أبغضهم وكرههم، لأنهم ليسوا على دين "إلا بقايا من أهل الكتاب" (٢)، بقايا قليلة كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦]، بقي القليل، وهذا القليل أيضًا يحتاج إلى رسول فلهذا نص على الفترة: وهي المدة الطويلة التي بلغت نحو ستمائة ممنة ليتبين شدة حاجة الناس إلى بعثة الرسول ﷺ .
قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: لئلا تقولوا فـ "أن" وما دخلت عليه هنا في موقع التعليل، يعني أرسلناه إليكم حتى لا تحتجوا فتقولوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾، وذلك لطول المدة فلم
стр. 242
يأتهم رسل ولا أنبياء، فيحتجون، فيقولون: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾.
وقوله: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ "من" هذه يعربها المعربون على أنها: زائدة لفظًا لكنها تزيد في المعنى التوكيد، وهذه قاعدة معروفة عند البلاغيين: أن جميع الحروف الزائدة تفيد التوكيد، وأصل الكلام: ما جاءنا بشير ولا نذير، هذا الأصل، لكن إذا دخلت "مِنْ" صارت أدل على النفي مما لو لم تدخله، ولهذا يقولون: إن النفي قد يكون نصًّا في التعميم إذا كان الحرف النافي هي "لا" أو اقترن بحرف الجر الزائد سواء كان "من" أو "الباء"، فقوله: ﴿مِنْ بَشِير﴾ "من" زائدة من حيث الإعراب، "بشير": فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ لأن حرف الجر أداة لفظية، فلا بد أن يكون تأثيرها في اللفظ أكثر من تأثيرها في المعنى، والمعطوف على الفاعل المجرور بحرف الجر الزائد يجوز فيه اعتبار المحل واعتبار اللفظ، فيجوز فيه الجر والرفع كما في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] بالرفع و"غيرهِ" بالجر، فيجوز فيها الوجهان.
واعلم أن الحرف الزائد في القرآن لا بد أن يقيد بأنه حرف زائد في الإعراب، وبعض المعربين يقول: حرف صلة ولا وجه له، بل يقال: إنه حرف زائد إعرابًا، ومن العبارات التي تقال: زائد زائد، أي: زائد لفظًا زائد معنى، فالأول: زائد من الناقص، من "زاد" "يزيد"، والثاني من "زاد" المتعدي؛ لأن زاد تصلح ناقصة، وتصلح متعدية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] هذه متعدية، وتقول: زاد الماء، هذا لازم.
стр. 243
لكن لو قال قائل: ذكرتم أن ضابط حرف الجر الزائد أنه إذا حذف استقام الكلام، وأحيانًا يحذف حرف الجر ويستقيم الكلام وحرف الجر ليس بزائد، كما في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] وكما في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١]؟
الجواب: "مِن" في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ليست زائدة بل "من" بيان لى"ما"؛ لأن "ما" اسم شرط، وأسماء الشرط كلها مبهمة، فجاءت "مِن" للبيان، قال ابن مالك ﵀:
وزيد في نفي وشبهه فجر ... نكرة كما لباغ من مفر
وقوله: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ "من بشير": يبشر بالخير، "ولا نذير": يخوف من الشر.
وقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ يعني: فالآن لا حجة لكم قد جاءكم بشير ونذير، وهو رسول الله محمد ﷺ .
قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ختم الله هذه الآية بالقدرة، إشارة إلى أنه ﵎ قادرٌ على أن يبعث الرسل وعلى أن لا يبعث الرسل وأن الأمر كله بيده ﵎.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أنه ينبغي أن ينادى المخاطب بالوصف الذي يقتضي أن يقوم بما وُجِّه إليه لقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ وهذا موجود في اللغة العربية، فإذا كنت تخاطب مؤمنًا تقول: يا أيها المؤمن، وإذا كنت تخاطب رجلًا تقول: يا أيها الرجل، كأنك تذكر له ما كان ينبغي من أجله أن يستمع إليك ويمتثل ما توجهه
стр. 244
إليه، وفي كوننا نوجه الخطاب بالنداء بالوصف الذي يقتضي أن يمتثل فيه فوائد:
أولًا: توبيخ هذا الرجل إذا خالف؛ لأنه لا ينبغي أن يخالف وهو متصف بهذه الصفة.
