← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فرض رمضان أو كفارة فإنه لا يصام عنه، والذي حملهم على صرف الحديث من عمومه، اعتقادهم أن الفرائض يكلف بها الإنسان بنفسه، ولا أحد يصوم عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد. فانظر كيف حملوا الحديث على مسائل نادرة الوقوع، وصرفوه عن مسائل كثيرة الوقوع، أيهما أكثر أن يموت الإنسان عن صيام رمضان أو عن صيام نذر؟ الأول بلا شك، وهذا خطأ في الاستدلال. وقد تقدم في اقتضاء الصراط المستقيم أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نبه على هذا، وأنه لا يجوز أن تحمل النصوص على المسائل النادرة، وتترك المسائل الكثيرة الوقوع. ومما يتعلق بالقرآن وتفسيره مراعاة المعاني عند قراءة القرآن، فإن بعض الناس يقف على رأس آية موقفًا لا يتلاءم مع المعنى، وهذه مسألة تحتاج إلى فهم الإنسان، لا إلى التقيد بالرموز، أعني: علامات الوقف الموجودة في المصحف؛ لأن بعض هذه الرموز الوقف عليها خطا وأضح، وأضرب لهذا مثلًا: قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ [الأنبياء: ٢١]. بعض الناس يصل، فيقول: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾، وهذا يفسد به المعنى؛ لأن جملة ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ مستقلة عن التي قبلها، ومعناها: أم لهم آلهة من الأرض أهم ينشرون، يعني أهذه الآلهة تُنشِر وتحيي الأموات؟ فتكون الجملة هنا مستأنَفَة، وهي استفهامية أيضًا حُذِف منها حرف الاستفهام لإبطال دعوى هؤلاء لآلهتهم التي يعبدونها. كذلك أيضًا بعض الناس يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا

стр. 387

الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فيقف على قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ وهذا لا يجوز؛ لأنه إذا قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾، ثم استأنف فسد المعنى تمامًا، أما قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤ - ٥] فلا بأس أن تقف على قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ [الماعون: ٤] لأنها رأس آية والله تعالى أعلم بكتابه، فإذا كانت رأس آية فقف ولا مانع وإن تعلق ما بعدها بما قبلها، ثم قد يكون في الوقف فائدة. فمثلًا: إذا قرأت ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ [الماعون: ٤] ثم وقفت، فالذي يسمع القراءة ينتبه تجده متشوقًا لما يأتي بعدها، فإذا قرأت ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ برد قلبه وانشرح صدره. تنبيه: أرى كثيرًا من إخواننا القراء الآن إذا انقطع بهم النَّفَس أعادوا ما قبل الأخير بكلمة أو كلمتين مع أن ما يعيدونه له تعلق بما قبله أي: بما لم يعيدوا، وهذا يقتضي إما التسلسل بأن يبدأ الإنسان من أول الآية ثم ينقطع نفسه في هذا المكان، والذي نرى أن انقطاع النَّفَس إذا كان لعذر يبدأ من حيث انقطع، اللهم إلا إذا انقطع في كلمة بين حروفها فهنا لا بأس أن يعيد الكلمة لأن بعض الناس يقرأ أربع آيات أو خمس آيات فتصير الخمسُ عَشْرَ آيات لأنه يكرر وهذا ليس بصحيح، ولا إخال أن الصحابة يفعلون هذا، ولذلك لما التزم بعض القراء هذا رأينا من يقرأ بالوصل في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ﴾ [المائدة: ٤١] وهذا غلط لأن الصلة تخل

стр. 388

بالمعنى، لكن الصواب أن يقف على قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١] ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]. كذلك أيضًا من جهة التحزيب للقرآن، شيخ الإسلام ﵀ انتقد التحزيب الموجود في بعض الأحيان، تجد أن الحزب يقف على آية ما بعدها متعلق بها تعلق الروح بالجسد، لكن مكتوب مثلًا حزب، ثلاثة أرباع حزب، ثمن، وما أشبه ذلك، يقول شيخ الإسلام ﵀: ما هكذا حَزَّبَهُ الصحابة، الصحابة يُحزِّبُونه ولكنهم يراعون المعنى، فإذا كان باقٍ على تمام المعنى سطر أو سطران أخَّروا التحزيب، وهذا صحيح، في بعض الأحزاب تتعجب كيف يكون هذا آخر الحزب وما بعده متعلق به تعلقًا واضحًا؟ هذا ما يحضرني الآن من الكلام على شيء من قواعد التفسير، وقد ألفنا كتابًا صغيرًا في قواعد التفسير يدرس في المعاهد العلمية، فمن شاء فليرجع إليه (١). وهنا مسألة: وهي أني أريد أن أنبه طالب العلم أنه يجب عليه أن يعتني بالتفسير، فكثير من طلاب العلم يعتني بالعقيدة وهذا طيب، وكثير منهم يعتني بالفقه وهذا طيب، وكثير منهم يعتني بالحديث وهذا طيب أيضًا، ولكن فيما أرى والعلم عند الله، قليل من يعتني بالتفسير، وهذا من العجائب، فالقرآن الكريم مملوء من كل خير، أحيانًا تحاول أن تطلع على كلام الفقهاء في حكم مسألة من المسائل وتحاول فلا تجدها، وإذا هي موجودة في القرآن، والله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ

стр. 389

شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ولهذا؛ القرآن فيه كنوز عظيمة، حتى إن الإنسان يقف أحيانًا يتأمل ما وجه ارتباط هذا بهذا، أو ما وجه كون هذه الكلمة مرفوعة أو منصوبة أو ما شابه ذلك، فعليك بالتفسير، لكن لو قرأ طالب العلم في التفسير دون أن يسبق له شيء من علوم الآلة كعلوم اللغة بفروعها قد لا يدرك شيئًا. لو قال قائل: بعض المفسرين المعاصرين يحاول أن يربط بين آيات القرآن وبين الاكتشافات العصرية، فما حكم هذا؟ الجواب: نعم بعض المعاصرين يحاول أن يربط الاكتشافات العصرية بالقرآن، لكن بعضهم يتجاوز ويفرط في هذا، ويفسر القرآن بما يطابق الحاضر، وهو بعيد عنه، لكن إذا كان المعنى قريب فلا بأس، وقد رأيت بعض الناس لما قيل: إنهم وصلوا إلى القمر، صار يدندن على تفسير قول الله ﵎: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣]، وقال: إن هؤلاء نفذوا إلى أقطار السموات، وأن المراد بالسلطان هو العلم، وهذا حرام، فلا يجوز تفسير الآية بهذا المعنى، حرام لا إشكال فيه؛ لأن الآية ظاهرة جدًّا في أن هذا من باب التحدي، وأنهم لن يستطيعوا النفوذ والله يقول: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، هل أحد نفذ من أقطار السموات؟ يعني لو قلنا: نفذوا من أقطار الأرض وتعدوا الجاذبية، لم ينفذوا من أقطار السموات، والآية واضحة بأنه يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ

стр. 390

وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٢٦, ٣٥]، ثم مَنْ قال: إن السلطان هو العلم، في هذه الآية؟ صحيح أن السلطان يأتي بمعنى العلم، مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨] لكن في هذه الآية المراد بالسلطان القدرة؛ لأنه قال: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ ولا سلطان لكم، فالسلطان يأتي بمعان متعددة، في كل موضع بحسبه. فهؤلاء الذين يفسرون القرآن بما حدث من اكتشافات، بعضهم يفرط في هذا فيتجاوز الحد، ولم يعلم أنه ربما يأتي يوم من الأيام تكون النظرية التي حمل عليها القرآن نظرية خاطئة وحينئذٍ يُخَطَّئ مدلول القرآن. لو قال قائل: ما حكم كتابة بعض الآيات على الأسواق التجارية والمدارس والمنازل وغير ذلك؟ الجواب: بعض الناس يستعمل الآيات أو الاستدلال بالآيات في معانٍ غير مقصودة، مثلًا، كثيرًا ما نرى على المنازل أو على الأسواق التجارية أو حتى على الإدارات، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] هذا لا يجوز؛ لأن النبي ﵊ لا يمكن أن يرى هذا العمل، الله يراه، والمؤمنون الموجودون يرونه، لكن

