من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن عيسى ﵊ آخر الأنبياء، لقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وليس بعده نبي يقفوه إلا محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي ﵊.
الفائدة الثانية: أن من ليس له أب ينسب إلى أمه؛ لأن الله تعالى ينسب عيسى ابن مريم إلى أمه؛ لأنه ليس له أب.
فإن قال قائل: ما مثال الذي ليس له أب؟
قلنا: له أمثلة منها أن يزني رجل بامرأة فتأتي منه بولد، فهنا الولد ليس للزاني، لقول النبي ﷺ : "وللعاهر الحجر" (١) فلا ينسب إلى الزاني ولا يرث منه ولا يرثه الزاني ولا يتحمل عنه العقل ولا غير ذلك، المهم أن هذا ليس له أب.
ومنها: أن يلاعن الرجل امرأته لاتهامه إياها بالزنا وينتفي من ولدها، فيقول: ليس الولد مني، فحينئذٍ يكون له أم، وليس له أب.
واختلف العلماء ﵏ فيما لو استلحق الزاني الولد المخلوق من مائه وليس له معارض هل يلحق به أو لا؟ فمنهم من قال: إنه لا يلحق به، لعموم قوله ﷺ : "وللعاهر الحجر" (٢) ومنهم من قال: بل يلحق به إذا لم يكن له منازع؛ لأنه ولده
стр. 457
قدرًا وليس له منازع شرعًا، فيلحق به شرعًا كما هو منه قدرًا، وهذا هو القول الراجح، ولا ينافي هذا قول النبي-صلي الله عليه وسلم-: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١)؛ لأنه حديث صريح في أن هناك نزاعًا بين صاحب الفراش والزاني، ولهذا قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (٢) فإذا كانت امرأة بكرًا زنا بها رجل هل هناك فراش؟
الجواب: لا، ليس هناك فراش، وإذا لم يكن هناك فراش واستلحق الولد الزاني فإنه لا مانع من إلحاقه به، لكن جمهور العلماء على أن ولد الزنا لا يلحق الزاني ولو استلحقه، وكما تقدم أنهم استدلوا بعموم قوله: "وللعاهر الحجر" (٣).
والقول الثاني: أنه إذا استلحقه الزاني ولا معارض له فإنه يلحقه، وأجيب عن هذا الحديث بأن الحديث ظاهر في أنه عند التنازع يكون الولد للفراش وللعاهر الحجر.
الفائدة الثالثة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يصدق بعضهم بعضًا، لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.
الفائدة الرابعة: ثبوت نزول التوراة وأنها حق؛ لأنه شهد بها أحد الرسل أولي العزم بأنها حق.
الفائدة الخامسة: أن عيسى ﵊ أُنزل عليه الكتاب وهو الإنجيل، وهو صريح قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤].
стр. 458
فإن قال قائل: هل الإنجيل الموجود الآن في أيدي النصارى هو الإنجيل الذي نزل على عيسى؟
الجواب: لا، فيه وفيه؛ لأن النصارى وكذا اليهود وهم أخبث من النصارى في الجرأة على الله حرفوا التوراة والإنجيل، وكما قال : ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، وعلى هذا فيجب التحري في نسبة التوراة الموجودة في أيدي اليهود اليوم والإنجيل الموجود في أيدي النصارى اليوم، يجب التحرز وأن يقال: ليس كل ما فيهما حق، بل فيهما ما هو محرف وما هو منقوص وربما يكون فيهما ما هو مزيد.
الفائدة السادسة: أن في الإنجيل هدى ونور، لقوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾، وهو كذلك، ومن الهدى والنور الذي فيه: أن فيه وصف النبي -صلي الله عليه وسلم-، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وأن النبي عيسى ﵊ بشر بمحمد ﷺ وهذا من الهدى والنور.
الفائدة السابعة: أن الكتب الإلهية يصدق بعضها بعضًا، لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.
الفائدة الثامنة: التنويه بعظمة التوراة وفضلها وشرفها؛ لأنه ذُكر في هذه الآية: أن عيسى مصدقًا لما بين يديه من التوراة وأن الإنجيل أيضًا مصدق لما بين يديه من التوراة.
الفائدة التاسعة: أن في الإنجيل من العلم والموعظة ما ينتفع به المتقون، لقوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
стр. 459
الفائدة العاشرة: الحثِ على التقوى وأنها سبب لكل خير ولكل علم، لقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ولا شك أن التقوى: هي أساس العمل لأن من لم يتقِ الله لا يعمل ومن اتقى الله عمل بأوامر الله حسب ما عنده من التقوى.
الفائدة الحادية عشرة: أنه كلما زادت التقوى في الإنسان زاد اتعاظه بالكتب السماوية، وعندنا قاعدة مفيدة وهي أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة ذلك الوصف ونقصًا بنقصانه، فلو قلت مثلًا: أكرم الرجل لكرمه فكل من كان أكرم يستحق من الإكرام أكثر.
* * *
° قال الله : ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧].
قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ قراءتان، القراءة الأولى: ما هو مثبت أي: بسكون "اللام" وسكون "الميم" ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ والقراءة الثانية: بكسر "اللام" وفتح "الميم"، والتقدير ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ فعلى القراءة الأولى: تكون اللام لام الأمر، وعلى القراءة الثانية: تكون اللام لام التعليل التي يعبر عنها أحيانًا بـ "لام" كي، ولننظر الإعراب على الوجهين:
فعلى القراءة الأولى: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ تكون أمرًا من الله بأن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ولكن هذا الأمر هل هو مقول لقول محذوف، أي: وقلنا وليحكم أهل الإنجيل بما
стр. 460
أنزل الله فيه، أو أنه أمر ابتدائي؟ قيل: هذا وهذا، ومتى دار الأمر بين التقدير وعدمه فالأولى عدم التقدير.
أما على القراءة الثانية: "وليحكمَ" فتكون تعليلًا لقول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٤٦] وهي معطوفة على قوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ [المائدة: ٤٦] يعني مصدقًا لما بين يديه ولأجل أن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، "والحكم": هو بيان الحكم والإلزام به، يعني: بمعنى القضاء، فالقضاء بيان الحكم وإلزام به، والفتوى: بيان للحكم بدون إلزام.
وقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿بِمَا﴾ أي: بالذي أنزل الله فيه من الأحكام فـ "ما" موصولة أي: بالذي أنزل الله فيه.
قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ نقول فيها كما قلنا في الآيتين السابقتين إلا أنه هنا قال: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فهل الفسق هنا فسق معصية أو فسق كفر؟ لأن الفسق قد يكون فسق كفر وفسق معصية.
هذا على حسب الحال، والتفصيل الذي ذكرناه سابقًا تنزل عليه هذه الآيات، فمن حكم بغير ما أنزل الله عادلًا عن حكم الله زاعمًا أنه يساوي حكم الله أو أنفع فهذا كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله للعدوان على المحكوم عليه فهذا ظالم، ومن حكم بغير ما أنزل الله لهوىً في نفسه فهذا فاسق، ومن أفتى بغير ما أنزل الله حكمه حُكْمُ مَنْ حَكَمَ بغير ما أنزل الله لأن الأوصاف واحدة، لكن الحكم يمتاز عن الإفتاء بأنه إلزام؛ لأن الحاكم يلزم والمفتي لا يلزم.
