← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فعلى كل حال نقول: إن الإنسان إذا قام بقلبه إرادة الدنيا لكن لا على أنها هي الباعث للعمل فلا حرج عليه، والإنسان يقرأ الأوراد، ليتحصن بها من شرور الإنس والجن، تجد الذي يقرأ الورد، قد يغيب عن باله أنه يريد أن يتقرب إلى الله بالتلاوة، وإنما يريد التحصن؛ لأن النفوس البشرية ضعيفة تحتاج إلى أمر مادي يساعدها على فعل الخيرات، ويدل لهذا الأصل أن الرسول ﵊ في بعض المغازي يجعل سلب القتيل لمن قتله (١)، تشجيعًا له، فقول بعض الناس: إنه لا يجوز للإنسان أن يريد بعمل الآخرة شيئًا من الدنيا، هذا غير صحيح، بل قال الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] يعني نعطيه في الدنيا والآخرة. الفائدة الرابعة: أنه يجب على أهل الكتاب أن يقيموا القرآن، كما يجب أن يقيموا التوراة والإنجيل، لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو كذلك، ولهذا نقول لأهل الكتاب الذين يَذَعون أنهم مؤمنون بالله واليوم الآخر نقول: إنكم إن لم تؤمنوا بالرسول ﷺ ، ما نفعكم ذلك الإيمان لأنكم لم تتموا إيمانكم. الفائدة الخامسة: أن القرآن كلام الله لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وجه ذلك: أن القرآن صفة؛ لأنه كلام، والكلام لا بد له من متكلم، والصفة لا بد لها من موصوف، وإذا كان لا بد للقرآن من متكلم به، فالذي تكلم به هو الله .

стр. 632

الفائدة السادسة: إثبات علو الله تعالى لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لأنه إذا كان القرآن صفة الله نازلة منه؛ لزم أن يكون الله تعالى عاليًا، وهذا والحمد لله عند من أنار الله بصيرته ولم تحتوشه الشياطين، وكان على الفطرة التي فطره الله عليها أمر لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه أمر فطري، وهو علو الله تعالى علو الذات، وكما تقدم كثيرًا أن المنكرين لعلو الذات انقسموا إلى قسمين: قسم قال: إن الله تعالى في كل مكان في السماء والأرض، يعني هو نفسه ذاته في كل مكان. وقسم آخر قال: لا يجوز أن يوصف بأنه فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، ولا منفصل عن العالم ولا متصل بالعالم، فالأولون غلوا في إثبات صفة من الصفات وهي المعية، والآخرون غلوا فيما يَدَّعُونَه تنزيهًا للرب . إذًا: نأخذ من هذا أنه يجب علينا أن نؤمن بعلو الله . الفائدة السابعة: إقامة الدليل على أهل الكتاب أنه يلزمهم أن يؤمنوا بالقرآن، لقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فإن لازم كونه ربًا لهم، أن يقوموا بأمره ويلتزموا بحكمه؛ لأنه رب، والرب لا بد له من مربوب، وهو السيد والإنسان عبد، فلا بد أن يقوموا بمقتضى هذه الربوبية، فيؤمنوا بما أنزل الله تعالى على محمَّد ﷺ . الفائدة الثامنة: أن نِعَمَ الله التي في الأرض منها ما هو عال ومنها ما هو نازل، لقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وهذا شيء مشاهد، بل منها ما هو ظاهر ومنها ما هو

стр. 633

خفي، فالمعادن التي في الأرض خفية، والأشياء الظاهرة التي في الأرض ظاهرة. الفائدة التاسعة: انقسام أهل الكتاب إلى قسمين: قسم مقتصد قائم بالواجب تارك للمحرم ولكن ليس عندهم سبق إلى الخيرات، وقسم آخر: سيء مسيء في عمله، إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرمات، لقوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. الفائدة العاشرة: بيان منقبة عظيمة لهذه الأمة، وهي أن هذه الأمة قسمها الله إلى ثلاثة أقسام: منهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات، أما أهل الكتاب فلم يقسَّموا إلا إلى قسمين: المقتصد، ومسيء العمل. * * * ° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ لينتبه طالب العلم للنداء والوصف الذي وجه إليه النداء، وتقدم كثيرًا أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ وصفه بالرسالة إشارة إلى أن هذا الوصف مقتضاه وإن لم يؤمر بالإبلاغ أن يكون مبلغًا؛ لأنه رسول، ويعني به محمدًا ﷺ ، وعلى هذا فتكون "ألـ" للعهد الذهني، أما في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]، فـ"ألـ" للعهد الذكري.

стр. 634

وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ يعني محمدًا ﷺ ، ﴿بَلِّغْ﴾ أي: اجعله بالغًا، بمعنى: أن تؤديه إلى من أرسلت إليه، وهو ﷺ أرسل إلى الجن والإنس منذ بعث إلى يوم القيامة، وعلى هذا فيكون تبليغه إما مباشر، كالذين رأوه وسمعوا منه، وإما بواسطة من خَلَّفَهُ في أمته علمًا ودعوة، وهم العلماء، المهم أن الرسول ﷺ بلغ البلاغ المبين. قوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ما: اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، أي: جميع ما أنزل إليك. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: إشارة إلى أن كونه مربوبًا لله يستلزم أن يُبلِّغ، وأيضًا لأن ربوبية الله لرسوله ﵊ ربوبية خاصة. وقوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الذي أُنْزل إليه القرآن كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وتبليغ الرسول ﵊ يشمل تبليغ اللفظ وتبليغ المعنى، ولذلك تجد بعض الآيات يفسرها النبي ﷺ إذا كانت مجملة أو غامضة، فهو يفسرها بقوله ويفسرها بفعله ﵊. قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ قراءة أخرى ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ﴾ بالجمع، أما على قراءة الإفراد فلا إشكال فيها، وأما على قراءة الجمع: فلماذا جمعت والرسالة واحدة؟ نقول: باعتبار الشرائع التي جاءت بها هذه الرسالة؛ لأنها جاءت بأعمال وأقوال واعتقادات، أعمال قلوب وأعمال جوارح، جاءت بفعل وبترك، فكل نوع يعتبر رسالة فصح الجمع.

стр. 635

قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ هذا كلام شديد، إن لم تفعل أي: تبلغ كل ما أنزل إليك، فما بلغت رسالته، حتى فيما بلغته مما كتمته فإنه لا يكون بلاغًا؛ لأن جحد بعض ما أنزل كجحد الكل، الإيمان لا يتبعض، لا يمكن أن تؤمن بشيء وتنكر شيئًا، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي: تبلغ كل ما أنزل فما بلغت رسالته، حتى فيما بلغت لم تبلغ، يعني: لا بد أن تبلغ جميع ما أنزل، ولهذا بلغ ﵊ كل ما أنزل إليه حتى فيما كان عليه، حتى فيما كان فيه لوم عليه، ﵊، قال الله ﵎: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، هذه فيها لوم عظيم، هذه لو قيلت لواحد منا لطار من الغضب، لكن الرسول ﵊ لا بد أن يبلغ كل ما أنزل إليه، حتى فيما كان فيه لوم عليه، ولهذا قالت عائشة ﵂: "ولو كان محمَّد ﷺ كاتمًا شيئًا مما أنزل الله تعالى عليه، لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ " (١). وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي: رسالة ربك، وأضاف الرسالة إليه سبحانه؛ لأنه المُرسل، وقد تضاف إلى الرسول ﷺ ، فيقال: هذه رسالة محمَّد؛ لأَنه مبلغها، فتضاف إلى الله باعتباره المُرسِل، وإلى الرسول باعتباره المبلّغ.

