← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المال على حسب ما يريدون، فإذا لم يكن المال على حسب ما يريدون قالوا: هذا بخل من الله أو فقر منه. قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فقلت أيديهم: وهذا خبر وليس دعاءً؛ لأنه صادر من عند الله ، والله يخبر ولا يدعو، هذا هو الأصل، أن ما أخبر الله به عن نفسه فهو خبر عن نفسه ووقوع -أي: وقوع الشيء- إلا إن دل دليل ربما يكون دليل على أن الله جلَّ وعلا عَلَّمَ العباد أن يدعوا، وأما أن يسأل نفسه أن يفعل فلا يرد. الحاصل أن الله أخبر أن أيديهم غُلت، أي: حبست عن الإنفاق، ولهذا نقول: إن أشد الناس بخلًا هم اليهود من جميع الأمم، ولا يمكن لليهودي أن يبذل دينارًا، إلا وهو يريد أن يعود عليه الدينار بدينارين، أو فلسًا إلا وهو يريد أن يعود عليه بفلسين، لا تفكر في غير هذا؛ لأنهم قد غلت أيديهم. قوله: ﴿وَلُعِنُوا﴾ أي: طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عنها؛ بسبب هذا القول ولهذا قال: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ و"الباء" هنا: واضح جدًّا أنها للسببية، وأما: "ما" فيحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة، فإن كانت مصدرية فالتقدير: ولعنوا بقولهم، وإن كانت موصولة فالتقدير: ولعنوا بما قالوه، ولو جاء الضمير قالوه لتعين أن تكون اسمًا موصولًا لكنه حذف. على كل حال سواء جعلناها مصدرية أو موصولة؛ فإنها تفيد أن هذه هي العقوبة التي حلت بهم بسبب قولهم. قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ "بل" هنا: للإضراب الإبطالي، ليبطل قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فقال: بل يداه ولم يقل: يده؛ لأن

стр. 597

له يدين اثنتين ، مبسوطتان: يعني غير مقبوضتين فضلًا عن أن تكونا مغلولتين. قوله: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ﴿يُنْفِقُ﴾ يعني: يعطي المال، ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي: على أي كيفية شاء، إن شاء بسط وإن شاء قدر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] فقد يعطي وقد يمنع على حسب ما تقتضيه الحكمة، وليس على حسب ما يريده الإنسان، ولهذا قد يريد الإنسان كسبًا كثيرًا بعمل من الأعمال ولكنه يخذل، وقد يعمل عملًا يسيرًا لا يظن أنه يكسب به كثيرًا ويكسب به شيئًا كثيرًا. قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ "زاد" هنا: ينصب مفعولين، ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول: "كثيرًا"، والثاني: "طغيانًا"، وأما قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ فـ"ما" هنا: فاعل، يعني: أن ما أنزل إلى الرسول ﵊ يزيد كثيرًا منهم -وليس كلهم- طغيانًا على عباد الله وفي حق الله، وكفرًا بالله . و"اللام" في قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾ واقعة في جواب القسم، وعليه فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر تقديره: ﴿وَاللَّهُ﴾، واللام، ونون التوكيد، وإنما أكد الله ذلك لأهميته ولئلا ينكر منكر أن يكون النازل شفاءً لما في الصدور -وهو القرآن- يزيد هؤلاء طغيانًا وكفرًا، لكن لا تعجب. إذًا ﴿طُغْيَانًا﴾: في حق الله وحق عباده، ﴿وَكُفْرًا﴾ أي: بما أنزل إلى الرسول ﵊، فلن ينتفعوا بما أنزل إلى الرسول ﵊.

стр. 598

قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ يحتمل أن تكون "الواو"استئنافية، وأن تكون معطوفة على قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ومعنى قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾، أي: وضعناها بينهم، أي: العداوة والبغضاء، والبغضاء مؤنثة، والبغض مذكر، وهما بمعنى واحد، والعدو: ضد الولي، والبغيض: ضد الحبيب، أي: أن الله ألقى بينهم البغضاء في القلوب والمعاداة في الأبدان والأقوال، فلا أحد ينصر أحدًا ولا أحد يوالي أحدًا ولا أحد يحب أحدًا، بينهم العداوة والبغضاء، إلى يوم القيامة، يعني: إلى آخر الدنيا، واليهود بعضهم عدو لبعض، وبعضهم بغيض لبعض؛ لأن الله تعالى أخبر بأنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وخبره حق ووعده صدق. قوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ "كلما" هذه شرطية، فعل الشرط فيها: "أوقدوا"، والجواب: "أطفأها الله"، أي: كلما أرادوا الحرب وأوقدوا نارها، فإن الله يطفئها, ولن تقوم لهم قائمة بل هم مخذولون، ويدل لهذا قول الله تعالى في آية أخرى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]. قال العلماء: الحبل من الله: الإِسلام، والحبل من الناس: العهد والميثاق، وقيل: الحبل من الناس: المساعدة والسبب الذي يَعِزُون به؛ لأن الحبل يطلق على السبب كما في قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] أي: بدينه الذي هو سبب للسعادة. إذًا: نقول: إن الله بيَّن أن هؤلاء اليهود كلما

стр. 599

أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله، أي: لم ينالوا بها مرادهم، وليس المعنى أن الحرب لم تقم، بل تقوم الحرب وقد قامت بينهم وبين المسلمين في عدة وقائع لكن النتيجة: أن الله يطفئها ولا يحقق لهم ما يريدون من أكل هذه النار لعدوهم. قوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ "يسعون" أي: يلقون فيها الفساد، وعبر بالسعي إشارة إلى مسارعتهم في هذا, ولهذا كان اليهود أفسد أهل الأرض في الأرض لما لهم من الوقائع، ومن أراد أن يطلع على شيء في ذلك فليراجع كتاب: "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" لابن القيم ﵀. قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ لم يقل: ولا يحبهم؛ لإرادة العموم وبيان العلة، فمثلًا: لا يحب المفسدين من اليهود وغير اليهود، أيضًا تفيد أن الله لا يحب هؤلاء لأنهم مفسدون، وهذا أعم، فكل مفسد فإن الله لا يحبه. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: بيان عدوان اليهود وأنهم يصرحون بالعدوان والاعتداء، حتى في حق الخالق ، لقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. الفائدة الثانية: أن اليهود يقرون بصفات الله الحقيقية؛ لأنه لا يقال: يد أحد مغلولة إلا لمن له يد، فيكون إقرار اليهود بالصفات الخبرية أحسن من إنكارهم، وإن كان اليهود ليس لهم دين لكن يجب أن يقبل الحق من أي إنسان. الفائدة الثالثة: الإشارة إلى حرص اليهود على المال، وجه الدلالة: أنهم لم يحملهم على هذا القول إلا الجشع والطمع.