стр. 391

الرسول ﷺ لا يراه، فكيف نكذب ونقول فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، كذلك أيضًا ربما تطبق الآية على غير المراد، ولأن تحويل الآية إلى المعنى الذي اختاره هذا الرجل حرام إذا لم تدل عليه. لو قال قائل: بعض المفسرين يتكلف في إيجاد المناسبة بين الآيات وبين السور فما رأيكم في هذا؟ الجواب: المناسبة بين الآيات حقيقة أنها من علم التفسير، وينبغي للإنسان إذا أمكن أن يعرف المناسبة بين الآية والآيات التي قبلها، لكن المبالغة في هذا والتكلف لا داعي له؛ لأن حسبنا أن نقول: الله أعلم بمراده، وإذا قال الإنسان الله أعلم فيما لا يعلم فهذا خير، ولهذا بعض الآيات لا يمكن أن تعرف المناسبة بينها، مثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سياق المعتدات، هذه لا تستطيع معرفة المناسبة، وهذا من الحكمة أن يقطع الله ﵎ أطماع الخلق في أن يحيطوا بكلامه علمًا. * * * ° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ [المائدة: ٤١].

стр. 392

قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ المراد بالرسول هنا محمد ﷺ ، وفي قوله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ قراءتان "يُحزِن"، و"يَحزُن"، وكلاهما سبعيتان صحيحتان أي: لا يجعلك تحزن قول هؤلاء الذين يسارعون في الكفر. وقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يتسابقون فيه، والكفر في اللغة: الستر، ومنه سمي الكافور أو الكُفُرَّى الذي هو وعاء طلع النخل؛ لأنه يستر الطلع الذي في جوفه، والمراد بالكفر هنا: الكفر بالله . والكفر بالله يدور على شيئين: إما الجحود وإما الاستكبار؛ إما الجحود والإنكار -يعني: التكذيب- وإما الاستكبار مع الإقرار. لو قال قائل: كفر إبليس من أي النوعين؟ الجواب: من الاستكبار؛ لأنه مؤمن لكنه مستكبر والعياذ بالله، وكفر قريش الذين يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، كفر إنكار وتكذيب. لو قال قائل: قسمتم الكفر إلى قسمين ولم تذكروا القسم الثالث وهو كفر الجهل الذي يُلحق به عُبَّاد الصليب وعباد القبور؛ لأنهم ليسوا معاندين ولا مستكبرين بل هم جهال. نريد التفصيل في هذا؟ الجواب: هؤلاء لو كانوا جاهلين عفا الله عنهم، وبعد بعثة الرسول ﵊ يعدون معاندين، ولا نستطيع أن نقول إنهم جهال بل نقول معاندون، هذا لا شك فيه، فالنصارى معاندون. قال النبي ﵊: "والذي نفسي بيده، لا

стр. 393

يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديًّا ولا نصرانيًّا ثم لا يؤمن بما جئت به إلا كان من أهل النار" (١). قوله: مِنَ ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. مِن: هنا بيان للاسم الموصول الأول وهو قوله: قوله: ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾. قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ قوله بأفواههم: متعلق بـ"قالوا"، أي: قالوا بأفواههم: ﴿آمَنَّا﴾ ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾، وهذا الوصف ينطبق تمامًا على المنافقين، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]، وهؤلاء في الكفر كاليهود والنصارى كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر: ١١] يعني اليهود. قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ بين الله تعالى أحوال اليهود, والذين هادوا هم الذين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]: أي: رجعنا إليك من المعصية إلى الطاعة، فيُسمون الذين هادوا، ويُسمون اليهود، أما التسمية الأولى فلقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، وأما الثانية: فنسبة إلى أبيهم يهوذا. قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ﴾ هل هي جملة مستأنفة أو معطوفة على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾؟ إذا جعلناها معطوفة يكون إعرابها خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: ومن الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن

стр. 394

الذين هادوا هم سماعون فتقرأ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ثم تقف؛ لأنها معطوفة على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ثم تقول: ﴿سَمَّاعُونَ﴾ والتقدير: "هم سماعون" وإذا قلنا: إن الجملة مستأنفة جعلنا: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ خبرًا مقدمًا، وسماعون صفة لموصوف محذوف وهو المبتدأ، والتقدير: "ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب". وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: أي: قابلون له، يقبلون الكذب من أحبارهم الذين يقولون: إن محمدًا ليس بنبي، وهذا من أكذب ما يكون، بل هو أكذب شيء بعد الكذب على الله . قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: سماعون لكذبهم، فيكون الله ذكر أن هؤلاء الذين هادوا ويسمعون للكذب مطلقًا، ويسمعون لقوم آخرين لم يأتوا إلى الرسول ﷺ ، وتكون "اللام" للتعدية أو للتقوية. وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ تحتمل معنيين، والقاعدة أن الكلمة تحمل على المعنيين إذا كانا صحيحين، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما. فالمعنى الأول: أنهم سماعون للكذب ممن أَتوك وممن لم يأتوك، فهم يستجيبون للكذب من أي إنسان، سواء كان يأتي إليك أو لا يأتي. والمعنى الثاني: في قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: يسمعون منك ليوصلوه إلى قوم آخرين، فكأنهم واسطة بين الرسول ﷺ وبين من ينقلون إليه الخبر، وتكون "اللام" تعليلية،

стр. 395

يعني: سماعون لك من أجل قوم آخرين، يُوصِلون ما تقوله إليهم، فإذا أوصلوه إلى هؤلاء القوم الآخرين حرّفوه وبدلوه وغيروه، ولهذا قال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ يعني أن القوم الآخرين وهم أحبار اليهود الذين ينقل إليهم العامة ما يسمعونه من النبي ﷺ ، فهؤلاء يُحرفون الكلم من بعد مواضعه، والتحريف بمعنى التغيير، أي: يغيرونه عن وجهه، فيقولون: المراد كذا، والمراد كذا على خلاف ما أراد الله ورسوله. وهل المراد أنهم يحرفون الكلم من التوراة أو أنهم يحرفون الكلم من التوراة وغيرها؟ الأَولى العموم، فهم يحرفون الكلم من التوراة، ويحرفون الكلم من القرآن. قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يعني ما نريد من الحكم فخذوه ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾، والإشارة بما يدل على البُعد ليس لرفع شانهم، ولكن لإبعادهم عن الثناء وأن يكونوا على حق. قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ الإيتاء والإعطاء إنما يكون في المحسوسات وفي المنقولات، لكنه قد يستعمل في المعاني كما في هذه الآية، وأصل هذه القصة نزلت في يهوديين زانيين. فالأحبار يُعَيِّنُونَ لهؤلاء القوم الذين ينقلون إليهم الأخبار شيئًا معينًا أي: حكمًا معين، فيقولون: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ من محمد فخذوه، واقبلوه، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ يعني احذروا أن تقبلوه، فصار الآن هؤلاء الأحبار الذين يُنقل إليهم الكلام من الرسول ﷺ ، يقولون لأتباعهم: اعرضوا هذا على محمد فإن أعطاكم إياه فخذوه وإلا فاحذروا.

