← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

يكون بين طرفي نقيض إما إفراط وإما تفريط، والواجب علينا أن نتعبد لله بما نذكر من أحكامه وبما نفعل من شريعته، فلا نذكر من أحكامه ما لم يذكره، إذا كان الله يقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] فكيف بالذي يقول: هذا كفر وهذا إسلام، هذا أشد؛ لأن الكفر يترتب عليه أحكام عظيمة، يترتب عليه أن هذا الذي حكمنا بكفره دمه حلال، وماله حلال ولا تبقى معه زوجته، ولا يدفن مع المسلمين، وإذا كان إمامًا يجب الخروج عليه، وما أشبه ذلك من الأمور العظيمة، هذه ليست كلمة تقال، المسألة خطيرة جدًّا. ثم بعد ذلك هؤلاء الذين يكفِّرون من لم يكفره الله ورسوله، هم يكفرون بقتالهم المسلمين، قتالهم المسلمين كفر كما جاء في الحديث الصحيح (١)، وإذا قلنا: إنه كفر أصغر كما تدل عليه آية الحجرات، قلنا: ولكنه يحتمل أن تنجر به المعاصي والكبائر، حتى يكفر كفرًا أكبر. فالمهم أن في مثل هذه المسائل يجب علينا ألا نتقدم بين يدي الله ورسوله، وألا نكفر من لم يكفره الله ورسوله، وألا نحجم عن تكفير من كفره الله ورسوله، الحمد لله، الأمر إلى الله ليس لنا ولا لفلان ولا لفلان. لو قال قائل: ذكرتم أن الشرط الأول أن يكون الإنسان قاصدًا لما قال أو فعل، هل هناك شروط غيرها كالعلم مثلًا؟

стр. 667

الجواب: العلم داخل في القصد، وحقيقة أن الشرط الوحيد الأكيد هو الذي ذكرت، وهو القصد وأما الجاهل، فقد قصد العمل لكن لم يقصد المخالفة، ولهذا كان القول الراجح في الحنث في الإيمان أنه إن حنث في يمينه جاهلًا أو ناسيًا فلا كفارة عليه، فلو قال: والله لألبسنَّ هذا الثوب، ثم وجد ثوبًا معلقًا فلبسه ولا يدري أنه الثوب الذي حلف عليه فليس عليه شيء، المهم قد تكون جميع الشروط التي تذكر تعود إلى هذا الشرط. لكن قد يقول قائل: ما رأيكم في المستهزئ أيكفر أو لا؟ الجواب: يكفر بنص القرآن، فكيف يتفق هذا مع القول بأنه يشترط القصد؟ نقول: نعم؛ لأن المستهزيء قصد الفعل أو القول لكن لم يدرِ عما يترتب عليه، نظير ذلك الإنسان الذي جامع في نهار رمضان يدري أنه حرام لكن لا يدري ماذا يترتب عليه، نقول: يجب عليه الكفارة. لو قال قائل: نجد أناسًا يقولون: إن الكفر يكون بالأعمال، ويقولون: الحكم بغير ما أنزل الله إذا تقرر وصار عامًّا وليس في مسألة واحدة، إنما مقررًا ومشروعًا مستبدلًا به حكم الله ، فإنه كفر، ويجب علينا أن نكفر من أقر هذا الحكم حتى ولو كانت أكثر أحكامه بما أنزل الله لكنه قرر عشرة بالمائة من أحكامه من غير ما أنزل الله وأقرها وناضل عنها فإنه يكفر، هل هذا صحيح أم ماذا؟ الجواب: ينظر هل هو عن قصد، هل هو عن تأويل، وهل هو أراد أن يستبدل شريعة الله بشريعة أخرى؟ الناس يختلفون؛

стр. 668

لأن الذي يحكم بغير ما أنزل الله قد يكون ظالمًا، يعني يريد أن يضر المحكوم عليه، لا يريد إلا هذا، هذه معصية من المعاصي كما لو أخذ ماله بدون حكم، أو يريد مصلحة لنفسه، هو لا يريد أن يأخذ من المحكوم عليه شيئًا لكن يريد مصلحة لنفسه، فيحكم بغير ما أنزل الله، هذا أيضًا لا يكفر بلا شك، هذا يكون فاسقًا، وتارة يحكم بغير ما أنزل الله غير راض بحكم الله، فهذا يكفر؛ لأنه أنكر الشريعة، وتارة يحكم بغير ما أنزل الله متأولًا، إما بنفسه وإما بما يزين له. ولنضرب لهذا مثلًا: بعض العلماء من المسلمين يقولون: مسائل الحياة جعل الشرع مطلقة، ينظر الإنسان ما هو أصلح للناس ويفعله، ثم يستدلون بأشياء هي شبهات ليست بحجج، فيقولون: إن الرسول ﷺ قدم المدينة ووجدهم يلقحون النخيل، فقال لهم: "ما هذا؟ " كأنه يقول: اتركوه لا تلقحوه، فتركوه ففسد الثمر، فجاءوا إلى الرسول ﵊ وقالوا له: يا رسول الله، هذا الثمر فسد، قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (١) أخذ بعض الناس من قوله: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" أي: الذي يرونه من المصلحة يفعلونه، حتى الربا الذي يسمونه الربا الاستثماري يقولون: إنه جائز؛ لأن الرسول ﷺ قال: "أنتم أعلم"، وما دام أن البنك مثلًا يعطي هذا الفقير أموالًا عظيمة ينشئ بها المصانع أو يحرث بها الأراضي، أو يتجر بها، فهو منتفع والفقير منتفع،

