ومن الشبه إذا كان الناس في عام مجاعة، أو إذا كان الإنسان جائعًا، أما الأول فإذا كانت المجاعة عامة، والناس في سنة دهر وجدب وجوع؛ فإنه لا قطع؛ لوجود الشبهة وهي اضطرار هذا السارق إلى السرقة، ولو كان صاحب المال حاضرًا لأوجبنا عليه أن يبذله له، فأما إذا كان الجوع خاصًّا، فهذا لا يمنع من القطع؛ لأن هناك فرقًا بين هذا وهذا؛ لأن كل سارق يمكن أن يقول: إنه جائع، لكن المجاعة العامة هي التي تمنع القطع.
كذلك أيضًا قال أهل العلم: ولا يُقطع في بلاد الكفر، كالغزاة مثلًا، فالغزاة في بلاد الكفر لا يقطعون؛ لأنه لو قُطع لكان في ذلك تنفير عن الإسلام وربما يهرب هذا الرجل إلى بلاد الكفر ويبقى عندهم، وهذه مفسدة عظيمة، ولكن هل يرتفع عنه القطع دائمًا أو يؤجل؟
الجواب: يؤجل، ومثل ذلك أيضًا ما وقع في بعض البلاد التي تحررت من الكفر ودخلت في الإسلام، لو قالوا: نحن إذا أقمنا الحدود ثار علينا الناس، فيثور علينا أولًا الشعب ثم الدول، فهل لنا الحق أن نؤجل حتى يتقوى الجانب الإسلامي؟
نقول: نعم، بدليل أن الحدود إنما جاءت في الشريعة الإسلامية متأخرة، نعم هي لدرء المفاسد، لكن هي أيضًا متأخرة حتى يتمكن الناس من قبولها، ثم إن المقصود من الحد، إصلاح الخلق، والتكفير عن المحدود، فإذا كان يترتب على إقامته مفسدة أعظم فليؤجل.
لو قال قائل: إذا وجب الحد على امرأة حامل سرقت هل يقام عليها الحد؟
стр. 352
الجواب: لا، يؤجل؛ لأن القطع يخشى منه على الجنين، والجنين بريء ليس منه جناية.
لو قال قائل: لو سرق الإنسان من مال أبيه هل يُقطع؟
الجواب: العامة يقولون: السارق من السارق كالسارق من أبيه، والمعنى أنه لا يقطع، السارق من أبيه يقولون: لا يقطع؛ لأنه له حق في مال أبيه، وهو الإنفاق عليه إذا كان محتاجًا، الزوج مع زوجته كذلك؛ لأن هذا فيه شبهة، وجرت العادة بأن الزوجين يتبسط أحدهما في مال الآخر، إذًا لا بد لإقامة الحد من انتفاء الشبهة، لكن كما تقدم هناك شبهة بعيدة، وشبهة قريبة.
لو قال قائل: هل يشترط ثبوت السرقة يعني: لو ادَّعِي على شخص أنه سارق، هل نقول: لا يقام عليه الحد حتى تثبت السرقة؟
الجواب: نعم؛ لأن الله قال: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ ولا يصدق عليه وصف السرقة إلا إذا ثبتت، وبدون الثبوت لا يصدق عليه أنه سارق، وتثبت السرقة بشهادة رجلين عدلين، فإن شهد رجل وامرأتان لم يُقَم الحد، لكن يضمن المال؛ لأن المال يثبت بشهادة رجل وامرأتين، والحد لا يثبت إلا بشهادة رجلين، ولهذا فإنه لا مدخل للنساء في الحدود، لو يشهد أربعمائة امرأة على رجل أنه زنا؛ فإنه لا يقام عليه الحد، وكذلك في السرقة، وكذلك في بقية الحدود، لا مدخل للنساء في الحدود بل شهادة الحدود للرجال فقط.
إذًا لا بد من ثبوت السرقة، وتثبت بشاهدين أو بإقرار السارق، إذا أقر السارق فإنها تثبت السرقة.
стр. 353
لكن هل يُشترط تكرار الإقرار أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم من يقول: لا بد أن يكرر الإقرار مرتين كل مرة بإزاء شاهد؛ لأنه لا بد من شاهدين فلا بد أن يقر مرتين، فلو أقر مرة لم تثبت السرقة، وقال بعض أهل العلم: تثبت بالإقرار مرة؛ لأنه شهد على نفسه، ولا عذر لمن أقر، فتثبت السرقة بإقراره مرة.
وإذا أقر سواء قلنا مرتين أو مرة فهل له أن يرجع، يعني هل يُقبل رجوعه بحيث لا نقيم عليه الحد؟
أكثر الفقهاء يقولون: يُقبل رجوعه عن الإقرار، وعلى هذا لا يقطع، لكن يؤخذ بحق الآدمي يُضمَّن المال. أما القطع فلا؛ لأنه رجع عن إقراره، وقال بعض العلماء: لا يرجع إذا أقر عند القاضي.
والصحيح في هذا التفصيل، أنه إذا وجدت قرائن تدل على صحة إقراره، فإنه لا يقبل الرجوع، وإذا لم توجد قرائن، فإنه يقبل رجوعه، ويكون الأمر بينه وبين ربه، فلو قال السارق: إنه سرق، قلنا كيف سرقت؟ قال: أتيت في الليل فكسرت الباب وكسرت الصندوق وأخذت المال. وهذا البيت هو الذي أنا سرقته، ووصفه تمامًا، ثم رجع، هل يقبل مثل هذا؟ لا يمكن أن يُقبل؛ لأنه لو قبل مثل هذا، أي: قبل الرجوع عن إقراره لتعطلت الحدود، بل قال شيخ الإسلام ﵀: لو قبل رجوع المقر في الحد ما أقيم حد في الدنيا؛ لأن كل إنسان يمكنه أن يقر ثم يرجع، لا سيما إذا لُقِّن، وقيل له: ارجع لا تخف، بعد أن أمر القاضي بقطع يده وأُحضِرت السكين، وأحضِر الزيت لتحسم يده، وحضر رجال الأمير، ثم قال: اصبروا؛ أنا رجعت عن إقراري، هذا شبه تلاعب، فنقول: هذا لا يقبل؛ لأنه وجدت قرائن تدل
стр. 354
على أن إقراره حق وليس عن تلاعب، وليس عن إكراه، هو الذي دلّ الناس على مكان السرقة وعلى كيفية السرقة، ولا شك أن مثل هذا لا يُقبل رجوعه عن إقراره.
إذًا يشترط ثبوت السرقة والدليل الآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ إذ لا يصدق عليه أنه سارق أو سارقة إلا بالثبوت، والثبوت يكون بشهادة عدلين وإما باعتراف.
وهل لا بد من التكرار أم لا؟ فيه خلاف وتقدم.
الفائدة الرابعة: وجوب قطع يد السارق والسارقة اليمنى، كما فسَّر ذلك قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: "فاقطعوا أيمانهما" فتُقطَع اليد اليمنى بربع دينار، ومن أين تقطع؟ تقطع مما يصدق عليه أنه يد، فأقل ما يصدق عليه أنه يد تقطع منه؛ لأن ما زاد على ما يصدق عليه اليد مشكوك فيه، والذي يصدق عليه أنه يد الكف، فتقطع من مفصل الكتف من الرُّسْغ والكوع والكرسوع، الكوع الذي يلي الإبهام في طرف الذراع، والكرسوع الذي يكي الخنصر، والرسغ الذي في الوسط.
فإن قال قائل: كيف تقطع بربع دينار وهي لو قطعت عمدًا لكان فيها خمسمائة دينار يعني لو أن إنسانًا جنى على شخص وقطع يده، قلنا: عليك خمسمائة دينار، والسارق يسرق ربع دينار وتقطع يده. ولهذا أورد التشكيك في هذه المسألة أبو العلاء المعري فقال:
يد بخمس مئين عسجدًا وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له ... ونستعيد بمولانا من النار
فقال: تناقض، وجه التناقض عنده، أنه كيف يد ديتها
стр. 355
خمسمائة دينار تقطع وتهدر بربع دينار هذا تناقض؛ لأنه إذا كانت اليد ديتها خمسمائة دينار فلا تقطع إلا بسرقة خمسمائة دينار؛ وإذا كانت تقطع بربع دينار صارت ديتها ربع دينار وإلا فتناقض؟ لكنهم ردوا عليه فقالوا:
قل للمعري عار أيما عار ... جهل الفتى وهو عن ثوب التُقى عاري
عار: أي: ليس عنده علم ولا عبادة.