ثانيًا: حثه على الموافقة باعتباره هذا الوصف الذي اتصف به، ولهذا نجد أن الرسول ﷺ يقول دائمًا: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر" (١) "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر" (٢).
الفائدة الثانية: إقامة اللوم عليهم من الآخرين.
الفائدة الثالثة: أن محمدًا رسول الله مرسل إلى أهل الكتاب اليهود والنصارى، لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يعني: إليكم.
الفائدة الرابعة: أن الذين كفروا بمحمدٍ ﷺ من هؤلاء - أي: من اليهود والنصارى - كفار؛ لأنهم كفروا بالرسول الذي أرسل إليهم، أما قولهم: إنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، فنقول: هذا لا يكفي لا بد أن تؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
الفائدة الخامسة: الثناء على رسول الله ﷺ بكونه مرسلًا من عند الله لقوله: ﴿رَسُولُنَا﴾.
стр. 245
الفائدة السادسة: إقامة الحجة على الأمة حيث إن محمدًا رسول الله فهو حجة ﵊، فبمجرد أن شهد الله أنه رسوله كان ذلك حجة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦].
الفائدة السابعة: أنه لا حظ للرسول ﵊ في شيء من الربوبية، وجه ذلك: أنه رسول والرسول لا يمكن أن يكون شريكًا للمرسل فيما يختص به.
الفائدة الثامنة: أن النبي ﷺ مُبَيّنٌ للخلق، وأنه ليس فيما جاء به شيء من الغموض والإلغاز، لقوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾.
الفائدة التاسعة: الرد على أولئك المفوضة في أسماء الله وصفاته الذين يقولون: إننا لا نعلم شيئًا من معاني أسماء الله وصفاته، وأن وظيفتنا أن نقرأ ولا نفصل، وهذا القول من أعظم الأقوال وأشدها فسادًا حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال: إنه من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس بل حتى من العلماء من يظن أن هذا هو مذهب السلف، ويقولون: إن مذهب السلف التفويض، وهم في الحقيقة لم يعرفوا مذهب السلف، مذهب السلف: التفويض في الكيفية؛ لأن العقل يعجز عن إدراكها، والشرع لم يرد بها، وأما المعنى فإنهم يؤمنون به، ويثبتونه ويقررونه ويفصلون فيما يحتاج إلى تفصيل، وهذا أمر معلوم من كتبهم.
الفائدة العاشرة: أن الرسول ﵊ كما أنه مُبَيِّنٌ للعرب، فهو مُبَيِّنٌ لأهل الكتاب.
فإن قال قائل: كيف يبين لهم ولغته تخالف لغتهم فإن لغة
стр. 246
اليهود حتى الذين في المدينة في عهد الرسول تخالف اللغة العربية؟
نقول: عن طريق الترجمة، ولهذا لم ينتشر الإسلام في البلاد الأعجمية إلا بواسطة الترجمة.
الفائدة الحادية عشرة: أنه إذا احتجنا إلى معرفة اللغات الأجنبية لبيان الشريعة كان ذلك مما يثاب عليه؛ لأن من صفات النبي ﷺ أنه يبين للناس بأي وسيلة، وعلى هذا فمن تعلم اللغة غير العربية من أجل الدعوة إلى الله كان مثابًا على ذلك؛ لأنها وسيلة لتبيين الشريعة ونشرها.
لو قال قائل: ما توجيهكم لطالب العلم وهل يقتطع من وقته جزءًا لتعلم اللغات غير العربية؟
الجواب: هذا إذا كان الإنسان داعية يعرف من نفسه أنه ذو دعوة قوية وعنده بيان وإقناع، فلا بأس، أما أي إنسان يقول: ربما أكون، فهذا لا يشتغل بهذه اللغات عما هو أهم، لكني مع ذلك أنا أتمنى أني أعرف اللغة الإنجليزية لكن فات الأوان.