стр. 600

الفائدة الرابعة: تنزيه الله عن البخل، ووجه ذلك: أن الله عاقبهم على هذه المقالة، ولا يعاقب ﵎ إلا على شيء محرم. الفائدة الخامسة: الإشارة إلى بخل اليهود، لقولهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾، وقد سبق أن هذا خبر وليس دعاء. الفائدة السادسة: أن اليهود ابتلوا بهذين الأمرين: البخل واللعنة، فهم أبعد الناس عن رحمة الله، أو من أبعد الناس عن رحمة الله، لقوله: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ ولم يبين الله من اللاعن لإفادة العموم، أن الله يلعنهم ويلعنهم اللاعِنون أيضًا، وهذا كقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بعد قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم لإفادة العموم، وأن هؤلاء مغضوب عليهم من قبل الله ومن قبل أولياء الله. الفائدة السابعة: إثبات الأسباب، لقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ يعني: إن الله لم يغل أيديهم ويلعنهم إلا بسبب قولهم، والأسباب نوعان: حسية وشرعية وكلاهما ثابت، من الأسباب الشرعية: أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة، والكفر سبب لدخول النار. من الأسباب الحسية: ما نجده في الكون كون النار محرقة، والصقيع مجمد للماء والأكل سبب للشبع، وما أشبه ذلك، هذه أسباب حسية، ولا تحصى أفرادها. وهل الأسباب مؤثرة بنفسها؟ الجواب: لا، لكنها مؤثرة بإرادة الله بما أودع فيها من القوى المؤثرة، وهذا القول هو الذي تدل عليه دلالات

стр. 601

الكتاب والسنة والعقل، وأما من قال: إنه لا تأثير لها؛ فقد قال قولًا يضحك منه السفهاء، ومن قال: إنها مؤثرة بطبيعتها؛ فقد قال: قولًا منكرًا. أما الأول: الذي يقول: إنها لا تؤثر؛ فهذا قال قولًا يضحك منه السفهاء، فيكون إذا أكل الإنسان وهو جائع ثم شبع؛ فليس سبب شبعه الأكل، لكن حصل الشبع عند الأكل وإلا فإن الأكل لم يشبعه، وإذا وضعت ورقة في النار واحترقت فالنار لم تحرقها، إنما احترقت عند النار -سبحان الله-! ولو ضربت زجاجة بحجر وانكسرت فالحجر لم يكسرها، انكسرت عنده لا به، هذا شيء أدنى صبي يعرف أنه غلط، والذين قالوا: إنها مؤثرة بطبيعتها أيضًا أشركوا بالله، أثبتوا خالقًا مع الله، وهؤلاء نرد عليهم بأن الله تعالى خالق كل شيء، وبأن الله تعالى قد يغير حقائق هذه الأشياء، ومن ذلك أن الله قال للنار التي أضرمت وكانت سعيرًا عظيمًا ليلقى فيها إبراهيم وألقي فيها، قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا على إبراهيم، فهذا يدل على أن الأسباب لا تؤثر بذاتها إنما تؤثر بما أودع الله فيها من القوى، وإلا فقد يوجد موانع، بل حتى الأسباب الشرعية قد يوجد لها موانع، فمثلًا سبب الإرث: القرابة، وإذا كان قريبًا مخالفًا لقريبه في الدين لم يرث منه. فالمهم أن نقول: من أثبت أن الأسباب تؤثر بذاتها فهو مشرك، ومن نفى تأثيرها مطلقًا فهو سفيه، بقي أن نقول: تؤثر بما أودع الله فيها من القوى المؤثرة التي قد تتخلف بإرادة الله ومشيئته.

стр. 602

الفائدة الثامنة: أن الجزاء من جنس العمل، لقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ فإن قوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ يفيد فحوى الخطاب وقوة الخطاب، أنهم إنما عوقبوا بمثل ما فعلوا. الفائدة التاسعة: إثبات اليدين لله ، لقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. الفائدة العاشرة: أنهما اثنتان لا زيادة فيهما ولا نقص فيهما؛ لأن المحصور بعدد يتعين أن لا يزيد عنه ولا ينقص، فمثلًا قولك عندي له دراهم يحتمل ثلاثة وعشرة ومائة وألف، لكن عندي له ثلاثة دراهم لا يحتمل زيادة ولا نقص، فكل شيء محصور بعدد فإنه يقتضي ألّا يزيد عنه ولا ينقص. إذًا: الله له يدان اثنتان، وهذا ما أجمع عليه السلف لدلالة القرآن والسنة عليه. لكن لو قال قائل: قولكم: كل شيء محصور بعدد فإنه يقتضي ألا يزيد عنه ولا ينقص، يشكل عليه قوله ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظله" (١) وقوله ﷺ : "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" (٢) قد وردت في عدة أوصاف أكثر من الثلاثة؟

стр. 603

الجواب: لولا الأدلة وورود أحاديث لاقتصرنا على هذا العدد ولقلنا: ليس هناك أحد إلا هؤلاء السبعة، ثم إن العدد في قوله ﷺ : "سبعة يظلهم الله" هذا في باب حصر الأوصاف لا الأعيان. فإن قال قائل: ألم يقل الله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾ [يس: ٧١]، ألم يقل الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]. الجواب: بلى، لكن الجواب أن الآية الأولى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ لا يراد بها اليد الحقيقية، بل المراد مما عملت أيدينا، أي: مما عملنا، لكن العرب يطلقون اليد على الفاعل، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ومعلوم أن كسبنا لا يختص باليد، بل يكون باليد وبالرجل واللسان والعين والأنف والفرج والقلب، لكن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، فالتعبيرات الموجودة في كلام العرب تكون في القرآن، ولذلك لو أن المراد باليد هنا حقيقة اليد دون الفاعل؛ لكانت الإبل أشرف منا؛ لأننا نحن خلقنا بالكلمة إلا آدم خلقه الله بيده، والإبل على تقدير أن المراد عملها الله تعالى بيده خلقت باليد. أما المفرد: فلا ينافي التعدد؛ لأن من القواعد المعروفة أن المفرد المضاف يعم ما يقتضيه مدلوله، فمثلًا لو قال رجل: امرأتي طالق، وعنده امرأتان؛ طلقت المرأتان إلا إذا أراد واحدة، ولو قال: عبدي حر وعنده أعبد؛ عتق الأعبد كلهم إلا بنيَّة، فعليه نقول: المفرد لا ينافي التثنية لأن المضاف يعم،

стр. 604

والجمع لا ينافي التثنية؛ لأنه ليس المراد به حقيقة اليد بل المراد بها الذات، يعني: مما عمله الله ، ولكن جمعت في قوله: ﴿بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢] للتناسب بين المضاف والمضاف إليه، فإن "نا" موضوعًا للجمع أو للتعظيم فجمعت الأيدي، تعظيمًا لها وتكريمًا لها ولمراعاة المضاف إليه، بحيث يتناسب الكلام بعضه مع بعض، المهم أن يثبت أن لله يَدَيْن. وهنا أسئلة، هل هما حقيقيتان أو لا؟ الجواب: نعم، هما يدان حقيقتان، ومن فسرهما بقوة فقد قال على الله ما لا يعلم، بل ما دل النص على خلافه، ولذلك نقول: كل محرف للنص عن ظاهره فقد ارتكب خطأين: الأول: صرفه عن ظاهره المراد به، والصاني: إثبات معنىً لم يراد به، إذًا: المراد اليدان الحقيقيتان. السؤال الثاني: هل هاتان اليدان تماثلان أيدي المخلوقين؟ الجواب: لا، لا يمكن؛ لأن كل صفة ظاهرها التمثيل، وأقول: ظاهرها باعتبار الظاهر السطحي، فإنه مردود لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. السؤال الثالث: هل اليد هذه تأخذ وتقبض وتهز أو لا؟ الجواب: نعم؛ لأن ذلك وردت به السنة، بل ورد في القرآن: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. هل هاتان اليدان توصفان بأنهما يمين وشمال؟ الجواب: في هذا قولان للسلف: منهم من قال: لا،

стр. 605

وأنكر لفظ الشمال الوارد في صحيح مسلم (١)، ومنهم من قال: بلى، وكل منهما له شبهة، لكن الصواب أنها تثبت، وأن معنى قول النبي ﷺ : "اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين" (٢) يعني: اليُمن والبركة والتساوي؛ لأن المخلوق الذي له يمين وشمال، تختلف اليمين والشمال، تختلف في القوة حتى في القوة الجسمية تختلف، لكن يدا الله وأريد التثنية لا تختلف، كلتاهما يمين وهذا هو الصحيح، أننا نثبت الشمال لله لكن لا على أنها ناقصة عن اليمين بل كلتاهما يمين. الفائدة الحادية عشرة: كثرة عطاء الله وجوده، لقوله: ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ لا يمكن أن تقبضا بالنسبة للعطاء ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ولهذا قال النبي ﵊: "يد الله ملأى سحّاء الليل والنهار" "ملأى" يعني: مملوءة من الخير والجود والبركة، "سحّاء": كثيرة العطاء، "الليل والنهار": ظرف يعني: يعطي ليلًا ونهارًا "لا يغيضها نفقة"، يعني: ولا ينقصها ما أنفق وأعطى ، ثم ضرب مثلًا فقال: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ ".

