اليهود حتى الذين في المدينة في عهد الرسول تخالف اللغة العربية؟
نقول: عن طريق الترجمة، ولهذا لم ينتشر الإسلام في البلاد الأعجمية إلا بواسطة الترجمة.
الفائدة الحادية عشرة: أنه إذا احتجنا إلى معرفة اللغات الأجنبية لبيان الشريعة كان ذلك مما يثاب عليه؛ لأن من صفات النبي ﷺ أنه يبين للناس بأي وسيلة، وعلى هذا فمن تعلم اللغة غير العربية من أجل الدعوة إلى الله كان مثابًا على ذلك؛ لأنها وسيلة لتبيين الشريعة ونشرها.
لو قال قائل: ما توجيهكم لطالب العلم وهل يقتطع من وقته جزءًا لتعلم اللغات غير العربية؟
الجواب: هذا إذا كان الإنسان داعية يعرف من نفسه أنه ذو دعوة قوية وعنده بيان وإقناع، فلا بأس، أما أي إنسان يقول: ربما أكون، فهذا لا يشتغل بهذه اللغات عما هو أهم، لكني مع ذلك أنا أتمنى أني أعرف اللغة الإنجليزية لكن فات الأوان.
الفائدة الثانية عشرة: أن رسالة النبي ﷺ كانت على فترة من الرسل ليس بينه وبين عيسى رسول لقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: أنه كلما طال زمن الرسالة صار الناس أشد حاجة إلى الرسول، ولهذا جعل الله ذلك مِنَّة عظمى على أهل الكتاب حيث جاءهم على فترة، ومثل هذا يكون أيضًا في الواقع المحسوس، فالإنسان الذي يشرب الماء على عطش أشد شوقًا إلى الماء والحاجة من إنسان يشربه على ري.
стр. 247
الفائدة الرابعة عشرة: إثبات الرسالات السابقة للرسول ﵊ لقوله: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ والظاهر لي أن هذا يشير إلى أن الرسول ﷺ هو آخر الأنبياء، لقوله ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ يعني ليس بعده رسول وهذا هو الذي صرح الله به في كتابه في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] , وتأمل قوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ولم يقل: وخاتم المرسلين مع أنه قال: رسول الله؛ لأنه قد يكون نبيًا ولا يكون رسولًا، ومحمدٌ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.
الفائدة الخامسة عشرة: رحمة الله تعالى بالخلق حيث أرسل الرسل؛ لئلا تقوم الحجة على الله، لقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾.
الفائدة السادسة عشرة: أن من لم تبلغه الرسالة فإنه معذور، وهو ظاهر لقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾.
الفائدة السابعة عشرة: أنه لا حجة للإنسان بالقدر على مخالفة الرسل، لقوله تعالى: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ وجه الدلالة: لو كان لهم حق لم يرتفع بإرسال الرسل، وهو كذلك.
الفائدة الثامنة عشرة: أن الرسالات منحصرة في شيئين لا ثالث لهما: وهي البشارة والإنذار؛ لأن الناس ينقسمون بالنسبة للرسالات إلى قسمين: مطيع فله البشارة، وعاصي فله الإنذار.
لو قال قائل: البشارة هل تكون وسيلة لتأليف قلوب أصحاب المنكرات، كان يقال لهم: أبشروا أنتم على خير ونحو ذلك؟
الجواب: لكل مقام مقال، قد يكون من الحكمة أن لا تنفر
стр. 248
الناس بذكر التخويف والوعيد، وقد يكون بالعكس، فمثلًا: إذا كنت تخاطب شخصًا معينًا منغمسًا في الآثام، فهنا ربما يكون جانب التخويف أفضل، لكن مع التخويف تقول له: يا أخي باب التوبة مفتوح، واذكر قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] , حيث ذكر أمهات العظائم، ومع ذلك قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] , فلكل مقام مقال، لا يمكن أن تذكر شيئًا معينًا.
الفائدة التاسعة عشرة: قوة حجة هؤلاء لو لم يبعث الله إليهم رسولًا، لقوله: ﴿مِنْ بَشِيرٍ﴾ لأن "مِن" هذه للتوكيد يعني كأنهم يؤكدون أنهم لم يأتهم بشير ولا نذير.
الفائدة العشرون: تأكيد الكلام التأكيد المعنوي، ولست أقصد تأكيد النحويين، فالنحويون يقولون: إن التوكيد نوعان: توكيد معنوي وتوكيد لفظي، فما كان بتكرار اللفظ فهو لفظي، وما كان بالأدوات المعروفة، فهو معنوي، لكن لا أريد هذا، أريد أن المعني قد يؤكد بجملة كاملة وهي قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾.
الفائدة الحادية والعشرون: أنه متى احتيج إلى التوكيد فلا عيب في التكرار، ولهذا كان من آداب الخطبة أن الإنسان يكرر في المواضع الهامة وأن هذا لا يُعَدُّ عِيًّا ولا يعد زيادة.
الفائدة الثانية والعشرون: أن رسالة النبي ﷺ مشتملة على هذين الأصلين في الرسالات وهما البشارة والإنذار، لقوله: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ يعني به محمدًا ﷺ .
الفائدة الثالثة والعشرون والرابعة والعشرون: إثبات قدرة الله ، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ , وأنه لا
стр. 249
يستثنى من قدرة الله تعالى شيء، بل كل شيء فالله قدير عليه، وأما قول بعضهم - كصاحب الجلالين - خص العقل ذاته فليس عليها بقادر، فهذا خطأ إلا أنه على قاعدة منكري الأفعال الاختيارية الذين يرون أن ذلك صواب؛ لأنه يوجد طائفة من هذه الأمة يقولون: إن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية، فالنزول إلى السماء الدنيا ممنوع عندهم، والاستواء على العرش ممنوع، والضحك ممنوع كذلك، والإتيان يوم القيامة ممنوع، كل الأفعال التي يفعلها بمشيئته واختياره يرون أنها ممنوعة. لماذا المنع؟ قالوا: لأنه مستحيل، والمستحيل على اسمه لا تتعلق به القدرة كالجمع بين النقيضين، فيقال لهم: هذا غلط، بل إن الأشياء التي تنافي الكمال لا يمكن أن يتصف الله بها كالنوم مثلًا فمستحيل أن الله جلَّ وعلا ينام، وهذا الكلام لا يرد إطلاقًا؛ لأنه مستحيل، لكن الله جلَّ وعلا ينزل إلى السماء الدنيا وينزل للفصل بين العباد ويساوي على العرش ويضحك ويعجب؛ لأنه لا ينافي الكمال بخلاف النوم فهذا ينافي الكمال.
الفائدة الخامسة والعشرون: أنه ينبغي أن يختم الكلام بما يناسب المقام، وجهه: أن مخالفة أهل الكتاب للرسول ﵊ تعني أنهم معرضون للعقوبة، والله غير عاجزٍ عن عقوبتهم لكمال قدرته.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة: ٢٠].
стр. 250
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ "إذ": هذه ظرف، ومن القواعد المقررة عند النحويين: أنه لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف، من متعلق، هذا المتعلق هو العامل في الواقع؛ لأن الظرف مفعول فيه فلابد من فعل يقع فيه، والجار والمجرور في محل المفعول به فلابد له من متعلق كذلك، ولهذا قال ناظم الجمل:
لابد للجار من التعلقِ ... بفعلٍ أو معناه نحو مرتقي
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ "إذ" هذه ظرف تحتاج إلى عامل، أرى أن جميع المعربين إلا من لم نطلع على إعرابهم في القرآن الكريم كما جاءت "إذ" غالبًا يقدرون لها "اذكر إذ قالوا"، وهنا هل نقول: إن متعلق "إذ"، "اذكر"، فيكون هنا الخطاب موجهًا إلى الرسول ﷺ ، أو أن المراد: اذكروا أي: يا أهل الكتاب، نقول: يحتمل هذا أو هذا، فإن كان الثاني: فمعناه أن الله تعالى بنفسه يذكرهم، وإن كان الأول، فمعناه أنه أمر رسوله أن يذكرهم، ومؤدى المعنيين واحد.
