لا يمتاز عنا بعمل ليس لنا منه حظ، وهذا من نعمة الله ورحمته وحكمته، أنه لم يُضِعْ غير المؤذنين من الأجر الذي يخص الأذان، فنحن مأمورون بمتابعة المؤذن، وأن نقول مثل ما يقول إلا في حيَّ على الصلاة حي على الفلاح لا نقول هذا؛ لأننا لو قلنا مثله لكنا ندعوه، فالمؤذن يدعونا بقوله: حي على الصلاة، فإذا قلنا: "حي على الصلاة" تعارض النداءان، لكننا نقول إذا قال: "حي على الصلاة" نقول ما يدل على أننا نقول: سمعًا وطاعة، وهو: لا حول ولا قوة إلا بالله، فكأننا قلنا: سمعًا وطاعة، ولكننا نسأل الله أن يعيننا؛ لأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
الحاصل أنه شُرع لنا متابعة المؤذن حتى لا يمتاز عنا بعمل، وليس معنى ذلك أن تحصل على الأجر الذي يحصل عليه المؤذن، لكن نشارك المؤذن في بعض الثواب، ونظير ذلك من بعض الوجوه أنه شرع لمن لم يحج أن يضحي حتى يشارك الحجاج في شيء من أفعالهم كذبح القربان، وأن يتجنب الأخذ من الشعور والأظافر والجلد، كل هذا لأجل أن يعرف الناس حكمة الله .
فإن قال قائل: إذا ثبت أن الأذان عبادة، فما تقولون في بعض الناس الذين ثبطهم الكسل والوهن، وصاروا يجعلون مسجلًا عند مكبر الصوت، فإذا جاء وقت الأذان فتحوا المكبر؟
نقول: هذا خطأ وغلط عظيم وتفويت الخير على الأمة وهذا ليس مؤذنًا؛ لكنه حاكيًا لصوت مؤذن سابق، ولذلك يجعل المسجل بصوت إنسان قد مات، فليس هذا عبادة، وفي رأيي
стр. 562
أنه، لا يحصل به أداء الفريضة، إذا لم يكن مؤذنًا آخر يسمع في هذا المكان؛ لأن هذا مجرد صوت، ليس رجلًا متعبدًا لله بهذا الأذان كما لو جعلنا للجرس ساعة إذا لسُمع، معناه: دخل الوقت، وهذه نقطة ينبغي لنا أن نعرفها؛ أن الدين الإِسلامي عبادة ذات جسد وروح، ليست مجرد طقوس تسمع أو حركات تفعل، بل هو عبادة، فالأذان عبادة، إذَا يجب أن يكون عبادة، ولو أراد أن يقيس قائس على هذا، وقال: ننقل بالشريط صلاة إمام حسن القراءة حسن الصوت ونجعل الشريط أمام المصلين ونجعله يصلي بهم، يصح أو لا يصح؟ بالاتفاق لا يصح ولا إشكال، مع أنه سيقول: الله أكبر لتكبيرة الإحرام على أحسن ما يكون، والقراءة على أحسن ما يكون، ويقول الله أكبر للركوع، ويرفع صوته قليلًا عندما يقول: سبحان ربي العظيم لأجل ألا يشتبه لأنه لا يرى، لكنه بدلًا من أنهم لا يرونه يرفع صوته بالتعظيم، سبحان ربي العظيم وهكذا، لا أحد يقول: هذا يجزئ، فالأذان مثله حذو القذة بالقذة؛ لأننا لا نريد مجرد صوت نعلم به دخول الوقت.
لو قال قائل: انتشر بين الناس اليوم قول لا إله إلا الله بعد الإقامة وصاروا يجعلون هذا سنة، يعني: شاع في كثير من المساجد يضجون بها ضجًا حتى يستغرب الإنسان؟
الجواب: هذا مبني على صحة الحديث وهو متابعة المقيم والصحيح أن الحديث ضعيف وأن متابعة المقيم ليست بسنة، ومنها أيضًا أن يقال: أقامها الله وأدامها، فلا يقال: أقامها الله وأدامها, ولا يقال: لا إله إلا الله في آخرها, ولا يقال بعد ذلك: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة.
стр. 563
الفائدة الخامسة: تعظيم الصلاة حيث ينادى لها، وحتى يعلم الناس دخول وقتها؛ فيصلوا ويحضروا إن كانوا ممن يجب عليهم الحضور للجماعة.
الفائدة السادسة: أن القيام بالصلاة دليل على كمال العقل وأن من لم يهتم بها فإن ذلك دليل على نقص عقله، لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فتكون إقامة الصلاة من تمام العقول والتهاون بها من نقص العقول، كما أنه نقص في الدين.
* * *
° قال الله : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩].
قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الخطاب هنا للرسول ﵊، يعني: قل لهم، ناظرهم، جادلهم، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ المراد بهم: اليهود والنصارى هَل تَنقِمُونَ هل هنا: استفهامية، والمراد بها: النفي؛ لأننا ذكرنا أنه إذا جاء الاستثناء بعد الاستفهام فهو دليل على أن الاستفهام للنفي، ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ أي: ما تنقمون منا إلا كذا، وهو نظير قوله تعالى في أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: ٨].
قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ بماذا تعيبونا، بأي شيء إلا بهذا، وهل هذا عيب، الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وما أنزل من قبل هل هو عيب أم ليس بعيب؟ الجواب: ليس بعيب.
стр. 564
فكأنه قال: أنتم لا تعيبون علينا شيئًا، هو عيب بل تعيبون علينا شيئًا هو كمال وهو الإيمان بالله وبما أنزل إلينا، ومثل هذا الأسلوب يسميه علماء البلاغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم، وله صورتان:
الصورة الأولى: نفي وإثبات، تنفى صفة الذم ويؤتى بعدها بصفة مدح مثبتة، أولًا: تنفى صفة العيب، ثم يؤتى بعدها بصفة كمال فهذا يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، قال الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم ... يعاب بنسيان الأحبة والوطن
لا عيب فيهم غير أن نزيلهم الذي ينزل عليهم، يعاب بنسيان الأحبة والوطن، فإذا نزل عليهم ضيف فإنَّه ينسى كل شيء لإكرامهم الضيف واحتفائهم به، يعني: أن فيهم تسلية عن الأحبة والوطن هذا مدح، لكن أول ما تسمع "ولا عيب فيهم غير أن"، تترقب الذم، وكذلك قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
الأول: يمدحهم بالكرم، والثاني: يمدحهم بالشجاعة، فيقول: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم، يعني: ليس فيهم أي جبن، وليس فيهم عيب إلا أن سيوفهم قد تثلمت من قرع الكتائب لشجاعتهم، هذا نوع وصورة من صور تأكيد المدح بما يشبه الذم.
الصورة الثانية: أن يؤتى بصفة مدح، ويستثنى بعدها صفة ذم، بأداة استثناء تقول: هذا الرجل عالم إلا أنه شجاع، هذا مدح عالم، إلا أنه ماذا يتوقع؟ صفة ذم، فهذا به يقال: إلا أنه شجاع، تقول: فلان طالب علم غير أنه مجتهد، هذا أيضًا من تأكيد المدح بما يشبه الذم، ومثاله أيضًا: الآية التي معنا.
стр. 565
لننظر الآية: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ هذا مدح.
إذًاا لخطاب لهؤلاء نقول لهم: إنكم لا تنقمون منا شيئًا إلا هذا، وهذا ليس مما يقتضي أن تنقموا منا.
قوله: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ "ما أنزل إلينا" هو: القرآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ هو: التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم والزبور وغير ذلك، نحن نؤمن بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، هل هذا يُنْقم من الإنسان؟ لا، لا يمكن أن يُنْقم، لكن هؤلاء ننقم منهم أنهم لم يؤمنوا بما أنزل إلينا، بل نقول: لم يؤمنوا بما أنزل إليهم أيضًا؛ لأن أهل الكتاب الآن لا يؤمنون بما أنزل إلينا، وحقيقةً أنهم لا يؤمنون بما أنزل إليهم؛ لأنهم لو آمنوا بما أنزل إليهم لآمنوا بما أنزل إلينا، إذ إن ما أنزل ألينا مصدق لما أنزل إليهم، لكن هم يكذبون هذا وهذا.
قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ هذه الجملة هل هي معطوفة على قوله: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾، أو معطوفة على لفظ الجلالة؟ فيها وجهان: لكن الصواب الذي قد يكون متعينًا أنها معطوفة على قوله: "بالله"، يعني: إلا أن آمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله بالكفر.
قد يقول قائل: إذا حملتها على هذا المعنى فهم ينقمون؛ لأنهم لا يريدون أن أكثرهم فاسقون، فينقمون منا أن نؤمن بأن أكثرهم فاسقون، فيقال: هذا لا نستحق أن ينقموا منا به؛ لأننا لم نقل: وأنكم فاسقون، بل نقول: وأن أكثركم فاسقون وهذا هو العدل؛ لأن منهم من كان مؤمنًا وآمن فعلًا، مثل: النجاشي من النصارى وعبد الله بن سلام من اليهود، لكن أكثرهم فاسقون، فهذا
стр. 566
عدل، كأنه قال: ما تنقمون منا إلا أن قمنا بما يجب لله وما يجب لعباد الله، الذي يجب لله الإيمان به وبما أنزل، وما يجب لعباد الله العدل، أن نعطي كل إنسان ما يستحق، فمعظم هؤلاء فاسقون بلا شك، ونحن نؤمن بهذا ونؤمن بأن من اليهود من آمن وحسن إيمانه، ومن النصارى من آمن وحسن إيمانه، وهذا هو العدل، لم نحكم على الأمة بفعل أكثرهم بل أعطينا كل إنسان ما يستحق.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: تحدي أولئك الذين ينقمون من أهل الخير خيرًا، لقوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا﴾ وهذا ليس في محل نقم أو كراهة.
الفائدة الثانية: فضيلة هذه الأمة، وأن هذه الأمة لها فضل ومزية على الأمم السابقة؛ لأنها تؤمن بالله وما أنزل إليها وما أنزل من قبل، وهذا لا يوجد في أمم آخرين، لا يوجد إلا في هذه الأمة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] ولا يمكن أن نكون شهداء على الناس إلا إذا سبقونا، حتى نعلم ما حصل لهم.
الفائدة الثالثة: أنه ينبغي للمؤمن أن يكون صريحًا فلا يداهن، لقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهذه المقابلة الصريحة بوصفهم بالفسق.
الفائدة الرابعة: الاحتراز الذي يراعى فيه العدل، لقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ ولم يقل: وأنكم فاسقون؛ لأننا لو كنا نؤمن بأن كلهم فاسقون لكان هذا محل نقد، لكننا لا نقول إلا أن أكثرهم فاسقون.
стр. 567
الفائدة الخامسة: أن الفسق يراد به الكفر وهذا واضح، حتى في القرآن في غير هذه الآية ما يدل على أن الفسق يراد به الكفر، ويراد به الخروج عن الطاعة فيما دون الكفر، فقوله ﵎ في سورة السجدة: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] فالمراد بالفسق هنا: الكفر، لقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠] والذي يكذب بالنار فسقه كفر لتكذيبه خبر الله ، والفسق الذي لا يخرج من الملة مثل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
إذًا المراد بقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ المراد: فسق الكفر لأنهم كذبوا محمدًا ﷺ .
* * *
° قال الله : ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠].
قوله: ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمَّد، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ يا أهل الكتاب أي: أخبركم بالأمر العظيم؛ لأن النبأ إنما يراد به الشيء الهام العظيم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ [ص: ٦٧] وقال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ [النبأ: ١ - ٢] , بخلاف الخبر، الخبر: قد يكون في أمور تافهة، لكن النبأ لا يكون إلا في أمور هامة، ولعل ذلك والله أعلم؛ لأن أحد اشتقاقاته من النَّبْوَة، والنبوة: بمعنى الارتفاع.
стр. 568
قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ المشار إليه صلاة المسلمين التي اتخذها هؤلاء هزوًا ولعبًا، وقالوا: ما هذا العمل، ما هذا اللعب؟ يستهزئون، ومعلوم أن الاستهزاء بالعمل يستلزم الاستهزاء بالعامل، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿مَثُوبَةً﴾ أي: عاقبة وهي منصوبة على التمييز؛ لأنها مفسرة لما انبهم من التفضيل في قوله: ﴿بِشَرٍّ﴾؛ لأن أصل شر: أشر فهو اسم تفضيل، والاسم المنصوب بعد اسم التفضيل المفسر يسمى عندهم، تمييزًا، مثل أن تقول: محمَّد أكثر منك علمًا، فـ (علمًا) هنا تمييز؛ لأنه مفسر للمبهم من اسم التفضيل.
إذًا: مثوبة: نعربها على أنها تمييز، والمثوبة بمعني: العاقبة؛ لأنها من ثاب يثوب إذا رجع، فهي بمعنى: العاقبة والمآل عند الله، وهذا هو المهم، المهم المنزلة عند الله لا عند الخلق، إذا كانت منزلتك عالية عند الله وخير فهذا هو المهم وهذا هو المطلوب، واعلم أنه متى كنت في منزلة عالية عند الله؛ فسوف تكون في منزلة عالية عند الخلق، والعكس بالعكس، ولهذا جاء في الحديث: "من التمس رضي الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله؛ سخط الله عليه وأسخط عليه الناس" (١).
قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ "من" هذه اسم موصول وهي خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو من لعنه الله، هذا شر المثوبة عند الله من حصلت عليه هذه النكبات العظيمة، ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده
стр. 569
عن رحمته، وهم: اليهود والنصارى، ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] وقال النبي ﷺ : "لعنة الله على اليهود والنصارى" (١)، فهم ملعونون مطرودون من رحمة الله كما لعن إبليس، لكن هم يرجى أن يؤمنوا، أما إبليس فلن يؤمن، هذا هو الفرق وإلا فهم ملعونون مطرودون من رحمة الله .
الثاني: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ غضب الرب أشد من لعنته؛ لأن الطرد والإبعاد عن الرحمة قد يصحبه غضب وقد لا يصحبه، فقد يكون المقصود حرمان هذا الإنسان من الجنة وإن لم يكن غضبًا، فالغضب أشد، ويدل على أن الغضب أشد قوله ﵎ في آيات اللعان، واللعان سببه: أن الرجل يرمي زوجته بالزنا، ومن المعلوم أنه لا يمكن لأحد أن يرمي زوجته بالزنا إلا وهو صادق؛ لأن هذا يدنس فراشه، ومن ثم صارت الشهادات قائمة مقام الشهود، لكن غير الزوج لو رمى امرأة بالزنا، قلنا: إما أن تقيم أربعة شهود وإلا حد في ظهرك، أما الزوج فلا يحتاج أن نقول له هذا، نقول له: إذا لم تقر الزوجة فلاعن، فيؤتى بالرجل ويقول: أشهد أربع مرات أن الزوجة هذه قد زنت؛ فيقول: أشهد، وفي الخامسة يقول: وأن لعنة الله عليه، والضمير هنا يجب أن يكون ضمير متكلم عندما يتكلم به الزوج،
стр. 570
لكن هذا من باب تحاشي الإضافة إلى ضمير المتكلم؛ لأن اللعنة ليست على المتكلم، اللعنة على الزوج.
ولهذا يقول هو: عليَّ، فيشهد خمس مرات أن زوجته زنت، وفي الخامسة يقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وهي تشهد في رد كلام الزوج أربع مرات أنه كاذب، وفي الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ومعلوم أن كذبها -أي: الزوجة- أشد من كذب الزوج؛ لأن الزوج أقرب منها إلى الصدق، وهي ربما تفعل هذا يعني: تشهد على أنه كاذب لدرء السمعة السيئة عنها وعن قومها, لكن الزوج لا يمكن أن يراعي هذا, ولهذا كان الغضب في جانبها، واللعنة في جانب الزوج، وبه عرفنا أن الغضب أشد من اللعنة.
قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ إذًا اليهود: مغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق ولم يعملوا به، وأما النصارى: فالآية هذه تدل على أن النصارى مغضوب عليهم؛ لأن الخطاب مع أهل الكتاب، ولا شك أن النصارى بعد تكذيبهم لرسول الله ﷺ مغضوب عليهم، ولا فرق بينهم وبين اليهود، بل هم أخبث من اليهود بالنسبة للمسلمين، والحروب الصليبية إذا قرأها الإنسان عرف شدة عداوة النصارى للمسلمين، وهم الآن ردء لليهود في وقتنا الحاضر، يناصرون اليهود ويدافعون عنهم ولا تفتيش على أسحلتهم ولا إنكار على فعائلهم، وهذا شيء لا يخفى على العميان فضلًا عن المبصرين.
إذَا قوله: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ينطبق في هذه الآية على اليهود والنصارى؛ لأن اليهود بعد بعثة الرسول ﷺ علموا الحق،
стр. 571
والنصارى بعد بعثة الرسول علموا الحق وأنكروه؛ فيكونون جميعًا تحت هذه المظلة، مظلة الغضب.
قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وسبب جعلهم قردة: هو أنهم تحيلوا على صيد الحيتان المحرم عليهم صيدها في يوم السبت، ليلتقطوها يوم الأحد.
يقول العلماء: يضعون شُبَّاكًا في يوم الجمعة، ويوم السبت سبحان الله ابتلاهم الله بأن تأتي الحيتان شرعًا على الماء طافح من كثرتها لكن لا يجوز لهم أن يصطادوا؛ لأنه محرم عليهم، فكأنهم عجزوا عن تحمل هذا الحكم، فتحيلوا، فوضعوا الشِّبَاك يوم الجمعة، فتأتي الحيتان يوم السبت وفيها الشبك، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، فالفعل ظاهره الإباحة؛ لأنهم لم يصطادوا يوم السبت، اصطادوا يوم الأحد، فلما كانت هذه الفعلة المحرمة شبيهةً بالحلال، مسخهم الله قردة لأن القرد شبيه بالإنسان، انظر الجزاء من جنس العمل؛ صاروا قردة، هل هم صاروا قردة معنى أو حسًّا؟ صاروا قردة حسًّا، هذا الذي عليه جمهور المفسرين، وهو ظاهر القرآن، وإن كان بعض المعاصرين ذهب إلى أنهم كانوا قردة معنىً، أي: صاروا مثل القرود ليس عندهم أفكار بني آدم ولا عقول بني آدم، لكن يقال: الأصل هو الحقيقة. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١] الذي خلق الإنسان على هذا الوصف؛ قادر على أن يقلبه على وصف آخر، ولهذا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] فصاروا قردة، لكن هل بقوا؟
الجواب: لا؛ لأن المقصود من كونهم قردة أن يكونوا عبرة ونكالًا، ولا يلزم من هذا أن تتسلسل الذرية، ولذلك قال أهل
стр. 572
العلم: إنه لا نسل لمن مسخوا حيوانًا من أجل العقوبة، فمن مات منهم لا يخلف أحدًا.
لو قال قائل: هل في القرآن أن بني إسرائيل صاروا خنازير؟
الجواب: نعم، نقول هذه الآية قال الله تعالى فيها: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾، أما أن نعلم كيف كانوا أو بأي سبب، هذا ليس بلازم، فإذا حكى الله عنهم أنهم صاروا خنازير فقد صاروا خنازير، ولعلها والله أعلم، ولا نقول على الله ما لا نعلم: لعل هؤلاء الذي قلبوا خنازير لعل حيلهم كانت على الزنا؛ لأن المعروف أن الخنازير ليس عندها غيرة إطلاقًا، الحيوان غير الخنزير يغار فلا أحد يأتي أنثاه إلا إذا كان غائبًا، لكن الخنزير ينزل من أنثاه ويقول لصاحبه: اصعد، يقولون: ليس عنده غيرة، ولذلك من حكمة الله أن حرم الخنزير؛ لأنه ليس عنده غيرة، فعلى كل حال إن صح هذا فالله أعلم، ولا ندري.
المهم على أن نؤمن بأن الله جعل من أهل الكتاب قردة وخنازير.
قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الآية فيها إشكال من جهة التركيب، في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾ فقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ﴾ جاء بضمير الجمع ﴿مِنْهُمُ﴾ مع أنه قال في أول الآية: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ بالإفراد.
الجواب: (مَنْ) اسم موصول يجوز في ضميرها أن يرد على اللفظ وعلى المعنى.
قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾: فيها قراءتان:
стр. 573
الأولى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، على أن (عَبَدَ): فعل ماض، فيها ضمير مستتر يعود على (مَنْ) في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ والطاغوتَ: مفعول به يعني عبد عبادة الطاغوت، وعلى هذا فتكون معطوفة على صلة الموصول، وهو قوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾.
والقراءة الثانية: ﴿وعَبُدَ الطاغوتِ﴾، لكن يكون على هذه القراءة الطاغوت بالجر، على أن عَبُدَ: اسم مفرد، كما يقال: السبَع والسبُع، فيقال: العَبْدُ، والعَبُدُ فهما لغتان، وعلى هذه القراءة نقول: عبُد الطاغوتِ، وتكون معطوفة على القردة، يعني: وجعل منهم عبد الطاغوت، وأهل الكتاب عبدوا الطاغوت باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فإن الله قال عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١] قال عدي بن حاتم ﵁ للنبي ﷺ : يا رسول الله لسنا تعبدهم؛ فَبَيَّنَ أن طاعتهم في معصية الله هي عبادتهم (١).
وقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي: عبده عبادة بركوع وسجود وطاعة فيما يأمر، والمراد بالطاغوت ما ذكره ابن القيم ﵀ بتعريف من أجمع التعاريف قال: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فكل إنسان يتجاوز الحد في عبادة أحد غير الله فهذا المعبود طاغوت، وكل إنسان يتجاوز الحد في اتباع
стр. 574
غير شريعة الله فقد اتخذه طاغوتًا، وكل إنسان يتجاوز حده في طاعة سلطان أو أمير فقد اتخذه طاغوتًا، وقلنا في التعريف: ما تجاوز به العبد حده؛ لأن أصل الطاغوت من الطغيان.
فإن قال قائل: هذا المعبود كيف نسميه طاغوتًا، هذا المتبوع كيف نسميه طاغوتًا، هذا المطاع كيف نسميه طاغوتًا؟
قلنا: الطاغوت هنا بمعنى: الطغيان، والطغيان ليس وصفًا للمفعول؛ ولكنه وصف للفاعل العابد الذي عبد غير الله أو أطاع غير الله في معصية الله ، أو اتبع غير رسول الله ﷺ في معصية الله .
قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ الجملة هذه من أحسن ما يكون في تقرير أن هؤلاء شر من المسلمين في المكان، ولهذا لم تأتِ جوابًا من الرسول بل جاءت جوابًا من الله ، أول الآية ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ يقول القائل: نعم نبئنا، فذكر الأوصاف، لكن هنا قال: أولئك أي: الموصوفون بهذه الصفات: اللعنة والغضب والمسخ والرابع: عبادة الطاغوت، هؤلاء شر مكانًا.
وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ تمييز لما انبهم من اسم التفضيل، والقاعدة: أن كل اسم منصوب يأتي بعد اسم التفضيل فهو مميز له، مثل: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] لكن هم شر مكانًا من المؤمنين بالله، الذين آمنوا بالله وما أنزل إليهم من قبل، وذلك لأن هؤلاء مكانهم النار والعياذ بالله، فمأواهم النار، وأولئك المؤمنون مأواهم الجنة.
стр. 575
فإن قال قائل: المعروف أن اسم التفضيل يشترك فيه المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، فهل في الجنة شر؟
الجواب: لا، ليس فيها شر، لكن هذا يقول الرسول ﵊: "خير صفوف النساء؛ آخرها وشرها أولها" (١) شرها يعني: الآخر ليس فيه شر، "وخير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها" (٢) وعكسه مثل قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤] , مع أن أصحاب النار ليس عندهم خير ولا حسن المقيل، فمثل هذا التفضيل، يقول علماء البلاغة: هو تفضيل ليس في الطرف الآخر منه شيء سواء كان في خير أو في شر.
