الطرقات فإذا مر بهم أحد قتلوه وأخذوا ماله، أو أخذوا ماله وتركوه، أو أخافوه وروعوه، المهم أن جناياتهم تختلف لكنهم يعرضون للناس ويغصبونهم المال وربما يقتلونهم، وهذا يوجد كثيرًا في البلاد التي تزعزع أمنها.
ومن ذلك أيضًا -أي: من الفساد في الأرض- السطو على البيوت الآمنة وقتل أهلها أو السرقة منها، أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه تحزبات واجتماعات وفرق تؤذي الناس، بخلاف السارق الواحد هذا له حكم خاص، لكن هؤلاء الذين يتحزبون، ويكونون فئات وجماعات مروعة تسطوا على الناس في البنيان أو في الصحراء.
قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ "أن" وما دخلت عليه خبر ﴿جَزَاءُ﴾ أي: جزاؤهم هو التقتيل، وهنا قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ بالتشديد ولم يقل: "أن يقتلوا" كأنه والله أعلم يشير إلى شناعة قتلهم وإلى تعددهم أيضًا؛ لأنه إذا تعدد المحل أو تعدد الفعل صح أن تأتي الصيغة بما يدل على الكثرة، وهنا إذا قلنا: إن المراد بقوله: "أن يقتلوا" الجماعة الكثيرة، صار هذا لتعدد المحل، أن يقتل زيد وعمرو وبكر وخالد إلى آخره، وإذا قلنا: لشناعة القتل معناه أننا نقتلهم قتلًا شنيعًا ينزجر به غيرهم.
قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ يعني: يصلبون، وهل المراد الصلب بعد القتل فيكون الجمع بين الأمرين؟ أو هو صلب فقط دون قتل؟ ظاهر الآيات الكريمة الثاني أن يصلب حتى يتضح بجنايته، ثم بعد ذلك ينظر ولي الأمر فيه بما يراه مناسبًا.
لكن المعروف أن الصلب يكون بعد القتل، وقيل: يصلبون
стр. 317
قبل القتل، فالأقوال ثلاثة: الرأي الأول: يصلبون بعد القتل، والرأي الثاني: يصلبون قبل القتل، والرأي الثالث: أن الصلب عقوبة منفردة يعني ليست مركبة مع القتل، وهذا القول هو ظاهر الآية في قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ فيكون الصلب غير القتل لكنهم أوردوا على هذا الرأي أنه كيف يبدأ بالأشد ثم الأخف، فيقال: هذا لا مانع منه، القتل أشد ثم الصلب بدون قتل، ثم تقطيع اليد والرجل، والذين قالوا: إنه يصلب قالوا: يترك حتى يموت، وبعضهم قال: بل يطعن بالحربة حتى يموت، ويكون الأول قتل بلا صلب.
قوله: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، فسرها العلماء بأن تقطع اليد اليمنى والرِّجْل اليسرى، ويكون القطع في اليد من مفصل الكف من الذراع، ويكون القطع في الرِّجل من مفصل القدم من العقب؛ لأن الرِّجل لها قدم ولها عقب، والعقب الذي يسمى العرقوب، فالعرقوب لا يقطع إنما يقطع من مفصل القدم من العرقوب.
قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هذا الرابع، أي: يطردوا منها ويبعدوا عنها، و"أل" في الأرض للعهد أي: الأرض التي سعوا فيها فسادًا، حتى يكون ذلك أبعد لهم من مواطن الفساد وأنكى لهم.
قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما ذكر من هذه العقوبة الصارمة ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: ذلًا وعارًا ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فيجمع لهم بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، وذلك لعظم جرمهم وشناعته وبشاعته وعدوانهم على عباد الله.
стр. 318
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ مستثنى مما سبق، وقوله: ﴿تَابُوا﴾ أي: رجعوا إلى الله، وكفوا عن سعيهم في الأرض فسادًا وعن محاربة الله ورسوله، وهنا لا بد من أن تمضي مدة نعرف بها صحة توبتهم، بأن يضعوا السلاح ويكفوا عن الإيذاء وتظهر عليهم علامة التوبة والصدق.
قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: تابوا من ذات أنفسهم فوضعوا السلاح، وكفوا عن قطع الطريق.
قوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فاغفروا لهم وارحموهم؛ لأن الله بمغفرته ورحمته يرفع عنهم العقوبة.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الفائدة الأولى: بيان عقوبة المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادًا، وقلنا: إن المفسرين قالوا: إنه يراد بذلك قطاع الطريق الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو في البنيان.
الفائدة الثانية: شدة محاربة الله ورسوله، وأن الإنسان إذا حارب الله ورسوله فإنه يخشى عليه، وذلك لعظم العقوبة، فإن عظم العقوبة يدل على عظم الجريمة، ومن المحاربين لله ورسوله: أكلة الربا، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].
الفائدة الثالثة: عظم محاربة الرسول ﵊ سواء كان بالسلاح الحسي أو بالسلاح المعنوي وهو رد دعوته والاستكبار عنها.
стр. 319
الفائدة الرابعة: أن الله تعالى يريد من عباده أن تطهر الأرض من الفساد، ولذلك عاقب الذين يسعون في الأرض فسادًا بهذه العقوبة العظيمة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]، قال أهل العلم: الفساد في الأرض بعد إصلاحها يعني المعاصي، لقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، ولكن كما قلنا في الآية التي قبلها: من الفساد في الأرض ما لا يؤدي إلى هذه العقوبة على حسب النصوص.
الفائدة الخامسة: أن عقوبة هؤلاء متنوعة: الأول: القتل، والثاني: الصلب، والثالث: تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، والرابع: النفي من الأرض، و"أو" في هذه الآية هل هي للتنويع أو للتخيير؟ في هذا قولان للعلماء: منهم من قال: إنها للتخيير وأن للإمام أن يقتِّل أو يصلب، وله أن يعدل إلى تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، وله أن يعدل إلى النفي في الأرض، لكن يجب عليه أن ينظر ما هو الأصلح؛ لأن كل من خُيِّر لمصلحة غيره وجب عليه اتباع الأصلح، وكل من خير لمصلحة نفسه والتيسير على نفسه فله أن يختار الأيسر، فعندنا الآن تخيير مصلحة وتخيير تيسير، من خير لمصلحة الغير فتخيير مصلحة، فولي اليتيم إذا قيل له: لك أن تبيع ملكه أو تشترى له ملكًا أو ما أشبه ذلك، فهذا التخيير يعتبر تخيير مصلحة لا تشهي وتيسير.
وقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] هذا تخيير تيسير وتشهي.
стр. 320
فمن العلماء من قال: إن "أو" هنا للتخيير وأن الإمام مخير بين هذه العقوبات الأربع، ولكن يجب عليه أن يفعل الأصلح، فإذا كان الأصلح أن يقتلوا أو يصلبوا؛ لأن ذلك أعظم هيبة في قلوب المجرمين وجب عليه أن يقتل أو يصلب، وإذا كان المجرمون يرتدعون بدون ذلك، فإنه لا يعدل إلى الأعلى في العقوبة؛ لأن هذا كدفع الصائل.
ومنهم من قال: إن "أو" للتنويع وليست للتخيير، وأن هذه العقوبات تختلف بحسب الجرائم، ووزعوها كما يلي: قالوا: من قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، أي: إذا جمع بين الأمرين فينه يقتل ويصلب؛ لأنه فعل جريمتين فضوعفت عليه العقوبة، ومن قتل ولم يأخذ مالًا فإنه يقتل ولا يصلب، ومن أخذ مالًا ولم يقتل، انتقل به إلى العقوبة الثالثة حسب سياق الآية، وهي الثانية حسب ترتيب العلماء وهي: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ حتى وإن سرقوا -عند بعض العلماء- ما لا يبلغ النصاب، -أي: نصاب السرقة- مثل أن يكون مع الرجل أقل من نصاب السرقة وخرج عليه هؤلاء القطاع، ومعهم السلاح وقالوا: أعطنا ما معك، فأخذوه منه قهرًا، وهو لا يبلغ ربع دينار فإنه تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وقال بعض العلماء: إنها لا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، إلا إذا أخذوا ما يقطع بمثله السارق وهو ربع دينار.