قوله: "إذ قال موسى لقومه" وهم بنو إسرائيل ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، قوله: "يا قوم": ناداهم مناداة البعيد، قال أهل البلاغة: وهذا يدل على إعراضهم وصدودهم وعلى بلاهتهم، ولا شك أن بني إسرائيل من أشد الناس عتوًا حتى على نبيهم ﵊، فلذلك قال: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ و "النعمة" هي الإفضال والإحسان, والمراد: اذكروا هذه النعمة لتقوموا بشكرها، ثم بَيَّن هذه النعمة فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ (إذ) متعلقة بـ (نعمة)؛ لأنها بمعنى إنعام، أي: اذكروا إنعام الله عليكم.
стр. 251
وقوله: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ﴾ "في" هذه للظرفية وينبغي أن نجعلها على معناها، وأن لا نجعلها بمعنى "من"، أي: منكم أنبياء، بل نقول: فيكم؛ لأن النبي يكون من سطة قومه، ومن أشراف قومه، وهي كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
قوله: ﴿أَنْبِيَاءَ﴾ فيها قراءتان: ﴿أَنْبِئَاء﴾، ﴿وَأَنْبيَاء﴾ ,
وكلاهما قراءة صحيحة؛ لأنهما سبعيتان، وهل المراد هنا بالأنبياء الرسل أو الأنبياء الذين دون الرسل؟ يحتمل هذا وهذا؛ لأن فيهم رسلًا وفيهم أنبياء بلا رسالة.
قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ أي: صيركم ملوكًا، وتأمل الفرق بين الأنبياء والملوك، الأنبياء قال: ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ الملوك، قال: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فهل معنى العبارة الثانية كالأولى؟ ولكنه جعل الملك عامًا؛ لأن أي واحد منهم يمكن أن يكون ملكًا بخلاف النبوة، فإنها من عند الله، ولهذا قال: ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ ولم يقل: جعلكم أنبياء، أو يقال: جعلكم ملوكًا، والملوكية هنا ملكية نسبية اعتبارية، أي: باعتبار كونكم خدمًا أذلاء لآل فرعون أصبحتم الآن أحرارًا تملكون أنفسكم، ولا أحد يقيدكم فيما تريدون؟ الجواب: يحتمل المعنى هذا وهذا, ولا شك أن هذا وهذا حصل.
قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ "وآتاكم" بمعنى: أعطاكم، والفرق بين "أتاكم" "وآتاكم"، أن "أتاكم" بمعنى: جاءكم، "وآتاكم" بمعنى: أعطاكم، ولهذا آتاكم تنصب مفعولين، لكن ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول في
стр. 252
هذه الآية: "الكاف"، والثاني: "ما"، يعني الذي لم يؤت أحدًا من العالمين.
وقوله: ﴿لَمْ يُؤْتِ﴾ أصلها: لم يؤته، لكن حذف العائد الذي يعود على اسم الموصول، والأصل: ما لم يؤته أحدًا من العالمين، وعلى هذا فتكون "أحدًا" مفعولًا ثانيًا.
وقوله: ﴿أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي: من العالمين الذين سبقوكم بل والذين في وقتكم، وهنا تأمل أنه لم يقل ﵊: ما لن يؤتِيَ، بل قال: ما لم يؤتِ، وبينهما فرق، فلو قال: ما لن يؤتيَ؟ صار قوم موسى أفضل الناس إلى يوم القيامة ولن يُعطي أحدٌ مثلهم، لكن إذا قال: ما لم يؤتِ: يعني في الماضي، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى آتى هذه الأمة والحمد لله ما لم يؤتِ بني إسرائيل ولا غيرهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أنه ينبغي للداعية أن يُذكِّر من يوجه إليهم الخطاب بنعم الله عليه؛ لأن تذكيرهم بالنعم يوجب لهم محبة الله، ولهذا جاء في الأثر: "أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم" (١).
الفائدة الثانية: أنه كلما أنعم الله على عبده بنعمة وجب عليه من السمع والطاعة ما لم يجب على غيره.
الفائدة الثالثة: الإشارة إلى أن وجود الأنبياء بين الناس من أكبر النعم؛ لأن الله قدم ذلك على الملك فقال: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ ولا شك أن حاجة الناس إلى ذلك أعظم من حاجتهم إلى الملك وإن كانوا يحتاجون إلى هذا.
стр. 253
الفائدة الرابعة: تقديم مقام العلماء على الأمراء، لقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ والعلماء ورثة الأنبياء، والأمراء إما من الملوك أو من ورثتهم أو نوابهم أو ما أشبه ذلك.
الفائدة الخامسة: أن من رزقه الله علمًا فقد أنعم الله عليه نعمةً عظيمة، تحتاج إلى التذكر وهو كذلك؛ لأن نبيهم موسى صلوات الله وسلامه عليه ذكرهم بهذه النعمة، وأنت الآن تعرف هذه النعمة في نفسك، فلو قدرت نفسك جاهلًا لا تدري كيف تتوضأ ولا كيف تصلي ولا ما الواجب في الوضوء، ولا ما الواجب في الصلاة، ولا ما مبطلات الوضوء، ولا ما مبطلات الصلاة، لكنت أعمى تسير بلا هدى، فإذا منَّ الله عليك بعلم هذه الأشياء فهي نعمة عظيمة لا يقابلها نعمة، لا سيما وأن هذه الأمة والحمد لله تشعر بأنها وارثة لأفضل الأنبياء محمَّد ﷺ ، فالعلماء من هذه الأمة يشعرون بهذا، أي: أنهم وارثون لمحمدٍ صلوات الله وسلامه عليه.
الفائدة السادسة: أن فك الحَجْرِ على المحجور عليه من نعمة الله، وهذا على المعنى الثاني؛ لأنه بذلك يأخذ شيئًا من الحرية، وقد تقدم معرفة الحجر في الفقه.
الفائدة السابعة: أنه ينبغي للإنسان أن يذكر تذكيرًا خاصًّا بما أنعم الله به على الشخص، نعمة خاصة وذلك لقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
لو قال قائل: هذا يؤدي إلى أن يعجب المخاطب بنفسه، ويقول: أنا من أنا؟
стр. 254
قلنا: إذا خيف هذا الشيء منع، ولكل مقام مقال، أما إذا كان ذِكْرُ هذا الشيء يستلزم أن يقوم بأمر الله فليذكر ولا يضر، ولذلك كان الناس يوم القيامة يتوسلون إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، بما خصهم الله به من المناقب والكرامات (١).
* * *
° قال الله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة: ٢١ - ٢٦].
قوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ النداء من موسى ﵊، والنداء هنا يتضمن شيئين:
الشيء الأول: أن فيه شيئًا من استبلاههم، وأنهم لن يتفطنوا ولن يستمعوا إلى الخطاب إلا إذا ورد بالنداء ولفظ القومية.
стр. 255
الشيء الثاني: أيضًا أنه قال: ﴿يَاقَوْمِ﴾ استعطافًا لهم؛ لأنه فرق بين أن يكون المخاطب من قومك أو من غير قومك.
قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ لم يقل: قاتلوا حتى تدخلوا، والأرض المقدسة قال العلماء: معناها الطاهرة من الشرك؛ لأن هذه الأرض كانت أرض الأنبياء. ثم ما هي هذه الأرض وما المراد بها؟ قال العلماء: هي أرض الشام التي تشمل ما يسمى في العصر الحاضر سوريا وفلسطين والأردن وغيرها وجميع المنطقة، وهذا في زمن موسى، وأما بعد بعثة محمَّد ﷺ لا شك أن المسجد الحرام أشد قداسة من المسجد الأقصى، وكذا المسجد النبوي.
وقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيضًا فيها بشارة بأنهم سوف يغلبون، ففي هاتين الجملتين بشارتان: الأولى: ادخلوا الأرض، والثانية: التي كتب الله لكم، والكتابة هنا هي الكتابة القدرية؛ لأن الكتابة تتنوع إلى نوعين:
كتابة شرعية: مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وكتابة قدرية: مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قلنا: إن الكتابة هنا كتابة قدرية لا شرعية، لو كانت شرعية لتعدت بـ "على"، والمعنى كتب عليكم ولا يستقيم المعنى.
قوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا بعد أن كنتم مقبلين على القتال على أدباركم؛ لأن النكوص على الدبر
стр. 256
والرجوع هزيمة وذل، ولهذا ورد النهي الشديد عن التولي يوم الزحف.
قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لا ترتدوا فتنقلبوا، والانقلاب يشعر بخيبة الأمل، ولهذا قال: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ و ﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فماذا كان الجواب؟
كان الجواب كما قال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ انظر للخطاب في قوله: ﴿يَامُوسَى﴾ لم يقولوا: يا نبي الله ولا يا رسول الله، ﴿قَالُوا يَامُوسَى﴾ وهذا لا شك أنه جفاء في مخاطبته، أن يخاطبوا نبيهم باسمه، ولهذا نهى الله هذه الأمة أن يخاطبوا الرسول ﷺ باسمه في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] , على أحد التفسيرين؛ لأن بعض العلماء يقولون: المعنى لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، وإن كانت هذه الآية تشمل هذا المعنى وتشمل المعنى الثاني وهو أنه إذا دعاكم لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا إن شئتم أجبتم وإن شبهتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
قوله: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، ذكروا علة تدل على جبنهم وخورهم وضعف عزيمتهم بل عدم عزيمتهم.
وقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ الجبار: هو العاتي الكبير الجسم الطويل مأخوذٌ من قولهم في اللغة العربمِة: نخلة جبارة، والنخلة الجبارة: هي النخلة القوية العالية، وإلى الآن هذا المعنى موجود يقال: فلان عنده بستان جبارٌ نخلُه، يعني قويًّا عاليًا لا يتناول الإنسان ثمره بيده.
стр. 257
إذًا: ﴿جَبَّارِينَ﴾ تدور على المعنيين السابقين: الأول: عتاة الأخلاق، والثاني: أقوياء الأجسام لا نستطيع أن نقاتلهم.
قوله: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ - سبحان الله - هذا قول صبيان، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من يقاتلون إذا لم يكن فيها أحد؟ لا شيء، وهذا مما يدل على سفاهة بني إسرائيل، وأيضًا أكدوا هذا المعنى بقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، وتأمل قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا﴾ لم يقولوا: فإذا خرجوا، كأنهم يستبعدون خروجهم؛ لأن "إن" الشرطية: تتميز عن "إذا" بأن "إن" يكون فعل الشرط فيها حاصلًا وغير حاصل، بل قد يكون من الأشياء المستحيلة، لكن "إذا" تدل على وقوع الشرط، لكن المؤقت حصول الشرط، إذا قلت: إن قام زيد قمت، تجد الفرق بينها وبين قولك: إذا قام زيد قمت، إذا قام معناه أنه سيقوم، لكن لا أقوم إلا إذا قام فهو شرط للتوقيت أي: توقيت القيام، لكن إن قام زيد قمت شرط لحصول القيام، وقد يحصل وقد لا يحصل وقد يكون من المستحيل أن يحصل، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١] , هذا في حق الله، وفي حق الرسول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] , وكلا الأمرين ممتنعان غاية الامتناع، الأول: وهو أن يكون للرحمن ولد، والثاني: وهو أن يشرك رسول الله ﷺ ، الداعي إلى الإخلاص والتوحيد.
إذًا: هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: كأنهم مستبعدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها, ولذلك ابتلوا بالتيه، كما سيأتي إن شاء الله، وهو: الضياع وعدم الاهتداء إلى
стр. 258
هذا المكان. وتأمل أيضًا قوله: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء، هل يحتاج إلى أن يؤكد الدخول؟ لا يحتاج، لكن سبحان الله إذا تأمل الإنسان حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين، ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم ﵀ "إغاثة اللهفان" فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه.
قوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، أولًا، ننظر في تركيب هذه الآية الكريمة، قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ صفة لـ ﴿رَجُلَانِ﴾؛ لأن النكرة ما يأتي بعدها من الجملة وشبهها يكون صفة لها، ﴿يَخَافُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ "أنعم" هنا فعل وليس مفعول؛ لأن مفعول يخافون محذوف نقدره إذا شاء الله بعدُ، ﴿أَنْعَمَ﴾ جملة فعلية محلها من الإعراب صفة لرجلان، ويجوز أن تكون حالًا منها لأنها نكرة خصصت، والنكرة إذا خصصت جاز وقوع الحال منها.
لكن قد يقول قائل: أليس الأنسب في التركيب أن يقال: قال رجلان أنعم الله عليهما من الذين يخافون؟
الجواب: لا؛ لأن قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ إن قدر أنها حال، فلا إشكال لأن الوصف التابع لموصوفه إعرابًا أولى بالموالاة؛ لأن الحال متابعة لموصوفها معنىً مفارقة له إعرابًا، بخلاف النعت، فنقول: هذه إن جعلناها حالًا فإنها تكون متأخرة عن الوصف المباشر هذا الأول.
стр. 259
ثانيًا: أن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ شبه جملة، فهي في حكم المفرد. "وأنعم" جملة، والنعت بالمفرد أولى بالموالاة من النعت بالجملة؛ فلدينا ثلاثة أشياء: إما أن ينعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن ينعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة والمفرد، وشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة، فلهذا كانت الفصاحة تقتضي تقديم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾.
قوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ الله لم يبين مَنْ هذان الرجلان، وليس لنا في معرفة عينهما ضرورة. ولأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية.
لكن لو قال قائل: ألا يمكن أن يكون الرجلان موسى وهارون؟ الجواب: لا يمكن، ولو قلنا بذلك لفسد المعنى، المهم ماذا قالا؟ أما أن نعرف من هما، فلو كان هذا الأمر من الأمور التي تنبني عليه العقيدة لكان الله بَيَّنَهُ إما في القرآن أو على لسان الرسول ﷺ .
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: يخافون الله، ولهذا نقول: إن مفعول يخافون محذوف، تقديره: الله.
وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أنعم الله عليهما بأمور:
أولًا: خوف الله ، فإن خوف الله من أكبر النعم؛ لأن خوف الله يستلزم اجتناب محارم الله، والقيام بطاعته.
ثانيًا: أنعم الله عليهما بالقوة: بقوة النفس؛ لأنهما الآن يقابلان أمة؛ لأن قوم موسى كلهم قالوا له: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾.
стр. 260
هذان الرجلان قابلا الأمة كلها، مما يدل على الشجاعة والعزيمة الصادقة، وهذه لا شك أنها نعمة إذا وفق الله العبد قوة وشجاعة وعدم مبالاة بالكثرة؛ لأن الكثرة ليست بشيء أمام الحق.
وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أيضًا بحصافة الرأي؛ لأن كل من قرأ البشائر التي ذكرها موسى ﵊، لا شك أنه سوف يُقْدِم، الأولى ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ والثانية: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، إذًا: أنعم الله عليهم من هذه الوجوه الثلاثة، وقد يكون أكثر من هذا.
لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] بعضهم يحمل هذه الآية على وجود بعض أجسام الموتى لآل فرعون، بل بعضهم يقول: إن بعضها فرعون نفسه، فهل هذا صحيح؟
الجواب: نحن نعلم أن المدة طويلة، وأن الناس يخلقون من لا شيء شيئًا، ألم تعلم أنه قيل: إن رأس الحسين ﵁ في النجف وفي سوريا وفي مصر! ! يعني صارت ثلاثة رؤوس، فلا نصدق بهذه الأشياء، والظاهر لنا أن فرعون لما طفا على ظهر الماء ورآه بنو إسرائيل انتهى أمره وأكلته الحيتان أوْ لا ندري عنه، أما أن نقول: أن الذي يوجد الآن في الأهرام هو فرعون فإذا لا نصدقه ولا نكذبه، وأما قوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، أي: لبني إسرائيل، فنحن نصدق كلام الله سواء رأينا جسمه أم لم نره، آيتنا نحن كلام الله ، لكن هلاكه كان آية لبني إسرائيل الذي كان يرعبهم.