стр. 669

هذه مصلحة للطرفين، وما دامت مصلحة للطرفين فإنه حلال، فيموهون بمثل هذا. فإذا كان الحاكم جاهلًا بأحكام الشرعية، وجاءته بطانة تلبس عليه الأمور ربما أنه يميل إليها، فغلط عظيم إذا كفرناه كيف نحكم بكفره، ولم تتم الشروط، لا بد من الشروط، لكن يجب على أهل العلم أن يبينوا أن هذا حرام وأنه لا يجوز، وتقوم عليه الحجة. ° قال الله : ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾ [المائدة: ٧٠]. قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم المقدر، واللام، وقد، والضمير في قوله ﴿أَخَذْنَا﴾ يعود إلى الله ، وجاء بهذه الصيغة تعظيمًا لنفسه ﵎؛ لأنه أعظم العظماء. وقوله: ﴿مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الميثاق هو العهد الثقيل، كأنه وَثَقَ به المعاهد، وقد بَيَّنَ الله في هذه السورة ما هو العهد الذي أخذ عليهم، وما هو العهد الذي لهم عند الله، فقال الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المائدة: ١٢] هذا العهد الذي أُخِذَ عليهم، خمس مواد في هذا الميثاق أخذها الله تعالى على بني إسرائيل، وجعل لهم عهدًا على الله في قوله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [المائدة: ١٢].

стр. 670

قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ منهم من كان من أولي العزم كموسى وعيسى، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢] وقوله تعالى عن موسى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] وفي سورة الصف ذكر هذا وهذا، ومنهم من دون ذلك، أرسل الله إليهم الرسل. وقد قال بعض العلماء: تحتمل الآية أن العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل؛ هو ما فطر الله الخلق عليه من توحيده ﵎، فيكون في قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بالتوحيد ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ بالرسالة، للجمع بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل. وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ لم يبين الله ﵎ عددهم؛ لأن المهم الجنس وليس العدد، فماذا كان موقفهم من الرسل؟ قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ)﴾ كما: أداة شرط، وهي مع كونها شرطية تفيد التكرار، انظر إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] تفيد التكرار، والشرطية يعني أنهم لا يمشون إلا إذا أضاء لهم، وكل ما أضاء لهم مشوا فيه، وفي هذه الآية: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ بعض المفسرين زعم أن في الآية حذفًا، والتقدير: كما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم عصوا ففريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون، ولكني أرى أنه لا حاجة لهذا التقدير، وإذا لم يكن حاجة للتقدير فإن

стр. 671

تقديره يكون زيادة لا محل لها، بل نقول: كما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا من الرسل، وقتلوا فريقًا من الرسل. وقوله: ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى﴾ أي: بم لا تريده وتميل إليهم، لم يستجيبوا، بل كان رد فعلهم إما القتل وإما التكذيب. قوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ (فريقًا) هنا مفعول مقدم لكذبوا، وجملة كذبوا جواب الشرط أي: جواب "كما"، أي: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا، ولم يقل: كذبوه؛ لأن منهم من كُذِّب ونجا من القتل ومنهم من قُتل، ولن يقتل إلا بعد أن يُكذب. قوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ولم يذكر الله تعالى فريقًا ثالثًا وذلك لقلته وهو الإيمان به، يعني: وفريقًا يؤمنون به ولكنه قليل، وكما سبق: إن القليل لا يعتبر ولهذا يهمل ذكره دائمًا. وقوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ التكذيب هو: رد خبر المخبر، فإذا قال لك فلان: قام زيد، فقلت: لم يقم؛ هذا تكذيب؛ لأنك رددت خبره. وقوله: ﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ القتل معروف، وأتى في القتل بكلمة يقتلون، إشارة إلى استمرار قتلهم للأنبياء؛ لأن الفعل المضارع يدل على الاستمرار، والماضي يدل على الماضي والانتهاء، وربما يكون في هذا -والله أعلم- إشارة إلى أنهم لا يزالون يقتلون الأنبياء حتى آخرهم ﵊ وهو محمد ﷺ .