стр. 461
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أنه يجب على أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه.
الفائدة الثانية: أنه يجب على أهل الإنجيل أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ووجه ذلك: أن مما أنزل في الإنجيل صفة محمد ﷺ ، وقد بشر عيسى به فقال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فلو قال النصارى اليوم: إنهم مؤمنون بالإنجيل، قلنا لهم: لم تؤمنوا؛ لأنكم لو آمنتم بالإنجيل لآمنتم بمحمد ﷺ إذ هو مكتوب عندكم في التوراة والإنجيل أنه يامركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر إلى آخره، فالإنجيل فيه وجوب اتباع الرسول ﵊؛ لأن الله ذكر في الآية التي بعدها: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] وهذا من ضلال النصارى ألا يفهموا ما أنزل الله على رسله.
وأيضًا: قد بشركم به نبيكم عيسى ﵊، فإن قالوا: إن الذي بشرنا به اسمه أحمد، قلنا: هذا اسم آخر لمحمد ﵊ فاسمه أحمد ومحمد، ويدل لهذا قول الله ﵎: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الصف: ٦]، جاء بني إسرائيل بالبينات الدالة على صدقه وعلى تصديق عيسى ببشارته، ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦] وكلمة "جاء" في اللسان العربي المبين تفيد الماضي، فيكون الرسول الذي بشر به عيسى قد جاء، وهل أحد جاء قبل محمد؟
الجواب: لا، هم ما ادعوا أن أحدًا جاء قبل محمد اسمه أحمد إنما قالوا: ينتظر أن يجيء أحمد، فنقول: هذا الذي قلتم غير صحيح؛ لأنه جاءكم وليس بمنتظر.
стр. 462
الفائدة الثالثة: أن الإنجيل منزل من عند الله، لقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وهو صريح جدًّا في قول الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤]، وعلى هذا فيكون الإنجيل من كلام الله ، لأنه نزل من عنده وهو كلام موحى، والكلام إذا أضيف إلى المتكلم فهو كلامه.
الفائدة الرابعة: إثبات العلو: لله ، لقوله: ﴿أَنْزَلَ﴾ والنزول لا يكون إلا من أعلى، والأدلة على علو الله أي: العلو الذاتي، الأدلة أكثر من أن تحصى، وأصولها خمسة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
أما الكتاب: وهو القرآن فمملوء بعدة أوجه.
والسنة كذلك، القولية والفعلية والإقرارية، أما القولية: فالنبي ﵊ يقول: "سبحان ربي الأعلى" (١)، ويقول: "ربنا الله الذي في السماء" (٢).
وأما الإقرارية: "فقد قال للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء. فأقرها، بل قال: إنها مؤمنة" (٣).
стр. 463
وأما الفعلية: فإنه ﷺ -إذا دعا ربه يرفع يديه إلى السماء، ولما استشهد ربه على أمته أنه بلَّغ في يوم عرفة جعل يقول: اللهم اشهد -يرفع إصبعه إلى السماء- وينكتها إلى الناس (١).
وأما الإجماع فلم يوجد حرف واحد، لا بسند صحيح ولا بضعيف، عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة أنهم قالوا: إن الله تعالى ليس في السماء أبدًا، ولو قال قائل: ولم يوجد عنهم أنهم قالوا: إنه في السماء؟
قلنا: هذه مكابرة؛ لأنهم يقرؤون القرآن وفيه ذكر العلو، هل ورد عن أحد منهم أنه خالف ذلك؟ إذًا: فهم مجمعون عليه، وهذا طريق واضح للإجماع، ما منهم أحد فسر آيات العلو بغير ما يدل عليه ظاهرها.
أما العقل: فكل إنسان يعلم أن المنزلة العليا خير من المنزلة السفلى، وأن علو المكان خير من أسفل المكان، وأن العلو صفة كمال، فيجب أن يكون ثابتًا لله .
وأما الفطرة: فسل عوام العجائز، إذا أردن أن يَدْعُوْنَ الله أين يتجهن؟ إلى السماء، حتى العجوز العامية تشهد بفطرتها بأن الله في السماء، وعلى هذا فإن هذه الأدلة الدالة على علو الله ، تفند قول من يقول: إن الله ليس في جهة، أو يقول: إن الله في كل مكان، وكلا القولين ضلال.
الفائدة الخامسة: أن من لم يحكم بما أنزل الله فإنه فاسق، وهذه آخر الآيات الثلاثة، أولها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]،
стр. 464
وثانيها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وثالثها هذه الآية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
فهل هذه أوصاف لموصوف واحد؟
فيه خلاف: وقد تقدم أن منهم من قال: إنها أوصاف لموصوف واحد؛ لأن الكافر يصدق عليه أنه ظالم، والظالم يصدق عليه أنه فاسق، فالكافر نسميه ظالمًا فاسقًا كافرًا، ومنهم من يقول: إن اختلافها على اختلاف الأحوال، فهذا حكم بغير ما أنزل الله فنقول: هو كافر، والثاني نقول: هو ظالم، والثالث نقول: إنه فاسق، وهذا هو الأرجح، وجه ذلك: أن الأصل في الكلام التأسيس لا التوكيد، فإذا كان كذلك فينبغي أن نقول: كل وصف يتنزل على حال من الأحوال، فمن حكم بغير ما أنزل الله على أن الطريق التي يمشي عليها أو أن ما حكم به هو السنة نابذًا حكم الله وراء ظهره، فهذا كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله لعدوان على المحكوم عليه أو على غيره فهو ظالم، ومن حكم بغير ما أنزل الله لهويً في نفسه، ليتوصل إلى غرض يرى أنه مطلوب فهذا فاسق، فتكون الآيات منزلة على اختلاف الأحوال.
* * *
° قال الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨].
стр. 465
قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ هذا آخر الكتب وأفضلها وأشرفها وأعمها وأنفعها وأرفعها وهو القرآن الكريم، قوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ "إلى" تفيد الغاية فالإنزال من علو غايته النبي ﵊ بخلاف "على" فإنها تفيد الاستعلاء.
وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ المراد بالكتاب: القرآن، وهو فعال بمعنى: مفعول أي: مكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب بأيدي الملائكة السفرة، مكتوب في المصاحف التي بين أيدينا، وسمي بذلك؛ لأنه جمعت فيه الأحكام الشرعية والأخبار الصادقة والقصص النافعة، وأصل الكَتْب: الجمع، ومنه الكتيبة لطائفة مجتمعة من الجيش.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ حال من الكتاب، أي: حال كونه متلبسًا بالحق، فيكون ما جاء به القرآن متضمنًا للحق، هذا وجه من معناه.
الوجه الثاني: أنزلناه بالحق أي: أنه حق من عند الله ، فتكون الباء للتعدية في قوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾، يعني: أنزلناه إنزالًا حقًّا، قال الله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥].
قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ والذي بين يديه من الكتاب: ليس التوراة والإنجيل فقط بل هما أقرب الكتب إليه، لكن جميع الكتب قد صدقها، قال الله ﵎ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فهو مصدق لكل ما سبقه من الكتب، ولهذا لا يأتي بعده كتاب.
