← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

معروف بالشدة، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز أبدًا، ثم إن له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والذي نرى أن الذي يتكلم في موسى ﵇ أنه أساء الأدب بلا شك، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب. * * * ° قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣١]. قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وأمره أن يتلو عليهم هذا النبا لأهميته، وإلا فمن المعلوم أن جميع القرآن قد أمر النبي ﷺ أن يبلغه، ويبينه لهم لفظًا ومعنى، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقوله: ﴿نَبَأَ﴾ أي: خبر، وقيل: إن النبأ إنما يكون في الأمر الهام، والخبر: يكون في الهام وغيره.

стр. 282

وقوله: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هذان ابنان لصلبه، وإلا فجميع البشر بنو آدم، أحدهما اسمه: هابيل، والثاني اسمه: قابيل. وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الثابت، واعلم أن الحق يوسف به الخبر ويوصف به الحكم، فإن كان الخبر فهو: الصدق، وإن كان الحكم فهو: العدل، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] فقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه ولا اختلاف. وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ (إذ) متعلقة بـ (نبأ)، أي: نبأهما، حين قربا قربانًا، وهي في محل نصب حال من النبأ، يعني: هذه الحال: هما قرَّبا قربانًا, ولم يبينه الله ، هل هو ذهب أو فضة أو طعام أو بهائم، ولو كان في بيانه مصلحة لبينه الله ، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نتكلف ما هذا القربان؟ وهذه قاعدة ينبغي أن تبني عليها جميع ما تسير عليه كتب التفسير، أن ما أبهمه الله فهو مبهم، ولا حاجة إلى أن نتكلف ما هو هذا الشيء الذي أبهمه الله؛ لأن الله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. ولو كان في بيان هذا المبهم فائدة لبينه الله . وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ المراد به: ما يتقرب به إلى الله ، قوله: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ والمتقبل هو الله، وأبهم للعلم به، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] فإن الخالق هو الله بلا شك وأبهم للعلم به، والذي تقبل منه هابيل، تقبل الله منه، ولكن كيف علمنا أن الله تقبل منه، إما أن يكون كما ذكر عمن سبق، أنهم إذا

стр. 283

غنموا الغنائم جمعوها فنزلت نار من السماء فأحرقتها، فإن كان فيها غلول فإن النار لا تنزل، وعلى هذا فيكون علامة القبول أن الله تعالى أنزل نارًا على هذا القربان فأحرقته، ويحتمل أنهما علما ذلك بأمارات أخرى، إما برؤيا أو بغير ذلك، المهم أنه لا بد أنهما قد علمًا أن هذا قُبِلَ وهذا لم يقبل. قوله: ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾، لماذا؟ لأن الآخر ليس عنده تقوى لله ، كما سيأتي في تعليل القبول، فهو ظالم لنفسه، إما بهذا القربان الذي قربه، يعني: أنه غصبه أو سرقه أو تملكه بغير طريق شرعي، وإما بمعاصٍ كثيرة تمنع من قبول العمل الصالح. قوله: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ القائل: هو الذي لم يتقبل منه، قال ذلك حسدًا لأخيه، ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾؛ لأن الله تقبل منك ولم يتقبل مني، فقال له: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني: أن الله لا يتقبل إلا من المتقين؛ ولهذا قال بعض السلف: لو أعلم أن الله تقبل مني عملًا صالحًا واحدًا لفخرت بذلك وفرحت به؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وجملة ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جملة حصرية، طريق الحصر فيها "إنما" يعني: لا يتقبل الله إلا من المتقين، والمتقي: هو الذي قام بطاعة الله فاعلًا للمأمور تاركًا للمحظور. قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وإنما قال ذلك لا افتخارًا بتقواه ولا إعجابًا بنفسه، ولكن حثًّا لأخيه على أن يكون من المتقين، وبيانًا بأن الله إنما يتقبل لحكمة ويمنع لحكمة.

стр. 284

قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ "بسطتها" أي: مددتها مدًا تصل به إليّ لتقتلني و "اللام": للتعليل؛ أي: لأجل أن تقتلني، ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، يعني: أن هذا رجل قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ فأنا لن أبسط إليك يدي لأقتلك، والمعنى: إنني لا أقتلك، وهو صريح في هذا, ولكن هل هذا يتضمن أنني لا أدافع عن نفسي؟ فيه احتمال أن المراد: ما أنا بمدافع عن نفسي بل سأستسلم، أو أن المعنى: ما أنا بقاصد قتلك، والذي وقع أن الرجل قتل صاحبه كما سيأتي في آخر القصة. قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، لما قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ قد يتوهم أخوه أنه عاجز عن ذلك، فبيَّن أنه ليس بعاجز، ولكنه يخاف الله، و "إنْي" فيها قراءتان "إنيَ" بفتح الياء وسكونها. و ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم، والعالمون: كل من سوى الله فهو عالم، وإنما سموا بذلك؛ لأنهم عَلَمٌ على خالقهم، ففي المخلوقات كلها آية تدل على وحدانية الله وتمام ملكه وسلطانه، وغير ذلك مما تقتضيه الربوبية. قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، "إني" فيها قراءتان "إني" بفتح الياء وسكونها، والإرادة: هي ميل النفس إلى ما يجلب منفعة أو يدفع مضرة. وقوله: ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ أي: أن ترجع بإثمي وإثمك، أما كونه يرجع بإثمه فواضح، لكن كيف يرجع بإثم أخيه، نقول: إن عدم قتال أخيه له سلامة من الإثم، فكان أخاه الذي لم يقاتل وسلم

стр. 285

من الإثم كأنه حمل القاتل إثمه، وليس المعنى: أن القاتل يكون عليه إثمان: إثم للمقتول لو قتله وإثم لقتله إياه، بل الظاهر أن المعنى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي: أن سلامته من الإثم كأن الآخر تحمله عنه وجاء به. قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَكُونَ﴾: معطوفة على ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنك قتلت نفسًا بغير حق، ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: كونك من أصحاب النار، ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ فكل ظالم فإنه يعذب؛ لأن الحق حق لآدمي، ثم إن كان ظلمه عظيمًا فإنه يكون من أصحاب النار ويخلد فيها، وإلا فلا. قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾: أي: سهلت له، أن يقتل أخاه، مع أن أخاه وعظه هذه الموعظة، لكن - والعياذ بالله - لم تنفعه، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: ﴿نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾؛ لأن نفسه سهلت عليه القتل، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: فصار من الخاسرين، وإنما قلنا: أصبح، أي: صار؛ لأن الأصل في معنى الإصباح أن يكون في أول النهار، لكن قد يعبر بالإصباح على مجرد الصيرورة، مثلما تقول: فلان أصبح حزينًا على هذه المصيبة، وربما تكون قد أصابته في وسط النهار. قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ أي: أرسله، والغراب: هو الطائر المعروف، ولا يقال: لماذا اختاره الله من بين سائر الطيور؛ لأن مثل هذه المسائل لا يمكن تعليلها ولا يمكن الإحاطة بها. قوله: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ ذكر المفسرون أن غرابين اقتتلا

стр. 286

فقتل أحدهما الآخر، فبحث القاتل في الأرض ثم دفن الغراب، ولكن ظاهر الآية خلاف ذلك؛ لأن الله يقول: بعث الله غرابًا، ولم يقل: غرابين، والظاهر أن هذا القاتل لقوة ما وقع في نفسه، كأنه ذهل عن هذا الأمر، فبعث الله هذا الغراب يبحث في الأرض، أي: يحرثها حتى يري هذا القاتل ماذا يصنع بأخيه؟ قوله: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ﴿لِيُرِيَهُ﴾ أي: ليجعله يرى بعينه ﴿كَيْفَ يُوَارِي﴾ كيف يغطي، ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ أي: عورته؛ لأن الميت كله عورة، ولهذا أمر النبي ﷺ أن يكفن الميت كله لا يخرج منه شيء، إلا من كان محرمًا من الرجال فإنه يجب أن يكشف رأسه، لقوله ﵊: "ولا تخمروا رأسه" (١)، قال الرجل: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ "الويل": هو الثبور والتعب والإعياء، ويقال في كل حال يقع فيها الندم، وأصل ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ يا ويلتي، لكن قلبت الياء ألفًا من أجل المد ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ تمد عند الصياح، وهنا نادى الويل؛ كأنه يقول: يا ويلتا احضري فإني نادم. وقوله: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: كيف أعجز أن أكون مثل هذا الغراب؛ لأن بني آدم أكرم من الحيوانات، فصرَّح بأنه عجز أن يساوي أو يماثل الغراب، ﴿فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. وقوله: ﴿فَأُوَارِيَ﴾ منصوبة هنا لأنها جواب الاستفهام، في قوله: ﴿أَعَجَزْتُ﴾.

