← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تفسير القرآن الكريم «سورة المائدة» (٢)

стр. 492

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ° ثم قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة: ٥١]. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الخطاب مصدر بالنداء، فلماذا صدر بالنداء؟ أولًا: لتنبيه المخاطب؛ لأنك إذا أتيت بالكلام مرسلًا قد يحصل من المخاطب غفلة، لكن إذا ناديته قد يكون في ذلك تنبيه له، فصدر الخطاب بالنداء للتنبه والعناية به، ثم وجه هذا النداء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ للإغراء والحث؛ لأنه كلما كان الإنسان مؤمنًا كان أقبل للحق، فوجه الخطاب للمؤمنين إغراءً به وحثًا عليه، كما تقول للرجل: يا أيها الكريم، عند بيتك ضيف، المعنى تحثه لأن يكرم هذا الضيف، أي: تحثه على الكرم، وعلى حسن الضيافة له. ثانيًا: توجيهه للمؤمنين إشارة إلى أن مقتضى الإيمان العمل بما دل عليه الخطاب، والخطاب الذي في الآية: هو النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء. ثالثًا: أن مخالفة مقتضى الخطاب منافٍ للإيمان، وهل هو منافٍ للإيمان أصلًا أو كمالًا؟ هذا على حسب ما يقتضيه السياق، قد يكون منافيًا للإيمان أصلًا وقد يكون منافيًا للإيمان كمالًا.

стр. 493

لو قال قائل: إضافة الحكم إلى الجاهلية وإضافته إلى القضاء كما في قول الشافعي: "وطب نفسًا إذا حكم القضاء" هل ينافي أن أصل التحكيم إنما هو إلى الله؟ الجواب: هذه ليست كهذه، وطب نفسًا إذا حكم القضاء، يعني: القضاء القدري، يعني: إذا قضى الله عليك بما تكره فلا تقابل هذا بالجزع والسخط، بل ارضَ بما قدر الله عليك. لو قال قائل: بعض المتأخرين ميز بين الكفار الذين يحادون الله ورسوله والكفار من أهل الذمة، وقال: أهل الذمة يجوز موالاتهم، والكفار المحادون لله ورسوله لا تجوز موالاتهم؟ الجواب: إن هذا غلط، الموالاة ممنوعة دائمًا، أما مسألة البر والمعاملة بالعدل فهذه جائزة فيمن لم يقاتلنا في الدين ولم يخرجنا من ديارنا، فيجوز أن نبرهم ويجوز أن نقسط إليهم، يعني: لا بأس أن نعاملهم بالإحسان والعدل، لكن لا يقر في نفوسنا أننا سنكون لهم أولياء، نحامي دونهم ونذود عنهم، وأما الذميون الذين عندنا في بلادنا وتحت إمرتنا ويعطوننا الجزية، علينا أن نمنع العدوان عليهم ما داموا في بلادنا، لكن لو خرجوا فلسنا المسؤولين عنهم. لو قال قائل: بعض الدول تحكم بشرع الله لكن تسمي هذا التشريع قانونًا وتجعله على شكل مواد، مثلًا مادة رقم كذا: إذا طلق ثلاثًا لا يقع الطلاق ثلاثًا، وما أشبه ذلك هل في هذا محظور شرعي؟ الجواب: على كل حال مسألة تقنين الشريعة غير ترتيب

стр. 494

أبواب الفقه، يعني: مثلًا: إذا جعلوا باب الطلاق مثلًا موادًا فليس في هذا مشكلة، إلا إذا كانوا يريدون أن يلزموا القضاة بالحكم بها، سواء وافق اختيارهم أم لا؛ لأن مسائل الطلاق فيها خلاف، ومسائل النكاح فيها خلاف، وأشياء كثيرة، والعلماء ما زالوا مختلفين بدون قانون، فلا يجوز إلزام القاضي أن يحكم بشيء معين، حتى وإن كان عليه طائفة من الفقهاء. لو قال قائل: ما رأيكم في قول بعض المعاصرين: إن المحكم الذي تبنى عليه الأصول والقواعد العامة في الشرع لا يتجاوز واحدًا في المائة، وأن المتشابه يقدر بتسع وتسعين في المائة، ولذلك نرى هذا الاختلاف الكبير بين الفقهاء؟ الجواب: أقول: هذا يدل على جهله، وأن كل شيء عنده مشتبه؛ لأنه لا يعرف، وإلا فالمتشابه لا يمثل واحدًا في المائة من أدلة الشرع، كلها والحمد لله واضحة وبينة، لكن الله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ اليهود مكذبون بجميع الرسل كافرون بجميع الرسل، وكذلك النصارى، واليهود سموا بذلك إما نسبة لأبيهم يهوذا أو أنها من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فالذين هادوا أي: رجعوا، أما النصارى فقيل: إنها من النصرة؛ لأن عيسى ﵊ قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، وإما نسبة إلى البلد المعروفة في فلسطين اسمها الناصرة؛ لأن عيسى ﵊ كان هناك فالله أعلم، ويجوز أن تكون من هذا وهذا ولا منافاة.

стр. 495

لو قال قائل: هل يصح الدعاء: اللهم إنا هدنا إليك؟ الجواب: إذا كانت بمعنى رجعنا يصح يعني إذا علم الداعي المعنى يصح. قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾، اليهود والنصارى: مفعول أول، وأولياء: مفعول ثاني، تتخذ أو اتخذ: هذا الفعل معناه التصيير، أي: لا تصيروهم أولياء، واليهود هم الذين يَدَّعُونَ أنهم أتباع موسى، والنصارى هم الذين يدعون أنهم أتباع عيسى وكلهم ليسوا أتباعًا لا لموسى ولا لعيسى بعد بعثة الرسول ﵊؛ لأن من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، هذه أقولها دائما من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل شاء أم أبى، وشاهد ذلك قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، مع أن قوم نوح ما أدركوا من الرسل إلا واحدًا، ومع ذلك قال: إنهم كذبوا المرسلين؛ لأن من كذب رسولًا فقد كذب جنس الرسالة، فيكون هؤلاء الذين كذبوا نوحًا مكذبين إلى آخر الرسل محمد ﵊. وقوله: "أولياء" جمع ولي، ووزنه أفعلاء، ولهذا مُنِعَ من الصرف لوجود ألف التأنيث الممدودة، فما معنى أولياء؟ الولي: يطلق على معان متعددة في اللغة العربية، لكن لا يمكن أن نفهم أو أن نحدد معناه في موضع إلا بعد أن نتتبع المواضع كلها، فمثلًا: "السلطان ولي من لا ولي له" (١)، هذه ولاية لها معنى،

стр. 496

السيد ولي عتيقه هذه ولاية لها معنى، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ [التحريم: ٤] ولاية لها معنى أيضًا. المهم أن الولاية في اللغة العربية لها معانٍ متعددة، فما هي الولاية التي نهى الله أن نتولى بها اليهود والنصارى؟ هي المناصرة، أن نناصرهم، سواء ناصرناهم على مسلمين أو على كافرين، فلا يحل لنا أن نناصرهم على كافرين، ما لم يكن في مناصرتنا إياهم على هؤلاء الكافرين مصلحة للإسلام، فإن كان فيه مصلحة مثل أن تقوم حرب بين كَافِرِينَ وكافرين، ويكون الطرف الثاني أكثر إساءة للمسلمين من الطرف الآخر فهنا لا بأس أن نناصرهم، لا لمصلحتهم، ولكن لمصلحة المسلمين؛ لأن هذا من باب دفع أشر الأمرين بأخفهما. إذًا: أولياء جمع ولي، والمراد بالولاية هنا المناصرة والمعاونة، ويأتي إن شاء الله تعالى ما يتفرع على ذلك في الفوائد. لكن لو قال قائل: هل من الولاية المحبة؟ الجواب: المحبة لا شك أنَّها وسيلة إلى المناصرة؛ لأن من أحب أحدًا نصره، لكن المحبة الطبيعية لا تدخل في هذا، ولهذا أباح الله تعالى للمسلمين أن يتزوجوا من اليهود والنصارى، ومن المعلوم أن الزوج مع زوجته لا بد أن يكون بينهما محبة كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١]. قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ كيف نعرب ﴿بَعْضُهُمْ﴾؟ مبتدأ، وعلى هذا تكون استئنافية، ولذا يجب أن نقف على قوله تعالى:

стр. 497

﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ لأننا لو وصلنا جعلنا الجملة حالية، يعني: لا تتخذونهم في هذه الحال، وأظن أنَّه مكتوب عليها في المصحف وقف لازم، وهي مع كونها استئنافية كالتعليل للنهي، يعني: لا يليق بكم أن تتولوا؛ لأن هؤلاء بعضهم أولياء بعض، فلا يليق بكم أيها المسلمون أن تكونوا أولياء لهم، يعني: بعض اليهود أولياء بعض، وبعض النصارى أولياء بعض؛ لأنهم على ملة واحدة وعلى طريق واحد، فلا بد بمقتضى الفطرة أن يتولى بعضهم بعضًا. وهل يشمل قوله: ﴿بَعْضُهُمْ﴾: اليهود أولياء بعض النصارى، يعني: أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض؟ الظاهر أن الآية تشمل هذا، بل لو قيل: إن هذا هو المتبادر لكان أولى؛ لأن النهي عن الطائفتين، فيكون بعضهم أي: كل طائفة من هؤلاء وهؤلاء بعضهم أولياء بعض، وإن كان اليهود يقدحون في النصارى، والنصارى يقدحون في اليهود قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] لكنهم ضد المسلمين شيء واحد يوالي بعضهم بعضًا ويناصر بعضهم بعضًا على المسلمين، وهذا الذي ذكره الله موجود إلى يومنا هذا، الآن تجد الدولة النصرانية تساعد الدولة اليهودية علنًا وبكل صراحة ووقاحة ولا يبالون، ومن هنا تعلم أنَّه يجب علينا نحن المسلمين أن نتخذهم أعداءً كما نهانا الله تعالى أن نتخذهم أولياء. قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ هذا تحذير شديد ووعيد شديد على أن من تولاهم فإنه منهم، لكن هل هو منهم في الظاهر؟

стр. 498

نعم هو منهم في الظاهر لا شك؛ بسبب المعاونة والمناصرة، لكن هل يكون منهم في الباطن؟ نقول: يمكن، قد تكون هذه المناصرة والمعاونة تؤدي إلى المحبة ثم إلى اتباع الملة؛ لأن الذنوب يجر بعضها بعضًا، أما ظاهرًا فالأمر ظاهر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] يعني: في الباطن، لكن في الظاهر هم مع اليهود مثلًا، والمراد بهم المنافقون في الآية التي سقناها آنفًا، إذا: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ في الظاهر، وربما يؤدي ذلك إلى الباطن ومشاركتهم في عقائدهم وفي أعمالهم وأخلاقهم، وهنا إشكال نحوي في قوله: ﴿من يتولهم﴾ فمن المعروف أن "مَنْ" الشرطية تجزم الفعل، وهنا نجد أن الفعل مفتوح اللام ﴿من يتولهم﴾. الجواب: فتحة اللام ليست فتحة إعراب لأن آخر الفعل محذوف، إذًا نقول: هذه مجزومة والفعل المعتل يجزم بحذف حرف العلة، ولولا "مَنْ"، لقيل: "يتولاهم" بالألف. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الجملة هنا استئنافية بلا شك، وهي كالتعليل لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، كأنه قال: من يتولهم منكم فإنه ظالم، والظلم أصله النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٢، ٣٣]، يعني لم تنقص، إذًا أصل الظلم النقص، والظالم ناقص؛ لأنه لم يأتِ بما يجب عليه فهو باخس نفسه حقها.

стр. 499

إذًا قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ أي: الناقصين أنفسهم حقها وذلك بإقحامها في المعاصي، إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرمات. وقوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ يجب أن تعلم أن "أل" إذا اقترنت بمشتق فهي اسم موصول، يقول ابن مالك ﵀: وصفة صريحة صلة أل .............. ... ......................... فكلما اتصلت "أل" بمشتق اسم فاعل أو اسم مفعول فإنها تكون اسمًا موصولًا لا حرفًا، إذًا "أل" هنا اسم موصولًا. وعندنا أصل بل عندنا قاعدة: أن الأسماء الموصولة تفيد العموم، وعلى هذا فيكون قوله الظالمين يشمل كل ظالم، أي: فإن الله تعالى لا يهديه، والهداية المنفية هنا هداية التوفيق، أما هداية البيان فهي ثابتة لكل أحد، حتَّى الكفار قد هداهم الله ، اقرأ قول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ١ - ٣] يعني: هو مَهدي هداه الله السبيل، أي: بَيَّنَها له سواء كان كافرأ أو شكورأ، واقرأ قول الله : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. إذًا: لا يهدي الله جلَّ وعلا القوم الظالمين هداية توفيق. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: بيان أهمية تجنب اتخاذ الأولياء من اليهود والنصارى، وجه ذلك: أن الله صدر الخطاب بالنداء. الفائدة الثانية: أن اجتناب اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من مقتضيات الإيمان.

стр. 500

الفائدة الثالثة: أن اتخاذهم أولياء يوجب نقص الإيمان، وربما يوجب محو الإيمان وزواله كله. الفائدة الرابعة: أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، وهل المراد الملة الواحدة، أم كلتا الملتين؟ المراد العموم، الملة الواحدة وكلتا الملتين، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. الفائدة الخامسة: أن النصراني يرث من اليهودي، واليهودي يرث من النصراني، لقوله: ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ والإرث مبني على الولاية، ولهذا قال النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (١)، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء وقالوا: إن الكفر ملة واحدة، فيرث الكفار بعضهم من بعض. ولعل قائلًا يقول: إن أهل الكتاب يرث بعضهم بعضًا؛ لأنهم يشتركون في كونهم أهل كتاب بخلاف المجوس مع الكتابيين. والقول الثالث في المسألة: أنَّه لا يرث اليهودي من النصراني ولا النصراني من اليهودي، وهذا القول أصح الأقوال، لقول النبي: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (٢)، ولا شك أن اليهود على ملة، والنصارى على ملة.

стр. 501

الفائدة السادسة والسابعة: بيان أن النصارى واليهود وسائر الكفار كلهم بعضهم أولياء بعض في مضادة المسلمين؛ لأنه إذا كان هذا بين اليهود والنصارى وبعضهم يضلل بعضًا ويقول للآخر إنه: ليس على شيء، أي: ليس على شيء من الدين، فما بالك بغيرهم. ويتفرع على هذه الفائدة أنَّه يجب على المسلمين الحذر من أعدائهم وأن يَدَعُوا الخلافات التي بينهم، حتَّى يكونوا يدًا واحدة على أعدائهم الذين يصرحون بالإيذاء. الفائدة الثامنة: التحذير من موالاة اليهود والنصارى، لقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهل هذا يدل على أن توليهم من كبائر الذنوب؛ نعم؛ لأن كونهم منهم كالبراءة منهم، فهو كقول الرسول ﷺ : "من غش فليس منا" (١). إذًا: اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من كبائر الذنوب، والولاية كما قلنا: المناصرة، لكن هل يدخل في ذلك أن يستعين الإنسان بهم على شيء خاص، مثل أن يكون هناك مهندس يهودي أو نصراني، ويستعين به على إحكام البناء أو إحكام الماكينة أو ما أشبه ذلك؟ الجواب: لا؛ لأني وإن استعنت به أشعر بأني أعلى منه، وأنه عندي بمنزلة الأجير، ومع ذلك فمتى أمكن أن يتخذ الإنسان عاملًا من المسلمين فهو أولى بلا شك، كقول الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ

стр. 502

خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ ولأن عمر بن الخطاب ﵁ أنكر على أبي موسى الأشعري ﵁ أن يتخذ كاتبًا نصرانيًّا، حتَّى إنه لما قُدِّمَت إلى عمر ﵁ كتابة هذا النصراني أعجبته كثيرًا؛ لأنها كتابة جيدة وحسابات منضبطة تمامًا، فقال لأبي موسى: "هاتِ كاتبك، قال: يا أمير المؤمنين إنه لا يدخل المسجد، فغضب، قال: من هذا؟ قال: نصراني، قال: كيف تأمنه وقد خونه الله"، وأنكر عليه كثيرًا، وألح عليه أَبو موسى قال: هذا رجل جيد، فقال له: "مات النصراني، والسلام" (١). يعني: نفرض الآن أنَّه مات ماذا تكون حالك وهو سيموت إن عاجلًا أو آجلًا، فانظر كيف كان الخليفة الراشد، يحذر من أن يولى غير المسلمين أحوال المسلمين، يعني: لا يجوز أن تجعله مثلًا أمينًا على بيت المال، أو أمينًا على أشياء تتعلق بعموم المسلمين، هذه خيانة بلا شك؛ لأنه كيف يجعل هذا الذي خونه الله أمينًا على أحوال المؤمنين، أما شيء خاص فهذا لا بأس به؛ لأن الصحابة اتخذوا خدمًا من غير المسلمين لكن شيء عام هذا لا يجوز بأي حال من الأحوال؛ لأنه مهما تظاهر الكافر بالنصح لك فاعلم أنَّه عدو. وهل من الموالاة أن نستعين بهم على أعدائنا؟ الجواب: لا، لكن إذا احتجنا إليهم نستعين بهم، بشرط أن نأمن خيانتهم؛ لأن النبي ﷺ كان له حلفاء حين عقد الصلح مع المشركين، وحلفاؤه خزاعة، كانوا مع الرسول عليه الصلاة

стр. 503

والسلام (١)، حتَّى إن قريشًا لما اعتدت على خزاعة، وهم كفار اعتبر النبي ذلك نقضًا للعهد، وغزا قريشًا، فالمهم أن الاستعانة بهم إذا دعت الحاجة إليها جائزة بشرط أن نأمن خيانتهم، فإن لم نأمن فإنه لا يجوز. وهل من موالاتهم موادتهم؟ الجواب: نعم، من موالاتهم موادتهم، أعني طلب مودتهم حتَّى تكون المودة متبادلة، ولهذا قال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، قال: يوادون، ولم يقل: يودون، فتكون الموادة بين الطرفين؛ لأن المُوَادَّ لا بد أن يبذل ما تكون به المودة، وإذا بذل ما تكون به المودة، فهذا المبذول لا يريد أن يذهب هباءً لا بد أن يكون على حساب شيء ما، لذلك نقول: موادتهم حرام لا تحل، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وهل من الولاية أن نحبهم إذا صنعوا شيئًا نافعًا للعباد؟ على كل حال: نحب فعلهم بلا شك، إذا فعلوا ما فيه مصلحة للبشرية فلا بد أن نحب فعلهم؛ لأنه خير ومصلحة، أما أن نحبهم هم فهذا فيه نظر؛ يعني نحبهم لأجل فعل هذا الخير، ليس على سبيل العموم، لكن ما فعلوه من الخير، لا يمكن أن ننكره وأن نقول: ما فعلوا شيئًا، بل نحب ما فعلوا من الخير، هم الآن مع الأسف الشديد يصنعون لنا الطائرات، هل نحبهم على صنع الطائرات؟

стр. 504

الجواب: لا نحبهم هم، لكن نحب فعلهم، يعني: صُنْعَ الطائرات نحبه ونود أن يزيدونا من الطائرات الجيدة، أما أن نحبهم هم فلا، مع أننا نعلم أنهم إذا صنعوا ذلك فإنما يريدون مصلحتهم، لكن ما دام فيه خير نحب فعلهم إذا كان خيرًا. هل من موادتهم أن نبيع ونشتري معهم، فيستفيدون لأنهم يشترون الشيء بعشرة ويبيعونه لنا بعشرين، هل يعتبر هذا من موالاتهم؟ الجواب: لا؛ لأن الرسول ﵊ وهو أعبد الناس لله اشترى منهم، مع أنهم سيكسبون، لكن هذا شيء لا يتعلق بالمودة ولا بالمحبة، وإنَّما يفعله الإنسان لمصلحته، وعلى هذا فمعاملة شركات الكفر لا تعتبر من الموالاة، وإن كسبوا؛ لأننا نحن أيضًا لن نعاملهم ولن نشتري منهم إلَّا لمصلحتنا ولا شك. هل من موالاتهم أن نضيفهم إذا استضافونا، يعني: لو نزل بك كافر وأكرمته إكرام ضيف، هل يكون هذا من موالاتهم؟ الجواب: لا، لا يكون؛ لأن الله قال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ وهذا إحسان، ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ هذا عدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩] وهذا ظاهر وحكمة، فإذا كانوا يقاتلونا في ديننا، ويخرجونا من ديارنا، ويظاهرون علينا فليس من الحكمة أن نتولاهم بأي حال من الأحوال. هل من موالاتهم أن نشاركهم في أفراحهم؟

стр. 505

إن قلنا: نعم، خطأ وإن قلنا: لا، خطأ، أما ما يتعلق بالعبادة والشعائر الدينية، فلا شك أن مشاركتهم في هذه الأفراح نوع من الموالاة والمناصرة؛ لأنك إذا شاركتهم في هذه المناسبات الدينية كأنك تقول: إنكم على حق وهذا لا يجوز، أما المشاركة في أفراح أخرى، ككافر ولد له فجعل له وليمة ودعاك هذا لا بأس أن تذهب إذا لم يكن في ذلك فتنة له، كان يقول: أنا أدعو المسلمين وأدعو كبراء المسلمين فيأتون إليَّ، إن حصلت فتنة فلا، وأما إذا لم تحصل وكانت المسألة عادية فليس هذا من الموالاة ولا من المناصرة. جار لك أكرمته، وهو كافر، هل يكون هذا من الموالاة؟ الجواب: لا، هذا ليس من الموالاة؛ لأن النبي قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره" (١)، ثم إن إكرامك إياه ربما يكون سببًا لدخوله في الإسلام. على كل حال: من هنا نعرف أن كلمة الموالاة التي نهى الله عنها هي موالاتهم في المناصرة والمعاونة، بما يعود عليهم بالنفع فهذا حرام، لكن - كما تقدم - إذا عاوناهم وناصرناهم على من هو أشد إيذاءً للمسلمين منهم فهذا لا بأس به. الفائدة التاسعة والعاشرة: أن من تولاهم فهو منهم، ويتفرع على هذا، التحذير الشديد من توليهم.