стр. 396

وضرب المفسرون لهذا مثلًا بقصة الرجم، كان الرجم -أعني رجم الزاني- محكومًا به في التوراة وكانت بنو إسرائيل ترجم من زنا، فلما كثر الزنا في أشرافهم صعُب عليهم أن يرجموا أشرافهم فقالوا: لا نرجم ولكننا نحمِّم الوجه، أي: نسوده، ونُرْكِبُ الزانيين على حمار، كل واحد منهما مستدبر الآخر، ونطوف بهما في الأسواق فقط، ولا نرجم، فقدر الله أن يزني من اليهود رجل وامرأة، فرفعوا الأمر إلى النبي ﷺ (١)، وقال أحبارهم: إن آتاكم محمد هذا، يعني تحميم الوجه والطواف بهم في البلد فخذوه، وان لم يعطكم وأمر بالرجم فاحذروا. وهذا مثال وليس حصرًا لمعنى الآية، بل المراد أنهم يعينون -أي: الأحبار- أحكامًا لعامتهم ويقولون: إن حَكَمَ بها محمد فاقبلوها وإن لم يحكم فاحذروا. قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ وتحريفهم الكلم هنا تحريف معنوي، بمعنى أنهم جعلوا الرجم منسوخًا وأنه لا يجب العمل به، وسنذكر إن شاء الله في الفوائد أن التحريف ينقسم إلى قسمين. قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ يعني: ضلاله ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وهذا تسلية للرسول ﵊،

стр. 397

يعني أن الله إذا أراد فتنة أحد فإنه لا يستطيع أحد من الخلق أن يرد هذه الإرادة، بل لا بد أن تقع، ولكن هل إرادة الله في فتنة أحد من الناس مبنية على غير حكمة؟ الجواب: لا، بل هي مبنية على حكمة، والحكمة ذكرت في قول الله ﵎: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، إذًا هم السبب، فلما علم الله أن ليس في قلوبهم خير أزاغها، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ [الأنفال: ٧٠]. إذًا نقول: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي: إضلاله: ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، هذا فيمن هو أهل للإضلال. قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ أولئك: المشار إليهم هؤلاء اليهود الذين لا يقبلون من الحق إلا ما وافق أهواءهم. قوله: ﴿لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: من الشك والشرك والإلحاد وغير ذلك، وإنما ذكر القلوب؛ لأن القلوب هي محل الصلاح والفساد، قال النبي ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١). قوله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: ذل وعار، وذلهم وعارهم أما من جهة اليهود فبقتالهم والغلبة عليهم، وقد حصل والحمد لله ذلك، فإن قبائل اليهود التي كانت في المدينة منهم من قُتِل ومنهم من جُلِّي، فهذا خزيٌ في الدنيا، وأما في الآخرة فلهم عذاب

стр. 398

عظيم لا يعلم كنهه؛ لأنه من الأمور الغيبية، ومن شاركهم في عملهم استحق مثل عقوبتهم، والمنافقون خزيهم أن الله بَيَّنَ حالهم وكشف عوارهم، كما قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وكان النبي ﵊ قد علم أَسماء أُناس من المنافقين وأَخبر بهم حذيفة بن اليمان (١)، ولهذا يُقال: إنه صاحب السر. قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذاب النار، نسأل الله أن يجيرنا منها، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: الشهادة لمحمد ﷺ أنه رسول، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾. الفائدة الثانية: تعظيم الله تعالى لرسوله؛ لأن صيغة النداء على هذا الوجه من علامة التعظيم، كما تقول: يا أيها الملك، يا أيها الأمير، يا أيها الكريم. الفائدة الثالثة: تقوية النبي ﷺ ، أي: تقوية قلبه وتسليته بقوله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ يعني لا يهمنك أمرهم، فإن عاقبتهم أن لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ. الفائدة الرابعة: أن الناس يختلفون في الكفر، فمنهم من يسارع

стр. 399

فيه بخطا حثيثة، ومنهم من هو دون ذلك؛ لأنه قسَّم فقال: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾، يعني وهناك أناس لا يسارعون فيه، فالداعية إلى الكفر مسارع فيه، وغير الداعية غير مسارع. الفائدة الخامسة: الإشارة إلى أن المدار في الإيمان عبى القلب، لقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ فالإيمان باللسان ليس إيمانًا حتى يكون مبنيًّا على إيمان القلب، وإلا فإنه لا ينفع صاحبه. الفائدة السادسة: أن الإيمان محله القلب، لقوله: ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾، ولكن إذا قال قائل: ألسنا مأمورين بأن نأخذ الناس بظواهرهم؟ الجواب: بلى، نحن مأمورون بهذا، لكن من تبين نفاقه فإننا نعامله بما تقتضيه حاله، كما لو كان معلنًا للنفاق، فهذا لا نسكت عليه، أما من لم يعلن نفاقه، فإنه ليس لنا إلا الظاهر، والباطن إلى الله، كما أننا لو رأينا رجلًا كافرًا فإننا نعامله معاملة الكافر، ولا نقول: إننا لا نكفره بعينه، كما اشتبه على بعض الطلبة الآن، يقولون: إذا رأيت الذي لا يصلي لا تكفره بعينه، كيف لا أكفره بعينه! ! إذا رأيت الذي يسجد للصنم لا تكفره بعينه؛ لأنه ربما يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان، هذا غلط عظيم، نحن نحكم بالظاهر، فإذا وجدنا شخصًا لا يصلي قلنا: هذا كافر بملء أفواهنا، إذا رأينا من يسجد للصنم قلنا: هذا كافر، ونُعَيِّنُهُ ونلزمه بأحكام الإسلام، فإن لم يفعل قتلناه، أما في أمر الآخرة لا نشهد لأحد معين، لا بجنة ولا بنار إلا من شهد له النبي ﷺ أو جاء ذلك في القرآن.

стр. 400

الفائدة السابعة والثامنة: أن من اليهود من هو سماع للكذب نقَّال للكذب، بمعنى أنه يصدق الكذب ولا يتحرى فيه ويقبله، وأيضًا ينقل الكذب وهذا شيء مشاهد، فينبني على هذه الفائدة أن من كان هذه حاله ففيه شبه من اليهود، فالذي يقبل الكذب ويتحدث به، ويأخذه مسلَّمًا مشابهًا لليهود، والذي ينقل الكذب كذلك مشابه لليهود، فمن كذَّب أو صدَّق بالكذب، فإنه مشابه لليهود بلا شك، وهذا يقتضي الحذر من هذا الخلق الذميم. الفائدة التاسعة: تعاظم اليهود أعني أحبارهم، واستكبارهم عن الحضور إلى النبي ﷺ ، وكأنهم يظنون أنهم إذا حضروا فهذا ذل وصغار، ولكن الله أذلهم وأصغرهم -والحمد لله- بعدم إيمانهم بالنبي ﷺ . الفائدة العاشرة: بيان هذا الوصف الذميم من اليهود، وهو تحريف الكلم، والمراد بالكلم هنا الوحي الذي جاءت به الرسل، التوراة والقرآن وغيرهما، قال العلماء: والتحريف نوعان: الأول: التحريف المعنوي، والقائلون به كثير، والثاني: التحريف اللفظي، والقائلون به قليل. أما الأول: التحريف المعنوي فهو أن يصرف كلام الله وكلام رسوله ﷺ إلى غير ما أراد الله ورسوله، سواء في الأمور العقدية أو في الأحكام الفقهية، إذا صرف النص عما لا يريد الله ورسوله، فإنه محرف للكلم، ولكن تحريف آيات الصفات أشد من تحريف غيرها من الآيات لسببين: الأول: لشرف موضوعه؛ لأن البحث في أسماء الله وصفاته هو من أشرف العلوم، حتى كانوا يسمونه الفقه الأكبر، الثاني: أنه ليس للعقل فيه مجال،