لو قال قائل: في قوله ﵎: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ قلنا: المشار إليه استهزاؤهم بالصلاة، أين الفعل الآخر الذي حصل بينه وبين الاستهزاء المفاضلة؛ لأن الله حكم عليهم باللعن لأنهم استهزؤوا، فهل تكون المفاضلة بين الاستهزاء والاستهزاء أم ماذا؟
الجواب: لا، المفاضلة بين حال الصحابة ﵃ وحال هؤلاء أيهما أشر، فقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: مما رميتمونا به من الاستهزاء والسخرية، فيكون المعنى: عمل من لعنه الله.
لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ﴾ ألا
стр. 576
تحتمل الآية أن المراد المقارنة بين أهل الكتاب وغيرهم ممن ليس عندهم كتاب؟
الجواب: لا؛ لأن المناظرة بينهم وبين المسلمين، ولا شك أن غيرهم أضل منهم، ولهذا أباح الله لنا من اليهود والنصارى ما لم يبح من غيرهم، أباح لنا نكاح نسائهم وأباح لنا ذبائحهم، مما يدل على أنهم أرفع مرتبة من المشركين والمجوس.
لو قال قائل: وقوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ هل المراد بالمكان ما يقابل الزمان، أو المراد بالمكان المكانة والمنزلة، أو الأمران؟
الجواب: الأمران، فهم مكانهم شر لأنه النار، ومكانتهم شر لأنهم الأرذلون.
قوله: ﴿وَأَضَلُّ﴾ "أضل" هذه معطوفة على "شر"، يعني: وأولئك أضل عن سواء السبيل، وأضل اسم تفضيل من الضلال، يعني: أشد ضلالًا عن سواء السبيل، أي: عن الطريقة المستوية المستقيمة، فهو يشبه إضافة الصفة إلى موصوفها، يعني: عن السبيل السواء، هؤلاء شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل.
لو قال قائل: وهل في المؤمنين ضلال؟
الجواب: لا، لكن نقول فيها مثل ما قلنا في ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾، فلا ضلال في المؤمنين، وقد يقول قائل: لعل هذا من باب التنزل مع الخصم؛ لأن الخصم يدعي أن المؤمنين شرّ مكانًا، وأضل عن سواء السبيل، فيقال: أنتم شرّ مكانًا، وأنتم أضل عن سواء السبيل، لكن ما قررناه أولًا واضح وليس فيه إشكال، وهو أنه قد يأتي التفضيل بين شيئين؛ ليس في أحدهما شيء من المعنى.
стр. 577
وقد قيل: إن أهل الطاعة عندهم استقرار وعندهم طمأنينة، ولو كان الواحد منهم فقيرًا فإن الله يعطيه سعة بال وقناعة، وأما صاحب المعصية لو أن ماله كثير فإنه في قلق وحيرة؟
ويشهد لصدق هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وما جاء عن السلف الصالح حيث قالوا: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
لو قال قائِل: ذكر بعض أهل العلم أن قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] أن النبي ﷺ فسرها باليهود والنصارى (١)، هل هذا صحيح؟
الجواب: هذا الحديث ضعيف، ثم لو صح لحمل على النصارى قبل بعثة الرسول ﵊.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: عرض الخطاب بصيغة الاستفهام؛ لأن ذلك أمكن في النفس وأحضر للقلب، لقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾ [الشعراء: ٢٢١] ومثله قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ [الكهف: ١٠٣].
الفائدة الثانية: أن هؤلاء اليهود الذين سخروا من النبي ﷺ وأصحابه؛ هم شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل لما اتصفوا به من الصفات المذكورة.
стр. 578
لو قال قائل: هل كل صفة ثبتت بأنها صفة من صفات اليهود أو النصارى في الكتاب أو السنة ثابتة لهم إلى يوم القيامة، أو أنه لا بد أن يدل دليل على استمرارها؟
الجواب: أما أفعالهم فلا تستمر، يعني: ما ذكر من أفعالهم، قد يكون في وقت نزول القرآن أو قبله، مما يعلمه الموجودون في وقت نزول القرآن، ويتغير كما أن دين بني إسرائيل الذين هم عليه الآن ليس هو الدين الذي جاء به عيسى ولا موسى، واقرأ ما عندهم الآن من الكتب المؤلفة تجد أن فيها مخالفة لما نقل الله عنهم في أفعالهم.
الفائدة الثالثة والرابعة: أن العبرة بالمنزلة عند الله لقوله: مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ ويتفرع على هذا: أنه ينبغي لنا أن لا ننظر إلى منزلتنا عند الناس وإنما ننظر إلى منزلتنا عند الله ، وإذا صححنا ذلك كفانا الله مؤونة الناس.
الفائدة الخامسة: أن اسم التفضيل قد يقع بين شيئين لا يشتركان في أصل المعنى، لقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾ لأن المعنى: باشر من ذلك وكذلك في الخير ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] ولا خير في مستقر أهل النار.
الفائدة السادسة: أن أولئك اليهود بل أهل الكتاب عمومًا وُصِموا بهذه الصفات الأربعة: اللعنة والغضب والمسخ وعبادة الطاغوت.
الفائدة السابعة: إثبات الغضب لله ، لقوله: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾، وفي سورة الفاتحة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] والغضب: صفة من صفات ذاته ، لكنه من
стр. 579
الصفات الفعلية، وقلنا: من صفات ذاته لئلا يقول قائل: إن الغضب هو الانتقام، والانتقام شيء منفصل عن ذات الله، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الغضب صفة من صفات الله ثابت لله حقيقةً بلا تحريف، وفسره أهل التحريف بأن المراد به: الانتقام، أو إرادة الانتقام، فمن أثبت الإرادة قال: المراد به إرادة الانتقام، ومن لم يثبتها قال: المراد به الانتقام، ولكن هذا التفسير مردود:
أولًا: لمخالفته ظاهر اللفظ، والأصل في الأخبار أن تؤخذ على ظاهرها إلا بدليل صحيح.
ثانيًا: أنه مخالف لما عليه السلف، فلم يأتِ عن الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة حرف واحد يفسر الغضب بالانتقام أو إرادته، وسكوتهم عن تفسيره بما يخالف الظاهر دليل على إجماعهم على أن المراد به ظاهره، فيكون تفسيره بالانتقام أو إرادته مخالفًا لإجماع السلف، وهذه قاعدة نافعة تفيد في كل صفات الله .
ثالثًا: أنه يكذبه القرآن، يعني يبطل هذا التفسير القرآن الكريم وذلك في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥] فإن معنى آسفونا أي: أغضبونا، ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ومعلوم أن الجزاء غير الشرط، ﴿انْتَقَمْنَا﴾: جواب الشرط، و ﴿آسَفُونَا﴾: فعل الشرط، وجواب الشرط يخالف الشرط بلا شك، فهذه الآية الكريمة ترد عليهم ذلك التفسير.
رابعًا: أننا إذا تنزلنا معهم وقلنا: إنه إرادة الانتقام أو
стр. 580
الانتقام؛ فإن لازم ذلك أن يكون هناك غضب؛ لأن إرادة إلانتقام أو الانتقام نفسه؛ لا يكون إلا عن فعل شيء لا يرضاه المنتقم، وهذا يكون نتيجة للغضب فهم مهما فروا لا بد أن يلزمهم إثبات الغضب لله .
هنا عبارة يذكرها بعض المحققين يقولون: إن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهذه العبارة فيها حق وباطل، أما الحق: فقولهم: طريقة السلف أسلم، وأما الباطل: فقولهم: طريقة الخلف أعلم وأحكم؛ لأن هذه الجملة الأخيرة تناقض الأولى تمامًا؛ لأنه كيف تكون السلامة مع الجهل أو السفه؛ لأن ضد العلم الجهل وضد الحكمة السفه، فكيف يمكن أن تكون هناك سلامة بدون علم وحكمة، فمتى كانت طريقة السلف أسلم لزم أن تكون أعلم وأحكم، ويدل على هذا أن السلف والحمد لله كتبهم مملوءة بتفسير آيات الصفات وأحاديثها، فلم يأتِ عنهم كلمة واحدة يقولون فيها: والله لا نعرف هذا المعنى، ولا نعرف معنى الآية، ولا نعرف معنى الحديث أبدًا، بل كانوا يقولون: المعنى معلوم والكيف مجهول، ويقولون: أمروها كما جاءت بلا كيف، فطريقة السلف إذًا أسلم وأعلم وأحكم.
