← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عليه بالنفاق، وهل يقتل أو لا يقتل؟ يقتل؛ لأن هذا معلوم نفاقه، لكن المنافقون في عهد الرسول ﵊ رفع عنهم القتل لسبب، وهو: أن لا ينفر الناس عن الإسلام والإيمان بالرسول ﵊، ولهذا قال ﷺ : "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" (١) وهو يعلمهم ﵊، لكن خوفًا من تنفير الناس عن الإسلام امتنع لهذه المصلحة العظيمة أن يقتلهم وأخذ بظواهرهم. ولكن إذا تاب المنافق فهل تقبل توبته؟ المذهب لا تقبل توبته؛ لأن الرجل في الأصل يقول: إنه لم يكفر، يقول: إنه مسلم، فإذا قلنا: أنت منافق قال: أبدًا، أشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله، وستجدونني في الصف الأول في كل الصلوات، فيقولون: إنه لا يقتل، قال السفاريني ﵀: لأنه لم يبدُ من إيمانه ... إلَّا الذي أذاع من لسانه فلا نقبله؛ لأنه في الأصل يقول: إنه مسلم. ولكن الصحيح أن توبته مقبولة إذا دلت القرائن على صدقه، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٥، ١٤٦]، انظر إلى الشروط؛ لأن المسألة ليست هينة، هذا الرجل يبدي إيمانه، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

стр. 527

[النساء: ١٤٦] شروط ثقيلة في توبتهم؛ لأنهم لا يظهرون إلَّا الإسلام، فإذا تيقنا ذلك، فالله يقول: ، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٦]، ومنهم هؤلاء المنافقون الذين تابوا؛ لأن الله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. مسألة: هل يستتاب المرتد أو لا، بمعنى إذا ثبت كفره فهل يستتاب؟ الجواب: الذين يقولون: إنها لا تقبل توبة هؤلاء لا يقولون بالاستتابة؛ لأنهم لو تابوا لم تقبل توبتهم، ومنهم الأصناف التي ذكرنا على القول الراجح، فإن هذا يرجع إلى رأي الإمام؛ لأن النصوص في هذا، بعضها فيه قتل المرتد بدون استتابة، وبعضها فيه قتل المرتد باستتابة، فيرجع في ذلك إلى رأي الإمام أو نائبه في الحكم كالقضاة، فإذا رأوا أن يستتاب استتيب، وإذا رأوا أن لا يستتاب لم يستتب. فإن قال قائل: الاستتابة حق له، فلماذا تمنعونه منها؟ قلنا: ليست حقًّا مطلقًا، بل هي حق إذا دعت المصلحة إليه، وإذا كانت مصلحته في عدم الاستتابة، فالحق العام للمسلمين، ومنعهم من التلاعب في الدين أهم من حق هذا الرجل الخاص. إذا قال قائل: إذا ارتدت طائفة من الناس أو قبيلة من القبائل فهل يجوز قتالهم؟ الجواب: يجب قتالهم؛ لأن هذا هو الذي أجمع عليه الصحابة بقيادة أبي بكر الصديق ﵁، فيجب أن نقاتلهم، ولكن بشرط أن يكون لدينا قوة نستطيع بها المقاتلة، فإن

стр. 528

لم يكن لدينا قوة فإن الله لم يوجب القتال على المسلمين في مكة لعدم القوة، ومن المعلوم أنَّه من التهور الذي لا يأمر به الشرع ولا يقتضيه عقل، أن يقاتل الإنسان الجحافل المسلحة بالأسلحة المتطورة وليس معه إلَّا سكاكين المطبخ، هذا ليس من الحكمة، ولا يمكن أن تقتضيه الشريعة وأن تأمر به، ولا يقتضيه العقل؛ انتظر حتَّى يكون لديك قوة ثم حينئذٍ قاتل. فإن قال قائل: أليس أَبو بكر ﵁ أرسل جيش أسامة مع حاجته إليهم في قتال أهل الردة؟ الجواب: بلى، لكن يجاب عن هذا بأمرين: الأمر الأول: أن جيش أسامة عقد رايته محمد رسول الله ﷺ ، ولهذا قال أَبو بكر ﵁: والله لا أحل راية عقدها الرسول ﵊. والثاني: أن في ذلك إظهارًا لعزة المسلمين وقوتهم، ولهذا لما رأى العرب المرتدون أن أهل المدينة صاروا يبعثون الجيوش إلى الشام؛ قالوا: هؤلاء عندهم قوة وقدرة فتراجع بعضهم، فصار في التأسي برسول الله ﷺ بركة عظيمة تغني عن القتال أشهرًا، وهذا مما يدلنا على أن التمسك بالإسلام له بركات عظيمة، قد لا يشعر بها الإنسان إلَّا بعد مدة. الفائدة الرابعة: بيان قدرة الله تعالى وأنه إذا أذهب أقوامًا أتى بآخرين خيرٍ منهم. الفائدة الخامسة: إثبات أفعال الله الاختيارية، يعني: التي يفعلها باختياره، لقوله: ﴿فَسُوْفَ يَأْتِى﴾ وسوف: للمستقبل، وإنَّما ذكرت ذلك؛ لأن كثيرًا من المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم

стр. 529

ينكرون أن تقوم الأفعال الاختيارية بالله، يقولون: لا يوجد شيء من صفات الله إلَّا هو أزلي، أما شيء حادث فلا يمكن، وتعليلهم، يقولون: إن الحوادث لا تقوم إلَّا بحادث، وهذا لا شك أنَّه خطأ، بل كون أفعال الله حادثة تدل على كماله وأنه فعَّال لما يريد، فإذا قلنا: إنه ليس يفعل، فلا شك أن هذا تعطيل محض وتنقص لله . الفائدة السادسة: إثبات المحبة من الله ولله، من الله في قوله ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ ولله في قوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ وهذه الآية جمعت بين محبة الله لعباده الصالحين ومحبة العباد الصالحين لله، وفي آيات كثيرة إثبات المحبة من الله لعباد الله الصالحين المستحقين لها، وهي عندنا معشر أهل السنة الذين نأخذ بما أخذ به السلف الصالح محبة حقيقية تليق بالله ، وعند آخرين ليست محبة حقيقية، بل يحرفونها إما بالثواب وإما بإرادة الثواب، إما بالثواب عند من لا يثبت الصفات السبع، يثبتون الثواب؛ لأن الثواب منفصل مخلوق، لكن لا يجعلون المحبة صفة قائمة بالله، أو إرادة الثواب عند من يثبت الصفات السبع كالأشاعرة، ولهذا الأشاعرة نجدهم يفسرونها إما بإرادة الثواب، وإما بالثواب، لكنهم متناقضون في الواقع؛ لأن الثواب لا يقع إلَّا بإرادة، وإرادة الثواب لغير المحبوب أمر منكر لا يمكن، فإن الله لا يثيبه إلَّا وقد أحب عمله فأثابه عليه لكنهم متناقضون، وهكذا جميع الأقوال الباطلة ولنجعل ذلك منا على بال، كل الأقوال الباطلة تجدها متناقضة، والدليل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ولهذا من أكبر الأدلة على ضعف القول

стр. 530

أو بطلانه أن يكون متناقضًا، فإذا رأيت القول متناقضًا فاعلم أنَّه ضعيف، لا يمكن أن يكون حقًّا. إذًا: نحن نؤمن بأن الله يُحِب ويُحَب، وأن المحبة التي يجدها الإنسان في قلبه لله لا تساويها أي محبة، فالإنسان يحب ولده ويحب أباه ويحب أمه، ويحب أهله، ويحب أصدقاءه، لكن المحبة لله غير هذه المحبة، من نوع آخر يجد الإنسان فيها لذة وراحة، لا يعرفها إلَّا من فقدها والعياذ بالله، فهي محبة عظيمة لا تشبه تعلق الإنسان بغير الله . إذًا: الآية هي رد على الأشاعرة، والمعتزلة والجهمية، وكل من لا يثبت الأفعال الاختيارية، أو لا يثبت المحبة. الفائدة السابعة والثامنة: الثناء على من كان ذليلًا على المؤمنين، وهو الذي يخفض جناحه لهم ويتطامن ويتواضع، فإن هذه من الصفات التي يحبها الله ، عكس ذلك يؤخذ منه فائدة ثانية، وهي أن ترفع الإنسان على إخوانه المسلمين، ليس محمودًا عند الله بل ولا عند الخلق، ولذلك اعلم أنَّه كلما ازداد إيمانك ازددت تواضعًا، وكلما ازداد علمك ازددت تواضعًا، بعض الناس، نسأل الله أن لا يجعلنا منهم، إذا ازداد علمه انتفخ وتكبر وصار لا يكلم الناس إلَّا بأنفه، وصار إذا كلمه الناس يتجاهل، يقول: ماذا تقول، وهو يدري، قد ملأ سمعه كلامه، لكن من باب الاستكبار، وهذا لا شك أنَّه نقص عظيم، لأنه كلما كثر علمك ينبغي أن يكثر تواضعك. الفائدة التاسعة: الثناء على عزة النفس وقوة الشخصية أمام الكفار وأن نكون أعزة عليهم، نرى في أنفسنا العلو عليهم

