← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

سهلت الهمزة ياء، فصارت النبي والجمع النبيون، والكل متفقون على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام في أعلى مراتب الخلق، وعلى أنهم أتوا بالأنباء والأخبار، فيكون القولان متفقين في المعنى، وإنما قلنا: إن الرسل وكذلك الأنبياء أعلى مراتب الخلق، لقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. قوله: ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ يعني: الإسلام التام، الذي هو إسلام القلب وإسلام اللسان وإسلام الجوارح، يعني: الاستسلام لله ظاهرًا وباطنًا. ولا تعجب أن يوصف الأنبياء بالإسلام؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أقوى الناس استسلامًا لله ، قال الله ﵎ عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١]، فإسلام الأنبياء متضمن للإيمان؛ وذلك لأنه إسلام القلب واللسان والجوارح. قوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متعلقة بـ "يحكم"، يعني: يحكم بها هؤلاء الرسل لليهود. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ بمعنى: رجعوا، وذلك بعد توبتهم من عبادة العجل، فإن هذا رجوع إلى الله . قوله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ قيل: إن الربانيين والأحبار العطف فيهما من باب عطف الصفات، وأن الربانيين هم الأحبار، وقيل: بينهما فرق، فالرباني: هو الذي أتم العبودية لله، وربى الناس عليها حتى وإن لم يصل إلى درجة الحبر بالنسبة

стр. 422

للعلم، والأحبار: هم الذين وصلوا إلى غاية كبيرة من العلم، فالحبر: واسع العلم، قالوا: لأنه يتفق في الاشتقاق، مع البحر لكنه ليس بالاشتقاق التام الذي يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف والترتيب، بل يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف دون الترتيب؛ فحبر وبحر كل كلمة حروفها ثلاثة متفقة، وعلى هذا فيكون الحبر: هو واسع العلم أي: الذي عنده علم واسع. والرباني: من دونه لكنه يربي الناس على عبادة الله ، ويربيهم أيضًا على العلم، وقد قيل في غير هذه الآية: إن الرباني هو العالم الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ لأن هذا لا شك أنه من الحكمة، وأقرب وسيلة إلى حصول العلم أن يربى الطالب بصغار العلم قبل كباره. قوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ يعني: يحكمون بما استحفظوا من كتاب الله، أي: بما جُعِلوا حفَّاظًا عليه؛ لأن أول من يحفظ الدين ويقوم بحفظه والذود عنه هم العلماء الأحبار والربانيون، ولهذا قال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ أي: بسبب ما استحفظوا من كتاب الله. قوله: ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ والمراد بها: التوراة، لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ وأضيفت التوراة إلى الله؛ لأنه كتبها بيده، هذا هو المشهور عند العلماء سلفًا وخلفًا. قوله: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على الذين استحفظوا شهداء؛ لأن العلماء يشهدون بأن هذه شريعة الله، وينشرونها بين عباد الله، فكانوا شهداء على الخلق ببلوغ الشريعة إليهم.

стр. 423

قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ لا تخشوا الناس؛ أي: لا تخافوهم وتخضعوا لهم واخشوا الله، وهذا كالإشارة إلى كونهم إذا زنا فيهم الشريف تركوه وإذا زنا فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، واعلم أن الخشية والخوف بينهما فروق: الفرق الأول: أن الخشية تكون عن علم، والخوف قد يكون عن علم وقد يكون بدون علم. الفرق الثاني: أن الخشية تكون لعظمة المخشي، وأما الخوف فيكون لضعف الخائف، وإن لم يكن المخوف قويًّا. الفرق الثالث: أن الخشية أكمل من الخوف، ولهذا كانت ألفاظها الخاء والشين والياء، وكلها مشتقة من الشيء القوي. قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: لا تستبدلوا آيات الله بالثمن القليل، فما هو الثمن القليل؟ الثمن القليل إما الجاه وإما الرتبة والشرف، وإما الرشوة فهم يحكمون بغير شريعة الله، طلبًا لبقاء شرفهم وجاههم وسيادتهم أو من أجل مال يبذل إليهم رشوة، ووصفه الله بأنه قليل لأن جميع ما في الدنيا مهما بلغ فهو قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]. قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أي: أيُّ إنسان لم يحكم بما أنزل الله من يهود ونصارى وغيرهم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ "أولاء": مبتدأ، وهم: ضمير فصل، وجاء ضمير الفصل لإفادة الحصر والتوكيد؛ وقد تقدم أن ضمير الفصل له ثلاث فوائد، الأولى: إفادة الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: التمييز بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل،

стр. 424

ويظهر ذلك بالمثال: إذا قلت: زيد الفاضل، وعبرت تعبيرًا آخر: زيد هو الفاضل، أيهما أبلغ في إثبات الفضل لزيد؟ الثاني، فقولنا: زيد هو الفاضل يعني: لا غير فيفيد الحصر والتوكيد أيضًا، ويفيد التمييز بين الخبر والصفة؛ لأنك إذا قلت: زيد الفاضل، يحتمل أن تكون الفاضل صفة لزيد، ويترقب المخاطب الخبر، زيد الفاضل ما شأنه؟ يتوقع الإنسان الخبر، فإذا قلت زيد هو الفاضل لم يحتمل أن تكون الفاضل صفة، بل تتعين أن تكون خبرًا، وهل ضمير الفصل له محل من الإعراب؟ هو حرف في صورة ضمير وليس له محل من الإعراب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٤٠]، فقال: ﴿الْغَالِبِينَ﴾، مما يدل على أنه ليس له محل من الإعراب، لو كان له محل من الإعراب لكان الضمير مبتدأ، والغالبون: خبر، ولهذا نقول في إعراب: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: "الواو" اسم كان، و"الغالبين" خبرها. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: ثبوت إنزال الله تعالى للتوراة، لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾. الفائدة الثانية: شرف التوراة، حيث إن الله تعالى أنزلها من عنده، لكن كما تقدم في التفسير: أن المراد بالتوراة: التي لم تغير ولم تبدل. الفائدة الثالثة: أن في التوراة هدى ونور، لقوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] فالقرآن

стр. 425

كله هدى وكله نور قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] وفي هذه الآية، قال الله تعالى في التوراة: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ وهذا التعبير بينه وبين التعبير القرآني بالنسبة للقرآن الكريم فرق عظيم؛ لأن التوراة جعل فيها هدى ونور، والقرآن جعله هو الهدى والنور. الفائدة الرابعة: أن التوراة أصل للأنبياء الذين جاءوا من بعد موسى، لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾، وعلى هذا فالشرائع التي أتت من بعد التوراة تعتبر تكميلًا للتوراة وتحقيقًا للعمل بها، ومن ثَمَّ نقول: هل الإنجيل داخل في ذلك؟ نقول: نعم الإنجيل مكمل للتوراة؛ لأن عيسى ﵊ قال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]. فلو قال قائل: هل يجوز أن نقول هذه الآية من التوراة أو من الإنجيل؟ الجواب: إذا كانت منزلة من عند الله فهي آية؛ لأنه كما تقدم: أن هذه الشرائع لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، ولو أنكر البعض على من يقول هذه الآية من التوراة أو الإنجيل فهذا خطأ إلا إذا كان ينكرها خوفًا من الالتباس فلا بأس؛ لأن العامي إذا سمع هذا يظن أن التوراة والإنجيل قرآنًا. الفائدة الخامسة: جواز وصف الأنبياء بالإسلام، لقوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ والمراد هنا: الاستسلام الظاهر والباطن؛ لأن هناك إسلامًا ظاهريًّا فقط، كما في قول الله ﵎ في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] فجعل

стр. 426

الذين في البيت من المسلمين، ومن المعلوم أن امرأة لوط ليست مسلمة بل هي كافرة، لكنها قد خانت زوجها فأظهرت الإسلام، ولهذا قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠] فقوله: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ ليس بفعل الفاحشة ولكن بإخفاء الكفر عنهما. فالمهم أن الإسلام قد يطلق على من أظهر الإسلام وإن كان قلبه منطويًا على الكفر، لكن إسلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على عكس ذلك، إسلام الأنبياء هو استسلامهم لله ظاهرًا وباطنًا. الفائدة السادسة: أنه لا عذر لليهود في الخروج عن شريعة الله؛ لأن الله تعالى قيض لهم الأنبياء الكثيرين يحكمون لهم بالتوراة، لكنهم عاندوا وكفروا. الفائدة السابعة: أن أهل العلم ورثة الأنبياء في إظهار حكم الله والدعوة إلى شريعته، لقوله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾. الفائدة الثامنة: الثناء على أهل العلم، وأنهم هم حفظة شريعة الله، لقوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ وهذا أمر لا شك فيه، أن العلماء هم حفظة شريعة الله وهم ورثة الأنبياء، هم الذين يلزمهم الدعوة إلى الله على بصيرة، ونشر شريعة الله. الفائدة التاسعة: أن كُتُبَ الله هي أصل العلوم التي يدعو بها من حفظها من عباد الله، لقوله: ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ وعليه فتكون التوراة من كتب الله التي يجب علينا أن نؤمن بها.