стр. 287

فوائد الآيات الكريمات [٢٧ - ٣١]: الفائدة الأولى: أهمية هذه القصة، وجه ذلك أن الله أمر نبيه ﷺ أن يتلوها على الأمة أمرًا خاصًّا، لقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾. الفائدة الثانية: أنه ينبغي لنا أن نعرف أخبار من سبق، لا سيما فيما فيه مصلحة؛ لأن الله إنما أمر بأن يتلوها علينا رسول الله ﷺ من أجل أن نعلم بها ونأخذ منها العبر، وكلما كان الشيء أشد، كان الاهتمام به أقوى، فمثلًا ينبغي لنا بل يتأكد أو يجب علينا أن نعرف سيرة النبي ﷺ منذ ولد إلى أن توفي، ولا سيما سيرته بعد أن أكرمه الله تعالى بالرسالة، حتى نعرف أحواله وأخلاقه وعباداته ودعوته وأعماله حتى يتم لنا التأسي به، ولا شك أن معرفة سيرة النبي ﷺ مما تزيد الإنسان إيمانًا ومحبة له، وتقوي التأسي به ﵊. الفائدة الثالثة: أن كل ما أخبر الله به فهو حق، لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ ولا يقال إن هذا قيد، وإنه قد يكون ما يتلوه النبي ﵊ غير حق، بل هذا بيان للواقع، فإن جميع ما أخبر الله به فهو حق. الفائدة الرابعة: أنه قد يشترك الرجلان في عمل، ويكون بينهما من الفرق كما بين السماء والأرض. إما في رد عمل الثاني، وإما في زيادة ثواب الأول، وإن لم يحرم الثاني من الثواب، وفي هذه القصة أن الثاني حرم من الثواب، فقد يعمل الرجلان عملًا واحدًا فيما يظهر، ولكن يكون بينهما في الثواب والقبول والرد كما بين السماء والأرض.

стр. 288

الفائدة الخامسة: أن الله له الحكم في القبول والرد، يتقبل أو لا يتقبل، ولكن من المعلوم أن الله جعل للقبول ميزانًا وجعل للرد ميزانًا، فمتى كانت العبادة خالصة لله موافقة لشريعته فهي مقبولة، متى عَمِلْتَ على الوجه الشرعي فإن عبادتك مقبولة، كما قال الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] , فمن وفق للدعاء فليبشر بالإجابة، ومن وفق للعمل فليبشر بالثواب، ولولا هذا الرَّجاء من الإنسان لله ما نشط على العمل ولا قام به. الفائدة السادسة: أن التقوى هي سبب قبول الأعمال، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وهل المراد هو تقبل الأعمال فقط أو تقبل الأعمال والدعاء؟ الظاهر العموم، ولهذا من كان أتقى لله كان أقرب لإجابة دعائه وقبول عمله. الفائدة السابعة: أن غير المتقي لا يقبل منه، فهل المراد أنه لا يقبل منه في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة أو العموم؟ نقول: أما في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة فلا شك أنه لا يقبل، فإن الله لا يقبل عملًا مبنيًّا على معصية؛ لأن الله لا يرضى ذلك، فلا يقبله، فلو تصدق الإنسان بمغصوب، أي: غصب شيئًا وتصدق به، فإنه لا يقبل منه؛ لأن المعصية وقعت في نفس العمل الذي عمله الإنسان لربه ، ولو صلى الإنسان صلاة لا تجوز في وقت النهي، فصلاها في وقت النهي، فإنها لا تقبل؛ لأن صلاته إياها في هذا الوقت معصية، فكيف يتقرب إلى الله بمعصيته؟ أما إذا كانت التقوى مختلة في غير هذا العمل، فقد يحرم الإنسان الإجابة بسبب عمله السيئ وقد يجاب ويتقبل

стр. 289

منه العمل الصالح، ثم تكون الموازنة في الآخرة، أيهما يرجح الحسنات أم السيئات. الفائدة الثامنة: أن الله موصوف بصفات الأفعال، لقوله: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ ولقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، أن الله تعالى موصوف بصفات الأفعال، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم القيامة، والكلام، وغير ذلك. لكن اعلم أن أصل صفة الفعل صفة أزلية، والذي يحدث هو المفعولات والفعل المقارن للمفعول، وأما أصل الفعل فهو صفة أزلية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالًا لكن مفعولاته غير معلومة لنا، يعني هناك أشياء قبل السموات والأرض نعلم أن الله تعالى خلقها, لكن لا ندري ما هي، ولا نعلم إلا ما علمنا الله . الفائدة التاسعة: الترغيب في التقوى، لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. الفائدة العاشرة: أنه لا حرج على الإنسان أن يخبر بوصف محمود إذا لم يقصد الفخر وإنما قصد مصلحة الغير، لقول هذا الذي تقبل منه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ لأن هذه الجملة تصلح لأن يكون القائل مفتخرًا بنفسه، وتصلح أن يكون القائل يريد أن يحث هذا على التقوى، وأيهما أقرب احتمالًا بالنسبة لهذا؟ الثاني أقرب؛ لأن الرجل من المتقين. الفائدة الحادية عشرة: أن هذا الرجل الذي هدد بالقتل

стр. 290

امتنع عن قتل صاحبه، فهل يؤخذ منه أنه ينبغي لمن أراد إنسان أن يقتله أن يستسلم؟ يحتمل هذا وهذا، فيحتمل أنه قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ وأما المدافعة فسأدافع، ولكن مدافعة لا تصل إلى القتل، وعلى كل حال سواء كان هذا الاحتمال هو المراد أو الأول، فإن شريعتنا وردت بخلاف ذلك، فإن النبي ﷺ أمر من أراده أحد على نفسه أن يقاتله، ومن أراده على ماله أن يقاتله، ومن أراده على أهله أن يقاتله (١)، وبيَّن أن المدافع إذا قتل فهو شهيد، وأن الآخر الصائل إذا قتل فهو في النار؛ لأنه أراد قتل صاحبه (٢). ولكن العلماء ﵏ قالوا: إن هذا بالنسبة للشريعة الإِسلامية يختلف باختلاف المصلحة، ففي حال الفتنة ينبغي الاستسلام، وفي حال الأمن تجب المدافعة، وهذا هو الصحيح؛ لأنه في حال الفتنة ربما يترتب على القتل بالمدافعة، إراقة دماء كثيرة، ولهذا استسلم عثمان ﵁ للقتلة، وطلب منه الصحابة أن يدافعوا عنه فأبى؛ لأنهم لو دافعوا لاشتبكوا بهؤلاء الخوارج ثم حصل إراقة دماء كثيرة، وهذا هو الأصح، أن يقال:

стр. 291

إن الإنسان يجب عليه أن يدافع بقدر ما يستطيع، ولو أدى إلى قتل صاحبه، إذا لم يندفع إلا بقتله، إلا في حال الفتنة التي يترتب عليها المدافعة بالقتل ما هو أكثر ضررًا، فهنا يجب الاستسلام درءًا للمفسدة. الفائدة الثانية عشرة: أن الإنسان ينبغي له إذا امتنع من شيء محرم، أن يبين لصاحبه أنه إنما امتنع لا عجزًا ولا خوفًا، ولكن للمعنى الذي من أجله امتنع، وذلك لقوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ونظير هذا أن النبي ﷺ قال في الصائم: "وإن امرئ قاتله أو شاتمه فليقل: اني صائم" (١)، ليبين أنه لم يقاتله عجزًا ولا ضعفًا ولكن لأجل الصيام الذي ينهى فيه الإنسان عن المقاتلة والمسابة. الفائدة الثالثة عشرة: أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن معصيته، لقوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ولا شك في هذا أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن المخالفة، كما أن الرَّجاء هو أقوى الأسباب الموجبة للطاعة والرغبة فيما عند الله. الفائدة الرابعة عشرة: إثبات عموم ربوبية الله ، لقوله: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. الفائدة الخامسة عشرة: إثبات الإرادة للعبد، وأن هذا معلوم منذ خلق البشر أن للعبد إرادة، فيكون في ذلك رد على الجبرية

стр. 292

الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وإنما يفعل الشيء قهرًا وجبرًا، لقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾. الفائدة السادسة عشرة: أن من أريد قتله ولم يدافع خوفًا من الإثم، فإنه لا حرج عليه، ولكن كيف يكون خوفًا من الإثم؛ لأنه ربما يقتل الصائل فيتعجل؛ لأن الواجب في دفع الصائل أن يدافع بالأسهل فالأسهل، فإن رجع عن صوله بالتهديد لم يضرب، وإن رجع بالضرب اليسير لم يضرب كثيرًا، وإن رجع بالضرب الكثير لم يقتل، وإن لم يندفع إلا بالقتل فالحكم أنه يقتل، إلا أن العلماء ﵏ استثنوا من ذلك مسألة وقالوا: ما لم يخف أن يبادره بالقتل، فإن خاف أن يبادره بالقتل فلا بأس أن يقتله لأول وهلة، كما لو كان هذا الصائل معه سلاح أشهره على صاحبه، وصاحبه يخاف أن يطلقه عليه فيقتله، فحينئذٍ لا حرج أن تبادره بالقتل؛ لأن هذا الصائل ربما لا يعطيك فرصة أن تدفعه بيدك مثلًا، أو تصيح به أو ما أشبه ذلك، وحينئذٍ لا بأس أن تبدره بالقتل. الفائدة السابعة عشرة: أن القتل سبب لدخول النار، لقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. وهل هو مخلد فيها أبدًا؟ نقول: اختلفت الأمة في ذلك؛ فمنهم من قال: إنه مخلدٌ فيها أبدًا وهم الخوارج والمعتزلة، لكن الفرق بينهم أن الخوارج كفروه، وأما المعتزلة فلم يكفروه، بل قالوا: في منزلة بين منزلتين، والذي عليه أهل السنة والجماعة أنه

стр. 293

يدخل النار ولكن لا يخلد فيها, ولكن هل يدخل النار قطعًا أو هو داخل في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] المشهور في مذهب أهل السنة: أنه داخل تحت المشيئة، ولكن يبقى حق المقتول، هل يدخل تحت المشيئة؟ الجواب: إن تاب القاتل توبة نصوحًا، فإنه يدخل في ذلك، بمعنى: أن الله لا يعاقبه على حق المقتول لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. فظاهر الآية أنه إذا تاب توبة نصوحًا فإن الله يتحمل عنه ولا يعذبه، وهذا في غير الحق المالي، يعني: نقول: لو تاب هذا القاتل، هل تسقط الدية عنه؟ الجواب: لا؛ لأنه حق للآدمي، ولهذا صرح الفقهاء ﵏: بأن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه قبلت توبته ورفع عنه الحد، لكن لا يسقط عنه ما كان حقًّا للآدمي في أمور الدنيا. وأما إذا مات غير تائب فحق المقتول لا بد أن يؤخذ منه، وحق الله داخل تحت المشيئة، فالقاتل غير مضمون له أن ينجو من النار بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر له، وهذا في الجزاء الأخروي. أما الدنيوي وهو الدية فلا بد من استيفائها لورثة المقتول سواء تاب أم لم يتب.

стр. 294

الفائدة الثامنة عشرة: أن الظلم من أسباب دخول النار، سواء كان الظلم في حق الله أو في حق المخلوق، لقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وهو من ظلم مثل هذا الظلم إلا أن يعفو الله عنه كما في غير الشرك. الفائدة التاسعة عشرة: الحذر من النفس الأمارة بالسوء؛ لأنها قد تطوع للإنسان أكبر المعاصي، فيجب على الإنسان أن يكون حازمًا بالنسبة لنفسه، ويقظًا فلا يتبعها فيما تطوعه له من معاصي الله. الفائدة العشرون: أن قتل النفس لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ والله تعالى وصفه بالأخوة بعد أن بيَّن أنه قتله، وإلا فقد يقول قائل: إنه قبل أن يقتله لا يترتب عليه إثم القاتل، وإن سهلته نفسه له، فتبقى الأخوة ولكن الله تعالى ذكر الأخوة بعد ما تم القتل، ويدل لهذا قول الله ﵎ قولًا صريحًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وقتال المؤمن لا يوجب الكفر ولا يخرج من الإيمان وتبقى الأخوة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠] , وبهذا

стр. 295

التقرير نعرف أن الكفر في الكتاب والسنة قد يراد به الكفر الأصغر، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (١). الفائدة الحادية والعشرون: أن القتال لم يخرج الطائفتين المقتتلتين من أخوة الإيمان, وهذا دليل على أن القاتل لا يكفر، وبه يعرف الرد على قول بعض الناس: إن كل كفر أطلقه الله فالأصل فيه الكفر المخرج عن الملة إلا بدليل، والحقيقة أن الأمر بالعكس، أن كل كفر أطلقه الله فهو كفر دون كفر إلا بدليل يدل على أنه كفر أكبر. الفائدة الثانية والعشرون: أن هذا الرجل الذي قتل أخاه وظن أنه ربح الميدان، بحيث لم يكن له منافس، صار من الخاسرين، قيستفاد منه: أن كل إنسان حسد أخاه وحاول أن يحول بينه وبين التوفيق، فإن الخسارة ستعود على هذا الحاسد. الفائدة الثالثة والعشرون: أن أفعال الحيوان غير الإنسان مخلوقة لله وبإرادته، لقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ فهل أفعال البشر مخلوقة لله وبإرادته؟ الجواب: نعم، أفعالنا مخلوقه لله وبإرادة الله . هذا ما عليه أهل السنة والجماعة خلافًا للقدرية المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ولكن مع ذلك نقول: إن فعل الإنسان يقع باختياره وإرادته، فللإنسان اختيار وإرادة خلافًا

стр. 296

للجبرية الذين قالوا: إن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار، فأهل السنة والجماعة وفقهم الله للأخذ بالنصوص من جميع الجوانب، والمعتزلة أخذوا بنصوص، والجبرية الجهمية أخذوا بنصوص، فصاروا ينظرون إلى النصوص نظر الأعور الذي ينظر بعين واحدة. أما أهل السنة - والحمد لله جعلنا الله منهم - فإنهم ينظرون إلى النصوص بالعينين جميعًا. الفائدة الرابعة والعشرون: أن الحيوانات قد تكون مرشدة للبشر كما في هذه القصة، الغراب أرشد ابن آدم إلى أن يحفر لأخيه ويدفنه، وصارت سنة البشر إلى يومنا هذا، إلا من ضل عن الصراط المستقيم كالذين يحرقون موتاهم ويضعونهم في اليم وما أشبه ذلك، وهل الميزة في شيء معين يقتضي التفضيل المطلق؟ الجواب: لا، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها، أنه إذا امتاز أحد بشيء فإن هذا لا يقتضي التمييز المطلق، ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﵊: "أنه يكون في آخر الزمان أيام الصبر، للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة" (١) فهل يقال: إن هؤلاء الذين يكونون في تلك الأيام أفضل من الصحابة على سبيل الإطلاق؟ الجواب: لا، لكن يتميزون بميزة، كذلك نجد أن الرسول