стр. 531

والظهور عليهم لا بذواتنا، ولكن بما معنا من الدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾، لماذا؟ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ [التوبة: ٣٣] أي: الدين أو الرسول صاحب الدين، فيجب علينا نحن المسلمين أن نعرف قيمتنا في المجتمع الأممي، وأننا أحق الناس بالبقاء على الأرض وأحق الناس برزق الله وأحق الناس أن نعلو عليهم، هذا إذا كان لنا شخصية إسلامية، لكن لضعف الإيمان وضعف التوكل على الله صرنا أذنابًا لغيرنا، أعزاء على قومنا أذلاء أمام الكافرين، نسأل الله السلامة والعافية، نسأل الله أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية. لو قال قائل: قلتم: إن المؤمن يكون عزيزًا على الكفار، فهل يشمل ذلك فساق المسلمين؟ الجواب: الذي لم يخرج من الإيمان لا ترى نفسك عزيزًا عليه ولا ذليلًا عليه؛ لأن معه إيمانًا يقتضي أن تكون ذليلًا عليه، ومعه معصية تقتضي أن تكون عزيزًا، لكن لا كعزتك على الكافر، بل أحبه لما معه من الإيمان واكرهه لما معه من المعاصي، وحاول أن تصلحه، فإن كثيرًا من الفساق الآن يبتعدون عن الاستقامة؛ لأنهم يجدون من بعض الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر شدة وصعوبة وتنفيرًا، لكن لو أنهم سلكوا سبيل الرفق لحصل خير كثير، فأحيانًا يقع الإنسان مع أحد العصاة ويدعوه بأسلوب طيب، لكن يكون رده شديدًا فيقول للداعي: لماذا تتدخل، الأمر لا يهمك، أنت فضولي، فاذا قال: الأمر لا يهمك، لماذا تتدخل، قل: يا أخي، أنت أخي والرسول ﷺ -

стр. 532

يقول: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (١)، واصبر على ما أصابك، أما أن تقول: بل الأمر يهمني، أنت فاسق يجب أن نربيك، يجب أن نؤدبك، هذا لا يستقيم. لو قال قائل: هل يستقيم القول: على قدر ما يكون في الإنسان من صفات النفاق، على قدر ما يحبط مقابله من العمل، أو يقال: لا بد من وصفه بالنفاق ويحبط عمله بالكلية؟ الجواب: لا، حبوط العمل كاملًا لا يكون إلَّا في النفاق الكامل، في المقابل تأتي الموازنة، يعني: هناك موازنة بين الحسنات والسيئات سواء كانت السيئات من أعمال المنافقين أو لا، والموازين يوم القيامة تدور على الموازنة، وإذا كان الإنسان فيه من صفات المنافقين كإخلاف الوعد والكذب وغير ذلك لا يمكن أن نقول: يحبط من عمله الصالح مقابل ذلك؛ لأنه يأتينا إنسان آخر يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فيقال: الموازنة، لكن لا شك أن الذي فيه خصال المنافقين الظاهرة يخشى أن تتحول إلى صفات المنافقين الباطنة؛ لأن الشيء يجر بعضه بعضًا، والشبه الظاهر قد يؤدي إلى الشبه الباطن. الفائدة العاشرة: فضيلة الجهاد في سبيل الله، لقوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الفائدة الحادية عشرة: الإشارة إلى الإخلاص، لقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأن الجهاد، وهو القتال يحمل عليه عدة أسباب، والجهاد المحمود هو الجهاد في سبيل الله.

стр. 533

فإن قال قائل: مما هو الجهاد في سبيل الله؟ قلنا: فسره النبي ﷺ ؛ بأنه من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله (١)، وقد تقدم. لو قال قائل: ذكرتم أن البراء بن مالك ﵁ ألقى بنفسه في أرض العدو (٢)، استدل البعض بهذه القصة على جواز العمليات الانتحارية، فما الجواب على هذا الإيراد؟ لو قال قائل: الإنسان إذا لم يستطع الجهاد في سبيل الله، وكان فرضًا عينيًّا عليه، فكيف يكون حاله، ثم ما صحة ما يروى عن حسان بن ثابت في هذا، هل هذا صحيح أي: أنَّه لم يكن مجاهدًا؟ الجواب: بعض المتأخرين في الحقيقة ليس عندهم أدب مع الصحابة، ولا شك أن حسان بن ثابت ﵁ ليس كخالد بن الوليد في الإقدام والشجاعة، ولكن كوننا نقول: إنه جبان وأن المرأة أشجع منه، فهذا غلط عظيم، مع أنَّه يدافع عن النبي ﵊ دفاعًا بلسانه أشد من وقع النبل على الكفار (٣)، والذين يتكلمون في الصحابة ﵃ ينصحون

стр. 534

ويقال لهم: لا تكونوا من آخر هذه الأمة الذين يلعنون أولها (١) فاتقوا الله، وأما حكم الجهاد لمن يعرفون بالجبن إذا كان الجهاد فرض عين فإنه يجب عليهم فإن تخلفوا فهم آثمون. الجواب: تقول الأعمال الانتحارية هل هي موت محقق؟ الجواب: نعم هي موت محقق، وقصة البراء بن مالك موت غير محقق فليس فيها دليل، لكن هناك واحد من الألف أنَّه ينجو، والمنتحر ألفان أنَّه يموت، فرق عظيم. الفائدة الثانية عشرة: أنَّه ينبغي للإنسان أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فما دام على حق، فلا يهمنه أحدًا؛ لأنه لا بد لكل عابد من عدو، قال الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، وأتباع الأنبياء كذلك، لا بد أن يكون لهم أعداء من المجرمين، ولكن: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١]، انظر لماذا ختم الآية بقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لأن هؤلاء الأعداء؛ إما أن يضلوا الناس بالفكر والتشكيك وما أشبه ذلك؛ فقطع طمعهم بقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ وإما أن يحاولوا صد الناس بالقوة فقابل ذلك بقوله: ﴿وَنَصِيرًا﴾. إذًا: كل إنسان يتمسك بالشريعة، فلا بد من ملامة، يلومه أكثر الناس؛ لأن بني آدم من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في

стр. 535

النار وواحد في الجنَّةَ (١)، جعلنا الله منهم. لكن هل يدخل في قوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ أن الإنسان يتهور ولا يستعمل الحكمة، أو لا بد من استعمال الحكمة؟ الجواب: الثاني، لا بد من استعمال الحكمة؛ لأن التهور يحصل منه انعكاس المقصود، ولهذا كان النبي ﵊ يدع ما يمكن أن يقال خوفًا من المفاسد أو ما يمكن أن يفعل خوفًا من المفاسد، حتَّى، إنه لا يسب الرجل لسوء خلقه أو دينه، فإذا استأذن عليه لاقاه بوجه منشرح، كل ذلك من أجل التآليف؛ لأن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف (٢). الفائدة الثالثة عشرة: أن هذه الصفات العظيمة من فضل الله تعالى لقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. الفائدة الرابعة عشرة: أن كل من سعى في فعل الخير فإن الله تعالى يجود عليه؛ لأن قوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ليس لمشيئة مطلقة، بل لمشيئة مقيدة بالحكمة، ولهذا قال الله : ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فمن كان أهلًا للرسالة أرسله، كذلك الله أعلم حيث يجعل آثار هذه الرسالة وأتباع هذه الرسالة، فمن كان أهلًا لذلك أعطاه، ومن لم يكن أهلًا حرمه،