стр. 427

الفائدة العاشرة: أن العلماء شهداء على شريعة الله موثوقون مؤتمنون، هذا هو الأصل، لكن قد يخرجون عن هذا الأصل، وهو: الشهادة على شريعة الله التي ينشرونها بين الناس، لكن هل كل عالم كذلك؟ الجواب: لا، ولهذا نقول: العلماء ثلاثة أصناف: عالم ملة، وعالم أمة، وعالم دولة. عالم الملة: هو الذي يحرص على حفظ الملة ونشرها بين الناس والدعوة إليها وهذا هو العالم حقيقة. وعالم الأمة: هو الذي يرى ما يريده الناس فيفتيهم به ولو خالف الشرع؛ لأنه يريد أن يساير ويقبل رأيه ولا يبالي. والثالث: عالم دولة: وهو الذي يرى ما تريده الدولة فيدعو إليه ويحكم به، ويحاول أن يلوي أعناق النصوص إلى ما تريده الدولة. وقد ظهرت دعوة قبل سنوات تدعو إلى الاشتراكية (١)؛ بسبب تأثير الشيوعيين على بعض البلاد العربية، فظهرت دعوة الاشتراكية وتأميم الممتلكات، وصار بعض العلماء يحاولون أن يجدوا لهذا المنهج شيئًا يؤيده من القرآن والسنة، فصاروا يأتون بالآيات والأحاديث البعيدة عن مرادهم ليثبتوا هذا، حتى سمعنا من يقول: إن قول الله ﵎: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨]، يعني: أنتم والعبيد الذين تملكونهم سواء، وهذا لا شك أنه تحريف؛ لأن معنى الآية: أن الله تعالى ضرب لنا مثلًا من أنفسنا:

стр. 428

- هل السيد يرضى أن يشاركه عبده في خصائصه وحقوقه؟ الجواب: لا، قال تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨]، بناء على أنهم شركاء لكم وهذا لا يمكن أن تقروا به، فكذلك الرب ، هل يرضى أن يكون أحد من خلقه شريكًا له؟ لا يرضى، كما أنكم أنتم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم في الرزق، هذا معنى الآية. واستدلوا أيضًا بأحاديث: "الناس شركاء في ثلاث" (١) وما أشبه ذلك، نسمي هؤلاء العلماء: علماء دولة، يعني يرون ما تريده الدولة فيصرفون الناس إليه -نسأل الله العافية- لكن العلماء الربانيين الذين استحفظهم الله على كتابه لا يمكن أن يسلكوا هذا المسلك. الفائدة الحادية عشرة: تحريم خشية الناس في إضاعة شريعة الله، لقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ واعلم أن الله تعالى ذكر في القرآن الكريم سببًا لكون الإنسان يخشى الناس دون الله، فقال : ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥] الشيطان يأتي إلى ضعاف الدين وإلى ضعاف الهمة والحزم، يقول: لا تفعل هذا، فإذا فعلت تقوم عليك الأمة، تنكر عليك الأمم، فيخاف، والمؤمن حقًّا لا يخاف يقول: ما دمت على بصيرة وعلى دين فأنا

стр. 429

لا أخاف إلا الله ، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾. لو قال قائل: متى يصدع الداعية بالحق ولا يخشى الناس، ومتى يكون الأمر فيه سعة، هذا إذا وجد من يصادمه؟ الجواب: إذا كان قصده من كتمان الحق الخوف على نفسه فهذا هو الذي يخشى الناس، أما إذا كان قصده من كتمان الحق الخوف على الحق وأنه لو جهر به ضاده الوالي الذي عنده وقمع هذه الدعوة وربما يتوصل الأمر إلى غيره، فهذا لا حرج أن يؤخر الدعوة إلى وقت يمكنه فيه أن يجهر بها. الفائدة الثانية عشرة: أن المنحرف عن الدين وعن نشر العلم ينحرف لأحد سببين: السبب الأول: خشية الناس، والسبب الثاني: الطمع في الدنيا، وجه ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فلو أنك تأملت أسباب الانحراف، وأعني بذلك انحراف العلماء، لوجدته يدور على شيئين: إما الخوف من الناس، وإما طلب الدنيا والرئاسة والمال وما أشبه ذلك. الفائدة الثالثة عشرة: أن من لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون، لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] واختلف العلماء ﵏، هل المراد بهذا العموم الخصوص؟ يعني: أن المراد بذلك اليهود فقط؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله أو المراد العموم؟ منهم من قال: أن المراد بهذه الآية: اليهود؛ لأنها في سياق التثريب عليهم؛ لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله فهم كافرون.

стр. 430

ومنهم من قال: إنها عامة؛ لأن لفظ "مَنْ" صريح في العموم، والصحيح أنه من حيث الحكم عامة، يعني: حتى لو نزلناها لفظًا على اليهود؛ لأن السياق في ذَمِّهِم، فإننا نقول: إذا ثبت هذا الحكم في اليهود ثبت في غير اليهود من باب العموم المعنوي الذي هو القياس، يعني إن قلنا: إن هذا عام أريد به الخاص، وأن المراد بذلك اليهود قلنا: هذه دلالة الآية لفظًا، لكن إذا قلنا بالعموم بغض النظر عن السياق، صارت الآية تدل لفظًا على الشمول لليهود، وغير اليهود، وعلى القول بأنها للخصوص، نقول: يلحق بذلك من لم يحكم بما أنزل الله من غير اليهود إلحاقًا معنويًّا. ولكن ليعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله، إما أن يكون لطمع، وإما أن يكون لكفر بما أنزل الله، وإما أن يكون لعدوان وظلم على الغير. فإن كان لطمع فإنه فاسق، كقاضٍ تنازع عنده رجلان، فأعطاه أحدهما رشوة فحكم بغير ما أنزل الله؛ طلبًا للرشوة والطمع، هذا نقول: إنه فاسق. الثاني: رجل تخاصم إليه رجلان، وكان بينه وبين أحدهما عداوة، فحكم عليه والحق معه، نقول: هذا ظالم معتدي، ليس له غرض في الحكم عليه، لكن يريد أن ينتقم منه؛ لأنه يكرهه أو بينه وبينه سوء تفاهم، وهذا أعظم وأشد من الأول؛ لأن الأول له منفعة قد تدعو النفس إليها، أما الثاني فليس له غرض إلا العدوان، فهو أشد وأعظم بلا شك. الثالث: أن يحكم بغير ما أنزل الله كراهة لما أنزل الله، أو

стр. 431

اعتقادًا منه أن ما حكم به خير من حكم الله ، أو أنه مخير بين أن يحكم بما أنزل الله أو بغير ما أنزل الله، فهذا يكون كافرًا خارجًا عن الإسلام؛ لأنه كره الإسلام أو ظن أن غيره أحسن منه، أو أن غيره مثله، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] أي: لا أحد أحسن من الله حكمًا، فإذا حكم وهو يعتقد أنه مثل حكم الله، فقد كذب ما تدل عليه الآية، وهو قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ وإذا اعتقد أنه خير منه؛ فإنه أشر وأقبح من الذي قال: إنه مساوٍ له. لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ هل المعنى فأولئك هم الكافرون فيما حكموا فيه أو الكافرون الخارجون عن الملة؟ الجواب: هذا محل خلاف وقد تقدم، فمن العلماء من قال: إن قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ هذا فيما حكموا به، كقول النبي ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" (١) مع أن هذا لا يخرج من الإسلام، فعليه يكون المعنى هم الكافرون فيما حكموا به فقط، لا الخارجون عن الملة، وقيل: هم الكافرون، أي: الموصوفون بالكفر المخرج عن الملة، ولكن الأدلة دلت على أن هذا مقيد بشروط: الأول: أن يكون الحاكم عالمًا بحكم الله، والثاني: أن يكون عالمًا بمخالفة هذا الحكم لحكم الله، والثالث: أن يجعله