стр. 636

قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني: إن كنت قد تخفي شيئًا خوفًا من الناس فلا تخفِ، فإن الله يعصمك من الناس، أي: يمنعك من الناس أن يضروك بشيء، وهذا هو الذي حصل والحمد لله، وإلا فما أكثر الذين يريدون قتله ﵊، أول ما قدم المدينة كان يخاف، تقول عائشة ﵂: في ليلة من الليالي لم ينم الرسول ﵊، سهر وقال: "اللهم ابعث لنا عبدًا من عبادك يحرسني" (١) أو كلامًا نحو هذا، فما أن فرغ من دعائه إلا وسمع صوت السلاح، فقال: من هذا؟ قال: سعد بن مالك، يعني: سعد بن أبي وقاص، قال: ما الذي جاء بك؟ قال: خفت عليك يا رسول الله، فأتيت أحرسك، بعثه الله فصار يحرسه. وفي بعض الروايات لكن ليس في الصحيحين: أن حذيفة أيضًا جاء معه، فأمر النبي ﵊ لما نزلت هذه الآية أمرهم أن يتفرقوا (٢)؛ لأن الله التزم بأن يعصمه من الناس، ومعلوم أن الله إذا التزم بمثل هذا، فإنه محروس أشد من حراسة بني آدم. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: أنه لن يسلط عليك لو سلط إلا كافر.

стр. 637

وقوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لا يصلح شأنهم حتى يصلوا إلى ما يريدون، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لا يدلهم إلى ما يريدون من قتل النبي ﷺ ، ويحتمل أن المعنى: لا يهديه هداية دين، ويكون قوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: الذين قضى الله عليهم بالكفر والموت عليه، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: إثبات رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾. الفائدة الثانية: المنقبة العظيمة للرسول ﵊ حيث كان رسولًا لله ، الناس الآن فيما بينهم يكرم الرسول بإكرام مرسله، وإذا كان مرسله ذا شأن في المجتمع، كان كونه رسولًا له شرف له، إذًا فالرسول ﵊ في نداء الله له بهذا الوصف منقبة عظيمة له وشرف عظيم، وإذا كان وصف العبودية شرفًا، فوصف الرسالة أشد؛ لأن الرسالة متضمنة للعبودية وزيادة. الفائدة الثالثة: أنه يجب على الرسول ﵊ أن يبلغ كل ما أنزل إليه وقد حصل هذا، وشهدت له الأمة بذلك -ولله الحمد-، ففي أكبر مجتمع اجتمع فيه الرسول ﵊ بأمته في يوم عرفة قال لهم: "ألا هل بلغت؟ " قالوا: نعم، ثلاث مرات وهو يقول: "ألا هل بلغت؟ " فيقولون: نعم،

стр. 638

فيشهد الله: "اللهم اشهد، اللهم اشهد" (١)، وشهادة صدر هذه الأمة ينسحب إلى بقية الأمة إلى يوم القيامة، فنحن نشهد بالله العظيم أنه بلغ البلاغ المبين ﵊ وبلغ الرسالة كاملة. الفائدة الرابعة: الرد على الرافضة الذين يقولون: إن ثلث القرآن لم يبلغ وأنه مكتوم، فنقول: كل القرآن مبلغ والحمد لله ولم يبقَ شيء، وقد ذكر ذلك المفسرون ﵏ وقالوا: هذا فيه رد على الرافضة؛ لأن الرافضة يعتقدون أن ما بين أيدينا من القرآن ليس هو القرآن، وأن محمدًا كتم بعضه والعياذ بالله أو من بعده كتموا أيضًا. الفائدة الخامسة والسادسة: إثبات أن القرآن كلام الله لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وفيه أيضًا إثبات العلو وسبق قريبًا. الفائدة السابعة: عناية الله بالرسول ﵊ بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾. الفائدة الثامنة: أن النبي ﷺ وحاشاه لو كتم شيئًا مما أنزل إليه لم يكن أدى حق الرسالة، لقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. الفائدة التاسعة: وجوب إبلاغَ الشريعة على أهل العلم، وجه ذلك: أن العلماء ورثة الأنبياء، وإذا كانوا ورثة الأنبياء وجب عليهم أن يقوموا بحق الإرث، فيبلغوا ما علموا من

стр. 639

شريعة الله وجوبًا، إما بالقول وإما بالفعل: إما بالكتابة وإما بالإشارة، بأي وسيلة يجب عليهم أن يبلغوا ما أنزل إلى الرسول ﵊. ومن ثَمَّ يجب أن ينتبه طالب العلم لهذا: وهو أن السنن التي هي سنن تجب على طالب العلم؛ لأن هذا من إبلاغَ الرسالة، يعني: لو أن إنسانًا طالب علم معتبرًا عند الناس قام يصلي وترك رفع اليدين مثلًا عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام من التشهد الأول، أو ركع ركوعًا على غير وجه مشروع لعددته آثمًا؛ لأن هذا الفعل الذي أحل بالسنة فيه سيكون حجة للناس وسيقولون: لو كان هذا مشروعًا ما تركه فلان، كذلك الأفعال التي تكون مكروهة في حق غيره قد تكون في حقه محرمة. كما أنه يجب أيضًا على طالب العلم أن يفعل ما يعتقد الناس أنه حرام، من أجل أن يعرفوا أنه ليس بحرام، يعني بعض الناس يقول: أي حركة في الصلاة تبطل الصلاة، فنقول: إذا وجد سبب الحركة، يعني: السبب الذي يبيحها فليفعله العالم حتى يبين للناس، لكن في هذه الحالة إذا خاف أن يُقتدى به، يبين بالقول أنه فعل ذلك لحاجة وأن الحركة في الصلاة إذا كانت لحاجة فلا بأس بها وما أشبه ذلك. الفائدة العاشرة: شدة تأكيد الله على إبلاغَ شريعته؛ لأن هذه الجملة: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ﴾ شديدة جدًّا مما يدل على أن الله لا يرضى لعباده أن يتركوا شريعته غير مبلغة. الفائدة الحادية عشرة: أن كتم شيء من الشريعة ككتم

стр. 640

جميعها, لقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وهذا من فوائد القراءة الثانية ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتَهُ﴾؛ لأنه قد يقول قائل: هو بلغ الرسالة فيما بلغ، فإذا قال: ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ شمل الذي بلغ والذي لم يبلغ. الفائدة الثانية عشرة: عناية الله تعالى بالرسول ﵊ في عصمته من الناس لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وهل هذه مطلقة أو مقيدة بما يحصل به البلاغ، يعني: يعصمك من الناس حتى تبلغ الرسالة؟ إن نظرنا إلى ظاهر الآية قلنا: إنها مطلقة، ﴿يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وإن نظرنا إلى أن النبي ﷺ أهديت إليه شاة مسمومة في غزوة خيبر (١)، وأكل منها وأثرت في لهواته، وكان أثرها مشاهدًا، وفي مرض موته أخبر أن أكلة خيبر ما زالت تعاوده وقال: "هذا أوان انقطاع الأبهر مني" (٢) الأبهر: عرق في الظهر متصل بالقلب إذا انقطع هلك الإنسان، فهذا يدل على ما قيل أن الرسول ﵊ مات بسبب السم الذي حصل من هذه المرأة اليهودية، وقد قيل: إنها أسلمت، فإذا كان كذلك فيجب أن تقيد الآية، ويكون المعنى: يعصمك من الناس حتى تبلغ الرسالة، وفعلًا بلغ الرسالة وأنزل الله على رسوله نعيه في قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ١ - ٣]، وحديث الشاة في البخاري ذكره تعليقًا