стр. 606

الجواب: نعم رأينا لكن لا نحصيه، "فإنه لم يغض ما في يمينه" (١) أي: لم ينقص ما في يمينه ﵎، إذًا: يد الله مبسوطة ملأى سحّاء الليل والنهار. الفائدة الثانية عشرة: أن عطاء الله ومنعه تابع لمشيئته، لقوله ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فهذا يعطيه أموالًا كثيرة، وهذا يعطيه صحة كبيرة وعقلًا كبيرًا، وهذا بالعكس، وهذا وسط، فجميع ما ينفقه الله من العطاء المعنوي والعطاء الحسين يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ. ويجب أن يكون لديك قاعدة: أن كل شيء قرنه الله بمشيئة فإنه مقيد بالحكمة، يعني: ليست مشيئة مجردة كما ذهب إليه بعض الجهمية الذين يقولون: إن الله يفعل الشيء لمجرد المشيئة وليس لحكمة؛ لأنه لا يسأل عما يفعل، فلا يقال: ما حكمة كذا؟ ولماذا فعل كذا؟ بل نقول: إن كل شيء مقيد بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، والدليل ما لا يحصى مما وصف الله به نفسه بأنه حكيم وأنه أحكم الحاكمين، ومعلوم أن الحكيم لا يصدر عنه فعل إلا لحكمة. ثانيًا: أن الله قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]. ففي هذا إشارة إلى أن مشيئته تابعة لحكمته.

стр. 607

وعلى هذا إذا وقع شيء في الدنيا من الحوادث الأرضية والسماوية واستنكرته وقلت: لِم يقع؟ فهنا يجب أن تقول لذهنك الذي فرض هذا السؤال، أن تقول: لحكمة، لكن لا يلزم أن نحيط بحِكم الله ، كما أن جميع صفاته لا نحيط بها فكذلك حكمته، قد تكون هناك حكمة خفية ما تعلم إلا بعد زمان، لكن يجب عليك أيها المؤمن أن تؤمن بأن كل شيء فعله الله فإنه لحكمة، لا يمكن أن يكون لعبًا ولا لهوًا، فاعرف هذا، إذا عرفت هذا وعرفت أن مشيئته مقرونة بالحكمة، فلا تقل: لماذا كان هذا السيد في قومه فقيرًا، ولا لماذا كان لكع بن لكع غنيًّا؟ ! لا تقل هذا: لماذا؟ لأننا نعلم أن هذا العطاء أو هذا المنع من الله وأنه مقرون بالحكمة. لو قال قائل: بعض أهل العلم يقول: إن الحكمة يكشفها الله للناس يوم القيامة، فهل هذا القول صحيح، وهل عليه دليل؟ الجواب: والله لا أدري هل تؤخذ من أن الله بَيَّن أنه يوم القيامة يبين للناس ما ذكروا به فالله أعلم، لكن من حكمة الله أنه جعل بعض الحِكم خفية لأنه لا تتحقق عبودية الإنسان إلا إذا انقاد لما ظهرت حكمته وما لم تظهر، لكن لو كان كل شيء بَيِّن لكان الأمر واضحًا، فإخفاء بعض الحكم لا شك أنه من حكمة الله ، ولذلك تمام الانقياد أن نقول: سمعنا وأطعنا, ولا نسأل. وهنا أنبه على مسألة ربما كانت غائبة على كثير من الناس وهي أنه إذا قيل: أمر الله بكذا أو أمر الرسول بكذا، قال: هل

стр. 608

الأمر للاستحباب أم للوجوب؟ هذا ليس بصواب، كمال العبودية أن تقول: سمعنا وأطعنا، وتفعل، نعم إذا تورطت في الأمر وخالفت المأمور أو فعلت المحظور حينئذٍ لا بأس أن تسأل لأجل إذا كان على سبيل الوجوب تستعتب، وإذا كان النهي على سبيل التحريم تستعتب أيضًا، وأنا أعتقد أنه ليس من تمام العبودية أنك إذا أمرت تقول: هل أنا ملزم أو غير ملزم؟ الآن ولله المثل الأعلى، لو قال لك أبوك مثلًا: يا فلان، اذهب اشترِ كذا هل يستقيم أن تقول: ملزم أو غير ملزم؟ لا يستقيم، ولذلك الصحابة أنفسهم ﵃ لا أعلم الآن أن أحدًا منهم إذا أمر الرسول بشيء قال: يا رسول الله أعلى سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحبياب؟ أنا لا أعلم، وإنما يستفصلون أحيانًا والاستفصال في موضع الإجمال حق، القلم لما أمره رب العرش وقال له: اكتب، قال له: ماذا أكتب؟ (١). لو قال قائل: لماذا نقف على قوله: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ حيث إنه توجد علامة وقف لازم بالمصحف؟ الجواب: وجه ذلك أن الأول خبر عما كان لليهود، والثاني: خبر عن صفات الله ﵎، ولذلك قرن بـ"بل". الفائدة الثالثة عشرة: أن من الناس من لا تزيده الآيات إلا طغيانًا وكفرًا، لقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ ولا تعجب فقد ذكر الله في القرآن في آخر سورة

стр. 609

التوبة أنه إذا نزل انقسم الناس في قسمين: قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، فلا تعجب أن يكون شيء واحد لقوم دواء ولقوم داء، فإن هذا كما هو في المعقولات هو أيضًا في المحسوسات، أرأيت المصاب بمرض يمنعه الأطباء مثلًا من أكل التمر، إذا أكله مرض، وآخر إذا أكله صح مع أن التمر واحد، الدهن بعض الناس يؤمر بالإكثار منه، وبعض الناس ينهى عنه وأشياء كثيرة، فلا تعجب إذا كان في المعقولات ما يزيد أقوامًا وينقص آخرين. الفائدة الرابعة عشرة: عناد اليهود، وأنهم لا يمكن أن يخضعوا لما نزل من السماء، لكونه لا يزيدهم ما أنزل على محمَّد ﷺ إلا طغيانًا وكفرًا. الفائدة الخامسة عشرة: الإنصاف والعدل في حكم الله ؛ لأنه قال: ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: أكثرهم، ولم يقل: كلهم، ولهذا يجب على الإنسان إذا رأى في قوم انحرافًا من بعضهم؛ ألا يُجري الحكم على الجميع بل يقول: كثير أو بعض أو منهم أو ما أشبه ذلك؛ لأنه لو عمم مع وجود استقامة في الآخرين لكان ظالمًا من وجه وكاذبًا من وجه آخر، ولهذا تجد الله يقول: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: أكثر ولا الجميع. لو قال قائل: ما حد الكثير؟ الجواب: الكثير حسب النسبة يعني مثلًا ثلاثة من عشرة كثير، ثلاثة من عشرة حوالي الثلث، لكن ثلاثة من ثلاثين ألفًا قليل.