بقى علينا النفي من الأرض، والنفي من الأرض: أن الإمام ينفيه من بقعته التي هو فيها إلى أرض أخرى؛ لأنه إذا تغير عليه المكان والجو ربما يستقيم ويتوب، وقيل: معنى النفي من
стр. 321
الأرض: أن يحبس، حتى لا يتجول في الأرض التي كان يتجول فيها؛ لأنه إذا حبس في بيت أو في حجرة صدق عليه أنه نفي من الأرض التي كان بالأمس يسير فيها في الهواء الطلق لا يخاف أحدًا.
والصحيح أن المراد بالنفي من الأرض: الطرد من الأرض، إلا إذا كنا نخشى إن طردناه من أرضه أن يرتكب الجريمة في الأرض الأخرى، فحينئذٍ ليس له إلا الحبس، وعقوبة النفي من الأرض قال العلماء الذين يجعلون "أو" للتنويع، قالوا: هذا فيمن أخاف الطريق ولم يأخذ المال ولم يقتل النفس؛ لأننا إذا نفيناه كفينا الناس شره، وإذا حبسناه على القول الثاني كفينا الناس شره، لكن أي القولين أولى؟ الثاني أضبط لأن الخيانة مأمونة فيه، والأول أنسب؛ لأن المقصود من الحدود التقويم، أي: تقويم الناس، فإذا كانوا يمكن أن يُقَوَّموا بدون القتل والصلب قُوِّمُوا، لكن هذا لا تؤمن فيه الخيانة، أي: خيانة الإمام وولي الأمر، فيقول: هذا يستحق القتل والصلب، وتأتيه القضية نفسها في وقت آخر، فيقول: هذا لا يستحق القتل والصلب؛ لأن الثاني شريف والأول وضيع، فمن قال بالتحديد وأن هذا لا بد منه بحسب الجريمة، فقوله أقرب إلى الصواب من جهة الضبط، وأنه لا يمكن أن يتعدى ما حد له، ومن قال بأن "أو" للتخيير، وأن الإمام غير فقوله أولى من حيث إن الحدود لتقويم الخلق، فإذا أمكن التقويم بما هو أقل وجب الاقتصار عليه.
فإن قال قائل: هل وقع مثل هذا في عهد الرسول ﷺ ؟
стр. 322
الجواب: نعم، وقع، قدم أناس من جهينة أو عرينة أو عكل (١)، أو من هؤلاء وهؤلاء قدموا المدينة، فاستوخموها وأصيبوا بشيء من حُمَّاها، فأمرهم النبي ﷺ أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من أبوالها، وألبانها، ففعلوا، فشربوا من أبوال الإبل وألبانها وزالت عنهم الحُمَّى وصحوا، فبدلوا نعمة الرسول ﵊ كفرًا، فسملوا عيني الراعي، وسَمْلُها: أن تحمى حديدة مثل المخيط وتكحل بها العين -والعياذ بالله- وهذا تعذيب شنيع ونسأل الله العافية، ثم قتلوا الراعي واستاقوا الإبل، فأرسل النبي ﷺ ، في إثرهم وجيء بهم بعد أن ارتفع النهار، فأمر بهم ﷺ أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وأن تسمل أعينهم بالمسامير؛ لأنهم فعلوا ذلك بالراعي، والقصاص واجب، وأبقاهم في الحرة يستغيثون ولا يغاثون، حتى إن الواحد منهم، يأكل الثرى من العطش، ولكن الرسول ﵊ تركهم ولم يحسمهم (٢)، يعني ما حسم الدماء، حتى لا يحصل النزيف، تركهم يرفسون بدمائهم ويستغيثون ولا يغاثون؛ لأن الرحمة بالناس عمومًا تقتضي أن نعامل هذا المجرم بما يمنع الإجرام.
стр. 323
الفائدة السادسة: أن قطاع الطريق يجمع لهم بين العقوبة في الدنيا والآخرة لقوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، مع أنه ثبت عن النبي ﷺ : أن من أصيب بشيء من القاذورات، يعني: القبائح، وحد عليها فإن الحد يكون كفارة لذلك الذنب (١). لكن لعظم جرم هؤلاء لم يكن الحد كفارة لهم، بل كان ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
الفائدة السابعة: إثبات عذاب الآخرة، لقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
الفائدة الثامنة: أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، ربما يؤخذ من قوله: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ولهذا قال النبي ﷺ في المتلاعنين، قال: "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" (٢).
الفائدة التاسعة: أن هؤلاء المجرمين مع عظم جرمهم إذا تابوا قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد، ويؤخذ سقوط الحد من قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: فإذا علمتم ذلك فاغفروا لهم، وهل هذا على إطلاقه بمعنى: أنه يعفى عنهم حتى فيما يتعلق بحقوق الآدميين من نفس أو جرح أو عضو أو مال أو هو خاص بحقوق الله؟ الثاني هو المتعين؛ لأن حقوق الآدميين لا بد من وفائها، وعلى هذا فإذا كان هؤلاء الذين تابوا ووضعوا السلاح وظهر صدقهم قد قتلوا أحدًا، هل نقتلهم أو لا؟
стр. 324
الجواب: إذا طلب أولياء المقتول أن يقتلوا قتلوا؛ لأن حق الآدمي لا يسقط، لكن لو لم يتوبوا وأُتينا بهم، ثم قال أولياء المقتول: نحن قد عفونا هل يسقط؟ لا؛ لأنه حد، فالقتل حتم إذا لم يتوبوا؛ أما إذا تابوا انتقل الحد إلى حق الآدمي، إذا عفا فلا بأس.
وهل يلحق بذلك سائر الحدود كحد الزنا والسرقة وما أشبه ذلك؟ الجواب: نعم يلحق به؛ لأن التوبة إذا أسقطت هذا الحد العظيم في الجرم العظيم فما دونه من باب أولى، فالسارق مثلًا إذا تاب إلى الله، وأتى بالمال المسروق ورده إلى صاحبه فإننا لا نقطع يده؛ لأنه تاب إلى الله قبل أن نقدر عليه.
الفائدة العاشرة: أنهم إذا تابوا بعد القدرة فإن توبتهم لا تقبل، وهنا يرد إشكال، وهو ما جرى في قصة أسامة بن زيد ﵁ حين لحق المشرك، فلما أدركه قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، والذي يظهر أن هذا المشرك قال: لا إله إلا الله تعوذًا من القتل، فلما جاء إلى النبي ﵊ وأخبره الخبر، قال: "قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله" قال: نعم يا رسول الله، قتلته، لكنه قالها تعوذًا وخوفًا من القتل؛ لأنه لو كان صادقًا لأسلم قبل أن يهدد بالقتل، فجعل النبي ﷺ يردد: "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله، فماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة" (١)، حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم من
стр. 325
قبل؛ لأنه إذا فعل هذا وهو مشرك ثم تاب، تاب الله عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
إذًا نقول في هؤلاء: إذا تابوا بعد القدرة فإنه لا يسقط، نقول: لأن هذا حد وليس قتلًا للردة، والحد قد فعل ما يوجبه، والردة الذي يوجبها هو الشرك وقد زال بالإسلام، فلا يرد على هذا لا في المحاربين ولا في غيرهم من ذوي الحدود. لو قال قائل: بعض البلاد التي يحدث فيها الشغب يقوم الحاكم بإنشاء بعض القوانين حتى يرجع أولئك المحاربين، كقانون العفو العام، فيعفو عن الجميع حتى لو سرقوا وقتلوا ونهبوا كل ما فعلوا فإنه يعفى عنهم إذا وضعوا السلاح، فهل له ذلك لكي يكف شرهم؟
الجواب: هذا إنما نجوزه إذا دعت الحاجة إليه، بأن كنا لا نقدر عليهم، فيكون جائزًا.
° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥].
هذه الآية فيها نداء وفيها ثلاثة أوامر وفيها علة وغاية، أما النداء ففي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقد تقدم ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك (١).