стр. 641

جازمًا به، والحديث المعلق عند البخاري يكون صحيحًا عنده ليس عند كل أحد، وقد ذكره معلقًا بصيغة الجزم. الفائدة الثالثة عشرة: الإشارة إلى أن القلوب بيد الله وأن أفعال الخلق متابعة لإرادة الله لقوله: ﴿يَعْصِمُكَ﴾ لأن عصمة الرسول ﷺ من الناس تنقسم إلى قسمين: إما عدم الإرادة: بأن يصرف الله القلوب عن قتله. وإما بالعجز: بأن يحاول الفاعل ولكن يعجز، وهذا حصل كما في قصة بني النضير لما جاء الرسول ﵊ يستعين بهم كادوا له، قالوا: اجلس حتى نأتي لك، ثم انبعث واحد منهم بطبق الرحى، من أجل أن يلقيه على الرسول ﵊ وهو جالس، فأخبره جبريل بهذا فقام ودخل المدينة، لكن هل هذا عصمة من الإرادة أو عدم القدرة؟ من عدم القدرة وإلا فقد أراد. الفائدة الرابعة عشرة: أن الكافرين وإن كادوا لأولياء الله، فإن الله ، لا يهديهم لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ على تفسير أن المراد بالهداية دلالاتهم على تنفيذ ما يريدون، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦] يعني: كيدًا أعظم من كيدهم، وقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. أما على الاحتمال الثاني: أنه لا يهديهم هداية شرع، فيكون فيه دليل على أن من قضى الله عليه بالكفر، فإنه لا يستطيع أحد أن يهديه؛ لأن الله لا يهدي القوم الكافرين. الفائدة الخامسة عشرة: أن مَنْ عَلِمَ الله تعالى منه الكفر فإنه

стр. 642

لا يُهدى ولا يوفق، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. * * * ° قال الله : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة: ٦٨]. قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، وأهل الكتاب هم: اليهود والنصارى، وهم يَدَّعون أنهم على حق وأنهم المقيمون لشرائع الله، ومع ذلك فبعضهم يقول لبعض: لستم على شيء، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]، وكل منهم نفى أن يكون صاحبه على شيء إطلاقًا، أما الله فهو حَكَمٌ عدل، فأمر نبيه ﷺ أن يقول لهم: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لستم على شيء من الدين، وإنما نفى أن يكونوا على شيء من الدين؛ لأن دينهم الذي هم عليه باطل حتى يقيموا التوراة والإنجيل، إذًا لستم على شيء من الدين؛ لأن دينهم الذي يَدَّعون أنه حق هو باطل، والباطل عدم وليس بشيء. قوله: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ حتى: هنا غائية، يعني: إلى أن تقيموا التوراة والإنجيل، أي: تأتوا بها قائمة فاعلين أوامرها، تاركين نواهيها، مصدقين بأخبارها، هذا معنى إقامتها، فإقامتها: تكون بثلاثة أمور: الأول: فعل الأوامر، الثاني: ترك النواهي، الثالث: تصديق الأخبار.

стр. 643

قوله: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة: بإزاء اليهود، والإنجيل: بإزاء النصارى، ومعلوم أن اليهود لو أقاموا التوراة لآمنوا بعيسى، وأن اليهود والنصارى لو أقاموا التوراة والإنجيل، لآمنوا بمحمد ﷺ . قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: وتقيموا ما أنزل إليكم من ربكم، والمراد به: القرآن؛ لأن التوراة والإنجيل مما أنزل، وإذا قلنا: إن المراد: بما أنزل إليكم من ربكم التوراة والإنجيل صار فيه شيء من التكرار، وإذا دار الأمر في الكلام بين التكرار وبين التأسيس، فالواجب حمله على التأسيس والمباينة فنقول: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني بذلك القرآن، ويؤيد ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤] وجعل هذه الجملة خاصة بالقرآن أبلغ في رفعة القرآن، حتى يكون القرآن موازيًا للكتابين جميعًا، ولا حاجة لأن نقول: ظاهرها العموم. فإن قال قائل: القرآن نزل على أمة محمَّد؟ قلنا: نعم، القرآن نزل على أمة محمَّد وهم من أمة محمَّد، لكنهم من أمة الدعوة كما قال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بما جئت به، إلا كان من أصحاب النار" (١) قال: من هذه الأمة ويشير إلى أمته ﵊ والمراد: أمة الدعوة.

стр. 644

نقول: إذًا قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المراد به القرآن، فإذا اعترض معترض بما ذكرنا، أجيب بما أجبنا به. وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إشارة إلى أنه يلزمهم أن يقيموه؛ لأنه نزل من عند الرب، والرب: هو الخالق المالك المدبر، فإذا كان الله هو ربكم لزمكم أن تقيموا ما أنزل إليكم منه؛ لأنه ربكم وسيدكم وإلهكم. قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾ هل النبي ﷺ إذا أمره الله تعالى أن يقول قولًا، هل نقول: إنه قاله؟ نعم، نقول: إنه قاله لا شك؛ لأنه إن لم يقله لم يبلغ رسالة ربه. إذًا: هو قال لهم ذلك، وأعلن لهم أنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة والإنجيل والقرآن. قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ انظر إلى الاحتراز ﴿كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ يعني: لا كلهم، بل بعضهم زاده القرآن إيمانًا، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] لكنَ كثيرًا منهم يزداد طغيانًا وكفرًا والعياذ بالله. وإعراب قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾: (اللام) هنا واقعة في جواب القسم المقدر، والتقدير: والله ليزيدن، والنون للتوكيد، وعلى هذا تكون الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات وهي: القسم المقدر، واللام، والنون. وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ﴾ (ما): هذه فاعل "يزيدن"، ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهو القرآن ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ لماذا يزيدهم طغيانًا وكفرًا؟ لأنهم كلما كذبوا بآية أو عصوا آية،

стр. 645

ازدادوا بذلك طغيانًا وكفرًا، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، فهم كلما نزلت آية ازدادوا طغيانًا وازدادوا كفرًا، نسأل الله العافية. قوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ لا شك أن الرسول ﵊ يحزن ويأسى إذا لم يقم الناس بأمر الله؛ لأنه رسول يحب ما يحبه الله، ويكره ما يكرهه الله، فهو يأسى حتى إن الله قال له: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ [الحجر: ٩٧] وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣] يعني: مهلكًا نفسك ألا يكونوا مؤمنين، فلا تهتم، أدِّ ما عليك وبلغ الرسالة والباقي على الله ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦] أي: لا تحزن وتأسف على القوم الكافرين الذين ردوا رسالتك، وهذا لا شك أنه تسلية للرسول ﵊ في كونه يحزن إذا لم تُجَبْ رسالته ﷺ . من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: بيان أن اليهود والنصارى ليسوا على شيء، وعلى هذا فإذا زعموا أنهم مؤمنون قلنا لهم: كذبتم لستم على شيء، إلا إذا أقاموا التوراة والإنجيل. الفائدة الثانية: أنه يجب على الإنسان أن يعلن براءته من هذا الشرك، ويبين أنهم ليسوا على شيء حتى نتبعهم لقوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾.