стр. 297

عليه الصلاة والسلام، أحيانًا يفضل بعض الصحابة على بعض في قضية معينة، فلا يلزم من ذلك التفضيل المطلق، كما في قوله: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" (١) فأعطاها عليَّ بن أبي طالب، وهذا لا يقتضي أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر، وأمثال هذا كثير، فيجب أن نعرف الفرق بين الفضل المطلق والفضل المعين، فهل نقول: إن الغربان أفضل من بني آدم؟ الجواب لا وإن كان للغربان فضل في كيفية مواراة الأموات؟ لكن هذا لا يقتضي التفضيل. لو قال قائل: ما الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق؟ الجواب: الفرق بينهما أن مطلق الشيء الجزء منه والشيء منه، فمطلق الشيء هو الذي يسمى شيئًا، والشيء المطلق: يعني الشيء الكامل، المطلق من غير قيد، فلا يقال: إنه قليل، ولا يقال: إنه ضعيف، فالشيء المطلق الكامل من الشيء، ومطلق الشيء هو الذي يصدق عليه أنه شيء وإن لم يكن كاملًا، لكن فرق بين أن تضيف الإطلاق إلى النوع أو إلى الجنس وأن تصف النوع بالإطلاق. الفائدة الخامسة والعشرون: أن الله سبحانه تعالى ييسر للإنسان إذا ضاقت به الأرض ما لم يطرأ له على بال، فإن هذا الرجل ضاقت عليه الأرض ماذا يصنع بأخيه الذي قتله؟ ففرج الله عنه ببعث هذا الغراب.

стр. 298

الفائدة السادسة والعشرون: أن الواجب في الدفن ما توارى به السوأة، أي: ما يغطى به الجسم، لكن العلماء ﵏ زادوا على ذلك شرطًا لا بد منه وهو أن يكون الدفن مواريًا للسوأة، ومانعًا للسباع وللرائحة، يعني: لا بد أن يمنع السباع أن لا تحفر القبر، وأن يمنع الرائحة أن لا تخرج من القبر، فلو أن إنسانًا حفر حفرة يسيرة ثم وارى عليها التراب، لكن يسهل على السباع أن تحفره وتخرج رائحته، فإن هذا لا يجزئ، ولا بد من تعميق القبر على وجه يمنع السباع والرائحة، وكلما كان أعمق في الأرض فهو أحسن. الفائدة السابعة والعشرون: أن بدن الميت كله عورة؛ لأن القبر يواري البدن كله، ولهذا قال العلماء ﵏: إن بدن الميت كله عورة، لكن هذا بالنسبة إلى وجوب تعميم الكفن لا بالنسبة للنظر، ولهذا قَبَّل أبو بكر ﵁ النبي ﷺ بعد موته، مع أنه لا حاجة لذلك، إنما هو شوق إليه، وأما المغسل فجاز له النظر إلى الميت للحاجة، ولذلك نقول: إن الأفضل ألا يمس سائره إلا بخرقة، لكن في العورة المغلظة لا بد أن تكون مستورة. الفائدة الثامنة والعشرون: أن قتل العمد لا يخرج من الإيمان، لقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ ولقوله في هذه الآية: ﴿كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ، وهذا هو الحق أن قتل العمد لا يخرج من الإيمان خلافًا لطائفتين مبتدعتين زائغتين، وهما: الخوارج والمعتزلة، فالمعتزلة قالوا: إن قاتل النفس عمدًا يخرج من الإيمان، لكن لا يدخل في الكفر، بل هو في منزلة بين منزلتين هذا حكمه في الدنيا، أما في الآخرة فإنه مخلد في النار.

стр. 299

أما الخوارج فقالوا: إنه يكفر؛ لأنه ليس هناك إلا كافر ومؤمن، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وإحداث منزلة بين المنزلتين هذه بدعة، والخوارج أشجع من المعتزلة؛ لأنهم صرحوا بما يقتضيه الدليل على زعمهم، فصرحوا بأنه كافر، وأما المعتزلة فلاذوا بهذه الحيلة وهي قولهم إنه لا يكفر ولكنه في منزلة بين المنزلتين، وكلا القولين خطأ. لكن لو قال قائل: الخوارج يكفرون من ارتكب كبيرة، فماذا يقولون في الحدود الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة، كقطع اليد والجَلْدِ؟ الجواب: مقتضى قاعدتهم أنهم كفار سواء جلدوا أم لا، حتى لو أقيم عليه الحد، لكن على كل حال: مذهبهم في هذا لا نستطيع معرفته إلا إذا قرأنا كتبهم، لكن على العموم كل كبيرة عندهم تخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر. الفائدة التاسعة والعشرون والثلاثون: إظهار الندم الشديد من هذا الذي قتل أخاه، لقوله: ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ وأصلها يا ويلي، ويا ويلتي، وهي كلمة تحسر وتحزن، وينبني على هذه الفائدة: أن فاعل المعصية إذا لم يتب فإنه يجازى بالخسران والندم وضيق النفس. الفائدة الحادية والثلاثون: إقرار هذا الإنسان القاتل بما اقتضته الحال، مع ما في ذلك من لومه والقدح فيه، لقوله: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾.

стр. 300

الفائدة الثانية والثلاثون: أن هذا القاتل أصبح من النادمين على قتل أخيه، وعلى عجزه عن مواراة سوأة أخيه، فجمع الندم للأمرين جميعًا. * * * ° قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ [المائدة: ٣٢]. قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿مِنْ﴾ هنا: للتعليل، ﴿أَجْلِ﴾: بمعنى: سبب، أي: من سبب ذلك، والمشار إليه في قوله ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما جرى من قصة ابني آدم، وذلك أن ابن آدم الذي قتل كان هو أول من سن القتل في البشرية، وكان عليه في كل نفس تقتل بغير حق كفل من الوزر، فيكون قتله لهذه النفس كأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن وزر نفس مقتولة بغير حق يكون عليه مثلها. قوله: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: كتابة شرعية على بني إسرائيل، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق. وقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ هذا القيد قيد لابد منه؛ لأن القتل قد يكون بحق وقد يكون بغير حق. فالقتل قد يكون قتل نفس بنفس، وذلك في القصاص، فإن القصاص قتل بحق، والقصاص ليس على إطلاقه بمعنى: أننا نقتل نفسًا بنفس، بل لا بد من شروط، لثبوت القصاص منها: أن لا يكون القاتل