لو قال قائل: وقع البعض في تحجيم قضية الصراع مع اليهود على أنه صراع على الأرض وليس صراعًا عقديًّا؟
стр. 261
الجواب: لما تخلف الصلاح، وأقولها بمرارة: لما تخلف الصلاح في هذه الأمة صار هذا التسليط تسليط اليهود على هذا الجزء من الأرض، فالواجب علينا أن نقاتل اليهود وغير اليهود ممن كفروا بالله، لا على أساس الأرض، ولكن على أساس العقيدة، ولهذا صاروا هم أقوى، فيجب تعديل النية وإصلاح العمل قبل كل شيء، إذا عُدِّلت النية وأُصِلحَ العمل حصل خير كثير.
وقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: سيروا إليهم ولا تشعروهم بأنكم سائرون، وائتوهم بغتة، ادخلوا عليهم الباب بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قوتلوا في ديارهم إلا ذلوا. ولهذا سأل النبي ﷺ ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة في الفتح، سأل الله تعالى أن يعمي الأخبار عنهم حتى يبغتهم في دارهم (١). ولهذا قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم، و "أل" في قوله: "الباب" للعهد الذهني أي: باب المدينة.
قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ يعني: إذا دخلتم الباب فإنكم غالبون ولن يغلبوكم، أي: ستكون الغلبة لكم، وهذا إرشاد وتوجيه.
قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ لما أمر هذان الرجلان هؤلاء القوم أن يعملوا الأسباب النافعة أرشدوهم إلى أن لا يعتمدوا على أنفسهم، بل يتوكلون على الله، فقالوا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾
стр. 262
والجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ والفاء مزيدة لتحسين اللفظ، ولهذا لو قيل: "وعلى الله توكلوا"، لصح، ولا يصح أن نجعلها عاطفة، يعني: لو جعلناها عاطفة والواو عاطفة ما استقام الكلام، ولكنها زيدت لتحسين اللفظ.
وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ التوكل قال العلماء: إنه صدق الاعتماد على الله، أي: أن يعتمد الإنسان على ربه اعتمادًا صادقًا مع الثقة به وحسن الظن، وفعل الأسباب، هذه أربعة أوصاف: الأول: صدق الاعتماد على الله، الثاني: مع الثقة به، الثالث: وحسن الظن، والرابع: فعل الأسباب.
فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة فإذا هو حقيقة التوكل، فمن اعتمد على الله لكنه في شك فإنه ليس بمتوكل حقيقة، كذلك أيضًا لو أنه اعتمد على الله ولكنه لم يثق تلك الثقة، إما لما يعلم من ذنوبه أو لما يعلم من قصور الأسباب، أو لغير ذلك، فإنه لم يصدق التوكل، والثالث: حسن الظن، وحسن الظن في التوكل أن يظن الإنسان بربه ﵎ أنه حسبه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وقوله: مع فعل الأسباب؛ لأن هذا لا بد منه، إذ إن الله تعالى يقدر الشيء بسببه، وهذا من تمام حكمته.
انظر إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾، ثم قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] فلابد من سعي ولذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فلابد من فعل الأسباب، ولكن بشرط أن تكون الأسباب شرعية، إما منصوصًا عليها في الكتاب والسنة، وإما معلومة بالتجارب التي يشهد لها القدر.
стр. 263
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا شرط في إخلاص التوكل على الله ، إذ لا يتوكل على الله تمام التوكل إلا من كان عنده إيمان بما وعبد الله به في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
وبعد هذه المشورة وهذا التوجيه الحسن النافع، انظر الجواب: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا النفي نفي لفعلهم الشرعي أو نفي لفعل الله القدري؟
الجواب: الأول، يعني: لا يمكن أن ندخلها ما داموا فيها، وإذا ذهبوا عنها، دخلوها، هل هذا كلام؟ ! معلوم أنك إذا وجدت قرية خالية ليس فيها أحد، وأنت تريد أهلها معلوم أنك ستدخلها. لكن هذه عقلية بني إسرائيل.
ولذا قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ يقولون لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾، فمن ربه؟ قال بعض المفسرين: ربه هو هارون؛ لأن الرب يطلق على السيد وهارون أكبر من موسى، والأكبر من الأخوين يكون سيدًا للأصغر منهما، لكن هذا بعيد، والظاهر أنهم أرادوا الرب رب العالمين ؛ لأن موسى يدعوهم إلى الله، وإلى ربهم ﵎.
فكأنهم من عجرفتهم وكبريائهم وغطرستهم، يقولون: ما دام أن عندك رب، اذهب أنت وربك فقاتلا، فأرادوا من الله أن ينزل الميدان يقاتل مع موسى - قاتلهم الله -، ومع ذلك قالوا: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ها هنا: في المكان القريب؛ لأن "هنا": للقريب، و "هنالك": للبعيد. هنا في مكاننا لن نتعداه، سنبقى متفرجين عليك أنت وربك، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغطرسة والعجرفة والجفاء - والعياذ بالله - فماذا قال موسى؟
стр. 264
قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ قوله: "ربِّ"، يخاطب ربه رب العالمين.
قوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، يعني: لا أملك أمرًا إلا أمر نفسي وأمر أخي، ويقصد بأخيه هارون ﵇.
قوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ سأل الله تعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين. فيكون هو وأخوه في جانب والفاسقون في جانب آخر. ماذا كانت إجابة الله؟
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: علي بني إسرائيل الذين أمروا بالقتال ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريمًا قدريًّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] , فالتحريم قد يكون شرعيًّا كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقد يكون قدريًّا كما تقدم.
قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ شمسية أو هلالية؟ هلالية؛ لأن التوقيت بالهلال كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] , وإلى وقت ليس ببعيد التوقيت بالهلال، حتى إن اليهود لما صاموا يوم عاشوراء صامه الرسول ﵊ وقال: "نحن أحق بموسى منكم" (١).
قوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: يضيعون، وسبحان الله المسافة بين مصر وأرض الشام تقدر بحوالي شهر، لكن هم بقوا أربعين سنة لم يهتدوا للطريق، ليست سنة ولا سنتين بل أربعين
стр. 265
سنة في هذه المساحة القليلة من الأرض؛ ولأن الله أعماهم فحرموا هذا الخير وهو دخول الأرض المقدسة، حرموا إياه من أجل هذا العناد والعتو.
وقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يهتدون سبيلًا، ولكن لماذا خص التيه بأربعين سنة؟ هناك جوابان:
الجواب الأول: أن مثل هذه الأمور القدرية أو الشرعية المحددة بعدد لا يمكن أن يكون الإنسان عالمًا بحكمتها؛ لأن هذه ليس للعقل فيها مجال، وقد تقدم كثيرًا أن المحدد شرعًا أو قدرًا ليس للعقل فيه مجال؛ إلا أشياء يسيرة من الأمور القدرية.
الجواب الثاني: قال بعض العلماء: إنهم تاهوا أربعين سنة، وأربعون سنة مدة طويلة، يمكن أن ينشأ فيها جيل جديد، على غير ما كان عليه هؤلاء المعاندين، وهذا من الناحية النظرية ليس ببعيد، لكن قد يعترض عليه بأنه: هل هذه المدة مدة كافية؟ الجواب: نعم كافية؛ لأن الشعوب قد تتحول مع قوة الداعي وضعف المانع إلى عادات وأخلاق في أقل من أربعين سنة، حسب قوة الدافع وقلة المانع.
قوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: لا تحزن، كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أي: لا تحزنوا، أي: فلا تحزن على القوم الفاسقين، مما عاقبهم الله به؛ لأنهم أهل لهذه العقوبة.
من فوائد الآيات الكريمات [٢١ - ٢٦]:
الفائدة الأولى: فضيلة أرض الشام، لقوله: ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾ وسبق أن المقدسة، أي: المطهرة من الأوثان والشرك؛ وذلك
стр. 266
لأنها بلاد الأنبياء، ويدل لفضيلتها قول الله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١] , فقوله: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ هذا أيضًا من تقديسها.