стр. 401

فواجب الإنسان التسليم وعدم التحريف، فالتحريف هنا أشد من أن يحرف الإنسان آية في حكم من الأحكام أو حديثًا؛ لأن الأول يتعلق بالخالق، وهذا يتعلق بالمخلوق. الثاني: التحريف اللفظي، وهو أيضًا محرم، ولكنه قليل، وذلك لأن محرف التحريف اللفظي إن كان لا يتغير به المعنى، فلن يقيم عليه؛ لأنه لا يستفيد، سوف يظهر الناس عليه حتى العامة سيردون عليه، وإن كان يتغير به المعنى، فقد جمع بين التحريف اللفظي والتحريف المعنوي، فالذي يقول: إن الله استوى على العرش، لكن معنى استوى: استولى، هذا محرِّف تحريفًا معنويًّا، والذي قرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] بنصب لفظ الجلالة، هذا محرف تحريفًا لفظيًّا ومعنويًّا؛ لأنه إذا قال: كلم اللهَ موسى تكليمًا، صار الكلام من موسى، وهذا تحريف معنوي، وإذا نصب لفظ الجلالة، فهو تحريف لفظي، والذي يقول: الحمد لله ربَّ العالمين، بنصب (رب) محرِّف تحريفًا لفظيًّا؛ لأن المعنى لا يختلف، لكن اللفظ يختلف، وكل أنواع التحريف المعنوي واللفظي محرم، ثم إن تعمد الشيء مع علمه بمراد الله ورسوله، فهذا قد يصل إلى الكفر والعياذ بالله؛ لأنه قال على الله ما يعلم أن الحق في خلافه. الفائدة الحادية عشرة: أن التحريف المذموم، هو الذي يقع بعد معرفة الإنسان للحق؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ وفي الآية الأخرى ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] فهم يريدون أن يُزيلوا الكلم عن مواضعه. أما الإنسان الذي تأوَّل بتاويل سائغ فإنه لا يذم، ولا يُعد

стр. 402

فعله تحريفًا يأثم به؛ وذلك لأن أهل التأويل لهم شُبَه، فهم فهموا أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه وهذا فهم خاطئ بلا شك، فقالوا: إذا قلت: إن معنى قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] إنه علا على العرش واستقر فقط؛ جعلته جسمًا، والأجسام متماثلة، وما أشبه ذلك من الشبهات، وكذلك في مسألة اليدين والعينين، لكن لو قالوا: إن قوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بمعنى أنه أعدم العرش فهذا لا يصح؛ لأنه لا يسوغ، فالتأويل السائغ هو الذي له وجه في اللغة، فقولهم: استولى له وجه في اللغة؛ لأن استوى تأتي بمعنى العلو المعنوي، والعلو المعنوي معناه الملك والقهر والاستحواذ، وما أشبه ذلك من الشبهات. وهنا تنبيه وهو أن الصوأب أنه لا فرق بين ما يقال عنه أصول وفروع ما دام أن النص يسوغ فيه الاجتهاد، ثم تأوله الإنسان فلا يقال: إنه آثم كما تقدم، ولكن يقال: إن هذا خطأ، ونحن وإن كنا قد نعد تأويلهم تحريفًا فإننا نأثم به إذا وافقناهم ونعلم أنهم على غير صواب، ولهذا قد يعذر القائل ولا يعذر التابع. الفائدة الثانية عشرة: أن من حرَّف الكلم عن مواضعه من هذه الأمة ففيه شبه من اليهود، فيقتضي هذا التحذير من تحريف الكلم عن مواضعه؛ لئلا يقع الإنسان في مشابهة اليهود. الفائدة الثالثة عشرة: أن اليهود لا يقبلون من الحق إلا ما وافق أهواءهم، لقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]. الفائدة الرابعة عشرة: ذم أولئك الذين لا يقبلون من الحق

стр. 403

إلا ما وافق أهواءهم، وإذا لم يوافق أهواءهم ذهبوا يتطلبون الرخص من هذه الأمة، فإن كثيرًا من الناس على هذا المنوال، إذا أُفتي بما تطمئن إليه نفسه قَبِلَهُ، وإلا ذهب يطلب آخرين يفتونه بما يشتهي، فهذا نقول: إن فيه شبهًا من اليهود. الفائدة الخامسة عشرة: شدة كراهة أحبار اليهود للحق، لقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾، لم يقولوا: فلا تأخذوه، بل قالوا: ﴿فَاحْذَرُوا﴾، وهذا أشد وقعًا من قولهم: فلا تأخذوه، وكان مقتضى المقابلة أن يقال: وإن لم تؤتوه فلا تأخذوه، لكنهم قالوا: ﴿فَاحْذَرُوا﴾. لو قال قائل: ما أسباب رد الحق عند علماء بني إسرائيل؟ الجواب: أقول: رد الحق قد يكون استكبارًا، وقد يكون لشبهة تعرض للإنسان، ونحن نعلم أن علماء بني إسرائيل ردوا الحق استكبارًا؛ لأن الله يقول: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ [الشعراء: ١٩٧]، لكن عوام بني إسرائيل لهم شبهة، وهي أن علماءهم يقولون: إن محمدًا عربي، والله جلَّ وعلا يقول: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]، ثم لا يذكرون قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ [الجمعة: ٣]، فيشبهون. الفائدة السادسة عشرة: إثبات إرادة الله ، وأنها شاملة حتى لإرادة الإنسان لقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ واعلم أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية: وهي التي بمعنى المحبة، وإرادة كونية وهي التي بمعنى المشيئة، فهنا في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾: الإرادة

стр. 404

إرادة كونية، أي: من يشأ الله فتنته، كذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: ٣٨] الإرادة كونية أيضًا، وفي قول الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، هذه إرادة شرعية؛ لأنها لو كانت إرادة قدرية لتاب الله على جميع الناس، لكنها إرادة شرعية بمعنى أن الله يحب أن يتوب علينا. إذًا الفرق بين الإرادتين من حيث حقيقتيهما أن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة، والإرادة الكونية بمعنى المشيئة، والفرق بينهما: أن الإرادة الكونية لا بد من وقوع مراد الله بها، والإرادة الشرعية قد يقع وقد لا يقع، والفرق الثاني: أن الإرادة الكونية تكون فيما يحبه الله وما لا يحبه الله، والإرادة الشرعية لا تكون إلا فيما يحبه الله. فإذا قال قائل: هل الله يريد الكفر؟ قلنا: فيه تفصيل، بالإرادة الكونية نعم، وبالإرادة الشرعية لا، وبه نعرف ضلال من يقول: كل ما وقع فهو محبوب إلى الله، وهذا غلط، لو أخذنا بهذا لزم من ذلك أن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان، وهو لا يحب هذا ولا يحب الفساد. لو قال قائل: الإيمان هل هو مراد لله كونًا أو شرعًا؟ الجواب: إن وقع فهو مراد كونًا وشرعًا، وإن لم يقع فهو مراد شرعًا. لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] هل فيها دليل أن للجمادات إرادة؟

стр. 405

الجواب: نعم، لها إرادة، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ , فالجمادات لها إرادة، أليس النبي ﷺ قال: "هذا أُحد يحبنا ونحبه" (١)؟ أليس تسبيح الحصى يُسمع بين يدي الرسول ﵊ (٢)؟ أليس الله يقول: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. كل هذا يدل على أن الجماد له إرادة. الفائدة السابعة عشرة: أنه لا أحد يملك أن يغير مراد الله، لقوله: ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. الفائدة الثامنة عشرة: أن المدار في الصلاح والفساد على القلب، لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾. الفائدة التاسعة عشرة: أنه يجب على الإنسان المستدل أن ينظر إلى النصوص من جميع الجوانب، وذلك أنك إذا نظرت إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ لقلت: إن إرادة الله تعالى لتطهير القلب مجرد مشيئة، لكن إذا قيدتها بالنصوص الأخرى عرفت أن عدم إرادة الله تطهير قلوب هؤلاء؛ لأنهم ليسوا أهلًا لذلك، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وكما يبضح هذا جليًّا في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].