стр. 536

اقرأ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، واقرأ ما مر قبل عدة آيات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. الفائدة الخامسة عشرة: إثبات المشيئة لله فيما يتعلق بفعل العبد لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٣] وهذا هو الذي عليه السلف الصالح، وعليه أهل السنة والجماعة، وأئمة المسلمين، أن لله مشيئة في أفعال الخلق، كما أن له مشيئة في أفعاله جل وعلا، قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، ولهذا دائمًا الإنسان يريد أن يفعل شيئًا؛ وإذا به يعدل عنه دون أي سبب ظاهر، ولكنها مشيئة الله . قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم وصرف الهمم، وهذا معناه: أن الإنسان قد يعزم على الشيء ثم إذا به ينتقض عزمه، وكذلك صرف الهمم، تجد الإنسان يتجه إلى شيء معين وإذا به ينصرف بدون أي سبب ظاهر، لكنها مشيئة الله ﵎. ومشيئة الله لأفعال العباد من تمام ربوبيته، حتَّى لا يكون في ملكه ما لا يريده؛ لأن الذين يقولون: إن الإنسان منفرد بمشيئته وليس لله مشيئة في فعله يلزمهم أن يقولوا: إن في ملك الله ما لا يريد. الفائدة السادسة عشرة: بيان سعة الله في كل شيء، في الإحاطة بالخلق علمًا، وقدرة، وسلطانًا، ورحمة، وغير ذلك، الله واسع وكفى في كل شيء .

стр. 537

الفائدة السابعة عشرة: إثبات العلم لله لقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ والعلم: هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فهو جاهل، ونوع جهله بسيط، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فهو جاهل ونوع جهله مركب؛ لأنه لا يدري ولا يدري أنَّه لا يدري. الفائدة الثامنة عشرة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله واسع وعليم، وعلى هذا لك أن تدعو الله بذلك، فتقول: اللهم يا واسع أوسع عليَّ في الرزق، اللهم يا عليم اختر لي ما فيه صلاحي، وما أشبه ذلك؛ لأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. واعلم أن جميع أسماء الله مشتقة؛ يعني: دالة على معنى، فليس في أسماء الله اسم جامد لا يدل على معنى أبدًا، حتَّى اسم الله مشتق خلافًا لمن قال إنه جامد؛ لأنه مشتق من الألوهية، والإلوهية مصدر يدل على معنى، فكل أسماء الله دالة على معنى، ولو لم نقل: إنها دالة على معنى لم تكن حسنى؛ لأن الجامد ليس فيه مدح ولا ثناء. إذًا: كل أسماء الله حسنى وهل كل أسماء الله مشتقة؟ الجواب: نعم مشتقة؛ ولذلك نقول: كل اسم لا بد أن يكون متضمنًا لصفة، وليس كل صفة يشتق منها اسم، بعض الصفات لا يمكن أن تشتق لله منها اسمًا مثل قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، لا يمكن أن تثبت لله اسم الماكر؛ لأن هذا وصف، والوصف يتقيد بما قيد به. * * *

стр. 538

° قال الله : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)﴾ [المائدة: ٥٥]. قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ هذه الصيغة تفيد الحصر لأنها بمنزلة قوله: ما وليكم إلَّا الله ورسوله، فلا تتولوا اليهود والنصارى، إنما وليكم الله ورسوله، ونِعْمَ الوليان: رب العالمين وخاتم النبيين ﵊، قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأن الذين آمنوا بعضهم أولياء بعض، كما قال الله ﵎ في سورة براءة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وهكذا يجب أن يكون المؤمنون بعضهم أولياء بعض؛ لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وما ظنك برجل وليه الله ورسوله والمؤمنون، لا يستطيع أحد أن يهزمه. قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ هذا صفة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهم جمعوا بين الإيمان وهو العقيدة، وبين إقامة الصلاة. قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ "الزكاة": هي المال المقدر في الأموال الزكوية يؤتونها أهلها المستحقين لها. قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ الجملة هذه هل هي جملة حالية - يعني: أنهم يؤتون الزكاة وهم راكعون في الصلاة - أو أنَّها استئنافية؟ الجملة استئنافية، ثم على القول بأنها استئنافية، هل المراد بها الركوع الذي هو جزء من الصلاة، وهو انحناء الظهر تعظيمًا لله ، أو المرأد الخضوع لشريعة الله؟ الثاني، ولهذا قال الشاعر: لا تهين الفقير علك أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه

стр. 539

وهذا يأتي به النحويون شاهد على أن الفعل المضارع يبنى على الفتح ولو حذفت نون التوكيد، وأصل: "لا تهين" لا تهينن، فقوله: (تركع) يعني تخضع، يومًا والدهر قد رفعه، يعني: لا تنظر للحاضر، انظر للمستقبل، أنت الآن غني وهذا فقير، ربما يكون في يوم من الأيام غني وأنت فقير. إذًا جملة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ جملة مستأنفة وليست جملة حالية، والمراد بالركوع هنا الخضوع للشريعة والذل لها. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: فضل المؤمنين، الفضل الذي لا شيء فوقه، لقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثلاثة أشياء: الله والرسول والذين آمنوا. فإن قال قائل: ولاية الله صالحة لكل زمان ومكان، لكن كيف ولاية الرسول؟ الجواب: أما ما كان في حياته؛ فالولاية واضحة ظاهرة، وأما بعد وفاته فإن تمسكنا بسنته من توليه لنا؛ لأننا ننصر بها، ونعان بها، فكأنه ﵊ معنا يناصرنا ويعيننا، وأما الذين آمنوا فواضح أن المؤمنين لا يزالون ظاهرين على الحق حتَّى يأتي أمر الله. الفائدة الثانية: فضيلة من تولى الله ورسوله والذين آمنوا. الفائدة الثالثة: فضيلة الصلاة؛ لأن الصلاة دائمًا في المقدمة، ولا شك أن الصلاة أفضل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة، ولهذا فرضت من الله إلى الرسول ﷺ بدون واسطة، وفرضت على الرسول ﷺ في أعلى مكان يصل إليه البشر، وفرضت على الرسول في أشرف ليلة كانت له، وفرضت

стр. 540

على الرسول خمسين صلاة؛ لأن كونها خمسين صلاة يدل على أن الله يحبها؛ لأن خمسين صلاة تستوعب أكثر الوقت، ولكن الله بمنه وكرمه جعلها خمسًا لكن كأنها خمسون، هي خمس بالفعل وخمسون في الميزان (١). لو قال قائل: ما السبب في أن كثيرًا من العبادات كالصيام والحج وأكثر العبادات لا تكثر فيها الهواجس والأفكار، وأما الصلاة فيكثر فيها ذلك؟ الجواب: تكثر الأفكار في الصلاة لأنها خير موضوع، والشيطان يريد أن يفسد علينا هذه الصلاة، الصلاة لو أتينا بها على الوجه المطلوب، لكان الأمر كما قال الله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فتنهى الإنسان عن الفحشاء والمنكر وتعينه أيضًا على البر، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]، هذا هو السبب، ولذلك إذا قوي إيمان العبد أتاه الشيطان من كل وجه يوسوس له في أصل الإيمان لأنه عرف أنَّه إذا قوي إيمانه نجا من هذا العدو الخبيث، وإذا ضعف إيمانه تسلط عليه. الفائدة الرابعة: أن مرتبة الزكاة في دين الإسلام بعد مرتبة الصلاة، وهكذا في الآيات الكريمة وفي الأحاديث النبوية؛ تاتي الزكاة بعد الصلاة.