الفائدة الثانية: أن الله تعالى كتب أرض الشام لبني إسرائيل، لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
الفائدة الثالثة: أنه ينبغي للداعية أن يذكر ما يهيج النفوس ويغريها بالقبول؛ لأنه ذكر في الآية أن الأرض مقدسة، هذا الأول، والثاني: أن الله كتبها لهم، والثالث: قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ وكأن هذه بشارة بأنهم سينتصرون وسوف يدخلون الأرض، فالبشارة من وجوه ثلاثة كما تقدم.
الفائدة الرابعة: أن الكتابة نوعان: شرعية وقدرية، فالكتابة في هذه الآية بمعنى الكتابة القدرية، والكتابة القدرية: تأتي غالبًا مقرونة بـ (اللام)، والكتابة الشرعية: تأتي غالبًا مقرونة بـ "على"، وهذا غالبًا لا دائمًا بدليل قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر: ٣] والكتابة هنا: قدرية؛ لأن الله لم يفرض عليهم الجلاء فرضًا شرعيًّا ولكن قدريًّا.
الفائدة الخامسة: أن بني إسرائيل أحق بأرض الشام من غيرهم، لقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فهم أحق الناس بها وهي مكتوبة لهم حين كانوا مؤمنين؛ فهي كتبت لهم لا لأنهم من بني إسرائيل، بل لأنهم مؤمنون، ولا شك أنهم في عهد موسى هم أفضل أهل الأرض، وموسى ﵇ يخاطب قومًا صدقوا وآمنوا به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ
стр. 267
الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. إذًا: فقول بني إسرائيل: إن هذه أرض الميعاد، نقول: إن شاء الله هي أرض ميعاد هلاككم، أما أنها أرض لكم مكتوبة شرعًا فلا، وأما قدرًا فيمكن، لكن شرعًا ليس لهم فيها حق إطلاقًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] , فكما أن الله أورث بني إسرائيل بلاد فرعون وأرضه؛ لأنهم كانوا مسلمين، فكذلك المسلمون المؤمنون بمحمد ﷺ يرثون بني إسرائيل.
الفائدة السادسة: أن الأمور لا تتم إلا بوجود المصالح وانتفاء المفاسد، لقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ ولذلك نجد في الشرع أوامر ونواهي؛ لأن العبادة لا تتم إلا بأن يرغم الإنسان نفسه على فعل الطاعات وعلى الكف عن المعاصي والمحرمات، فالشرع تجد فيه فعل وفيه ترك، حتى يتم الامتحان والاختبار، ونضرب مثلًا بالصوم فيه ترك للمحبوب، وفي الزكاة بذل للمحبوب، وهذا الذي يكون به تمام الامتحان.
الفائدة السابعة: أن الكفر ردة عن الاستقامة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ فالمرتد متأخر وليس متقدمًا، إذا قلنا هذا صار الإيمان تقدمًا، ولذلك نقول لأولئك القوم الذين يريدون من الأمة الإِسلامية أن ترجع إلى الوراء وهو عندهم تقدم، نقول: أخطأتم، وذلك لأنهم يرون أن رجوع الناس إلى زمن السلف الصالح تأخر، ونحن نقول لهم: مخالفة طريق السلف الصالح هو التأخر؛ لأنه يسمى في القرآن ردة أو ارتداد على الدبر، لكن موافقة السلف الصالح هي التقدم حقيقة، ولكنه يحتاج إلى عزيمة وقوة وتطبيق.
стр. 268
الفائدة الثامنة: أن الارتداد عن العقب سبب للخسارة، أي: خسارة الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] , وإنما قلت: إن الردة على الأدبار سبب للخسران؛ لأن "الفاء" في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فاء السببية ولهذا نصب الفعل بعدها لوقوعه بعد النهي في قوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
الفائدة التّاسعة: أنه ينبغي للإنسان الداعية إلى الله أن يذكر عواقب السيئات من أجل تنفير النفوس، صحيح أن الدعوة إلى الله تعالى تحصل بأن يقول: هذا حرام، وهذا حلال، وهذا واجب، لكن إذا ذكر الترغيب والترهيب كان في ذلك حفز للنفوس على الامتثال، وجه ذلك أن موسى قال لقومه: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
الفائدة العاشرة والحادية عشرة: أن ذكر العقوبة الدنيوية أو أن ذكر العواقب السيئة في الدنيا من أجل ردع الناس عن المعاصي والمخالفة لا ينافي الإخلاص، ولهذا كان الرسل يحذرون أقوامهم، كما أن ذكر العواقب الحسنة من أجل الحث على الطاعة لا ينافي الإخلاص، وهذا من الثواب العاجل ومن عاجل بشرى المؤمن لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧] , والنبي ﷺ يقول: "من أحب أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه" (١)، أليس هذا أمرًا دنيويًّا؟ ومع ذلك ذكره النبي ﵊ وسيلة إلى فعل الطاعة، وهي صلة الرحم.
стр. 269
وقول بعض الناس: إن الإخلاص حقيقة أن تعبد الله لله لا لثواب الله، هذا خطأ لأنه مخالف لهدي النبي ﵊، اقرأ قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩] , يبتغون الفضل والرضوان، لكن القول الذي أشرت إليه هو قول بعض الصوفية، يقولون: إنك إذا لاحظت الثواب فقد أشركت في العبادة، - نسأل الله العافية - الله يرشدنا إلى هذا ويُبَيِّن أن هذا هو طريق الرسول ﷺ وأصحابه، وأنت تقول: إن هذا من الإشراك! صحيح أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة عنده نوع من الإشراك، لكن إذا جعل نصيبه من الدنيا عونًا له على طاعة الله فليس فيه إشراك إطلاقًا، وانظر إلى الفواحش، الزنا مثلًا له عقوبة من أجل أن يرتدع الإنسان عنه ويخشى أنه إذا زنا أن يجلد أو يرجم، وكذلك قطع اليد في السرقة: من أجل أن يهاب الناس السرقة ولا يقدموا عليها، فلا يقال: يكفي الوازع الإيماني؛ لا يقال هذا؛ لأننا لو قلنا: يكفي الوازع الإيماني لوجب أن نعطل جميع الحدود، ولكن نقول: الوازع الإيماني لا شك أنه هو الأصل، لكن الرادع السلطاني مقوٍّ لهذا الأصل.
لو قال قائل: أحيانًا يجد الإنسان انشراحًا في العبادة أكثر من طلب العلم والقراءة؟
الجواب: السبب في ذلك: لأن إخلاصنا في طلب العلم فيه شيء من الخدوش، وإلا لو شعرنا أننا نطلب العلم ونحن مجاهدون في سبيل الله، لصارت صدورنا أشد انشراحًا، لكن مع الأسف أن كثيرًا من طلاب العلم يقصدون بالعلم أو بطلب العلم
стр. 270
التوسع في طلب العلم فقط، وهذا لا شك أنه نقص، أنا أقول: طالب العلم يجب أن يقصد بطلب العلم نصرة هذا الدين، وحماية هذا الدين من أعدائه وبهذا ينشرح صدره، ولهذا تجد الإنسان إذا لاحظ هذا الملحظ، إذا فهم مسألة من مسائل العلم رآها غنيمة، درة غواص لا يمكن أن يفرط فيها إطلاقًا.
الفائدة الثانية عشرة: بيان جفاء بني إسرائيل وذلك أن موسى كان يخاطبهم بقوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ بهذا اللفظ، وهم يقولون: ﴿يَامُوسَى﴾ ولم يقولوا: يا نبي الله أو يا رسول الله، وهذا من جفائهم وغلظ طبائعهم.
الفائدة الثالثة عشرة: سوء ظن بني إسرائيل بالله، وذلك لأن نبيهم ﵊ وعدهم بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة، ولكنهم اعتمدوا على الأمر المادي، فقالوا: إن فيها قومًا جبارين، وهذا يدل على سوء ظنهم بربهم .