стр. 406

الفائدة العشرون: أن في الآية شاهد واضح لقول النبي ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله" (١). الفائدة الحادية والعشرون: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائمًا أن يطهر قلبه، وأن يعتني بأعمال القلب، واعتناء المرء بأعمال القلب يجب أن يكون أشد من اعتنائه بعمل الجسد؛ لأن عمل الجسد يقع من كل إنسان، من مؤمن ومنافق، لكن عمل القلب هو المهم. -أسأل الله أن يصلح قلوبنا جميعًا-. الفائدة الثانية والعشرون: بشارة النبي ﵊، بأن هؤلاء القوم لهم الذل والعار في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. الفائدة الثالثة والعشرون: الوعيد لهؤلاء لعلهم يرجعون، فإن الوعيد على المعصية من أسباب العدول عنها، بحيث لا يَقْدِمُ عليها، وإذا أقدم استعتب وتاب. الفائدة الرابعة والعشرون: إثبات أن لبني آدم دارين هما: الدنيا والآخرة، الدنيا: يكون عذابها إما من الله وإما من عباد الله، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] هذا على أيدي الرسول وأصحابه، وقد يكون من الله ، كما إذا ابتلوا بالأمراض والقحط والجدب وغير ذلك، أما عذاب الآخرة فمن الله وحده، لا أحد يستطيع أن يعذب أحدًا في الآخرة ولا أن يثيبه. * * *

стр. 407

° قال الله : ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]. قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ ﴿سَمَّاعُونَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم سماعون للكذب أكالون للسحت، هل هذه الجملة تأكيد لما سبق، أو هي مغايرة؟ يحتمل المعنيين: يحتمل أن تكون تأكيدًا لما سبق؛ لأن المقام مقام عظيم ومهم يحتاج إلى تكرار وتأكيد بيان أوصافهم القبيحة للحذر منها، ويحتمل أن تكوق مغايرة لما سبق، وذلك بأن نحمل "اللام" في الأولى محلى أنها للتقوية، وفي الثانية على أنها للتعليل. وقوله: ﴿أَكَّالُونَ﴾ صيغة مبالغة تدل على كثرة أكلهم للسحت، و"السحت" فيها قراءتان "للسحُت" بضم الحاء، و"للسحْت" بسكون الحاء، قراءتان سبعيتان مثل: نَهْر ونَهَر، فما هو السحت، هل هو أكل المال بالباطل، هل هو أكل الربا، هل هو الرشوة؟ الجواب: شامل لكل ذلك، والمعنى العام أن نقول: السحت كل ما اكتسب بكسب محرم فهو سحت، فيشمل الربا وهو شائع في اليهود، والرشوة وهي أيضًا شائعة في اليهود، والغصب والسرقة والغش والخيانة وغير ذلك، ووجهه: أن الحرام يسحت الحلال وينزع بركته، أو أنه نفسه، أي: الحرام سحت ينسحت ويزول ولا يكون فيه بركة، فالسحت إذًا وصف في نفسه

стр. 408

وفي غيره، أما كونه وصفًا في نفسه؛ لأنه لا بركة فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩]، وكما جاء في الحديث عن ابن مسعود ﵁، فيمن كسب مالًا محرمًا أنه إن أنفقه لم يبارك له فيه، وإن تصدق به لم يقبل منه، وإن خَلَّفَهُ كان زاده إلى النار (١). وأما كونه وصفًا في غيره؛ لأنه يسحت المال الآخر، والحاصل أن هؤلاء جمعوا بين فساد القول وفساد الغذاء، فهم سماعون للكذب يقبلونه ويتحدثون به، ويأخذونه مسلمًا وأكالون للسحت. قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ يعني: لتحكم بينهم ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الخطاب هنا للرسول ﵊ وأمته مثله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] لكن الفاعل في قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ هل المراد به أهل الذمة، أم المعاهدون، أم كل كافر، أم كل مؤمن، أم ماذا؟ نقول: أما المؤمن، فلا يجوز الإعراض عن الحكم بين المسلمين خصوصًا من وكل إليه الأمر مثل القضاة، فلا يجوز لأي قاضٍ إذا ترافع إليه الخصمان أن يتعذر بل يجب أن يحكم بينهما، أما المُحكَّم الذي ليس بقاضبى فله أن يحكم وله أن لا يحكم، لكن لو استفتي يجب أن يفتي بشرع الله، أما التحكيم فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، مثل أن يكون نزاع بين

стр. 409

قريبين فيقولان: لا نريد أن نصل إلى القاضي ولكن نحكم فلانًا فلا يلزمه أن يحكم، لكن لا شك أنه يتأكد عليه أن يحكم، لما في ذلك من فض النزاع وبيان حكم الله ، ولكن لا يحكم حتى يستوثق من الجميع. أما غير المسلمين، فالصواب أن الإنسان مخير إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، سواء كانوا ذميين تحت حكمنا أو معاهدين منفصلين عنا، أو حربيين، والحربي غالبًا لا يمكن أن يأتي إلينا؛ لأنه إذا أتى قتل؛ لأنه مباح الدم. قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. "أو" هنا هل هي للتنويع أو للتخيير؟ الجواب: هذه للتخيير، وإذا كانت للتخيير فهل هو تخيير تشهي أو مصلحة؟ نقول: هو تخيير مصلحة، وسيأتي في الفوائد إن شاء الله تعالى. قوله: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ لا في الدنيا ولا في الآخرة، إن تعرض عنهم ولا تحكم بينهم، فإنهم لن يضروك لكن قد يؤذونك، والأذية لا يلزم منها الضرر، بدليل أن الله أثبت أن بني آدم يؤذونه، ونفى أن يضره أحد، فقال جلَّ وعلا: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" (١) وكذلك في القرآن: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] الأذية ثبتت في القرآن والأحاديث القدسية، قال الله تعالى في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]

стр. 410

وقال في الحديث القدسي: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر" (١) فالضرر منفي عن الله بالقرآن والأحاديث القدسية، والأذية ثابتة، ومن المعلوم أنه لا يلزم من الأذية الضرر، بدليل أن الإنسان إذا جلس إلى جنبه رجل آكل بصلًا فإنه يتأذى به ولا يضره. وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي بـ "لن" فيعم أي شيء، لن يضروك به في الدنيا ولا في الآخرة. وقوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ﴾ يعني رأيت أن تحكم واخترت أن تحكم فاحكم بينهم بالقسط، والقسط هو العدل، حتى لو كان الحكم لكافر على مسلم يحكم عليه بالعدل، حتى إن العلماء ﵏ قالوا: يجب أن يعدل بين الخصمين ولو بين مسلم وكافر، في اللفظ واللحظ والجلوس والتقديم وكل شيء؛ لأن هذا حكم يجب أن يعدل فيه، فعبد الله بن رواحة لما بعثه النبي ﷺ ليخرص على اليهود الثمار، جمعهم وقال: إني جئتكم من أحب الناس إليَّ، يعني: الرسول ﷺ ، وإنكم لأبغض إليَّ من عدتكم من القردة والخنازير ﵁ كلمة شجاع- وما حبي له وبغضي لكم بموجب أن لا أعدل فيكم، وإلا من المعلوم أن النفس بالطبيعة البشرية تميل مع من تحب، وعلى من تبغض، لكن هو يقول: لا يمكن أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وعدل فيهم ﵁ (٢).