стр. 432

بديلًا عن حكم الله، والرابع: أن لا يرضى بحكم الله، فإذا تمت هذه الشروط صار حينئذٍ خارجًا عن الملة. فإذا حكم بغير ما أنزل الله وهو لا يعلم بحكم الله، فإنه لا يكفر؛ لأن من شرط الحكم بالكفر أن يكون الإنسان عالمًا به، فكيف إذا حكم بتأويل ممن حرَّف الكلم عن مواضعه من علماء السوء؟ فيكون هذا أشد عذرًا له وأبعد عن تكفيره. وإذا قال: هو يعلم بحكم الله، وهو راضٍ بحكم الله لكنه يرى أنه لا يصلح في هذا الوقت مثلًا، قلنا: هذا كفر؛ لأن الشريعة الإسلامية باقية إلى يوم القيامة، فإن الذي شرعها علم بما يُصلِح الخلق، وعلم أن محمدًا خاتم النبيين، ولا بد أن تكون شريعته صالحة لكل زمان ومكان إلى آخر الدنيا، لكن يجب أن يُعَلَّمَ أولًا؛ لأنه قد يُلَبَّسُ على بعض الحكام ممن لا يعرف أحكام الشريعة فيأتيه جلساء السوء وقرناء السوء ويقولون: هذا يحتمل التأويل ويحتمل كذا، ويحتمل كذا، ثم يوردون العبارة المشهورة القيمة: "الشريعة الاسلامية جاءت بجلب المصالح ودفع المفاسد" ويتراءى لهم أن هذا الشيء صالح ثم يقولون للولاة: اجعلوه سنة واجعلوه نظامًا، مع أنَّ الإنسان قاصر النظر، قد يبدو له في هذه الحال أنه صالح لكن عواقبه فاسدة، فمتى علمنا أن الله حرم هذا الشيء أو أوجب هذا الشيء علمنا أن النتائج المثمرة في الواجب معلومة ولكنها قد تكون مجهولة لنا، معلومة في المآل، وكذلك المفاسد التي فيما حرم الله، قد لا تكون معلومة لنا في الحاضر لكنها تُعْلَمُ في المآل.

стр. 433

وهذه مسألة خطيرة للغاية؛ لأن من الناس من يقدم على المكفير مع انتفاء شروطه، ويحصل بذلك شر كثير، تمرد على الحكام، وتضليل للعامة، وفوضى في المجتمع، ودماء تراق بغير حق. واسأل مَنْ سلفك مِنْ الأمة، ماذا حصل من الخوارج الذين كَفَروا معاوية ﵁ ثم كفروا عليًّا ﵁ وهم يقومون الليل ويتلون القرآن، وأخبر النبي ﷺ أن الصحابة وهم الصحابة، "يحقر أحدهم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم" (١) ومع ذلك حصل من شرهم ما لا يعلمه إلا الله، ومن قرأ عنهم -وآخر الأمة كأولها- علم أن الخروج على الأئمة لا شك أنه مفسدة عظيمة، وأن بقاء الحكام على غير ما أنزل الله لا شك مضرة عظيمة، لكن الواجب أن يُدرأ أشد المفسدتين بأخفهما، فإذا جرت الدماء يصعب جدًّا إيقافها وأن تحقن بعد أن أريقت، لكنَّ إصلاح الحكام ربما يتحقق مع المران والمجالسة والمناصحة. فلهذا أقول: إن المسألة خطيرة، وإن الواجب على الإنسان أن يدرس ما قاله أهل العلم في هذه المسألة دراسة خالية من العاطفة، كلنا نحب أن تكون كلمة الله هي العليا والله تعالى يعلم ذلك، وكلنا يحب أن يكف الشر عن الأمة، لكننا نعلم جيدًا خطورة الوضع فيما إذا قيل: إن هذا الحاكم كافر وليس عندنا فيه من الله برهان. فإذا وجدنا كفرًا بواحًا صريحًا واضحًا عندنا فيه من الله

стр. 434

برهان، وطبقنا البرهان على الواقع وتبين أنه كفر، فهل يسوغ لنا أن نخرج على الإمام؟ حتى: لو قلنا: إنه يسوغ؛ فلا بد من شروط، أهمها: أن يكون لنا القدرة على إزاحته وأن ننظر ماذا يترتب على الخروج وفقًا للأصول العامة من الدين الإسلامي، أما أن نخرج عليه بدونها فلا يليق، وليس من الحكمة ولا من الشريعة. وهل أُمر المسلمون وهم مضطهدون في مكة أن يقاتِلوا؟ ما أمروا أن يقاتِلوا؛ لأنهم لا طاقة لهم بذلك، فإذا قدرنا أن هذا الحاكم كافر كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان كالشمس، ورأيناه يسجد للصنم، فهل نخرج عليه؟ الجواب: لا نخرج، ومسألة الخروج هذه لا تجوز إلا بشروط، فأين القدرة الآن من هؤلاء الذين يخرجون فئات وفئات؟ ثم يحصل من الشر العظيم ما هو معلوم للجميع، وهذه الفئات أيضًا لا تتسلط على الحكومة نفسها بل تتسلط على الشعب المسكين الأعزل الذي لا حول له ولا قوة، فيقتلون النساء والصبيان ويدمرون البلدان بحجة أنهم يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وهم بهذا الفعل ما حصلوا على المقصود ولا أثمروا ولا أنتجوا، إنما كان الضرر عظيمًا مستطيرًا، لذلك أكرر أن هذه المسألة من أخطر ما يكون في وقتنا الحاضر، فيجب وجوبًا مؤكدًا لازمًا التثبت في هذا الأمر والتاني والنظر بالحكمة وإدراك العواقب وفقًا للأصول العامة من الدين الإسلامي، والله المستعان وهو حسبنا أن يقينا شر الفتن ويصلح أحوال المسلمين. * * *

стр. 435

° قال الله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]. قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ "كتبنا": أي: فرضنا، وكما قال تعالى في آية أخرى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] فالكَتْبُ بمعنى الفرض، والكتابة نوعان: كتابة شرعية، وكتابة قدرية كونية، فما تعلق بالأمر والنهي الذي يفعله المكلف فهي كتابة شرعية، وما تعلق بالخلق والتكوين فهي كتابة قدرية، فمن الأول هذه الآية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] هذا في القضاء، وقال في الكتابة: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة: ٢١] هذه كتابة قدرية قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] والأمثلة كثيرة. قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي: في التوراة، والنص على التوراة يتضمن توبيخ هؤلاء اليهود الذين يقولون: إنهم يعملون بالتوراة ولكنهم لا يطبقونها قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ يعني: أن من قتل نفسًا قُتل بها، كلمة (نفس): القاتل والمقتول لفظ عام في الموضعين، فلننظر هل شريعتنا على هذا أو تختلف؛ الأصل أنها على هذا، والدليل على هذا قول النبي ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا

стр. 436

بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس" (١) هذا لفظ الحديث، وهذا لفظ الآية التي حكاها الله عن التوراة أن النفس بالنفس، إذًا فالأصل أن من قتل نفسًا قتل بها. فلننظر مثلًا شاب مسلم قتل طفلًا مسلمًا، يُقْتَلُ به؛ لأن النفس بالنفس، ورجل قتل امرأة يقتل بها، وعاقل قتل مجنونًا يقتل به، وكافر قتل مسلمًا يقتل به؛ لأن الآية التي معنا تقتضي أنه يقتل به. إذًا: كافر قتل مسلمًا يقتل به، مسلم قتل كافرًا يقتل به، نحن الآن نأخذ الأحكام من الأدلة التي بين أيدينا وهي قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ والحديث: "النفس بالنفس" (٢) والد قتل ولده يقتل به، ولد قتل والده يقتل به، حر قتل عبدًا يقتل به، سيد قتل مملوكًا يقتل به، فكل قَتْل الأصل فيه أن تقتل النفس بالنفس، يبقى النظر هل هذا العموم خصص؟ نقول: نعم خصص، فإذا لم يثبت التخصيص في مسألة ما فالأصل العموم. ولننظر كافر قتل مسلمًا يقتل به لا شك، مسلم قتل كافرًا لا يقتل به، ما الذي أخرجه من العموم؟ أخرجه من العموم ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقتل مسلم بكافر" (٣)، والتعليل أن المسلم طاهر عَبْد لله حقيقة، والكافر نجس متمرد مستكبر، والمسلم من أولياء الله، والكافر من أعداء الله، فكيف يكون هذا