стр. 301

أعلى من المقتول في هذه الأمور الثلاثة: الدين والحرية وإن شئت قل الرق والملك، فإن كان أعلى منه فإنه لا يقتص منه، مثاله: كافر قتله مسلم، هذا لا يمكن أن يقتل؛ لأن القاتل أعلى من المقتول، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه: "لا يقتل مسلم بكافر" (١). مثال الحرية والرق: أن يقتل شخص حُرٌّ رقيقَ رجل آخر، هذا أيضًا لا يقتل؛ لأن هذا حر وهذا عبد، فالقاتل أعلى فلا يقتل به. مثال المُلْك: أن يكون للمكاتب عبد مملوك، كما لو اشترى عبدًا مملوكًا يتجر به، ثم قتله، فهنا كلاهما عبد؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فهل يقتل هذا المكاتب بهذا الرقيق؟ الجواب: لا؛ لأنه مالكه، كلاهما عبد ولكن المكاتب مالكه، وبقية الشروط نذكرها في الفوائد. قوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ﴾ أطلق الله ﵎ الفساد، والمراد بالفساد: الفساد الذي تعم مفسدته لا الفساد الخاص، فلو أن شخصًا أحرق دكان آخر، فهذا فساد لكنه لا يقتل بذلك، بل لا بد أن يكون مراده الفساد العام، مثاله: قطاع الطريق الذين يعرضون للناس على الطرق، فيغصبونهم المال مجاهرة بقوة السلاح، هؤلاء لا شك أنهم مفسدون في الأرض، ومن ذلك عند كثير من العلماء: شارب الخمر إذا جُلِدَ ثم جلد ثم

стр. 302

جلد ولم ينته فإنه يقتل (١)، ومن ذلك اللصوص الصائلون، المهم أن الفساد العام هذا يقتل صاحبه لأنه أفسد في الأرض. قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ كأنما قتل الناس جميعًا وهو لم يقتل إلا واحدًا، و"كأن" هنا للتشبيه، فما وجه الشبه؟ قيل: إن هذا في المستحل لقتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض، والمستحل لقتل نفس محرمة كأنما قتل جميع الناس؛ لأن المراد: الجنس، كما قلنا في الذي يكذب رسولًا هو مكذب لجميع الرسل، فهذا الذي قتل فلانًا لاستحلاله قتله وهو معصوم يكون كالذي قتل الناس جميعًا؛ إذ إنه استحل قتل جنس النفس المعصومة، فيكون كقاتل الناس جميعًا. وقيل إن المعنى: من قتل نفسًا ممن يكون في قتله فتنة، كقتل السلطان وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا قتل السلطان صارت الفتنة، وصار الناس يقتل بعضهم بعضًا، فيكون بقتله هذه النفس كأنما قتل الناس جميعًا. وقيل المعنى: كأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه إذا قتل نفسًا قتل بها، ولو قتل عشرة قتل بهم، ولو قتل الناس جميعًا قتل بهم، بمعنى: أنه لن يخرج عن القتل ولو قتل الناس جميعًا أو قتل بعضهم. فيكون المعنى: أن عقوبة القاتل بالقصاص لا فرق فيها، بين أن يقتل واحدًا أو يقتل جميع الناس.

стр. 303

وقيل: إن معنى قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ هذا في عقوبة الآخرة، لأن من يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، ولا أعظم من هذا الجزاء لو قتل نفسين، فكذلك لو قتل الناس جميعًا، فكذلك هذا أعظم جزاء، أنه في جهنم خالدًا فيها ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، لكن المعنى الأول أظهر المعاني، أن من قتل نفسًا عمدًا بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فإنما يقتلها مستحلًا للقتل، ثم إذا استحل القتل بنفس واحدة محترمة فكأنما استحله في جميع الناس. قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: أنقذها من الموت أو القتل، وليس المعنى: أنه نفخ فيها الروح؛ لأن ذلك لا يكون إلا لله ، وهذا يشمل أشياء: أولًا: لو هم الإنسان بقتل شخص فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ، ثم استيقظ ورأى أن ذلك حرام، ثم كف عن هذا القتل، يكون قد أحيا هذه النفس، فبعد أن طوعت له نفسه قتله تراجع. ثانيًا: الدفع: دفع الصائل الذي يريد أن يقتل شخصًا، فيدفعه، ويكون بهذا أحيا نفسًا، أي: أنقذها من القتل. ثالثًا: -يعني من المعاني- أن يقع شخص في هلكة كحريق أو غرق أو هدم، فيأتي شخص آخر فينقذه، فهذا أحيا نفسًا، فيكون كالذي أحيا الناس جميعًا في الثواب الذي يثاب عليه أو في حسن نيته بإنقاذ هذه النفس المعصومة، فيكون كأنه أنقذ الناس جميعًا؛ لأن طويته حسنة ونيته نية الرحمة، فإذا رحم واحدًا من الخلق فكأنما رحم الناس جميعًا.

стр. 304

وقوله: ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لماذا خص بني إسرائيل؟ خص بني إسرائيل لأنهم أكثر الناس قتلًا للأنبياء، وللذين يأمرون بالقسط من الناس، فخصهم بذلك، لكثرة العدوان فيهم. فإذا قال قائل: وهل أيضًا كثرة الإحياء موجودة فيهم؟ قلنا: لا، لكن قد يذكر الشيء مع مقابله لتمام التقسيم. قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ﴾ الجملة في مثل هذا التركيب مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المدلول عليه باللام، و"اللام"، و"قد"، وهذه الصيغة لها أمثلة كثيرة في القرآن. قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ﴿رُسُلُنَا﴾: الذين أرسلهم الله ، فأضاف الرسل إليه؛ لأنه هو الذي أرسلهم، وربما نقول: وتشريفًا لهم؛ لأن الرسول يَشْرُفُ بشرف مرسله، فالله شرفهم بإضافة رسالتهم إليه جلَّ وعلا، وقد تأتي الرسالة مضافة إلى المرسل إليهم، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [المائدة: ٣٢]، ولا تناقض بينهما، فهم رسل الله لأنه هو الذي أرسلهم، ورسل إلى الخلق لأنهم بلغوهم رسالات الله . وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هذه صفة لموصوف محذوف، التقدير: بالآيات البينات، أي: الواضحات الظاهرات التي لا يأتي بها إلا رسول من عند الله، وقد جعل الله آيات الرسل مناسبة لعصرهم، كما ذكر أهل العلم، أن موسى ﵊ أتى بالعصا وباليد؛ لأن السحر انتشر في عهده، فأتى بآيات لا يمكن للسحرة أن يعارضوها، وعيسى ﵊ أتى في زمن ترقى فيه الطب، فأتى بآيات لا يمكن للطب أن يعارضها، وهي: إحياء الموتى، وإخراجهم من القبور، وإبراء

стр. 305

الأكمه والأبرص، ومحمد ﷺ بعث في قوم قويت فيهم البلاغة وانتشرت، وصاروا يتفاخرون، فجعل الله أعظم آياته ﵊ القرآن الكريم الذي لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله بل ولا الجن قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. ثم بعد هذه البينات الواضحات التي أتت على مهل ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ أي: بعد إتيان الرسل بالآيات البينات الواضحات، يكون كثير منهم مسرفين في الأرض. وإعراب ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾: خبر "إن" و"اللام" لم تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها؛ لأن ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿مسرفون﴾، والمعروف أن لام الابتداء لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، لكن قالوا: إن "اللام" هنا مزحلقة، والأصل أن تقع قبل "إنَّ"، لكن كره العرب أن يجتمع مؤكدان في محل واحد -كما يقول النحويون- فزحلقوا اللام حتى وضعوها في الخبر، ولذلك صح أن نقول: إن قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ "مسرفون"، والإسراف: هو تجاوز الحد بتعدي حدود الله وانتهاك حرماته وعدم المبالاة بتكذيب الرسل وقتلهم. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: إثبات العلة للأحكام الشرعية، لقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ وهذه من أقوى صيغ التعليل، وإثبات العلة والحكمة لا شك أنها من كمال الله ، فالله تعالى لا يشرع شيئًا إلا لحكمة،