стр. 411

قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ هذا حث على العدل في كل شيء، و ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ يعني: العادلين، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "أن المقسطين على منابر من نور عن يمين الله ، الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا عليه" (١). إذًا المقسط: هو العادل، والقاسط هو الجائر، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥]. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تأكيد كون هؤلاء اليهود سماعين للكذب، لقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾. فإن قال قائل: يرد على قولك تأكيد القاعدة المعروفة أنه إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد حمل على التأسيس؟ قلنا: نعم، هذا وارد لكن له جواب. والجواب: أننا إذا قلنا إنه للتأسيس، صارت الجملة الأولى دالة على معنى واحد، والثانية على معنى واحد، وإذا قلنا: للتوكيد؛ صار كل منهما دالًا على معنيين، فمن ثَمَّ يترجح أن يكون ذلك للتأكيد. الفائدة الثانية: التحذير من هذا الوصف القبيح وهو الاستماع للكذب أو نَقْلِ الكذب؛ لأن الله أكد بيان هذا الوصف القبيح من اليهود.

стр. 412

الفائدة الثالثه: أن من اتصف بذلك ففيه شبه من اليهود. الفائدة الرابعة: التحذير من وصف قبيح آخر وهو أكل المال بالباطل، لقوله: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ والله لم يذكر هذا الوصف إلا لنحذره. الفائدة الخامسة: أن من اكتسب المال الحرام ففيه شبه من اليهود، فآكلو الربا مشابهون لليهود، وآكلو الأموال بالغش مشابهون لليهود، وآكلو الأموال بالحلف الكاذب مشابهون لليهود، فكل من اكتسب مالًا بغير حق بطريق محرم فهو مشابه لليهود، كالراشي والمرتشي، فالرشوة شائعة في اليهود. الفائدة السادسة: أن النبي ﷺ مخير بين أن يحكم بين اليهود وألا يحكم، لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ و"أو" هنا للتخيير. فإن قال قائل: هل التخيير على إطلاقه؟ الجواب: لا، بل هو مقيد بالمصلحة، والقاعدة عندنا أن التخيير إذا كان للتيسير على المكلف فهو للتشهي يفعل ما يشاء، وإذا كان للمصلحة وجب اتباع المصلحة. الفائدة السابعة: أن من أعرض عن شيء بأمر الله فإن ذلك لا يضره، لقوله: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، يعني: فلم تحكم بينهم فلن يضروك شيئًا، ولكن هل انتفاء الضرر يجب أن يكون في الحال أو ولو في المستقبل، بمعنى أنه ربما يتضرر لأول وهلة، ثم تكون العاقبة له؛ الجواب الثاني: لأن الإنسان قد يتضرر لأول وهلة ولكن تكون العاقبة له، وحينئذٍ يكون كأن لم يتضرر.

стр. 413

الفائدة الثامنة: أنه يجب الحكم بين الناس بالعدل، لقوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ يعني: إن أردت أن تحكم كما خيرناك فاحكم بينهم بالقسط. الفائدة التاسعة: أنه لا يجوز للإنسان أن يراعي في حكمه قريبًا ولا صديقًا ولا غنيًا ولا فقيرًا، لقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ وهذا يعني: أن ينظر إلى القضية من حيث هي قضية لا من حيث إنها قضية فلان بن فلان. الفائدة العاشرة: إثبات المحبة لله ، أي: أن الله يحب، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وهل هذه المحبة مجاز عن الثواب أو هي محبة حقيقية؛ يتعين الثاني، ففيها إثبات أن الله تعالى يحب، ومن أهل التأويل من قال: إن الله تعالى لا يحب، قال ذلك تأويلًا لا تكذيبًا، يعني هو لم يقل: إن الله لا يحب، بل قال: إنه يحب، لكن معنى المحبة كذا. ويجب أن نفرق بين الطريقين الذي يقول: إن الله لا يحب، هذا كافر؛ لأنه مكذب للقرآن، والذي يقول: إنه يحب، لكن معنى المحبة كذا، فهذا ليس بكافر، ففرق بين إنكار المحبة تأويلًا وإنكارها تكذيبًا وجحودًا، فالأشاعرة ومن وراءهم جميع المتأولين يقولون: إن الله لا يحب؛ لأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين؛ ولأن المحبة تتجدد لأنها معلقة بأوصاف وأسباب، والله تعالى منزه عن الحوادث. إذًا ما معنى المحبة؟ قالوا: معناها: الثواب، ولم يعلم المساكين أنه يلزم من إثبات الثواب إثبات المحبة، إذًا لا يمكن

стр. 414

ثواب بلا محبة أبدًا، فهم وإن فروا من إثباتها لفظًا فإنها تلزمهم إلزامًا، المهم أنهم يقولون: إن المحبة بمعنى: المثوبة، فقيل لهم: إن الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] قالوا: نعم، يحبهم أي: يثيبهم، ويحبونه، أي: يفعلون ما يثيبهم عليه، ولكن هذا لا شك أنه مخالف لظاهر اللفظ ومخالف لإجماع السلف، فما من السلف أحد قال: إن المحبة بمعنى: الثواب. فإذا قال قائل: وهل عندكم نص من كل واحد من السلف أن المحبة بمعناها الحقيقي؟ قلنا: لا، لكن كون هذه النصوص ترد عليهم ولم يرد عنهم تفسير بخلاف ظاهرها يدل على أنهم أجمعوا على إثباتها، ولا حاجة لأن ينقل إجماعهم على كل مسألة بعينها، لكن ما دامت نصوص الكتاب والسنة ترد عليهم، ولم يأتِ عن أحد منهم ولا حرف واحد أنه أوَّلها بخلاف ظاهرها، فإن هذا يدل على أنهم مجمعون على إثباتها. أما قولهم: إن هذا يلزم منه أن تقوم الحوادث بالله ، فنقول: وليكن، نحن نؤمن بأن الله تعالى يفعل ما يشاء، وأن صفاته منها ما يتجدد ومنها ما لا يتجدد، بمعنى منها ما يحدث بأسباب، ومنها ما لا يحدث بأسباب، فالعلم مثلًا أزلي أبدي، لكن المحبة ليست كذلك، إذا كان الله يحب هذا العبد فمحبته لهذا العبد بعد وجود أسباب المحبة، فمحبته لهذا العبد المعين حادثة ولا مانع، وقيام الأفعال الاختيارية به من كمال صفاته ولا شك.

стр. 415

الفائدة الحادية عشرة: إثبات تفاضل محبة الله ، وجه الدلالة: أن المحبة هنا علقت بوصف وهو الإقساط؛ لأن "مقسطين" من الرباعي، وإذا كان كذلك فإن المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، أرأيت لو قلت: أَكْرِمْ المجتهد من الطلبة، فإن إكرامك يزيد بزيادة الاجتهاد وينقص بنقصه. إذًا إثبات كون الله يحب المقسطين يدل على تفاضل محبة الله وأنه يحب أحدًا أكثر من أحد، ويحب أحدًا ولا يحب الآخر، وهذه القاعدة في كل شيء. الفائدة الثانية عشرة: الحث على الإقساط، أي: العدل، وجه ذلك: كون الله يخبر أنه يحب المقسطين يتضمن الحث على العدل، فهذا ليس مجرد خبر، بل هو خبر يراد به الحث والإغراء على العدل. * * * ° قال الله : ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾ [المائدة: ٤٣]. قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ "كيف" هنا: اسم استفهام، والمراد به: التعجيب، يعني: اعْجَبْ كيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله، وهم يدَّعون أنهم مؤمنون بها فإن هذا من التناقض، إذا كان لديهم كتاب يهتدون به، ويدَّعون أنه هو كتابهم وشريعتهم ودينهم، فكيف يتحاكمون إلى غيره؟ هذا مما يوجب الشبهة في تحكيمهم للرسول ﵊ وأنهم ما أرادوا الحق، لو أرادوا الحق لرجعوا إلى الكتاب الذي عندهم؛ لأنهم يعتقدون أنه حق.