стр. 646

الفائدة الثالثة: إعطاء كل ذي حق حقه؛ لأنه خاطبهم بأهل الكتاب، مع أنهم حقيقةً ليسوا بأهل له، إذ إن أهل الكتاب هم الذين يقومون به، كما تقول: يا أهل القرآن، يعني: الذين يقومون به، فالوصف إذا أعطي صاحبه فهو عدل، كما أن فيه فائدة ثانية وهي: أنه لكونهم أهل كتاب، يلزمهم أن يقيموه. الفائدة الرابعة: أنه لا تتم إقامة التوراة والإنجيل إلا بإقامة القرآن؛ لأن الله اشترط ثلاثة أشياء: ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فمن ادعى أنه مقيم للتوراة وهو كافر بالإنجيل قلنا: هذا غير صحيح ودعواه باطلة، ومن ادعى أنه مؤمن بالإنجيل ولم يؤمن بالقرآن، قلنا: هذه دعوى باطلة. الفائدة الخامسة: شرف القرآن لكونه نازلًا من عند الله. الفائدة السادسة: أن القرآن كلام الله، وجه ذلك أن القرآن ليس عينًا قائمةً بنفسها حتى نقول: إنه مخلوق، بل هو وصف يقوم بالمتكلم به، وإذا كان وصفًا لزم أن يكون منزلًا غير مخلوق، أما قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، فهنا نقول: الأزواج مخلوقة؛ لأن الأزواج أعيانًا قائمة بنفسها، وكذلك قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] أيضًا الحديد عينٌ قائمةٌ بنفسها لا يمكن أن تكون وصفًا لله، أما القرآن فهو كلام، والكلام لا بد أن يقوم بمتكلم فيكون منزلًا غير مخلوق، كما قال ذلك السلف ﵏. الفائدة السابعة: إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والإنزال إنما يكون من أعلى. الفائدة الثامنة: أنه يلزم من أقر بالربوبية أن يقر بالإلوهية

стр. 647

والشريعة لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: من ربكم الذي لا تنكرون ربوبيته، وإذا كنتم لا تنكرون ربوبيته لزمكم أن تقوموا بأمره. لو قال قائل: توحيد الربوبية هو الإقرار بأن الله هو المالك والخالق والرازق، لماذا اقتصر على هذه الثلاثة فقط؟ الجواب: الرب معناه الخالق المالك المدبر ولا يوجد غير هذا. الفائدة التاسعة: إضافة ربوبية الله للكافرين، لكن هذه الإضافة ليست إضافة تشريف ولكنها إضافة إقامة حجة، فأنت مثلًا إذا قلت: إن الله تعالى رب محمد ﵊ هذه إضافة تشريف، لكن بالنسبة للكفار فالإضافة لبيان إقامة الحجة عليهم. الفائدة العاشرة: أن كثيرًا من أهل الكتاب لا يزدادون بالقرآن إلا طغيانًا وكفرًا إما بالتكذيب وإما بالعصيان. الفائدة الحادية عشرة: العدل في كلام الله وعدم المجازفة لقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: كلهم؛ لأن الواقع أن بعضهم يزداد بالقرآن إيمانًا كما تقدم. الفائدة الثانية عشرة: جواز توكيد الكلام بما يثبت صدقه وإن كان في الأصل صدقًا، لقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ مع إن خبر الله وإن لم يكن مؤكدًا فهو صدق بلا شك، لكن ما وجه تأكيده هنا؟ وجهه: أنه قد يستغرب أن يكون هذا القرآن الذي هو هدىً للناس لا يزيد هؤلاء إلا طغيانًا وكفرًا، فلما كان هذا محل استغراب، أكده الله ؛ لأن تأكيد الكلام إذا كان صادرًا من صادق لا بد أن يكون له سبب وإلا لكان التوكيد لغوًا.

стр. 648

الفائدة الثالثة عشرة: أن القرآن الكريم قد يزيد سامعه طغيانًا وكفرًا، وقد يزيده إيمانًا وذلًا، لقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا﴾ فإنه يفهم منه أن بعضهم لا يزيده طغيانًا وكفرًا، بل لا يزيده إلا إيمانًا وهذا كقوله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. الفائدة الرابعة عشرة: أن الكفر يزيد وينقص، وجهه: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ وعليه فيكون هذا شاهدًا مؤيدًا لما يروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كفر دون كفر؛ لأنه إذا كان يزيد وينقص، فلا بد أن يكون الأعلى فوق الأدنى، فيكون هناك كفر دون كفر. هل يمكن أن نقول: وفيه دليل على أن الإيمان يزيد وينقص؟ نعم، ربما نقول هذا؛ لأن الكفر إذا كان يزيد وينقص فبإزائه الإيمان فلا بد أن يكون مثله يزيد وينقص، والذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص سواء بالأقوال أو بالأفعال أو باليقين. ولينتبه لهذه الفائدة: الإيمان يزيد بالأقوال، فإن من ذَكَرَ الله ألف مرة ليس كمن ذكر الله مائة مرة، الأول أكثر وكذلك في الأفعال ليس من صلى مائة ركعة كمن صلى مائتي ركعة، الثاني أزيد، كذلك في اليقين: اليقين يختلف الناس فيه، الإنسان نفسه أحيانًا يكون في حالة صفاء وفي حالة فراغ، ويكون قلبه خاليًا من كل شيء سوى الله، فيجد لذة عظيمة في الإيمان وقوة عظيمة، حتى كأنه يشاهد الله ، ولهذا قال النبي ﵊ في الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه" (١)، ويدل لهذا،

стр. 649

أي: أن اليقين يزيد وينقص، أن إبراهيم ﵊ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] هذا وهو إبراهيم الخليل ﵊ يقول: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وهذا شيء مشاهد، وليس الخبر كالمعاينة. لو أخبرك إنسان من أوثق الناس عندك ومعه مثله أو أكثر، فإن يقينك بهذا الخبر ليس كيقينك به إذا شاهدته. إذًا: الإيمان يزيد وينقص، وإذا كان يزيد وينقص فيجب علينا أن نلاحظ إيماننا هل زاد، هل نقص؟ فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه. الفائدة الخامسة عشرة: عناية الله ﵎ بمحمد ﷺ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فإن هذه الربوبية للتشريف والتعظيم، وبيان أنه ﵊ لا يمكن أن يزيد فيما أنزل إليه ولا ينقص؛ لأنه نزل من ربه الذي اعتنى به أتم اعتناء. الفائدة السادسة عشرة: تسلية النبي ﷺ ، أن لا يأسى على القوم الكافرين، حتى إن الله تعالى بَيَّن له في آية أخرى، أن ما حصل منه واقع بمشيئة الله، من أجل أن يطمئن كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: ١٠٧] فإذا كان شركهم بمشيئة الله فإن الرسول لا شك أنَّه سوف يرضى، لكن لا يمنعه من الدعوة إلى الله، قال تعالى ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. فإن قال قائل: وهل هذا أيضًا يوجه إلى الداعي إلى الله بمعنى: أنه لو جاء أحد يشكو إليك يقول: أنا نصحت هؤلاء

стр. 650

القوم ولكنهم لم يأخذوا بنصيحتي، بل كابروا واستهزءوا وسخطوا، هل لك أن تقول: يا أخي لا تأسَ، ولا تحزن، ولا يضيق صدرك أو لا؟ نعم، تقول هذا حتى تفرج عنه وتفسح له، لئلا يقنط، فلذلك ينبغي للإنسان إذا جاءه أحد من دعاة الخير، أو من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يشكو إليه، أن يوسع له ويفسح له ويقول: لا تأسَ على هؤلاء، لكن بعض الناس إذا جاءه أحد يشكو يقول: والله الناس خراب من يستطيع يقدرهم إلا الله -نسأل الله العافية- سيحل بنا غضب ونقمة، ثم يدخل عليه حزنًا على حزن وهذا غلط؛ لأن الداعي إلى الله إذا قام بما يجب عليه، وما وراء ذلك فهو إلى الله . * * * ° قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ [المائدة: ٦٩]. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: إيمانًا حقيقيًّا، وليس كما قال بعضهم: إيمان نفاق؛ لأنه لا يمكن أن يعبر عن المنافق بالمؤمن ما دام على نفاقه، فلينتبه لهذا، أما قبل أن ينافق فيمكن أن يكون قد آمن ثم كفر، كما قال في المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون: ٣] لكن يعبر عن المنافق حال نفاقه بالإسلام، لكن بالإيمان لا يمكن، ولهذا ضعف قول من قال: إن المراد بالذين آمنوا أي: آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، نقول: هذا لا يمكن أن يقع التعبير به في القرآن أبدًا، لكن الذي حملهم على هذا، أن الله قال: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٢٦] فقالوا: كيف نقول: إن الذين آمنوا، من آمن منهم؟