стр. 466
قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ معطوف على مصدقًا، ومصدقًا: هذه حال من الكتاب، فيكون الكتاب هو المهيمن.
قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: على ما بين يديه من الكتاب، ومعنى الهيمنة: قيل معناها: الشاهد، أي: شاهد عليه، وهذا فيه نظر؛ لأن شاهدًا يغني عنها مصدقًا، وقيل: الهيمنة بمعنى: السيطرة والحكم، أي: أنه حاكم على ما سبقه من الكتب مسيطرًا عليها وناسخًا لها، وهذا المعنى أصح؛ لأن القرآن مهيمن على كل الكتب السابقة.
قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: فبناءً على ذلك ﴿احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين أهل الكتاب وبين المسلمين.
وقوله: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ المراد به: القرآن، فإذا تحاكموا إلينا حكمنا بينهم بالقرآن؛ لأن القرآن مهيمن مسيطر على ما سبق، يعارِض ولا يعارَض، ويَحْكم ولا يُحْكم عليه.
قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ الله أكبر هذا القول موجه من الله إلى رسوله ﵊، مع أننا نعلم علم اليقين أنه لن يفعل ذلك، لكن ليعتبر الناس أنه إذا كان محمد رسول الله ﷺ ينهاه ربه ومرسله عن اتباع أهوائهم عما جاءه من الحق، فكيف بغيره؟ وهنا قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ولم يقل: شريعتهم أو نحوها؛ لأنهم على هوى وليسوا على هدى، فكفرهم بما جاء به محمد ﷺ عن هوى، ليس عن عقل ولا عن شرع.
وقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ﴾ متعلق بمحذوف، والتقدير: عادلًا عما جاءك من الحق، وهذا أحسن من أن يقدر معرضًا عما جاءك لأن
стр. 467
تقدير: معرضًا فيه شيء من الشدة، لكن عادلًا أخف، والمعنى واحد لكن ينبغي استعمال الألفاظ المناسبة.
وقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ لم يقل عما جاءك أو عما نزل، بل قال: من الحق، ليتبين أن ما جاء به الرسول ﷺ حق لا يمكن العدول عنه إلى غيره.
قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ﴿لِكُلٍّ﴾: يقول النحويون: إن التنوين هنا تنوين عوض، والتقدير: "لكل أمة جعلنا منكم أو لكل واحد"، المهم أن هذا التنوين عوض عن محذوف، أي: عوض عن كلمة.
وقوله: ﴿جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ جعلنا أي: صيرنا شرعة ومنهاجًا، الشرعة: ما يشرع، وأصلها شرعة الماء، والمنهاج: ما ينهج، وأصله الطريق، فكل أمة لها شرعة تناسب حالها ومكانها وزمانها، ومنهاج تسلكه هذه الأمة إما الكفر وإما الإيمان، فالفرق بين الشرعة والمنهاج، أن الشرعة هي شريعة الله وهي ثابتة، والمنهاج هو التمسك بالشريعة وعدمه فهو سلوك المرسل إليه، ونهجه يعني: قد يؤمنون وقد يكفرون، ولهذا يقال: نَهَجَ فلان نَهْجَ فلان، أي: سلك مسلكه، كل أمة هكذا.
فشرائع اليهود والنصارى مناسبة لحالهم وزمانهم ومكانهم، وشريعة محمد ﷺ مناسبة لكل أمة في كل زمان وفي كل مكان، فيكون قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بعد توحيد الشرعة والمنهاج يكون من باب إفحام الخصم، أي: أن هؤلاء الذين يقولون: إن شريعة محمد غير مقبولة لأنها تخالف شرائعنا، وغير صحيحة لأنها تخالف شرائعنا، نقول: أنتم لكم شرائع خاصة
стр. 468
مناسبة، وأمة محمد لها شرائع خاصة مناسبة، وأنتم الآن تعتبرون من أمة محمد باعتبار الدعوة.
قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لأن بيده الأمر فلو شاء الله لجعل الشرائع واحدة، يكفر بها من يكفر ويؤمن بها من يؤمن، ولكن الله له الحكمة فيما شرع، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ يبلو: بمعنى يختبر، ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: من الشرائع سواءً كانت سهلة ميسرة أو كانت صعبة مشددة، فالأول: يبتلى هل يشكر أو لا يشكر؟ والثاني: يبتلى هل يصبر أو لا يصبر؟ لأننا نعلم أن الشرائع مختلفة في يسرها وعسرها، فالشرائع ميسرة يبتلى بها للشكر، هل يشكر هؤلاء الذين ييسر عليهم أو لا؟ وأما المشددة فيبتلى بها بالصبر، هل يصبرون على هذه الشرائع، ويقومون بها أو لا؟ ولهذا قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: يختبركم فيما آتاكم من الشرائع.
قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: بادروها بالسبق إليها، والخيرات: جمع خير، والمراد بها: كل ما جاءت به الشريعة الاسلامية فإنه خير، ولهذا ما من نبي بعثه الله إلا ودل أمته على الخير وحذرها من الشر.
قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ الله أكبر المرجع إلى الله ، كل الخلائق مرجعها إلى الله، وهل المراد المرجع في الدنيا أو في الدنيا والآخرة؟
الجواب: مرجعنا إلى الله في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن مرجعنا إلى الله: هو الذي يحكم بيننا، وهو الذي يحكم علينا، ويحكم فينا، وأما في الآخرة فكذلك يفصل بيننا يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير.
стр. 469
وفي قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فائدة بلاغية وهي: الحصر وذلك بتقديم الخبر؛ لأن القاعدة أنه إذا قدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر.
قوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ينبئ بمعنى: يخبر، وهل النبأ والخبر معناهما مترادف أو بينهما فرق دقيق؟ يقول شيخ الإسلام ﵀: إنه ليس في اللغة شيء مترادف، يعني مائة بالمائة بل لا بد من فرق، وإلا لكان في اللغة العربية شيء من الحشو، لا بد من فرق حتى كلمة أسد وضرغام وغضنفر، وما أشبه ذلك وإن كان مدلولها واحدًا، لكن لا بد أن تكون كل واحدة منها مشتملة على معنىً دقيق يفرق بينها وبين الأخرى، فقيل: إن الإخبار يشمل ما كان هامًا وما لم يكن هامًا، والنبأ لا يكون إلا في الأمور الهامة، قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١]، عن ماذا؟ ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ [النبأ: ٢]، فقال: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ [ص: ٦٧]، فالنبأ يكون في الأمور الهامة والعظيمة، والخبر يكون في أي شيء، فيكون الخبر على هذا أعم.
وقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: بالذي كنتم تختلفون فيه وحينئذٍ يحصل الفصل بالعدل ويتبين من هو على حق أو ليس على حق.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: إثبات أن القرآن كلام الله، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ وجه ذلك: أن الضمير يعود على الله جلَّ وعلا، والمنزل كلام يفيد أن القرآن كلام الله.
стр. 470
الفائدة الثانية: إثبات علو الله، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ والإنزال لا يكون إلا من أعلى.