يد بخمس مئين عسجدًا وديت ... لكنها قطعت في ربع دينار
حماية النفس أغلاها وأرخصها ... حماية المال فافهم حكمة الباري
فانظر إلى الجواب والشاهد في البيت الأخير، يعني أن ديتها جعلت خمسمائة دينار حماية للنفوس، حتى لا يجتريء أحد على قطع أيدي الناس، وقطعت في ربع دينار حماية للأموال حتى لا يجتريء أحد على السرقة، وهذا جواب واضح معقول.
وهناك جواب آخر، يشبه أن يكون أدبيًا، قال: إنها لما خانت هانت، ولما كانت أمينة كانت ثمينة، لما خانت بالسرقة هانت وصارت قيمتها ربع دينار، ولما كانت أمينة كانت ثمينة وكانت قيمتها خمسمائة دينار، وعلى كل حال هذه أجوبة في الواقع لهؤلاء الذين يوردون مثل هذه الشبه، وإلا فإننا نعلم علم اليقين أن الله لا يفرق بين شيئين إلا وبينهما فرق أوجب التفريق في الحكم.
لو قال قائل: إذا قُدِّرَ أن السارق يستعمل شماله في السرقة ويعتمد عليها فهل تقطع اليمنى أم اليسرى؟
الجواب: تقطع يمينه حتى لو سرق بفمه، كأن يجد السارق حُليًا معلقًا فيعضه بفمه حتى يقطع حبله؛ لأنه لو استعمل يمينه
стр. 356
لرآه الناس، الحاصل أن يمينه هي التي تقطع، وأيضًا إذا قُدِّر أن السارق الذي سرق ليس له يد يمنى فهل تقطع اليسرى أو لا؟
في هذا خلاف: منهم من يقول: لا تقطع؛ لأن الله إنما نص على اليمنى فقط، يعني: إنما جاءت الآية باليمنى فقط واليسرى لا تقطع؛ لأننا إذا قطعنا يسراه فوتنا عليه منفعة اليدين كلتيهما، وهذا لا يصح، كما قالوا: إن عين الأعور لا تُفقأ بعين الصحيح، مثال ذلك: رجل أعور ليس عنده إلا العين اليمنى فقط، فقأ عين رجل سليم اليمنى، هل نفقا عين الأعور؟
المشهور من المذهب لا نفقأها؛ لأننا إذا فقأنا عينه فوتنا عليه البصر كله، وهو لم يفوت البصر على المجني عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وعين الأعور تؤدي البصر كله، فلا مساواة.
فأقول: إن بعض العلماء يقول: إذا لم يكن للسارق إلا يد يسرى، فإنها لا تقطع؛ لأن ذلك يفوت عليه منفعة اليدين، ولذلك أمر الله في قطاع الطريق أن تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ لئلا تعطل اليدان جميعًا، فمنهم من يقول: لا تقطع اليد اليسرى، ومنهم من يقول: تقطع، وإذا فوتنا عليه ذلك، فهو الذي جنى على نفسه؛ لإننا إنما قطعناها لأنه هو الذي سرق، وهو الذي جنى على نفسه، والمسألة تتجاذب فيها الأدلة.
إذا لم يكن له يدان هل نقطع الرجل؟
الجواب: لا نقطع الرِّجِل؛ لأنها ليست من جنسها، وإذا كانت اليمنى شلاء، هل نقطعها؟ تقطع لأن الآية عامة، ولا نقول: إننا لا نقطعها، ونقطع اليد اليسرى السليمة، بل نقطع الشلاء.
стр. 357
هل يجب علينا عند القطع أن نفعل ما يمنع نزيف الدم أم نتركه ينزف الدم ويموت؟ الأول، يجب أن نفعل ما يمنع نزيف الدم وأن لا ندعه يموت؛ لأن المقصود قطع اليد.
هل يجوز أو يلزم أن نبنِّج هذا السارق عند قطعه؟ يجوز أن نبنج هذا السارق؛ لأن القطع يحصل مع البنج وعدمه، بخلاف القصاص، فلو أن رجلًا قطع يد إنسان وحكمنا بالقصاص فلا نبنج يده من أجل أنه قطع يد المجني عليه؛ فإننا لا نبنجه بل نذيقه الألم كما أذاق المجني عليه الألم، وهذا فرق واضح.
وفيما سبق، يحسمون الدم بأن يأتوا بزيت يغلونه على النار. فإذا قُطِعت اليد، غمسوا طرف الذراع في هذا الزيت، وإذا انغمس تسددت أفواه العروق، لكن في ظني أن الطب ترقَّى الآن وأنه يمكن إيقاف الدم بدون هذه العملية، والواجب أننا نسلك أسهل ما يكون بالنسبة لإيقاف الدم؛ لأن المقصود هو إتلاف اليد وقد حصل، فإذا وجدنا طريقًا يمكن بها إيقاف الدم غير الحسم الذي ذكره العلماء، واستعملوه فيما سبق، فإننا نستعمله.
وهنا مسألة: إذا سرق مرتين هل نقطع غير اليمنى؟ نقول: إذا كان ذلك قبل القطع فإنه لا تقطع إلا اليد اليمنى، يعني لو سرق عشرين مرة قبل أن نقطعه لا نقطع إلا يدًا واحدة، فإن قطعناها أول مرة، ثم سرق ثانية، فإنها تقطع رجله اليسرى لا يده اليسرى بل رجله اليسرى، لقول الله ﵎ في المحاربين: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] فيكون القطع لليد اليمنى والرجل اليسرى، لئلا يتعطل جانب منه كامل عن المنفعة.
стр. 358
وقال بعض أهل العلم: إذا تكررت منه السرقة بعد القطع فإنه لا يقطع؛ لأن الله إنما أباح قطع اليد اليمنى فقط، والأصل احترام المسلم، فلو تكررت السرقة منه عشرين مرة، لا تُقطع إلا اليمنى فقط، لكن إذا لم يندفع أذاه إلا بالحبس أو القتل فعلنا ما يندفع به أذاه، أما أن نقطع شيئًا من أعضائه والله إنما ذكر قطع يد واحدة فلا، لكن المشهور عندنا في المذهب أنه تقطع رجله اليسرى إلحاقًا له بالمحاربين، فإن سرق الثالثة فإنه لا يقطع.
وقال بعض العلماء: إنها تقطع يده اليسرى، فيبقى عنده رِجل واحدة، فإن سرق الرابعة، فقال بعض أهل العلم: إنها تقطع رجله اليمنى، وعلى هذا لا يبقى شيء من أطرافه، فإن سرق الخامسة قتل، وقد سمع أحد العوام رجلًا يحدث في المسجد، وقال هذا القول، تقطع اليد اليمنى، ثم الرجل اليسرى، ثم اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، ثم إن سرق قتل، فقال العامي على البديهة: بماذا يسرق وليس له يدان ولا رجلان؟ لكن الواقع أنه يمكن أن يسرق؛ لأنه باقٍ عنده الذراع، ويستطيع أن يأخذ المال به.
على كل حال: الذي يظهر أننا لا نتعدى حد المحاربين، يعني نقطع يده اليمنى، فإن عاد فرجله اليسرى فقط.
لو قال قائل: لو أراد السارق أن يعيد يده بعد قطعها هل له ذلك؟
الجواب: هذا سؤال جيد، فلو حاول السارق أن يجري عملية لرد يده لا يُمكَّن من ذلك؛ لأن المقصود قطعها، لكن لو كان قصاصًا بأن اقتص منه ثم أراد أن يجري العملية لردها هل
стр. 359
نمنعه؟ الظاهر لا نمنعه، بخلاف السرقة، فللشارع قصد في إتلاف يده، وأما القصاص فالمقصود منه أن تقطع يد الجاني كما قطعت يد المجني عليه، ولهذا لو فرض أن المجني عليه ردت يده وعادت سليمة مائة بالمائة لا يقطع الجاني.
الفائدة الخامسة: الحكمة في وجوب قطع يد السارق، لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾.
الفائدة السادسة: أن العقوبة من جنس العمل، وإن شئت فقل: الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما سرق والغالب أن الأخذ والإعطاء باليمين قطعت يده.