الفائدة الثامنة: قدرة الله على مسخ الإنسان قردًا وخنزيرًا، لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ وهل هذا الجعل جعل كوني أو جعل شرعي؟
الجواب: قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [الأعراف: ١٦٦] هذا أمر كوني وليس أمرًا شرعيًّا.
стр. 581
لو قال قائل: هل يقال: من استهزأ بشيء من شعائر الإِسلام يناله ما نال اليهود من هذه العقوبات المسخ والغضب ... إلخ؟
الجواب: أما إذا قلنا: إن القردة والخنازير أمر معنوي فقد يصيبه هذا وقد ينتكس والعياذ بالله ولا ينتفع بحق، وإذا قلنا: إنه حسي فكذلك أيضًا، أليس النبي ﷺ قال: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام، أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار" (١).
لو قال قائل: هل يجوز للإنسان أن يقول: اليهود والنصارى إخوان القردة والخنازير؟
الجواب: لا بأس أن يقول هذا، لكن أنا عندي أنه غير مناسب، خصوصًا في مقام الدعوة تأتي مثلًا ليهودي تقول: تعال يا أخا القردة والخنازير آمن بمحمد ﷺ ، هذا لا يصح، لكن على سبيل الخبر قد يقال بالجواز، فعبد الله بن رواحة ﵁ لما جمعهم ليخرص عليهم النخل قال: إني جئتكم من أحب الناس إليّ وإنكم لأبغض إليّ من عدتكم من القردة والخنازير (٢).
الفائدة التاسعة: أن لا يستعصي على الإنسان طلب الشيء من الله ما دام ليس في طلبه عدوان، ولنضرب لهذا مثلًا: برجل مريض بمرض السرطان، بعض الناس يقولون: مرض
стр. 582
السرطان لا يرجى برؤه، وهذا هو الغالب بلا شك، لكن بعض الناس ييأس ويقول: كيف أدعو الله أن يبرئني من هذا المرض، والعادة أنه لا يبرأ منه، وهذا غلط عظيم؛ لأن الذي أوجد المرض قادر على رفعه، والذي خلقك ولم تكن شيئًا قادر على أن يعيدك كما كنت، ولهذا لما قال زكريا ﵊: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ [مريم: ٨] قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم: ٩] فلا تيأس فالله على كل شيء قدير.
الفائدة العاشرة: حكمة الله تعالى في العقوبة، حيث يجعل الجزاء من جنس العمل، وسيأتينا في قول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] أنهم عوقبوا بغل اليد، فالجزاء دائمًا يكون من جنس العمل، الجزء بالجزء والكل بالكل، سواء في الثواب أو في العقاب، ففي الحديث عن النبي ﷺ : "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضوٍ منه عضوًا من النار" (١) هذا في الثواب.
وفي العقاب: قال النبي ﷺ : "ويل للأعقاب من النار" (٢)؛ لأن التفريط حصل في الأعقاب، توضأ الصحابة ﵃
стр. 583
على عجل فكانوا يمسحون أقدامهم ولا يسبغون، فنادى ﵊: "ويل للأعقاب من النار"، وكذلك قال النبي ﵊: "ما أسفل من الكعبين ففي النار" (١)، فهنا الجزاء كان جزئيًّا على قدر المخالفة، وسبق أن قلنا: الحكمة في جعلهم قردة وخنازير، أن القرد أقرب ما يكون للإنسان، والحيلة التي فعلوها أقرب ما تكون للحل والإباحة ولكنها محرمة.
الفائدة الحادية عشرة: أن كل من عبد غير الله فقد عبد الطاغوت، يعني: عبد عبادة الطاغوت.
فإن قال قائل: هل يشمل هذا ما جاء في الحديث: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة" (٢)؟ قلنا: نعم، إذا جعل المال هو أكبر همه فإن هذا نوع من العبادة.
ومعني عبد الطاغوت أي: عبد عبادة الطاغوت، يعني: الطغيان، فالطغيان يعود على العابد، ولما أنزل الله تبارك تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ [الأنبياء: ٩٨، ٩٩] قال المشركون للرسول ﵊: إذًا عيسى ابن مريم في النار؛ لأنه ممن عُبدَ من دون الله، فأنزل الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا
стр. 584
الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١] وبَيَّنَ أن تمثيلهم بعيسى ما هو إلا جدل، قال تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٨].
الفائدة الثانية عشرة: أن من اتصفوا بهذه الصفات فهم شر الناس مكانًا، لقوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: أن من اتصف بهذه الصفات فهو أيضًا أضل الناس سبيلًا، لقوله: ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
* * *
° قال الله : ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾ [المائدة: ٦١].
قوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ الخطاب في قوله: ﴿جَاءُوكُمْ﴾: للنبي ﷺ وأصحابه، والفاعل: منافقو اليهود، حيث إنهم يأتون النبي ﷺ فيقولون: آمنا؛ لكن بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم.
قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ (الباء) هنا قالوا: إنها للملابسة والمصاحبة، يعني: متلبسين بالكيفر، ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾: أي: بالكفر متلبسين، فهم عند الدخول وعند الخروج على الكفر، حتى لو قالوا: آمنا، فإن قلوبهم لم تؤمن؛ لأنهم منافقون.
قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ من قبل خرجوا بالكفر، ويخرجون إذا دخلوا عليكم بالكفر أيضًا، حتى قال بعضهم يناصح بعضًا مع المسلمين: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٢، ٧٣].
стр. 585
قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾، أعلم منكم بما كانوا يكتمون، أي: يخفون من الكفر، واسم التفضيل هنا على بابه، وهكذا كلما جاء هذا الوصف بهذه الصيغة فهو على بابه اسم تفضيل، وقد غلط من فسره باسم الفاعل حيث قال في تفسير قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ قال: والله عليم أو عالم بما كانوا يكتمون؛ لأنه إذا قال: عليم أو عالم لم يمنع المشاركة، لكن إذا قال: أعلم، منع المشاركة، أعلم: يعني لا أحد مثله، لكن هم فروا من شيء فوقعوا في شر منه، قالوا: إذا قلت: أعلم فإن القاعدة أن اسم التفضيل يدل على اشتراك المفضل والمفضل عليه في الصفة، فتقول: نعم لا شك أن الرب والمخلوق مشتركان في أصل الصفة وهي العلم فلا بد من هذا، فإثبات العلم للمخلوق جاء في القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] لكن الذي يمتنع أن تجعل علم المخلوق كعلم الخالق، أما أن يشتركا في أصل الصفة فهذا لا بد منه حتى الحياة، حتى القدرة، حتى السمع، حتى البصر، لا بد من الاشتراك في أصل المعنى فنقول: أنتم منعتم من أن يكون اسم التفضيل على بابه؛ خوفًا من الاشتراك في أصل المعنى، لكن إذا قلتم: عالم أو عليم سويتم بين الخالق والمخلوق؛ لأن المخلوق يطلق عليه عليم، فلهذا لا يمكن أن تجد إنسانًا خرج عن مدلولات النصوص من الكتاب والسنة، إلا ووقع في شر مما حذره.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: التحذير من المنافقين؛ لأن الله لم يقص علينا قصصهم أو حالهم إلا لنحذر، لا لنعلم فقط.
стр. 586
الفائدة الثانية: إثبات علم الله ﵎ بما في القلوب، لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ فإثبات العلم بما في القلوب، ثابت لله .
الفائدة الثالثة: أنه ليس لنا أن نحكم إلا بما ظهر؛ لأن الله لم يخبرنا إلا لنحذر، ولو أننا بقينا على ما يبدو لنا لكان هؤلاء مؤمنين حسب ما يقولون، لكن الله أخبرنا بهذا لنحذره.