الفائدة الثالثة: الثناء على القرآن، لقوله: ﴿الْحَقِّ﴾ لأن القرآن حق ونازل بالحق، وأيضًا القرآن كله علم قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] أي: قبل أن ينزل عليه الوحي، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] فالقرآن علم وحق.
الفائدة الرابعة: المنقبة العظيمة للرسول ﵊، لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [البقرة ٩٩] وهذا يفسره قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤].
الفائدة الخامسة: أن القرآن مصدق لجميع الكتب، لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ والتصديق به على وجهين: الأول: كونه شاهدًا بصدق الكتب المنزلة السابقة، ومصدقًا لما أخبرت به من نزول القرآن.
لو قال قائل: بعض البلاد تدرس في جامعاتها علم يسمى بعلم الأديان، والمتخصص فيه يكون على علم بالشريعة الإسلامية وعلى علم بغيرها من الشرائع كاليهودية والنصرانية، فإذا سئل المتخصص -في تلك البلاد التي يوجد قيها نصارى أو يهود- عن حكم من أحكام شريعة هؤلاء السائلين ونفرض أنهم يهود أو نصارى، فهل يجيبهم ويكون بذلك أفتاهم في دينهم، أم يجب أن يقول لهم: هذه الفتوى غير صحيحة؟
الجواب: سيأتينا إن شاء الله أنه إذا رفع إلينا فإننا نحكم
стр. 471
بما أنزل الله؛ لأن الحكم الذي هم عليه منسوخ غير مرضي عند الله حتى بالإخبار؛ لأنك إذا أخبرتهم حكمت لهم.
الفائدة السادسة: أن جميع ما في القرآن حق، إن كان خبرًا فهو صدق، وإن كان قصصًا فهو نافع، وإن كان أحكامًا فهو عدل.
الفائدة السابعة: أن القرآن ناسخ لما قبله من الكتب، لقوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
الفائدة الثامنة: وجوب الحكم بما أنزل الله في القرآن إذا تحاكم إلينا أهل الكتاب، لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وهذا الخطاب للنبي ﷺ لكن يشمل الأمة.
الفائدة التاسعة: النهي عن اتباع أهواء أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، لقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
الفائدة العاشرة: أن مخالفة أهل الكتاب لما جاء به محمد ﷺ لم تُبْنَ على دليل صحيح ولا على عقل رجيح، وإنما بنيت على هوىً باطل، لقوله. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
الفائدة الحادية عشرة: أنه ينبغي لمن نهى عن شيء قبيح أن يبيِّن قبحه وأن ينقل الناس إلى ما هو خير منه، لقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ فكأنه قال: لا تتبع أهواءهم واتبع ما جاءك من الحق.
الفائدة الثانية عشرة: أنه يجب على المسلمين أن تكون لهم شخصية قائمة لا يتابعون الناس فيكونون أذنابًا لأعداء الله، بل يجب أن تكون لهم شخصية قائمة بعزة الإسلام، لقوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: أن ما جاء به الرسول ﷺ فهو حق.
стр. 472
الفائدة الرابعة عشرة: أن الله نَوَّع الشرائع بحسب الأمم، لقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾.
وسبق في التفسير أن المصالح تختلف باختلاف أحوال الناس واختلاف أزمانهم واختلاف أمكنتهم، وهل هذا يكون بالنسبة للشريعة الإسلامية، بأن يكون الله قد جعل لكل حال حكمًا، أشرنا في التفسير إلى ذلك وقلنا: حتى الشريعة الإسلامية تختلف أحكامها بحسب الأزمان والأمكنة والأحوال، وذكرنا لذلك أمثلة: منها قوله ﷺ : "صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب" (١)، أدِّ الزكاة إن كان عندك مال زكوي وإلا فلا شيء عليك، حجَّ البيت إن استطعت وإلا فلا شيء عليك، صم إن استطعت وإن عجزت عجزًا مستمرًا فاطعم، وهلمَّ جرّا، الحاصل أن الشريعة الإسلامية نفسها تختلف باختلاف الأحوال.
الفائدة الخامسة عشرة: أن الناس يختلفون في المنهج في استقبال هذه الشرائع، لقوله: ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ فمنهم كافر ومنهم مؤمن.
الفائدة السادسة عشرة: عموم قدرة الله جلَّ وعلا وأن بيده الأمور الشرعية والكونية، لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني: على ملة واحدة، ولكنه له الحكمة البالغة فيما قدر وشرع.
стр. 473
الفائدة السابعة عشرة: الرد على القدرية وذلك بأن جعلهم أمة واحدة يعني: على دين واحد، وهذا يقتضي أن يكون تدينهم لله بمشيئته.
الفائدة الثامنة عشرة: أن الشراع ابتلاء من الله ، أي: اختبار، وليست ابتلاء من البلاء بل من الاختبار، لقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ فالشرائع للابتلاء، قال تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] فتبين بهذا أن شرائع الله وأحكام الله القدرية كلها ابتلاء.
الفائدة التاسعة عشرة: الحث على السبق للخير، لقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يعني: خذوا بها أيكم أسبق.
فإن قال قائل: المنافسة في الخيرات ألا تستوجب الحسد، بمعنى: أن يكره الإنسان أن يسبقه أحد؟
الجواب: لا؛ لأن كراهة أن يسبقك أحد لا تستلزم أن تكره إذا مَنَّ الله على أحد فسبقك، والحسد: أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على الغير.
الفائدة العشرون: أن المرجع إلى الله ﵎ شرعًا وقدرًا لقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ فالمرجع إلى الله شرعًا هو الذي يحكم بيننا، وقدرًا فإن الأمر كما قال الله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [لغاشية: ٢٥ - ٢٦].
الفائدة الحادية والعشرون: عموم علم الله ﵎ لأفعال العباد، لقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
فإن قال قائل: وهل الحكم للكافرين على المؤمنين أو للمؤمنين على الكافرين؟
стр. 474
الجواب: الثاني لقوله ﵎: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] وهذا من غرائب الحكومة، أن يبين للخصم أنه غالب قبل التحاكم، لكن هذا له حكمة وهو أن ينضم الخصم إلى الطرف الثاني، فالكفار والمؤمنون خصمان، والغالب المؤمنون، هنا بيَّن الله تعالى أنه سيكون فصل، ويغلب المؤمنون ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ بَيَّنَ ذلك حثًّا للكافر أن ينضم إلى صف المؤمنين؛ لأنه إذا تبين له أنه الخاسر وأن الجولة والمعركة للمؤمن فسوف ينضم للمؤمنين.
الفائدة الثانية والعشرون: أنه لا بد لبني آدم من الاختلاف، وهذا هو الواقع وقد دلت عليه آيات كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، لا بد من الاختلاف، والمرجع عند الاختلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
* * *
° قال الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩].
قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ معطوفة على قوله ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة
стр. 475
والسلام وفي "أَنِ" قراءتان: الضم والكسر "وأَنُ احكم" بالضم مراعاة لحركة الكاف، "وأَنِ احكم" بالكسر، كلاهما قراءتان سبعيتان، احكم بينهم إذا تنازعوا إليك، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ولا تحكم بما عندهم.