الفائدة الثانية عشرة: أن رسالة النبي ﷺ كانت على فترة من الرسل ليس بينه وبين عيسى رسول لقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: أنه كلما طال زمن الرسالة صار الناس أشد حاجة إلى الرسول، ولهذا جعل الله ذلك مِنَّة عظمى على أهل الكتاب حيث جاءهم على فترة، ومثل هذا يكون أيضًا في الواقع المحسوس، فالإنسان الذي يشرب الماء على عطش أشد شوقًا إلى الماء والحاجة من إنسان يشربه على ري.
стр. 247
الفائدة الرابعة عشرة: إثبات الرسالات السابقة للرسول ﵊ لقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والظاهر لي أن هذا يشير إلى أن الرسول ﷺ هو آخر الأنبياء، لقوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ يعني ليس بعده رسول وهذا هو الذي صرح الله به في كتابه في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] , وتأمل قوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولم يقل: وخاتم المرسلين مع أنه قال: رسول الله؛ لأنه قد يكون نبيًا ولا يكون رسولًا، ومحمدٌ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.
الفائدة الخامسة عشرة: رحمة الله تعالى بالخلق حيث أرسل الرسل؛ لئلا تقوم الحجة على الله، لقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾.
الفائدة السادسة عشرة: أن من لم تبلغه الرسالة فإنه معذور، وهو ظاهر لقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾.
الفائدة السابعة عشرة: أنه لا حجة للإنسان بالقدر على مخالفة الرسل، لقوله تعالى: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ وجه الدلالة: لو كان لهم حق لم يرتفع بإرسال الرسل، وهو كذلك.
الفائدة الثامنة عشرة: أن الرسالات منحصرة في شيئين لا ثالث لهما: وهي البشارة والإنذار؛ لأن الناس ينقسمون بالنسبة للرسالات إلى قسمين: مطيع فله البشارة، وعاصي فله الإنذار.
لو قال قائل: البشارة هل تكون وسيلة لتأليف قلوب أصحاب المنكرات، كان يقال لهم: أبشروا أنتم على خير ونحو ذلك؟
الجواب: لكل مقام مقال، قد يكون من الحكمة أن لا تنفر
стр. 248
الناس بذكر التخويف والوعيد، وقد يكون بالعكس، فمثلًا: إذا كنت تخاطب شخصًا معينًا منغمسًا في الآثام، فهنا ربما يكون جانب التخويف أفضل، لكن مع التخويف تقول له: يا أخي باب التوبة مفتوح، واذكر قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] , حيث ذكر أمهات العظائم، ومع ذلك قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] , فلكل مقام مقال، لا يمكن أن تذكر شيئًا معينًا.
الفائدة التاسعة عشرة: قوة حجة هؤلاء لو لم يبعث الله إليهم رسولًا، لقوله: ﴿مِنْ بَشِيرٍ﴾ لأن "مِن" هذه للتوكيد يعني كأنهم يؤكدون أنهم لم يأتهم بشير ولا نذير.
الفائدة العشرون: تأكيد الكلام التأكيد المعنوي، ولست أقصد تأكيد النحويين، فالنحويون يقولون: إن التوكيد نوعان: توكيد معنوي وتوكيد لفظي، فما كان بتكرار اللفظ فهو لفظي، وما كان بالأدوات المعروفة، فهو معنوي، لكن لا أريد هذا، أريد أن المعني قد يؤكد بجملة كاملة وهي قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾.
الفائدة الحادية والعشرون: أنه متى احتيج إلى التوكيد فلا عيب في التكرار، ولهذا كان من آداب الخطبة أن الإنسان يكرر في المواضع الهامة وأن هذا لا يُعَدُّ عِيًّا ولا يعد زيادة.