стр. 506

هل من توليهم التشبه بهم؟ الجواب: نعم، الدليل: "من تشبه بقوم فهو منهم" (١)، ولأن التشبه بهم يعطيهم فرحًا وسرورًا، ويرون أنهم مستعلون على غيرهم؛ لأن غيرهم صار مقلدًا لهم، آخذًا بما يتحلون به من أخلاق أو غيرها. الفائدة الحادية عشرة: التحذير من الظلم لكون الله تعالى لا يهدي الظالم، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين من هداهم الله تعالى من أهل الشرك، والشرك ظلم عظيم، ومع ذلك في عهد النبي ﵊، وجد من كان يسجد للأصنام ويعبد الأصنام، وهداه الله، ما الجواب؟ الجواب عن ذلك أن يقال: هذه الآية مقيدة بآية أخرى، والمراد بهم الذين حقت عليهم كلمة الله، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، فتكون هذه الآية المطلقة أو العامة مقيدة بمن حقت عليه كلمة الله، فهذا لا يمكن أن يهديه أحد، قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف: ١٨٦]. الفائدة الثانية عشرة: الرد على القدرية، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فإن في ذلك دلالة واضحة على أن أمر العباد بيد الله ، نسأل الله الهداية، فليس الإنسان مستقلًا

стр. 507

بنفسه أبدًا، ومدبرًا في الأمور الاختيارية والأمور الغير الاختيارية، كما أن الإنسان ليس بيده أن يكون صحيحًا من مرض، أو مريضًا من صحة، فكذلك ليس بيده، أن يكون مهتديًا بعد ضلالة، إنما الأمر بيد الله . * * * ° قال الله : ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥٢]. قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، كلما رأيت مثل هذا الخطاب فهو إما للرسول ﵊، وإما له ولمن يصح خطابه، وتوجيه الخطاب إليه، أي: فترى أيها النبي الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم، أو فترى أيها الإنسان. لما نهى الله أن يتخذ المؤمنون اليهود والنصارى أولياء؛ بَيَّنَ أن من الناس من في قلبه مرض، فيسارع في موالاتهم ومهادنتهم وموادتهم، ولهذا لم يقل: في موالاتهم ليفيد العموم بل قال: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في كل ما يكون سببًا لقوتهم وعزتهم، وأمراض القلوب أنواع كأمراض الأبدان تمامًا، أمراض الأبدان أنواع: أمراض عضوية في عضو خاص، وأمراض عامة، وأمراض حمى، وأمراض رعشة، أنواع كثيرة، أمراض القلوب كذلك متنوعة، لكنها تدور على شيئين: إما شبهة وإما شهوة، كل أمراض القلوب لا تخرج عن هذين الأمرين: شبهة من حيث يلتبس عليه الحق والعياذ بالله بالباطل، ولا يهتدي للحق،

стр. 508

هذا مرض شبهة سببه الجهل، ولذلك يجب على كل إنسان أن يزيل عنه هذا المرض بتعلم الشريعة. والثاني مرض الشهوة، أي: مرض إرادة وتشهي، بحيث لا يريد الحق مع علمه به، وهذا أخبث من الأول؛ لأن الأول يرجى صلاحه، إذا تعلم، لكن هذا لا يرجى صلاحه إلَّا أن يشاء الله؛ يعني: لأن هذا يعلم الحق ولكنه لم يعمل به، وهذا أشد. ولكن اعلم أن المرض كما قلت: أنواع، ففي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، هذا مرض الشهوة في حب النساء والتلذذ بأصواتهن المحرمة استماعها وما أشبه ذلك، لكن في قول الله ﵎: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، أعوذ بالله، ﴿فِى قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾ يعني: شكًا ونفاقًا، هؤلاء لا يزدادون بالآيات إلَّا رجسًا إلى رجسهم، أجارنا الله من ذلك، ونسأل الله الثبات. لو قال قائل: عرفنا صورة الموالاة للكفار فكيف تكون صورة الموالاة لأهل البدع، وهل هي كموالاة الكفار؟ الجواب: مثل موالاة الكفار، فمن صور موالاتهم تخفيف بدعهم، ومحاولة أن يختلط هؤلاء بهؤلاء، أي: أهل البدع بأهل السنة، وأتباع السلف. لو قال قائل: هل استخدام كثير من المسلمين للتاريخ الميلادي يعتبر نوعًا من الموالاة؟ الجواب: نعم، عدول المسلمين الآن من التاريخ الهجري

стр. 509

- العربي - إلى تاريخ اليهود والنصارى لا شك أنَّه نوع من الموالاة، ولهذا كره الإمام أحمد ﵀ أن يقول: آذرماه وما أشبه ذلك، والعجب منا نحن العرب! الآن التزامنا بالتاريخ الهجري يقتضيه شيئان: الشيء الأول الدين؛ والشيء الثاني: العروبة، لأنه مبني على مناسبة عظيمة، وهي الهجرة التي بها تكونت الدولة الإسلامية، ولهذا لما اختلفوا في زمن عمر: هل يجعلون التاريخ من البعثة أو من مولد الرسول ﷺ ؟ قال: "لا من الهجرة؛ لأن الهجرة هي التي حصل بها تكوين الدولة الإسلامية" فمن ثَمَّ جعلوا التاريخ من الهجرة ولم يجعلوه من ربيع الأول؛ لأن مناسبة كونه في محرم أقوى من مناسبة كونه في ربيع الأول؛ لأن الناس ينصرفون من الموسم: موسم الحج بعد أن أدوا فريضة الصوم وفريضة الحج. قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ أي: يقولون بألسنتهم بعضهم لبعض، أو إذا لامهم لائم وبقلوبهم أيضًا ﴿نَخْشَى﴾ أي: نخاف ﴿أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرُةٌ﴾ أي: نائبة من نوائب الدهر، والدائرة الشيء المهلك، فنوالي هؤلاء ليكون لنا عندهم يد نحتمي بها. يقول الله : ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ عسى: من أفعال الترجي، لكنها بالنسبة لله ، أي: لفعله ، لا يمكن أن نقول: إنها للترجي؛ لأن الترجي هو تمني ما يصعب حصوله بعض الشيء، والله لا يصعب عليه شيء، ولهذا قال بعض المفسرين وأظنه ابن عبَّاس: عسى من الله واجبة، أي: بمعنى سيقع حقًّا، لكنه يأتي بعسى في مثل قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩]،

стр. 510

وما أشبه ذلك من أجل أن يتعلق القلب رجاة بالله ؛ لأنه لو أخبر بأن هذا سيكون؛ لاعتمد على هذا الخبر الصادق وأنه سيكون، لكن إذا قيل: (عسى)، صار القلب متعلقًا برجاء الله ﵎. قوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾: "الفتح" المراد به النصر، كما قال الله ﵎: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩]، يعني: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وقيل المراد بالفتح: فتح مكة، ولكن الصواب الأول، يعني: أن المراد به النصر وذلك من أجل أن يعم فتح مكة وغيره. قوله: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾، الأمر من عنده يعني: الشأن من عنده، وذلك في بيان مخازي هؤلاء الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون، فيفضحهم، وقد فضحهم الله ﵎ أيما فضيحة في القرآن الكريم في سورة التوبة وفي سورة الحشر وغيرهما، فضحهم الله وبين مخازيهم. فالأمر هو الشأن والمراد به فضيحة هؤلاء الذين في قلوبهم مرض؛ لأن هؤلاء الذين في قلوبهم مرض يأتون للمسلمين ويقولون: نحن مسلمون ويتظاهرون بالإسلام، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم. قوله: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ كلمة "يصبحوا" هنا: تعني فيؤول أمرهم إلى هذا سواء أدركوا ذلك في المساء أو أدركوه في الصباح، وهذا تعبير لغوي سائغ، يقال: أصبح فلان نادمًا، ويكون ندمه في الليل أو في المساء، فيعبر أحيانًا بالإصباح عن حصول الشيء في أي وقت كان، والنون في

стр. 511

قوله: "يصبحوا" محذوفة والتقدير: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾، فتكون داخلة تحت خبر عسى. وقوله: ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ما أخفوه في أنفسهم عن المؤمنين؛ لأنهم يخفون عن المؤمنين أنهم يسارعون في هؤلاء، ولكن الله تعالى فضحهم. وقوله: ﴿نَادِمِينَ﴾ خبر يصبحوا، ولهذا نصبت بالياء، والندم: انفعال نفسي على ما بدر من المرء مما يقبح فعله أو قوله، هذا هو الندم، وكل إنسان منا يحس في نفسه معنى الندم؛ لأنه انفعال نفس يحصل بالتأسف على ما مضى مما يقبح فعله أو قوله، ولهذا من شروط التوبة: الندم. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون يسارعون في موادة الكافرين. الفائدة الثانية: أن كل من يسارع في موادة الكافرين وفي مناصرتهم ففي قلبه مرض، وينبني على ذلك أن هذا المرض ربما يتضاعف حتَّى يصل إلى الكفر والعياذ بالله. الفائدة الثالثة: التحذير الشديد من موالاة هؤلاء الكفار والمسارعة فيهم. الفائدة الرابعة: أن من سارع فيهم ففي قلبه مرض. الفائدة الخامسة: ضعف توكل المنافقين على الله وأنهم إنما يتوكلون على الأمور المادية التي يظنون فيها النصر، لقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾.