وقد سبق أن بني النضير يرون لهم الفضل على بني قريظة، حتى إنهم في الديات يجعلون بني قريظة على النصف من بني النضير، ويقولون: إذا قتل النضيري قرظيًا فإنه لا يقتل، وإذا قتل القرظي نضيريًا فإنه يقتل، يتحاكمون إلى الرسول ﵊ في هذا وأمثاله ويريدون منه أن يحكم به، ولكن الله تعالى نهاه عن ذلك فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ لأن ما أصَّلُوه من هذا الأصل الباطل هوىً محض وإلا فحكم الله بين الخلق سواء.
قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ انظر هذا كلام الله مع الرسول، ﴿وَاحْذَرْهُمْ﴾ يعني: كن معهم على حذر وتخوف ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ عن بعض ما أنزل الله إليك.
في إعراب ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ وجهان:
الوجه الأول: أن تكون بدل اشتمال من الهاء في قوله: واحذرهم، والتقدير: واحذرهم فتنتهم، وكما هو معروف أن البدل ينقسم إلى خمسة أقسام؛ الخامس: البدل اللفظي، فيكون التقدير على هذا: احذرهم فتنتهم؛ لأن "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر بدل، والبدل كما يقول ابن مالك ﵀:
стр. 476
التابع المقصود بالحكم بلا ... واسطة هو المسمى بدلًا
والوجه الثاني: أن تكون "أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: واحذرهم من أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، وكلا الوجهين في الإعراب معناهما واحد، ومعنى ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ أن يصدوك عن بعض ما أنزل الله إليك، والفتنة بمعنى: الصد، جاءت في القرآن، مثل قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ [البروج: ١٠]، فتنوا بمعنى: صدوا.
وقوله: ﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إذا كان التحذير عن بعض ما أنزل، فعن الجميع من باب أولى، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن حكمك بما أنزل الله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾، وهذه الإرادة إرادة كونية بمعنى: المشيئة، ﴿أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾ أن يلحق بهم المصيبة بالإعراض ببعض ذنوبهم لا بكلها.
قوله: ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ بعض الذنوب مثل ما ذكرنا قبل قليل أن بني النضير يحكمون بالجور فيما بينهم وبين بني قريظة، والذنب ما خالف به الإنسان ربه سواء كان بترك واجب أو بفعل محرم.
قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ الجملة هذه كالتسلية للرسول ﵊ لكي لا يحزن؛ لأن كثيرًا من الناس فاسقون، و"اللام" في قوله ﴿لَفَاسِقُونَ﴾ للتوكيد، وفاسقون بمعنى: خارجون عن طاعة الله، مأخوذة في الاشتقاق من قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من كمها.
стр. 477
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: وجوب الحكم بما أنزل الله عند تحاكم أهل الكتاب إلينا، لقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ حتى وإن كان عندهم قوانين تخالف الحكم الشرعي فإننا لا نرجع إليها، حتى وإن أقاموا الدنيا ضدنا فإننا لا نهتم بهم، ما دمنا على صراط مستقيم، فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
الفائدة الثانية: النهي عن اتباع أهواء الكافرين أيًّا كانت.
لكن إذا قال قائل: إذا كان ما ذكروه مطابقًا للشريعة، فهل نتركه لأنهم يفعلونه أو نأخذ به لأنه شريعة؟
الجواب الثاني: لا شك في ذلك، من ذلك وهو مثل عجيب، بعض الناس لما سمع قول الرسول ﵊: "خالفوا المجوس والمشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب" (١) قالوا: إن أحبار ورهبان النصارى واليهود الآن مطلقون لحاهم، فكان مقتضى الحديث في قوله: "خالفوا": أن نحلق اللحية لأنهم يعفون لحاهم؟
فيقال في الجواب: إنهم الآن يطلقون لحاهم وفقًا للفطرة لا تقليدًا لنا، وإذا كانوا يطلقونها وفقًا للفطرة فإننا نحن نطلقها وفقًا للفطرة واتباعًا للسنة والشريعة.
الفائدة الثالثة: وجوب الحذر من اليهود والنصارى وغيرهم، لقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾.
стр. 478
الفائدة الرابعة: الإشارة إلى أن من أكبر غايات اليهود والنصارى أن يفتنوا المسلمين عما أنزل الله إليهم، وإذا كان الله تعالى قد تكلم في هذا في عهد الرسول ﷺ فالأمر في وقتنا أشد؛ لأنهم الآن يرون أنهم أقوى منا في المادة الحسية، فيكون حرصهم على صدنا عن سبيل الله أشد.
الفائدة الخامسة: أنه إذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى رسول الله ﷺ المؤيد بالوحي الذي أعطاه الله من القوة والعزيمة في دين الله ما لا يعطى غيره، فما بالك بغيره، وما بالك بمن كان في زمننا الآن، فيجب الحذر، واسمع إلى قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾ [الإسراء: ٧٣]، لو فعلت صرت أنت خليلهم وصديقهم، وقال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ [الإسراء: ٧٤]، لولا أن الله ثبته، ونسال الله الثبات، لكان يركن إليهم شيئًا قليلًا، ولو ركن إليهم شيئًا قليلًا: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ٧٥﴾ [الإسراء: ٧٥]، والمخاطب رسول الله ﵊، فما بالك بمن دونه يكون الحذر منهم أشد وأشد.
الفائدة السادسة: أن الذنوب لها آثار سيئة، من أعظمها التولي عن دين الله وعما أنزل الله، فالإنسان كلما عصى الله ابتعد عن قبول الوحي والشريعة، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ ولهذا قال بعض السلف: من حُرِمَ قيام الليل فإنما ذلك لذنب أصابه، فإذا رأيت من نفسك إعراضًا عن شيء من دين الله أو رأيت إعراضًا عن كتاب الله ، إما عن تلاوته اللفظية أو تلاوته المعنوية أو تلاوته العملية فإنه يجب
стр. 479
عليك أن تعالج نفسك، واعلم أن سبب هذا الإعراض هو المعاصي، وأن هناك ذنبًا انبنى عليه هذا الإعراض، والآية صريحة في ذلك: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ فاستغفر الله للنتيجة والسبب.
وعلى هذا فمن وجد في نفسه إعراضًا عن طاعات كان يفعلها فليكثر من الاستغفار، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وله أن يكثر من الصلاة إن رأى أن الصلاة توجب رجوعه إلى الحق وانتهائه، فالصلاة لا شك مكفرة وتنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن أهم شيء الاستغفار.