стр. 651

نقول: هذا يكون تكرارًا، لكن يمكن أن نقول: "من آمن" اسم مشترك فيكون باعتبار الذين هادوا والصابئون والنصارى، أي: من دخل في الإيمان، وباعتبار الذين آمنوا، أي: من ثبت على إيمانه؛ لأن الإنسان قد يؤمن ثم يكفر -نسأل الله العافية- هذا وجه. الوجه الثاني: أن نقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذه (إنَّ) واسمها، أما خبرها: فمحذوف دل عليه ما بعده، والتقدير إن الذين آمنوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ مبتدأ فتكون الواو للاستئناف، أو معطوفة على محل إنَّ واسمها ﴿وَالَّذِينَ﴾ تكون مبتدأ. قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: بذلك اليهود، ومعنى هادوا: رجعوا؛ لأنهم قالوا: إنا هدنا إليك، أي: رجعنا إليك وتبنا. قوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ الصابئون: أصل الصابئ هو الذي خالف دين آبائه وأجداده، يعني خرج عن دين قومه، فما المراد بهم هنا؟ قيل: إنهم فرقة من اليهود، وعلى هذا فيكون عطفها على ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ من باب عطف الخاص على العام، وقيل: إنهم فرقة من النصارى، وعلى هذا فيكون عطف النصارى عليهم من باب عطف العام على الخاص. وقيل: وهو الأظهر أنهم فرقة مستقلة؛ لأن الله ذكرها على وجه الاستقلال، فالصابئون على دين مخالف لدين اليهود ودين النصارى، ولعلهم أخذوا من هذا الدين ومن هذا الدين، وركَّبوا دينًا لهم.

стр. 652

وقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ الصابئون: معطوفة على ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ ولا إشكال في إعرابها على الوجه الذي تقدم، وهو أن ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ مبتدأ، فتكون عطفت على مبتدأ فترفع، ويرجح هذا آخر الآية، لكن يرد علينا أنها ذكرت في آية أخرى بالصابئين، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧]. فيقال: الفرق ظاهر لأن الآية الأخيرة ليس فيها ذكر الإيمان فيما بعد، وإنما فيها ذكر عموم الأجناس من كافر ومسلم، فتكون ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ معطوفة على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على: اسم ﴿إنَّ﴾، والخبر يأتي بعد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فهو يفصل بين المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين والمشركين، فلا تكون نظيرًا لهذه الآية، وإذا لم تكن نظيرًا لها، لم يكن إعرابها كإعرابها. وقوله: ﴿وَالنَّصَارَى﴾ هم الذين ناصروا عيسى ﵊، قيل: إنما مأخوذة من النصرة، وقيل: إنها مأخوذة من الناصرة اسم بلدة، وفي كل منهما شيء من الإشكال؛ لأن النصارى لا تتطابق في الترتيب مع النصرة ولا مع الناصرة، لكنه لا شك أن المراد بهم بالاتفاق: هم الذين تبعوا عيسى ﵊. قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إعراب ﴿مَنْ آمَنَ﴾ هل نقول: إنها شرطية، أو نقول: إنها اسم موصول؟ في ذلك قولان: أحدهما: إنها شرطية، وعلى هذا فيكون جواب الشرط: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، وتكون الجملة الشرطية خبر للمبتدأ، ويجوز

стр. 653

أن تكون ﴿مَنْ﴾ اسمًا موصولًا فتكون بدلًا، أو عطف بيان لما سبقها، ويكون محلها في الإعراب محل ما سبق، وعلى هذا فيكون الخبر قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وربطت بالفاء؛ لأن الذين هادوا اسم موصول، وهو كاسم الشرط في العموم. قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ما محل ﴿آمَنَ﴾ من الإعراب؟ إن قلنا: "من" شرطية فمحلها الجزم على إنها فعل الشرط، وإذا قلنا: اسم موصول فلا محل لها من الإعراب؛ لأنها صلة الموصول. لكن إذا قال قائل: أين العائد على التقديرين على أنها شرط أو اسم موصول؟ نقول: العائد محذوف وقد ذكر في آية أخرى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٦٢] فيكون المحذوف في هذه الآية قد دل على حذفه الآية الأخرى: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فلا بد من الإيمان بالله، والإيمان بالله يستلزم الإيمان بملائكته وكتيه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فالإيمان بالله متضمن لخمسة أركان من الإيمان، والحكمة من ذلك أن الأركان الأربعة أجملت تحت الإيمان بالله، وخُص الإيمان باليوم الآخر؛ لأنه هو الذي يحمل الإنسان على العمل، إذا كان الإنسان في شك من اليوم الآخر والعياذ بالله، لن يعمل، ماذا يرجو وماذا يخاف؟ فلا يمكن الإيمان حقيقة إلا بالإيمان باليوم الآخر؛ لأن الإيمان به هو الذي يحمل على القيام بشريعة الله.

стр. 654

وقوله: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هو يوم القيامة "وأل" فيه للعهد "والآخر" يعني: الذي لا يوم بعده؛ لأن نهاية مطاف الخلق هو اليوم الآخر إما إلى الجنة وإما إلى النار، جعلنا الله من أهل الجنة، قال شيخ الإسلام ﵀: يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فكل ما أخبر به الرسول ﷺ مما يكون بعد الموت فهو داخل في الإيمان باليوم الآخر: فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، وكذلك ما يكون بعد قيام الساعة من الحساب والميزان والكتب والصراط والحوض والشفاعة وغير ذلك. لو سأل سائل: عبارة افعل الذي عليك والباقي على الله، هل تصح أو لا؟ فالجواب: نعم تصح، والباقي يعني ما وراء طاقتك على الله، يعني: ليس عليك، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦] ومثل ما نقول: أعطِ فلانًا عشرة ريالات والباقي على فلان، فأيضًا أنت الآن الذي عليك هذا وقد بلغت، والباقي على الله لست مكلفًا به. ولو سأل: هل صحيح قول من يقول: بأن أمة الإسلام لن يقوم لها قائمة حتى ينزل الله عيسى ﵊ ويبعث المهدي؟ فالجواب: والله لا أدري، والظاهر أنها لا تصح، أما في طائفة فقطعًا؛ لأن الرسول ﵊ يقول: "لا تزال

стр. 655

طائفة من أمتي على الحق" (١) أما في الكل فلا أدري، ولكن قد يكون؛ لأن حقيقة الأمر إذا رأيت المسلمين اليوم، ولا أدري عن المستقبل وجدتهم أنهم في حال لا تستقيم على النصر متشتتون متفرقون، وبعضهم يحكم بغير ما أنزل الله، ويستهزئ ويسخر بالدين وأهل الدين، نسأل الله أن يعيد للمسلمين مجدهم. قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يعني: عمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح: هو ما جمع شرطين: الإخلاص لله ، والثاني: المتابعة للرسول ﷺ ، وإن شئت فقل: الإخلاص لله والمتابعة لشريعته، حتى يكون أعم، فيشمل الذين آمنوا بالرسل السابقين واتبعوا شرائعهم، فيقال: العمل الصالح ما جمع بين أمرين: الإخلاص لله والمتابعة للرسول الذي تكون شريعته قائمة. فالعمل الصالح ضده العمل الفاسد، وقد قال النبي ﵊: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)، وهذا فقدت فيه المتابعة، وقال له النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه تعالى قال: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركعه وشركه" (٣)، وهذا فُقِدَ فيه الإخلاص. واعلم أن الإخلاص لىيس بالأمر السهل، الإخلاص من أصعب ما يكون، حتى أن بعض السلف يقول: ما جاهدت نفسي