стр. 541

فإن قال قائل: الزكاة والصيام، الصيام أشق على الإنسان من الزكاة فلماذا لم يقدم؟ قلنا: أولًا: لا نسلم بهذا؛ لأن حب الإنسان للمال حبُّ شديد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ يعني: حب المال ﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، وقال: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٩، ٢٠]، وربما يسهل على الإنسان أن يصوم عشرة أيام ولا يؤدي عشرة دراهم. ثانيًا: الزكاة فيها نفع متعدي، نفع للإسلام ونفع للمسلمين، فإن من أصناف الزكاة سبيل الله وهذا نفع للإسلام، ومن أصناف الزكاة الفقراء والمساكين والغارمون، وهذه مصلحة للمسلمين، فمصلحة الزكاة متعدية، والصيام غير متعدٍ، فلذلك - والله أعلم بحكمته صارت الزكاة تلي الصلاة. الفائدة الخامسة: أنَّه لا بد أن يقترن بهذه الأعمال الصالحة الذل والخضوع لله ، بحيث يشعر الإنسان أنَّه متعبد لله خاضع له، وهذا يفوت كثيرًا من الناس، أكثر الناس يؤدي الصلاة على أنَّها مفروضة عليه فقط لكن لا يشعر بأنه متعبد لله بذلك، وكذلك يقال في الزكاة، من أين أخذنا أنَّه ينبغي التنبه لذلك؟ من قوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. والعجب أن الرافضة قالوا: إنه لم يعمل بهذا الآية إلَّا علي بن أبي طالب ﵁، وقالوا: إنه أدى الصدقة وهو راكع، وجعلوا هذا من مناقبه، وحاشاه ﵁ أن يكون ذلك من فعله؛ لأن الحركة في الصلاة غير محمودة، ليست محل حمد، فكونه إذا ركع جاءه الفقراء قال: خذ، خذ، خذ، هذه

стр. 542

ليست منقبة هذه مثلبة، لما يترتب على صدقته في ركوعه من انشغاله بأمر خارج عن الصلاة فلا يحمد عليه، والصدقة ليست كالجهاد؛ لأن الإنسان يمكن أن يصلي وينهي صلاته ثم يتصدق، لكن الرافضة لا يفهمون، عندهم سفه، كما قالوا في مدحه: إنه يصلي ما بين المغرب والعشاء ألف ركعة! من يصلي ألف ركعة بين المغرب والعشاء؟ ! لو أن إنسانًا يريد أن يفعل هذا ولو كان يرقص رقصًا ما تمكن من أن يصلي ألف ركعة! لكن جعلوا هذا من مناقبه، وهو في الحقيقة من المثالب، ونحن نشهد أنَّه لن يفعل هذا ولم يفعله، لا هذا ولا هذا، ولا نشك أن عليًّا ﵁ له من المناقب والفضائل ما اختص به من بين الخلفاء، وله من الفضائل والمناقب ما شاركه فيه الخلفاء، وللخلفاء من المناقب والفضائل ما لم يحصل لعلي بن أبي طالب، ليس في ذلك شك، فعلي له مناقب، والخلفاء لهم مناقب، يشتركون في بعضها، وينفرد بعضهم عن الآخر في بعضها، لكن الفضل المطلق على هذا الترتيب: أَبو بكر، عمر، عثمان، علي ﵃. فمثلًا قرابة علي من الرسول ﵊ لا يشاركه فيها أحد لا أَبو بكر ولا عمر ولا عثمان، كون الرسول ﷺ يزوج علي بن أبي طالب ابنته فاطمة، يشاركه عثمان بل هو أولى؛ لأن عثمان ﵁ لما ماتت بنت الرسول ﷺ الأولى زوجه الثانية، فقد تزوج ابنتين للرسول ﵊، ثم إن الرسول ﵊ أعلن في آخر حياته إعلانًا لا يمكن أن يحصل لغير أبي بكر قال وهو على المنبر، ويبلغ قوله كل

стр. 543

الأمة قال: "إن أمنَّ الناس عليَّ في ماله وصحبته أَبو بكر" (١) الله أكبر، من حصَّل هذا؟ وقال ﷺ : "لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا؛ لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الاصلام ومودته" (٢) هذه ما حصلت لأحد، خَلَّفَهُ في الصلاة، وخلفه في الحج، خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك في أهله، وقال له لما قال: يا رسول الله تجعلني في النساء والضعفاء، قال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنَّه لا نبي بعدي" (٣) هذه المنقبة ما حصلت لأبي بكر، وكان خليفته في أهله، كما قال موسى لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]. * * * ° قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ [المائدة: ٥٦]. قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ "مَنْ" شرطية، يعني أي إنسان يتولى هؤلاء الثلاثة: الله ورسوله والذين آمنوا، أي: يتخذهم أولياء يتولاهم بالمحبة والمودة والنصرة وجميع ما تقتضيه الولاية.

стр. 544

فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ﴾ هل الله في حاجة لأن يتولاه أحد؟ الجواب: الله ليس بحاجة لأن يتولاه أحد، لكنّ الدين بحاجة إلى أن يتولاه أهله، ومن تولى دين الله فقد تولى الله كما قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، ومن المعلوم أن الله لا يحتاج إلى نصر، لكن ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أي: تنصروا دينه ﴿يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ لرسول ﵊ يحتاج إلى من يتولاه في حياته ويتولى سنته ويدافع عنها بعد وفاته، فيكون تولي الرسول بمعنى تولي سنته ونصرها، كما قلنا: إن تولي الله يعني تولي دينه ونصرة دينه. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ تولي المؤمنين إلى يوم القيامة؛ لأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق حتَّى تقوم الساعة وحتى يقبضوا قبل قيام الساعة؛ لأن الساعة لا تقوم إلَّا على شرار الخلق. قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، لم يقل فإنه الغالب، بل قال ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ ليكون دالًّا على شيئين: الشيء الأول: أن من تولى الله ورسوله والذين آمنوا فهو من حزب الله. الشيء الثاني: إرادة العموم أن حزب الله لا بد أن يكون غالبًا؛ لأن دين الله لا بد أن يكون غالبًا، فالمتمسك بدين الله؛ هو من حزب الله وهو غالب ولا بد، لكن الغلبة قد تكون في حال الحياة وقد تكون بعد الموت، ولهذا نجد الأئمة الذين لم

стр. 545

يقدر لهم أن يظهروا ظهورًا كاملًا في حياتهم؛ ظهروا ظهورًا كاملًا بعد وفاتهم كالإمام أحمد وابن تيمية وغيرهما من العلماء والأئمة الذين لحقهم من الإهانة من ولاة السوء ما لحقهم، وكانت الغلبة لهم إما في الحياة وإما بعد الممات. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى والثانية: الحث على تولي الله ورسوله والمؤمنين، ويتفرع على ذلك أو هو حقيقةً بمعنى التولي: أن يكون الإنسان دائمًا مرتبطًا بهذه الثلاث: كتاب الله والثاني سنة رسول الله ﷺ ، والثالث سبيل المؤمنين، ولهذا قال الله في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]، فكن دائمًا مرتبطًا بهذه الثلاث. الفائدة الثالثة: الثناء التام على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين، وأن توليهم من أسباب الغلبة، أما تولي الله فهو شأن فوق ذلك. الفائدة الرابعة: أن لله تعالى حزبًا، ومَنْ حزبه؟ حزبه الذي يقابل حربه؛ لأن الله له حزب، وله حرب فمن أقام على شريعته فهو حزبه، ومن خالف شريعته فهو حربه، فإعلان المخالفة حرب لله، لا سيما فيما نص على أنَّه حرب لله كالربا وقطع الطَّرِيقِ وما أشبهها. فإن قال قائل: أيمكن أن يستدل بهذه الآية من أقاموا الأحزاب في بلادهم؟

стр. 546

الجواب: لا، لا يمكن؛ لأن المفروض أن المسلمين حزب واحد لا يتفرقون، بل إذا تفرقوا فقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، فبرأ النبي ﷺ منهم وقال: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ثم توعدهم بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] فهذا كان هذا شأن من فرقوا دينهم كل واحد يقول: الدين معي؛ فكيف يقال: إن إقامة الأحزاب في الدين الإِسلامي جائزة لأن الله قال: حزب الله؟ نقول: كل المسلمين حزب لله والدين الإِسلامي حزب واحد ومن خالف خرج عن هذه الحزبية، لكن لا يعني ذلك أن نقول: إنه لا بد أن تقام الأحزاب في الدين الإِسلامي، ولذلك انظر الآن إلى الأمة التي بنت كيانها على قيام الأحزاب ماذا يكون فيها؟ الشر والبلاء العظيم حتى إذا صار حزب في الطليعة وله الغلبة؛ حصل الشر وربما قامت الجيوش على هذا الحزب. لو قال قائل: هل الحزبية مشروعة؟ الجواب: الحزبية بين المسلمين غير مشروعة، بل هي أداة للتفرق، أما الحزبية بين الكفار وبين المسلمين واجبة؛ لأن غير المسلمين هم حزب الشيطان، فالله تعالى جعل لنفسه حزبًا، وجعل للشيطان حزبًا، ولا بد من هذا، لكن بين المسلمين محرمة لأنها تؤدي إلى الفرقة. وهل يمكن أن نقيم حزبًا إسلاميًّا ضد حزب شيوعي أو لا يمكن؟ يمكن؛ لأن الله جعل حزبًا لله وحزبًا للشيطان، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] هذا لا بد منه؛