فإن قال قائل: يلزم على قولكم بقطع الآلة التي سرق بها أن توجبوا قطع ذكر الزاني، فما الجواب؟
الجواب: على كل حال واضح، وهو أن الزاني ذكر الله له عقوبة خاصة والسارق له عقوبة خاصة، هذا دليل سمعي، وأما الدليل العقلي: فالضرر الذي يترتب على قطع الذكر ليس كالضرر الذي يترتب على قطع اليد؛ لأن هذا يلزم منه قطع النسل ومصادمة ما يريده الرسول ﵊ من هذه الأمة وهو تكثير النسل (١)، وأيضأ لأن يد السارق إذًا قطعت صارت نكالًا لأن اليد ظاهرة، لكن قطع ذكر الزاني لا يعلمه أحد؛ لأنه
стр. 360
مستور، وحِكَمٌ أخرى، فلذلك لم يوجب الله تعالى أن يقطع ذكر الزاني، بل أوجب الجلد والتغريب لغير المحصن والرجم للمحصن.
الفائدة السابعة: الرد على الجبرية لقوله: ﴿بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾، ووجه آخر معنوي، وهو أنه لو كان السارق والسارقة مجبرين ما صح أن يعاقبا؛ لأن المجبر لا حكم لفعله، حتى المكره على الكفر إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، فإنه لا يكفر فالمهم أن في الآية ردًا على الجبرية، وما أكثر الردود على أهل البدع والحمد لله.
الفائدة الثامنة: أن الحدود كفارة، لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ولا يضاعف الله عليه الجزاء.
الفائدة التاسعة: الحكمة في إيجاب الحدود، لقول الله ﵎: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والنكال يكون للغير، كما قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]، فإن من علم أن يده سوف تقطع بالسرقة سوف ينكل عنها ولا يسرق.
الفائدة العاشرة: بيان أن الله مع كمال رحمته ورأفته، فإنه شرع الحدود وأوجبها شرعًا؛ لأن ذلك عين الرحمة، إذ لولا الحدود لفشت بين الناس المعاصي، لكن الحدود تردعهم إذا لم يردعهم الإيمان، ولهذا يقولون: إذا خلا الإنسان من الوازع الديني فإنه يقرع بالرادع السلطاني.
الفائدة الحادية عشرة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما العزيز والحكيم، وما أكثر ما يقترنان في القرآن الكريم؛ لأن بهما تمام السلطة وكمالها، والعزيز: يعني أنه ذو العزة، والعزة ذكر ابن القيم ﵀ لها ثلاثة معان:
стр. 361
المعنى الأول: العزة بمعنى الغلبة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨].
ومنها قول الشاعر:
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب
المعنى الثاني للعزة: أنه ممتنع عن كل نقص، مأخوذ من الأرض العزاز، يعني الصلبة التي لا تُنال إلا بقوة ومعاول كبيرة وحديدية.
الثالث: العزة التي هي كماله أي: كمال وصف.
وهو العزيز بعزة هي وصفه ... فالعز حينئذٍ له ثلاثة معانٍ
أما الحكيم: فإن الحكيم مشتق من معنيين: المعنى الأول: الحكم، والمعنى الثاني: الحكمة؛ لأن هذه المادة الحاء والكاف والميم تدل على الحكم وعلى الحكمة، يعني الإحكام، فأما الحكم فإن حُكْم الله تعالى نوعان: النوع الأول: الحكم القدري، والنوع الثاني: الحكم الشرعي، مثال الأول: قول الله ﵎ عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، يعني يقدر، هذا حكم كوني، والحكم الكوني لا بد من وقوعه، فإذا حكم الله تعالى بالشيء كونًا فلا بد أن يقع.
أما الحكم الشرعى فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، يعني حكمًا شرعيًّا، وأما قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]، فالظاهر أنها شاملة، وإن كان السياق يقتضي أن المراد به الحكم الشرعي، لكننا نقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
стр. 362
فقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠] يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، الحكم الكوني ذكرنا أنه لا بد من وقوعه، وأما الحكم الشرعي إذا حكم الله على أحدٍ بشيء شرعًا هل يلزم منه الوقوع؟
الجواب: لا؛ لأن من الناس من لم يحكم بما أنزل الله، ولم يمتثل أمر الله، فلا يلزم من الحكم الشرير أن يقع المحكوم به؛ لأنه شرع، والشرع قد يُخالَف وقد يوافق، أما الحكمة فإنها وضع الشيء في مواضعه، على حد قول بعض السلف: إن الله تعالى لم يأمر بشيء فيقول العقل: ليته لم يأمر به، ولم ينهَ عن شيء فيقول العقل: ليته لم ينهَ عنه، فهي وضع الأشياء في مواضعها، وأنت إذا تأملت أحكام الله تعالى الكونية وأحكامه الشرعية، وجدت أنها في موضعها.
فإن أدرك ذلك عقلك فهذا المطلوب، وإن لم يدركه فسلم الأمر لمن له الحكمة البالغة، ولذلك نجد الشرائع مطابقة للحكمة تمامًا، فالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وبر الوالدين وصلة الأرحام، وما أشبه ذلك كلها مطابقة للحكمة.
ونجد أيضًا الأحكام الكونية مطابقة للحكمة قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، فالفساد الذي يكون في البر أو في البحر هو فساد لكنه لحكمة عظيمة، وهي: أن يرجع الناس إلى دينهم ويكفوا عما كسبت أيديهم من المعاصي، وهلمَّ جرَّا.
يعني أحكام الله الكونية والشرعية كلها مطابقة للحكمة،
стр. 363
ولكن لا يلزم من كونها مطابقة للحكمة أن يفهم الحكمة كل أحد من الناس، فقد تخفى على كثير من الناس، وقد تخفى على بعض الناس دون بعض، وما خفي عليك فَكِلْهُ إلى عالمه، ولذلك لما سألت المرأة عائشة ﵂: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت عائشة ﵂: "كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (١).
إذًا: مجرد كون هذا الشيء محكومًا به من قِبل الله شرعًا فإننا نعلم أنه لحكمة، وأيضًا مجرد كون الشيء يقع في أحكام الله الكونية، وإن كانت لا تظهر لنا المصلحة فيه؛ فإننا نعلم أنه لحكمة، فعلينا أن نستسلم وأن لا نعارض، وأن لا نقول: كيف ولا لِمَ؟ لأن ذلك فيه اعتراض، اللهم إلا رجلًا يريد أن يسأل عن الحكمة، حتى يطمئن قلبه، وحتى يعرف من صفات الله ما لا يعرف، فهذا لا بأس به.
واعلم أن الحكمة نوعان: حكمة غاية، وحكمة وضع الشيء على ما هو عليه، ويمكن أن نقول: حكمة صورية وحكمة غائية، فالصورية: أن يكون الشيء على هذه الصورة، فكونه على هذه الصورة، هذه حكمة، كون الصلوات مثلًا خمسًا وفي أوقات مختلفة، هذه حكمة، كونها تنقطع على الوتر، هذه حكمة، صلاة الليل وصلاة النهار، فصلاة النهار وترها المغرب، وصلاة الليل وترها النافلة المعروفة، هذه حكمة، كون هذه الأمور مشروعة لغاية، أيضًا حكمة، وهكذا أيضًا المخلوقات هي على وضعها
стр. 364
التي هي عليه حكمة، والغاية التي تصل إليها هذه المخلوقات لا شك أنها حكمة، فصار الحكيم مشتق من الحُكْم والإِحْكام الذي هو الحكمة، والحكم نوعان: كوني وشرعي، والحكمة نوعان: صورية وغائية.
الفائدة الثانية عشرة: حسن الختام في الآيات الكريمة، وأنها مطابقة تمامًا للأحكام التي خُتِمت بها، فالعزة من معناها الغلبة، ولا شك أن إيجاب قطع الأيدي يدل على العزة والغلبة وكمال السلطة، الحكمة أيضًا تُنَاسِب القطع لأن فيها حكمًا صارمًا، وفيها أيضًا حكمة بالغة.
فلذلك كانت الجملة: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مطابقة تمامًا لما ذكر في الآية الكريمة من قطع يد السارق، وبيان الحكمة من ذلك، ورأيت في كتاب السيوطي الإتقان أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ والله غفور رحيم فاستنكر الأعرابي هذا وقال: أَعِد الآية، فأعادها مرة ثانية باللفظ الأول: "والله غفور رحيم" ثم قال: أعدها، فأعادها مرتين أو ثلاثًا، ثم أعادها على الصواب، فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: الآن أصبت؛ لأنه عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع.