стр. 656

على شيء مجاهدتها على الإخلاص، ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ بالله أن يشرك بالله وهو يعلم ويستغفره لما لا يعلم (١)، فالشرك أخفى من دبيب النمل على الصخرة السوداء (٢)، لذلك يجب على الإنسان دائمًا أن يغسل قلبه من أدران الشرك، ويتفقده حتى لا يقع فيه وهو لا يعلم. قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أولًا: الإعراب: ﴿لَا خَوْفٌ﴾ بالرفع، مع أن "لا" في مقام النافية للجنس، والمعروف أن لا النافية الجنس تنصب الاسم وترفع الخبر كما قال ابن مالك ﵀: عمل إن اجعل للا في نكره ... مفردة جاءتك أو مكرره فهنا نقول: لا، لم تنصب؛ لأنها كررت، وإذا كررت ألغيت، فيكون قوله: ﴿لَا خَوْفٌ﴾: نافية، ولا نقول: للجنس، نقول: ليس عليهم خوف، أي: من المستقبل لأنهم آمنون ومطمئنون، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما مضى؛ لأن ما مضى كله قد استوعبوه بطاعة الله، فلا يحزنون على ما مضى؛ لأنهم رضوا بعاقبته وثوابه ولا يخافون من المستقبل.

стр. 657

من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن من اليهود والنصارى والصابئين من هو مؤمن بالله واليوم الآخر، لقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهو كذلك، فمثلًا اليهود الذين آمنوا بموسى حين كانت شريعته قائمة يدخلون في كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر، والنصارى الذين آمنوا بعيسى حين كانت الشريعة قائمة كذلك، والمؤمنون بمحمد ﷺ كذلك. الفائدة الثانية: أن ثواب الله لا ينبني على حسب ولا نسب، وإنما ينبني على الإيمان والعمل الصالح كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. الفائدة الثالثة: أنه ينبغي لنا عند التعبير أن نعبر عن اليهود باليهود وعن النصارى بالنصارى، لكن صار القسيسون من النصارى يلقبون أنفسهم بالمسيحيين، ليضفوا على ما هم عليه من الباطل ثوب الحق؛ لأنه إن انتسبوا إلى المسيح انتسبوا إلى دينه، ولكن المسيح بريء منهم؛ لأنهم لم يقبلوا بشارته ولم يصدقوا بها، ولم يؤمنوا بمحمد ﷺ الذي أخذ الله على النبيين الميثاق أنهم يؤمنون به وينصرونه، فوصفهم الحقيقي ولقبهم الحقيقي هو النصارى، وما زال أهل العلم الذين يكتبون في التاريخ من المسلمين وغير المسلمين ما زالوا يسمونهم بالنصارى، حتى عظمت دولة النصارى واستولت على كثير من البلاد الإسلامية وسمت نفسها بالمسيحية. الفائدة الرابعة: إثبات اليوم الآخر، لقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ويدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما يكون

стр. 658

بعد الموت، فسؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه من أحوال اليوم الآخر، ونعيم القبر وعذابه كذلك، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا كذلك (١)، فكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر. الفائدة الخامسة: أن الإيمان وحده لا يكفي، لقوله ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فلو أن الإنسان كان مقرًا بالله وباليوم الآخر وبالملائكة وبالكتاب والنبيين والقدر، ولكن ليس عنده عمل صالح، فإن عليه الخوف وله الحزن؛ لأن الله لم ينفِ الخوف والحزن إلا عمن آمن وعمل صالحًا. فإن قال قائل: على هذا التقرير هل ترون أن ترك العمل الصالح، يكفر به الإنسان؟ الجواب: لا، لأن التكفير شيء، والخوف من الذنوب والحَزَن على ما فات شيء آخر، ولا نطلق الكفر إلا على من كفره الله ورسوله؛ لأن التكفير حكم شرعي يترتب عليه أمور عظيمة، والأحكام الشرعية لا تتلقى إلا من الشرع، فلا يجوز أن نصف أحدًا بأنه كافر دون أن يكون كافرًا بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، ولا أن نسلب عنه الكفر إذا كان الكتاب والسنة يقتضي

стр. 659

كفره، ولكن يبقى النظر إذا جاء إطلاق الكفر في الكتاب والسنة فهل نحمله على الكفر الأكبر أو على الكفر الأصغر؟ الجواب: الواجب أن نحمله على الكفر الأصغر؛ لأن الأصل بقاء إسلام المسلم، فلا نخرجه من دائرة الإسلام إلا بيقين؛ لأن اليقين لا يرفع إلا بيقين، ولا يمكن أن يزال اليقين بالشك، فإذا جاء في القرآن والسنة إطلاق الكفر على عامل عمل كذا وكذا، وشككنا هل المراد الكفر المخرج من الملة أو الكفر الأصغر، فالواجب أن نحمله على الكفر الأصغر؛ لأن الأصل بقاء الإسلام حتى نتيقن أنه خرج من الإسلام، ولأن التعبير بالكفر في مواطن كثيرة يتيقن الإنسان أنه الكفر الأصغر بدلالة القرآن والسنة، مثال ذلك: قول النبي ﷺ : "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (١). إذا قال قائل: إذًا من قاتل المؤمنين فهو كافر؛ لأن النبي ﷺ يقول: "قتاله كفر" نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأن الله قال في كتابه العزيز: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولو كان المقاتل كافرًا كفرًا أكبر لم يكن أخًا لنا، وكذلك قال في القصاص فيمن قتل المؤمن: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] أخيه أي: القاتل، مع أن قتل المسلم كفر. فيقال: هذا يدل على أن إطلاق الكفر لا يقتضي الخروج من الإسلام، وكذلك قوله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهما كفر:

стр. 660

النياحة والطعن في النسب" (١)، وأمثال هذا كثير، وعلى هذا فنقول: الكفر حكم شرعي لا يجوز إطلاقه إلا على من أطلقه الله ورسوله عليه. ثم الكفر نوعان: أصغر وأكبر، فإذا علمنا أن هذا من الكفر الأكبر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، قلنا: هو كفر أكبر، وإذا لم نعرف وجب حمله على الكفر الأصغر؛ لأن الإسلام متيقن، والكفر مع الاحتمال ليس بمتيقن، ولأنه لا يمكن أن نستبيح دم امرئ مسلم إلا بنص صريح واضح. فإذا قال قائل: إذا ثبت أن هذا كفر، فهل نحكم به على الشخص المعين أو لا؟ نقول: نعم، نحكم به على الشخص المعين، إذا تمت شروط التكفير فإننا نحكم عليه بأنه كافر بعينه، فلو رأينا رجلًا لا يصلي أبدًا قلنا: هذا كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، للأدلة المعروفة التي لا تخفى على كثير من طلبة العلم. لو قال قائل: الذين يقولون: إن تارك الصلاة ليس بكافر، يستدلون بأن النبي ﷺ قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (٢) وهذا كفر دون كفر، كيف نرد عليهم؟