стр. 547

لأن بني آدم كلهم حزبان: الإيمان والكفر، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] هذا لا بد منه، لكن أحزاب في الحزب الواحد هذا خلاف الإِسلام، ولا يمكن أن يقال، ولذلك يحصل التفكك العظيم إذا قامت هذه الأحزاب. لو قال قائل: تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ التأكيد على عدم التعددية الحزبية بين المسلمين لكن يظهر الآن في كثير من المجلات مقالات لمن يسمون بأهل الفكر تنص على أولًا: أنه يجوز التعدد الحزبي لأن هناك تعددًا مذهبيًّا مقبولًا عند المسلمين؟ الجواب: أن يقال: إن تعدد المذاهب ما هي إلا تعدد أقوال فقط لكن لا يتحزبون، وإن كان وجد من المتعصبين للمذاهب ما يقتضي أن يكون تحزبًا لكنهم مستحقون للذم وإلا فقد وجد في العصور الوسطى تعصب، حتى إن بعض الحنابلة يضربون الشافعية، والشافعية يضربون الحنابلة لكن هذا منكر بلا شك، أما مسألة الخوارج فالخوارج يقاتلون على أنهم مسلمون، ومع ذلك فإن كثيرًا من علماء السلف أخرجهم من الإِسلام؛ لأن الرسول ﵊ قال: "يمرقون من الإِسلام كما يمرق السهم من الرمية" (١)، أما مسألة الفكر وما الفكر هذه، فالفكر إن كان مخالفًا لما جاء به الإِسلام فهو فكر باطل مردود على

стр. 548

صاحبه، وهذا مثل قول الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] وإن كان فكرًا صوابًا فلا بد أن يكون في الإِسلام ولا يقتضي التحزبية. لو قال قائل: الذين يجوزون التعدد الحزبي كيف يصوبون رأيهم والكتاب والسنة أمرا بعدم التفرق؟ الجواب: قل: اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه. لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، هذه الجملة فيها حصر لأن الغلبة لحزب الله ، لو أُورد علينا إِيرَادُ هذا القائل فإننا نجد أن المسلمين صارت عليهم هزائم وصارت الغلبة لأعدائهم حتى في عهد الرسول ﷺ ؟ الجواب: المراد هم الغالبون باعتبار النهاية وغلبة غير المسلمين لا بد أن يكون لها حكمة، فمثلًا: في أُحُد سببها المخالفة والمعصية، وفي حنين سببها الإعجاب، فالله تعالى قد يُدِيلُ الكفار على المسلمين لحكمة، إما لتقصير المسلمين أو لغلوهم في أنفسهم أو لأي سبب لكن في النهاية تكون الغلبة لحزب الله، الذين هم أولياء الله. الفائدة الخامسة: البشرى لحزب الله بالغلبة؛ فهم الغالبون على أعدالهم واقرأ قول الله ﵎: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ [الصف: ١٣] , بشر المؤمنين بأن لهم النصر. * * *

стр. 549

° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [المائدة: ٥٧]. في هذه الآية كلمتان فيهما قراءات: الأولى: ﴿هُزُوًا﴾ بالواو وضم الزاي لا غير، ولا يصح أن نقول: هُزْوًا، بل لا بد أن تضم الزاي، وبالهمزة قراءتان: هُزُؤًا بضم الزاي، وهُزْءًا بتسكين الزاي، فالجميع ثلاث قراءات. والكلمة الثانية: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾، فيها قراءتان: "والكفارِ" بالجر، "والكفارَ" بالنصب، فعلى قراءة الجر تكون معطوفة على "الذين" الثانية أي: على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني: "ومن الكفارِ" وعلى قراءة النصب تكون معطوفة على ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى، يعني: "لا تتخذوا الذين أتخذوا دينكم ولا تتخذوا الكفارَ". قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأمل الآن كم مرة تكررت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في صفحة واحدة، مما يدل على الاهتمام التام بما ذكر في هذه الآيات حيث كرر الله النداء للمؤمنين. قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ وذكر أصنافهم، ﴿تَتَّخِذُوا﴾: بمعنى تصيروا، وهي تنصب مفعولين: المفعول الأول: ﴿الَّذِينَ﴾، والمفعول الثاني: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: لا تتخذوهم أولياء، وهي نظير الآية السابقة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]. وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ أي: صيروا، والدين بمعنى:

стр. 550

العمل هنا، وقد جاء لفظ الدين في القرآن الكريم، ويراد به الجزاء ويراد به العمل الذي يجازى عليه. مثال الأول: قول الله ﵎: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] يعني: يوم الجزاء، ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧، ١٨] ويأتي بمعنى العمل كثيرًا، مثل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦] , ومثل هذه الآية، أي: العمل الذي تدينون الله به وترجون عوضه من الله، ومنه الدَّيْن في المعاملات، الاشتقاق واحد، فالدَّيْن في المعاملات: دفع شيء لانتظار عوضه. قوله: ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ يعني: جعلوه محل استهزاء، يسخرون به بألسنتهم، واعتقدوا بقلوبهم أنه لشعب، واللعب: هو الذي ليس له هدف وليس له فائدة، وقالوا: ما معنى أن الإنسان يأتي إلى المسجد ويتحرك قائمًا وقاعدًا وساجدًا وما أشبه ذلك؟ وقالوا: هذا لعب ليس هذا بدين ويسخرون به. قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني بهم اليهود والنصارى، وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ بيان للواقع وليس تقييدًا؛ لأنه لم يؤتِ أحد الكتاب معنا ولا بعدنا، وإنما كل الذين أوتوا الكتاب كانوا قبلنا, ولكن المراد بهم هنا كما هي طريقة القرآن اليهود والنصارى. وقوله: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ قلنا: فيها قراءتان، يعني: ولا تتخذوا الكفار أولياء سواء اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا، هذا على قراءة النصب، وعلى قراءة الجر، يعني: لا تتخذوا الكفار الذين

стр. 551

اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا، وكل من القراءتين مفيد جدًّا، فنقول: إذا جعلناها بالجر تفيد أن الكفار سوى الكتابيين ممن اتخذوا ديننا هزوًا ولعبًا، وعلى قراءة النصب تفيد أن نتجنب الكفار ولا نتولاهم مطلقًا، لكن على قراءة الجر فيها إشارة إلى أن الكفار غير الكتابيين يتخذون ديننا هزوًا ولعبًا، فيجتمع فيهم السخرية منا واعتقاد أن ديننا لعب. قوله: ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي أي: منصور تناصرونه وتعينونه وتتقربون إليه وما أشبه ذلك مما يقتضي أن يكونوا أولياء لنا لا أعداء. قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اتخذوا وقاية من عذابه، وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه تقربًا إليه ﵎، ولهذا قال بعضهم في تعريف التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، فجمع هنا بين العمل والإخلاص والعلم، أن تعمل بطاعة الله، "عمل" على نور من الله، "علم" ترجو ثواب الله، "إخلاص" لا ترجو الدنيا، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله، ولهذا إذا قلنا: إنها اتخاذ وقاية بفعل الأوامر فلا بد من ملاحظة الإخلاص؛ لأنه إذا لم يكن إخلاص لم تكن طاعة. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه الشرطية من باب التحدي، يعني: إن كنتم صادقين في إيمانكم فلتتقوا الله؛ لأن الصادق في إيمانه لا بد أن يتقي الله، وأن يتجنب محارمه، أن يقوم بأوامره، فإن لم يفعل فإيمانه ناقص ضعيف، والآن الناس ضيعوا أمر الله وضيعوا أنفسهم، ويذكر عن عمر ﵁ أنه قال: كنا أذلة فأعزنا الله بالإِسلام فمتى طلبنا العزة في غيره أذلنا الله.