الفائدة السابعة: أن كثيرًا من الناس خارجون عن دين الله بالفسوق، لقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾، وهل المراد بالناس هنا أهل الكتاب أو العموم؟
إن قلنا: إنهم أهل الكتاب خف الإشكال، وإن قلنا بالعموم؛ صار هناك إشكال؛ لأن أكثر الناس فاسقون فسقًا موجبًا لدخول النار، ودليل ذلك ما ثبت عن النبي -صلي الله عليه وسلم-: "أن الله يقول يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بعث النار، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة" (١) جعلنا الله منهم، وإلى هذا يشير ابن القيم في النونية بقوله:
стр. 480
يا سلعة الرحمن ليس ينالها ... في الألف إلا واحد لا اثنان
ما ينالها من بني آدم من الألف إلا واحد فقط لا اثنان، فهذا الحديث يدل على أن أكثر الناس فاسقون، وأنه لا نسبة بين الصالح والفاسق، وهذا مما يرجح أن يكون المراد بالناس أهل الكتاب، فإذا نظرنا إلى اللفظ قلنا: هو عام، وإن نظرنا إلى هذا الحديث، قلنا: لا بد أن نحمله على الخصوص، لكن ماذا كان شعور الصحابة لما قال: "إن أهل النار تسعمائة وتسعة وتسعون؟ " قالوا: يا رسول الله أين ذلك الواحد؟ فقال لهم: "أبشروا فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج، منكم واحد ومنهم ألف، ثم قال لهم: إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، شطر أهل الجنة فكبروا بذلك فرحًا" (١)، اللهم لك الحمد، ولهذا أكثر أهل الجنة صالحو هذه الأمة، حتى إنه جاء في السنن أو في المسند أن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا منهم ثمانون من هذه الأمة (٢)، فتكون النسبة الثلثين.
الفائدة الثامنة: الحذر الشديد من موافقة الكفار، وليت أمة الإسلام اليوم تنتبه لهذا الأمر، حتى لا تلهث وراء المادة ووراء أهل المادة، فلو اجتمعت الأمة الإسلامية على هذا المنهاج لسادت العالم، لكن عندها ضعف في الشخصية وضعف في الإيمان فانحدرت إلى ما ترون، فنسأل الله تعالى أن يعلي كلمته وأن يعز دينه إنه على كل شيء قدير.
стр. 481
لو قال قائل: إذا كان الإنسان في بلاد الكفار هل له أن يتحاكم إليهم ليصل إلى حقه؟
الجواب: إذا كان لا يمكن أن يصل إلى حقه إلا بهذا فليتحاكم إليهم لا على نية أن حكمهم صحيح، لكن على نية أنهم كالشرطة يستخرجون له حقه من هذا الظالم، ولو لم نقل بذلك لضاع حقه، ففرق بين أن نحكمهم على أن حكمهم شريعة، وبين أن نحكمهم ليخلصوا حقه، لكن يجب أن يعتقد أن حكمهم باطل في الأصل وأنهم ليسوا حكامًا شرعيين.
* * *
° قال الله : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الاستفهام هنا للإنكار والتعجيب، يعني: أن الله تعالى أنكر عليهم ذلك وأراد منا أن نتعجب من هذا الذي يبغونه، "والفاء" هنا وقعت بعد أداة استفهام، ومن المعلوم أن أداة الاستفهام لها صدر الكلام، وهنا لا نجد شيئًا بين الهمزة والفاء، فكيف يتوجه العطف بالفاء على شيء ليس بموجود؟ في هذا رأيان بالنسبة للنحويين:
الرأي الأول: أنه كلما جاء حرف العطف بعد الهمزة فان هناك جملة مقدرة تناسب المقام، وهذا جيد من جهة لكنه صعبٌ من جهة أخرى، إذ إنه يصعب على الإنسان أن يعرف ما الذي يقدره، وأحيانًا يشق عليه ذلك كثيرًا أو يعجز أن تقدر شيئًا مناسبًا.
والرأي الثاني: أن الفاء مزحلقة عن مكانها وأن أصلها قبل
стр. 482
الهمزة، وعلى هذا فتكون الجملة التي دخلت عليها همزة الاستفهام معطوفة على الجملة السابقة، والتقدير: "فَأَحُكْمَ الجاهلية" وهذا لا شك أنه أسهل لطالب العلم؛ ولأن الأصل عدم الحذف، صحيح أن هذا مخالف للأصل من حيث إن حرف العطف زحلق عن مكانه لكنه أسهل من حيث إن الإنسان تبرأ ذمته إذا قال: إن هذه الجملة معطوفة على ما سبق.
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أضاف الله الحكم إلى الجاهلية، فما المراد به؟ هل المراد أحكام أهل الجاهلية كوأد البنات وما أشبه ذلك وتحريم بعض المحللات، أو أن المراد: أفحكم الجاهلية يعني: الحكم الموصوف بأنه جهل؟
نقول: كلا المعنيين حق لكن الثاني أعم؛ لأنه يشمل كل حكم مبني على جهل سواء، كان من أحكام أهل الجاهلية الذين هم العرب أو من أحكام آخرين، وعلى هذا فيكون المعنى: أفحكم الجهل يبغون، والجهر: هو عدم العلم، وكل ما خالف الحق الذي هو حكم الله فهو جهل أو جهالة، إن كان عن غير علم فهو جهل، وإن كان عن علم ولكن خالف الحق متعمدًا فهو جهالة.
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: يطلبون، ولا يخفى أن ﴿حُكْمَ﴾: منصوب وعامله: ﴿يَبْغُونَ﴾، فهو مفعول مقدم لـ ﴿يَبْغُونَ﴾، يعني: أيطلبون حكم الجاهلية، وقدم المعمول لإفادة الحصر، يعني: كان هؤلاء لا يريدون إلا الحكم الجاهلي المبني على الجهل أو الجهالة؛ لأن القاعدة عندنا أن تقديم ما حقه التأخير مفيد الحصر.
стр. 483
قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ "من": اسم استفهام، لكن هذا الاستفهام بمعنى النفي، إذ إن معناه: لا أحسن من الله حكمًا، ولكن يأتي النفي بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ، إذ إن النفي إذا جاء بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد إذ إنه يتضمن النفي، ويكون مشربًا بالتحدي، كأن المتكلم يتحدى ويقول: أروني حكمًا أحسن من حكم الله.
لو قال قائل: مَنْ أحسن مِن الله حكمًا؟
الجواب: لا أحد أحسن من الله حكمًا؛ لأن حكمه جلَّ وعلا مبني على علم بما يصلح العباد، ومبني على رحمة بما ينفع العباد، لا يمكن أن يحكم على عباده ﵎ بشيء يكون ضررًا أو عاقبته ضررًا، أبدًا لا يمكن؛ لأننا نعلم أن حكمه صادر عن علم وحكمة ورحمة.
قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾؟
الجواب: لا أحد أحسن، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يوقنون بالله وباسمائه وصفاته وبما تقتضيه هذه الأسماء والصفات؛ هؤلاء لا يرون حكمًا أحسن من حكم الله، أما من عنده ضعف في اليقين، فإنه قد يرى أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، ولهذا كان الخلفاء الراشدون، لا يتعدون حكم الله أبدًا، حتى إن الواحد منهم يخاطب الخليفة إذا زل عن حكم الله خطأً، خاطبه وأخبره بالحق.
لذلك نقول: إن تبيُّن حسن حكم الله إنما يكون للموقنين، أما ضعفاء اليقين فإنهم لا يرون أن حكم الله أحسن الأحكام، بل ربما يعتقدون أن حكم الله قد مضى عليه الدهر، واختلفت الأمة
стр. 484
واحتاجت إلى حكم جديد، وهؤلاء كأنهم يقولون بلسان الحال: إن محمدًا ليس خاتم النبيين؛ لأن دينه لا يشمل إصلاح العصر، وإصلاح العصر إنما يصلح بهذه القوانين التي وضعها جهال أو كفار أو أتباع لهؤلاء، وإلا لا يمكن أن شخصًا يكون موقنًا بالله وبما له من الأسماء والصفات والأفعال والأحكام، أن يرى أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، بل ولا يرى أن حكم غير الله مثل حكم الله، ولهذا جاءت الآية: ﴿مَنْ أَحْسَنُ﴾ وأحسن: اسم تفضيل، يعني: فلا يمكن لأي حكم من الأحكام أن يساوي حكم الله، فضلًا عن أن يكون أحسن من حكم الله.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: الإنكار الشديد على من بغى حكم غير الله، لقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾.