стр. 326
ذكرنا من قبل أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أن امتثال هذا من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، وأنه ينبغي إغراء الشخص المخاطب بما يحمله على الامتثال، يعني في الخطاب ينبغي أن تغري الشخص بما يحمله على الامتثال؛ لأن وصف الإنسان بالشيء الذي يحمله على الفعل والامتثال لا شك أنه يغريه ويزيده نشاطًا، فنقول مثلًا: يا أيها الكريم أكرم الضيف؛ لأنك إذا ناديته بـ (يا أيها الكريم)، فسوف يكون ذلك دافعًا له على إكرام الضيف.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هكذا تأتي مطلقة في كثير من الآيات، فآمنوا بمن؟ نقول: الإيمان فسره النبي ﵊ أبين تفسير حيث مسألة جبريل عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر" (١)، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿آمَنُوا﴾ أي: بما يجب الإيمان به وهي أركان الإيمان الستة.
قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتخذوا وقاية من عذابه وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي على علم؛ لأن الإنسان قد يفعل شيئًا مأمورًا به لكن على غير علم أو يترك شيئًا منهيًّا عنه على غير علم، لكن لابد من العلم ليكون ذلك من خشية الله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
ولهذا فسر بعض العلماء التقوى بأنها أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور
стр. 327
من الله تخشى عقاب الله، والنور: هو العلم، ولهذا نقول: أجمع ما قيل في تعريفها: أنها امتثال أمر الله واجتناب نواهيه علي علم حتى يحصل له الخشية؛ لأنه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
هل نقول: اتقوا الله نفسه، أو اتقوا عذاب الله؟ كلاهما صحيح؛ لأن الله قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. فحذرنا الله تعالى من نفسه ، وإنما حذرنا منها لأنه قال لنا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]. وهذا خبر أخبرنا به الله وقال لنبيه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، فإذًا يحذرنا الله نفسه أن يعاقبنا على مخالفته.
قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، أي: اطلبوا إليه، "الوسيلة": مفعول ﴿وَابْتَغُوا﴾، يعني: اطلبوا الوسيلة إليه، والوسيلة: هي التقرب إلى الله، كما فسرها كثير من المفسرين بأن معناها: ابتغوا القربة إليه، يعني: اطلبوا ما يقربكم إليه، فإذا كان الله أمرنا أن نطلب ما يقربنا إليه، فالذي يقربنا إليه هو امتثال أمره واجتناب نهيه طلبًا للقرب منه.
وقوله: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ ليس المراد بالوسيلة ما هو معروف عند المتأخرين، بأن يتخذ الإنسان وسائل في دعائه أو نحو ذلك؛ بل المراد: ابتغوا التقرب إليه، لكن بعض المحرفين قال: المراد بالوسيلة: الولي أو النبي أو جاه النبي أو جاه الولي، وهذا تحريف باطل، وإنما الوسيلة: الشيء الموصل إلى الله وإلى التقرب إليه .
стр. 328
مثال ذلك: الصلاة تقرب إلى الله، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولا يوجد هذا الوصف وهو القرب من الله على هذا الوجه إلا في صلاة الإنسان، يتصدق ويتقرب إلى الله بالصدقة، يصوم ويتقرب إلى الله بالصيام، يحج ويتقرب إلى الله بالحج، لكن لا يوجد مثل الصلاة، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فهو أقرب إلى الله ممن وقف بعرفة أو بالصفا أو بالمروة أو ممن يطوف بالبيت.
قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ أي: ابذلوا الجهد في إعلاء كلمته؛ لأن الجهاد في سبيل الله أن يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، والمراد بقوله: ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ أي: دينه؛ لأنه هو الطريق الموصل إليه ﵎.
وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ هذا أمر، ويأتينا إن شاء الله في استنباط الفوائد، أنه أمر مشروط بالقدرة كغيره من الأوامر.
قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "لعل" هنا: للتعليل، أي: لأجل أن تفلحوا. "والفلاح": كلمة جامعة لحصول المطلوب وانتفاء المكروه، فهي من أجمع الكلمات.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: بلاغة القرآن الكريم حيث تتنوع فيه العبارات، في النداء تارةً والأمر تارة والنهي تارة والحض والعرض.
الفائدة الثانية: أن من البلاغة أن نستعمل ما يكون به التنبيه في الأمور الهامة، وجهه: أن الله صدر هذه الأوامر الثلاثة المهمة بالنداء.
стр. 329
الفائدة الثالثة: أن الإيمان يحمل على امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وذلك لأنه وَجَّهَ النداء إلى المؤمنين، ولا شك أن الإيمان يحمل الإنسان على فعل الأوامر واجتناب النواهي، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا، كان أشد امتثالًا للأمر وأبعد عن النهي، وهذا شيء مجرب، حتى الإنسان نفسه أحيانًا يجد في قلبه قوة الإيمان فتجده يرغب في الطاعة ويحب أن يستمر فيها، وأحيانًا يفتر ويكسل فتجد الطاعات تثقل عليه، فكلما كان الإنسان أكثر إيمانًا كان أكثر امتثالًا للأمر والنهي.
الفائدة الرابعة: وجوب تقوى الله، لقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فالتقوى واجبة وقد ذكرت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، أمرًا بها وثناءً على أهلها وبيان لجزائها، ولو أن طالب العلم جمع الآيات التي فيها التقوى أمرًا وثناءً وجزاءً في القرآن الكريم من أوله إلى آخره، لوجد خيرًا كثيرًا.
الفائدة الخامسة: وجوب طلب القربة إلى الله، لقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: اطلبوا الوسيلة إليه.
الفائدة السادسة: وجوب التعلم، تعلم الدين، لكن بأي وسيلة نطلب القربى إليه؟ الجواب: بالعلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الفائدة السابعة والثامنة: أنه كلما كانت العبادة تقرب إلى الله أكثر كان الاهتمام بها أكثر؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا قيل: اسلك الطريق المقرب إلى الله، فإن من المعلوم أن ما يكون أقرب أو أشد تقريبًا فهو أولى.
стр. 330
وينبني على هذه الفائدة أن الأعمال تتفاضل، بعضها أفضل من بعض، وهذا أمرٌ قررته الشريعة، فجنس الواجب أفضل من جنس التطوع، يعني الصلاة المفروضة أفضل من النافلة، وأيضًا صدقة الزكاة أفضل من صدقة التطوع، الصوم الواجب أفضل من النفل، والحج الواجب أفضل من النفل. هذا باعتبار الجنس، ويتفاضل أيضًا باعتبار نوعه.
كذلك أيضًا الجنس يتفاضل باعتبار الأجناس، فمثلًا الصلاة على وقتها أحب الأعمال إلى الله، كما سأل ابن مسعود ﵁ النبي ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" (١). فالأعمال فيما بينها تتفاضل، والأجناس تتفاضل، فأنواع الجنس تتفاضل. ومناط معرفة الفاضل هو الكتاب والسنة.
وهنا مسألة: من هو الأفضل: رجل يفعل العبادة بانقياد وانشراح صدر وقبول، وآخر يفعلها بمشقة شديدة ويجاهد نفسه عليها؟ الأول: أفضل مقامًا وأعلى منزلة، والثاني: يؤجر على مشقة المجاهدة أكثر من ذلك، لكنه لا يمكن أن ينال درجة الأول ومقام الأول.
ويشبه هذا من بعض الوجوه، أن الرسول ﵊ أخبر الصحابة "أن من ورائهم أيامًا الصبر للعامل فيهن
стр. 331
أجر خمسين من الصحابة" (١)، هل هو بهذا الأجر الذي كان من أجل مشقة العبادة عليه ينال مرتبة الصحابة؟
الجواب: لا، وهذه نكت في العلم ينبغي لطالب العلم أن يتفطن لها وإلا فقد تخفى على كثير من الناس.
الفائدة التاسعة: وجوب الجهاد في سبيل الله، لقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ ولكن هذا العمل -أعني الجهاد في سبيل الله- كغيره من الواجبات، لا بد أن يكون له شروط، من أهمها: القدرة، بأن يكون الإنسان مكافئًا للعدو في العدد والعدة، وإلا فمن المعلوم أنه من السفه والهلع أن يتقدم الإنسان ليقاتل عددًا أكثر من عدده وقوة أكبر من قوته.