стр. 672

من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تأكيد الكلام بالقسم وغيره من المؤكدات ولو كان المخبر به صادقًا، لقوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فأكد الله تعالى كلامه بالقسم واللام وقد. فإن قال قائل: أليس الله تعالى أصدق القائلين بلا توكيد؟ الجواب: بلى، لكن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، ومطابقة الكلام لمقتضى الحال؛ لأن مطابقة الكلام لمقتضى الحال هو البلاغة، فإذا كان كذلك فالقرآن أبلغ الكلام، فإذا اقتضت الحال أن يؤكد الكلام أكد، وهنا الحال تقتضي التأكيد لتقوم الحجة على بني إسرائيل؛ لأن الله تعالى أخذ منهم الميثاق وانقسموا إلى فريقين. الفائدة الثانية والثالثة: أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني إسرائيل ولم يقتصر على ذلك، إذا قلنا: إن المراد الميثاق الفطرة، بل أرسل إليهم رسلًا تأييدًا للفطرة. ويتفرع على هذه الفائدة: رحمة الله ﵎ بعباده، وأنه لم يكلهم إلى ما علموه بفطرهم، بل أرسل إليهم الرسل لتؤكد ذلك. الفائدة الرابعة: حكمة الله تعالى بإرسال الرسل أفرادًا وجماعات، لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ إسرائيل فيهم رسل متعددون، فمثلًا إبراهيم ولوط كانا في زمن واحد، ويوسف وأبوه في زمن واحد، ويعقوب وإسحاق في زمن واحد، لكن ببعثة النبي ﷺ لا يمكن أن يكون هناك نبيان أو رسولان، لماذا؟ لأنه خاتم الأنبياء ﵊.

стр. 673

الفائدة الخامسة: نقض بني إسرائيل للعهد، لقوله: ﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾، وحينئذٍ لم يقوموا بالعهد. الفائدة السادسة: التحذير مما فعلت بنو إسرائيل من تكذيب الرسل والعدوان عليهم؛ لأن الله لم يقص علينا قصص الأنبياء وقومهم؛ لنعلمها تاريخيًا فقط؛ بل لنعتبر بها، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. الفائدة السابعة: أن بني إسرائيل لا تؤمن إلا بما وافق هواها، لقوله: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ إلى آخره. الفائدة الثامنة: أن المتكلمين الذين بنوا أصول عقيدتهم على العقل كالمعتزلة، والجهمية، والأشعرية، وأمثالهم فيهم شبه من اليهود، فإنهم إذا أتاهم النص بما لا يرون كذبوه إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، أو حرفوه إن لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا؛ لأنهم يرون مرجع ما أخبر الله به عن نفسه العقل، فإذا جاء النص بما لا يهوون حسب عقولهم كذبوه وأنكروه، إن استطاعوا التكذيب ومن الذي ادعوا أنه كذب أخبار الآحاد الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما. يقولون: أخبار الآحاد لا يمكن أن تثبت بها عقيدة؛ لأنها خبر واحد، والخبر الواحد يلحقه الظن، والظن لا يمكن أن تُبنى عليه عقيدة، وعلى هذا يُرد أكثر الأحاديث الواردة في الصحيحين؛ لأن أكثرها أخبار آحاد، ثم نقول لهم: هل تقبلون خبر الواحد في الأحكام كالأوامر والنواهي؟ سيقولون: نعم، نقول: قبولكم ذلك مع أن الخبر يدل على وجوب، أو تحريم، أو كراهة، أو استحباب، وهذا لا بد منه، بمعنى لا بد أن تصلي

стр. 674

وأنت تعتقد أنها فريضة واجبة وهذه عقيدة، لكن هذه عقيدة فيما فُرِض على الإنسان أو فيما طولب به الإنسان، وتلك عقيدة فيما أثبت الله لنفسه. وعليه فنقول: حتى أخبار الأحكام تستلزم العقيدة، إذ إن كل حكم لا بد أن يُعْتَقد فيه الوجوب أو الاستحباب أو الكراهة أو التحريم، المهم أن المتكلمين الذين ردوا ما لا تقتضيه عقولهم يُشْبِهُون بني إسرائيل الذين إذا جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا وقتلوا فريقًا. الفائدة التاسعة: الحذر من هوى النفس، وأن هوى النفس قد يؤدي إلى الهلاك، وإلى فعل ما يقبح شرعًا وعقلًا. الفائدة العاشرة: أن بني إسرائيل فريقًا منهم كذبوا الرسل، وفريقًا يقتلون الرسل، ولا يبالون بذلك؛ لقوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾. * * * ° قال الله : ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ [المائدة: ٧١]. قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حسبوا بمعنى ظنوا، (أن لا تكون فتنة) فيها قراءتان: ألا تكونُ بضم النون و ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ بفتح النون، فعلى قراءة الضم تكون "أن" مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، وجملة "تكون" في محل رفع خبرها، وعلى قراءة النصب تكون "أن" مصدرية و"لا" نافية، و"تكونَ" فعل مضارع منصوب بـ "أن" المصدرية، فهنا سلط العامل على ما بعده مع الفصل بـ "لا" النافية.