انظر، كيف الفهم، وهو أعرابي لم يتعلم؟ لكن واضح أن الله لو قال: "والله غفور رحيم" ما نالسب وجوب القطع، هذا يناسب التوبة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩] أما القطع فإنه يناسب العزة والحكمة.
стр. 365
الفائدة الثالثة عشرة: الرد على كل ناعق يقول: إن قطع الأيدي وحشية، وأن ذلك يستلزم أن يكون نصف الشعب أشل، ليس له إلا يد واحدة، لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فيقال: بل هذه هي عين الحكمة وعين الصواب؛ لأنه لو ترك الناس لحصلت الفوضى وابتزاز الأموال. والسطو على الآمنين، فكان قطع اليد لا شك أنه هو الحكمة، وانظر إلى الشعوب التي تطبق هذه الحدود الشرعية كيف تقل فيها الجريمة، وعلى العكس الشعوب التي لا تطبقها.
وهذا كقول القائل: إن قتل القاتل يعني كثرة إزهاق النفوس، وهذا أيضًا مصادم تمامًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، فالقصاص هو الحياة في الواقع، لنا فيه حياة؛ لأن من هَمَّ بالقتل ثم ذكر أنه سيقتل امتنع وكف عن القتل، ثم ليُعلم أن المقتول ظلمًا، لا بد أن يقتل قاتله، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، سلطانًا شرعيًّا بأن له القصاص، وسلطانًا قدريًّا؛ بأن الله تعالى يمكن من العثور على هذا القاتل حتى يُقتل، وهذا شيء مشاهد دائمًا، يقتل القاتل ويهرب، وإذا به يأتي بقدر الله ، وهذا داخل في قوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانً﴾ أي: قدريًّا وشرعيًّا، وكأن الأمر حاصل ولا بد، ولهذا قال: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]؛ كأنه قال: لا بد أن يقتل أي: ولي المقتول ظلمًا، ولكن لا يسرف في القتل، وذلك لأن ولي المقتول ظلمًا قد تأخذه الحمية والغضب، فيسرف في القتل، فنهاه الله عن ذلك، وجعل الأمر قصاصًا.
* * *
стр. 366
° قال الله : ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
قوله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ "مَنْ": هذه شرطية، وهي عامة تعم السارق وغير السارق، كل إنسان يتوب من بعد ظلمه ويصلح فإن الله يتوب عليه، يدخل فيها السارق من باب أولى، لأنها في سياق الحكم على السارق، فإذا تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه.
والفائدة من ذكر هذه الآية بعد قوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] هي أن السارق قد تقطع يده، والحد هنا يكفر ما سبق من ذنب، لكنه في قرارة نفسه يريد أن يسرق إذا سنحت له الفرصة، فهل يتوب الله عليه في هذه الحال؟
الجواب: لا، لأنه لم يتبْ، فلا بد أن يتوب، فلا يقال: إنه قد ثبت عن النبي ﷺ أن من فعل شيئًا من هذه القاذورات وأصيب بها في الدنيا فإنه كفارة له (١)، يعني الحدود كفارة، كما يدل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨].
وقوله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ "هذا" فيمن تاب من بعد إقامة الحد عليه بالقطع، فالقطع يُكفِّر ما مضى، لكن إذا كان في نية هذا السارق، أنه إذا تسنى له السرقة سرق، فهل يتوب الله عليه؟
الجواب: لا، لأنه لم يتب إلى الله، ومثله من قتل قصاصًا أيضًا، لو كان في قلبه أنه لم يتب من الفعلة التي فعلها، وأنه لو
стр. 367
تسنى له أن يقتل أحدًا لقتله، فإن القصاص لا يُكفّر عنه؛ لأن هذا فيما بينه وبين الله، وهو لم يتب فيما بينه وبين الله.
إذًا لو قال قائل: هل الآية تعارض الحديث بأن الحدود كفارة؟
الجواب: لا، الحدود كفارة لما سبق ومضى، وأما ما يبقى في قلبه من إرادة المعصية، فإنه لم يتب قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ أي: تاب من ظلم نفسه وظلم غيره؛ لأن المعصية إن تعدت إلى الغير فقيها ظلمان: ظلم النفس وظلم الغير، وإن كانت خاصة بالإنسان، ففيها ظلم واحد وهو ظلم النفس، وعجبًا للإنسان المسكين أن يُقدم على المعصية، وهو يعلم أنه بذلك ظالم لنفسه، ولو أن أحدًا أراد أن يظلمه لكان يدافع عن نفسه، ويمنعه من الظلم، فكيف لا يدافع عن نفسه من نفسه، ولكن الهوى يعصي ويصم.
المهم أن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ يشمل ظلم نفسه، وظلم غيره.
وقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: أصلح ما فسد بظلمه؛ لأن الظلم يفسد القلب، كما قال النبي ﵊: "من ترك ثلاث جمع تهاونًا طبع الله على قلبه" (١)، فالمعاصي تُفسِد، فإذا أصلح فإن الله يتوب عليه، والإصلاح في تحقيق التوبة والعمل الصالح.
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ يتوب عليه أي: يقبل توبته،
стр. 368
واعلم أن لله ﵎ على عبده توبتين: التوبة الأولى: التوفيق للتوبة، والتوبة الثانية: قبولها من التائب، فمن الأول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، تاب عليهم قبل أن يتوبوا بدليل قوله: ﴿لِيَتُوبُوا﴾ هذه التوبة توبة التوفيق، أن الله يوفق الإنسان إلى التوبة فيتوب إلى ربه .
وأما قبول التوبة: فمثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، ومثله هذه الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾، أي: يقبل توبته.
وهل يصح في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أن يكون بمعنى يوفقه للتوبة؟
الجواب: لا، لقوله: ﴿فَمَنْ تَابَ﴾ فهو الآن قد وفِّق: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: من هذا الظلم الذي تاب منه.
وقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: أصلح ما فسد بظلمه، وقد تقدم، وذلك بتدارك الواجب إن أمكن تداركه، وبالإقلاع عن المحرم فلا يستمر عليه، هذا هو الإصلاح ولا بد منه.
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الجملة مؤكَّدة بـ (إنَّ)، من أجل طمأنينة العبد التائب بأن توبته لن تذهب سدى.
وقوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذان اسمان كريمان من أسماء الله، مقترنان كثيرًا في القرآن؛ لأن بالأول زوال المكروه، وبالثاني حصول المحبوب، فالأول غفور؛ يعني للذنوب، والثاني رحيم، يعني أنه يوصل الخير إلى عباده بمقتضى رحمته .
стр. 369
لو قال قائل: هل الغفور هنا اسم فاعل أو صفة مشبهة أو صيغة مبالغة؟
نقول: الظاهر والله أعلم أنها صيغة مبالغة، وليست اسم فاعل؛ اسم الفاعل مثل قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]، لكن هذه صيغة مبالغة، وجاءت بصيغة المبالغة؛ لكثرة غفران الله تعالى لعباده، ولكثرة من غُفِر لهم، فما أكثر ما يغفر الله لنا ذنوبنا بما شرع لنا من أسباب المغفرة، وما أكثر الذين غُفِرت ذنوبهم، فلهذا جاء هذا الاسم بصيغة المبالغة.
فما هي المغفرة؟ المغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه، هذا معناها، وإنما قلنا بهذا من أجل أن يطابق الوصف المعنوي الوصف الحسي؛ لأنهم يقولون: إنها مشتقة من المِغْفَر. والمِغْفَر هو ما يغطي به المقاتل رأسه يتقي به السهام، وإذا تأملت المغفر وجدت أنه حصل به شيئان: الستر والوقاية.
إذًا فالغفور معناه: الساتر لذنوب عباده الواقي لهم من عذابه، وما أكثر الذنوب، ولو أن الله تعالى أطْلَعَ الناس على ذنوبنا لكان كما قال القحطاني ﵀ في النونية:
والله لو علموا قبيح سريرتي ... لأبى السلام علي من يلقاني
يعني: لو أن الله كشف الذنوب لكان الإنسان يُهجَر، لكن من لطفه أنه يسترها، وفي النهاية لا يعاقب عليها، كما جاء في الحديث الصحيح: "أن الله تعالى يوم القيامة يخلو بعبده المؤمن وحده ويقرره بذنوبه، يقول: فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا، ويقر، لا يستطيع أن ينكر، فيقول الله له: قد سترتها
стр. 370
عليك في الدنيا، وأنا أكفرها لك اليوم" (١) أقيك عذابها وعقوبتها مع سترها.
وقوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ أي: ذو رحمة بالغة، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ﴾ ماذا؟ ﴿ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧] والرحمة صفة حقيقية ثابتة لله بالقرآن والسنة وإجماع السلف، وقد أنكرها أهل التعطيل الذين حكموا على الله بعقولهم، وتركوا الكتاب والسنة؛ لأن من أصول عقيدتهم أن تلقي الصفات من العقول، فما اقتضى العقل نفيه، وجب نفيه، وما اقتضى إثباته؛ وجب إثباته، وما لم يقتضِ نفيه ولا إثباته توقفوا فيه، يقول شيخ الإسلام ﵀: إنهم انقسموا فيه قسمين، بعضهم توقف فيه وأكثرهم نفاه، قال: لأنه لا بد من دليل إيجابي على ثبوته، وأنت ترى أن هذا الأصل الخبيث يستلزم تكذيب ما جاء في القرآن، وإثبات ما لم يأتِ في القرآن؛ لأنهم قالوا: إذا أثبت العقل شيئًا أثبتناه، يعني سواء وجد في الكتاب والسنة أم لا، وإذا نفى شيئًا نفيناه، يتصرفون هذا التصرف في معبودهم وإلههم، ولا شك أن الإنسان إذا تأمل هذه القاعدة الخبيثة وجدها خطرًا عظيمًا، ولولا أنهم يعذرون بأنهم قالوا ذلك تاويلًا لكان أمرهم خطيرًا جدًّا.
نحن نؤمن بأن لله تعالى رحمة، وهم لا ينكرون الرحمة إنكار تكذيب لكنهم ينكرونها إنكار تأويل، ولذلك لم يكفروا، ولو أنهم أنكروها إنكار تكذيب لكفروا؛ لأن هذا تكذيب للخبر،
стр. 371
لكنهم ينكرونها إنكار تأويل، ويقولون: إن الرحمة هي الثواب أو إرادة الثواب، والمعلوم أن الثواب شيء منفصل عن الله مخلوق بائن من الله، وإرادة الثواب صفة في ذات الله، لكن هم يُقرون بالإرادة أي: يثبتون الإرادة التي هي إحدى الصفات السبع، وعجبًا أنهم يثبتون الإرادة بطريق خفي، وينكرون الرحمة مع أن طريقها واضح، في الإرادة يقولون: نحن نستدل بأن الله مريد بالتخصيص، يعني كونه يخصص مثلًا الإنسان على هذا الوجه، يعني مستطيل القامة، له عقل وإرادة، وما أشبه ذلك، وخصص البعير بخصائصه، والشمس بخصائصها، والقمر بخصائصه، هذا يدل على الإرادة، يعني لولا الإرادة لكانت المخلوقات كلها سواء. فهم يقولون: التخصيص يدل على الإرادة، ودلالة التخصيص على الإرادة دلالة خفية لا يعرفها كل إنسان، حتى طلاب العلم لا يعرفونها إلا إذا قرؤوها، لكن دلالة النعم على الرحمة واضحة، كلّ يعرف أن من رحمة الله أن جعل الليل والنهار، وجعل الأمطار والأنهار وغير ذلك، يعرفها الخاص والعام.
والعجيب أنهم يقولون: الرحمة لا نُثبتها لانتفاء دلالة العقل عليها، والإرادة نثبتها لدلالة العقل عليها، فيقال: سبحان الله، أيما أبين دلالة العقل على الرحمة أو على الإرادة؟ ! دلالة العقل على الرحمة بلا شك.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: حث الإنسان على التوبة حتى لو ظَلَمَ، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ
стр. 372
عَلَيْهِ﴾، والله تعالى لم يقل هذا لمجرد الخبر، بل لأجل الحث على التوبة.
الفائدة الثانية: التائب من الظلم مهما كان، حتى التائب من الشرك إذا تاب وأصلح فإن الله يتوب عليه، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الظلم يشمل الشرك، كما قال الله تعالى عن لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
الفائدة الثالثة: أن فعل المعاصي وترك الواجبات ظلم، لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ وذلك أن النفس عند الإنسان أمانة يجب أن يسعى لها بما هو الأصلح والأنفع، فإذا خالف فهو ظالم خائن للأمانة.
الفائدة الرابعة: أنه لا بد في التوبة من الإصلاح؛ لقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ ولكن هل الإصلاح شرط للتوبة في جميع الأعمال؟ أو شرط للتوبة في ذلك العمل الذي وقع فيه الظلم؟
الجواب: الثاني، ولهذا نقول: الصحيح أنه يجوز أن يتوب من ذنب مع الإصرار على غيره، لكن هو لا يستحق أن يسمى تائبًا على وجه الإطلاق، بل يقيد أنه تائب من كذا.
إذًا قوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: ما أفسده بظلمه وإن لم يكن أصلح جميع أحواله.
الفائدة الخامسة: تأكيد توبة الله على من تاب وأصلح، لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ وقد تقدمت شروط التوبة قريبًا وأنها خمسة.
الفائدة السادس: بلاغة القرآن الكريم حيث يختم الأحكام بما يناسبها من أسماء الله، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 373
الفائدة السابعة: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله وهما الغفور والرحيم.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ [المائدة: ٤٠].
قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ الخطاب لكل من يصح توجه الخطاب إليه، فكل من يصح توجه الخطاب إليه فإنه داخل في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ لأن خطاب المفرد في القرآن الكريم يشمل كل من يتأتى خطابه، أو كل من يصح توجيه الخطاب إليه إلا إذا دل الدليل على أنه خاص بالرسول ﵊، فيكون خاصًّا به، فقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، هذا خاص بالرسول ﷺ ، لكن إذا لم يدل الدليل على أنه خاص بالرسول ﷺ فإن القرآن يخاطب كل الناس، فإنه يُحمل على أنه موجَّه إلى كل من يصح توجه الخطاب إليه، وقد ذكرنا فيما سبق الخلاف في هذا، هل هو موجه للرسول ﷺ أولًا، ثم لغيره ثانيًا، أو لغيره أولًا، ثم لغيره تأسيًا، أو لكل من يصح منه الخطاب؟ هذا هو الأولى.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ أيها المخاطب أن الله له ملك السموات والأرض، وأتى بهذه الآية في مكانها اللائق؛ لأن ما سبق من الآيات كان في إقامة الحدود، فلعل النفس تقول: لماذا كل هذه الشدة، لماذا هذه الغلظة، فقال الله : ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والاستفهام هنا للتقرير، فإذا كان له
стр. 374
ملك السموات والأرض، فإنه يحكم بما شاء، ويفعل ما شاء، ولهذا قال: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في هذه الآية قَدَّم التعذيب على المغفرة، وفي آية أخرى قدم المغفرة على التعذيب، والمناسبة واضحة، لأن الكلام هنا عن الحدود والعقوبات، فناسب أن يُقدم التعذيب على المغفرة.
قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ لا تظن أن الله إذا قال: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا تظن أن الأمر على غير حكمة، بل يعذب من يشاء إذا اقتضت الحكمة تعذيبه، ويغفر لمن يشاء إذا اقتضت الحكمة أن يغفر الله له، ولهذا قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠].
ثم ختم هذه الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومن قدرته أنْ أمر بعقوبة الجناة على الوجه المذكور، وقد تقدم أن القدرة هي فعل الشيء بدون عجز، فالله ﵎ يفعل ما يشاء بدون عجز، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، فهو لا يعجزه شيء، القوة ضدها الضعف، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، لكن القدرة ضدها العجز، والفرق بينهما أن القدرة لا تكون إلا من ذي إرادة، والقوة تكون من ذي الإرادة وغيره، فالإنسان يقال له قادر، ويقال له قوي، والجدار يقال له قوي، ولا يقال له قادر، لأن القدرة لا تكون إلا من ذي إرادة.
стр. 375
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: تقرير عموم ملك الله ، لقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
الفائدة الثانية: أن الملك العام في السموات والأرض خاص بالله، دليله تقديم الخبر في قوله: لَه ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال علماء البلاغة: وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص.
الفائدة الثالثة: أن ملك السموات والأرض لله لا يشاركه فيه أحد، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣]، وقال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ [سبأ: ٢٢].