стр. 437

ندًّا لهذا، أو بدلًا عنه، فالمسلم أعلى منزلة عند الله من الكافر، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فإذًا عندنا منقول ومعقول في أن المسلم لا يقتل بالكافر. هل يقتل الرجل بالأنثى؟ نعم يقتل، الآية عامة، فيقتل الرجل بالأنثى، يعني إذا قتل رجل امرأة فإنه يقتل، فإذا قال إنسان: الرجل أشرف من المرأة وبه يقوم الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولايات والأحكام فهم القضاة وهم الولاة، وقد قال ﷺ : "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة" (١) فكيف تكون المرأة كفئًا للرجل فيقتل بها؟ نقول: عندنا عموم، وعندنا أيضًا دليل خاص، وهو أن جارية من الأنصار كان عليها أوضاح من ذهب أو فضة فقتلها يهودي، رَضَّ رأسها بين حجرين وأُدركت قبل أن تموت، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ فلان فلان فلان حتى ذكروا اليهودي، فأشارت أن نعم، يعني: أنه هو الذي قتلها، فأخذوا اليهودي فاعترف، فأمر النبي ﷺ بالعدل: "أن يرض رأسه بين حجرين" (٢)، فرض رأسه بين حجرين قصاصًا، فهنا قُتِلَ رجل بامرأة. فإذا قال قائل: الرجل ناقص عن هذه المرأة بالدين، فنقصه جعله يكون مكافئًا لها؟

стр. 438

قلنا: هذا لا أثر له؛ لأن الدين إذا كان القاتل هو الأدنى لا يؤثر شيئًا، أصلًا لأن المسلم إذا قتله الكافر قتل الكافر. إذا قتل عاقل مجنونًا يقتل به، لكن لو قال قائل: إذا قتل العاقل مجنونًا أراح الناس منه ومن شره، قلنا: يقتل للعموم. قتل والد ولده يقتل به، حتى يوجد دليل، طلبنا دليلًا، ما وجدنا دليلًا صحيحًا، وحديث: "لا يقتل والد بولده" (١) ليس له إسناد مستقيم، والتعليل بأن الوالد كان سبب وجود الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في موته، هذا التعليل عليل بل هو تعليل ميت ليس فيه حراك، وإلا فمن كان السبب في الهلاك؟ الوالد هو الذي قتل، ولهذا لو قيل: إن قتل الوالد بالولد أولى من قتل الأجنبي بأجنبي؛ لأن قتل الوالد لولده ارتكاب شيء منهي عنه بخصوصه في القرآن قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]. ثانيًا: قتل الوالد لولده من أكبر قطيعة الرحم وهذه جناية، فكيف يكون ارتكاب هذا الوالد لهذه الجناية؟ ومع ذلك نقول: لا قصاص، فإذا تبين أن المخصص لا يصح نقلًا ولا يصح عقلًا وجب أن يكون الحكم عامًا حتى في قتل الوالد بولده. ولد قتل والده، يقتل ولا إشكال؛ لأن قتله لوالده من أكبر العقوق فلا ينبغي أن يتسامح فيه. مملوك قتله سيده يقتل به، مالك قتل عبده يقتل به، هذا الأصل والفرع، لعموم "النفس بالنفس"؛ ولأنه جاء في الحديث

стр. 439

عن النبي ﵊: "من قتل عبده قتلناه" (١)، وإذا قتل الحر عبد غيره قُتل به؛ لأنه إذا قتل بعبده الذي هو يملكه فقتله بعبد غيره من باب أولى. إذًا: لم يصح الآن في تخصيص هذه الآية إلا أنه لا يقتل مسلم بكافر، والباقي على عمومه، ومن ادعى إخراج شيء من هذا العموم، قلنا: مرحبًا، هاتِ الدليل الذي يقنع، وحينئذٍ نقول: آمنا بالله، والشريعة يكحل بعضها بعضًا، فما عمم فيها في مكان وخص في مكان أخذنا به. لو قال قائل: هل يقتل الكبير بالصغير والصغير بالكبير؟ الجواب: الصغير لا يقتل بالكبير، يعتي: لو أن صغيرًا دون البلوغ قتل كبيرًا لا يقتل؛ لأنه مرفوع عنه القلم, ولأنه ليس له قصد صحيح, وكذلك يقال في المجنون إذا قتل العاقل فإنه لا يقتل. قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ يعني: أن من قلع عين شخص قلعنا عينه، فعَيْنٌ بعَيْنٍ, ولا بد من المماثلة، فاليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى؛ لأن التعريف في قوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ يدل على أن الثاني هو الأول, وهذا يقتضي المماثلة، ولأنه جاء بالباء الدالة على البدل، والبدل لا بد أن يكون مساويًا للمبدل منه. مثاله: رجل قلع عين شخص ضعيف النظر، والقالع نظره قوي تقلع عينه، كما لو قتل الصحيح مريضًا فيقتل به، رجل سليم العين قلع عين شخص العوراء لا تقلع؛ لأنها لا تبصر، فاقدة المنفعة، أي: ميتة.

стр. 440

رجل أعور ليس له إلا عين يمنى قلع عين سليم اليمنى وله -أي: الأعور- عين يمنى؟ العلماء مختلفون في هذا، منهم من قال: تقلع عين الأعور، وأخذ بالعموم، في قوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ فهذا الرجل الأعور الذي ليس له إلا عين يمنى قلع عين رجل سليم العينين، اليمنى عمدًا فتقلع. فإذا قال قائل: إنكم إذا قلعتم عينه الباقية صار أعمى؟ نقول: من الذي جعله يتعدى على هذا الرجل ويقلع عينه؟ هو الذي جنى على نفسه، ونحن لم نجنِ عليه، وقال بعض العلماء: إنه لا تقلع عينه؛ لأن ذلك يؤدي إلى فوات منفعة لا يوجد لها نظير في البدن وهي الإبصار، لكن بعضهم قال: يُعطى الدية كلها، الأعور الآن لما قلع عين الصحيح اليمنى وهو له عين يمنى، نقول: لا نقلع عين الأعور، لكن تلزمه الدية كاملة عن عين الصحيح العينين، مع أن العين فيها نصف الدية، لكن هنا تلزمه الدية كاملة؛ لأن إبقاء عينه عوضًا عن إبصار كامل بالنسبة للأعور، والإبصار الكامل فيه دية كاملة، وبعضهم يقول: ليس فيها إلا نصف الدية، مطلقة. والذي يظهر أن الصواب أحد أمرين: إما أن تقلع عينه، ويقال: أنت الذي جنيت على نفسك، وإما أن لا تقلع لكن يلزمه للآخر دية كاملة فيضاعف عليه الغرم. قوله: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ الأنف له قصبة من العظام، وله أرْنَبَةٌ من العظام الرقيقة، فهل المراد العظام الرقيقة أو كل الأنف؟ بعض العلماء يقول: كل الأنف، إذا قص الأنف من عند الجبهة قصصنا أنفه من عند الجبهة، وبعضهم يقول: لا يمكن أن يكون