ولهذا لم يوجب الله الجهاد إلا حين قويت الأمة الإسلامية، ولم يوجب المصابرة إلا في الضعف فقط، فإن زادوا عن الضعف مع تكافؤ العدد فإنه لا يجب مصابرتهم، فلابد من القدرة على الجهاد.
وهل يشترط أن يكون للمجاهدين إمام يأتمون به ويأتمرون بأمره، أو نقول: لا بأس أن يتكتل طوائف وطوائف وطوائف، وتجاهد كل واحدة من جهة؟
الجواب: الأول: لا بد من إمام يكونون تحت إمرته، حتى لا يكونوا أحزابًا يقتل بعضهم بعضًا عند النصر، أو يقاتل بعضهم بعضًا عند النصر، وكيف يمكن أن يقوم جهاد مع تفرق الأحزاب؟ هذا لا يمكن.
стр. 332
الفائدة العاشرة: الإشارة إلى الإخلاص، لقوله: ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ حيث أضافه إلى نفسه إشارة إلى أنه يجب على الإنسان أنْ يكون جهاده في سبيل الله، ومتى يكون الجهاد في سبيل الله؟ سئل النبي ﷺ عن ذلك أي: سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، وفي رواية: ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فعدل عن الجواب عن الثلاثة كلها وقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله" (١)، وقضى على هذه الثلاث: فالذي يقاتل شجاعة ليس في سبيل الله، ومعنى الشجاعة أن الرجل الشجاع يحب القتال؛ ويحب أن يقاتل؛ لأن هذا يوافق طبيعته وغريزته.
الثاني: يقاتل حمية لقومه وعصبيته، ومن هؤلاء بعض العرب، مع الأسف يقاتلون اليهود باسم العروبة، ولو قاتلوا باسم الإسلام لأبادوهم؛ لأنهم إذا قاتلوا باسم الإسلام خرج من بينهم الرجس وهم النصارى، ودخل فيهم أمم لا تحصى من المسلمين من المعجم وغيرهم، وأريد بالعجم مَنْ سوى العرب من الروم والفرس والبربر والهنود وغيرهم، أممًا لا يحصيها إلا الله ولحصل بذلك النصر بإذن الله، إذا قام هؤلاء المقاتلون المسلمون بما يلزمهم من طاعة الله وعدم الإعجاب بالنفس.
الثالث: الذي سئل عنه الرسول ﵊:
стр. 333
المقاتل رياءً -والعياذ بالله- هذا أخسرهم، يقاتل لأجل أن يقال: فلان جريء وشجاع، أو يقاتل لأجل أن يقال: فلان يجاهد في سبيل الله، وكلاهما باطل، والذي يقاتل ليقال: فلان جريء، هو من أول من تسعر بهم النار (١) -أعاذنا الله منها- نسأل الله العافية.
إذًا: لا بد أن تكون النية خالصة؛ لأن الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا يمكن أن يفرط فيما أوجب الله عليه؛ لأنه يريد هذا، يريد من غيره أن يقوم بطاعة الله فلا يمكن أن يفرط بطاعته.
* * *
° قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦].
لما أمر الله ﵎ عباده المؤمنين أن يتقوا الله ويبتغوا إليه الوسيلة ويجاهدوا في سبيله وبَيَّن عاقبة هذا بأنه الفلاح؛ بَيَّن عاقبة من لم يقم بذلك من الكفار، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الإعراب: "إنَّ": هذه تحتاج إلى خبر، وجملة الشرط ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ تحتاج إلى جواب،
стр. 334
وجوابها قوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ والجملة من الشرط وجوابه هي خبر "إن" في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ "لو": هذه شرطية، ولو الشرطية لا تدخل إلا على جملة فعلية، فأين الجملة الفعلية والتي بعدها "أن" المفتوحة وهي نائبة مناب مصدر؟ يقال في الجواب: إن فعل الشرط محذوف والتقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض.
وقوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ "ما": اسم موصول يفيد العموم، أي: جميع ما في الأرض من معالم وأشجار وبحار وأنهار وحيوان وآدمي وكل شيء في الأرض ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ إضافة مبذولة، ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
وقولنا: "مبذولة" إشارة إلى أن "اللام" في قوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ متعلقة بهذا المحذوف.
وقوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ أي: ليبذلوه فداءً عما لهم من العذاب.
قوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾، أي: ما تقبل الله منهم ذلك؛ لأنهم قد حقت عليهم كلمة الله وحق عليهم العذاب، ولهذا قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَلِيمٌ﴾: هنا بمعنى مؤلم، ففي هذه الآية يذكر الله أن الكفار لن ينجوا من عذاب الله فمهما بذلوا من الفداء، فإنهم لن ينجوا منه، وأن عذابه أليم، أي: مؤلم، واقرأ قول الله ﵎: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، تعرف كيف كان هذا الإيلام.
стр. 335
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: شدة عذاب الكفار.
الفائدة الثانية: أنهم لن يستطيعوا أن يفتدوا من هذا العذاب بما يمكن أن يملك.
الفائدة الثالثة: أن الله أراد منهم ما هو أيسر من ذلك وهم في زمن الإمكان أي: في الدنيا، ولكنهم أبوا، فيتحسرون في الآخرة أن يجدوا فداء، ولن يجدوا.
الفائدة الرابعة: إثبات يوم القيامة، لقوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
الفائدة الخامسة: أن الافتداء بعد حلول العذاب لا ينفع، لقوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]؛ لأنه قد فات الأوان وحل العذاب، وشاهد الإنسان عالم الغيب فلا يقبل منه.
الفائدة السادسة: أن عذاب الكفار عذاب مؤلم -والعياذ بالله- وهل هو مهلك؟
الجواب: لا، ليس بمهلك؛ لأنهم لا يموتون ولا يحيون حتى إنهم يتمنون الموت ولكن لا يحصل، يقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وهذا دعاء أن يقضي الله عليهم فيريحهم ولكنه يقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
الفائدة السابعة: الرد على من قال: إن أهل النار يتأقلمون فيها ولا يحسون بألم ولا بعذاب، وإلا لما بقوا موجودين؛ لأن
стр. 336
حرارة النار -أعاذنا الله منها- أعظم من نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا (١)، فيقال: إن الله تعالى يؤلمهم ولكنه يبدل جلودهم كلما نضجت جلودهم بُدِّلوا بجلود غيرها ليذوقوا العذاب.
فإن قال قائل: أليس في ذلك ظلم لهؤلاء؛ لأن هذه عقوبة عظيمة؟
فيقال: لا ظلم؛ لأنهم أُنْذِروا وبُيِّنَ لهم وتوعدوا بهذا العذاب، وأتوه من قبل أنفسهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وإنما أوردت هذا الإيراد؛ لأن بعض القائلين: بأن النار تفنى، وهو قول شاذ منكر بلا شك، يقولون: إن حكمة الله ورحمته تأبى أن يعذب هؤلاء أبد الآبدين، مع أن وجودهم في الدنيا كان قليلًا لا ينسب إلى العذاب المؤبد، فيقال: إنه قد قامت عليهم الحجة، وإنهم أمضوا دنياهم كلها بدون إيمان ولا طاعة فتكون آخرتهم كلها ليس فيها ثواب ولا رحمة.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧].
قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ الإرادة هنا: يحتمل أن يكون معناها المحبة لأن الإرادة تأتي
стр. 337
بمعنى المحبة، كما قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، ومعلوم أن هذه الإرادة بمعنى المحبة؛ إذ لو كانت الإرادة إرادة كونية لتاب الله على جميع الناس، فمعنى ﴿يُرِيدُونَ﴾ يحتمل أن المعنى: يحبون أن يخرجوا من النار، ولكن أنَّى لهم ذلك، ويحتمل أن المعنى أنهم يخدعون بمعنى: أن النار ترفعهم حتى يكونوا قريبين من أبوابها، ويريدون الخروج ولكن يردون إلى أسفلها -والعياذ بالله- كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، والمعنيان صحيحان هم يحبون ذلك ويفعل بهم ما يكون طمعًا في خروجهم ثم يعادون.
وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ بل هم فيها باقون كما قال تعالى ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وإذا كانوا لا يخرجون منها وهم خالدون فيها أبدًا، دل هذا ولا بد على أن النار باقية أبدًا وهو كذلك، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وحكي إجماعًا لكن ذكر عن طائفة يسيرة جدًّا، أن النار تفنى بمن فيها، ولكنَّه قول ضعيف بل هو في الحقيقة باطل؛ لمخالفته لصريح القرآن، فإن الله ذكر التأبيد نصًّا صريحًا في ثلاثة مواضع:
الموضع الأول: في سورة النساء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، الموضع الثاني: في سورة الأحزاب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، الموضع الثالث: في سورة الجن لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ﴾
стр. 338
نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، أَبَعْدَ هذا التصريح الواضح الصريح نقول إنها غير مؤبدة.
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ "ما" هنا حجازية وليست تميمية، والدليل أنها عملت عمل ليس لأننا نعلم أن لغة القرآن هي لغة قريش، وهذه طريقة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]. ولم يقل: "ما هذا بشرٌ"، وفي الواقع لا نستطيع أن نستدل بالخبر على أن "ما" حجازية؛ لأن "الباء" عملت في الخبر عملًا لفظيًّا، فعلى هذا نقول: إن "ما" حجازية، والخلاف بين التميميين والحجازيين ليس في المعنى ولكن في العمل.
وإعراب قوله: ﴿بِخَارِجِينَ﴾ الباء حرف جر زائد.
وخارجين: خبر "ما" منصوب بالياء المقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء، التي جلبها حرف الجر، وأنا عندي توسعة في مسألة النحو، فإن شئت قل: علامة جره أو علامة نصبه الياء؛ لأنه تسلط على الكلمة عاملان فعملا فيها، فالياء علامة الجر بالنسبة لحرف الجر، والياء علامة النصب بالنسبة للمحل.
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ بل هم باقون فيها، وعلى هذا فالباء حرف جر زائد، ومعنى قولنا: زائد، أي: أنه زائد إعرابًا، وليس المراد بكونه زائدًا أنه ليس له معنى بل له معنى، وهو: التوكيد؛ لأن جميع حروف الزيادة كما قال أهل البلاغة تفيد التوكيد.
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ نسأل الله العافية ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم، كإقامة الرجل بالبلد.
стр. 339
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى والثانية: أن أهل النار يحبون بكل قلوبهم أن يخرجوا منها، هذا على الوجه الأول أن معنى يريدون يحبون، ولكن لن يحصل لهم ذلك.
وعلى المعنى الثاني: أن أهل النار يحملهم لهيبها حتى يكونوا في مكان يطمعون أن يخرجوا منها، على القول بأن الإرادة هنا بمعنى المشيئة، يعني ليست بمعنى المحبة.
الفائدة الثالثة: أن أهل النار الذين هم أهلها لا يمكن أن يخرجوا منها، لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ وهذا خبر من الله ، وخبر الله حق.
الفائدة الرابعة: أن عذاب أهل النار مقيم والعياذ بالله، يعني: دائمًا فإنهم لن يخفف عنهم، بل قالوا لخزنة النار: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩]، لا كل العذاب، يومًا واحدًا يخفف، فيقولون لهم موبخين: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] أي: في ضياع، لا ينفع إلى حد أنهم يدعون الله يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، وهم في أشد الضرورة إلى الخروج، فيقول الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أي: كونوا أذلة خاسئين ولا تكلمون، فما بعد هذا الخزي والذل والإهانة شيء. نسأل الله أن يقينا عذاب النار.
* * *
стр. 340
° قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ "السارق": اسم مشتق من السرقة، والاسم المشتق المحلى بـ "أل" يقولون إنه للعموم، ولهذا نقول: "أل" من الأسماء الموصولة وصلتها الصفة الصريحة، والسرقة: في الاصطلاح هي أخذ المال على وجه الاختفاء من مالك أو نائبه، أما في اللغة: فهي أخذ المال خفية من المالك أو من غيره. فالسارق: هو الذي يأخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائب مالكه.
فقولنا: "الذي يأخذ المال": خرج به من أخذ ما ليس بمال، كما لو أخذ خمرًا فإن هذا ليس بسارق اصطلاحًا؛ لأن الخمر ليس بمال، وخرج به من أخذ حرًا، يعني سرق صبيًا من بيت أهله فهذا ليس بسارق اصطلاحًا؛ لأنه ليس بمال، ويدخل فيه ما لو سرق عبدًا ولو كبيرًا فإنه يعتبر سارقًا؛ لأن العبد مال مملوك لسيده.
وقولنا: "من مالكه"، احترازًا مما لو أخذه من غير مالكه كما لو كان من غاصب، يعني أن رجلًا غصب مالًا، فسرقه سارق، أي: سرق هذا المال المغصوب فإنه لا يعد سارقًا اصطلاحًا، وإن كان يعد سارقًا لغة. لكنه اصطلاحًا ليس بسارق؛ لأن المال أخذ من شخص لا حرمة له، إذ إنه وضع يده عليه بغير حق.
قولنا: "أو نائبه" يعني: نائب المالك، مثل: الوكيل والوصي والناظر، وما أشبه ذلك، المهم أنه إذا أخذ المال من
стр. 341
نائب المالك فهو سارق، وعلى هذا فالذي يسرق من الدكاكين التي فيها أموال للغير، يُحَرِّج عليها صاحب الدكان، هل يعتبر سارقًا؟ ؛ المال الذي في الدكان ليس لصاحب الدكان بل هو يبيع للناس نقول: نعم، إنه نائب عن المالك، فإذا قال السارق: أنا لم أسرق هذا المال من مالكه، قلنا: لكنك سرقته من نائب المالك.
قولنا: "على وجه الاختفاء" احترازًا مما لو أخذه قهرًا فإنه لا يعد سارقًا بل يعد غاصبًا، وكذلك لو أنه أخذه وهو مار كأن يكون في يد شخص ساعة يُحَرِّج عليها، أي: ينادي عليها، وفي مروره خطفها وهرب، هل يعد سارقًا؟
الجواب: لا؛ لأنه غير مختف، فلا يعد سارقًا، لكنه منتهب أو مختلس، مثاله: إنسان وقف عند الدكان، وكلم صاحب الدكان، فقال له: عندك السلعة الفلانية؟ قال: نعم، قال: أريد أن أراها، فالتفت صاحب الدكان وأتى بها إليه، فقال له: لا أريد هذه، أريد تلك التي في طرف الدكان، فذهب صاحب الدكان ليأتي بالسلعة، فسَرَق من المال الذي في الدكان، هل يعتبر سارقًا؟
الجواب: لا، هذا مختلس؛ لأن التفريط من صاحب المال، كيف تذهب لتأتي بالسلعة من أقصى الدكان، وعندك رجل لا تدري عن أمانته، فأنت الذي فرطت.
لو قال قائل: ألا يشكل على هذا قصة المرأة المخزومية التي كانت تجحد المتاع، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها (١)؟
стр. 342
الجواب: اختلف العلماء في تخريج حديث المرأة المخزومية، فمنهم من قال: إن النبي ﷺ قطع يدها لأنها كانت تسرق لا أنها تجحد المتاع، لكنها ذكرت بهذا الوصف لأنها اشتهرت به؛ لا لأن الحكم مبني عليه، فالحديث فيه أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، قالوا: إن الحديث معناه أنها كانت تستعير المتاع فتجحده لأنها عُرِفت بهذا، لكنَّ هناك إضمارًا تقديره: فسرقت فقطع يدها، لكن هذا غير صحيح، هذا تحريف للكلم عن مواضعه، والصحيح أن جحد العارية سرقة؛ لأن أي إنسان يريد أن يسرق فبدلًا من أن يذهب ويكسر الأقفال والأبواب ويأخذ على وجه الاختفاء، بدلًا من ذلك يأتي إلى الشخص ويقول: جزاك الله خيرًا أنا محتاج إلى هذا الإناء أطبخ فيه للضيوف، وآتي به إليك إن شاء الله، وربما يبقى في الطعام فضلة فآتيك به، ويلين القول فيعطيه ثم بعد ذلك يجحد، فالتحقيق أن جحد العارية نوع من السرقة؛ لأنه أخذ المال على وجه الاختفاء.