стр. 416

إذًا: المسألة الآن مسألة اشتباه وأنهم لم يريدوا حقيقة التحكيم وهذا هو الواقع؛ لأنه لما زنا منهم الزانيان، أتوا إلى الرسول ﵊ يريدون أن يوافقهم فيما أحدثوه في عقوبة هذه الفاحشة، فأمر النبي ﷺ برجم الزانيين، ثم أنكروا ذلك وقالوا: هذا خلاف ما عندنا، ما الذي عندكم؟ قالوا: نحن عندنا أننا نسود وجوه الزانيين ونطوف بهما في الأسواق خزيًا وعارًا، فأخبرهم عبد الله بن سلام أو غيره بأن التوراة تنص على أن الزانيين يرجمان. فقال: ائتوا بالتوراة، فأتوا بها، فجعل القارئ يقرأ ووضع يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك -لأن عبد الله بن سلام من أحبار اليهود- فرفع يده فإذا فيها آية الرجم توافق ما حكم به النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "اللهم إني أول من أقام -أظنه قال- حكمك بعد أن أماتوه، أو من أحيا حكمك بعد أن أماتوه" (١). فالله يُعَجِّبُ الرسول ﵊، ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، يعني: بعد أن حَكَموك وحَكَمْتَ تولوا وأبوا حتى جيء بالتوراة فإذا هي مطابقة تمامًا لحكم النبي ﷺ ، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، المشار إليه: التحكيم. قوله: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: وما هؤلاء بالمؤمنين، وأتى بـ "أولاء" مقرونة بالكاف الدالة على بعد المشار إليه، وهذا

стр. 417

لدنو منزلتهم وليس لعلوها، يعني: ما هؤلاء المنحطون الذين نزلوا إلى أسفل السافلين بالمؤمنين، فهؤلاء لا آمنوا بالتوراة ولا آمنوا بمحمد ﷺ ، وإعراب هذه الجملة: "ما": نافية تعمل عمل ليس. "أولاء": اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع اسم ما، والكاف: حرف دال على الخطاب. "بالمؤمنين": "الباء": حرف جر زائد، "المؤمنين": خبر "ما" منصوب بياء مقدرة على الياء المجلوبة لحرف الجر الزائد، لماذا لا نقول: منصوب بالياء ما دام الياء هي الياء، سواء كان الاسم منصوبًا أو مجرورًا؟ قالوا: لأجل إحكام القواعد، وإلا حقيقة اللفظ لم يتغير سواء قلت: إن الباء حرف جر زائد أو إنها منصوبة؛ لأن علامة النصب في جمع المذكر السالم وعلامة الجر واحدة وهي الياء، لكن يقولون: إتقانًا للقواعد لا بد أن يكون هذا. وقوله: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ هنا نفى الله أن يكون هؤلاء مؤمنين، وأتى بحرف الجر الزائد، وقد ذكر علماء البلاغة أن جميع الحروف الزائدة تفيد التوكيد، وعليه فتكون الباء هنا وإن كانت زائدة إعرابًا زائدة معنى، وهو: التوكيد، فإذا قلت: ما زيد قائمًا، وما زيد بقائم، فالثانية أوكد. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: العجب من هؤلاء اليهود الذين يحكمون النبي ﷺ طلبًا للرخيصة وعندهم التوراة. الفائدة الثانية: أن من استفتى عالمًا طلبًا للرخصة ففيه شبه

стр. 418

من اليهود، ولهذا قال العلماء: يحرم الاستفتاء طلبًا للرخصة، وقالوا: من تتبع الرخص فقد تزندق، وصفة تَتَبُّعِ الرخص أنه إذا أفتاك عالم ولم ترد فتواه ذهبت إلى عالم آخر ليفتيك بما يناسبك، ولا شك أن المستفتي إنما أراد اتباع الهوى دون الهدى؛ لأنه لما أفتي بما يرى هو أنه الحق ذهب إلى عالم آخر، وقلنا: يرى أنه الحق؛ لأنه لم يستفتِ هذا العالم إلا وهو يعتقد أن فتواه حق وشريعة، فلما لم يوافق هواه ذهب ليستفتي آخر، فصارت حاله تنادي بأنه لا يريد الهدى وإنما يريد الهوى. نعم لو أن الإنسان استفتى عالمًا في مكان في بلدته، لا يرى عالمًا أحسن منه, لكن في نيته أنه لو حصل له أن يستفتي من هو أعلم لفعل، فهنا نقول: لا بأس أن يأخذ بقوله، وإذا ظفر بعالم أوثق منه نده فليستفته, ويكون هنا بمنزلة استعمال التراب بدلًا عن الماء عند العجز عنه؛ وبمنزلة أكل الميتة عند العجز عن أكل المذكاة، وعليه فيفرق بين شخصين سألا عالمًا ثم استفتيا غيره، أحدهما سأل هذا العالم؛ لأنه لا يرى في بلده من هو أعلم منه، وفي نيته أنه إذا ظفر بمن هو أوثق استفتاه، فاستفتاء هذا للعالم الثاني حكمه جائز، والثاني استفتى العالم الذي في بلده على أن فتواه هي الحق، لكنه تثاقلها، ثم استفتى عالمًا آخر لعله يجد رخصة، هذا لا يجوز، اثنان عملهما واحد لكن حكمهما مختلف. الفائدة الثالثة: تناقض اليهود وذلك بطلبهم الحق مع أن أداة الحق عندهم، فقد حكموا الرسول ﵊ مع أن التوراة فيها حكم الله، أي: فيها ما يعتقدون أنه حكم الله.

стр. 419

الفائدة الرابعة: أن ما جاء في التوراة فهو حكم الله، ولكن هذا قبل أن تبدل وتغير ويخفى منها ما يخفى ويبدى منها ما يبدى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]. الفائدة الخامسة: أن الأحكام التي في التوراة هي حكم الله، لقوله تعالى: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ لكن هذا في التوراة الثابتة، وأما بعد أن حرفت وغيرت وأخفيت فالحكم متغير، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]. لو قال قائل: في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] إشكال، والإشكال: أليست التوراة منسوخة بعد نزول القرآن؟ الجواب: بلى هي منسوخة، لكن من أجل أن يرد عليهم من كتابهم؛ لأنهم هم لا يؤمنون بالقرآن بل يؤمنون بالتوراة. الفائدة السادسة: عتو اليهود وأنهم بعد أن يتبين لهم الحق يتولون، لقوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ لأن ﴿ثُمَّ﴾ تدل على الترتيب والتراخي. الفائدة السابعة: أن من طلب الفتوى تتبعًا للرخصة فليس بمؤمن، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ لكن هل ينتفي عنه أصل الإيمان أو كمال الإيمان؛ الظاهر الثاني أنه ينتفي عنه كمال الإيمان. * * *

стр. 420

° قال الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور﴾ , "إنا" "نا" معروف أنها للجماعة أي: ضمير جمع، لكنها إذا أضيفت إلى الله فالمراد بها: التعظيم قطعًا؛ لأن الله إله واحد كما قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]. وقوله: ﴿أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ أي: من أعلى؛ يعني أن الله تعالى أنزلها على موسى لكنه جلَّ وعلا كتبها بيده في ألواح، نزلت من السماء على موسى ﵊ وجاء بها مكتوبة في الألواح. قوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ الهدى: العلم، والنور: آثار هذا العلم، وذلك أن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد نورًا وبصيرة في دين الله . قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ أي: بالتوراة وما فيها من الهدى والنور، ﴿النَّبِيُّونَ﴾ وفي قراءة "النبيئون" فعلى قراءة "النبيئون": يكون مفردها نبيئًا، وتكون مشتقة من النبأ بمعنى: الخبر، وعلى قراءة حذف الهمزة، قيل: إنها مشتقة من النَبْوَة، وهو الشيء المرتفع وذلك لارتفاع منزلة النبيين، وقيل: إنها من النبأ لكن