стр. 441

أنف بأنف إلا إذا كان القطع من الجانب اللين من الأنف؛ لأنه هو الذي يمكن الاستيفاء منه؛ لأن له حدًا فاصلًا بَيِّنًا، يسمى المارن، أي: مارن الأنف، وهو ما لان منه، لكن القول الراجح الأول: أنه يقتص من الأنف من حيث كان موضع الجاني، لا سيما في وقتنا الحاضر، فالطب الآن متقدم ولا يمكن أن يكون فيه حيف؛ لأن الذين قالوا: لا يقتص من العظم، قالوا: يخشى أن يكون فيه حيف فيتقطع، العظم ولا يكون الاقتصاص تامًّا، نقول: الآن الحمد لله في وقتنا الحاضر الطب متقدم يمكن أن يقتص بالشعرة. إذا قلنا بهذا فهل المعتبر المساحة أو النسبة؟ إذا قلنا: المساحة، وكان المجني عليه أنفه كبيرًا، والجاني كان أنفه صغيرًا، وقطع نصف أنفه الكبيرة، ونصفه يقابل أنف الثاني بالكامل، وربما زيادة أيضًا فهل يعتبر بالمساحة أو بالنسبة؟ العبرة بالنسبة، وقد نجد أن بعض الناس يكون عنده حاسة شم يشم الروائح الطيبة والخبيثة، وآخر لا يشم، ولو كان عنده أطيب الروائح أو أخبث الروائح لا يشم، فهل إذا قطع الرجلُ الذي يشم أنفَ من لا يشم، فهل نقطع أنفه أو لا؟ يقطع؛ لأن الآية عامة ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾، ولأن الشم ليس في نفس الخيشوم بل الشم بالمخ ليس بالأنف، ولهذا يوجد أناس انقطعت آنافهم في حرب أو آفة أو غير ذلك وهم يشمون، وأناس آنافهم سليمة ومع ذلك لا يشمون، إذًا الأنف الأشم وغيره سواء. قوله: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ الأذن أيضًا تقطع بالأذن لا بد من المماثلة أيضًا، اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى سواء كانت

стр. 442

صماء أو غير صماء؛ لأن السمع ليس في نفس الغضاريف لكنه من الداخل، فإذا قَطع شخص أذن آخر فإنه يُقطع به. إذا كان أذن القاطع تتحرك وأذن المقطوع لا تتحرك، هل تقطع أذن القاطع؟ على كل حال تقطع، وقد ذكروا لنا أن أناسًا يحركون آذانهم تحريكًا كبيرًا ليس صغيرًا، لكن أكثر الناس لا يستطيعون؛ لأن هذه الحركة غير مقصودة والفائدة منها قليلة، وإلا لقلنا: إن هذا مثل الشلاء والسليمة، على أن الفقهاء ﵏ قالوا: إن الشلل في الأذن والأنف لا يؤثر؛ لأن الأنف والأذن الصورة باقية ولو كان هناك شلل. قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ "الباء" هنا لا شك أنها بدل أو عوض، فلا بد أن يكون السن المقلوع مماثل لسن الجاني فمثلًا هل تقلع الثنية بالرباعية؟ الجواب: لا، لعدم الاتفاق، والباء كما تقدم أنها للعوض أو للبدل، لا يمكن أن تكون الرباعية بدلًا عن الثنية أو العكس، والثنايا هما السنان المتلاصقان وما وراءهم الرباعية. فإذا قلع بعض السن يعني: كسر بعض السن، هل يقتص منه؟ نعم يقتص منه ويقدر بالنسبة، إذا كان الجاني قد برد سن المجني عليه حتى ذهب نصفه، نبرد سن الجاني حتى يذهب نصفه، فإذا قال الجاني: يا جماعة ارأفوا بي، قصوا السن بدلًا عن البرد بالمبرد، هل نطيعه؟ لا نطيعه؛ لأنه كما آلم المجني عليه فإننا نؤلمه، ولهذا لو قال لنا في مسألة العين أو في مسألة الأذن: بَنِّجُوني قلنا: لا نبنجك كما أنك فعلت بالمجني عليه نفعل بك.

стр. 443

بالنسبة للأذن: إذا أخذ بعض الأذن، ما دام يمكن القصاص فإنه يجب القصاص، وهو العدل. قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ لما ذكر الله تعالى الأعضاء ذكر الجروح لكن بقي أعضاء ما ذكرت، مثل اليدين والرجلين والأصابع، لكن يثبت الحكم فيها بالقياس على ما ذكر. قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ كلمة "الجروح" عامة تشمل كل جرح، لكن كلمة قصاص تقيد هذا العموم، إذ إن المفهوم منها أن الجروح قصاص فيما يمكن الاقتصاص منه، والفقهاء ﵏ يقولون: لا يمكن القصاص في جرح إلا في جرح ينتهي إلى عظم، والجرح الذي لا ينتهي إلى عظم لا يمكن القصاص منه، فمثلًا الجرح في الرأس حتى يصل إلى عظم الرأس، يمكن فيه القصاص، الجرح في الساق حتى يصل إلى العظم يمكن، في الفخذ كذلك، في الظهر كذلك، في الأضلاع كذلك، لكن في البطن لا يمكن هذا على ما سبق، وعندي أنه في الوقت الحاضر ممكن؛ لأن الأطباء عندهم من الحذق ما يمكن أن يُقَدِّروا الجرح بكل دقة، وإذا كان الله لم يُبَيِّن موضع الجروح بل قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فنقول: متى ثبت إمكان القصاص في أي جرح في أي موضع، فإنه واجب. وهل القصاص يكون بالمساحة أو بالنسبة؟ هذه عندي فيها إشكال، مثل رجل بطنه كبير وآخر بطنه صغير، هل نعتبر المساحة أو النسبة؟ اعتبار النسبة، واللهِ أقرب إلى العدل، يعني: إنسانًا جرح بطن طفل صغير، مساحة الجرح نصف سنتيمتر من بطن الصبي والسنتيمتر أظنه الأرقام التي على

стр. 444

المسطرة، فنصف السنتيمتر أو السنتيمتر من بطن الصبي كبير بالنسبة لبطنه، لكن الجارح هذا بطنه ما شاء الله بطن بعير، إذا قلنا بالمساحة لم يؤثر في بطنه شيئًا، وأيضًا قد يكون المجني عليه ذراعه طويلة لو أخذنا بالمساحة لزم أن نأخذ كل ذراع الجاني، ولكن إن كان القطع من النصف قلنا: خذ النصف، وإذا كان من الثلث قلنا: خذ الثلث، هذا هو القول الراجح، فإذا لم يمكن فالصواب: أن للمجني عليه أن يطلب القصاص مما دونه من المفصل، وله أن يطلب أرش الزائد أيضًا، هذا هو القول الراجح؛ لأن الله تعالى أمر بالعدل وهذا هو العدل فالظاهر والله أعلم أن الجروح بالنسبة. وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾: يعني: أنه يقتص من الجاني بمثل ما جنى على المجني عليه، فإذا كان جرحه في جانب الرأس الأيمن يقتص منه في جانب الرأس الأيمن، وإذا كان جرحه في الجانب الأيسر يقتص منه في الجانب الأيسر، وهلمَّ جرَّا. قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ من تصدق به: أي: بالقصاص، وهذا يحتمل معنيين: المعنى الأول: أن يتصدق المجني عليه بالقصاص فلا يقتص من الجاني ويكون هذا كفارة له؛ لأن الصدقة كفارة. المعنى الثاني: تصدق به أي: بالقصاص، أي: بذل نفسه ليقتص منه فيكون ذلك كفارة له؛ لأنه إذا اقتص منه في الدنيا لم يلحقه الجاني به في الآخرة. وقوله: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أما كونه كفارة للمتصدق الذي

стр. 445

هو المجني عليه فظاهر؛ لأنه أحسن إلى أخيه وتصدق عليه بأعز شيء عليه وهو نفسه إذا كان ذلك بالنفس، وأما كونه كفارة للجاني؛ فلأنه سلم نفسه بسهولة فيكون تسليمه نفسه ليقتص منه كفارة لجريمته وجنايته ولا يعاقب به؛ إذ لا يجمع الله تعالى على الإنسان عقوبتين، عقوبة الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أي: للمتصدق؛ سواء كان المجني عليه أو الجاني، والكفارة: مأخوذة من الكَفْر وهو الستر؛ لأن الشيء إذا غطى آثار شيء آخر صار كالساتر له، ولذلك كان لليمين كفارة، وكانت للظهار كفارة، وكان للقتل كفارة؛ لأن الكفارة تستر ما يحصل من آثام الذنوب وتمحوها. قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ نقول في هذه الجملة كما قلنا في الجملة الأولى: هل المراد من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود أو هو عام؟ في هذا قولان للمفسرين كما تقدم: منهم من قال: إنها في اليهود؛ لأن سياق الآيات فيهم، وعلى هذا القول يمكن أن يلحق بهم من فعل ذلك من المسلمين بطريق القياس. القول الثاني في المسألة: أن الآية عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم سواء كان من المسلمين أو كان من اليهود أو من غيرهم، وهذا يساعده اللفظ، والأول يساعده السياق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ فالكلام عن اليهود، ولكن الحكم في الحقيقة لا يختلف فيمن لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين؛ لأننا نقول: إن شمله اللفظ فقد شمله