стр. 512

الفائدة السادسة: أن من أشار على ولاة الأمور بالمسارعة في موادة الكفار وفي مناصرتهم، فإن فيه شبهًا من هؤلاء المنافقين. الفائدة السابعة: بشارة المؤمنين بأن الفتح والنصر سيكون لهم، لقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. الفائدة الثامنة: أن المنافق لا بد أن يفضحه الله، لقوله: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾، وهذا مشاهد، كما روي عن أمير المؤمنين عثمان بنُ عفان ﵁: "ما أسر أحدٌ سريرة، إلَّا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه"، فلا بد أن يظهر نفاق المنافق، إلَّا أن يتوب إلى الله. الفائدة التاسعة: تحذير المنافقين مما سيقع بهم من الندم على ما أسروا في أنفسهم، لقوله: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. * * * ° قال الله : ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ [المائدة: ٥٣]. قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، في هذه الآية ثلاث قراءات: "ويقولُ" بالرفع، ويقولَ" بالنصب، وفيها قراءة ثالثة: "يقولُ" بالرفع بدون واو، وهذه من غرائب القراءات أن يحذف حرف من القرآن في إحدى القراءات، وتقدم مثلها في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا اْتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] فيها قراءة: "قالوا اتخذ الله ولدًا" بسقوط الواو، وكذلك في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] فيها قراءة: بحذف الواو، فتكون الآن ثلاث آيات في البقرة، وفي آل عمران، وفي سورة المائدة.

стр. 513

المهم أن الآية فيها ثلاث قراءات بالرفع والنصب مع ثبوت الواو، وبالرفع مع حذف الواو. قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ الاستفهام هنا: للتعجيب، يعني: اعجبوا أيها الناس لهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم، ولا شك أن المنافقين يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم مع المؤمنين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤] ١ البقرة: ١٤، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]. إذًا: الاستفهام هنا للتعجيب، يعني: اعجب أيها الإنسان من هؤلاء الذين يقولون: إننا معكم كيف كانت حالهم. قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، أقسموا به، أي: حلفوا به، والإقسام والحلف واليمين معناها واحد: وهو تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة، هذا القسم، قولنا بصيغة مخصوصة، وهي الواو والباء والتاء، هذه حروف القسم، تقول: واللهِ، وتقول: باللهِ، وتقول: تاللهِ. إذًا: لا بد من أن يكون هناك تأكيد ولا بد أن يكون المحلوف به معظمًا، وفي هذه الصيغة يوجد أشياء تكون بمعنى اليمين، ولكنها ليست يمينًا كالحلف بالطلاق، والحلف بالنذر، والحلف بقول: لعمرك وما أشبهها، هذه ليست يمينًا اصطلاحًا، وإن كان معناها معنى اليمين. قوله: ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني: أبلغ ما يكون من الأيمان، وأبلغ ما يكون من الأيمان إما أن يكون بالصيغة، وإما أن يكون بقرنه بالشهادة، وإما بقرنه بالدعاء على الحالف وما أشبه ذلك، فمثلًا إذا قال: أشهد بالله مقسمًا به أن كذا، كذا وكذا، هذا

стр. 514

مؤكد بالشهادة، وإذا قال: والله إني لفاعل كذا وكذا هذا مؤكد بالصيغة، هؤلاء يقسمون أقوى وأشد ما يكون من الإقسام ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ أي: مع المؤمنين، يقسمون بذلك إنهم لمعهم لكنهم ليسوا معهم. وقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ قالوا: إنه يحتمل أن يكون من جملة القول، ويحتمل أن يكون استئنافًا من عند الله، يعني: إن قلنا: إنه من جملة القول صار كالتعليل أو كالبيان لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾، يعني: كأنه قال: وما هم معكم؛ لأنهم حبطت أعمالهم، ولا تحبط إلَّا بالكفر، والكافر ليس مع المؤمن قطعًا، وقيل: إنها من عند الله؛ يعني أن الله أخبر المؤمنين بأن هؤلاء حبطت أعمالهم، حتَّى وإن تظاهروا بالإسلام فأعمالهم حابطة، وحبوط الشيء بمعنى: ذهابه سدى، لا يُنْتَفَعُ به ولا يعتد به. وقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ العمل هنا يشمل القول والفعل، والاعتقاد لأنه أطلق وإذا قرن العمل بالقول صار المراد به عمل الجوارح، و"أصبح" هنا بمعنى صار، المعنى أنهم بعملهم هذا صاروا خاسرين، فعندهم الندم كما سبق في الآية الأولى، وعندهم الخسران والعياذ بالله، وأنهم لم يربحوا ولن يربحوا أيضًا، مع أن المنافقين يعتقدون أنهم المفلحون، وأنهم المصلحون، وأنهم هم الذين أرادوا الإحسان والتوفيق، ولكنهم في الحقيقة هم المفسدون، ولا إحسان ولا توفيق، بل هم الخاسرون. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أنَّه يجوز للمرء أن يجري الكلام على سبيل

стр. 515

التعجيب فيمن يستحق العجب منه، ولا يعد ذلك من باب الغيبة؛ لأن الله تعالى ذكر هذا عن المؤمنين ولم ينكره عليهم بل ذكره كالمادح لهم. الفائدة الثانية: كذب المنافقين وأنهم يروجون باطلهم ونفاقهم بالأيمان، ولهذا قال بعض الناس: إذا رأيت الذي يكثر الأيمان على ما لا يحتاج إلى كثرة الأيمان فاعلم أنَّه كاذب؛ لأنه يريد أن يروج كذبه بكثرة الأيمان، وإلَّا فالصادق لا يحتاج إلى كثرة الأيمان، بل ولا يحتاج إلى يمين أصلًا؛ لأنه واثق من نفسه؛ إلَّا إذا كان المخاطب منكرًا أو شاكًّا فقد يؤكده. الفائدة الثانية: أن المنافقين يقسمون بالله ويظهرون تعظيم الله، كما أنهم يذكرون الله ويصلون، ويتصدقون، لكن كل هذا لا ينفعهم لعدم الإيمان في قلوبهم - أجارنا الله من ذلك - فلعدم الإيمان لا ينفعهم هذا كله. الفائدة الرابعة: أن عمل المنافق حابط لقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ولا يمكن أن ينفعه عمله، لكن لو أنَّه تصدق، هل تنفعه الصدقة في الآخرة؛ قطعًا لا تنفعه، في الدنيا قد يثاب عليها، بالبركة في ماله وكثرته لينفع غيره، لكن في الآخرة قطعًا لا ينتفع بها. الفائدة الخامسة: أن المنافق خاسر، مهما ظن من الربح فإنه خاسر، وجه ذلك: إن فضحه الله في الدنيا تبين وخسر وصار مكروهًا عند الناس، وإن لم يفضحه الله في الدنيا ففي الآخرة، وحينئذٍ لا يكون منتفعًا بدنياه؛ لأنه خسر الدنيا والآخرة. * * *

стр. 516

° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. سبق الكلام على قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وما فائدة تصدير الخطاب بالنداء، ثم بوصف الإيمان. قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾، فيها قراءتان: ﴿يرتدد﴾، بفك الإدغام، و ﴿يرتد﴾ بالإدغام، أما على قراءة: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ فهي مجزومة والجزم ظاهر بـ "مَنْ" الشرطية، لكن على قراءة ﴿من يرتدَّ﴾ تكون مجزومة أيضًا لكن نقول: لما أدغمت الدال بالأخرى حركت الثانية بالفتح لالتقاء الساكنين. قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ عن دينه: يعني: عن عمله الذي يدين الله به وهو العبادة. قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾، الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ لأن هذا أحد المواضع السبعة التي يجب اقترانها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط، والبقية مذكورة في البيت يقول الشاعر: اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس هذه سبعة مواضع إذا وقعتت جوابًا للشرط، سواء كان الشرط جازمًا أم غير جازم، فلا بد أن تقترن بالفاء ولا تحذف إلَّا قليلًا ولا سيما عند ضرورة الشعر، كما في قول الشاعر: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... ............................. والواجب أن يقال (فالله) لأن الجملة اسمية. قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، قالوا: إن "سوف"