الفائدة الثانية والعشرون: أن رسالة النبي ﷺ مشتملة على هذين الأصلين في الرسالات وهما البشارة والإنذار، لقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ يعني به محمدًا ﷺ .
الفائدة الثالثة والعشرون والرابعة والعشرون: إثبات قدرة الله ، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ , وأنه لا
стр. 249
يستثنى من قدرة الله تعالى شيء، بل كل شيء فالله قدير عليه، وأما قول بعضهم - كصاحب الجلالين - خص العقل ذاته فليس عليها بقادر، فهذا خطأ إلا أنه على قاعدة منكري الأفعال الاختيارية الذين يرون أن ذلك صواب؛ لأنه يوجد طائفة من هذه الأمة يقولون: إن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية، فالنزول إلى السماء الدنيا ممنوع عندهم، والاستواء على العرش ممنوع، والضحك ممنوع كذلك، والإتيان يوم القيامة ممنوع، كل الأفعال التي يفعلها بمشيئته واختياره يرون أنها ممنوعة. لماذا المنع؟ قالوا: لأنه مستحيل، والمستحيل على اسمه لا تتعلق به القدرة كالجمع بين النقيضين، فيقال لهم: هذا غلط، بل إن الأشياء التي تنافي الكمال لا يمكن أن يتصف الله بها كالنوم مثلًا فمستحيل أن الله جلَّ وعلا ينام، وهذا الكلام لا يرد إطلاقًا؛ لأنه مستحيل، لكن الله جلَّ وعلا ينزل إلى السماء الدنيا وينزل للفصل بين العباد ويساوي على العرش ويضحك ويعجب؛ لأنه لا ينافي الكمال بخلاف النوم فهذا ينافي الكمال.
الفائدة الخامسة والعشرون: أنه ينبغي أن يختم الكلام بما يناسب المقام، وجهه: أن مخالفة أهل الكتاب للرسول ﵊ تعني أنهم معرضون للعقوبة، والله غير عاجزٍ عن عقوبتهم لكمال قدرته.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة: ٢٠].
стр. 250
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ "إذ": هذه ظرف، ومن القواعد المقررة عند النحويين: أنه لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف، من متعلق، هذا المتعلق هو العامل في الواقع؛ لأن الظرف مفعول فيه فلابد من فعل يقع فيه، والجار والمجرور في محل المفعول به فلابد له من متعلق كذلك، ولهذا قال ناظم الجمل:
لابد للجار من التعلقِ ... بفعلٍ أو معناه نحو مرتقي
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ "إذ" هذه ظرف تحتاج إلى عامل، أرى أن جميع المعربين إلا من لم نطلع على إعرابهم في القرآن الكريم كما جاءت "إذ" غالبًا يقدرون لها "اذكر إذ قالوا"، وهنا هل نقول: إن متعلق "إذ"، "اذكر"، فيكون هنا الخطاب موجهًا إلى الرسول ﷺ ، أو أن المراد: اذكروا أي: يا أهل الكتاب، نقول: يحتمل هذا أو هذا، فإن كان الثاني: فمعناه أن الله تعالى بنفسه يذكرهم، وإن كان الأول، فمعناه أنه أمر رسوله أن يذكرهم، ومؤدى المعنيين واحد.
قوله: "إذ قال موسى لقومه" وهم بنو إسرائيل ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، قوله: "يا قوم": ناداهم مناداة البعيد، قال أهل البلاغة: وهذا يدل على إعراضهم وصدودهم وعلى بلاهتهم، ولا شك أن بني إسرائيل من أشد الناس عتوًا حتى على نبيهم ﵊، فلذلك قال: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ و "النعمة" هي الإفضال والإحسان, والمراد: اذكروا هذه النعمة لتقوموا بشكرها، ثم بَيَّن هذه النعمة فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ (إذ) متعلقة بـ (نعمة)؛ لأنها بمعنى إنعام، أي: اذكروا إنعام الله عليكم.