стр. 446

الحكم بالدليل اللفظي، وإن لم يشمله فقد شمله الحكم بالدليل المعنوي وهو القياس. وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ "هم": ضمير فصل، وتقدم أن ضمير الفصل حرف لا محل له من الإعراب، لكن يؤتى به للفصل بين الصفة والخبر، أي: بين النعت والخبر، فإذا قلت: زيد الفاضل تريد أن تخبر عنه بأنه "الفاضل"، فإنه يحتمل أن تكون الفاضل نعتًا لزيد، والخبر لم يأتِ بعد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تعين أن يكون خبرًا ولهذا سمي ضمير فصل، وفائدته ما ذكرنا، وفائدة أخرى: التوكيد، وفائدة ثالثة: الحصر. هل نقول: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعني لا يوجد أحد ظالم إلا هؤلاء بناء على أن ضمير الفصل يفيد الحصر؟ الجواب: لا، هذا حصر نسبي أي: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ في عدم تطبيق ما ذكر في الآية، وإلا فإن الكافرين هم الظالمون، والمفتري على الله كذبًا ظالم، وهو أظلم الناس، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [يونس: ١٧]. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن الله فرض على اليهود القصاص، لقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. لكن إذا قال قائل: كيف نقول ذلك وقد فسرنا قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ بأن المجني يعفو عن الجاني؟ نقول: نعم، فرض الله عليهم القصاص أو العفو مجانًا، يعني هذه الأمة رخص الله لها في القصاص والعفو مجانًا وأخذ الدية والمصالحة، كل هذا -والحمد لله- من سعة شريعة هذه

стр. 447

الأمة، وقد ذكر بعض العلماء أن اليهود يفرض عليهم القصاص، فالقصاص فرض عليهم، والنصارى بالعكس العفو فرض عليهم حتى قيل: إن من أصول شريعتهم: أن من ضربك على الخد الأيمن فأدر له الخد الأيسر، ولا شك أن هذا فيه نوع من الإذلال، لكن على كل حال لا ندري عن صحة هذه المقالة، فالله أعلم، لكن يقال: إن اليهود يفرض عليهم القصاص بخلاف النصارى، والعلة واضحة؛ لأن اليهود عتاة طغاة بغاة، ولا يليق بهم إلا أن يقتل القاتل حتى يكون ذلك نكالًا. الفائدة الثانية: قبح ما فعله بنو النضير مع بني قريظة، بنو النضير يرون أنهم أشراف اليهود، ولذلك إذا قتل النضيري قرظيًّا فإنه لا يقتل به، وإذا قتل القرظي نضيريًا فإنه يقتل به-سبحان الله- كلهم يهود لكن يقولون: بنو النضير أشرف وأفضل، وإذا قتل النضيري قرظيًّا فله نصف الدية إذا لم يقتص منه وإن كان العكس فله الدية كاملة، هكذا ذكر المفسرون في هذا الموضع، فبين الله تعالى أنهم جائرون بهذا الحكم وأن المكتوب عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، فيكون المراد بالكَتْبِ هنا بيان كيفية القصاص لا وجوب القصاص، هذا الظاهر من السياق، وقيل: إن المراد أن الله فرض عليهم القصاص وأنهم إما أن يقتصوا وإما أن يعفوا. الفائدة الثالثة: أن القصاص ثابت في النفوس ولو اختلف الناس في السن والطول والقصر والعلم والعقل والذكاء وغير ذلك، وجه ذلك: العموم، ولهذا لو أن رجلًا شابًا عالمًا كريمًا حسيبًا قتل طفلًا في المهد فإنه يقتل به؛ لأنه لا عبرة بالاختلاف في هذه الأشياء وذلك للعموم.

стр. 448

الفائدة الرابعة: جريان القصاص في الأعين، لقوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾. الفائدة الخامسة: جريان القصاص بين الآناف، لقوله: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾. الفائدة السادسة: جريان القصاص في الآذان، لقوله: ﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾. الفائدة السابعة: جريان القصاص بين الأسنان، هذه أربعة أعضاء، وبقي أعضاء منها: اليدان، والرجلان، واللسان، وغيرها من الأعضاء، فهل الحكم فيها كالحكم في هذه الأعضاء؟ الجواب: نعم، الحكم فيها كالحكم في هذه بالقياس الجلي الواضح. وإنما ذكر الله هذه الأعضاء: العين والأنف والأذن والسن لأن اليهود يخالفون في القصاص في هذه الأعضاء، فنص عليها لوقوع المخالفة فيها، أقول: لعل ولا أجزم بهذا؛ لأن الله أعلم بما أراد في كتابه، لكن نعلم أن ما سواها من الأعضاء يكون مثلها، فمثلًا: الإصبع بالإصبع، فيؤخذ الخنصر بالخنصر والإبهام بالإبهام، وما بينهما كذلك، القدم بالقدم، والكف بالكف، والذراع بالذراع، وهلمَّ جرَّا. لكن هل يشترط أن يكون القطع من مفصل أو لا يشترط؟ في هذا خلاف بين العلماء: منهم من قال: لا بد أن يكون القطع من مفصل، وإذا لم يكن من مفصل فلا قصاص مطلقًا، مثلًا: الذراع مفصله المرفق من جهة العضد، والكف من جهة اليد، فإذا قطع الجاني الذراع من النصف فالقطع الآن ليس من

стр. 449

المفصل، فعلى قول من اشترط أن يكون القطع من مفصل لا يقطع، حتى لو قال المجني عليه: اقطعوا هذا الرجل من الكف وأنا عفوت عن الزائد، لا يُقطع لعدم توفر الشرط، حتى لو قال مثلًا: اقطعوا من الكف وأعطوني أرش الزائد أرضى بهذا، نقول: لا يُقطع، ولكن الصواب أن يقال: بل يقطع لوجوب القصاع، لكن بشرط: أن يمكن القصاص. فإذا قال المجني عليه: اقطعوه من الكف والزائد أعطوني أرشه، نقول: له الحق في ذلك، ومن باب أولى إذا قال: اقطعوه من المفصل وأنا متنازل عن الزائد فإنه من باب أولى، ودليلنا في هذا الذي رجحناه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، فمتى أمكن العدل وجب الأخذ به. إذا قطع ذكر إنسان هل يقطع ذكره أم لا؟ الجواب: يقطع ذكره، لكن إذا قُدِّر أن المقطوع ذكره كان عقيمًا والقاطع سليم، هل يقطع أو لا؟ يقطع، نظيره أذن الأصم، لو أن شخصًا قطع أذن أصم وهو يسمع أي: القاطع فإنها تقطع أذنه؛ لأن نفس العضو هو العضو، والعقم شيء زائد بخلاف الأشل والصحيح، أنه لو قطع يدًا شلَّاء وهو سليم اليد فإنها لا تقطع يده لفوات المنفعة في اليد الشلاء وهي أمر مهم. الفائدة الثامنة: أن جميع الجروح إذا أمكن الاقتصاص فيها فالحكم ثابت أعني القصاص، لعموم قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ وكان السابقون من العلماء يقولون: إنه لا يمكن القصاص في الجروح إلا إذا انتهى الجرح إلى عظم، وهذا هو منتهى العلم في ذلك الوقت، لكن في وقتنا الحاضر يمكن أن يقتص من الجرح