قوله: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ الأنثى يقام عليها الحد كما يقام على السارق، وهنا نجد أن الله -بدأ بالسارق قبل السارقة، وفي باب الزنا ذكر الله الزانية قبل الزاني، والحكمة في ذلك، أن السرقة مبناها على القوة والجلد والنشاط، والرجال أخص من النساء في هذا، فبدأ بهم، ولذلك نجد السُّراق من الرجال أكثر منهم من النساء، أما الزنا فبالعكس؛ لأن الزنا سلع البغايا -والعياذ بالله- فبدأ بالزانية؛ لأنه في النساء أكثر كما هو مشاهد.
قوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿اقْطَعُوا﴾: الخطاب للأمة جميعًا، لكن المقصود بالذات والعين هو الإمام أو نائبه، لكن
стр. 343
المسؤولية على الجميع، بمعنى لو تهاون الإمام وجب على الأمة أن تطالب بقطع يد السارق كما سنذكره إن شاء الله في الفوائد.
وقوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ "الفاء" هنا ما موقعها؟ يعني كيف جاءت الفاء والجملة ليست شرطية؟ والجواب عن هذا أن نقول: لما كان الاسم الموصول موغلًا في الإبهام صار كاسم الشرط، واسم الشرط إذا كان جوابه طلبًا، يعني أمرًا أو نهيًا؛ وَجَب اقترانه بالفاء، وهذا واضح، ومثلها قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ﴾ [النور: ٢].
وقوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ "أيد" هنا جُمِعت مع أن المقصود أن يُقطع من كل منهما يد واحدة، فكيف جمعت هل المعنى أن نقطع الأربع الأيدي أم ماذا؟ نقول: لا، لا نقطع الأربع الأيدي، إنما يقطع من السارق والسارقة يدان اثنتان، لكن الأفصح في اللغة العربية أنه إذا أضيف المثنى إلى ما يفيد التعدد فإنه يُجمع، كراهة أن تجتمع تثنيتان فيما هو كالكلمة الواحدة؛ لأن المضاف والمضاف إليه كأنهما كلمة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، مع أن الواحدة لها قلب واحد، وقال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]، ويجوز التثنية في غير القرآن مثاله: (اقطعوا يديهما)، ويجوز الإفراد: (اقطعوا يدهما)، إلا إذا كان يترتب على ذلك التباس واختلاف، فإنه يجب أن يكون الجزء الأول من المضاف والمضاف إليه على حسب الواقع، فمثلًا إذا قلت: اشتريت من الرجلين عبدهما، هنا إذا كان عبدًا واحدًا يجب أن تقول: عبدهما، ويدل ذلك على أن العبد مشترك بينهما، لكن إذا اشتريت من كل واحد عبده؛ تقول: عبديهما، إذا كنت
стр. 344
اشتريت جمعًا، يعني كل واحد عنده عبدان واشتريت الأربعة، ماذا تقول؟ تقول: عبيدهما، وهذا يتعين لئلا يلتبس المعنى، أما إذا كان المعنى واضحًا فإنه إذا أضيف ما يفيد التثنية إلى ما يفيد التعدد فإنه يكون مجموعًا.
قوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ "أيد" هنا مطلقة من حيث الحد، يعني: حد اليد، ومن حيث الجهة:
أولًا: من حيث الحد: فهل نقطع من المنكب؟ أو من المرفق؟ أو من الكف؟ لأن كل هذا يسمى يدًا، فاليد من المنكب إلى الأصابع.
ثانيًا: الجهة، "أيديهما" أي: الجهتين؟ اليمين أو الشمال، أيضًا الآية مبهمة، فنقول: المراد قطع اليد اليمنى، والذي جعلنا نُعيِّن اليد باليمنى قراءة عبد الله بن مسعود ﵁، فقد كان يقرأها "فاقطعوا أيمانهما" (١) وهذه القراءة إن كانت ثابتة عن النبي ﷺ بلفظها، فهي قرآن، وإن كانت تفسيرًا من ابن مسعود ﵁؛ فهو صحابي جليل عالم بالتفسير، والأقرب أنها قراءة؛ لأن النبي ﷺ حث على أن نقرأ بقراءة ابن أم عبد وهو ابن مسعود (٢)، إذًا تعينت الآن الجهة وهي اليمين.
стр. 345
الحد: هل هو الكف أو المرفق أو الكتف؟ نقول: اليد إذا أُطلِقت فالمراد بها الكف، والدليل قول الله ﵎ في التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. واليد هنا حدها الكف، لدليل السنة الصريحة في هذا، كما في حديث عمار بن ياسر (١) وغيره، ولهذا لما أراد الله الزيادة على الكف قال في آية الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، إذًا فتعين أن المراد باليد هنا اليد اليمنى، وأن حد القطع من مفصل الكف.
قوله: ﴿جَزَاءً﴾ هذه منصوبة على أنها مفعول من أجله، أي: لأجل مجازاتهما على فعلهما.
قوله: ﴿بِمَا كَسَبَا﴾ أي: بما كسبا من الجريمة والمعصية والعدوان، وهذا المعنى يؤيد أن المراد باليد اليمين؛ لأن الغالب أن الإنسان يأخذ بيمينه ويعطي بيمينه، والغالب أيضًا أن اليمين أقوى من اليسار.
وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ أي: مجازاة لهما على ما كسبا من المال المبني على العدوان والظلم.
قوله: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿نَكَالًا﴾ مفعول من أجله أيضًا، أي: تنكيلًا لغيرهما، ونكالًا لهما أيضًا أن يعودا إلى مثله، فإن أي إنسان مهما بلغ من الطمع في المال إذا علم أن يده سوف تُقطع، فإنه سوف يُنكِل عن السرقة خوفًا من أن تقطع يده، وأصل النِّكَال بالكسر أصله القيد التي تقيد به يد الدابة فيمنعها من
стр. 346
الهرب، كذلك النكال يمنع السُّراق من أن يسرقوا، فذكر الله تعالى حكمتين:
الحكمة الأولى: مجازاة هؤلاء على فعلهم، أي: السُّرَّاق، لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ".
والثانية: منع اعتياد السرقة منهم ومن غيرهم، وذلك في قوله: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ".
قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ختم الآية باسمين عظيمين من أسمائه، أولهما: العزيز الدال على العزة والغلبة والقهر، والثاني: الحكيم الدال على نفوذ حكمه، وعلى أن حكمه مقرون بالحكمة؛ لأن حكيم مشتقة من الحُكْم والحكمة، فهو له الحكم التام، وله الحكمة البالغة. ويُذكر أن أعرابيًا بدويًا جلس إلى قارئٍ يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والله غفور رحيم قال له: اقرأ الآية، قراءتك هذه غير صواب، فأعاد، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والله غفور رحيم قال: اقرأ، قرأها الثالثة، فقال ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال: الآن أصبت؛ لأنه ، عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع.
فانظر إلى ذكاء هذا الأعرابي؛ لأن ختام الآيات في الغالب يكون مطابقًا، ولا يرد على هذا قول الله ﵎ عن عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأنه
стр. 347
ذكر العذاب والمغفرة، فكأنه قال: أنت عزيز فيمن تُعذِّب، وحكيم فيمن تُثِيب، ولا يقع الثواب والعقاب إلا مطابق للعزة والحكمة.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: وجوب قطع يد السارق والسارقة، لقوله ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.
الفائدة الثانية: أن قطع أيديهما مخاطَب به جميع الأمة، لقوله: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ والخطاب للأمة كلها، لكن الأمة في الواقع تتمثل في ولاة أمورها؛ لأنهم هم الذين يرعون مصالحها، فإذا حصل التقصير من ولاة الأمور وجب على الأمة أن ينبهوهم على ذلك.