стр. 421

سهلت الهمزة ياء، فصارت النبي والجمع النبيون، والكل متفقون على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام في أعلى مراتب الخلق، وعلى أنهم أتوا بالأنباء والأخبار، فيكون القولان متفقين في المعنى، وإنما قلنا: إن الرسل وكذلك الأنبياء أعلى مراتب الخلق، لقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. قوله: ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ يعني: الإسلام التام، الذي هو إسلام القلب وإسلام اللسان وإسلام الجوارح، يعني: الاستسلام لله ظاهرًا وباطنًا. ولا تعجب أن يوصف الأنبياء بالإسلام؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أقوى الناس استسلامًا لله ، قال الله ﵎ عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١]، فإسلام الأنبياء متضمن للإيمان؛ وذلك لأنه إسلام القلب واللسان والجوارح. قوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متعلقة بـ "يحكم"، يعني: يحكم بها هؤلاء الرسل لليهود. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ بمعنى: رجعوا، وذلك بعد توبتهم من عبادة العجل، فإن هذا رجوع إلى الله . قوله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ قيل: إن الربانيين والأحبار العطف فيهما من باب عطف الصفات، وأن الربانيين هم الأحبار، وقيل: بينهما فرق، فالرباني: هو الذي أتم العبودية لله، وربى الناس عليها حتى وإن لم يصل إلى درجة الحبر بالنسبة

стр. 422

للعلم، والأحبار: هم الذين وصلوا إلى غاية كبيرة من العلم، فالحبر: واسع العلم، قالوا: لأنه يتفق في الاشتقاق، مع البحر لكنه ليس بالاشتقاق التام الذي يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف والترتيب، بل يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف دون الترتيب؛ فحبر وبحر كل كلمة حروفها ثلاثة متفقة، وعلى هذا فيكون الحبر: هو واسع العلم أي: الذي عنده علم واسع. والرباني: من دونه لكنه يربي الناس على عبادة الله ، ويربيهم أيضًا على العلم، وقد قيل في غير هذه الآية: إن الرباني هو العالم الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ لأن هذا لا شك أنه من الحكمة، وأقرب وسيلة إلى حصول العلم أن يربى الطالب بصغار العلم قبل كباره. قوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ يعني: يحكمون بما استحفظوا من كتاب الله، أي: بما جُعِلوا حفَّاظًا عليه؛ لأن أول من يحفظ الدين ويقوم بحفظه والذود عنه هم العلماء الأحبار والربانيون، ولهذا قال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ أي: بسبب ما استحفظوا من كتاب الله. قوله: ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ والمراد بها: التوراة، لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ وأضيفت التوراة إلى الله؛ لأنه كتبها بيده، هذا هو المشهور عند العلماء سلفًا وخلفًا. قوله: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على الذين استحفظوا شهداء؛ لأن العلماء يشهدون بأن هذه شريعة الله، وينشرونها بين عباد الله، فكانوا شهداء على الخلق ببلوغ الشريعة إليهم.

стр. 423

قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ لا تخشوا الناس؛ أي: لا تخافوهم وتخضعوا لهم واخشوا الله، وهذا كالإشارة إلى كونهم إذا زنا فيهم الشريف تركوه وإذا زنا فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، واعلم أن الخشية والخوف بينهما فروق: الفرق الأول: أن الخشية تكون عن علم، والخوف قد يكون عن علم وقد يكون بدون علم. الفرق الثاني: أن الخشية تكون لعظمة المخشي، وأما الخوف فيكون لضعف الخائف، وإن لم يكن المخوف قويًّا. الفرق الثالث: أن الخشية أكمل من الخوف، ولهذا كانت ألفاظها الخاء والشين والياء، وكلها مشتقة من الشيء القوي. قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: لا تستبدلوا آيات الله بالثمن القليل، فما هو الثمن القليل؟ الثمن القليل إما الجاه وإما الرتبة والشرف، وإما الرشوة فهم يحكمون بغير شريعة الله، طلبًا لبقاء شرفهم وجاههم وسيادتهم أو من أجل مال يبذل إليهم رشوة، ووصفه الله بأنه قليل لأن جميع ما في الدنيا مهما بلغ فهو قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]. قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أي: أيُّ إنسان لم يحكم بما أنزل الله من يهود ونصارى وغيرهم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ "أولاء": مبتدأ، وهم: ضمير فصل، وجاء ضمير الفصل لإفادة الحصر والتوكيد؛ وقد تقدم أن ضمير الفصل له ثلاث فوائد، الأولى: إفادة الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: التمييز بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل،

стр. 424

ويظهر ذلك بالمثال: إذا قلت: زيد الفاضل، وعبرت تعبيرًا آخر: زيد هو الفاضل، أيهما أبلغ في إثبات الفضل لزيد؟ الثاني، فقولنا: زيد هو الفاضل يعني: لا غير فيفيد الحصر والتوكيد أيضًا، ويفيد التمييز بين الخبر والصفة؛ لأنك إذا قلت: زيد الفاضل، يحتمل أن تكون الفاضل صفة لزيد، ويترقب المخاطب الخبر، زيد الفاضل ما شأنه؟ يتوقع الإنسان الخبر، فإذا قلت زيد هو الفاضل لم يحتمل أن تكون الفاضل صفة، بل تتعين أن تكون خبرًا، وهل ضمير الفصل له محل من الإعراب؟ هو حرف في صورة ضمير وليس له محل من الإعراب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٤٠]، فقال: ﴿الْغَالِبِينَ﴾، مما يدل على أنه ليس له محل من الإعراب، لو كان له محل من الإعراب لكان الضمير مبتدأ، والغالبون: خبر، ولهذا نقول في إعراب: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: "الواو" اسم كان، و"الغالبين" خبرها. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: ثبوت إنزال الله تعالى للتوراة، لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾. الفائدة الثانية: شرف التوراة، حيث إن الله تعالى أنزلها من عنده، لكن كما تقدم في التفسير: أن المراد بالتوراة: التي لم تغير ولم تبدل. الفائدة الثالثة: أن في التوراة هدى ونور، لقوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] فالقرآن

стр. 425

كله هدى وكله نور قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] وفي هذه الآية، قال الله تعالى في التوراة: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ وهذا التعبير بينه وبين التعبير القرآني بالنسبة للقرآن الكريم فرق عظيم؛ لأن التوراة جعل فيها هدى ونور، والقرآن جعله هو الهدى والنور. الفائدة الرابعة: أن التوراة أصل للأنبياء الذين جاءوا من بعد موسى، لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾، وعلى هذا فالشرائع التي أتت من بعد التوراة تعتبر تكميلًا للتوراة وتحقيقًا للعمل بها، ومن ثَمَّ نقول: هل الإنجيل داخل في ذلك؟ نقول: نعم الإنجيل مكمل للتوراة؛ لأن عيسى ﵊ قال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]. فلو قال قائل: هل يجوز أن نقول هذه الآية من التوراة أو من الإنجيل؟ الجواب: إذا كانت منزلة من عند الله فهي آية؛ لأنه كما تقدم: أن هذه الشرائع لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، ولو أنكر البعض على من يقول هذه الآية من التوراة أو الإنجيل فهذا خطأ إلا إذا كان ينكرها خوفًا من الالتباس فلا بأس؛ لأن العامي إذا سمع هذا يظن أن التوراة والإنجيل قرآنًا. الفائدة الخامسة: جواز وصف الأنبياء بالإسلام، لقوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ والمراد هنا: الاستسلام الظاهر والباطن؛ لأن هناك إسلامًا ظاهريًّا فقط، كما في قول الله ﵎ في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] فجعل
следующие страницы →