стр. 552

هل الشرطية هنا لها علاقة بما قبلها بحيث نقدر جواب الشرط ما قبلها؟ فيكون التقدير ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "فاتقوا الله"، يستقيم الكلام أو لا يستقيم؟ يستقيم، إذًا فهي موصولة بما قبلها، وأحيانًا تأتي الشرطية غير موصولة بما قبلها، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩] هذه الشرطية ليست متعلقة بما قبلها؛ لأنه ينعكس المعنى، لو قلنا: ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإن لم تعلموا فليس خيرًا لكم، لا يستقيم، ولهذا في الآية الثانية التي قرأتها الآن؛ ينبغي للإنسان أن يقف، على قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لأنك لو وصلت، فُهِمَ منه أنه خير إن كنا نعلم، وإن لم نعلم فليس بخير، مع أنه خير على كل حال، لكن معنى هذا إن كنتم من ذوي العلم فافهموا هذا، هذا معناها إجمالًا، على كل حال الآية التي معنا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ نقول: هذا الشرط متعلق بما قبله، أي: إن كنتم مؤمنين حقًّا فاتقوا الله؛ لأن الإيمان حقًّا يحمل على التقوى. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء، فتكون هذه أعم من الآيات السابقة لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [المائدة: ٥١]؛ لأنه انضم إليهم في هذه الآية الكفار. الفائدة الثانية: الإغراءُ التام عن اتخاذهم أولياء وذلك بإثارة الحمية والغيرة في قوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ لأن أي إنسان يشعر بأن شخصًا يهزأ به في دينه ويقول: هذا الدين لشعب لا فائدة منه؛ لا شك أنه سيثور.

стр. 553

الفائدة الثالثة: إظهار عداوة هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والكفار للإسلام، وأن عداوتهم ظاهرة حيث كانوا يسخرون بأهله المتمسكين به. لو قال قائل: بالنسبة لمن له أقارب كفار هل يؤمر بمدافعة الحب الطبيعي؟ من له أقارب كفار فإن الحب الطبيعي لا يؤثر على دينه؛ لأن هذا أمر لا بد منه ولا يمكن الفرار منه. الفائدة الرابعة: أن العلم قد يكون وبالًا على صاحبه، لقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فإن هؤلاء أعطوا العلم ووصف لهم الرسول محمد ﷺ في التوراة والإنجيل وصفًا يجعلهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك لم ينفعهم هذا العلم. الفائدة الخامسة: الحث على التقوى التي من جملتها البعد عن اتخاذ هؤلاء أولياء لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. الفائدة السادسة: أن الإيمان الحقيقي مقتضي للتقوى، لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإن قال قائل: هل التقوى خاصة بالله؟ نقول: أما تقوى العبادة فإنها خاصة بالله، ولا يجوز أن يُتقى شيء على وجه التعبد إلا الله ، وأما تقوى ما يُخشى منه؛ فهذه تكون لله ولغيره، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] قال: ﴿يَوْمًا﴾ ومعلوم أن هذه ليست تقوى عبادة، يعني: لم يأمرنا الله أن نعبد اليوم بالتقوى، لكن هذا في اتقاء ما يُخشى منه، ويقال: اتقِ شر من أحسنت إليه، هل هذه تقوى عبادة؟

стр. 554

الجواب: لا، يعني احذر واخشَ، وليست هذه تقوى عبادة، وعبارة "اتقِ شر من أحسنت إليه" السابقة ليست بحديث لكن قد يكون معناها صحيحًا في بعض الأحيان، فإذا أحسنت إلى أحد قال هذا خائف مني ثم يهينك. * * * ° قال الله : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨]. قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ذكر ذلك مبينًا حال هؤلاء الذين أوتوا الكتاب وكذلك الكفار. وقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: دعوتم الناس إليها بالصفة المعروفة، ولما قدم النبي ﷺ المدينة وصار للأمة دولة إسلامية ومجتمع كبير؛ تشاوروا فيما بينهم كيف يجمعون الناس إلى الصلاة؛ فمنهم من اقترح: أن توقد نيران إذا دخل الوقت، يُعلم بها دخول الوقت، ورُفض هذا الاقتراح بأن هذا من عادة المجوس؛ ولأن هذه النيران في النهار لا تفيد شيئًا، ثم اقْتُرِح ناقوس فرفض هذا الاقتراح؛ لأن هذا من علامة صلاة النصارى، ثم اقترح بوق ينفخ ويكون له صوت، ورُد هذا الاقتراح؛ لأنه من شعار دين اليهود، ويسر الله أن أحد الصحابة وهو: عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁، رأى في المنام رجلًا معه ناقوس أو بوق فقال له: أتبيع هذا؟ قال: لأي شيء، قال: لأعلن به الصلاة، فقال: ألا أدلك على خير من هذا؟ ثم أسمعه الأذان كله، فلما أصبح غدا إلى النبي ﷺ وأخبره، فقال: إنها لرؤيا حق وأقرها النبي ﷺ ، وأمر عبد الله بن زيد أن يلقيه إلى

стр. 555

بلال؛ وعلل ذلك فقال: "إنه أندى صوتًا منك" (١)، ولم يقل: ألقه وسكت؛ لأنه لو سكت لكان في قلب عبد الله بن زيد شيء، إذ إنه هو الذي رآه فكان أولى الناس بالقيام به، لكن من عادة الرسول ﵊ أنه يُبَيِّنُ حكمة الشيء حتى يطمئن القلب، فَبَيَّنَ أنه أندى صوتًا منه فنادى به، ونعم النداء، تعظيم لله ، شهادة له بالتوحيد، شهادة للرسول به. بالرسالة، دعوة للصلاة، دعوة للفلاح، ختام بالتعظيم والتوحيد، أي دعوة أحسن من هذه؟ لا شيء، دعوة عظيمة، ولهذا يقول مجيب المؤذن: "اللهم رب هذه الدعوة"، ماذا؟ "الدعوة التامة" (٢) حتى إن الرسول ﵊ جعلها من شعار البلاد الإِسلامية فكان إذا نزل بقوم انتظر، فإذا أذنوا ترك قتالهم (٣)؛ لأن الأذان من شعائر الإِسلام الظاهرة، التي لا يجوز للمسلمين أن يدعوها, ولا يجوز للمسلمين أن يهجموا على بلد يؤذن فيه، وربما يكون هذا هو علامة كون الدار دار إسلام، أن يعلن فيها الأذان؛ لأن الرسول ﷺ إذا سمع الأذان كف عنهم، وعلم أن بلادهم بلاد إسلام ويكون هذا هو الفيصل في معنى دار الإِسلام.

стр. 556

وقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ناديتم بماذا؟ بالأذان. وقوله: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ كلمة عامة تشمل: الجمعة والفرائض الخمس، وهل نقول: وغيرها؟ الجواب: لا نقول وغيرها، إذًا: هو عام أريد به الخاص، وهو ليس العام الذي خصص؛ لأن العام الذي خصص، أُريد عمومه أولًا، ثم ورد عبيه التخصيص ثانيًا، والعام المراد به الخاص، لم يرد عمومه أصلًا. ولهذا نقول: الصلاة هنا عام أُريد به الخاص، الاستسقاء لا يؤذن له مع أنه يجتمع له، العيدان لا يؤذن لهما مع أنه يجتمع لهما، الكسوف لا يؤذن له مع أنه يجتمع له، قيام الليل في رمضان لا يؤذن له مع أنه يجتمع له، لكن الكسوف اختص بدعوة خاصة حتى لا يلحق بالفرائض التي تتكرر كل يوم وذلك بأن يقال: الصلاة جامعة؛ لأنه يأتي بغتة والناس غافلون. إذًا: المراد بقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ست صلوات، الصلوات الخمس والجمعة. قوله: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ أي: جعلوا يسخرون ويستهزئون. وسبق الفرق بين الهزو واللعب. قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ ذلك: المشار إليه قولهم أو اتخاذهم إياها هزوًا ولعبًا، و"الباء" في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾: للسببية، أي: بسبب أنهم، ﴿قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ليس لهم عقول، أي: عقول راشدة لكن لهم عقول مدركة، والفرق بينهما: العقول المدركة: هي العقول التي يترتب عليها التكليف، وهو الوصف الذي تجده في كتب الفقهاء من شروط الصلاة مثل التمييز والعقل ... إلخ، والعقل هذا عقل إدراك.