الفائدة الثالثة: أن ظاهر الآية وجوب قطع أيديهما باي سرقة كانت قليلة أم كثيرة، وسواء كانت من حرز أم من غيز حرز، وسواء كانت ممن له شبهة في الأخذ أم لا.
والسنة (١) قد قيدت هذا العموم:
الأول: بما إذا كان نصابًا تُقطع فيه اليد، والنصاب ربع دينار أو ثلاثة دراهم أو ما يساويهما من المتاع، فهذه ثلاثة أشياء.
وهل الأصل ربع الدينار أم ربع الدينار والثلاثة دراهم؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، ويظهر أثر الخلاف فيما لو سرق
стр. 348
متاعًا قيمته ثلاثة دراهم، ولكنه لا يساوي ربع دينار، فإذا قلنا: إن كليهما أصل، فقد سَرَق نصابًا، وإذا قلنا: إن الأصل ربع الدينار فإنه لم يسرق نصابًا؟
الصحيح أن النصاب ربع دينار، لكن الثلاثة دراهم في عهد الرسول ﵊ كانت تساوي ربع دينار بدليل الديات تقديرها ألف مثقال ذهب، واثنا عشر ألف درهم فضة، فكانت الثلاثة الدراهم تساوي ربع دينار. وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قطع في مِجَنٍ قيمته ثلاثة دراهم (١)، لكن الثلاثة الدراهم في ذلك العهد تساوي ربع دينار.
الثاني: الحرز، الآية ليس فيها ذكر الحرز، الحرز بمعنى: أن يسرق السارق المال مما يُحرَز به عادة، ومعنى يحرز: أي يُحفظ، مما يحفظ به عادةً، فإن سرق من غير حرز فلا قطع، مثال ذلك: الدراهم والدنانير، تحرز في البيوت وفي الصناديق ويقفل عليها وتراقب، فلو جعل الإنسان الدراهم والدنانير على عتبة الباب، أو في مرابض الغنم، فسُرِقت، فقد سُرِقت من غير حرز.
فإذا قلنا: إن الحرز شرط، قلنا: لا قطع على هذا الذي سرق من الدراهم من غير حرزها، وهذا يحتاج إلى دليل، إذ لو طالبنا مطالب وقال: لا بد أن تقطع يده لأنه سرق فما هو المانع من القطع؛ نقول: المانع من القطع أن كلمة السرقة أخذ المال
стр. 349
على وجه الاختفاء، وأن الذي جعل المال في غير حرزه هو الذي فرّط فلا يقطع.
إذًا لا بد أن تكون السرقة من حرز، وحرز المال: ما جرت العادة بحفظه فيه.
وهل هذا الحرز يختلف؟ نعم يختلف باختلاف الأموال، ويختلف باختلاف الأحوال. أحوال الخوف والفوضى ليست كأحوال الأمن والقرار، يختلف أيضًا باختلاف السلطان هل هو قوي أو ضعيف، وهل هو عدل أو جائر؟
إذا كان السلطان قويًّا، فهنا لا يتكلف الناس في إحراز الأموال تكلفًا شديدًا؛ لأن قوة السلطان تمنع من السرقة، وإذا كان ضعيفًا كان بالعكس، لكن أيهما أشد حفظًا للأموال أن يكون عادلًا أو أن يكون جائرًا؟
الجواب: أن يكون عادلًا؛ لأن الجائر ليس معناه القوي في العقوبة، بل الجائر هو الذي يقضي على هذا بقطع اليد وعلى هذا بعدم قطع اليد، إذًا العادل لا شك أن الناس يامنون في عهده أكثر من الجائر، من الناحية الإلهية، يعني من ناحية الرب ، ومن ناحية الواقع.
أيضًا يختلف الحرز باختلاف حال الناس من إيمان وضعف إيمان، إذا كان عند الناس إيمان؛ كان الحرز يسهل، وإذا لم يكن عندهم إيمان كان لا بد من التحرز الشديد، كذلك يختلف الحرز بإقامة هذا الحد بقطع يد السارق، إذا كانت تُقطع يد السارق، فإن الإنسان لا يتكلف الحرز لأنه يعرف أن السُّراق لن يفعلوا، وإذا كانت لا تُقطع يُحكم عليه بحبس أسبوع أو شهر أو شهرين،
стр. 350
أو سنة أو سنتين، فإنه يجب التشديد في الحرز، المهم أن الحرز يختلف باعتبارات متعددة، لكن لا بد لثبوت القطع من أن تكون السرقة من حرز.
الثالث: يُشترط أيضًا أن يكون المسروق مالًا محترمًا، فلو سرق إنسان آلة لهو؛ فإن آلة اللهو ليست محترمة ولا قيمة لها شرعًا، فهل يقطع إذا سرق آلة لهو فخمة تساوي خمسة آلاف أو عشرة آلاف؟ الجواب: لا؛ لأنه مال غير محترم من أصله، فإن كان غير محترم بوصفه، مثل أن يسرق حليًّا على صورة ثعبان أو على صورة أسد وما أشبه ذلك، هذا غير محترم لوصفه؛ لأن الصورة يجب طمسها أو كسرها إذا كانت مما يكسر، فهل يقطع أو لا؛ نقول: يُقطع، اعتبارًا بالأصل أنه مال محترم.
إذًا لا بد أن يكون مالًا محترمًا وهو الذي له قيمة شرعًا؛ فأما غير المحترم فلا يُقطع به؛ لأنه ليس بمال شرير، ولا يُتقوَّم وليس له قيمة ولا ثمن.
الرابع: يشترط أيضًا انتفاء الشبهة، يعني أن لا يكون للسارق شبهة، فلو دَرَق من بيت المال. فإنها لا تقطع يده؛ لأن له شبهة، إذ إن له حقًّا في بيت المال. بل كل مسلم له حق في بيت المال. فهو وإن كان محرَزًا، لكن بالنسبة لهذا الشخص له حق فيه، وقد توسع الفقهاء ﵏ في مسألة الشبهة، ومنها هذه المسألة أنه إذا سَرَق الحر من بيت المال؛ فإنه لا يُقطع؛ لأن له فيه شبهة، والصواب أنه إن كانت الشبهة قوية فيُدرأ عنه الحد، وأما إذا كانت غير قوية وبعيدة، فلا ينبغي أن تُعطل الحدود من أجل أن يكون له حق من مليون مليون مليون مثلًا، هذا فيه تعطيل للحدود.
стр. 351
ومن الشبه إذا كان الناس في عام مجاعة، أو إذا كان الإنسان جائعًا، أما الأول فإذا كانت المجاعة عامة، والناس في سنة دهر وجدب وجوع؛ فإنه لا قطع؛ لوجود الشبهة وهي اضطرار هذا السارق إلى السرقة، ولو كان صاحب المال حاضرًا لأوجبنا عليه أن يبذله له، فأما إذا كان الجوع خاصًّا، فهذا لا يمنع من القطع؛ لأن هناك فرقًا بين هذا وهذا؛ لأن كل سارق يمكن أن يقول: إنه جائع، لكن المجاعة العامة هي التي تمنع القطع.
كذلك أيضًا قال أهل العلم: ولا يُقطع في بلاد الكفر، كالغزاة مثلًا، فالغزاة في بلاد الكفر لا يقطعون؛ لأنه لو قُطع لكان في ذلك تنفير عن الإسلام وربما يهرب هذا الرجل إلى بلاد الكفر ويبقى عندهم، وهذه مفسدة عظيمة، ولكن هل يرتفع عنه القطع دائمًا أو يؤجل؟
الجواب: يؤجل، ومثل ذلك أيضًا ما وقع في بعض البلاد التي تحررت من الكفر ودخلت في الإسلام، لو قالوا: نحن إذا أقمنا الحدود ثار علينا الناس، فيثور علينا أولًا الشعب ثم الدول، فهل لنا الحق أن نؤجل حتى يتقوى الجانب الإسلامي؟
نقول: نعم، بدليل أن الحدود إنما جاءت في الشريعة الإسلامية متأخرة، نعم هي لدرء المفاسد، لكن هي أيضًا متأخرة حتى يتمكن الناس من قبولها، ثم إن المقصود من الحد، إصلاح الخلق، والتكفير عن المحدود، فإذا كان يترتب على إقامته مفسدة أعظم فليؤجل.