стр. 450

بما دون الشعرة في أي موضع كان، فإذا أمكن القصاص وجب القصاص، هذا هو العدل ودليلنا هذه الآية العظيمة وهي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. لو قال قائل: غير الجروح هل يقتص فيها، كاللطمة والضربة بالعصا وما أشبه ذلك؟ اختلف في هذا العلماء: منهم من قال: إن اللاطم لا يلطم، لكن يؤخذ منه الحق العام، ويكون أمره إلى ولي الأمر يقدر ما يراه مانعًا من العدوان، وعللوا ذلك بأنه لا يمكن القصاص في اللطمة؛ لأن ربطها بالشدة والقوة أو بالعكس صعب جدًّا، وأيضًا ربما يكون المجني عليه يده كبيرة، وذاك يده صغيرة، فلما ضرب المجني عليه أصابت الضربة نصف خده، والثاني يده كبيرة إذا ضربه تحيط يده بكل الخد فيختلف الحكم، يعني: أنه لا يمكن القصاص، لكن بعض العلماء يقول: إن القصاص ممكن؛ لأن الإنسان في مسألة الضربة واللطمة وما أشبه ذلك لا يريد مجرد القصاص بل يريد أن يتشفى بما يصيب ضاربه من الألم، وإنما يريد أن يتشفى بما يصيبه من الإذلال والإهانة، ولهذا لو كانت المسألة من باب المزح وضربه على وجهه بقوة فلن يطلب القصاص لكن إذا كانت المسألة من باب المغالبة فلا شك أن في اللطمة إذلالًا، فيقول: أنا لا تهمني اللطمة غاية ما هنالك أنه تَفَرَّغ الدم ثم رجع؛ لأن الدم من شدة الضربة يتفرغ حتى يكون محل الضربة أبيض أحيانًا، لكن الذي يهمني أنه أذلني فأنا أريد أن أذله، فعلى كل حال في هذه الحال ينبغي أن ينظر إلى رأي القاضي، والقاضي إذا رأى أن في إهانة المعتدي ولو بضربة خفيفة نوع من التشفي فليفعل.

стр. 451

كذلك أيضًا بالنسبة للضربة بالعصا، هل يقتص منها؟ نقول: أما بالعصا التي ضربه بها فهذا يمكن لكن يبقى النظر في شدة الضربة، فقد يضربه بسوط دقيق ثم يأتي بخشبة يريد أن يقتص، هذا لا يمكن، يبقى النظر فيما إذا ضربه بمثل ما ضربه به، فهل يمكن القصاص أو لا يمكن؟ ينبني هذا على ما سبق، أنه ليس المهم أن يضربه بما يؤذيه، أو ما أشبه ذلك، المهم أن يذله. ويمكن أن نتعرض أيضًا لمسألة الثوب، لو شق ثوب إنسان هل يقتص منه بشق ثوبه؟ هذه فيها خلاف أيضًا، من العلماء من يقول: إذا شق ثوبه ضمنه إما بالمثل وإما بالقيمة، إن أتلفه حتى لا يستفاد منه فبالمثل إلا على المذهب كما تقدم، وإن شقه شقًّا يمكن الانتفاع مع وجوده فإنه يُقَوَّم، والذين قالوا: بالقصاص في مثل الضربة واللطمة وشق الثوب، استدلوا بالعموم أي: عموم الآيات: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، والذين منعوا قالوا: إن هذا لا يمكن فيه القصاص؛ لأنه صعب التقدير، إذا قلنا بالقول الراجح: أنه يجوز أن يشق ثوبه كما شق ثوبه، فهنا سؤالان: السؤال الأول: إذا اختلف الثوبان بأن كان أحدهما جديد والثاني قديم، أو كلاهما جديد أو أحدهما من النوع الجيد والثاني من النوع الرديء هل يفعل؟ هذا يرجع إلى ما ذكرنا، هل الذي طلب القصاص أراد المبادلة والمعاوضة، أو أراد إذلال الذي شق ثوبه؟ الغالب أنه الثاني وبناء على ذلك نقول: له أن يشق ثوبه ولو كان ثوب الجاني أعلى من ثوب المجني عليه قدرًا ووصفًا.

стр. 452

السؤال الثاني: إذا قلنا بذلك، فهل يقدر بالمساحة أم بالنسبة؟ والفرق بين النسبة والمساحة لو كان الجاني ثوبه طويل والمجني عليه ثوبه قصير، وشق منه مقدار إصبع لو قلنا بالمساحة الذي ثوبه قصير الإصبع يأخذ منه مساحة، وذاك يكون قليلًا، إذًا: نقول: لا بد أن تكون بالنسبة؛ لأننا لو قلنا بالمساحة لم نتمكن من المماثلة. الفائدة التاسعة: الحث على تسليم الجاني نفسه للمجني عليه، أو لأوليائه إن كان بالقتل لقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. الفائدة العاشرة: الحث على العفو عن الجاني، لقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. الفائدة الحادية عشرة: حث الجاني على تسليم نفسه وأن ذلك يكون كفارة له. فإن قال قائل: تسليم نفسه كفارة له باعتبار حق أولياء المقتول، فما الحكم بالنسبة لحق المقتول الذي قطع عليه القاتل حياته؟ الجواب: إذا علم الله صدق توبة القاتل فإن الله سبحانه وتعالي يتحمل عنه حق المقتول فيرضيه. الفائدة الثانية عشرة: أن من لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم، لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. الفائدة الثالثة عشرة: أن من لم يعلم حكم الله فحكم جهلًا منه فليس بظالم، لكن يقال: يجب عليه إذا علم أن يرجع إلى الحق وبحكم بما أنزل الله.

стр. 453

فإن قال قائل: هل بَيْنَ هذا الوصف ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ وبين قوله في الآية السابقة: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النساء: ١٥١] هل بينهما تعارض بمعنى هل هما متباينتان أو مدلولهما واحد؟ الجواب: قد تقدم أن من العلماء من قال: هما متباينتان، ومنهم من قال: إن مدلولهما واحد، فمن قال: إنهما متباينتان، قال في الأولى: إذا كان الحامل للحاكم بغير ما أنزل الله العدول عما أنزل الله، وأن غيره خير منه للإنسانية فهذا كافر سواءً حكم أم لم يحكم، لكن عدم حكمه دليل ما في قلبه. وأما من حكم وهو يعتقد أن حكم الله هو الحق، وأنه أنسب للعباد من حكم الطاغوت لكنه أراد أن يعتدي على المحكوم عليه لعداوة بينه وبينه فهذا ظالم. أما من قال: إنهما متفقتان ولا تباين بينهما فيقول: إن الكافر ظالم لقول الله ﵎: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وعلى هذا فالوصفان متفقان على موصوف واحد، لكن الأول أظهر، وأن لكل وصف محلًّا خاصًّا. * * * ° قال الله : ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ [المائدة: ٤٦]. قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ﴿قَفَّيْنَا﴾ أي: أرسلنا عيسى ابن مريم قافيًا لمن سبقه، أي: متبعًا لمن سبقه، مأخوذ من القفا؛ لأن المتبع لآثار من سبقه يمشي في قفاه،

стр. 454

﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: على آثار الرسل السابقين ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وهو آخر أنبياء بني إسرائيل وليس بينه وبين النبي ﷺ رسول، ولهذا جعله قافيًا لمن سبقه، ولو كان هناك نبي بعد عيسى لكان هو المقفى، ونسب إلى أمه؛ لأنه ليس له أب. قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من عيسى، يعني: حال كونه مصدقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، وتصديقه لما بين يديه من التوراة له معنيان: المعنى الأول: أنه يصدق التوراة ويشهد أنها حق. المعنى الثاني: أنه يصدق خبرها ويشهد بوقوع ما أخبرت به حيث كان عيسى ابن مريم ﵇ مذكورًا فيها. وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما سبقه ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ وهي الكتاب الذي أنزله الله على موسى ﵊، فالتوراة والإنجيل كل منهما كتاب لبني إسرائيل؛ لأن الرسول يرسل إلى قومه خاصة ما عدا النبي ﷺ . قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ أي: وأعطيناه الإنجيل زائدًا على تصديق ما بين يديه من التوراة، فتكون شريعة عيسى مكونة من شريعة التوراة وشريعة الإنجيل، ولهذا لا يعتبر الإنجيل كتابًا مستقلًا بل هو تابع للتوراة، ليس فيه من الأحكام إلا شيء قليل، لكن غالبه مواعظ وقصص وعبر. قوله: ﴿فِيهِ﴾: أي: في الإنجيل، ﴿هُدًى﴾ أي: علم، ﴿وَنُورٌ﴾ أي: أثر نافع يستنير به القلب. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ هذه: عائدة على الإنجيل؛ لأن جملة ﴿فِيهِ هُدًى وَنُور﴾ جملة

стр. 455

حالية ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ معطوف على هذه الجملة الحالية فهي حال من الإنجيل، ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ الأولى عائدة على عيسى، فيكون عيسى مصدقًا لما بين يديه من التوراة وكذلك الكتاب الذي نزل عليه وهو الإنجيل. قوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بالنصب معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ والمعطوف على الحال حال كما تقول: جاء زيد راكبًا ومسرعًا وضاحكًا وما أشبه ذلك، وكلمة "هدى" الثانية من باب التوكيد، فـ"هدى" الأولى هي الثانية، أما "النور" فهو ما يحصل من آثار هذا العلم، والمعنى: جعل الله هذا الإنجيل هدى وموعظة، ولهذأ أكثر ما فيه المواعظ والعبر والقصص، أما الأحكام فغالبها مستمد من التوراة، والموعظة ما تتعظ به القلوب: وهي الإخبار المقرون بالترغيب والترهيب، فكل خبر قُرن بترغيب أو ترهيب فإنه موعظة كما كان الصحابة يقولون: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون" (١). وقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: الذين اتقوا الله ، وتقوى الله تعالى هي امتثال أمره واجتناب نهيه، وسميت تقوى؛ لأن الإنسان يتقي بها عذاب الله تعالى.