стр. 517

و"السين" تتفقان في دلالتها على التأكيد، لكنهما تختلفان بأن السين تدل على الفورية، و"سوف": تدل على الإمهال. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: (بقوم) يعني: غير المرتدين، ولم نتكلم عن الارتداد، الارتداد عن الدين ينحصر في شيئين: إما الجحود وإما الاستكبار، لو قرأت جميع ما ذكره الفقهاء في كتاب المرتد لوجدته لا يخرج عن هذين الأمرين: وهما الجحد أو الاستكبار. الجحد: يعني: التكذيب في الأخبار، والاستكبار: عن الامتثال، كل الردة تعود إلى هذين الأمرين وما يذكر من التفاصيل، فهذا عبارة عن تشقيق لهذه الجملة وتفريع عليها. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾: ذكر أوصافهم، فلنعددها: "يحبهم" و"يحبونه" "أذلة على المؤمنين" "أعزة على الكافرين" "يجاهدون في سبيل الله" "ولا يخافون لومة لائم" ستة أوصاف. يعني: إن ارتددتم فلن تضروا الله شيئًا، ولن تضروا الإسلام شيئًا، بل إن الله سيأتي بقوم هذه صفاتهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ فما معنى المحبة؛ المحبة: هي المحبة، ولا يمكن أن تعرفها بأوضح من لفظها، وهكذا جميع الأشياء الانفعالية، لا يمكن أن تحدها بأكثر من لفظها، لو قلت: ما هو الغضب؟ الغضب: هو الغضب، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في الكتاب المنسوب إليه - وهو روضة المحبين - ذكر للمحبة تعريفات كثيرة، لكنه قال: كلها لا تصح، كلها تفسير لها بلوازمها أو آثارها أو ما أشبه ذلك. قوله: ﴿يُحُبُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ﴾ ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ هو الله ، ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ لكن يجب أن نعلم أن محبة الله تخالف محبة الإنسان

стр. 518

في أسبابها وفي آثارها وكيفيتها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أنهم لا يستكبرون على المؤمنين ولا يترفعون عليهم، بل يتطامنون لهم، ويذلون لهم، أي: يتواضعون، كما في قوله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، ولهذا عديت (أذلة) بـ "على" دون "اللام"، يعني: لم يقل: أذلة للمؤمنين، بل قال: أذلة عليهم، يعني: ذوي شفقة عليهم، وحنان عليهم دون استعلاء واستكبار، فـ "أذلة" مضمنة معنى الشفقة، يعني: أذلة بشفقة، وبعضهم قال: إن هذا يدل على أن الذل صار من علو وليس من ضعف لأن الذليل قد يكون ذليلًا لضعفه لا لعلوه لكن هذه الآية تفيد أنهم أذلة مع العلو والرفعة. قوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أعزة: يعني أقوياء يُرُون الكافرين القوة والعزة والافتخار بما هم عليه من الدين. قوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الجهاد: بذل الجهد لإدراك الشيء، والمراد به هنا: بذل الجهد لقتال الأعداء، ثم إن كان لإعلاء كلمة الله فهو جهاد في سبيل الله، وقد بَيَّنَ النبي ﷺ أن المجاهد في سبيل الله هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لأن يعلو هو، بل لتكون كلمة الله هي العليا فقد سئل النبي ﵊، عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياءً، أيُّ ذلك في سبيل الله؛ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١)، وسبيل الله: طريقه الموصل إليه، وقد أضافه

стр. 519

إلى نفسه وإلى غيره، فقال تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] وأضاف الله السبيل إليه في آيات كثيرة، ولا منافاة فإن الله أضاف السبيل إليه لوجهين: الأول: أنَّه هو الذي شرعه وفتحه طريقًا إليه، والثاني: أنَّه موصل إليه، كما تقول: هذه سبيل مكة، وتعني طريقها الموصلة إليها، أما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم سالكوه، فهو يضاف إلى الله باعتبار وإلى المؤمنين باعتبار، فلما اختلفت الجهة لم يكن هناك تناقض. قوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، اللوم: هو العذل، يعني: أن الإنسان لا يخاف إذا جاهد في سبيل الله، وصار عزيزًا على الكافرين لا يهمه أن يلام أو لا يلام؛ لأنه يريد هدفًا آخر، لا يريد أن يكون محمودًا عند الناس ولا مذمومًا عندهم وانما يريد مرضاة الله . وقوله: ﴿لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ يعني: أي: لومة من أي لائم، أخذنا العموم من كلمة: لومة وهي واحدة، "لائم": نكرة فيشمل كل من يلوم سواء كان من الأقارب أو الأباعد، أو الأصحاب، أو غيرهم. قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ "ذلك": المشار إليه الاتصاف بهذه الأوصاف، ﴿فَضْلُ اللهِ﴾ أي: عطاؤه ورزقه ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، وكلما قرأت شيئًا معلقًا بالمشيئة فاعلم أنَّه مقرون بالحكمة، ولا بد، والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، فلا يشاء شيئًا إلَّا وهو يعلم أن الحكمة في مشيئته، حتَّى يفعله .

стр. 520

وقوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ واسع هل في فضله فقط أو في كل صفاته؟ الجواب: في كل صفاته، وإذا جاءك معنىً يكون أعم فخذ به إذا كان النص يحتمله، سواء في الكتاب أو السنة، فإذا قلنا: واسع في فضله وعطائه، نعم هو واسع في فضله وعطائه، لكن إذا قلنا: واسع في جميع صفاته فإن ذلك أعم، والأخذ بالأعم أولى؛ لأنه يدخل فيه الأخص. وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم، والعلم واسع، كما قال تعالى: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: الإشارة إلى أن من المؤمنين من سيرتد، لقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ﴾ هكذا قال كثير من المفسرين المتأخرين والمتقدمين: إن هذا إشارة إلى أنَّه سيكون من المؤمنين من يرتد، وعندي وفي نفسي من هذا شيء؛ لأنه قد يكون المراد بالآية: التحذير من الردة، كقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] بقطع النظر هل تقع أو لا تقع؟ أما كونها واقعة فمما لا شك فيه أن الردة وقعت، قال العلماء: إنه وقعت ردة إحدى عشرة طائفة، ثلاث في عهد الرسول ﵊، وسبع في عهد أبي بكر، وواحدة في عهد عمر من طوائف العرب، ففي عهد الرسول ﵊ ظهر مسيلمة والأسود العنسي وصاحب غسان، وفي عهد أبي بكر سبعة

стр. 521

طوائف كلهم ارتدوا، ولكن الله دحرهم والحمد لله، ولم تقم لهم قائمة وعرف كذبهم وردتهم. الفائدة الثانية: أن الله غني عن العباد، فلو ارتد قوم جاء الله بقوم آخرين، كما قال الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. الفائدة الثالثة: أن المرتدين مبغوضون عند الله لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. بقي علينا شيء مهم في مسألة الردة، هنا لم يذكر الله ما يترتب على الردة من عقوبة في الدنيا، بل قال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وهنا بحوث: أولًا: هل كل ردة يمكن التوبة منها؟ الجواب: نعم، كل ردة يمكن التوبة منها لعموم قول الله ﵎: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، ولقوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، يعني: لا يشركون ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، لا يعتدون على الأنفس ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾، لا يعتدون على الأعراض ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. إذا: القول الراجح أن كل إنسان أذنب ذنبًا مهما عظم ثم تاب إلى الله توبة نصوحا، فإن توبته مقبولة. تنبيه: من كان ذنبه بالكفر فإن الله يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ

стр. 522

كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ولهذا لو تاب المرتد قبلنا توبته ورفعنا عنه القتل، ولو تاب الزاني بعد وصوله إلى القاضي لا تنفعه التوبة، مع أن المرتد تنفعه التوبة حتَّى عند القاضي. استثنى بعض العلماء من هذا مسائل: أولًا: صاحب البدعة قالوا: المبتدع ولو تاب لا تقبل توبته، ولكن يقال: أين الدليل على خروجه من العمومات؟ قالوا: لأن مفسدته متعدية، فنقول في الجواب عن هذا: هذه المفسدة المتعدية يمكن إصلاحها بأن يقول هذا الذي ابتدع: إنه رجع عن بدعته وأن الصواب كذا وكذا، مثل ما جرى لأبي الحسن الأشعري ﵀، فأبو الحسن الأشعري كان في أولى أمره معتزليًّا تمامًا، معتزليًّا جلدًا لا يلين، وبقي على ذلك مدة طويلة من الزمن ثم تاب، وأعلن توبته في المسجد الجامع وخلع عمامته وقال: من كان يعرفني فهو يعرفني، ومن لا يعرفني فأنا فلان، ثم أنكر إنكارًا شديدًا على المعتزلة، هذه توبة، وربما يكون أجره على إنكار البدعة أعظم من عقوبته على هذه البدعة، مع أن العقوبة انمحت بالتوبة. كذلك أيضًا: لا بد لتحقيق توبة المبتدع من أن يكتب ما يبطل بدعته، حتَّى يكون صادقًا في توبته. فإن قال قائل: أرأيت لو أن الذين أخذوا ببدعته أَبوا أن يرجعوا برجوعه؛ فهل يأثم بإثم بقاء هؤلاء على البدعة؟ الجواب: لا يأثم؛ لأنه أدى ما يجب عليه من التوبة وبَيَّنَ الحق، وإذا أصر هؤلاء على باطلهم فهم على باطلهم.

стр. 523

ثانيًا: من سب الله، هل تقبل توبته أو لا تقبل؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم قال: من يسب الله لا تقبل توبته، وذلك لأن ردته عظيمة جدًّا، حيث سب رب العالمين جلَّ وعلا، فلا تقبل توبته؛ لعظم جرمه بهذه الردة، ولكن هذا التعليل في مقابلة النصوص، والتعليل في مقابلة النصوص مرفوض، كالقياس في مقابلة النص، إذا: هذا مرفوض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فدلت الآية على أن من الكفار من يسب الله إذا سبت آلهتهم. ثم يقال: إن الله قال في المنافقين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] يعني نتحدث حديثًا لا نقصد معناه، نتحدث حديث الركب لنقطع به عناء الطَّرِيقِ، فقال الله تعالى للرسول ﵊: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، وهذا نص صريح بأن المستهزئ بالله أو آياته أو رسوله كافر؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: ٦٦] وهذا يدل على أنَّه قد يكون منهم طائفة يعفى عنها ولا يمكن أن يعفى عنها إلَّا بتوبة. وعلى هذا فالقول الراجح: أن من سب الله ورسوله ثم تاب فإن توبته مقبولة. ثالثًا: لكن من سب الرسول ﵊ ثم تاب تقبل توبته، لكنه يقتل، يقتل مسلمًا؛ لأن هذا حق آدمي وهو

стр. 524

الرسول ﵊، فلا بد أن نثأر له، لا بد أن نقتل من سبه، أما من سب الله فالله قد أخبرنا عن نفسه أنَّه يتوب عليه، لكن الرسول ﵊ هل يتوب على من سبه؛ لا ندري، ولهذا وجد أناس سبوا الرسول ﵊ في حياته وعفا عنهم؛ لأن الحق حقه، لما تابوا عفا عنهم، أما بعد موته فإن الحق علينا نحن أتباعه؛ لأنه ليس بحاضر فلا بد أن نثأر لرسولنا ﷺ ونقتل من سبه، ثم الحمد لله ماذا يكون له إذا قتل؟ ينتقل من الدنيا إلى الآخرة، ينتقل بصفته مسلمًا، والذي لا يموت اليوم يموت غدًا، لكننا إذا أخذنا بالثأر للرسول ﵊ كان هذا من أدنى الواجبات علينا، وإن كُنْتَ قاضيًا وعرض عليك فقل: اضربوه بالسيف ولا تبالي. رابعًا: الساحر، السحر نوعان: نوع يكفر به الساحر، ونوع لا يكفر به. أما الذي لا يكفر به الساحر فإنه يقتل حدًا، كما جاء ذلك عن الصحابة، كفًّا لفساده؛ لأنه من الساعين في الأرض فسادًا، وقد قال الله ﵎: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، ولا أحد يشك في إفساد السحرة في الأرض، فيقتلون كفًّا لشرهم وردعًا لغيرهم، والساحر الكافر: هو الذي يستعين بالشياطين ومردة الجن على إيذاء عباد الله، بأن يضع سحرًا يستهوي به الشيطان أو مردة الجن حتَّى يسكنوا في جسم إنسان، ويأبوا أن يخرجوا منه إلَّا بحل السحر؛ هذا يكفر لقوله

стр. 525

تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، انظر ملائكة من ملائكة الله أنزل الله عليهم علم السحر وهم ملائكة، لا من أجل أن يجعلوه مهنة، لكن من أجل الاختبار، ولهذا قال الله : ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهذا يقتل كفرًا وردة كما تقدم. ولكن إذا تاب فهل تقبل توبته؟ في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: لا تقبل، ومنهم من قال: تقبل، والأسعد بالدليل؟ من قال: تقبل، فنقبل توبته، ونرفع عنه القتل، ونجعله من إخواننا، لكن لا بد أن يكون هناك دليل على استقامته وصلاح حاله، ولا يكفي مجرد أن يقول: تبت. لكن ما ترتب على فعله هذا محل نظر؛ لأن الكفار إذا آذوا المسلمين وقتلوا منهم وأخذوا أموالهم ثم أسلموا سقط عنهم الضمان. خامسًا: المنافق نفاق كفر، هو كافر لا شك قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]، والنفاق من شر خصال بني آدم، المنافق إذا علمنا نفاقه يقينًا لا مجرد وَهم وقرائن؛ لأنه بمجرد الوهم والقرائن لا يجوز أن نتهم أحدًا بالنفاق، فإننا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس وبطونهم، لكن إذا علمنا يقينًا ورأينا هذا الرجل يذهب إلى مجمعات اليهود والنصارى والملحدين ويقول: إنه معهم، ويأتي إلى المسلمين يتملق ويقول: إنه مسلم، هذا ظهر نفاقه، فنحكم

стр. 526

عليه بالنفاق، وهل يقتل أو لا يقتل؟ يقتل؛ لأن هذا معلوم نفاقه، لكن المنافقون في عهد الرسول ﵊ رفع عنهم القتل لسبب، وهو: أن لا ينفر الناس عن الإسلام والإيمان بالرسول ﵊، ولهذا قال ﷺ : "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (١) وهو يعلمهم ﵊، لكن خوفًا من تنفير الناس عن الإسلام امتنع لهذه المصلحة العظيمة أن يقتلهم وأخذ بظواهرهم. ولكن إذا تاب المنافق فهل تقبل توبته؟ المذهب لا تقبل توبته؛ لأن الرجل في الأصل يقول: إنه لم يكفر، يقول: إنه مسلم، فإذا قلنا: أنت منافق قال: أبدًا، أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، وستجدونني في الصف الأول في كل الصلوات، فيقولون: إنه لا يقتل، قال السفاريني ﵀: لأنه لم يبدُ من إيمانه ... إلَّا الذي أذاع من لسانه فلا نقبله؛ لأنه في الأصل يقول: إنه مسلم. ولكن الصحيح أن توبته مقبولة إذا دلت القرائن على صدقه، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٥، ١٤٦]، انظر إلى الشروط؛ لأن المسألة ليست هينة، هذا الرجل يبدي إيمانه، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