لو قال قائل: إذا وجب الحد على امرأة حامل سرقت هل يقام عليها الحد؟
стр. 352
الجواب: لا، يؤجل؛ لأن القطع يخشى منه على الجنين، والجنين بريء ليس منه جناية.
لو قال قائل: لو سرق الإنسان من مال أبيه هل يُقطع؟
الجواب: العامة يقولون: السارق من السارق كالسارق من أبيه، والمعنى أنه لا يقطع، السارق من أبيه يقولون: لا يقطع؛ لأنه له حق في مال أبيه، وهو الإنفاق عليه إذا كان محتاجًا، الزوج مع زوجته كذلك؛ لأن هذا فيه شبهة، وجرت العادة بأن الزوجين يتبسط أحدهما في مال الآخر، إذًا لا بد لإقامة الحد من انتفاء الشبهة، لكن كما تقدم هناك شبهة بعيدة، وشبهة قريبة.
لو قال قائل: هل يشترط ثبوت السرقة يعني: لو ادَّعِي على شخص أنه سارق، هل نقول: لا يقام عليه الحد حتى تثبت السرقة؟
الجواب: نعم؛ لأن الله قال: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ ولا يصدق عليه وصف السرقة إلا إذا ثبتت، وبدون الثبوت لا يصدق عليه أنه سارق، وتثبت السرقة بشهادة رجلين عدلين، فإن شهد رجل وامرأتان لم يُقَم الحد، لكن يضمن المال؛ لأن المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين، والحد لا يثبت إلا بشهادة رجلين، ولهذا فإنه لا مدخل للنساء في الحدود، لو يشهد أربعمائة امرأة على رجل أنه زنا؛ فإنه لا يقام عليه الحد، وكذلك في السرقة، وكذلك في بقية الحدود، لا مدخل للنساء في الحدود بل شهادة الحدود للرجال فقط.
إذًا لا بد من ثبوت السرقة، وتثبت بشاهدين أو بإقرار السارق، إذا أقر السارق فإنها تثبت السرقة.
стр. 353
لكن هل يُشترط تكرار الإقرار أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم من يقول: لا بد أن يكرر الإقرار مرتين كل مرة بإزاء شاهد؛ لأنه لا بد من شاهدين فلا بد أن يقر مرتين، فلو أقر مرة لم تثبت السرقة، وقال بعض أهل العلم: تثبت بالإقرار مرة؛ لأنه شهد على نفسه، ولا عذر لمن أقر، فتثبت السرقة بإقراره مرة.
وإذا أقر سواء قلنا مرتين أو مرة فهل له أن يرجع، يعني هل يُقبل رجوعه بحيث لا نقيم عليه الحد؟
أكثر الفقهاء يقولون: يُقبل رجوعه عن الإقرار، وعلى هذا لا يقطع، لكن يؤخذ بحق الآدمي يُضمَّن المال. أما القطع فلا؛ لأنه رجع عن إقراره، وقال بعض العلماء: لا يرجع إذا أقر عند القاضي.
والصحيح في هذا التفصيل، أنه إذا وجدت قرائن تدل على صحة إقراره، فإنه لا يقبل الرجوع، وإذا لم توجد قرائن، فإنه يقبل رجوعه، ويكون الأمر بينه وبين ربه، فلو قال السارق: إنه سرق، قلنا كيف سرقت؟ قال: أتيت في الليل فكسرت الباب وكسرت الصندوق وأخذت المال. وهذا البيت هو الذي أنا سرقته، ووصفه تمامًا، ثم رجع، هل يقبل مثل هذا؟ لا يمكن أن يُقبل؛ لأنه لو قبل مثل هذا، أي: قبل الرجوع عن إقراره لتعطلت الحدود، بل قال شيخ الإسلام ﵀: لو قبل رجوع المقر في الحد ما أقيم حد في الدنيا؛ لأن كل إنسان يمكنه أن يقر ثم يرجع، لا سيما إذا لُقِّن، وقيل له: ارجع لا تخف، بعد أن أمر القاضي بقطع يده وأُحضِرت السكين، وأحضِر الزيت لتحسم يده، وحضر رجال الأمير، ثم قال: اصبروا؛ أنا رجعت عن إقراري، هذا شبه تلاعب، فنقول: هذا لا يقبل؛ لأنه وجدت قرائن تدل
стр. 354
على أن إقراره حق وليس عن تلاعب، وليس عن إكراه، هو الذي دلّ الناس على مكان السرقة وعلى كيفية السرقة، ولا شك أن مثل هذا لا يُقبل رجوعه عن إقراره.
إذًا يشترط ثبوت السرقة والدليل الآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ إذ لا يصدق عليه أنه سارق أو سارقة إلا بالثبوت، والثبوت يكون بشهادة عدلين وإما باعتراف.
وهل لا بد من التكرار أم لا؟ فيه خلاف وتقدم.
الفائدة الرابعة: وجوب قطع يد السارق والسارقة اليمنى، كما فسَّر ذلك قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: "فاقطعوا أيمانهما" فتُقطَع اليد اليمنى بربع دينار، ومن أين تقطع؟ تقطع مما يصدق عليه أنه يد، فأقل ما يصدق عليه أنه يد تقطع منه؛ لأن ما زاد على ما يصدق عليه اليد مشكوك فيه، والذي يصدق عليه أنه يد الكف، فتقطع من مفصل الكتف من الرُّسْغ والكوع والكرسوع، الكوع الذي يلي الإبهام في طرف الذراع، والكرسوع الذي يكي الخنصر، والرسغ الذي في الوسط.
فإن قال قائل: كيف تقطع بربع دينار وهي لو قطعت عمدًا لكان فيها خمسمائة دينار يعني لو أن إنسانًا جنى على شخص وقطع يده، قلنا: عليك خمسمائة دينار، والسارق يسرق ربع دينار وتقطع يده. ولهذا أورد التشكيك في هذه المسألة أبو العلاء المعري فقال:
يد بخمس مئين عسجدًا وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له ... ونستعيد بمولانا من النار
فقال: تناقض، وجه التناقض عنده، أنه كيف يد ديتها
стр. 355
خمسمائة دينار تقطع وتهدر بربع دينار هذا تناقض؛ لأنه إذا كانت اليد ديتها خمسمائة دينار فلا تقطع إلا بسرقة خمسمائة دينار؛ وإذا كانت تقطع بربع دينار صارت ديتها ربع دينار وإلا فتناقض؟ لكنهم ردوا عليه فقالوا:
قل للمعري عار أيما عار ... جهل الفتى وهو عن ثوب التُقى عاري
عار: أي: ليس عنده علم ولا عبادة.
يد بخمس مئين عسجدًا وديت ... لكنها قطعت في ربع دينار
حماية النفس أغلاها وأرخصها ... حماية المال فافهم حكمة الباري
فانظر إلى الجواب والشاهد في البيت الأخير، يعني أن ديتها جعلت خمسمائة دينار حماية للنفوس، حتى لا يجتريء أحد على قطع أيدي الناس، وقطعت في ربع دينار حماية للأموال حتى لا يجتريء أحد على السرقة، وهذا جواب واضح معقول.
وهناك جواب آخر، يشبه أن يكون أدبيًا، قال: إنها لما خانت هانت، ولما كانت أمينة كانت ثمينة، لما خانت بالسرقة هانت وصارت قيمتها ربع دينار، ولما كانت أمينة كانت ثمينة وكانت قيمتها خمسمائة دينار، وعلى كل حال هذه أجوبة في الواقع لهؤلاء الذين يوردون مثل هذه الشبه، وإلا فإننا نعلم علم اليقين أن الله لا يفرق بين شيئين إلا وبينهما فرق أوجب التفريق في الحكم.
لو قال قائل: إذا قُدِّرَ أن السارق يستعمل شماله في السرقة ويعتمد عليها فهل تقطع اليمنى أم اليسرى؟
الجواب: تقطع يمينه حتى لو سرق بفمه، كأن يجد السارق حُليًا معلقًا فيعضه بفمه حتى يقطع حبله؛ لأنه لو استعمل يمينه