стр. 661

الجواب: نرد عليهم بنفس الحديث؛ لأن النبي ﷺ قال: "بيننا وبينهم"، أي: فاصل، فإذا كان هذا بيننا وبينهم معناه فاصل بين الكفر والإيمان، وأيضًا حديث جابر ﵁ قال ﵊: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (١) فما دام الرسول قال: "من تركها فقد كفر" وأطلق كيف نقيدها؟ وإذا قيدناها بمن جحد الفريضة، قلنا: هذا غلط؛ لأن من جحد الفريضة يكفر ولو صلى، والحديث يقول: "فمن تركها" وإذا قال: المراد تركها مع الجحد؛ فنقول: هذا الرجل ألغى الوصف الذي اعتبره الشرع وأتى بوصف لم يعتبره الشرع؛ لأن الجحد يكفر به الإنسان بالإجماع، إلا حديث عهد بالإسلام لا يدري فهذا يُعَلَّم. فإن قال قائل: وهل نكفره بعينه؟ قلنا: نعم، نكفره بعينه وندعوه إلى الصلاة، إن صلى ارتفع عنه الكفر والقتل، وإن لم يصلِ قتل كافرًا بعينه، وكذلك لو رأينا شخصًا يسجد للصنم، والسجود للأصنام كفر أكبر مخرج عن الملة، نحكم عليه بعينه، بأنه كافر ونستبيح دمه وماله، ولو سمعنا أحدًا يسب الله ورسوله، نحكم عليه بعينه أنه كافر، ونستتيبه على القول الراجح، وإذا تاب رفعنا عنه القتل ووصف الكفر وإلا قتلناه كافرًا وهلمَّ جرَّا. الحاصل أن ظن بعض الناس أنه لا يُكَفَّر أحد بعينه إلا إذا جاء في القرآن والسنة أنه كافر بعينه، هذا غلط عظيم، ولو أخذنا بهذا القول ما بقي أحد كافر، نعم لا نحكم له بالنار إلا إذا عُيِّنَ في الكتاب والسنة، وهناك فرق بين الحكم بالكفر وبين الشهادة له

стр. 662

بالنار، فإننا لو شهدنا بأنه كافر، لا نقول: إنه في النار بعينه، لكن نقول: هذا كافر، وكل كافر في النار، فصحيح كل كافر في النار، وأهل السنة والسلف أنكروا الشهادة لمعين بألقاب المدح والثناء ولم ينكروا التعميم، وقد خطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إنكم تقولون: فلان شهيد فلان شهيد، ولعله حمَّل بعيره يعني غلولًا، لا تقولوا: شهيد ولكن قولوا: من قتل في سبيل الله فهو شهيد (١). فيجب أن نعلم الفرق بين الحكم بالكفر وبين الشهادة بالنار. تقدم أنه يحكم بكفر المعين إذا تمت شروط التكفير، وشروط التكفير لا بد من معرفتها: أولًا: أن يكون الإنسان قاصدًا لما قال أو فعل، فإن لم يكن قاصدًا فلا شيء عليه؛ لأنه مغلوب، وجميع الألفاظ التي يغلب عليها الإنسان، لا حكم لها لا في الكفر ولا في الطلاق، ولا في العتق، ولا في الوقف، ولا غير ذلك، فإنه لا حكم لها؛ لأن النبي ﷺ قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٢)، وقال الله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، فلا بد من القصد، بناءً على ذلك: لو أكره الإنسان على الكفر، فإنه لا يكفر بنص القرآن قال تعالى:

стр. 663

﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]، ولو أن إنسانًا قال كلمة الكفر من شدة الغضب، فإنه لا يكفر لعدم القصد لأنه ما قصد أن يتكلم بهذا، لكن غُلِب عليه حتى تكلم فلا يكفر، وعكس الأول، لو أن الإنسان قال كلمة الكفر من شدة الفرح عكس الأول، فإنه لا يكفر؛ لأنه مغلوب ولم يقصد، والحديث في هذا صريح في "قصة الرجل الذي أضل راحلته وعليها طعامه وشرابه حتى أيس منها، فنام تحت شجرة فإذا بالناقة قد حضرت فأخذ بزمامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" (١)، فليس عليه شيء، وكلامه هذا لا يترتب عليه شيء؛ لأنه عن غير قصد، لكن مع الفرح الشديد أخطأ. ومن ذلك أيضًا الخطأ في التأويل، لو أن إنسانًا فعل ما يكفر تأويلًا، وظنًا منه أن هذا هو الحق، فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يقصد الكفر، وإنما فعل هذا الشيء أو قال هذا الشيء بناءً على أنه حق وحلال، ولو علم أنه كفر لكان أشد الناس نفورًا منه، ويشهد لذلك "قصة الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه، فأمر أهله إذا مات أن يحرقوه ويلقوه في اليم وقال: والله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحدا من العالمين -فهذا إنما قال هذا الشيء خوفا من عقاب الله، وأَمَرَ بهذا الشيء خوفًا من عقاب الله

стр. 664

وظنًّا منه أنه لو بعثه الله لعذبه عذابًا شديدًا- فجمعه الله وسأله: لماذا فعلت هذا؟ قال: يا رب فعلت هذا خوفًا منك، فغفر الله له" (١) اللهم لك الحمد: غفر الله له؛ لأنه إنما فعل هذا خوفًا من عقاب الله ، فظن أن هذا لا يضره. ومنهم على بعض التفاسير فعل يونس ﵊، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وألا نضيق عليه أشد من الضيق الذي حصل له، والذي حصل له من الضيق أشد، ولكنه ﵊ لا شك أنه ما قال هذا إلا عن تأويل، أو ما ظنه إلا عن تأويل، وهذه المسألة مهمة بنى عليها الإمام أحمد ﵀ في إحدى الروايتين عنه: أن الخوارج ليسوا كفارًا؛ لأنهم استباحوا دماء المسلمين بتأويل، هم يرون أنهم يتقربون إلى الله بقتل المسلمين؛ لأنهم لا يرون أنهم على حق، أي: أن المسلمين ليسوا على حق، فهم متأولة، ومن العلماء من أطلق كفرهم بناءً على الأحاديث الواردة فيهم، والآخرون قالوا: هذا في الخوارج المعينين الذين خرجوا على علي بن أبي طالب، وليس كل خارج يكون كافرًا، فالمهم الآن اشتراطنا القصد وهذا أهم شيء. الجاهل غير قاصد للمخالفة، ولينتبه طالب العلم لمسالة القصد فهي مهمة جدًّا جدًّا، فالجاهل الذي يسجد للصنم ظنًّا منه أنه ليس حرامًا؛ لأنه عاش في بلد الكفر وكان حديث الإسلام،

стр. 665

فظن أن هذا لا يضر، فهل نقول: إنه كافر؛ لأنه مشرك أو لا؟ لا نقول هذا، حتى نُعَلِّمُهُ أن هذا شرك، فإذا أصر على ذلك وقال: إنه وجد أباه على ذلك؛ صار كافرًا. الزنا حرام بإجماع المسلمين، فلو أنكر أحد تحريمه لأنه لم يعرف الإسلام، لأنه أسلم حديثًا فإنه لا يكفر لأنه لا بد له من العلم، وهذا تدل عليه أحاديث كثيرة وآيات كثيرة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ [القصص: ٥٩]، ومن الظالم؟ الظالم: الذي يفعل المخالفة عن قصد وعلم، وأما من فعلها عن جهل أو خطأ في تأويل أو غيره فليس بظالم. فلا بد من مراعاة هذه الأشياء لئلا تزل القدم، فتكفر من لم يكفره الله ورسوله، وإذا كفرت من لم يكفره الله ورسوله باء الكفر عليك -نسأل الله العافية- كما جاء في الحديث الصحيح: "أن من دعا رجلًا بالكفر، أو قال: يا عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه" (١) أي: رجع عليه. عكس ذلك من لا يكفرون بترك الأعمال أبدًا، حتى ما جاء به الشرع لا يقرون به، فيقولون: إنه لا كفر إلا في الاعتقاد فقط، وأما الأعمال فليس فيها كفر، يزني، يسرق، يقتل، يترك الصلاة، يترك الزكاة، يترك الحج، ولا يكفر، وهذا خطأ، ودائمًا الحق