стр. 527

[النساء: ١٤٦] شروط ثقيلة في توبتهم؛ لأنهم لا يظهرون إلَّا الإسلام، فإذا تيقنا ذلك، فالله يقول: ، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦]، ومنهم هؤلاء المنافقون الذين تابوا؛ لأن الله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. مسألة: هل يستتاب المرتد أو لا، بمعنى إذا ثبت كفره فهل يستتاب؟ الجواب: الذين يقولون: إنها لا تقبل توبة هؤلاء لا يقولون بالاستتابة؛ لأنهم لو تابوا لم تقبل توبتهم، ومنهم الأصناف التي ذكرنا على القول الراجح، فإن هذا يرجع إلى رأي الإمام؛ لأن النصوص في هذا، بعضها فيه قتل المرتد بدون استتابة، وبعضها فيه قتل المرتد باستتابة، فيرجع في ذلك إلى رأي الإمام أو نائبه في الحكم كالقضاة، فإذا رأوا أن يستتاب استتيب، وإذا رأوا أن لا يستتاب لم يستتب. فإن قال قائل: الاستتابة حق له، فلماذا تمنعونه منها؟ قلنا: ليست حقًّا مطلقًا، بل هي حق إذا دعت المصلحة إليه، وإذا كانت مصلحته في عدم الاستتابة، فالحق العام للمسلمين، ومنعهم من التلاعب في الدين أهم من حق هذا الرجل الخاص. إذا قال قائل: إذا ارتدت طائفة من الناس أو قبيلة من القبائل فهل يجوز قتالهم؟ الجواب: يجب قتالهم؛ لأن هذا هو الذي أجمع عليه الصحابة بقيادة أبي بكر الصديق ﵁، فيجب أن نقاتلهم، ولكن بشرط أن يكون لدينا قوة نستطيع بها المقاتلة، فإن

стр. 528

لم يكن لدينا قوة فإن الله لم يوجب القتال على المسلمين في مكة لعدم القوة، ومن المعلوم أنَّه من التهور الذي لا يأمر به الشرع ولا يقتضيه عقل، أن يقاتل الإنسان الجحافل المسلحة بالأسلحة المتطورة وليس معه إلَّا سكاكين المطبخ، هذا ليس من الحكمة، ولا يمكن أن تقتضيه الشريعة وأن تأمر به، ولا يقتضيه العقل؛ انتظر حتَّى يكون لديك قوة ثم حينئذٍ قاتل. فإن قال قائل: أليس أَبو بكر ﵁ أرسل جيش أسامة مع حاجته إليهم في قتال أهل الردة؟ الجواب: بلى، لكن يجاب عن هذا بأمرين: الأمر الأول: أن جيش أسامة عقد رايته محمد رسول الله ﷺ ، ولهذا قال أَبو بكر ﵁: والله لا أحل راية عقدها الرسول ﵊. والثاني: أن في ذلك إظهارًا لعزة المسلمين وقوتهم، ولهذا لما رأى العرب المرتدون أن أهل المدينة صاروا يبعثون الجيوش إلى الشام؛ قالوا: هؤلاء عندهم قوة وقدرة فتراجع بعضهم، فصار في التأسي برسول الله ﷺ بركة عظيمة تغني عن القتال أشهرًا، وهذا مما يدلنا على أن التمسك بالإسلام له بركات عظيمة، قد لا يشعر بها الإنسان إلَّا بعد مدة. الفائدة الرابعة: بيان قدرة الله تعالى وأنه إذا أذهب أقوامًا أتى بآخرين خيرٍ منهم. الفائدة الخامسة: إثبات أفعال الله الاختيارية، يعني: التي يفعلها باختياره، لقوله: ﴿فَسُوْفَ يَأْتِى﴾ وسوف: للمستقبل، وإنَّما ذكرت ذلك؛ لأن كثيرًا من المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم

стр. 529

ينكرون أن تقوم الأفعال الاختيارية بالله، يقولون: لا يوجد شيء من صفات الله إلَّا هو أزلي، أما شيء حادث فلا يمكن، وتعليلهم، يقولون: إن الحوادث لا تقوم إلَّا بحادث، وهذا لا شك أنَّه خطأ، بل كون أفعال الله حادثة تدل على كماله وأنه فعَّال لما يريد، فإذا قلنا: إنه ليس يفعل، فلا شك أن هذا تعطيل محض وتنقص لله . الفائدة السادسة: إثبات المحبة من الله ولله، من الله في قوله ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ ولله في قوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ وهذه الآية جمعت بين محبة الله لعباده الصالحين ومحبة العباد الصالحين لله، وفي آيات كثيرة إثبات المحبة من الله لعباد الله الصالحين المستحقين لها، وهي عندنا معشر أهل السنة الذين نأخذ بما أخذ به السلف الصالح محبة حقيقية تليق بالله ، وعند آخرين ليست محبة حقيقية، بل يحرفونها إما بالثواب وإما بإرادة الثواب، إما بالثواب عند من لا يثبت الصفات السبع، يثبتون الثواب؛ لأن الثواب منفصل مخلوق، لكن لا يجعلون المحبة صفة قائمة بالله، أو إرادة الثواب عند من يثبت الصفات السبع كالأشاعرة، ولهذا الأشاعرة نجدهم يفسرونها إما بإرادة الثواب، وإما بالثواب، لكنهم متناقضون في الواقع؛ لأن الثواب لا يقع إلَّا بإرادة، وإرادة الثواب لغير المحبوب أمر منكر لا يمكن، فإن الله لا يثيبه إلَّا وقد أحب عمله فأثابه عليه لكنهم متناقضون، وهكذا جميع الأقوال الباطلة ولنجعل ذلك منا على بال، كل الأقوال الباطلة تجدها متناقضة، والدليل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ولهذا من أكبر الأدلة على ضعف القول

стр. 530

أو بطلانه أن يكون متناقضًا، فإذا رأيت القول متناقضًا فاعلم أنَّه ضعيف، لا يمكن أن يكون حقًّا. إذًا: نحن نؤمن بأن الله يُحِب ويُحَب، وأن المحبة التي يجدها الإنسان في قلبه لله لا تساويها أي محبة، فالإنسان يحب ولده ويحب أباه ويحب أمه، ويحب أهله، ويحب أصدقاءه، لكن المحبة لله غير هذه المحبة، من نوع آخر يجد الإنسان فيها لذة وراحة، لا يعرفها إلَّا من فقدها والعياذ بالله، فهي محبة عظيمة لا تشبه تعلق الإنسان بغير الله . إذًا: الآية هي رد على الأشاعرة، والمعتزلة والجهمية، وكل من لا يثبت الأفعال الاختيارية، أو لا يثبت المحبة. الفائدة السابعة والثامنة: الثناء على من كان ذليلًا على المؤمنين، وهو الذي يخفض جناحه لهم ويتطامن ويتواضع، فإن هذه من الصفات التي يحبها الله ، عكس ذلك يؤخذ منه فائدة ثانية، وهي أن ترفع الإنسان على إخوانه المسلمين، ليس محمودًا عند الله بل ولا عند الخلق، ولذلك اعلم أنَّه كلما ازداد إيمانك ازددت تواضعًا، وكلما ازداد علمك ازددت تواضعًا، بعض الناس، نسأل الله أن لا يجعلنا منهم، إذا ازداد علمه انتفخ وتكبر وصار لا يكلم الناس إلَّا بأنفه، وصار إذا كلمه الناس يتجاهل، يقول: ماذا تقول، وهو يدري، قد ملأ سمعه كلامه، لكن من باب الاستكبار، وهذا لا شك أنَّه نقص عظيم، لأنه كلما كثر علمك ينبغي أن يكثر تواضعك. الفائدة التاسعة: الثناء على عزة النفس وقوة الشخصية أمام الكفار وأن نكون أعزة عليهم، نرى في أنفسنا العلو عليهم
следующие страницы →