стр. 557

لكنَّ عقل الإرشاد: هو الذي انتفى عن كل كافر، فكل كافر ليس عاقلًا عقل إرشاد، أي: ليس له عقل يرشده، عنده ذكاء وعنده إدراك للأمور، ويعرف من الواقع ما لا يعرفه كثير من المسلمين لكنه ليس بعاقل؛ لكفره بالله والعقل يهدي إلى الحق. إذًا قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: ليس عندهم عقل إرشاد، ولو عقلوا لعظموا هذه الصلاة العظيمة التي لا نعلم أن في دين الإِسلام شيئًا أعظم منها ما عدا التوحيد والرسالة؛ لأنها اختصت بخصائص عظيمة، ولا يخفى على كثير من الناس أنها فرضت من الله إلى رسوله بدون واسطة، ولم تفرض علىى الرسول ﵊ وهو في الأرض؛ بل في أعلى مكان يصله البشر، وأيضًا لم تقرض عليه بهذا القدر الكمي -يعني: خمس صلوات- بل فرضت خمسين صلاة تستوعب كثيرًا من الوقت إن لم يكن أكثر وقت اليقظة، وهذا يدل على محبة الله ﵎ لها, ولما كان الله يحبها؛ كانت قرة عيسى للرسول ﷺ ، قال النبي ﷺ "حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (١) اللهم صل وسلم عليه. هذه الصلاة العظيمة هل يمكن لأي عاقل عقل إرشاد أن يتخذها هزوًا ولعبًا؟ أبدًا بل يتخذها مقام التعظيم والاحترام؛ لأن الإنسان إذا جاء يصلي، فمن يناجي ومن يقف بين يديه؟ يقف بين

стр. 558

يدي الله ويناجي الله، ليس بينه وبينه أحد، "يقول: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله جل وعلا: حمدني عبدي" (١). ثم يأتي برياض من العبادات قرآن، تكبير، تعظيم لله، انحناء لله، سجود لله، يعني: روضة عظيمة من رياض العبادات، فكيف يمكن لعاقل أن يتخذها هزوًا ولعبًا؟ ! والله لو أن الإنسان منا قيل له: الآن عندك مقابلة مع الملك أو مع الرئيس، ماذا يكون؟ يتأهب ويتجمل ويتطيب، ويتخذ بذلك عدة واستعدادًا، فكيف إذا كان يريد أن يقف بين يدي الله ؟ الذي هو أحب الأشياء إليه، سيكون لهذا تأثير عظيم لو كنا نعقل، لكن العقل عندنا قليل، نحن نعرف أن الواحد نصف الاثنين هذا عقلًا، لكن العقل الذي هو عقل الإرشاد قليل. بل كثير من المسلمين اليوم -ونسأل من الله أن يعفو عنا وعنهم- يأتون إلى الصلاة ويقيمون الصلاة جسمًا لا روحًا، ولا تتسلط على الواحد منهم الشياطين بالهواجس إلا إذا دخل يصلي، ثم إذا سلم من الصلاة فكأنه سحاب استدبرته الريح، كل الهواجس هذه تذهب ولا يجد لها فائدة أيضًا، فلذلك كان الذين يتخذون الصلاة هزوًا ولعبًا؛ لا شك أنهم قوم لا يعقلون، والذين يعظمونها وينزلونها منزلتها هم أهل العقل والرشاد. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: بيان لشدة وقع الصلاة في أعدائنا الكفار اليهود والنصارى، وجه ذلك: أنه لما ذكر في الآية التي قبلها

стр. 559

أنهم يتخذون ديننا هزوًا ولعبًا؛ الصلاة بعد هذا، وتخصيص الشيء من العموم يدل على العناية به وعلى شرفه على العموم. الفائدة الثانية: مشروعية النداء للصلاة، لقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ وكما قلنا: إن النداء يعني الأذان. الفائدة الثالثة: أن النداء للصلاة أمر معلوم بالضرورة من الدين، لقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ فكان هذا أمر معلوم مفروض منه. الفائدة الرابعة: أنه إذا كان النداء للصلاة مشروعًا كان عبادة يتقرب به المنادي إلى الله، وهو كذلك، فالأذان من أفضل الأعمال، حتى إن الله خص المؤذنين بخصيصة يوم القيامة ليست لغيرهم؛ وهي كونهم أطول الناس أعناقًا، رفع الله رؤوسهم بطول أعناقهم؛ لرفعهم ذكره بين العباد، فهم يختصون بهذه الخصيصة التي لا يشاركهم فيها غيرهم. والظاهر أن قوله ﷺ : "المؤذنون أطول الناس أعناقًا" (١) هذا فيمن يسمى مؤذنًا، أي: يداوم على الأذان ولا يحصل ذلك لمن أذن مرة أو مرتين، وإلا لقال الرسول ﵊: من أذن كان أطول الناس. فإن قال قائل: ما تقولون: أهو أفضل أم الإمامة؟ الجواب: أنه أفضل من الإمامة؛ لأن النصوص الواردة فيه أكثر من النصوص الواردة في الإمامة من حيث الفضل، فالمؤذن أفضل من الإِمام من حيث الأجر ومن حيث المرتبة، صحيح أنه

стр. 560

متبوع، لكن المؤذن تلحقه مشقات عظيمة، وفي الزمن السابق كان يصعد المنارة الطويلة خمس مرات، ثم إذا تأخر المؤذن فضح نفسه كُلٌّ عرف أنه لم يحضر والإمام ليس كذلك. فإن قال قائل: يرد عليكم إذا كان أفضل من الإمامة، فلماذا لم يؤذن الرسول ﵊ ولم يؤذن أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي؟ قلنا: لانشغالهم بما هو أهم، ونحن الآن لا نريد المفاضلة بين الأذان وغيره من سائر العبادات، بل بين الأذان والإمامة, ولا شك أن الرسول ﵊ والخلفاء الراشدين، لو ألزموا أنفسهم بالأذان لكانوا يبقون مراقبين للأوقات مدة طويلة، وفي ذلك الوقت ليست الساعة في جيب الإنسان ليخرجها ويعرف أنَّ الوقت حضر، مَنْ يرقب الشمس ليعرف أنها الآن ستزول أو لا تزول أو زالت أو لم تزل؟ فهم مشتغلون بما هو أهم من التفرغ للأذان. فإن قال قائل: أفلا يمكنهم أن يوكلوا من يرقب الأوقات، فإذا دخلت جاؤوا؟ قلنا: هذا يسقط عنهم عناء كثير من الأذان الذي ربما يكون الفضل من أجل هذا المعنى فيفوت المقصود. فالحاصل أن القول الراجح من أقوال العلماء: أن الأذان أفضل من الإمامة. فإن قال قائل: غير المؤذنين أفلا يكون لهم حظ؟ قلنا: بلى، لهم حظ والحمد لله وهو مشروعية متابعة المؤذن، يعني: أنه شرع لنا أن نقول مثل ما يقول المؤذن، حتى