فإذا قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة، واختصاص ملك السموات والأرض بالله، وبين قول الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١]، وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وما أشبه ذلك من إثبات الملك للمخلوق؟
الجواب: نقول: ملك الله عام، يتصرف كما يشاء في كل شيء، أما ملك الإنسان فخاص ومقيّد، أيضًا لا يتصرف الإنسان في ملكه كما يشاء، فالإنسان ممنوع من الربا، وممنوع من الغش، وممنوع من المعاملة المجهولة، بل ممنوع من أن يتلف ماله، فالملك إذًا قاصر تصرفًا وعينًا، حتى الأعيان لا يملك الإنسان منها كل شيء، يملك ملكه الخاص، لكن ملك الله عام في كل شيء، في الأعيان والتصرف فيها، ولذلك ليس لنا الحق أن نتصرف فيما ملكنا الله إلا بإذن الله.
стр. 376
الفائدة الرابعة: إثبات العقوبة والمغفرة لله وذلك لكمال سلطانه، لكن نجزم أنه لن يعذب أحد إلا بذنب يستحق العذاب عليه.
الفائدة الخامسة: إثبات المشيئة لله، لقوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا شك أن الله له المشيئة التامة، يقول المسلمون كلهم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
فإن قال قائل: مشيئة الله في أفعاله واضحة، يعني كونه ينزل المطر وينبت النبات ويخلق السموات والأرض، ويحيي ويميت هذا واضح، لكن هل له مشيئة في أفعال العباد؟
الجواب: نعم له مشيئة في أفعال العباد، قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣]، كررها مرتين، ليبين أن فعلهم بمشيئة الله .
الفائدة السادسة: إثبات قدرة الله على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، وهل يُستثنى من هذا العموم شيء؟ الجواب: لا يُستثنى شيء، بل هو قادر على كل شيء ولا استثناء فيه.
قبل أن نبدأ في تفسير هذه الآية فإننا نحب أن نلقي شيئًا من الأضواء على ما يتعلق بتفسير كتاب الله ، فنقول:
أولًا: معرفة تفسير كتاب الله فرض، إما فرض كفاية وإما فرض عين، وعلى هذا فمن قام بمعرفة تفسير القرآن الكريم، فإنه قد قام بفريضة من فرائض الله .
стр. 377
ووجه كون التفسير فرضًا أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤] ومن المعلوم أن الله تعالى لم ينزل علينا القرآن لمجرد أن نتعبد بلفظه، بل لنعرف معناه ونطبقه عملًا وعلمًا وإلا لكانت فائدته قليلة، لو كان المقصود مجرد أن نتعبد لله بتلاوته، وقد كان الصحابة ﵃ لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل (١).
فإذا قال قائل: إلى أي شيء نرجع في التفسير فكتب التفسير كثيرة، وتناولها للقرآن على وجوه متنوعة، فإلى أيها نرجع؟
نقول: أهم شيء نلاحظه في هذا، ما يتعلق بالعقيدة، وعلى هذا فنحذر من كل من ينحى منحى أهل التعطيل في صفات الله وأسمائه، فإذا عُرِف أن صاحب هذا التفسير من هؤلاء القوم فلنحذره حتى وإن كان فيه فوائد من الناحية اللغوية أو الفقهية، لكن يجب أن نحذره في مقام العقيدة، لئلا نزل.
ولنضرب لهذا مثلًا، الكشاف للزمخشري: لا شك أنه تفسير جيد في تحرير المعنى، وفيما يرمي إلى البلاغة، وأن كل من جاء بعده ممن ينهجون هذا المنهج، كلهم عيال عليه، حتى إنك لترى العبارة: عبارة الزمخشري بنصها وفصها في هذه التفاسير، لكنه في مسألة العقيدة سيء يجب الحذر منه، حتى قال
стр. 378
بعضهم: إنه لا يطلع على ما في كتابه هذا من الاعتزال إلا بالمناقيش -يعني أنه خفي- كما أن الشوكة لا تخرج إلا بمنقاش، كذلك لا يمكن أن يخرج الإنسان اعتزاليات صاحب الكشاف إلا بالمناقيش، وضرب لهذا مثلًا: قال: إنه قال: -عفا الله عنا وعنه- في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] قال: أي فوز أعظم من أن يزحزح الإنسان عن النار ويدخل الجنة، هذا الكلام لا أحد يشعر بأن فيه انحرافًا، لكن إذا علمنا أن الرجل ذكي، وأنه يغلف المعاني بما يخفى على كثير من الناس، فهو يريد بهذا أن ينكر الرؤية أعني رؤية الرب ؛ لأن رؤية الرب أعظم فوزًا من أن يدخل الإنسان الجنة ويزحزح عن النار، لكن الرجل ذكي، فمثل هذه العبارة يقرؤها الإنسان على أنها عبارة سليمة ليس فيها شيء، ولكن ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قِبله العذاب. الحاصل أن الإنسان لو رجع إلى تفسير الزمخشري وأعجبه بلاغته وحسن أسلوبه لكنه صغير ليس عنده علم، نقول: لا بد أن ينبه على هذا، ويقال: خذ ما يتعلق بالبلاغة، وما يتعلق بالنحو، وما يتعلق بالمعنى، لكن احذر مسألة العقيدة.
إذًا: على أي تفسير نعتمد؟
نقول: أولًا: إن التفاسير الأثرية، أي: التي تفسر القرآن بالآثار عن الصحابة، وعن كبار التابعين، هي أولى ما يلتفت إليه وعلى رأسها تفسير ابن جرير، لكن في تفسير ابن جرير آفة، وهو أنه يطلق التفسير عن الصحابة والتابعين بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وكأنه ﵀ يريد أن يجمع ما
стр. 379
روي؛ فإما أن المنية أدركته قبل تمحيصه، وإما أنه يريد أن يكل هذا إلى القارئ، ولهذا إذا مر عليك شيء مشكل من تفسير القرآن بالأثر في ابن جرير أو غيره، فارجع إلى السند ربما تجد فيه آفة توجب رد ما روي عن ابن عباس أو عن مجاهد أو غيرهما.
ومن خير ما نرى من التفاسير، تفسير ابن كثير ﵀، فهو تفسير أثري نظري، لكنه أحيانا يتغاضى عن الكلام عن بعض الإسرائيليات أو بعض القصص، وهذه لا شك أنها آفة لكن كما تقدم: متى أنكر قلبك شيئا من هذا فارجع إلى الأسانيد أو إلى أصل هذا المتن المروي، فقد يكون من الأشياء التي رُخِّص فيها عن بني إسرائيل، لقوله ﷺ : "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (١). لكنه تفسير جيد.
ثانيًا: ومن التفاسير التي تعنى بتفسير القرآن بالقرآن تفسير الشيخ الشنقيطي ﵀ حسب الاسم والعنوان؛ لأنه معنون بأضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن.
ثالثًا: أما تفاسير المتأخرين بعضها تجد الكلام الطويل العريض على الآية، ثم إذا أردت أن تحصل منه شيئا لا تجد شيئا، فهو قش هش فائدته قليلة، اللهم إلا النادر، وعلى كل حال طالب العلم يستطيع أن يميز بين الغث والسمين.
لكن هنا مسألة أحب أن أنبه عليها طالب العلم وهي: أني أُريد منك أن تحاول فهم القرآن بنفسك، اقرأ الآية، تدبر معناها، ثم سيكون لديك شيء من المعنى، ثم بعد ذلك ارجع إلى أقوال
стр. 380
المفسرين؛ لأن تعويد الإنسان نفسه على أخذ المعاني أو بعبارة ثانية على تفسير القرآن بنفسه يكسبه فهمًا كثيرًا؛ لأنه امتثال لأمر الله تعالى في قوله: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، لكن لا تجزم إذا كان الأمر ليس بواضح إلا بعد مراجعة كتب التفاسير.
رابعًا: ومن المفسرين من ينحى منحى آخر، فيذكر المسائل الفقهية مثل القرطبي ﵀، فإنه ينحى هذا المنحى، تجد في تفسيره مسائل كثيرة من مسائل الفقه، وهذا ولا شك أنه طيب ويفيد طالب العلم.
والمسألة الثانية في التفسير قال العلماء: يرجع أولًا إلى تفسير القرآن بالقرآن، وهذا كثير، ثم إلى تفسيره بالسنة، ثم إلى تفسيره بأقوال فقهاء الصحابة، ولا سيما من لهم عناية بتفسير القرآن، كابن عباس وابن مسعود ﵃، ثم إلى كبار التابعين الذين تلقوا التفسير عن الصحابة كمجاهد.