الفائدة الثانية: أن هؤلاء القوم على عجب عظيم أن يبتغوا حكم الجاهلية ويَدَعوا حكم الله الصادر عن علم وحكمة ورحمة.
الفائدة الثالثة: أن كل حكم مخالفٍ لحكم الله فهو حكم جاهلي، وبناءً على ذلك يصح أن نصف الأحكام المخالفة لحكم الله -في وقتنا الحاضر- بجاهلية القرن الخامس عشر.
وقلنا: الخامس عشر لأننا نعتمد التاريخ الهجري دون غيره. ولا شك أن تلك الأحكام والقوانين المخالفة للشريعة توصف بجاهلية هذا القرن شاء أصحابها أم أبوا.
الفائدة الرابعة: أن حكم الله أحسن الأحكام، لقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ ويترتب على هذا، أن الإنسان إذا آمن بأن
стр. 485
حكم الله أحسن الأحكام استسلم لحكم الله ورضي به تمامًا، سواء علم الحكمة أم لم يعلم، وهذا حق فأي إنسان يرى أن حكم أحد هو أحسن الأحكام فسوف ينقاد له ولا يعارض ولا يمانع.
الفائدة الخامسة: أن حكم الله وإن تراءى لبعض الناس أنه ليس بصالح أو أنه يعيق التقدم الاقتصادي أو الاجتماعي أو غير ذلك فإنه يكون خاطئًا؛ لأن العبرة بالنهاية، قد يتراءى للإنسان أن هذا الحكم لا يصلح الآن، لكن في النهاية لا شك أنه هو الصالح، وأن علينا أن نصبر وستكون العاقبة حميدة، مثلًا: الآن كثير من الناس يرون أنه لا بأس بالتعامل بالربا؛ لأنه على زعمهم ينمي الاقتصاد من الآخذ والمعطي، فنقول: هذا وإن تراءى لكم لكن فيه مفاسد كثيرة، وانظروا إلى الدول التي تستعمل هذا ماذا كان حالها؟ تجد أن فيهم طبقات متباينة غاية التباين، هذا من أفقر الناس ربما يأكل التراب من الجوع والثرى من العطش، والآخر مثرٍ ثراءً زائدًا، فهذا الاختلاف العظيم في الطبقات كل ذلك بسبب التعامل المحرم، لكن لو أن الناس مشوا على ما سنه النبي -صلي الله عليه وسلم- لأمته لكان الاقتصاد متوازنًا، تجد الغني لا يثري ثراءً فاحشًا، ويعطي الفقير من الزكاة، وتكون الحال بين الغني والفقير متقاربة، لا يطغى أحد على أحد، لكن إذا سلطنا الشح على المعاملات واستبحنا كل شيء، لا بد أن تكون هناك طبقات متميزة، وإذا وجدت طبقات متميزة فسد المجتمع أمنيًا ووديًا، تجد الغني يمقت الفقير ويزدريه ويحتقره، والفقير يكره الغني؛ لأنه يرى أنه قد ابتز ماله وأنه تعاظم عليه، لا سيما إذا كان لا يؤدي الزكاة.
стр. 486
إذًا: القاعدة: لا أحد أحسن حكمًا من الله أبدًا.
لو قال قائل: الموافق لأحكام الشريعة من القوانين، هل نصفه بأنه أحسن الأحكام؟
الجواب: لا نقول: هذا حكم الله، ولا نقول: هذا حكم القانون؛ لأن حكم الله متقدم على القانون، فنصف الأحكام المطابقة للشريعة في القوانين بأنها حكم الله وأنه لا أحد أحسن منه، ولا نجعل المدح منصبًا على القانون؛ لأننا لو جعلنا المدح منصبًا على القانون لاغتر الناس بذلك، وقبلوا أحكام القوانين على كل حال، لكن نقول: هذا هو حكم الشرع، فالكذب في القانون عند الدول ممقوت، وفي الشرع ممقوت والشرع سبقهم، حتى إن الرسول ﵊ جعل الكذب من صفات المنافقين، وقال: "إنه يهدي إلى الفجور، وإن الرجل لا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" (١)، النصح في المعاملة: يحث عليه الشرع، والقوانين أيضًا تحث عليه، الصدق: يحث عليه الشرع والقوانين أيضًا تحث عليه، هنا يجب أن يكون المدح لا للقانون ولكن للشرع.
الفائدة السادسة: أنه لا يجوز للإنسان أن يعارض أحكام الشرع بعقله، هذا في العمليات الفقهيات، وفي العقديات العلميات من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا يجوز للإنسان أن
стр. 487
يعارض الشرع في الأمور العملية التي يدخلها القياس فالأمور العلمية الخبرية من باب أولى؛ لأن الخبر ليس للعقل فيه مجال أبدًا، إلا على سبيل العموم يمكن.
وبناءً على ذلك يتبين خطأ أولئك القوم الذين عطلوا صفات الله ، من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، فقد أخطأوا خطأً عظيمًا؛ لأن الله إذا أخبر عن نفسه بشيء فمعنى ذلك أنه حكم بنفسه أنه مستحق كذا، وأخبر عباده به، فيجب علينا أن نقبله على ظاهره بدون أن نتعرض إلى تحريفه، أولئك القوم الذين حكموا على الله تعالى بعقولهم وقالوا: هذا لا يقبله العقل فلا نقبله ولو جاء به الشرع، ماذا يقولون في الآيات؟ يؤولونها، أي: يحرفونها، وهم لو ردوها صراحة لكانوا كفارًا، يعني: لو قالوا: إن الله لم يستوِ على العرش مثلًا، كفروا، لكن إذا قالوا: إنه استوى على العرش، لكن معنى الاستواء كذا، فهذا تأويل وينظر فيه.
الفائدة السابعة: أنه لا يعرف حسن أحكام الله إلا من عنده يقين، وكلما كان الإنسان أشد يقينًا، كان بيان حسن أحكام الله عنده أكثر وأشد، وإذا شئت أن تعرف هذا فانظر إلى العلماء المحققين كيف يستنبطون من الأحكام الشرعية ما تقتنع به العقول؛ لأنهم موقنون بأن حكم الله أحسن الأحكام فيفتح الله عليهم.
الفائدة الثامنة: الرد على من قال: إن في الأحكام الشرعية في المعاملات خاصة ما خرج عن القياس، مثل: باب السَّلَم، وباب الإجارة، وما أشبه ذلك، فنقول: ليس في الأحكام الشرعية
стр. 488
ما يخرج عن القياس، ومرادهم بالقياس العقل والنظر، بل كل الأحكام الشرعية موافقة للقياس، ولكن الله يفتح على من يشاء من عباده، فبعض الناس قد يفهم الموافقة وبعضهم لا يفهم، والله ولي التوفيق.