стр. 306

ولا يقدر شيئًا إلا لحكمة، وأما من قال: إنه لا يجوز إثبات الحكمة لله وأن الله يفعل لمجرد المشيئة، ويشرع لمجرد المشيئة، فإن هذا قول باطل من نحو ألف وجه كما ذكره بعض العلماء، ثم إنه تنقصٌ لله أن تكون أفعاله وأحكامه الشرعية مبنية على غير حكمة. وقد أبطل الله تعالى ذلك في آيات متعددة: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. وذكر الله تعالى أنه ينزل من السماء ماءً ليحيي به الأرض بعد موتها، والآيات في هذا كثيرة، والنصوص كثيرة، وإثبات الحكمة لله هو غاية التنزيه عن النقص والعيب، خلافًا لمن قال: إنه لا يجوز إثبات الحكمة والعلة في أفعال الله تعالى وشرعه، قالوا: لأنك لو أثبت العلة لله لجعلت الله تعالى يفعل لغرض، والغرض ممنوع، ولهذا من عباراتهم السائرة الباطلة: سبحان من تنزه عن الأعراض والأبعاض والأغراض، هذه العبارة لو سمعها العامي لبكى؛ لأنها مزوقة ومزخرفة ويعنون بالأبعاض: الوجه واليد والعين والقدم والساق، قالوا: لا يمكن أن يكون لله هذه الصفات؛ لأن هذه أبعاض. والأعراض: الأفعال؛ لأن الفعل عرض كالاستواء على العرش والنزول إلى السماء الدنيا وما أشبه ذلك. والأغراض: الحِكم، نحن نقول: سبحان من اتصف بما يليق به، ومن أعظم ما يليق به: الحكمة، أن تكون أفعاله وأحكامه الشرعية مبنية على الحكمة. إذًا نقول: الحكمة ليس فيها نقص.

стр. 307

فإذا قال قائل: إذا جعلتم الحكمة من صفات الكمال، فأوجبوا على الله ما تقتضيه الحكمة، واجعلوا الله تعالى يجب عليه أن يشرع هذا الشيء، وأن يوجب هذا الشيء، وأن يحرم هذا الشيء؛ لأن الحكمة تقتضيه، وحينئذٍ تكونون قد أوجبتم على الله تعالى أنتم بعقولكم؟ فنقول: هذا خطأ؛ لأننا نعلم أن ما شرعه الله فهو لحكمة، ولسنا نحن الذين نوجب على الله أن يفعل، ولسنا نحن الذين نجعل هذا الشيء لهذه الحكمة المعينة، وإذا كان الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة وأوجب على نفسه الرحمة، أفلا يوجب على نفسه أن يفعل الشيء إذا اقتضته الحكمة؛ لأنه مقتضى هذا الوصف، فنحن نقول: لا نوجب على الله بعقولنا شيئًا؛ لأن عقولنا أقصر وأنقص من أن تدرك أن هذه هي الحكمة وأنه يجب الحكم لهذه الحكمة، لكن إذا علمنا أن الله أوجبها أو حرمها علمنا أن ذلك لحكمة. فإذا قال قائل: هل توجبون على الله أن يوجب إذا اقتضته الحكمة؟ الجواب: نعم، لكن بإيجابه على نفسه، والله جلَّ وعلا وصف نفسه بأنه الحكيم وأنه أحكم الحاكمين، أما نحن فلا نوجب ذلك بعقولنا. الفائدة الثانية: تعظيم الله نفسه جلَّ وعلا، في قوله: ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وأمثلة هذا كثيرة في القرآن، وقد استدل النصارى بهذا أي: إضافة الشيء إلى الله تعالى بنون التعظيم، أو بضمير الجمع استدلوا على باطلهم بأن الله ثالث ثلاثة، ولا غرابة في ذلك؛ لأن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون

стр. 308

المتشابه، أما نحن فنقول: إن الله تعالى قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] ويقول الله ﵎ لعيسى ابن مريم: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦، ١١٧]. الفائدة الثالثة: أن الله ضاعف العقوبة على كل من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض، حيث جعله كالذي قتل الناس جميعًا. الفائدة الرابعة: جواز تخصيص معين في الحكم وإن كان عامًا لكونه أكثر الناس عملًا به، وجهه أن الله خص هذه الكتابة على بني إسرائيل مع أنها عامة؛ لأنهم هم أكثر من انتهكوا حرمات الله بقتل النفوس. الفائدة الخامسة: قتل النفس بالنفس. لقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ لكن لا بد من شروط القصاص، فمنها: أن لا يكون القاتل أعلى من المقتول: في الدين، والحرية، والملك، وقد سبق شرحه، فهل يقتل اليهودي بالنصراني؟ نعم؛ لأن الكفر ملة واحدة وبالمجوسي أيضًا، ومنها: -أي من شروط القصاص- انتفاء الولادة؛ بأن لا يكون القاتل والدًا للمقتول، فإن كان والدًا له فإنه لا يقتل به وذلك لوجهين: الأول: ما جاء في الحديث: "لا يقتل والد بولده" (١). والثاني: أن الوالد هو الأصل في وجود الولد، إذ الوالد لولاه لم يوجد الولد، فلا ينبغي أن يكون الفرع سببًا

стр. 309

لإعدام الأصل، وهل يقتل الولد بأبيه؟ نعم يقتل، وذهب بعض العلماء: إلى أن الوالد يقتل بولده إذا كان قتله عمدًا عدوانًا واضحًا، وهذا هو القول الراجح، بل هو المتعين لعموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وكذلك ما جاء في السنة: "النَّفْسَ بِالنَّفْسِ" (١) وما ذكر من الأدلة في منع قتل الوالد بالولد فهي ضعيفة. أولًا: الحديث ضعيف: "لا يقتل والد بولده" (٢). الثاني: على تقدير صحته، يحمل على ما إذا كان هناك شبهة، وذلك لأنه يندر جدًّا أن يتعمد الوالد قتل ولده، وعلى هذا لما كان الخطأ محل ظن بالنسبة لقتل الوالد بولده، ارتفع حكم القصاص، نقول ذلك إن صح الحديث، أما إذا لم يصح فقد كفيناه، وأما التعليل بأن الوالد هو سبب وجود الولد، فيقال: هو سبب وجود الولد، لكن ما السبب بقتل الوالد بولده؟ الوالد هو السبب في قتل نفسه، ثم: نزيد هذا القول قوة إذا قلنا: أن قتل الوالد لولده من أعظم قطيعة الرحم. والرسول ﷺ أخبر "بأن من أعظم الذنوب أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" (٣)، فهذا من أعظم الذنوب، فكيف نجازي

стр. 310

هذا الوالد بأن نرفع عنه القتل؟ فالصواب بلا شك، أن الوالد يقتل بولده، سواء كان الوالد هو الأم أم الأب لكن إذا تحققنا العمد. الشرط الثالث: أن نعلم أنه عمد، فإن كان شبه عمد بأن ضربه بآلة لا تقتل غالبًا، فإننا لا نقتله حتى لو مات بها، فلو ضربه بعصا أو سوط ثم هلك، لا يقتل به؛ لأن الأصل العصمة، وكون هذا الذي ضرب بالعصا يموت، إنما ذلك لخلل في نفسه، وعدم تحمل، والعصا لا يقتل مثله غالبًا فلهذا لا يمكن أن يقتل به. أما ما سبق في قولنا: الحرية والملك، فاعلموا أن هناك خلافًا في قتل الحر بالعبد، والصواب قتل الحر بالعبد؛ لعموم الأدلة الدالة على أن النفس بالنفس، والحديث الوارد: "لا يقتل حر بعبد" (١) ضعيف، وقد جاء في حديث الحسن عن سمرة أن النبي ﷺ قال: "من قتل عبده قتلناه" (٢)، فإذا كان الإنسان يقتل بعبده وهو ملكه فقتله بعبد غيره من باب أولى، فالصواب: أنه