الفائدة الرابعة عشرة: بيان جبن بني إسرائيل لقولهم: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ وهذا غاية ما يكون من الجبن؛ لأن الجبان هو الذي يقول: لا أدخل البلدة أو القرية أو المدينة إلا إذا خرج منها أهلها.
الفائدة الخامسة عشرة: تأكيد هذا الجبن مرة ثانية، لقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
الفائدة السادسة عشرة: التوكيد على دخولهم إذا خرج منها هؤلاء القوم الجبارون لقولهم: ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ وهذا لا يحتاج إلى توكيد لكن يدل على بلاهتهم؛ لأن كل إنسان يعرف أنه متى خلت البلاد من عدوها وخرجوا منها، فالدخول لا يحتاج إلى تأكيد، مَنْ ينكر أن يدخل الإنسان إذا خلا البلد من العدو؟
стр. 271
الفائدة السابعة عشرة: أن الله قد ينعم على بعض القوم ويفتح عليهم بما لم يفتحه على أحد غيرهم، لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾.
الفائدة الثامنة عشرة: أن الله تعالى قد يجعل في القوم المعاندين من فيه الخير والصلاح والإصلاح، لقوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾.
الفائدة التاسعة عشرة: أن الخوف من الله مما يحمل العبد على طاعة الله؛ لقوله: ﴿يَخَافُونَ﴾ ولا شك أن الخوف مما يحمل على الطاعة، كما أن الرَّجاء أيضًا مما يحمل على الطاعة، لكن الغالب أن الخوف يحمل على عدم المخالفة وعدم الوقوع في النهي، والرجاء يحمل على الموافقة في الطاعات وفي الأوامر.
الفائدة العشرون: أن الخوف من الله من النعم، ولا شك أنه من نعمة الله على العبد، أن ينعم الله عليه بالخوف منه، لقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾.
الفائدة الحادية والعشرون: أنه ينبغي لمن أراد غزو بلد أن يُعَمِّيَ الأخبار عن أهلها, لقول هذين الرجلين الناصحين: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ يعني: ولا يعلمون بكم حتى تدخلوا الباب، وقد ذكرنا لذلك شاهدًا في فتح مكة، حيث إن النبي ﷺ سأل الله أن يعمي عن قريش الأخبار حتى يبغتها في بلادها (١).
الفائدة الثانية والعشرون: أن من غُزي في عقر داره فهو ذليل، وهذا مَثَلٌ مشهور: ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذُلوا،
стр. 272
لقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ وأهل البلد مغلوبون.
الفائدة الثالثة والعشرون: أن الدخول على البلدة لا يكون بِتَسَوِّر الجدر وإنما من الباب، ولهذا لما حاصر الصحابة ﵃ حديقة مسيلمة الكذاب، لم يتسوروا الجدران، بل فتحوا الباب ثم دخلوا، وكان البراء بن مالك ﵁ مشهورًا بالشجاعة والقوة، فطلب منهم أن يرموه من وراء السور من أجل أن يفتح لهم الباب، ففعلوا، فدخل وفتح لهم الباب، ودخل الناس هذه الحديقة وحصل النصر (١).
الفائدة الرابعة والعشرون: أن التوكل على الله من أسباب النصر، لقول هذين الرجلين: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾.
الفائدة الخامسة والعشرون: أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى السبب الحسي، لقولهما بعد أن وجها قومهما إلى أن يدخلوا لجهم الباب: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ ويشهد لهذا المعنى المأخوذ من هذه الآية، قول النبي ﷺ : "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" (٢). احرص على ما ينفعك: هذا بفعل ما تستطيع من الأسباب، واستعن بالله: يعني: لا تعتمد على نفسك، اطلب العون من الله حتى يحصل المراد.
стр. 273
الفائدة السادسة والعشرون: وجوب إفراد الله بالتوكل، لقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ وهذا فيه تفصيل، وذلك أن التوكل المطلق الذي فيه تفويض المتوكِل أمره إلى المتوكَل عليه، وهذا لا يجوز إلا لله، والمتوكل على الله بهذا المعنى يشعر بأنه بحاجة وافتقار إلى الله .
وأما التوكل وهو الاعتماد الجزئي الذي لا يشعر المتوكِل أنه مفوض أمره إلى المتوكَل عليه بل هو الذي يمكن أن يقضي حاجته، فإذا لا بأس به، ولذلك جاءت السنة: بجواز توكيل الغير والاعتماد عليه فيما وكل فيه، فمثلًا: تقول: يا فلان اشترِ لي كذا وكذا، أنت الآن اعتمدت عليه، ولكن هل هذا اعتماد افتقار أو اعتماد معونة؟ الثاني: اعتماد معونة، وأنت الآن تشعر بأن هذا الرجل لستَ مفتقرًا إليه لو شئتَ لعزلته، وهو أيضًا لا يمكن أن يأتي بمرادك، قد يعتريه مرض وقد يُمنع منه إلى آخره، ولكن توكل العبد على الله ، -وأسأل الله أن يجعلنا من المتوكلين عليه- يشعر الإنسان بأنه بحاجة إلى الله، وأنه قد فوض أمره إلى الله ، ومن ثَمَّ لا يمكن أن نقول: إن التوكل على غير الله إنه شرك؛ لأنه كما تقدم الفرق العظيم بين هذا، وهذا ظاهر، لكن قد يتوكل الإنسان ويعتمد الإنسان على من ينفق عليه مثلًا، فالابن يعتمد على أبيه في الحصول على النفقة، كذلك الموظف يعتمد على وظيفته.
هذه مسألة دقيقة جدًّا، فإن أشعرت نفسك بأن هذا سبب محض وأن الذي جعله سببًا هو الله، وأن الله قادر على أن يمنع نفوذ هذا السبب، وجعلت الأمر كله إلى الله ، فإن ذلك
стр. 274
لا ينافي التوكل، لا أصله ولا كماله، وأما إذا اعتمدت عليه وعلقت قلبك به، فإن هذا بلا شك نوع من الشرك، إن نسيت الله بالكلية - والعياذ بالله - وجعلت هذا هو الذي يجلب لك الأمور بنفسه فهذا شرك أكبر وإلا كان أصغر، ومن ذلك ما يقع كثيرًا للمرضى، من اعتمادهم على الطبيب اعتمادًا كليًّا حتى إنه يشعر في نفسه أن الشفاء كان منه، وهذا خطر عظيم، أما إذا اعتمدت على الطبيب على أنه سبب والمسبب هو الله ، وأن الله تعالى إن قدر لك الشفاء فهو الذي شفاك، وإلا فالطبيب لن ينفعك وغاية ما هنالك أنني أذهب إلى الطبيب، كما أوقد النار لطهي طعامي مثلًا، فهذا لا بأس به، ولابد أن يكون في القلب شيء من التعلق بمن ينفعه، لكن يجب أن نجعل الأول والآخر هو الله .
لو قال قائل: إذا أصيب الإنسان بالمرض وترك التداوي يحتج على ذلك بقصة عمران بن حصين التي في صحيح مسلم بأنه قال لأحد الصحابة: إني كان يُسَلَّم عليَّ فلما اكتويت ترك ذلك، فلما تركته سلم علي (١) وقصة أبي بكر عندما مرض وقيل له: ألا تتداوى؟ قال: قد رآني الطبيب، قال: أنا على ما أشاء قدير (٢)، فهل في هذا حجة على ترك التداوي؟
الجواب: عندنا السنة وعندنا كلام الصحابة أيهما تقدم؟
стр. 275
الرسول ﷺ أمر بالتداوي، إلا أننا لا نتداوى بحرام (١)، الرسول ﵊ لما ذكر الحبة السوداء أنها شفاء من كل داء إلا الموت (٢) غرضه من هذا أن يستشفي الناس بها، ثم يحمل فعل بعض الناس، سواء الصحابة أو من بعدهم على أن عندهم من قوة التوكل ما يغنيه عن الدواء، فتكون قوة التوكل عنده بمنزلة الدواء، أما لو كان مصابًا بمرض القلب مثلًا ويخشى أنه لو ذهب إلى الأطباء وأجروا له العملية ألَّا يتقنوها، فإذا لم يكن عنده الثقة في الطبيب هذا شيء آخر، لا سيما إذا كان المرض خطيرًا فلا يخاطر بنفسه، أما إذا كان أمرًا معلومًا مثلًا، كالزائدة الآن، الزائدة إذا أصابت الإنسان إن بادر بها وقطعها سلم بإذن الله وإن تركها مات، وهي عملية سهلة، والبواسير الآن سهلة عند الأطباء، مع أن بعض العلماء يقول: حرام قطع البواسير؛ لأن في عهدهم كان قطعها خطرًا، يكون نزيف ويموت الإنسان، لكن الآن تقدم - والحمد لله - علم الطب.