فمثلًا إذا قال لك قائل: ما هي القوة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]؟ ننظر في القرآن لا نجد تفسيرًا لها، لكن نجد تفسيرها في السنة، قال النبي ﷺ : "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" (١).
إذًا نفسر القوة بأنها الرمي، أي: تعلم الرمي، والرمي في كل زمان ومكان بحسبه، وقد كان الناس في السابق يرمون بالنبال وما أشبهها، ثم صاروا يرمون بالبارود، أي: بالبنادق والرصاص، ثم صاروا الآن يرمون بالصواريخ قريبة المدى وبعيدة
стр. 381
المدى، والرمي الذي ذكره الرسول ﵊، يشمل أي رمي كان، حسب أساليب الحرب التي في وقته.
كذلك لو قال لك قائل: ما هو يوم الدين؟ ننظر، فالقرآن فسره، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ [الانفطار: ١٧, ١٨] إذا يوم الدين هو اليوم الذي لا ينفع فيه إلا العمل ولا يملك فيه أحد لأحد منفعة، وأمثال هذا كثير.
ولا يعني هذا أننا إذا رأينا الآية تحتمل معان أخرى غير ما ذُكِر أن نقتصر على ما ذُكِر؛ لأن كلام الله تعالى أوسع من أن يحيط به البشر، قد يفهمون معنى ونحن نفهم معنى آخر للآية، لكن إن كان يُضاد ما فهمه الصحابة والتابعون، فإننا لا نقبله، أما إذا كان لا يضاده فلا مانع من أن نقول: الآية واسعة، تشمل هذا وهذا؛ لأن كلام الله واسع.
فالحاصل: أننا عند الاختلاف نرجع إلى تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسيره بالسنة، ثم بأقوال فقهاء الصحابة، ثم باقوال كبار التابعين، لكن إذا فهم الإنسان المعنى فلا حاجة للرجوع للتفسير.
فإذا قال قائل: كيف أتوضأ؟ قلنا: هذا واضح في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] ولا حاجة للتفسير.
تنبيه:
الاقتصار في تفسير القرآن على اللغة دون النظر إلى القرآن والسنة وأقوال الصحابة لا شك أن هذا المنهج غلط، فالرجوع
стр. 382
إلى اللغة مطلقًا غلط، فلو رجعنا إلى اللغة فقط في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لكان المعنى: وأقيموا الدعاء، وهذا غلط.
القاعدة الثالثة: قد تكون الآية محتمِلة لوجهين فأكثر، فماذا نصنع إذا احتملت الوجهين فأكثر؟ نقول: أي هذه المعاني أظهر؟ فإذا كان أحد هذه المعاني أظهر وجب حملها على هذا الأظهر، لا سيما إذا كان الأخفى يعادل الأظهر، فإننا نأخذ بالظاهر.
فمثلًا قول الله ﵎: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، تحتمل الآية معنيين.
أحدهما أظهر من الثاني، المعنى الأول: أن المراد باليدين هما اليدان الحقيقيتان اللتان يأخذ الله بهما ويقبض.
المعنى الثاني: القوة، لكن هذا المعنى الثاني بالنسبة للأول ضعيف جدًّا، فنقول: لا يمكن أن نحمله على المعنى الثاني؛ لأن المعنى الأول أظهر، والله لا يمكن أن يخاطب عباده بما هو أظهر، ويريد الأخفى، هذا مستحيل، لأن الله قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، فلا يمكن أن نحمل كلام الله على المعنى الأخفى مع وجود الأظهر، بل يتعين أن نأخذ بالأظهر.
أما إذا كان المعنيان محتملين، يعني أن المعنى صالح لهذا وهذا فحينئذٍ إن كان المعنيان لا يتعارضان وجب حمل الآية على المعنيين جميعًا، ولا مانع، وإن كانا يتنافيان وجب أن نطلب المرجِّح من الخارج، لأن اللفظ الذي بين أيدينا ليس فيه ترجيح، فنحتاج إلى مرجِّح من الخارج.
стр. 383
مثال الأول: قول الله ﵎: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨] الليل إذا عسعس: قال بعضهم: معناها أدبر، وقال بعضهم: معناها أقبل، وكلاهما صالح في السياق وفي اللغة العربية، فماذا نقول في مثل هذا؟ نقول: تُحمل الآية على المعنيين جميعًا ولا مانع؛ لأن كلام الله تعالى واسع، ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ [الطور: ٦] هل معنى: "البحر المسجور" الذي سيسجَّر ويكون نارًا يوم القيامة أو المسجور المملوء، أو المسجور الممنوع عن الفيضان على الأرض فيه أقوال. هل كل قول ينافي الآخر؟
الجواب: لا، هل المسجور ظاهرة في أحدها دون الآخر؟
الجواب: لا، بل اللفظ صالح للجميع، حينئذٍ نقول: المسجور، الذي سيسجر كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [التكوير: ٦] والمسجور المملوء كما تقول العرب: دلو مسجورة، أي: مملوؤة، والمسجور الممنوع كما يقال: سجرت الدابة بالقيد، أي: منعتها من الشرود، فالآية صالحة للجميع، أي: تحمل على الجميع، ولا مانع لأن كلام الله كما تقدم واسع.
مثال آخر: قول الله ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، يرى بعض العلماء أن المراد بالقروء الأطهار، ويرى آخرون أن المراد بالقروء الحيض، هذان المعنيان لا يمكن أن تحمل الآية عليهما جميعًا؛ لأنهما متنافيان، إذًا لا بد من مرجِّح خارجي، المرجح الخارجي إما من السنة أو من كلام العرب أو من غير ذلك، المهم لا بد من مرجح، إذا
стр. 384
رجعنا إلى المرجح الخارجي، وجدنا أن النبي ﷺ أطلق الأقراء على الحيض، فقال للمستحاضة: "اجلسي قدر ما تحبسك أقراؤك" (١)، أو كلمة نحوها.
فهنا نقول: المراد بالقروء الحيض، يتعين ذلك لدلالة السنة على هذا، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم، أنه متى احتملت الآية معنيين فأكثر ولا مرجح لأحدهما ولا منافاة بينهما، فإنها تُحمل عليهما جميعًا.
القاعدة الرابعة في التفسير: هل يجوز للإنسان أن يفسر القرآن برأيه أو لا يجوز؟
الجواب: لا يجوز، ومعنى تفسيره بالرأي أن تحمله على ما تعتقد، فتجعل القرآن تابعًا لرأيك وعقيدتك، وهذا يقع كثيرًا من أهل الأهواء؛ يحملون القرآن على ما يعتقدون، فيكونون قد قالوا في القرآن برأيهم، وهذه آفة قَلَّ من يسلم منها، حتى الفقهاء ﵏، تجدهم إذا مر بهم النص وهو على خلاف ما يرونه تجدهم يحاولون أن يصرفوه إلى ما يرون، وهذا لا يجوز، هذا يعني أن الإنسان جعل نفسه مشرعًا مع الله، فالله يريد كذا وهو يحمله على غيره، وهذا من أعظم المحرمات، أعني: تحريف
стр. 385
الكلم عن مواضعه، نعم لو فُرِض أنك حملته على غير ظاهره لدليل من القرآن والسنة فلا بأس، لكن لمجرد أنك تعتقد خلاف ما يدل عليه الظاهر فهذا لا يجوز أبدًا، ولا يحل، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، ومن اتخاذ الإنسان نفسه مشرعًا مع الله، وهذا نجده كثيرًا عند الفقهاء ﵏ في بعض المسائل، تجد أن الإنسان يحرف الدليل تحريفًا ظاهرًا من أجل أنه يعتقد خلاف ما يدل عليه، ولهذا أمثلة.
مثلًا يرى الفقهاء ﵏ أن الرجل لا يجوز أن يتطهر بفضل طهور المرأة، ويجوز للمرأة أن تتطهر بفضل طهور الرجل، ثم يستدلون بقول النبي ﷺ : "لا يغتسل الرجل بفضل المرأة، ولا المرأة بفضل الرجل وليغترفا جميعًا" (١)، ماذا نقول الآن؟ نقول هذا تناقض، كيف يستدل بهذا الحديث على منع تطهر الرجل بفضل طهور المرأة، وجواز تطهر المرأة بفضل طهور الرجل مع أن الحديث واحد؟ ! ! والذي يحمل على هذا هو اعتقادهم أن هذا هو الصواب.