الفائدة الرابعة: تحذير المرء من أن يبطن في قلبه ما يخالف لسانه، وهذه مسألة يجب علينا أن نعالج أنفسنا منها، احذر أن تضمر في قلبك ما يخالف ما تنطق به بلسانك أو تفعله بجوارحك، يجب أن تصفي القلب أولًا، وتطهر القلب، ثم بعد ذلك تبني أعمالك على حسب هذه التصفية.
* * *
° قال الله : ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٢، ٦٣].
قوله: ﴿وَتَرَى﴾ الخطاب للرسول ﵊،
والظاهر أن المراد بالرؤية هنا: البصرية، ويجوز أن تكون علمية، ويكون قوله: كَثِيرًا مفعولًا أولًا، و"يسارعون": مفعولًا ثانيًا.
وقوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من هؤلاء الذين يأتون إليكم، ويقولون: إنهم مؤمنون؛ ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ يعني: يتسابقون إليه أيهم أسرع، والإثم فيما يتعلق بحق الله ، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي.
стр. 587
ومنهم من فسر الإثم: بالكذب، والعدوان: بالظلم، ولكنا إذا قلنا: الإثم فيما يتعلق بحق الله، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي كان أعم وأشمل.
قوله: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني: يسارعون في أكلهم السحت، يتسابقون إليه، السحت: كل كسب محرم، فيدخل في ذلك الربا ويدخل في ذلك الرشوة، ويدخل في ذلك الغش، وكل كسب محرم فهو داخل في لفظ السحت، ووصف بهذا الوصف المنفر لوجهين:
الوجه الأول: أنه لا بركة فيه.
الوجه الثاني: أنه سبب لسحت المال الموجود، فهو شر في نفسه شر في غيره، ولذلك إذا دخل الحرام على الإنسان؛ نزعت البركة من ماله واشتد طلبه للمال، يعني: يبتلى بالشح.
قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "اللام" هذه في جواب القسم والتقدير: والله لبئس ما كانوا يعملون، و"بئس": تعمل على أن ما بعدها فاعل، والمخصوص: محذوف، والفاعل هو الذي قام بالفعل، والمخصوص يكون مبتدأ، والفاعل يكون ضمن الجملة، فمثلًا إذا قلت: نعم الرجل زيد، أو بئس الرجل زيد، المخصوص زيد والفاعل الرجل، ولهذا نعرب (زيد) مبتدأ مؤخر، و (نِعْمَ الرجل) الجملة خبر مقدم، وفي الآية تكون "ما" فاعل والتقدير لبئس الذي يعملون، أي: لبئس ما كانوا يعملون عملهم، وإن شئت فاجعلها مصدرية ويكون الفاعل المصدر، والتقدير لبئس عملهم، والحاصل أن عملهم مذموم يصدق عليه هذا الوصف بئس ما كانوا يعملون، والذي عملوا المسارعة في الإثم
стр. 588
والمسارعة في العدوان وأكل السحت، وهذه الأمور الثلاثة مستحقة للذم.
قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هذا، فهي أداة تحضيض، ومَثَلَها مَثَلُ قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] أي: هلّا جاءوا.
قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَار﴾ الربانيون: المربون، والأحبار: العلماء الكبار، جمع حَبر أو حِبر، يقال: حَبْر وحِبر، وهو موافق في الاشتقاق مع البحر، فالباء والحاء والراء في البحر وفي: الحبر، ولهذا لا يطلق الحبر إلا على العالم الواسع العلم، والربانيون: هم المربون سواء كانوا علماء كبارًا أو غير علماء، والأحبار: هم العلماء الكبار كما تقدم.
قوله: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني أن الله حض الربانيين والأحبار على نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت، فما هو الإثم الذي يقولونه؟ أعظمه وأشده أنهم ينكرون رسالة النبي ﷺ وأعظم من ذلك أنهم يقولون: إن عزيرا ابن الله، والمسيح ابن الله، والقائل: عزير ابن الله اليهود، والقائل: المسيح ابن الله النصارى؛ هذا قول الإثم، كذلك يقولون الكذب، كما سبق أنهم يقولون لعوامهم قولًا يكذبون به الرسول، ويستمعون للكذب.
وقوله: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني: أكل المال المحرم، سواء بالرشوة أو بالربا، أو غير ذلك.
وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يقال في إعرابها ما قيل في الجملة التي قبلها, لكن الفاعل في يصنعون هنا ليس عائدًا
стр. 589
على ما تعود عليه الواو في يعملون الأولى؛ لأن الواو هنا عائدة إلى الربانيين والأحبار.
وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ الصنع والفعل بينهما خصوص وعموم مطلق؛ لأن الصنع إنما يكون فعلًا بترتيب وإعداد للقول أو للفعل بخلاف الفعل المجرد، فالفعل يطلق على كل فعل سواء كان عن قصد أو عن غير قصد، حتى البهيمة لو أكلت قلنا: إنها فعلت، لكن الصنع لا يكون إلا بتدبير وتنسيق وإصلاح، وذلك أن هؤلاء الربانيين والأحبار يصنعون ما يصنعون من كتمان الحق وعدم الأمر به؛ يريدون أن يبقوا وجهاء في قومهم؛ لأن الشيطان يقول لهم: إن نهيتموهم صريح أعداء لهم ولم تحصل لكم الرئاسة، فلذلك تجدهم يعملون هذا العمل عن ترتيب وعن سياسة كما يقولون.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الفائدة الأولى: أن من أوصاف هؤلاء اليهود أنهم يسارعون في هذه الأمور الثلاثة: الإثم والعدوان وأكل السحت.
الفائدة الثانية: أتى من سارع في الإثم والعدوان وأكل السحت؛ ففيه شبه من اليهود.
الفائدة الثالثة: أن هذا العمل عمل مذموم يستحق فاعله أن يذم، لقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
الفائدة الرابعة: تحريم قول الإثم وتحريم العدوان وتحريم أكل السحت؛ لأن الله تعالى ذم هذا العمل وقدح فيه.
فإن قال قائل: الآية الكريمة عبرت بالأكل، أرأيت لو كانوا لا يأكلون السحت؛ لكن يستعملونه في اللباس والفرش والمساكن والنكاح، فهل يدخل في أكلهم السحت؟
стр. 590
الجواب: نعم لا شك، لكنه عبر بالأكل؛ لأنه هو الغالب؛ ولأن أعلى ما يمكن أن ينتفع به الإنسان بالمال هو الأكل؛ لأنه يغذي البدن، لكن اللباس لا يغذي البدن، صحيح أنه يقي البدن كذلك المساكن والنكاح، لكن الذي يغذي البدن وينميه هو الأكل، فعبر به لهذا الوجه.
الفائدة الخامسة: التحذير من الكسب المحرم، وجهه أن الله سماه سحتًا، فاحذر أن تخسر الدنيا والآخرة بأكل المحرم.
الفائدة السادسة: أنه لا حرج أن نذم الأفعال المكروهة بقطع النظر عن فاعليها, لقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
الفائدة السابعة: عظم مسؤولية المربين والعلماء لقوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ فجعل الله اللوم على الربانيين والأحبار؛ لأنهم لم يقوموا بما أوجب الله عليهم من نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت.
الفائدة الثامنة: أن الواجب على العلماء والمربين النهي عن المحرم، لكن هل عليهم أن يهدوا الناس؟
الجواب: لا؛ لقول الله ﵎ للنبي ﷺ : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] , ويقول الله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢٢] , ولقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] فالإنسان إذا نهى أبرأ ذمته سواء امتثل من نهاه أم لم يمتثل.
الفائدة التاسعة: سوء صَنْعِ هؤلاء العلماء والربانيين لقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
стр. 591
الفائدة العاشرة: أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق بقطع النظر عن مكانتهم الشخصية، حتى لو فرض أنهم أهينوا أو أذلوا بسبب ذلك فالعاقبة لهم، قال الله تعالى للنبي ﷺ : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾ [هود: ٤٩].