لو قال قائل: هل ينافي كمال التوكل الابتداء بالتداوي بالأسباب الحسية كالأدوية وترك القراءة الشرعية والأسباب المعنوية؟
الجواب: بعض الناس قد يعدل إلى التداوي بالأدوية
стр. 276
الحسية دون القراءة الشرعية؛ لأنها ربما تكون أفيد من القراءة عند بعض الناس؛ لأن الإنسان المريض لا يتقبل القراءة، ويكون شاكًّا فيها، وإذا كان شاكًّا فيها لا تنفعه أو لا يثق بالقارئ لكن الأمور الحسية يثق بها كثيرًا، لكن هناك أمراض لا ينفع فيها الأدوية الحسية، مثل الأمراض النفسية، فلا ينفع فيها إلا القراءة، والطبيب تجده يكشف على المريض عدة مرات ثم يقول: ليس فيه شيء، هذا لا ينفع فيه إلا القراءة، وليعلم أن الذي يشك في قراءة القاري أو في نفثه لا يستفيد، لكن لا ندري هل هو يشك في هذا باعتبار الدواء الذي هو الآيات، أو باعتبار القارئ.
* * *
الفائدة السابعة والعشرون: أن إفراد الله بالتوكل من الإيمان, لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وأن نقص التوكل على الله نقص في الإيمان؛ لأن ما رتب على شيء ازداد بزيادته ونقص بنقصه.
الفائدة الثامنة والعشرون: إصرار بني إسرائيل على المعصية، وعلى الجبن والخور لقولهم: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا ظاهر في أنهم مصرون على معصية نبيهم الذي قال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾.
الفائدة التاسعة والعشرون: الغطرسة العظيمة في بني إسرائيل، حيث قالوا لموسى ﵊: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، حتى قولهم: "اذْهَبْ"، بهذه الصيغة، كأنهم آمرون لموسى، أيضًا فيه استعلاء واستكبار ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾ يعني: ما رجوه رجاء وقالوا: ألا تذهب يا
стр. 277
رسول الله، أو يا نبي الله، أو ما أشبه ذلك، وجه ثالث من الغطرسة في قولهم: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ أي: لا نتحرك ولا نذهب معكم، لم يقولوا مثلًا: إننا ردء لك نحميك من ظهرك وما أشبه ذلك، ففيها أيضًا منتهى الغطرسة من بني إسرائيل.
الفائدة الثلاثون: أن موسى ﵊ أيس من بني إسرائيل حينما عاندوا هذا العناد وعبروا هذا التعبير، لقوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ وقَارِن بينهم؛ أي: بين بني إسرائيل وبين صحابة النبي ﷺ ، حيث كانوا يبتدرون أمره، ويتسابقون إليه، تجد الفرق العظيم بين هذه الأمة - والحمد لله - وبين الأمم السابقة.
الفائدة الحادية والثلاثون: أن موسى ﵊ له الكلمة على هارون، لقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ أما كون هارون أكبر من موسى أو موسى أكبر من هارون؟ فهذا يحتاج إلى دليل صحيح، ولكن موسى ﵊ كان له الإمرة على هارون.
الفائدة الثانية والثلاثون والثالثة والثلاثون: جواز دعاء الإنسان ربه أن يفصل بينه وبين أهل الفسوق والفجور، لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
ويمكن أن يتفرع على هذه الفائدة جواز هجران الفسقة؛ لأن الهجر مفارقة، ولكننا نقول: السنة دلت على أن الهجر إن كان فيه مصلحة فافعله وإلا فلا تفعل، فإن كان هجران العاصي أو المبتدع لا يزيد الأمر إلا شدة، وأنت إنما هجرت للإصلاح ولأجل أن يرتدع، وهو لن يرتدع بالهجر بل يمكن أن يزيد في
стр. 278
الشر، ونضرب لذلك مثلًا لو أنك رأيت رجلًا حالقًا لحيته وهجرته هل سوف ينتهي عن ذلك، إن كان سينتهي فلا بأس، وأما إذا كان لا ينتهي ويزداد كراهة لك ولما تدعوه إليه من الحق ويستمر فأي فائدة في هجره، ثم عندنا الحديث الصحيح: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة" (١). وهذا مُسَلَّم، وما ورد عن السلف من الهجر يحمل على أنه هجر للإصلاح أو لئلا يغتر بهم الخلق، وعلى هذا إذا كنت تتألف العصاة وأهل الضلال فلابد أن تصرح بأنهم على ضلال، لئلا يغتر الناس بهم، لكن لا تخصهم بأعيانهم حتى لا ينفروا، لكن إذا قلت: بعض الناس قال كذا أو يقال كذا فلن ينفروا.
الفائدة الرابعة والثلاثون: أن التخلي عن الجهاد في سبيل الله من الفسق، لقوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
الفائدة الخامسة والثلاثون: الأخذ بالأكثر؛ لأن من قوم موسى من كانوا على الحق، وهما الرجلان اللذان قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ فهل هما فاسقان؟ الجواب: لا، لكن باعتبار الأكثر صح أن يوصفا بالفسق على وجه العموم، وقد يقال: إن الفاسقين هنا عام أريد به الخاص؛ أي: أن موسى ﵊ لم يكن في باله إطلاقًا أن يدخل الرجلان، وعلى هذا فيكون الوصف هنا خاصًّا بالذين قالوا: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا
стр. 279
دَامُوا فِيهَا﴾، وقد يقال: إن موسى ﵇ لا يملك الملك التام والسيطرة التامة إلا على أخيه هارون.
الفائدة السادسة والثلاثون: استجابة الدعاء، لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ﴾ واستجابة الله للدعاء تتضمن عدة صفات: منها: الاستجابة، ومنها: العلم، ومنها: السمع، ومنها: القدرة، كل هذه الصفات ثابتة بالاستجابة؛ لأنه لو لم يسمع لم يستجب، ولو لم يعلم ما يريد الداعي لم يستجب، ولو لم يقدر لم يستجب أيضًا.
الفائدة السابعة والثلاثون: أن التحريم يطلق على المنع القدري، لقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأننا نعلم أن الله تعالى لم يرد أنه حرم عليهم دخولها شرعًا لكن قدرًا، وهو كذلك أعني أن التحريم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، وقد ضربنا لذلك أمثلة أثناء الكلام على تفسير الآية. فمن التحريم القدري الكوني: قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] تحريمًا قدريًّا، ومن التحريم الشرعي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
الفائدة الثامنة والثلاثون: أن العقوبة تعم لقوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].
الفائدة التاسعة والثلاثون: إرشاد الإنسان أن لا يحزن على الفاسق؛ لأنه إذا بذل جهده فيما يجب من الدعوة، فإن هداية الخلق ليست إليه بل إلى الله، فلا يحزن، ولهذا قال الله: ﴿فَلَا
стр. 280
تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] وقال لنبيه ﷺ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣] وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦] والآيات في هذا متعددة، فالإنسان إذا بذل الجهد بقدر المستطاع، فلا ينبغي أن يحزن ويشتغل بعيوب غيره عن عيوب نفسه، ولا يأس على القوم الفاسقين، وكثير من الناس يكون عنده غيرة، فتجده يشتغل بمعاصي غيره وعيوب غيره وينسى نفسه وهذا خطأ، أهم شيء عليك نفسك، عدلها ثم اسعَ في إصلاح الآخرين.