وكذلك حديث عائشة ﵂ المشهور: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٢)، هذا الحديث حمله بعض الفقهاء على أن المراد به النذر، وقال: إن المرء إذا مات وعليه صيام
стр. 386
فرض رمضان أو كفارة فإنه لا يصام عنه، والذي حملهم على صرف الحديث من عمومه، اعتقادهم أن الفرائض يكلف بها الإنسان بنفسه، ولا أحد يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد.
فانظر كيف حملوا الحديث على مسائل نادرة الوقوع، وصرفوه عن مسائل كثيرة الوقوع، أيهما أكثر أن يموت الإنسان عن صيام رمضان أو عن صيام نذر؟ الأول بلا شك، وهذا خطأ في الاستدلال. وقد تقدم في اقتضاء الصراط المستقيم أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نبه على هذا، وأنه لا يجوز أن تحمل النصوص على المسائل النادرة، وتترك المسائل الكثيرة الوقوع.
ومما يتعلق بالقرآن وتفسيره مراعاة المعاني عند قراءة القرآن، فإن بعض الناس يقف على رأس آية موقفًا لا يتلاءم مع المعنى، وهذه مسألة تحتاج إلى فهم الإنسان، لا إلى التقيد بالرموز، أعني: علامات الوقف الموجودة في المصحف؛ لأن بعض هذه الرموز الوقف عليها خطا وأضح، وأضرب لهذا مثلًا:
قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ [الأنبياء: ٢١]. بعض الناس يصل، فيقول: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾، وهذا يفسد به المعنى؛ لأن جملة ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ مستقلة عن التي قبلها، ومعناها: أم لهم آلهة من الأرض أهم ينشرون، يعني أهذه الآلهة تُنشِر وتحيي الأموات؟ فتكون الجملة هنا مستأنَفَة، وهي استفهامية أيضًا حُذِف منها حرف الاستفهام لإبطال دعوى هؤلاء لآلهتهم التي يعبدونها.
كذلك أيضًا بعض الناس يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا
стр. 387
الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فيقف على قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾، ثم استأنف فسد المعنى تمامًا، أما قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤ - ٥] فلا بأس أن تقف على قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ [الماعون: ٤] لأنها رأس آية والله تعالى أعلم بكتابه، فإذا كانت رأس آية فقف ولا مانع وإن تعلق ما بعدها بما قبلها، ثم قد يكون في الوقف فائدة.
فمثلًا: إذا قرأت ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ [الماعون: ٤] ثم وقفت، فالذي يسمع القراءة ينتبه تجده متشوقًا لما يأتي بعدها، فإذا قرأت ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ برد قلبه وانشرح صدره.
تنبيه: أرى كثيرًا من إخواننا القراء الآن إذا انقطع بهم النَّفَس أعادوا ما قبل الأخير بكلمة أو كلمتين مع أن ما يعيدونه له تعلق بما قبله أي: بما لم يعيدوا، وهذا يقتضي إما التسلسل بأن يبدأ الإنسان من أول الآية ثم ينقطع نفسه في هذا المكان، والذي نرى أن انقطاع النَّفَس إذا كان لعذر يبدأ من حيث انقطع، اللهم إلا إذا انقطع في كلمة بين حروفها فهنا لا بأس أن يعيد الكلمة لأن بعض الناس يقرأ أربع آيات أو خمس آيات فتصير الخمسُ عَشْرَ آيات لأنه يكرر وهذا ليس بصحيح، ولا إخال أن الصحابة يفعلون هذا، ولذلك لما التزم بعض القراء هذا رأينا من يقرأ بالوصل في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ﴾ [المائدة: ٤١] وهذا غلط لأن الصلة تخل
стр. 388
بالمعنى، لكن الصواب أن يقف على قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١] ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١].
كذلك أيضًا من جهة التحزيب للقرآن، شيخ الإسلام ﵀ انتقد التحزيب الموجود في بعض الأحيان، تجد أن الحزب يقف على آية ما بعدها متعلق بها تعلق الروح بالجسد، لكن مكتوب مثلًا حزب، ثلاثة أرباع حزب، ثمن، وما أشبه ذلك، يقول شيخ الإسلام ﵀: ما هكذا حَزَّبَهُ الصحابة، الصحابة يُحزِّبُونه ولكنهم يراعون المعنى، فإذا كان باقٍ على تمام المعنى سطر أو سطران أخَّروا التحزيب، وهذا صحيح، في بعض الأحزاب تتعجب كيف يكون هذا آخر الحزب وما بعده متعلق به تعلقًا واضحًا؟
هذا ما يحضرني الآن من الكلام على شيء من قواعد التفسير، وقد ألفنا كتابًا صغيرًا في قواعد التفسير يدرس في المعاهد العلمية، فمن شاء فليرجع إليه (١).
وهنا مسألة: وهي أني أريد أن أنبه طالب العلم أنه يجب عليه أن يعتني بالتفسير، فكثير من طلاب العلم يعتني بالعقيدة وهذا طيب، وكثير منهم يعتني بالفقه وهذا طيب، وكثير منهم يعتني بالحديث وهذا طيب أيضًا، ولكن فيما أرى والعلم عند الله، قليل من يعتني بالتفسير، وهذا من العجائب، فالقرآن الكريم مملوء من كل خير، أحيانًا تحاول أن تطلع على كلام الفقهاء في حكم مسألة من المسائل وتحاول فلا تجدها، وإذا هي موجودة في القرآن، والله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ
стр. 389
شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ولهذا؛ القرآن فيه كنوز عظيمة، حتى إن الإنسان يقف أحيانًا يتأمل ما وجه ارتباط هذا بهذا، أو ما وجه كون هذه الكلمة مرفوعة أو منصوبة أو ما شابه ذلك، فعليك بالتفسير، لكن لو قرأ طالب العلم في التفسير دون أن يسبق له شيء من علوم الآلة كعلوم اللغة بفروعها قد لا يدرك شيئًا.
لو قال قائل: بعض المفسرين المعاصرين يحاول أن يربط بين آيات القرآن وبين الاكتشافات العصرية، فما حكم هذا؟
الجواب: نعم بعض المعاصرين يحاول أن يربط الاكتشافات العصرية بالقرآن، لكن بعضهم يتجاوز ويفرط في هذا، ويفسر القرآن بما يطابق الحاضر، وهو بعيد عنه، لكن إذا كان المعنى قريب فلا بأس، وقد رأيت بعض الناس لما قيل: إنهم وصلوا إلى القمر، صار يدندن على تفسير قول الله ﵎: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣]، وقال: إن هؤلاء نفذوا إلى أقطار السموات، وأن المراد بالسلطان هو العلم، وهذا حرام، فلا يجوز تفسير الآية بهذا المعنى، حرام لا إشكال فيه؛ لأن الآية ظاهرة جدًّا في أن هذا من باب التحدي، وأنهم لن يستطيعوا النفوذ والله يقول: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، هل أحد نفذ من أقطار السموات؟ يعني لو قلنا: نفذوا من أقطار الأرض وتعدوا الجاذبية، لم ينفذوا من أقطار السموات، والآية واضحة بأنه يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
стр. 390
وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٢٦, ٣٥]، ثم مَنْ قال: إن السلطان هو العلم، في هذه الآية؟ صحيح أن السلطان يأتي بمعنى العلم، مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨] لكن في هذه الآية المراد بالسلطان القدرة؛ لأنه قال: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ولا سلطان لكم، فالسلطان يأتي بمعان متعددة، في كل موضع بحسبه.
فهؤلاء الذين يفسرون القرآن بما حدث من اكتشافات، بعضهم يفرط في هذا فيتجاوز الحد، ولم يعلم أنه ربما يأتي يوم من الأيام تكون النظرية التي حمل عليها القرآن نظرية خاطئة وحينئذٍ يُخَطَّئ مدلول القرآن.
لو قال قائل: ما حكم كتابة بعض الآيات على الأسواق التجارية والمدارس والمنازل وغير ذلك؟
الجواب: بعض الناس يستعمل الآيات أو الاستدلال بالآيات في معانٍ غير مقصودة، مثلًا، كثيرًا ما نرى على المنازل أو على الأسواق التجارية أو حتى على الإدارات، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] هذا لا يجوز؛ لأن النبي ﵊ لا يمكن أن يرى هذا العمل، الله يراه، والمؤمنون الموجودون يرونه، لكن