стр. 456

من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن عيسى ﵊ آخر الأنبياء، لقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وليس بعده نبي يقفوه إلا محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي ﵊. الفائدة الثانية: أن من ليس له أب ينسب إلى أمه؛ لأن الله تعالى ينسب عيسى ابن مريم إلى أمه؛ لأنه ليس له أب. فإن قال قائل: ما مثال الذي ليس له أب؟ قلنا: له أمثلة منها أن يزني رجل بامرأة فتأتي منه بولد، فهنا الولد ليس للزاني، لقول النبي ﷺ : "وللعاهر الحجر" (١) فلا ينسب إلى الزاني ولا يرث منه ولا يرثه الزاني ولا يتحمل عنه العقل ولا غير ذلك، المهم أن هذا ليس له أب. ومنها: أن يلاعن الرجل امرأته لاتهامه إياها بالزنا وينتفي من ولدها، فيقول: ليس الولد مني، فحينئذٍ يكون له أم، وليس له أب. واختلف العلماء ﵏ فيما لو استلحق الزاني الولد المخلوق من مائه وليس له معارض هل يلحق به أو لا؟ فمنهم من قال: إنه لا يلحق به، لعموم قوله ﷺ : "وللعاهر الحجر" (٢) ومنهم من قال: بل يلحق به إذا لم يكن له منازع؛ لأنه ولده

стр. 457

قدرًا وليس له منازع شرعًا، فيلحق به شرعًا كما هو منه قدرًا، وهذا هو القول الراجح، ولا ينافي هذا قول النبي-صلي الله عليه وسلم-: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١)؛ لأنه حديث صريح في أن هناك نزاعًا بين صاحب الفراش والزاني، ولهذا قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (٢) فإذا كانت امرأة بكرًا زنا بها رجل هل هناك فراش؟ الجواب: لا، ليس هناك فراش، وإذا لم يكن هناك فراش واستلحق الولد الزاني فإنه لا مانع من إلحاقه به، لكن جمهور العلماء على أن ولد الزنا لا يلحق الزاني ولو استلحقه، وكما تقدم أنهم استدلوا بعموم قوله: "وللعاهر الحجر" (٣). والقول الثاني: أنه إذا استلحقه الزاني ولا معارض له فإنه يلحقه، وأجيب عن هذا الحديث بأن الحديث ظاهر في أنه عند التنازع يكون الولد للفراش وللعاهر الحجر. الفائدة الثالثة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يصدق بعضهم بعضًا، لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. الفائدة الرابعة: ثبوت نزول التوراة وأنها حق؛ لأنه شهد بها أحد الرسل أولي العزم بأنها حق. الفائدة الخامسة: أن عيسى ﵊ أُنزل عليه الكتاب وهو الإنجيل، وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤].

стр. 458

فإن قال قائل: هل الإنجيل الموجود الآن في أيدي النصارى هو الإنجيل الذي نزل على عيسى؟ الجواب: لا، فيه وفيه؛ لأن النصارى وكذا اليهود وهم أخبث من النصارى في الجرأة على الله حرفوا التوراة والإنجيل، وكما قال : ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، وعلى هذا فيجب التحري في نسبة التوراة الموجودة في أيدي اليهود اليوم والإنجيل الموجود في أيدي النصارى اليوم، يجب التحرز وأن يقال: ليس كل ما فيهما حق، بل فيهما ما هو محرف وما هو منقوص وربما يكون فيهما ما هو مزيد. الفائدة السادسة: أن في الإنجيل هدى ونور، لقوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾، وهو كذلك، ومن الهدى والنور الذي فيه: أن فيه وصف النبي -صلي الله عليه وسلم-، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وأن النبي عيسى ﵊ بشر بمحمد ﷺ وهذا من الهدى والنور. الفائدة السابعة: أن الكتب الإلهية يصدق بعضها بعضًا، لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾. الفائدة الثامنة: التنويه بعظمة التوراة وفضلها وشرفها؛ لأنه ذُكر في هذه الآية: أن عيسى مصدقًا لما بين يديه من التوراة وأن الإنجيل أيضًا مصدق لما بين يديه من التوراة. الفائدة التاسعة: أن في الإنجيل من العلم والموعظة ما ينتفع به المتقون، لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.

стр. 459

الفائدة العاشرة: الحثِ على التقوى وأنها سبب لكل خير ولكل علم، لقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ولا شك أن التقوى: هي أساس العمل لأن من لم يتقِ الله لا يعمل ومن اتقى الله عمل بأوامر الله حسب ما عنده من التقوى. الفائدة الحادية عشرة: أنه كلما زادت التقوى في الإنسان زاد اتعاظه بالكتب السماوية، وعندنا قاعدة مفيدة وهي أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة ذلك الوصف ونقصًا بنقصانه، فلو قلت مثلًا: أكرم الرجل لكرمه فكل من كان أكرم يستحق من الإكرام أكثر. * * * ° قال الله : ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]. قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ قراءتان، القراءة الأولى: ما هو مثبت أي: بسكون "اللام" وسكون "الميم" ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ والقراءة الثانية: بكسر "اللام" وفتح "الميم"، والتقدير ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ فعلى القراءة الأولى: تكون اللام لام الأمر، وعلى القراءة الثانية: تكون اللام لام التعليل التي يعبر عنها أحيانًا بـ "لام" كي، ولننظر الإعراب على الوجهين: فعلى القراءة الأولى: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ تكون أمرًا من الله بأن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ولكن هذا الأمر هل هو مقول لقول محذوف، أي: وقلنا وليحكم أهل الإنجيل بما

стр. 460

أنزل الله فيه، أو أنه أمر ابتدائي؟ قيل: هذا وهذا، ومتى دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأولى عدم التقدير. أما على القراءة الثانية: "وليحكمَ" فتكون تعليلًا لقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٤٦] وهي معطوفة على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ [المائدة: ٤٦] يعني مصدقًا لما بين يديه ولأجل أن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، "والحكم": هو بيان الحكم والإلزام به، يعني: بمعنى القضاء، فالقضاء بيان الحكم وإلزام به، والفتوى: بيان للحكم بدون إلزام. وقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿بِمَا﴾ أي: بالذي أنزل الله فيه من الأحكام فـ "ما" موصولة أي: بالذي أنزل الله فيه. قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ نقول فيها كما قلنا في الآيتين السابقتين إلا أنه هنا قال: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فهل الفسق هنا فسق معصية أو فسق كفر؟ لأن الفسق قد يكون فسق كفر وفسق معصية. هذا على حسب الحال، والتفصيل الذي ذكرناه سابقًا تنزل عليه هذه الآيات، فمن حكم بغير ما أنزل الله عادلًا عن حكم الله زاعمًا أنه يساوي حكم الله أو أنفع فهذا كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله للعدوان على المحكوم عليه فهذا ظالم، ومن حكم بغير ما أنزل الله لهوىً في نفسه فهذا فاسق، ومن أفتى بغير ما أنزل الله حكمه حُكْمُ مَنْ حَكَمَ بغير ما أنزل الله لأن الأوصاف واحدة، لكن الحكم يمتاز عن الإفتاء بأنه إلزام؛ لأن الحاكم يلزم والمفتي لا يلزم.
следующие страницы →