стр. 610

لو قال قائل: الله عبر بقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] ولم يقل: أكثرهم، مع أن اليهود والنصارى أكثرهم يزيدهم القرآن طغيانًا وكفرًا؟ الجواب: قد يكون أكثرهم مقلدًا ولا يزداد طغيانًا وكفرًا لكنه مقلد مع العامة. لو قال قائل: ذكرتم أن الإيمان يزداد بالقول والفعل فقد يذكر إنسان الله ويذكر آخر الله أقل من الأول، فيزاد إيمانًا، والآخر لا يزداد؟ الجواب: هذا سببه اليقين حيث إنه قد يكون بالنسبة لشخص أقل من الآخر, لكن اليقين نفسه يختلف، مثلًا الذكر، قد يذكر الله رجُلٌ ألف مرة، وآخر يذكر الله مائة مرة، فيكون الأول أكثر، لكن قد يقوم بقلب الثاني الذي لم يذكر الله من اليقين أكثر من الأول، فيكون كل واحد زاد من جهة. الفائدة السادسة عشرة: أن النبي ﷺ حق، لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فكان النبي ﵊ منزل عليه, فكان رسول الله حقًّا. الفائدة السابعة عشرة: أن المحبة ثابتة لله، وأن الله يحب وهي محبة حقيقية، أثبتها أهل السنة والجماعة على قاعدتهم المعروفة، وهي وجوب إجراء النصوص على ظاهرها في باب صفات الله وأن الله يُحِب، وهل هو يُحَب؟ الجواب: نعم، وقد صرح الله بذلك في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، فالله تعالى يُحَب على ما له من صفات الكمال،

стр. 611

وعلى ما له من أفعال الإحسان والإنعام، ولهذا جاء في الأثر: "أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم" (١)، والإنسان لو أن أحدًا من الناس أحسن إليه لأحبه لإحسانه، فكيف بالخالق الذي أوجده وأمده وأعده فهو أولى أن يكون محبوبًا. أما كونه يُحِب فنعم، جاء ذلك في القرآن الكريم وكذلك في السنة النبوية، ومحبة الله تارة تضاف للعمل وتارة للزمن وتارة للمكان وتارة للعامل، كل ذلك جاء كما في قوله ﷺ : "أحب البقاع إلى الله مساجدها" (٢)، وقوله ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" (٣) يعني: عشر ذي الحجة، وقوله ﷺ : "أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها" (٤)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والآيات في هذا كثيرة متنوعة. وهل محبة الله هي ثواب الله، أو إرادة ثوابه، أو هي صفة زائدة على ذلك؟

стр. 612

الجواب: الثالث، خلافًا لمن فسر المحبة بالثواب، أو بإرادة الثواب ممن ينكرون قيام المحبة بالله ، ولا شك أن هؤلاء ضالون، حتى إذا قلنا: إنها الثواب، يلزم من الثواب؛ المحبة؛ لأن الله لا يثيب إلا من يحب، حتى لو فسرناها بإرادة الثواب يلزم منها المحبة أيضًا؛ لأن الله لا يريد أن يثيب أحدًا إلا حيث يحبه. لو قال قائل: بعض المسلمين يلحدون في أسماء الله مثل: الوهاب، فيسمون جماعة أو طائفة معينة وهابية، فيستهزئون بهذا الاسم وينقصون من قدره، فما تقولون في هذا؟ الجواب: لا، الوهابية نسبة إلى مذهب الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب ﵀، يظنون أن الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب ﵀ ابتدع مذهبًا جديدًا وهو صحيح، هو مذهب جديد بالنسبة لهم ولشركهم، لكن بالنسبة لأهل السنة ليس مذهبًا مستقلًا، لكن هم لا يريدون تنقيص الله أبدًا، بل يريدون تنقيص المذهب، وهذا ليس بغريب، فالرسول ﵊ وصفوه بأنه ساحر وكذاب ومجنون وشاعر، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات: ٥٢]. الفائدة الثامنة عشرة: تحريم الفساد في الأرض، لقوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهكذا كل شيء نفى الله محبته؛ فإنه حرام، فالفساد في الأرض حرام، ولكن بماذا يكون الفساد في الأرض؟ هل هو بهدم البيوت وتخريب الأنهار وما أشبه ذلك؟ الجواب: لا، الفساد في الأرض هو المعاصي، ودليل

стр. 613

ذلك قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، لكن هل هدم البيوت بغير حق من المعاصي، فيكون من الفساد في الأرض من هذه الناحية، وعلى هذا فنقول: كل من عصى الله فقد أخذ معولًا يخرب به الأرض؟ الفائدة التاسعة عشرة: أن الشيء إذا ثبت لوصف، ثبت ضده لضد ذلك الوصف، فعلى هذا نقول: إذا كان الله لا يحب المفسدين فإنه يحب المصلحين، ولا شك أن الله يحب المصلحين، قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وقال الله تعالى في اليتامى: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فالصلح خير يحبه الله ويرغب فيه ويحث عباده عليه، الإصلاح كذلك خير، والإصلاح أنواع متعددة، والناس بالنسبة للأرض على ثلاثة أقسام: صالح، وصالح مصلح، وفاسد مفسد، وإن شئت زد رابعًا: فاسد غير مفسد حتى تتم الأقسام، لكن يلزم من الفاسد أن يكون مفسدًا، ولذلك نقتصر على ثلاثة أقسام، فنقول: الناس بالنسبة للأرض ثلاثة: الأول: صالح: لكنه لا ينفع إلا نفسه، وهذا يكون في كثير من العباد، كثير من العباد صالح في نفسه لكن لا يحاول أن يصلح غيره، يرى المنكر أمام عينه لا ينهى عنه، يرى التفريط في المعروف أمام عينه لا يأمر به، وهكذا، هذا نقول: إنه صالح، وإن كان أيضًا صلاحه فيه نقص؛ لأن من تمام الصلاح أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. الثاني: صالح مصلح، هذا خير الأقسام، هو صالح في نفسه ومصلح لغيره، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ

стр. 614

لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٧] لم يقل صالحون، لا بد من أن يكون في الأرض مصلح. والثالث: الفاسد المفسد في الأرض، حتى لو فرض أنه لم يدعو إلى فساده وإلى معصيته فإنه مفسد؛ لأنه سبب لفساد الأرض. الفائدة العشرون والحادية والعشرون: أن القرآن نزل من عند الله، لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، وإذا ثبت هذا لزم عليه أمران عظيمان: الأمر الأول: أن القرآن كلام الله؛ لأن القرآن ليس ذاتًا قائمة بنفسها, ولكنه وصف لا يقوم إلا بموصوف أو إلا بمتصف به، وعلى هذا فيفيد هذه الفائدة العظيمة: أن القرآن كلام الله، وهذا هو الذي أجمع عليه سلف الأمة والأئمة، وجرت فيه المحن على الإِمام أحمد ﵀ وغيره من علماء السنة. فإن من الناس من قال: القرآن ليس كلام الله بل مخلوق من جملة المخلوقات، ولا شك أن هذا القول يلزم منه بطلان الشريعة تمامًا؛ لأننا إذا قلنا: إنه ليس كلام الله؛ لزم أن يكون إذا كتب مجرد نقوش وزخرفة، خلقها الله على هذا الوصف، ولذلك نقول: إنه يستلزم على القول بأن القرآن مخلوق؛ بطلان الشريعة تمامًا، بطلان الأمر والنهي؛ لأنه لا أمر ولا نهي، فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ﴾ [لقمان: ١٧] شيئًا مخلوق على هذه الصفة فقط لا يدل على أمر، وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] كذلك، شيء مخلوق على هذه الحروف كما تنقش الباب مثلًا، إن سُمِعَ فهو مجرد، أصوات كما نسمع الآن أصوات الرعد وأصوات

стр. 615

الرياح في الأشجار وغير ذلك، فحينئذ لا أمر ولا نهي ولا خبر، وهذا واضح جدًّا، لكن من أعمى الله قلبه لا يعرف أن هذا لازم. لو قال قائل: رجل قام يتكلم وكان موضوع كلمته القرآن، وفي أثناء حديثه كان يقول: الذي قال عنه ربه، يقصد القرآن، ما حكم هذا؟ الجواب: هذا غلط عظيم، يعني يتكلم عن القرآن فيقول: إن القرآن هو الذي قال عنه ربه، وهذا يوحي بمذهب الجهمية، وإن كان له وجه في اللغة العربية إذا علمنا أن المتكلم من أهل السنة الأقحاح؛ لأن الرب يأتي بمعنى الصاحب، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠] والعزة وصف لله لكن بمعنى صاحب العز، على كل حال: هذا يجب تنزيه اللسان عنه، ويجب أن ينصح؛ لأن هذا يوهم العامة أن القرآن مخلوق. الأمر الثاني: علو الله ؛ لأنه إذا كان القرآن كلام الله، وهو صفة من صفاته وهو نازل لزم أن يكون المتصف به عاليًا، وإلا فلا معنى للنزول، فيكون فيه دليل على إثبات علو الله ، والناس في هذه الصفة على ثلاثة أقسام: القسم الأول: قال: إن الله لا يجوز أن يوصف بالعلو ولا بالسفول، ولا يجوز أن نقول: إنه فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، وهذا تعطيل محض، ولو قيل لأحد: صف العدم، ما وصفه بأدق من هذا الوصف الذي وصفوا به الرب . القسم الثاني: قالوا: إن الله تعالى في كل مكان، ولا يجوز