لو قال قائل: متى يجب على الإنسان أن ينكر المنكر، هل إذا غلب على ظنه الإصلاح أم ماذا، ثم إنه قد يواجه بالاستهزاء؟
الجواب: الواجب إنكار المنكر سواء غلب على ظنه -يفعل- أو لم يغلب على ظنه، لكن بشروط معروفة، لكن إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدون حكمة فهذا الأمر لا تقام به حجة، بل فعله منكر يجب أن ينكر، ومسألة الاستهزاء فلا بد من هذا في الغالب، ولكن نقول: هل يحصل أذى ولا أقصد الأذى النفسي بل الأذى الجسمي، فإن لم يحصل يصبر الإنسان ويحتسب، ورب كلمة سمعها واحد من هؤلاء فتنفعه، ولكن لا يشترط الإعلان في الأمر، بل يستطيع أن يمسك الرؤساء خاصة من هؤلاء القوم، يتكلم معهم بهدوء ويبين لهم، والرؤساء إذا وفقت لهدايتهم اهتدى بهدايتهم كثير من الناس.
لو قال قائل: الإنسان أحيانًا يجد في نفسه وإن كان صالحًا في نفسه إلا أنه لا يجد عنده القوة والقدرة على الإصلاح فيحس بالرهبة فكيف تزول هذه الصفة؟
الجواب: الحمد لله هذه الرهبة تزول إذا قرأت قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وعرفت أنك قمت بما استطعت، فأنت إذا قمت بما استطعت كأنما قمت بالكمال
стр. 592
كله؛ لأنك ممتثل لأمر الله ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها, لكن الذي يدخل على الإنسان في هذه المسألة هو التأويل أحيانًا، إذ يقول لنفسه: المقام هنا ليس مقام تذكير أو أمر أو نهي؛ لعلي أتكلم في مكان آخر أو ما أشبه ذلك، هذا اجتهاد، والإنسان مأجور عليه إما أجران وإما أجر واحد، وأما أن يكلف الإنسان نفسه وأن يريد من الناس أن يصلحوا على يديه، هذا مستحيل، بل قال الله لنبيه ﵊: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣] وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ [الكهف: ٦] أما إذا كانت هذه الحال صفة دائمة فليحاول أن يعالجها فلا يكون جبانًا ولا يكون ثقيلًا على الناس أيضًا، والإنسان الذي يسأل الله دائمًا التوفيق والحكمة والسداد ييسر لذلك.
لكن لو قال قائل: أحيانًا تجد شخصًا على معصية ومن شكله تعرف أنه لن يقبل فما العمل؟
الجواب: ما أكثر هذا وما أكثر انتفاعهم من الناس، تجد الواحد منهم ليس على شكله سيما أهل الخير، هذا صحيح، وتظن أنه كذلك، لكن تجد نفسه لينة وهذا مجرب، فقد يكون حليق اللحية مسبل الثوب ووجهه ليس بوجه خير، لكن سبحان الله تجد قلبه لينًا، أقل ما يقول لك إذا لم تأته بعنف يقول: جزاك الله خيرًا وأسأل الله الهداية وهذا مجرب، خذ بيده لكن بسهولة وتنحى به عن الطريق قليلًا تجد فيه خيرًا كثيرًا، لكن بلاؤنا من
стр. 593
أنفسنا إذا رأينا الرجل مخالف يغار الإنسان ولا يتحمل ثم يبتدئ يتكلم بكلام ينفر صاحبه.
لو قال قائل: أحيانًا يجلس الإنسان مع العاصي ولا يستطيع نصحه، وأيضًا قد لا تتوفر الفرصة لنصحه مرة أخرى، فماذا يصنع في هذه الحال؟
الجواب: إذا كان لا يمكنه اللقاء به إلا في هذه الجلسة فربما يسمح له في نصحه، وأما إذا كان لا يمكنه نصحه فليقم عن المعصية ولينصحه في وقت آخر.
لكن لو قيل: قيامه يحدث مفسدة، لا سيما إن كان جلوسه مع الأقارب يعني كونه يقوم من مجلس الضيوف؟
نقول يستطيع الإنسان أن يقوم مُوَرِّيًا إما أن يضع يده على أنفه كأنه حصل له رعاف وإما أن يقوم ويضع يده على رأسه كأن رأسه به وجع.
لو قال قائل: في بعض الأحيان يكون الإنسان في سيارة ومعه قوم لا يريدون النصيحة، فهل ينصحهم أم ماذا؟
الجواب: راكب السيارة لا يصح بمجرد ركوبه السيارة يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثم يأتي بمواعظ لن يحتملوا هذا، لكن يستطيع أن يدخل إلى عقولهم بأشياء، إما قصصًا ولتكن قصصًا مضحكة أو مسائل علمية غريبة يلقيها عليهم حتى تتهيأ أذهانهم لهذا، وإلا فمن المعلوم أن الواحد إذا جلس مجلسًا فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم يعظهم سيستثقلون هذا, ولكل مقام له مقال.
لو قال قائل: أحيانًا يجلس الإنسان مع جماعة يكونون على منكر فلو أنه قام مباشرة لم ينكر هذا المنكر، وأيضًا لا يستطيع
стр. 594
أن ينكر عليهم مباشرة، فهل يجلس معهم لكي يستطيع إنكار هذا المنكر أم ماذا؟
الجواب: لا بأس كالطبيب يشق الجرح ويشم رائحة كريهة من أجل إصلاحه، ولأحد العلماء تأثير بالغ في بعض جهات المملكة، كان يدخل معهم في منكرهم ويحتفل معهم في احتفالاتهم.
لو قال قائل: إنسان رأى رجلًا مع امرأة في سيارته، وليست المرأة من محارمه، ويستطيع منعها بدون فتنة، هل له منعها أو لا؟
الجواب: والله لا أدري، أتوقف في هذا، إذا كان لا يحدث فتنة وهو قادر على المنع فأنا أتوقف فيه، لو فرضنا هذه المسألة وقعت وهذا الرجل يمكنه أن يوقف السيارة ويقول: يا فلان! أنزل هذه المرأة، مَنْ هذه المرأة؟ فإن حصلت لواحد من الناس الذين نريد أن نُغَيِّرَ عليهم قد لا تحصل للآخرين، فنتوقف من أجل أن نخشى أن العواقب قد تكون وخيمة من أناس آخرين.
لو قال قائل: إذا غلب على ظن إنسان بأن فلانًا سوف يرتكب المنكر الفلاني وأخذ يتغيب هذا الذي يريد أن يرتكب المنكر، فهل لهذا الغالب على ظنه أن يتتبع وينظر هل سيفعل هذا المنكر أم لا، وذلك لكي ينكر عليه؟
الجواب: يعني: هل لنا أن نبحث ونتجسس عن المنكر؟ القاعدة العامة: إذا وجدت قرائن فلا بأس، وإن لم توجد قرائن فالأصل البراءة.
* * *
стр. 595
° قال الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤].
قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ اليهود: هم الذين يَدَّعون أنهم أتباع موسى ﵊ وسموا بذلك؛ قيل: إنه من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: من الَهْودِ وهو الرجوع، وقيل: إنه نسبة إلى أبيهم يهوذا, ولكنها عربت فصارت يهودا، وأيًّا كان فالمراد به: من ينتسبون إلى موسى ﵊.
وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أولًا: قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ ولم يقولوا: "يدا" بالألف؛ لأنهم يريدون أن ينقصوا صفة الله في ذاتها وفي تصرفاتها، أما في ذاتها فمعلوم أن ذا اليدين أكمل من ذي اليد الواحدة، وأما في تصرفاتها فقولهم إنها: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أي: محبوسة عن الإنفاق، وذلك أن اليد إما أن تكون مغلولة مضمومة إلى العنق، بحيث لا تنبسط حتى تعطي، وإما أن تكون مبسوطة تعطي، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩].
وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي: محبوسة عن الإنفاق، كما قالوا أيضًا في وصف آخر: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] , فوصفوا الله مرة بالبخل ومرة بالفقر، عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة؛ لأنهم أهل مال وأهل طمع ويريدون أن يغدق الله عليهم
стр. 596
المال على حسب ما يريدون، فإذا لم يكن المال على حسب ما يريدون قالوا: هذا بخل من الله أو فقر منه.
قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فقلت أيديهم: وهذا خبر وليس دعاءً؛ لأنه صادر من عند الله ، والله يخبر ولا يدعو، هذا هو الأصل، أن ما أخبر الله به عن نفسه فهو خبر عن نفسه ووقوع -أي: وقوع الشيء- إلا إن دل دليل ربما يكون دليل على أن الله جلَّ وعلا عَلَّمَ العباد أن يدعوا، وأما أن يسأل نفسه أن يفعل فلا يرد.
الحاصل أن الله أخبر أن أيديهم غُلت، أي: حبست عن الإنفاق، ولهذا نقول: إن أشد الناس بخلًا هم اليهود من جميع الأمم، ولا يمكن لليهودي أن يبذل دينارًا، إلا وهو يريد أن يعود عليه الدينار بدينارين، أو فلسًا إلا وهو يريد أن يعود عليه بفلسين، لا تفكر في غير هذا؛ لأنهم قد غلت أيديهم.
قوله: ﴿وَلُعِنُوا﴾ أي: طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عنها؛ بسبب هذا القول ولهذا قال: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ و"الباء" هنا: واضح جدًّا أنها للسببية، وأما: "ما" فيحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة، فإن كانت مصدرية فالتقدير: ولعنوا بقولهم، وإن كانت موصولة فالتقدير: ولعنوا بما قالوه، ولو جاء الضمير قالوه لتعين أن تكون اسمًا موصولًا لكنه حذف.
على كل حال سواء جعلناها مصدرية أو موصولة؛ فإنها تفيد أن هذه هي العقوبة التي حلت بهم بسبب قولهم.
قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ "بل" هنا: للإضراب الإبطالي، ليبطل قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فقال: بل يداه ولم يقل: يده؛ لأن
стр. 597
له يدين اثنتين ، مبسوطتان: يعني غير مقبوضتين فضلًا عن أن تكونا مغلولتين.
قوله: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ﴿يُنْفِقُ﴾ يعني: يعطي المال، ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي: على أي كيفية شاء، إن شاء بسط وإن شاء قدر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] فقد يعطي وقد يمنع على حسب ما تقتضيه الحكمة، وليس على حسب ما يريده الإنسان، ولهذا قد يريد الإنسان كسبًا كثيرًا بعمل من الأعمال ولكنه يخذل، وقد يعمل عملًا يسيرًا لا يظن أنه يكسب به كثيرًا ويكسب به شيئًا كثيرًا.
قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ "زاد" هنا: ينصب مفعولين، ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول: "كثيرًا"، والثاني: "طغيانًا"، وأما قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ فـ"ما" هنا: فاعل، يعني: أن ما أنزل إلى الرسول ﵊ يزيد كثيرًا منهم -وليس كلهم- طغيانًا على عباد الله وفي حق الله، وكفرًا بالله . و"اللام" في قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، وعليه فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر تقديره: ﴿وَاللَّهُ﴾، واللام، ونون التوكيد، وإنما أكد الله ذلك لأهميته ولئلا ينكر منكر أن يكون النازل شفاءً لما في الصدور -وهو القرآن- يزيد هؤلاء طغيانًا وكفرًا، لكن لا تعجب.
إذًا ﴿طُغْيَانًا﴾: في حق الله وحق عباده، ﴿وَكُفْرًا﴾ أي: بما أنزل إلى الرسول ﵊، فلن ينتفعوا بما أنزل إلى الرسول ﵊.
стр. 598
قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ يحتمل أن تكون "الواو"استئنافية، وأن تكون معطوفة على قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ومعنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾، أي: وضعناها بينهم، أي: العداوة والبغضاء، والبغضاء مؤنثة، والبغض مذكر، وهما بمعنى واحد، والعدو: ضد الولي، والبغيض: ضد الحبيب، أي: أن الله ألقى بينهم البغضاء في القلوب والمعاداة في الأبدان والأقوال، فلا أحد ينصر أحدًا ولا أحد يوالي أحدًا ولا أحد يحب أحدًا، بينهم العداوة والبغضاء، إلى يوم القيامة، يعني: إلى آخر الدنيا، واليهود بعضهم عدو لبعض، وبعضهم بغيض لبعض؛ لأن الله تعالى أخبر بأنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وخبره حق ووعده صدق.
قوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ "كلما" هذه شرطية، فعل الشرط فيها: "أوقدوا"، والجواب: "أطفأها الله"، أي: كلما أرادوا الحرب وأوقدوا نارها، فإن الله يطفئها, ولن تقوم لهم قائمة بل هم مخذولون، ويدل لهذا قول الله تعالى في آية أخرى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢].
قال العلماء: الحبل من الله: الإِسلام، والحبل من الناس: العهد والميثاق، وقيل: الحبل من الناس: المساعدة والسبب الذي يَعِزُون به؛ لأن الحبل يطلق على السبب كما في قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] أي: بدينه الذي هو سبب للسعادة.
إذًا: نقول: إن الله بيَّن أن هؤلاء اليهود كلما
стр. 599
أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، أي: لم ينالوا بها مرادهم، وليس المعنى أن الحرب لم تقم، بل تقوم الحرب وقد قامت بينهم وبين المسلمين في عدة وقائع لكن النتيجة: أن الله يطفئها ولا يحقق لهم ما يريدون من أكل هذه النار لعدوهم.
قوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ "يسعون" أي: يلقون فيها الفساد، وعبر بالسعي إشارة إلى مسارعتهم في هذا, ولهذا كان اليهود أفسد أهل الأرض في الأرض لما لهم من الوقائع، ومن أراد أن يطلع على شيء في ذلك فليراجع كتاب: "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" لابن القيم ﵀.
قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ لم يقل: ولا يحبهم؛ لإرادة العموم وبيان العلة، فمثلًا: لا يحب المفسدين من اليهود وغير اليهود، أيضًا تفيد أن الله لا يحب هؤلاء لأنهم مفسدون، وهذا أعم، فكل مفسد فإن الله لا يحبه.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: بيان عدوان اليهود وأنهم يصرحون بالعدوان والاعتداء، حتى في حق الخالق ، لقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.
الفائدة الثانية: أن اليهود يقرون بصفات الله الحقيقية؛ لأنه لا يقال: يد أحد مغلولة إلا لمن له يد، فيكون إقرار اليهود بالصفات الخبرية أحسن من إنكارهم، وإن كان اليهود ليس لهم دين لكن يجب أن يقبل الحق من أي إنسان.
الفائدة الثالثة: الإشارة إلى حرص اليهود على المال، وجه الدلالة: أنهم لم يحملهم على هذا القول إلا الجشع والطمع.
стр. 600
الفائدة الرابعة: تنزيه الله عن البخل، ووجه ذلك: أن الله عاقبهم على هذه المقالة، ولا يعاقب ﵎ إلا على شيء محرم.
الفائدة الخامسة: الإشارة إلى بخل اليهود، لقولهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، وقد سبق أن هذا خبر وليس دعاء.
الفائدة السادسة: أن اليهود ابتلوا بهذين الأمرين: البخل واللعنة، فهم أبعد الناس عن رحمة الله، أو من أبعد الناس عن رحمة الله، لقوله: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ ولم يبين الله من اللاعن لإفادة العموم، أن الله يلعنهم ويلعنهم اللاعِنون أيضًا، وهذا كقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بعد قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم لإفادة العموم، وأن هؤلاء مغضوب عليهم من قبل الله ومن قبل أولياء الله.
الفائدة السابعة: إثبات الأسباب، لقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ يعني: إن الله لم يغل أيديهم ويلعنهم إلا بسبب قولهم، والأسباب نوعان: حسية وشرعية وكلاهما ثابت، من الأسباب الشرعية: أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة، والكفر سبب لدخول النار.
من الأسباب الحسية: ما نجده في الكون كون النار محرقة، والصقيع مجمد للماء والأكل سبب للشبع، وما أشبه ذلك، هذه أسباب حسية، ولا تحصى أفرادها.
وهل الأسباب مؤثرة بنفسها؟
الجواب: لا، لكنها مؤثرة بإرادة الله بما أودع فيها من القوى المؤثرة، وهذا القول هو الذي تدل عليه دلالات