تمَّ بعون الله تعالى وتوفيقه المجلد الأول من تفسير سورة المائدة ويليه المجلد الثاني ويبدأ من تفسير قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]، إلى آخر السورة.
* * *
стр. 489
سلسلة مؤلفات فضيلة الشيخ (١٠٥)
تفسير القرآن الكريم
«سورة المائدة»
تأليف
فضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين
[المجلد الثاني]
стр. 490
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 491
تفسير القرآن الكريم
«سورة المائدة» (٢)
стр. 492
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
° ثم قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١].
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الخطاب مصدر بالنداء، فلماذا صدر بالنداء؟
أولًا: لتنبيه المخاطب؛ لأنك إذا أتيت بالكلام مرسلًا قد يحصل من المخاطب غفلة، لكن إذا ناديته قد يكون في ذلك تنبيه له، فصدر الخطاب بالنداء للتنبه والعناية به، ثم وجه هذا النداء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ للإغراء والحث؛ لأنه كلما كان الإنسان مؤمنًا كان أقبل للحق، فوجه الخطاب للمؤمنين إغراءً به وحثًا عليه، كما تقول للرجل: يا أيها الكريم، عند بيتك ضيف، المعنى تحثه لأن يكرم هذا الضيف، أي: تحثه على الكرم، وعلى حسن الضيافة له.
ثانيًا: توجيهه للمؤمنين إشارة إلى أن مقتضى الإيمان العمل بما دل عليه الخطاب، والخطاب الذي في الآية: هو النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء.
ثالثًا: أن مخالفة مقتضى الخطاب منافٍ للإيمان، وهل هو منافٍ للإيمان أصلًا أو كمالًا؟
هذا على حسب ما يقتضيه السياق، قد يكون منافيًا للإيمان أصلًا وقد يكون منافيًا للإيمان كمالًا.
стр. 493
لو قال قائل: إضافة الحكم إلى الجاهلية وإضافته إلى القضاء كما في قول الشافعي: "وطب نفسًا إذا حكم القضاء" هل ينافي أن أصل التحكيم إنما هو إلى الله؟
الجواب: هذه ليست كهذه، وطب نفسًا إذا حكم القضاء، يعني: القضاء القدري، يعني: إذا قضى الله عليك بما تكره فلا تقابل هذا بالجزع والسخط، بل ارضَ بما قدر الله عليك.
لو قال قائل: بعض المتأخرين ميز بين الكفار الذين يحادون الله ورسوله والكفار من أهل الذمة، وقال: أهل الذمة يجوز موالاتهم، والكفار المحادون لله ورسوله لا تجوز موالاتهم؟
الجواب: إن هذا غلط، الموالاة ممنوعة دائمًا، أما مسألة البر والمعاملة بالعدل فهذه جائزة فيمن لم يقاتلنا في الدين ولم يخرجنا من ديارنا، فيجوز أن نبرهم ويجوز أن نقسط إليهم، يعني: لا بأس أن نعاملهم بالإحسان والعدل، لكن لا يقر في نفوسنا أننا سنكون لهم أولياء، نحامي دونهم ونذود عنهم، وأما الذميون الذين عندنا في بلادنا وتحت إمرتنا ويعطوننا الجزية، علينا أن نمنع العدوان عليهم ما داموا في بلادنا، لكن لو خرجوا فلسنا المسؤولين عنهم.
لو قال قائل: بعض الدول تحكم بشرع الله لكن تسمي هذا التشريع قانونًا وتجعله على شكل مواد، مثلًا مادة رقم كذا: إذا طلق ثلاثًا لا يقع الطلاق ثلاثًا، وما أشبه ذلك هل في هذا محظور شرعي؟
الجواب: على كل حال مسألة تقنين الشريعة غير ترتيب
стр. 494
أبواب الفقه، يعني: مثلًا: إذا جعلوا باب الطلاق مثلًا موادًا فليس في هذا مشكلة، إلا إذا كانوا يريدون أن يلزموا القضاة بالحكم بها، سواء وافق اختيارهم أم لا؛ لأن مسائل الطلاق فيها خلاف، ومسائل النكاح فيها خلاف، وأشياء كثيرة، والعلماء ما زالوا مختلفين بدون قانون، فلا يجوز إلزام القاضي أن يحكم بشيء معين، حتى وإن كان عليه طائفة من الفقهاء.
لو قال قائل: ما رأيكم في قول بعض المعاصرين: إن المحكم الذي تبنى عليه الأصول والقواعد العامة في الشرع لا يتجاوز واحدًا في المائة، وأن المتشابه يقدر بتسع وتسعين في المائة، ولذلك نرى هذا الاختلاف الكبير بين الفقهاء؟
الجواب: أقول: هذا يدل على جهله، وأن كل شيء عنده مشتبه؛ لأنه لا يعرف، وإلا فالمتشابه لا يمثل واحدًا في المائة من أدلة الشرع، كلها والحمد لله واضحة وبينة، لكن الله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ اليهود مكذبون بجميع الرسل كافرون بجميع الرسل، وكذلك النصارى، واليهود سموا بذلك إما نسبة لأبيهم يهوذا أو أنها من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فالذين هادوا أي: رجعوا، أما النصارى فقيل: إنها من النصرة؛ لأن عيسى ﵊ قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، وإما نسبة إلى البلد المعروفة في فلسطين اسمها الناصرة؛ لأن عيسى ﵊ كان هناك فالله أعلم، ويجوز أن تكون من هذا وهذا ولا منافاة.
стр. 495
لو قال قائل: هل يصح الدعاء: اللهم إنا هدنا إليك؟
الجواب: إذا كانت بمعنى رجعنا يصح يعني إذا علم الداعي المعنى يصح.
قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾، اليهود والنصارى: مفعول أول، وأولياء: مفعول ثاني، تتخذ أو اتخذ: هذا الفعل معناه التصيير، أي: لا تصيروهم أولياء، واليهود هم الذين يَدَّعُونَ أنهم أتباع موسى، والنصارى هم الذين يدعون أنهم أتباع عيسى وكلهم ليسوا أتباعًا لا لموسى ولا لعيسى بعد بعثة الرسول ﵊؛ لأن من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، هذه أقولها دائما من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل شاء أم أبى، وشاهد ذلك قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، مع أن قوم نوح ما أدركوا من الرسل إلا واحدًا، ومع ذلك قال: إنهم كذبوا المرسلين؛ لأن من كذب رسولًا فقد كذب جنس الرسالة، فيكون هؤلاء الذين كذبوا نوحًا مكذبين إلى آخر الرسل محمد ﵊.
وقوله: "أولياء" جمع ولي، ووزنه أفعلاء، ولهذا مُنِعَ من الصرف لوجود ألف التأنيث الممدودة، فما معنى أولياء؟ الولي: يطلق على معان متعددة في اللغة العربية، لكن لا يمكن أن نفهم أو أن نحدد معناه في موضع إلا بعد أن نتتبع المواضع كلها، فمثلًا: "السلطان ولي من لا ولي له" (١)، هذه ولاية لها معنى،