стр. 616

أن نقول: إنه في العلو، وكيف نقول: إنه في العلو وهو يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ويقول: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] وأشباه ذلك من آيات المعية، فلا يجوز أبدًا أن نقول: إن الله عالٍ بنفسه، بل العلو الذي أثبت لله علو المعنى، وأما المكان فهو في كل مكان، وهؤلاء حلولية الجهمية يقولون: إنه في كل مكان، والعجب أن هذا عليه كثير من الناس من غير السعوديين الذين نتصل بهم -في المسجد الحرام- ونسألهم. السعوديون لا يعرفون هذا القول، أكثر العامة لا يعرفون هذا القول، ويقولون: إن الذي يقرر علينا علماؤنا أن الله في كل مكان، ولا شك أن هذا قول إذا تأمله الإنسان وجده في غاية البطلان، لمخالفته للقرآن والسنة والعقل والفطرة والإجماع، وهل يمكن أن يرضى أحد أن يجعل الخالق في الحشوش والأماكن القذرة؟ لا يمكن، ولازم قولهم أن يكون كذلك في كل مكان. أما القسم الثالث: الذي نسأل الله تعالى أن يميتنا عليه ويبعثنا عليه، فهو أن الله تعالى بذاته فوق كل شيء، لكنه محيط بالخلق، فكأنه معهم في أمكنتهم، ولا مانع من أن نقول: هو فوق كل شيء وهو معنا ولكن ليس في مكاننا, ولهذا أمثلة ذكرها شيخ الإِسلام ﵀، مثالًا في الواسطية ومثالًا في الحموية، قال: إن العرب يقولون: ما زلنا نسير والنجم معنا، وقال في الواسطية: ما زلنا نسير والقمر معنا، وهذا أسلوب عربي واضح، وكل واحد يخاطب بهذا الخطاب أو يتكلم به؛ لا يمكن أن يعتقد أن القمر في الأرض، ولا أن النجم في الأرض، ولهذا يفرق

стр. 617

حتى في كلام الناس فيقال للرجل: زوجته معه، ويقال: متاعه معه، ويقال: دراهمه معه، ويقال: ساعته معه، وإذا كان هذا مخلوق من المخلوقات يحيط بنا وهو معنا وهو فوق؛ فما بالك بالخالق الذي حدَّث عنه النبي ﵊ بأن "السموات السبع والأرضيين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة" (١) فما بالك بالخالق ، فعلى كل حال نحن نؤمن بأن الله فوق كل شيء حقًّا. أما صفاته فما أحد من المسلمين فيما نعلم ينكر علو الصفات، كلهم يقولون: إنه كامل الصفات، لكن يبقى النظر، هل كلهم يثبتون كل ما ورد من الصفات؟ الجواب: لا، لكن من أثبت له صفة كمال فيقول: إنه عالم بهذه الصفة الكاملة. لو قال قائل: المحرف في الصفات إذا نوقش يقول: إنما نؤول هذه الصفات حتى لا يتوهم الناس مشابهة الله لخلقه، وإن كنا لا نرى التأويل؟ الجواب: نقول لهؤلاء أولًا: اقرؤوا قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]. وثانيًا: نقول: لستم أحرص على هداية الخلق من الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ ولم يفعلوا هذا، ونقول:

стр. 618

إذا أثبتم هذه فاقرؤوا قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ونضرب لهم الأمثال، ونقول: بالنسبة لليد الآن نشاهد مخلوقات لها أيدي متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، وكذا الوجه والعين، كل الصفات في المخلوق متفاوتة، أفلا يمكن إذا ظهر التفاوت بين المخلوقات أن يكون التفاوت بين المخلوق والخالق، من باب أولى وأشد. لكن لو قال قائل: هل القول في القرب كالقول في المعية أنها صفة حقيقية تليق بجلاله وكماله؟ الجواب: القرب والمعية بمعنى واحد، لكن القرب اختلف العلماء علماء السلف ﵏ أو علماء الخلف هل ينقسم كالمعية إلى عامة وخاصة أم لا؟ والظاهر أنه لا ينقسم، وأن القرب يختص بالعابد والداعي فقط، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] هذا بالنسبة للداعي، وبالنسبة للعابد، قال النبي ﷺ : "أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد" (١) ولا يمكن أن نقول: إن الله قريب من الكافرين؛ لأن القرب شرف ورفعة، لكن نقول: إن الله مع الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، فالذي يظهر لي أن المعية تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، والقرب خاص فقط ولا يكون عامًّا. لو قال قائل: بعض العلماء يقسم علو الله إلى: علو ذات وقدر وقهر، فعلو الصفات يدخل في أي الأقسام؟

стр. 619

الجواب: الصفات يدخل فيها القدر والقهر، إذا قلنا: علو ذات وعلو صفات، شمل القدر والقهر، لكن لو قيل: كيف يدخل القهر؟ القهر لأن الله قال في القرآن الكريم ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. الفائدة الثانية والعشرون: عناية الله بالرسول ﵊، وذلك بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، فإن هذه الربوبية خاصة تقتضي العناية التامة والأقوى والأشد، واعلم أن الربوبية نوعان: عامة وخاصة، اجتمعا في قوله تعالى عن السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢] العامة: في قوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب ﵀: كل من سوى الله فهو عالم، وعلى هذا يكون قوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: برب الخلق كلهم، وقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ هذه خاصة، كما أن العبودية كذلك: عامة وخاصة. فالعبودية الكونية: عامة، ومنها قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، كل من في السموات بالعبودية الكونية عبدٌ لله، هل يستطيع أحد أن يمنع المرض إذا قدره الله عليه؟ أبدًا، وهل يستطيع أحد أن يرد ملك الموت إذا جاء لقبض روحه؟ أبدًا، ولهذا تحدى الله هؤلاء، فقال لهم: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)

стр. 620

تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧] لا يمكن، لو يجتمع الخلق كلهم أن يردوا هذه الروح التي بلغت الحلقوم ما استطاعوا، إذًا: فالكل عبد لله بهذا المعنى، أي: بالعبودية الكونية. أما القسم الثاني: العبودية الخاصة، فهي العبودية الشرعية، التي منها قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] إلى آخره. الفائدة الثالثة والعشرون: أن الله تعالى ألقى العداوة والبغضاء بين اليهود، لقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ وهذا كلام حق صدق ليس عندنا فيه شك، وما نحسبه نحن من اجتماعهم فعلى خلاف الواقع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤] لا تظن أنهم متفقون أبدًا ولذلك هم أحزاب شتى، وحتى داخل الحزب الواحد متفرقون؛ لأنهم لا يمكن أن يجتمعوا وقد ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء، لكن لاحظ أن العَدُوَّينِ إذا كان لهما عدو ثالث اجتمعا عليه لمقابلة العدو الثالث، فاجتماعهم الآن ليس لأنهم متحابون متآلفون، أبدًا ولا يمكن أن نصدق والله يقول: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لكنهم اجتمعوا لهدف واحد ومصلحة واحدة ضد عدو واحد للجميع، وهذا الاجتماع لا شك أنه اجتماع ظاهري فقط مقصود لغيره وليس مقصودًا لذاته. الفائدة الرابعة والعشرون: أن العداوة والبغضاء بين اليهود سوف تستمر، لكن إذا آمنوا تزول بلا شك، ولهذا قال النبي ﷺ للأنصار: "كنتم أعداء فألفكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله

стр. 621

بي" (١)، والأنصار كما هو معلوم بينهم عداوات وبغضاء في الجاهلية. الفائدة الخامسة والعشرون: إثبات يوم القيامة وهو: اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين، وسمي بذلك لوجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين. الوجه الثاني: أنه يقام فيه العدل كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [يس: ٥٤] وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. الثالث: أنه يقام فيه الأشهاد، تستشهد الرسل ثم الأمم ثم الجلود والأعضاء، ويتبين الأمر وينكشف ويظهر ما في الصدور، فلذلك سمي يوم القيامة, هناك قيامة صغرى لكنها لا تراد في هذه الآية وهي موت الإنسان، فإن كل من مات فقد قامت قيامته؛ لأنه انتهى من الدنيا ودخل في عالم الآخرة. الفائدة السادسة والعشرون: البشرى التامة للمسلمين بأن اليهود لن تقوم لهم قائمة في الحروب؛ لأنهم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ ولم ينالوا بها مقصودهم، وإن كانوا قد ينالوا بعض الشيء، لكنهم لن ينالوا المقصود الذي يريدونه بإشعال نار الحرب. الفائدة السابعة والعشرون: إثبات الأفعال الاختيارية لله ، لقوله: ﴿أَطْفَأَهَا﴾، وإطفاؤها يكون بعد

стр. 622

إيقادها وهذا فعل متجدد، وفيه رد وأضح على الذين منعوا قيام الأفعال الاختيارية بالله، وقالوا: إن الله لا يمكن أن يأتي ولا يستوي على العرش ولا يتكلم بإرادته ومشيئته، بل كلامه معنى قائم بنفسه لا يتعلق بإرادته، ولا يضحك ولا يفرح ولا يغضب إلى آخر ذلك، كل صفة تتجدد فهي عندهم لاغية منتفية عن الله، وحجتهم واهية جدًّا وداحضة عند الله، يقولون: إن الأفعال الاختيارية التي تتجدد لا تقوم إلا بحادث، بناءً على قَاعِدةٍ غير قائمة في الحقيقة، يقولون: الحادث لا يقوم إلا بحادث، من أين لهم هذا؟ الحادث يقوم بالحادث والقديم، حوادث أفعالنا نحن حادثة قائمة بحادث، لكن حوادث الباري جلَّ وعلا حادثة لكنها قائمة بأزلي ليس بحادث. الفائدة الثامنة والعشرون: محبة اليهود للفساد في الأرض وسعيهم في ذلك سعيًا حثيثًا، لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ ومن شاهد الواقع الآن عرف أن الآية منطبقة تمامًا على يهود الوقت الحاضر، أنهم يسعون في الأرض فسادًا بكل ما يستطيعون، إن استطاعوا بأنفسهم أو بعبيدهم الذين هم عبيد لهم، ولهذا نقول: اليهود الآن: عابد ومعبود، اليهود حقيقةً هم عبيد ومُعبِّدون؛ لأنهم يُسَخِّرون الدول الكبرى أن تفعل ما فيه مصلحتهم، وهم أيضًا أذناب للدول الكبرى؛ لأن الدول الكبرى آمنة منهم وتريد أن تبقيهم في مكان ما من أجل أن يفسدوا في الأرض، فهم يسعون في الأرض فسادًا في كل وقت، نسأل الله تعالى أن يكبتهم وأن يخيبهم. * * *

стр. 623

° قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾ [المائدة: ٦٥]. قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ المراد بأهل الكتاب هم: اليهود والنصارى، والكتاب المشار إليه التوراة والإنجيل، لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦]. وقوله: ﴿آمَنُوا﴾ بالقلوب، ﴿وَاتَّقَوْا﴾ بالأفعال، وهذا إذا جمع بين الإيمان والتقوى، فالإيمان بالقلب والتقوى بالجوارح، الإيمان سرٌّ والتقوى علانية، أما إذا أطلق أحدهما؛ فإنه يدخل فيه الآخر ضمنًا ﴿آمَنُوا﴾: أي: بما يجب الإيمان به، ومنه الإيمان بمحمد ﷺ ؛ لأنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، معروف بأوصافه، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، هل أحد يجهل ابنه؟ لا، وعلقه بالأبناء؛ لأن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت؛ فتكون معرفته للابن أبلغ من معرفته للبنت؛ لأن الابن يسير معه في تجارته وفي حراسته وفي كل شيء، فهو يخبر ظاهره وباطنه، لكن البنت محلها البيت، ولا يخبرها تمامًا إلا أمها، فهم يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم يؤمنوا به، فيكون الإيمان عندهم منتفيًا لأنهم ما آمنوا، حتى لو قالوا: إنهم مؤمنون بموسى إن كانوا يهودًا أو بعيسى إن كانوا نصارى فهم كاذبون. وأما التقوى فهي: اجتناب ما حرم الله والقيام بما أمر، وهذا في العلانية أي: الجوارح: يعني الأقوال والأفعال، والتقوى: هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره. قوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ هذا جواب "لو"، واعلم أن

стр. 624

"لو" تقع "اللام" في جوابها كثيرًا وقد تحذف، وقد اجتمع ذلك في آخر سورة الواقعة، فقال الله تعالى في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] وقال في الماء: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] فأثبت اللام في الأول ولم يثبتها في الثاني، أما إذا كان جوابها "ما" النافية فإنها لا تقرن بها إلا نادرًا، وأما ما اشتهر عند الفقهاء وعند كثير من الناس، وهو قرن اللام بها فهذه لغة، لكنها قليلة، فالأفصح أن تقول: لولا كذا ما حصل كذا, ولكن لا بأس أن تقول: لما حصل كذا. إذًا: الإثبات والنفي بـ "ما" متقابلان، الأفصح في الإثبات باللام، أو الأكثر -على الأصح- في الإثبات باللام، والأكثر في النفي بـ (ما) حذف اللام، ومنه قول الشاعر في إثبات اللام: ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي الشاهد قوله: لما افترقنا. وقوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطيئاتهم، يعني: معاصيهم سواء كانت بترك واجب أو بفعل محرم؛ لأن الإيمان والتقوى يكفران السيئات. قوله: ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ هذا ثواب الآخرة، فانتفى عنهم ما يكرهون بتكفير السيئات، وحصل ما يحبون بإدخالهم جنات النعيم. وقوله: ﴿جَنَّاتِ﴾ جمع جنة، وجمعت لأنها أنواع، وقد ذكر الله في سورة الرحمن أربعة أنواع، والجنة في الأصل: هي البستان الذي كثرت أشجاره حتى صارت تغطي أرضه؛ لأن الأصل في هذه المادة الجيم والنون، الأصل فيها: الاستتار

стр. 625

والخفاء، ومنه سمي الجن جنًّا، والبستان كثير الأشجار جنة قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] لكن لا ينبغي أن تقول مثل هذا القول عند العامة؛ لأنك لو قلت: إن الأصل في الجنة أنها البستان كثير الأشجار؛ لَقَلَّتْ عظمة الجنة في نفوسهم، ولكننا نفسر الجنة التي في القرآن بأنها الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ لأن هذا يُبْقي هيبتها في النفوس وقوة الرغبة فيها. وقوله: ﴿النَّعِيمِ﴾ أي نعيم؟ أنعيم البدن، أم نعيم القلب، أم كلاهما؟ كلاهما لأن نعيم البدن ينعم الإنسان بكل أنواع النعيم، ونعيم القلب لا يمكن أن يلحقه هَم ولا غم ولا حزن بل هو دائمًا في أنس ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [الإنسان: ١١] النضرة في الوجه، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢] والسرور في القلب، فما بالك بنعيم يكون فيه النضرة التي تبهج الناظر في الوجه والسرور في القلب، الذي ليس فيه حزن ولا هم ولا غم، اللهم اجعلنا من هؤلاء الذين يدخلون جنات النعيم. لو قال قائل: بعض الناس يعبرون عن بعض البلاد الجميلة بأنها جنة الله في الأرض، هل يصح مثل هذا التعبير؟ الجواب: يصح، لكن إذا كان يفهم من ذلك أنها قطعة من جنة الخلد فلا يجوز، وإلا فمن المعلوم كل الذي في الأرض فهو لله ، لكن على كل حال، عند العامة لا ينبغي أن نعبر بهذا؛ لأنه قد يفهم منه معنى غير صحيح.