стр. 561

لا يمتاز عنا بعمل ليس لنا منه حظ، وهذا من نعمة الله ورحمته وحكمته، أنه لم يُضِعْ غير المؤذنين من الأجر الذي يخص الأذان، فنحن مأمورون بمتابعة المؤذن، وأن نقول مثل ما يقول إلا في حيَّ على الصلاة حي على الفلاح لا نقول هذا؛ لأننا لو قلنا مثله لكنا ندعوه، فالمؤذن يدعونا بقوله: حي على الصلاة، فإذا قلنا: "حي على الصلاة" تعارض النداءان، لكننا نقول إذا قال: "حي على الصلاة" نقول ما يدل على أننا نقول: سمعًا وطاعة، وهو: لا حول ولا قوة إلا بالله، فكأننا قلنا: سمعًا وطاعة، ولكننا نسأل الله أن يعيننا؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله. الحاصل أنه شُرع لنا متابعة المؤذن حتى لا يمتاز عنا بعمل، وليس معنى ذلك أن تحصل على الأجر الذي يحصل عليه المؤذن، لكن نشارك المؤذن في بعض الثواب، ونظير ذلك من بعض الوجوه أنه شرع لمن لم يحج أن يضحي حتى يشارك الحجاج في شيء من أفعالهم كذبح القربان، وأن يتجنب الأخذ من الشعور والأظافر والجلد، كل هذا لأجل أن يعرف الناس حكمة الله . فإن قال قائل: إذا ثبت أن الأذان عبادة، فما تقولون في بعض الناس الذين ثبطهم الكسل والوهن، وصاروا يجعلون مسجلًا عند مكبر الصوت، فإذا جاء وقت الأذان فتحوا المكبر؟ نقول: هذا خطأ وغلط عظيم وتفويت الخير على الأمة وهذا ليس مؤذنًا؛ لكنه حاكيًا لصوت مؤذن سابق، ولذلك يجعل المسجل بصوت إنسان قد مات، فليس هذا عبادة، وفي رأيي

стр. 562

أنه، لا يحصل به أداء الفريضة، إذا لم يكن مؤذنًا آخر يسمع في هذا المكان؛ لأن هذا مجرد صوت، ليس رجلًا متعبدًا لله بهذا الأذان كما لو جعلنا للجرس ساعة إذا لسُمع، معناه: دخل الوقت، وهذه نقطة ينبغي لنا أن نعرفها؛ أن الدين الإِسلامي عبادة ذات جسد وروح، ليست مجرد طقوس تسمع أو حركات تفعل، بل هو عبادة، فالأذان عبادة، إذَا يجب أن يكون عبادة، ولو أراد أن يقيس قائس على هذا، وقال: ننقل بالشريط صلاة إمام حسن القراءة حسن الصوت ونجعل الشريط أمام المصلين ونجعله يصلي بهم، يصح أو لا يصح؟ بالاتفاق لا يصح ولا إشكال، مع أنه سيقول: الله أكبر لتكبيرة الإحرام على أحسن ما يكون، والقراءة على أحسن ما يكون، ويقول الله أكبر للركوع، ويرفع صوته قليلًا عندما يقول: سبحان ربي العظيم لأجل ألا يشتبه لأنه لا يرى، لكنه بدلًا من أنهم لا يرونه يرفع صوته بالتعظيم، سبحان ربي العظيم وهكذا، لا أحد يقول: هذا يجزئ، فالأذان مثله حذو القذة بالقذة؛ لأننا لا نريد مجرد صوت نعلم به دخول الوقت. لو قال قائل: انتشر بين الناس اليوم قول لا إله إلا الله بعد الإقامة وصاروا يجعلون هذا سنة، يعني: شاع في كثير من المساجد يضجون بها ضجًا حتى يستغرب الإنسان؟ الجواب: هذا مبني على صحة الحديث وهو متابعة المقيم والصحيح أن الحديث ضعيف وأن متابعة المقيم ليست بسنة، ومنها أيضًا أن يقال: أقامها الله وأدامها، فلا يقال: أقامها الله وأدامها, ولا يقال: لا إله إلا الله في آخرها, ولا يقال بعد ذلك: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة.

стр. 563

الفائدة الخامسة: تعظيم الصلاة حيث ينادى لها، وحتى يعلم الناس دخول وقتها؛ فيصلوا ويحضروا إن كانوا ممن يجب عليهم الحضور للجماعة. الفائدة السادسة: أن القيام بالصلاة دليل على كمال العقل وأن من لم يهتم بها فإن ذلك دليل على نقص عقله، لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فتكون إقامة الصلاة من تمام العقول والتهاون بها من نقص العقول، كما أنه نقص في الدين. * * * ° قال الله : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩]. قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الخطاب هنا للرسول ﵊، يعني: قل لهم، ناظرهم، جادلهم، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ المراد بهم: اليهود والنصارى هَل تَنقِمُونَ هل هنا: استفهامية، والمراد بها: النفي؛ لأننا ذكرنا أنه إذا جاء الاستثناء بعد الاستفهام فهو دليل على أن الاستفهام للنفي، ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ أي: ما تنقمون منا إلا كذا، وهو نظير قوله تعالى في أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: ٨]. قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ بماذا تعيبونا، بأي شيء إلا بهذا، وهل هذا عيب، الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وما أنزل من قبل هل هو عيب أم ليس بعيب؟ الجواب: ليس بعيب.

стр. 564

فكأنه قال: أنتم لا تعيبون علينا شيئًا، هو عيب بل تعيبون علينا شيئًا هو كمال وهو الإيمان بالله وبما أنزل إلينا، ومثل هذا الأسلوب يسميه علماء البلاغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم، وله صورتان: الصورة الأولى: نفي وإثبات، تنفى صفة الذم ويؤتى بعدها بصفة مدح مثبتة، أولًا: تنفى صفة العيب، ثم يؤتى بعدها بصفة كمال فهذا يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، قال الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم ... يعاب بنسيان الأحبة والوطن لا عيب فيهم غير أن نزيلهم الذي ينزل عليهم، يعاب بنسيان الأحبة والوطن، فإذا نزل عليهم ضيف فإنَّه ينسى كل شيء لإكرامهم الضيف واحتفائهم به، يعني: أن فيهم تسلية عن الأحبة والوطن هذا مدح، لكن أول ما تسمع "ولا عيب فيهم غير أن"، تترقب الذم، وكذلك قول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب الأول: يمدحهم بالكرم، والثاني: يمدحهم بالشجاعة، فيقول: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم، يعني: ليس فيهم أي جبن، وليس فيهم عيب إلا أن سيوفهم قد تثلمت من قرع الكتائب لشجاعتهم، هذا نوع وصورة من صور تأكيد المدح بما يشبه الذم. الصورة الثانية: أن يؤتى بصفة مدح، ويستثنى بعدها صفة ذم، بأداة استثناء تقول: هذا الرجل عالم إلا أنه شجاع، هذا مدح عالم، إلا أنه ماذا يتوقع؟ صفة ذم، فهذا به يقال: إلا أنه شجاع، تقول: فلان طالب علم غير أنه مجتهد، هذا أيضًا من تأكيد المدح بما يشبه الذم، ومثاله أيضًا: الآية التي معنا.

стр. 565

لننظر الآية: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ هذا مدح. إذًاا لخطاب لهؤلاء نقول لهم: إنكم لا تنقمون منا شيئًا إلا هذا، وهذا ليس مما يقتضي أن تنقموا منا. قوله: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ "ما أنزل إلينا" هو: القرآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ هو: التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم والزبور وغير ذلك، نحن نؤمن بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، هل هذا يُنْقم من الإنسان؟ لا، لا يمكن أن يُنْقم، لكن هؤلاء ننقم منهم أنهم لم يؤمنوا بما أنزل إلينا، بل نقول: لم يؤمنوا بما أنزل إليهم أيضًا؛ لأن أهل الكتاب الآن لا يؤمنون بما أنزل إلينا، وحقيقةً أنهم لا يؤمنون بما أنزل إليهم؛ لأنهم لو آمنوا بما أنزل إليهم لآمنوا بما أنزل إلينا، إذ إن ما أنزل ألينا مصدق لما أنزل إليهم، لكن هم يكذبون هذا وهذا. قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ هذه الجملة هل هي معطوفة على قوله: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾، أو معطوفة على لفظ الجلالة؟ فيها وجهان: لكن الصواب الذي قد يكون متعينًا أنها معطوفة على قوله: "بالله"، يعني: إلا أن آمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله بالكفر. قد يقول قائل: إذا حملتها على هذا المعنى فهم ينقمون؛ لأنهم لا يريدون أن أكثرهم فاسقون، فينقمون منا أن نؤمن بأن أكثرهم فاسقون، فيقال: هذا لا نستحق أن ينقموا منا به؛ لأننا لم نقل: وأنكم فاسقون، بل نقول: وأن أكثركم فاسقون وهذا هو العدل؛ لأن منهم من كان مؤمنًا وآمن فعلًا، مثل: النجاشي من النصارى وعبد الله بن سلام من اليهود، لكن أكثرهم فاسقون، فهذا
следующие страницы →