стр. 666

يكون بين طرفي نقيض إما إفراط وإما تفريط، والواجب علينا أن نتعبد لله بما نذكر من أحكامه وبما نفعل من شريعته، فلا نذكر من أحكامه ما لم يذكره، إذا كان الله يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] فكيف بالذي يقول: هذا كفر وهذا إسلام، هذا أشد؛ لأن الكفر يترتب عليه أحكام عظيمة، يترتب عليه أن هذا الذي حكمنا بكفره دمه حلال، وماله حلال ولا تبقى معه زوجته، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا كان إمامًا يجب الخروج عليه، وما أشبه ذلك من الأمور العظيمة، هذه ليست كلمة تقال، المسألة خطيرة جدًّا. ثم بعد ذلك هؤلاء الذين يكفِّرون من لم يكفره الله ورسوله، هم يكفرون بقتالهم المسلمين، قتالهم المسلمين كفر كما جاء في الحديث الصحيح (١)، وإذا قلنا: إنه كفر أصغر كما تدل عليه آية الحجرات، قلنا: ولكنه يحتمل أن تنجر به المعاصي والكبائر، حتى يكفر كفرًا أكبر. فالمهم أن في مثل هذه المسائل يجب علينا ألا نتقدم بين يدي الله ورسوله، وألا نكفر من لم يكفره الله ورسوله، وألا نحجم عن تكفير من كفره الله ورسوله، الحمد لله، الأمر إلى الله ليس لنا ولا لفلان ولا لفلان. لو قال قائل: ذكرتم أن الشرط الأول أن يكون الإنسان قاصدًا لما قال أو فعل، هل هناك شروط غيرها كالعلم مثلًا؟

стр. 667

الجواب: العلم داخل في القصد، وحقيقة أن الشرط الوحيد الأكيد هو الذي ذكرت، وهو القصد وأما الجاهل، فقد قصد العمل لكن لم يقصد المخالفة، ولهذا كان القول الراجح في الحنث في الإيمان أنه إن حنث في يمينه جاهلًا أو ناسيًا فلا كفارة عليه، فلو قال: والله لألبسنَّ هذا الثوب، ثم وجد ثوبًا معلقًا فلبسه ولا يدري أنه الثوب الذي حلف عليه فليس عليه شيء، المهم قد تكون جميع الشروط التي تذكر تعود إلى هذا الشرط. لكن قد يقول قائل: ما رأيكم في المستهزئ أيكفر أو لا؟ الجواب: يكفر بنص القرآن، فكيف يتفق هذا مع القول بأنه يشترط القصد؟ نقول: نعم؛ لأن المستهزيء قصد الفعل أو القول لكن لم يدرِ عما يترتب عليه، نظير ذلك الإنسان الذي جامع في نهار رمضان يدري أنه حرام لكن لا يدري ماذا يترتب عليه، نقول: يجب عليه الكفارة. لو قال قائل: نجد أناسًا يقولون: إن الكفر يكون بالأعمال، ويقولون: الحكم بغير ما أنزل الله إذا تقرر وصار عامًّا وليس في مسألة واحدة، إنما مقررًا ومشروعًا مستبدلًا به حكم الله ، فإنه كفر، ويجب علينا أن نكفر من أقر هذا الحكم حتى ولو كانت أكثر أحكامه بما أنزل الله لكنه قرر عشرة بالمائة من أحكامه من غير ما أنزل الله وأقرها وناضل عنها فإنه يكفر، هل هذا صحيح أم ماذا؟ الجواب: ينظر هل هو عن قصد، هل هو عن تأويل، وهل هو أراد أن يستبدل شريعة الله بشريعة أخرى؟ الناس يختلفون؛

стр. 668

لأن الذي يحكم بغير ما أنزل الله قد يكون ظالمًا، يعني يريد أن يضر المحكوم عليه، لا يريد إلا هذا، هذه معصية من المعاصي كما لو أخذ ماله بدون حكم، أو يريد مصلحة لنفسه، هو لا يريد أن يأخذ من المحكوم عليه شيئًا لكن يريد مصلحة لنفسه، فيحكم بغير ما أنزل الله، هذا أيضًا لا يكفر بلا شك، هذا يكون فاسقًا، وتارة يحكم بغير ما أنزل الله غير راض بحكم الله، فهذا يكفر؛ لأنه أنكر الشريعة، وتارة يحكم بغير ما أنزل الله متأولًا، إما بنفسه وإما بما يزين له. ولنضرب لهذا مثلًا: بعض العلماء من المسلمين يقولون: مسائل الحياة جعل الشرع مطلقة، ينظر الإنسان ما هو أصلح للناس ويفعله، ثم يستدلون بأشياء هي شبهات ليست بحجج، فيقولون: إن الرسول ﷺ قدم المدينة ووجدهم يلقحون النخيل، فقال لهم: "ما هذا؟ " كأنه يقول: اتركوه لا تلقحوه، فتركوه ففسد الثمر، فجاءوا إلى الرسول ﵊ وقالوا له: يا رسول الله، هذا الثمر فسد، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (١) أخذ بعض الناس من قوله: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" أي: الذي يرونه من المصلحة يفعلونه، حتى الربا الذي يسمونه الربا الاستثماري يقولون: إنه جائز؛ لأن الرسول ﷺ قال: "أنتم أعلم"، وما دام أن البنك مثلًا يعطي هذا الفقير أموالًا عظيمة ينشئ بها المصانع أو يحرث بها الأراضي، أو يتجر بها، فهو منتفع والفقير منتفع،

стр. 669

هذه مصلحة للطرفين، وما دامت مصلحة للطرفين فإنه حلال، فيموهون بمثل هذا. فإذا كان الحاكم جاهلًا بأحكام الشرعية، وجاءته بطانة تلبس عليه الأمور ربما أنه يميل إليها، فغلط عظيم إذا كفرناه كيف نحكم بكفره، ولم تتم الشروط، لا بد من الشروط، لكن يجب على أهل العلم أن يبينوا أن هذا حرام وأنه لا يجوز، وتقوم عليه الحجة. ° قال الله : ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ [المائدة: ٧٠]. قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم المقدر، واللام، وقد، والضمير في قوله ﴿أَخَذْنَا﴾ يعود إلى الله ، وجاء بهذه الصيغة تعظيمًا لنفسه ﵎؛ لأنه أعظم العظماء. وقوله: ﴿مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الميثاق هو العهد الثقيل، كأنه وَثَقَ به المعاهد، وقد بَيَّنَ الله في هذه السورة ما هو العهد الذي أخذ عليهم، وما هو العهد الذي لهم عند الله، فقال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢] هذا العهد الذي أُخِذَ عليهم، خمس مواد في هذا الميثاق أخذها الله تعالى على بني إسرائيل، وجعل لهم عهدًا على الله في قوله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [المائدة: ١٢].

стр. 670

قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ منهم من كان من أولي العزم كموسى وعيسى، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢] وقوله تعالى عن موسى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وفي سورة الصف ذكر هذا وهذا، ومنهم من دون ذلك، أرسل الله إليهم الرسل. وقد قال بعض العلماء: تحتمل الآية أن العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل؛ هو ما فطر الله الخلق عليه من توحيده ﵎، فيكون في قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بالتوحيد ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ بالرسالة، للجمع بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل. وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ لم يبين الله ﵎ عددهم؛ لأن المهم الجنس وليس العدد، فماذا كان موقفهم من الرسل؟ قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ)﴾ كما: أداة شرط، وهي مع كونها شرطية تفيد التكرار، انظر إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] تفيد التكرار، والشرطية يعني أنهم لا يمشون إلا إذا أضاء لهم، وكل ما أضاء لهم مشوا فيه، وفي هذه الآية: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ بعض المفسرين زعم أن في الآية حذفًا، والتقدير: كما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم عصوا ففريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون، ولكني أرى أنه لا حاجة لهذا التقدير، وإذا لم يكن حاجة للتقدير فإن
следующие страницы →