стр. 311

يقتل الحر بالعبد، والمالك بالمملوك، لكن بشرط أن يكون القتل عمدًا وعدوانًا واضحًا. الفائدة السادسة: أن الفساد في الأرض مبيح لقتل النفس، لقوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾، ومن ذلك: قطع الطريق. يعني: هؤلاء الذين يعرضون للناس بالسلاح في الطرقات، فيغصبونهم المال، وربما يقتلونهم، هؤلاء مفسدون في الأرض، وكذلك من المفسدين في الأرض في وقتنا الحاضر: هؤلاء الذين يأتون بالمخدرات ويجلبونها إلى البلاد الإسلامية، هم مفسدون في الأرض لا شك، فإن قالوا: نحن لم نجبر الناس على أن يشتروا، قلنا: لكن وضعتم الأمر أمامهم، فأنتم مروجون وجالبون ولن يندفع شَرُّكُم إلا بالقتل، فكل إنسان لا يندفع شره إلا بالقتل من هؤلاء المفسدين فإنه يقتل. الفائدة السابعة: أن الفساد في الأرض مبيح لقتل النفس، ولكنه مقيد بالأدلة الأخرى الدالة على أنه ليس كل فساد يبيح قتل النفس، بل منه ما يحيى القتل ومنه ما يبيح دونه، فتحمل هذه الآية على النصوص الدالة على التخصيص. الفائدة الثامنة: أن إنقاذ المعصوم كإنقاذ جميع المعصومين اعتبارًا بالجنس، فمن أنقذ معصومًا من هلكة فكأنما أنقذ الناس جميعًا باعتبار الجنس، كما أن من كذب رسولًا فكأنما كذب جميع الرسل. الفائدة التاسعة: أن ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وذلك باعتبار الجنس؛ لأن استحلاله لواحد استحلال للجنس، إذا لم يكن هناك سبب يبيح دمه.

стр. 312

الفائدة العاشرة: أن الله أقام الحجة على العباد وذلك بإرسال الرسل بالبينات. الفائدة الحادية عشرة: تشريف مقام الرسل وذلك بإضافتهم إلى الله، لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وكل شيء من الأعيان يضيفه الله إلى نفسه فإنه يفيد التشريف، ولهذا قال العلماء في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] وفي قول الرسول ﵊: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (١)، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وما أشبه ذلك، قالوا: إن هذه الإضافة تفيد التشريف وعلو المقام، ولا شك أن الرسل هم أفضل أجناس البشر. الفائدة الثانية عشرة: أن الرسل أيدوا بالآيات البينات التي تدل على صحة رسالتهم وذلك لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. الفائدة الثالثة عشرة: محبة الله للإعذار وإقامة الحجة حيث جعل مع كل رسول آية بينة يؤمن على مثلها البشر، حتى لا يقول الناس: من قال: إن هذا رسول؟ أين البينة على أن هذا رسول؟ فإذا جاء بالآيات البينات قامت الحجة. الفائدة الرابعة عشرة: أن من لم تبلغه الرسالة فهو معذور، لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وهذا لإقامة الحجة عليهم، والنصوص في هذا واضحة، قال الله تعالى:

стр. 313

﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. الفائدة الخامسة عشرة والسادسة عشرة: أنه لا بد أن يكون الرسول مبينًا لقومه ما أرسل به، لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فإنه يشمل الآيات الدالة على صدقهم، ويشمل الشرائع التي جاؤوا بها وأنها بينة واضحة، والأمر كذلك، فإن الله لم يخفِ على العباد ما يكلفهم به، فإن رحمته وحكمته تأبى ذلك، ولهذا قال الله لرسوله ﷺ : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩]، فالله تعالى قد بَيَّنَ للخلق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وينبني على هذه الفائدة، وهي فائدة البيان أهمية الترجمة، وأن على المسلمين أن يترجموا الشريعة إلى لغة من يخاطبونهم بها حتى تتم الحجة؛ لأنك لو أتيت إلى قوم عجم وتكلمت عندهم بأبلغ وأفصح الكلام العربي، ما استفادوا من هذا شيئًا، ولا يدرون ما تقول، وعليه فمن أراد أن يذهب إلى قوم يدعوهم إلى الله، لابد أن يتعلم لغتهم حتى يتمكن من دعوتهم، أو يصطحب شخصًا يترجم له يكون عالمًا باللغتين: الأصلية والفرعية، ويكون له إلمام بموضوع الترجمة، يعني موضوع ما يترجمه، يعني إذا كان يريد أن يترجم في الكلام على التوحيد لابد أن يكون عنده إلمام بذلك لئلا يفهم الأمر على خلافه. الفائدة السابعة عشرة والثامنة عشرة: أن بني إسرائيل مع الرسل المبينين لم يهتدوا بل كثير منهم بعد هذا البيان وبعد هؤلاء

стр. 314

الرسل مسرفون متجاوزون للحد، ومن أمثله ذلك أنهم كانوا يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، ويقدحون في الرسل، ويؤذون رسولهم الخاص الذي أرسل إليهم وهو موسى، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ويتفرع على هذه الفائدة: العلم بشراسة بني إسرائيل وأنهم أهل الغطرسة والاستكبار والتكذيب، وما زالوا إلى يومنا هذا على هذا الوصف. الفائدة التاسعة عشرة: أنه إذا دعت الحاجة إلى تأكيد الخبر فإن الفصاحة تدعو إلى تأكيد الخبر، والمقام يدعو إلى توكيد الخبر، وإن كان المخبر من أهل الصدق، حتى يطمئن المخاطب، فإن قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ أُكِّدَ بمؤكدين وهما: "إنَّ" والثاني: "اللام". ° قال الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣، ٣٤]. قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إنما: أداة حصر، والحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عمن سواه، وإذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه،

стр. 315

واعلم أن "إنما" لا يليها إلا المحصور كلما جاءت، فإذا قلت: إنما القائم زيد، حصرت القيام في (زيد)، وإذا قلت: إنما زيد شجاع، حصرت زيدًا في الشجاعة؛ لأنها أبرز أخلاقه. وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ "يحاربون": فعل يدل على المشاركة؛ لأن "فَاعَلَ" تدل دائمًا على المشاركة وقد لا تدل عليه. فقول القائل: سافر زيد، هذا ليس فيه سفر من الجانيبن، لكن قاتل، وضارب، وشاتم، وما أشبهها كلها تدل على المشاركة، فالغالب في هذا الفعل أنه دال على المشاركة، فمعنى ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾، أي: يتصدون لحرب الله ، وهل المعنى أنهم يحملون السلاح على الله؟ كلا، المعنى: أنهم يضادون الله في أمره، فيفعلون ما نهى الله عنه، ويتركون ما أمر به على وجه الاستكبار والعناد وهذه محاربة، ويحاربون الرسول قد نقول أيضًا: إنه يمكن أن يشمل الحرب بالسلاح والحرب بالرفض لما دعا إليه، لكن بالنسبة لله لا يشمل الحرب بالسلاح؛ لأن هذا غير واقع ولا يمكن أن يقع. قوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي: يفسدون في الأرض على وجه الإسراع، لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾ والسعي بمعنى: الإسراع، أي: أنهم يسرعون إلى الفساد في الأرض، وذلك لزعزعة الأمن والتسلط على الناس، وأخذ الأموال، وقتل النفوس، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية نزلت في المحاربين الذين هم قطاع الطريق. قطاع الطريق: قوم يعرضون للناس في الصحراء وعلى