لو قال قائل: ما حكم وصف موسى ﵇ بالعصبية بسبب هذه المواقف، وهي غضبه وإلقاؤه الألواح، وتعنيفه لهارون قبل سؤاله وأخذه بلحيته، وقتله للفرعوني، وتسرعه بالسؤال في قصة الخضر، واختياره للمصير الأدنى إذ قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف: ٧٦]؟
الجواب: نقول للدَّين وصفوا موسى ﵊ بالعصبية: إن كنت تخبر مجرد خبر فلا تعرض المسألة على هذه الصفة، بل قل: إن موسى ﵊ عنده غيرة وعنده قوة، وما أشبه ذلك من الأوصاف التي تكون مدحًا لا قدحًا، وأما إذا أردت القدح فيه فالقدح فيه كفر مخرج عن الملة، وموسى ﵊ مشهور بأنه قوي وشديد؛ ولهذا لما جاءه ملك الموت ليقبض روحه لطمه حتى فقأ عينه (١)، فهو
стр. 281
معروف بالشدة، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز أبدًا، ثم إن له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والذي نرى أن الذي يتكلم في موسى ﵇ أنه أساء الأدب بلا شك، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣١].
قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وأمره أن يتلو عليهم هذا النبا لأهميته، وإلا فمن المعلوم أن جميع القرآن قد أمر النبي ﷺ أن يبلغه، ويبينه لهم لفظًا ومعنى، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وقوله: ﴿نَبَأَ﴾ أي: خبر، وقيل: إن النبأ إنما يكون في الأمر الهام، والخبر: يكون في الهام وغيره.
стр. 282
وقوله: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هذان ابنان لصلبه، وإلا فجميع البشر بنو آدم، أحدهما اسمه: هابيل، والثاني اسمه: قابيل.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الثابت، واعلم أن الحق يوسف به الخبر ويوصف به الحكم، فإن كان الخبر فهو: الصدق، وإن كان الحكم فهو: العدل، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] فقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه ولا اختلاف.
وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ (إذ) متعلقة بـ (نبأ)، أي: نبأهما، حين قربا قربانًا، وهي في محل نصب حال من النبأ، يعني: هذه الحال: هما قرَّبا قربانًا, ولم يبينه الله ، هل هو ذهب أو فضة أو طعام أو بهائم، ولو كان في بيانه مصلحة لبينه الله ، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نتكلف ما هذا القربان؟ وهذه قاعدة ينبغي أن تبني عليها جميع ما تسير عليه كتب التفسير، أن ما أبهمه الله فهو مبهم، ولا حاجة إلى أن نتكلف ما هو هذا الشيء الذي أبهمه الله؛ لأن الله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. ولو كان في بيان هذا المبهم فائدة لبينه الله .
وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ المراد به: ما يتقرب به إلى الله ، قوله: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ والمتقبل هو الله، وأبهم للعلم به، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] فإن الخالق هو الله بلا شك وأبهم للعلم به، والذي تقبل منه هابيل، تقبل الله منه، ولكن كيف علمنا أن الله تقبل منه، إما أن يكون كما ذكر عمن سبق، أنهم إذا
стр. 283
غنموا الغنائم جمعوها فنزلت نار من السماء فأحرقتها، فإن كان فيها غلول فإن النار لا تنزل، وعلى هذا فيكون علامة القبول أن الله تعالى أنزل نارًا على هذا القربان فأحرقته، ويحتمل أنهما علما ذلك بأمارات أخرى، إما برؤيا أو بغير ذلك، المهم أنه لا بد أنهما قد علمًا أن هذا قُبِلَ وهذا لم يقبل.
قوله: ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾، لماذا؟ لأن الآخر ليس عنده تقوى لله ، كما سيأتي في تعليل القبول، فهو ظالم لنفسه، إما بهذا القربان الذي قربه، يعني: أنه غصبه أو سرقه أو تملكه بغير طريق شرعي، وإما بمعاصٍ كثيرة تمنع من قبول العمل الصالح.
قوله: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ القائل: هو الذي لم يتقبل منه، قال ذلك حسدًا لأخيه، ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾؛ لأن الله تقبل منك ولم يتقبل مني، فقال له: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني: أن الله لا يتقبل إلا من المتقين؛ ولهذا قال بعض السلف: لو أعلم أن الله تقبل مني عملًا صالحًا واحدًا لفخرت بذلك وفرحت به؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وجملة ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جملة حصرية، طريق الحصر فيها "إنما" يعني: لا يتقبل الله إلا من المتقين، والمتقي: هو الذي قام بطاعة الله فاعلًا للمأمور تاركًا للمحظور.
قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وإنما قال ذلك لا افتخارًا بتقواه ولا إعجابًا بنفسه، ولكن حثًّا لأخيه على أن يكون من المتقين، وبيانًا بأن الله إنما يتقبل لحكمة ويمنع لحكمة.
стр. 284
قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ "بسطتها" أي: مددتها مدًا تصل به إليّ لتقتلني و "اللام": للتعليل؛ أي: لأجل أن تقتلني، ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، يعني: أن هذا رجل قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ فأنا لن أبسط إليك يدي لأقتلك، والمعنى: إنني لا أقتلك، وهو صريح في هذا, ولكن هل هذا يتضمن أنني لا أدافع عن نفسي؟ فيه احتمال أن المراد: ما أنا بمدافع عن نفسي بل سأستسلم، أو أن المعنى: ما أنا بقاصد قتلك، والذي وقع أن الرجل قتل صاحبه كما سيأتي في آخر القصة.
قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، لما قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ قد يتوهم أخوه أنه عاجز عن ذلك، فبيَّن أنه ليس بعاجز، ولكنه يخاف الله، و "إنْي" فيها قراءتان "إنيَ" بفتح الياء وسكونها. و ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم، والعالمون: كل من سوى الله فهو عالم، وإنما سموا بذلك؛ لأنهم عَلَمٌ على خالقهم، ففي المخلوقات كلها آية تدل على وحدانية الله وتمام ملكه وسلطانه، وغير ذلك مما تقتضيه الربوبية.
قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، "إني" فيها قراءتان "إني" بفتح الياء وسكونها، والإرادة: هي ميل النفس إلى ما يجلب منفعة أو يدفع مضرة.
وقوله: ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ أي: أن ترجع بإثمي وإثمك، أما كونه يرجع بإثمه فواضح، لكن كيف يرجع بإثم أخيه، نقول: إن عدم قتال أخيه له سلامة من الإثم، فكان أخاه الذي لم يقاتل وسلم
стр. 285
من الإثم كأنه حمل القاتل إثمه، وليس المعنى: أن القاتل يكون عليه إثمان: إثم للمقتول لو قتله وإثم لقتله إياه، بل الظاهر أن المعنى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي: أن سلامته من الإثم كأن الآخر تحمله عنه وجاء به.
قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَكُونَ﴾: معطوفة على ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنك قتلت نفسًا بغير حق، ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: كونك من أصحاب النار، ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ فكل ظالم فإنه يعذب؛ لأن الحق حق لآدمي، ثم إن كان ظلمه عظيمًا فإنه يكون من أصحاب النار ويخلد فيها، وإلا فلا.
قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾: أي: سهلت له، أن يقتل أخاه، مع أن أخاه وعظه هذه الموعظة، لكن - والعياذ بالله - لم تنفعه، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: ﴿نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾؛ لأن نفسه سهلت عليه القتل، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: فصار من الخاسرين، وإنما قلنا: أصبح، أي: صار؛ لأن الأصل في معنى الإصباح أن يكون في أول النهار، لكن قد يعبر بالإصباح على مجرد الصيرورة، مثلما تقول: فلان أصبح حزينًا على هذه المصيبة، وربما تكون قد أصابته في وسط النهار.
قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ أي: أرسله، والغراب: هو الطائر المعروف، ولا يقال: لماذا اختاره الله من بين سائر الطيور؛ لأن مثل هذه المسائل لا يمكن تعليلها ولا يمكن الإحاطة بها.
قوله: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ ذكر المفسرون أن غرابين اقتتلا