стр. 626

من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: كمال عدل الله وأن كل من آمن واتقى ولو بعد الكفر والعناد فإن الله تعالى يتوب عنه. الفائدة الثانية: أن التائب من الذنب يثاب بثوابين: ثواب الدنيا وثواب الآخرة، ثواب الآخرة لقوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ وثواب الدنيا لقوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]. الفائدة الثالثة: إثبات أفعال الله الاختيارية، لقوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾؛ لأن هذا التكفير يكون بعد إيمانهم وتقواهم، فيكون فيه دليل على إثبات أفعال الله الاختيارية، وهذا هو الذي عليه السلف الصالح وأئمة أهل السنة، أن الله يفعل ما يشاء في أي وقت، وعلى أي كيفية، وأما من قال: إن الأفعال الاختيارية لا يمكن أن تنسب إلى الله؛ لأنها حادثة، والحادث لا يقوم إلا بحادث، فقوله مردود: أولًا: أنه قياسٌ باطل لمصادمته النص، والثاني: أنه قياس غير صحيح، من قال: إنه يلزم من قيام الحوادث بصاحبها أن يكون حادثًا. الفائدة الرابعة: أن الجزاء يكون بالنجاة من المرهوب وحصول المطلوب، يشير إلى الأول قوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، وإلى الثاني قوله: ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ فالأول به النجاة من المرهوب، والثاني في حصول المطلوب. الفائدة الخامسة: أن الجنّات فيها النعيم المطلق الذي يشمل نعيم البدن ونعيم الروح، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، قال العلماء: النضرة في الوجه والسرور في القلب. * * *

стр. 627

° قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ [المائدة: ٦٦]. قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ هذا أمر فوق الإيمان والتقوى، وهو إقامة التوراة والإنجيل، وذلك بتصديق أخبارهما وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما. والتوراة: هي الكتاب المنزل على موسى، والإنجيل: الكتاب المنزل على عيسى، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ هذا يشمل الصنفين من أهل الكتاب يعني: اليهود والنصارى، كل منهما يجب عليه إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم وهو القرآن الكريم. وقوله: ﴿أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ يدل على أن هؤلاء ملزمون بالإيمان بالقرآن وإقامته، ويدل على أن قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ هو القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤]. وأما قول بعض العلماء: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يشمل حتى الكتب السابقة، ففيه نظر؛ لأن الكتب السابقة نزلت على من قبلهم لكنهم مكلفون بالإيمان بها، ووجه الضعف في هذا القول أن الذي نعلم نحن الآن أنهم كلفوا بالتوراة والإنجيل هذا وجه، وجه آخر: أن هذه الآية على نسق قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤] وأيضًا لا يقال: الكتاب الذي أنزل على نوح نازل على اليهود

стр. 628

والنصارى، لكن يجب عليهم الإيمان به، كما أن التوراة والإنجيل لم ينزلا إلينا، لكن يجب علينا الإيمان بهما. قوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ هذا جواب شرط: (لو)، وقد سبق البحث في أن لو الشرطية تختص الأفعال، وأن النحويين قدروا في مثل هذا فعلًا وهو: ولو ثبت أنهم أقاموا التوراة أو ولو حصل أنهم أقاموا التوراة. وقوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ هذه تشمل عدة أشياء: أولًا: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وذلك بنزول الأمطار التي تكون سببًا للنبات الذي يأكلونه، والأمطار تنزل من السماء، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني: نبات الأرض، فيكون الله تعالى ذكر سبب النبات، والنبات، وهذا كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] هذا وجه ويدخل في الآية. وقيل: المعنى: أكلوا من فوقهم من ثمار الأشجار؛ لأن الأشجار تكون عالية فيأكلون من ثمارها، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الزروع ونحوها التي تكون في الأرض ليس لها ساق، فيكون الله تعالى بَيَّنَ أنهم سيبارك لهم في الأشجار والزروع. وقيل: المعنى: لأكلوا من كل وجه، كما تقول: هذا الرجل في نعمة من هامه إلى إبهامه، والمراد أن النعمة تغمره. وعلى كل حال فالآية تشمل هذا وهذا، كل هذه الأوجه يصح أن تفسر بها الآية، وقد سبق قاعدة في هذه المسألة مهمة، وهي: أن الآية إذا احتملت معنيين فأكثر على السواء ولا منافاة بينهما، فإنها تحمل عليهما جميعًا وهكذا الأحاديث أيضًا.

стр. 629

قوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ قسمهم الله تعالى إلى قسمين، وأمة هنا بمعنى: طائفة، وأمة في اللغة العربية لها معان متعددة جاءت في القرآن، فتكون بمعنى طائفة كما في هذه الآية، وتكون بمعنى: الدين، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] وتكون بمعنى: الزمن كما في قوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] وتكون بمعنى: الإِمام، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] ومن مجيئها بمعنى الدين قوله تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي: على ملة وهذا أوضح من تمثيلنا بقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ لأنه المعنى يحتمل أن الأمة الجماعة من الناس. وعلى كل حال الأمة في القرآن جاءت على أربعة معاني: الأول: الطائفة، الثاني: الدين، الثالث: الزمن، الرابع: الإمامة. قوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ﴾ أي: طائفة، ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾ أي: قائمة بالواجب لا تزيد ولا تنقص. قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: كثير منهم أمة سيئة غير مقتصدة، بل هي مُفرِّطة ومُفْرِطة، ولهذا وصف العمل المشار إليه بقوله: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ فقوله: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ يُبَيِّن أن المعنى وكثير منهم غير مقتصد بل مسيءٌ في عمله فساء ما كانوا يعملون، وعليه فيكون قوله: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ ليس خبر "كثير"، بل خبرها محذوف، أي: كثير منهم سيء العمل لم يقتصد فساء ما يعملون. بقي قسم ثالث خص الله به هذه الأمة وهو السابق

стр. 630

بالخيرات، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] يعني: هذه الأمة -جعلنا الله منهم- ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فكأن بني إسرائيل، السابق بالخيرات منهم قليل بحيث لا يقام له وزن ولا يذكر في التقسيم، وإلا فلا شك أن فيهم سابقًا بالخيرات، منهم من أدرك الإِسلام فأسلم هذا سابق بالخيرات، لكن لما كان السابق بالخيرات قليلًا في بني إسرائيل لم نجد له ذكرًا؛ لأن الذكر إنما يكون لمن كان له شأن في التقسيم. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن إقامة الشريعة في كل زمان، سبب لكل خير، لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ إلى آخره. الفائدة الثانية: أن من أقام الشريعة، جوزي بأمرين: جزاء في الدنيا وجزاء في الآخرة. الفائدة الثالثة: أنه يجوز ترغيب النفوس البشرية في فعل الطاعات بما يذكر من ثواب الدنيا, ولينتبه لهذه النقطة، وعلى هذا فلو أن إنسانًا عمل عملًا صالحًا يريد أن ينال حسن الدنيا والآخرة، فإنه لا يلام؛ لأنه لو كان هناك لوم، ما ذكر الله ما يحصل من ثواب الدنيا، يبقى ذكره شبيهًا باللفظ الذي ليس له معنى، وعلى العكس من هذا المحرمات، تجد أن الله تعالى جعل لها روادع تردع عنها، حتى لا يفعلها الإنسان، فتجد الرجل قد يترك الزنا مثلًا خوفًا من العقوبة، ولولا هذا لما كان للعقوبة فائدة.