стр. 316

الطرقات فإذا مر بهم أحد قتلوه وأخذوا ماله، أو أخذوا ماله وتركوه، أو أخافوه وروعوه، المهم أن جناياتهم تختلف لكنهم يعرضون للناس ويغصبونهم المال وربما يقتلونهم، وهذا يوجد كثيرًا في البلاد التي تزعزع أمنها. ومن ذلك أيضًا -أي: من الفساد في الأرض- السطو على البيوت الآمنة وقتل أهلها أو السرقة منها، أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه تحزبات واجتماعات وفرق تؤذي الناس، بخلاف السارق الواحد هذا له حكم خاص، لكن هؤلاء الذين يتحزبون، ويكونون فئات وجماعات مروعة تسطوا على الناس في البنيان أو في الصحراء. قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ "أن" وما دخلت عليه خبر ﴿جَزَاءُ﴾ أي: جزاؤهم هو التقتيل، وهنا قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ بالتشديد ولم يقل: "أن يقتلوا" كأنه والله أعلم يشير إلى شناعة قتلهم وإلى تعددهم أيضًا؛ لأنه إذا تعدد المحل أو تعدد الفعل صح أن تأتي الصيغة بما يدل على الكثرة، وهنا إذا قلنا: إن المراد بقوله: "أن يقتلوا" الجماعة الكثيرة، صار هذا لتعدد المحل، أن يقتل زيد وعمرو وبكر وخالد إلى آخره، وإذا قلنا: لشناعة القتل معناه أننا نقتلهم قتلًا شنيعًا ينزجر به غيرهم. قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ يعني: يصلبون، وهل المراد الصلب بعد القتل فيكون الجمع بين الأمرين؟ أو هو صلب فقط دون قتل؟ ظاهر الآيات الكريمة الثاني أن يصلب حتى يتضح بجنايته، ثم بعد ذلك ينظر ولي الأمر فيه بما يراه مناسبًا. لكن المعروف أن الصلب يكون بعد القتل، وقيل: يصلبون

стр. 317

قبل القتل، فالأقوال ثلاثة: الرأي الأول: يصلبون بعد القتل، والرأي الثاني: يصلبون قبل القتل، والرأي الثالث: أن الصلب عقوبة منفردة يعني ليست مركبة مع القتل، وهذا القول هو ظاهر الآية في قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فيكون الصلب غير القتل لكنهم أوردوا على هذا الرأي أنه كيف يبدأ بالأشد ثم الأخف، فيقال: هذا لا مانع منه، القتل أشد ثم الصلب بدون قتل، ثم تقطيع اليد والرجل، والذين قالوا: إنه يصلب قالوا: يترك حتى يموت، وبعضهم قال: بل يطعن بالحربة حتى يموت، ويكون الأول قتل بلا صلب. قوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، فسرها العلماء بأن تقطع اليد اليمنى والرِّجْل اليسرى، ويكون القطع في اليد من مفصل الكف من الذراع، ويكون القطع في الرِّجل من مفصل القدم من العقب؛ لأن الرِّجل لها قدم ولها عقب، والعقب الذي يسمى العرقوب، فالعرقوب لا يقطع إنما يقطع من مفصل القدم من العرقوب. قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هذا الرابع، أي: يطردوا منها ويبعدوا عنها، و"أل" في الأرض للعهد أي: الأرض التي سعوا فيها فسادًا، حتى يكون ذلك أبعد لهم من مواطن الفساد وأنكى لهم. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر من هذه العقوبة الصارمة ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: ذلًا وعارًا ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فيجمع لهم بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، وذلك لعظم جرمهم وشناعته وبشاعته وعدوانهم على عباد الله.

стр. 318

قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ مستثنى مما سبق، وقوله: ﴿تَابُوا﴾ أي: رجعوا إلى الله، وكفوا عن سعيهم في الأرض فسادًا وعن محاربة الله ورسوله، وهنا لا بد من أن تمضي مدة نعرف بها صحة توبتهم، بأن يضعوا السلاح ويكفوا عن الإيذاء وتظهر عليهم علامة التوبة والصدق. قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: تابوا من ذات أنفسهم فوضعوا السلاح، وكفوا عن قطع الطريق. قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فاغفروا لهم وارحموهم؛ لأن الله بمغفرته ورحمته يرفع عنهم العقوبة. من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: بيان عقوبة المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادًا، وقلنا: إن المفسرين قالوا: إنه يراد بذلك قطاع الطريق الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو في البنيان. الفائدة الثانية: شدة محاربة الله ورسوله، وأن الإنسان إذا حارب الله ورسوله فإنه يخشى عليه، وذلك لعظم العقوبة، فإن عظم العقوبة يدل على عظم الجريمة، ومن المحاربين لله ورسوله: أكلة الربا، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. الفائدة الثالثة: عظم محاربة الرسول ﵊ سواء كان بالسلاح الحسي أو بالسلاح المعنوي وهو رد دعوته والاستكبار عنها.

стр. 319

الفائدة الرابعة: أن الله تعالى يريد من عباده أن تطهر الأرض من الفساد، ولذلك عاقب الذين يسعون في الأرض فسادًا بهذه العقوبة العظيمة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، قال أهل العلم: الفساد في الأرض بعد إصلاحها يعني المعاصي، لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، ولكن كما قلنا في الآية التي قبلها: من الفساد في الأرض ما لا يؤدي إلى هذه العقوبة على حسب النصوص. الفائدة الخامسة: أن عقوبة هؤلاء متنوعة: الأول: القتل، والثاني: الصلب، والثالث: تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، والرابع: النفي من الأرض، و"أو" في هذه الآية هل هي للتنويع أو للتخيير؟ في هذا قولان للعلماء: منهم من قال: إنها للتخيير وأن للإمام أن يقتِّل أو يصلب، وله أن يعدل إلى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وله أن يعدل إلى النفي في الأرض، لكن يجب عليه أن ينظر ما هو الأصلح؛ لأن كل من خُيِّر لمصلحة غيره وجب عليه اتباع الأصلح، وكل من خير لمصلحة نفسه والتيسير على نفسه فله أن يختار الأيسر، فعندنا الآن تخيير مصلحة وتخيير تيسير، من خير لمصلحة الغير فتخيير مصلحة، فولي اليتيم إذا قيل له: لك أن تبيع ملكه أو تشترى له ملكًا أو ما أشبه ذلك، فهذا التخيير يعتبر تخيير مصلحة لا تشهي وتيسير. وقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] هذا تخيير تيسير وتشهي.

стр. 320

فمن العلماء من قال: إن "أو" هنا للتخيير وأن الإمام مخير بين هذه العقوبات الأربع، ولكن يجب عليه أن يفعل الأصلح، فإذا كان الأصلح أن يقتلوا أو يصلبوا؛ لأن ذلك أعظم هيبة في قلوب المجرمين وجب عليه أن يقتل أو يصلب، وإذا كان المجرمون يرتدعون بدون ذلك، فإنه لا يعدل إلى الأعلى في العقوبة؛ لأن هذا كدفع الصائل. ومنهم من قال: إن "أو" للتنويع وليست للتخيير، وأن هذه العقوبات تختلف بحسب الجرائم، ووزعوها كما يلي: قالوا: من قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، أي: إذا جمع بين الأمرين فينه يقتل ويصلب؛ لأنه فعل جريمتين فضوعفت عليه العقوبة، ومن قتل ولم يأخذ مالًا فإنه يقتل ولا يصلب، ومن أخذ مالًا ولم يقتل، انتقل به إلى العقوبة الثالثة حسب سياق الآية، وهي الثانية حسب ترتيب العلماء وهي: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ حتى وإن سرقوا -عند بعض العلماء- ما لا يبلغ النصاب، -أي: نصاب السرقة- مثل أن يكون مع الرجل أقل من نصاب السرقة وخرج عليه هؤلاء القطاع، ومعهم السلاح وقالوا: أعطنا ما معك، فأخذوه منه قهرًا، وهو لا يبلغ ربع دينار فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وقال بعض العلماء: إنها لا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، إلا إذا أخذوا ما يقطع بمثله السارق وهو ربع دينار. بقى علينا النفي من الأرض، والنفي من الأرض: أن الإمام ينفيه من بقعته التي هو فيها إلى أرض أخرى؛ لأنه إذا تغير عليه المكان والجو ربما يستقيم ويتوب، وقيل: معنى النفي من
следующие страницы →