стр. 631

فعلى كل حال نقول: إن الإنسان إذا قام بقلبه إرادة الدنيا لكن لا على أنها هي الباعث للعمل فلا حرج عليه، والإنسان يقرأ الأوراد، ليتحصن بها من شرور الإنس والجن، تجد الذي يقرأ الورد، قد يغيب عن باله أنه يريد أن يتقرب إلى الله بالتلاوة، وإنما يريد التحصن؛ لأن النفوس البشرية ضعيفة تحتاج إلى أمر مادي يساعدها على فعل الخيرات، ويدل لهذا الأصل أن الرسول ﵊ في بعض المغازي يجعل سلب القتيل لمن قتله (١)، تشجيعًا له، فقول بعض الناس: إنه لا يجوز للإنسان أن يريد بعمل الآخرة شيئًا من الدنيا، هذا غير صحيح، بل قال الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] يعني نعطيه في الدنيا والآخرة. الفائدة الرابعة: أنه يجب على أهل الكتاب أن يقيموا القرآن، كما يجب أن يقيموا التوراة والإنجيل، لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو كذلك، ولهذا نقول لأهل الكتاب الذين يَذَعون أنهم مؤمنون بالله واليوم الآخر نقول: إنكم إن لم تؤمنوا بالرسول ﷺ ، ما نفعكم ذلك الإيمان لأنكم لم تتموا إيمانكم. الفائدة الخامسة: أن القرآن كلام الله لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وجه ذلك: أن القرآن صفة؛ لأنه كلام، والكلام لا بد له من متكلم، والصفة لا بد لها من موصوف، وإذا كان لا بد للقرآن من متكلم به، فالذي تكلم به هو الله .

стр. 632

الفائدة السادسة: إثبات علو الله تعالى لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لأنه إذا كان القرآن صفة الله نازلة منه؛ لزم أن يكون الله تعالى عاليًا، وهذا والحمد لله عند من أنار الله بصيرته ولم تحتوشه الشياطين، وكان على الفطرة التي فطره الله عليها أمر لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه أمر فطري، وهو علو الله تعالى علو الذات، وكما تقدم كثيرًا أن المنكرين لعلو الذات انقسموا إلى قسمين: قسم قال: إن الله تعالى في كل مكان في السماء والأرض، يعني هو نفسه ذاته في كل مكان. وقسم آخر قال: لا يجوز أن يوصف بأنه فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، ولا منفصل عن العالم ولا متصل بالعالم، فالأولون غلوا في إثبات صفة من الصفات وهي المعية، والآخرون غلوا فيما يَدَّعُونَه تنزيهًا للرب . إذًا: نأخذ من هذا أنه يجب علينا أن نؤمن بعلو الله . الفائدة السابعة: إقامة الدليل على أهل الكتاب أنه يلزمهم أن يؤمنوا بالقرآن، لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فإن لازم كونه ربًا لهم، أن يقوموا بأمره ويلتزموا بحكمه؛ لأنه رب، والرب لا بد له من مربوب، وهو السيد والإنسان عبد، فلا بد أن يقوموا بمقتضى هذه الربوبية، فيؤمنوا بما أنزل الله تعالى على محمَّد ﷺ . الفائدة الثامنة: أن نِعَمَ الله التي في الأرض منها ما هو عال ومنها ما هو نازل، لقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وهذا شيء مشاهد، بل منها ما هو ظاهر ومنها ما هو

стр. 633

خفي، فالمعادن التي في الأرض خفية، والأشياء الظاهرة التي في الأرض ظاهرة. الفائدة التاسعة: انقسام أهل الكتاب إلى قسمين: قسم مقتصد قائم بالواجب تارك للمحرم ولكن ليس عندهم سبق إلى الخيرات، وقسم آخر: سيء مسيء في عمله، إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرمات، لقوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. الفائدة العاشرة: بيان منقبة عظيمة لهذه الأمة، وهي أن هذه الأمة قسمها الله إلى ثلاثة أقسام: منهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات، أما أهل الكتاب فلم يقسَّموا إلا إلى قسمين: المقتصد، ومسيء العمل. * * * ° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ لينتبه طالب العلم للنداء والوصف الذي وجه إليه النداء، وتقدم كثيرًا أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ وصفه بالرسالة إشارة إلى أن هذا الوصف مقتضاه وإن لم يؤمر بالإبلاغ أن يكون مبلغًا؛ لأنه رسول، ويعني به محمدًا ﷺ ، وعلى هذا فتكون "ألـ" للعهد الذهني، أما في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]، فـ"ألـ" للعهد الذكري.

стр. 634

وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ يعني محمدًا ﷺ ، ﴿بَلِّغْ﴾ أي: اجعله بالغًا، بمعنى: أن تؤديه إلى من أرسلت إليه، وهو ﷺ أرسل إلى الجن والإنس منذ بعث إلى يوم القيامة، وعلى هذا فيكون تبليغه إما مباشر، كالذين رأوه وسمعوا منه، وإما بواسطة من خَلَّفَهُ في أمته علمًا ودعوة، وهم العلماء، المهم أن الرسول ﷺ بلغ البلاغ المبين. قوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ما: اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، أي: جميع ما أنزل إليك. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: إشارة إلى أن كونه مربوبًا لله يستلزم أن يُبلِّغ، وأيضًا لأن ربوبية الله لرسوله ﵊ ربوبية خاصة. وقوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الذي أُنْزل إليه القرآن كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وتبليغ الرسول ﵊ يشمل تبليغ اللفظ وتبليغ المعنى، ولذلك تجد بعض الآيات يفسرها النبي ﷺ إذا كانت مجملة أو غامضة، فهو يفسرها بقوله ويفسرها بفعله ﵊. قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ قراءة أخرى ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ﴾ بالجمع، أما على قراءة الإفراد فلا إشكال فيها، وأما على قراءة الجمع: فلماذا جمعت والرسالة واحدة؟ نقول: باعتبار الشرائع التي جاءت بها هذه الرسالة؛ لأنها جاءت بأعمال وأقوال واعتقادات، أعمال قلوب وأعمال جوارح، جاءت بفعل وبترك، فكل نوع يعتبر رسالة فصح الجمع.

стр. 635

قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ هذا كلام شديد، إن لم تفعل أي: تبلغ كل ما أنزل إليك، فما بلغت رسالته، حتى فيما بلغته مما كتمته فإنه لا يكون بلاغًا؛ لأن جحد بعض ما أنزل كجحد الكل، الإيمان لا يتبعض، لا يمكن أن تؤمن بشيء وتنكر شيئًا، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي: تبلغ كل ما أنزل فما بلغت رسالته، حتى فيما بلغت لم تبلغ، يعني: لا بد أن تبلغ جميع ما أنزل، ولهذا بلغ ﵊ كل ما أنزل إليه حتى فيما كان عليه، حتى فيما كان فيه لوم عليه، ﵊، قال الله ﵎: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، هذه فيها لوم عظيم، هذه لو قيلت لواحد منا لطار من الغضب، لكن الرسول ﵊ لا بد أن يبلغ كل ما أنزل إليه، حتى فيما كان فيه لوم عليه، ولهذا قالت عائشة ﵂: "ولو كان محمَّد ﷺ كاتمًا شيئًا مما أنزل الله تعالى عليه، لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ " (١). وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي: رسالة ربك، وأضاف الرسالة إليه سبحانه؛ لأنه المُرسل، وقد تضاف إلى الرسول ﷺ ، فيقال: هذه رسالة محمَّد؛ لأَنه مبلغها، فتضاف إلى الله باعتباره المُرسِل، وإلى الرسول باعتباره المبلّغ.
следующие страницы →