стр. 675

حينئذٍ يسوغ لنا أو ينبغي لنا أن نتكلم على "أن"، فـ "أن" إذا كان ما قبلها عِلْمًا فإنه يجب الرفع، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: ٨٩]، وإذا كان ما قبلها يفيد الظن جاز الوجهان، وإذا كان ما قبلها ليسس علمًا ولا ظنًّا وجب النصب، فمثلًا تقول: يعجبني من الطالب ألا يجادل، كيف نقرأ حركة اللام؟ ألا يجادلَ فيتعين النصب، وإذا كان ظنًّا تقول: علمت ألا يكونُ كذا، وتكون "أن" المخففة من الثقيلة، فإذا كان ظنًّا جاز فيها الوجهان. في الآية الكريمة: ﴿وَحَسِبُوا﴾ أي: ظنوا، ولذلك جاز الوجهان؛ النصب والرفع، ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أي: حسبوا ألا يكون من جراء فعلهم هذا وهو التكذيب والقتل ألا تكون فتنة، أي: ألا يفتنوا بتسليط الأعداء عليهم، أو بعذاب يعاقبون به، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] فاستمروا في طغيانهم، ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عموا عن الحق فلا يرونه، وصموا عنه فلا يسمعونه، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بعد أن أراهم شيئًا من العذاب تاب الله عليهم، ثم رجعوا لكن لم يرجعوا كلهم، بل بعضهم انتفع بهذه الفتنة التي تاب الله عليهم بعدها، وبعضهم استمر، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ فصار بنو إسرائيل: أولًا: عموا وصموا جميعًا، ثم تاب الله عليهم، ثم رجعوا لكن لم يرجعوا كلهم ولكن البعض، عموا وصموا كثير منهم، والذين لم يعموا ولم يصموا قليل.

стр. 676

قال بعض العلماء: أن هذا هو ما ذكره الله تعالى في سورة ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ هذا بعد التوبة، ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ [الإسراء: ٤ - ٧]، لكن سياق الآية في الإسراء لا يناسب ما في هذه السورة، فالذي في هذه السورة أنهم قتلوا وكذبوا وظنوا أن لا يكون لذلك أثر، ولكن كان له أثر، ما هذا الأثر؟ لا ندري -الله أعلم- بعد هذا الأثر ما الذي حصل منهم؟ عموا وصموا كثير منهم في هذه الفتنة، يعني عموا عن الحق وصموا عنه، وليس المراد عميت أعينهم الباصرة وآذانهم السامعة، ثم تاب الله عليهم ووفقهم للهداية ثم عموا وصموا بعد ذلك كثير منهم، وليس بلازم أن نعرف ما أبهمه الله في القرآن، ما أبهمه الله في القرآن قد يكون فيه مصلحة، والمقصود معرفة القصة من حيث هي. لو قال قائل: في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾: ألا يكون المراد بهذا من جاء بعد بعثة الرسول ﷺ ؛ لأنه قام عليهم الحق لا سيما وقد قال: "ثم"؟ الجواب: ربما يكون هذا أو قبله أيضًا من بني إسرائيل الذين سلط عليهم العدو أو أصابته الجدوب والقحط وغير ذلك.

стр. 677

قوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿كَثِيرٌ﴾ قال بعض الناس: إنها فاعل عمي وصم، وأن الواو في عموا وصموا حرف دال على الجمع فقط، كالضمير في قولك: عليكم أو عليهم، فالواو في عموا وصموا حرف دال على الجمع، وهو خلاف المشهور من لغة العرب ويعبر عن هذه اللغة بـ "أكلوني البراغيث" وقيل: إن الواو في عموا وصموا فاعل، وأن "كثيرٌ" بدلٌ من الواو بدل بعض من كل، وهذا هو الأقرب، أن الله تعالى عمم أولًا ثم أبدل من هذا التعميم بأنهم كثير، وحينئذٍ نقول: القرآن الكريم لم يكن على لغة "أكلوني البراغيث" ولا يصح أن نقول بها في القرآن؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين. قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ البصير هنا تشمل معنيين: المعنى الأول: البصير بالعين ، والثاني: البصير بالعلم، وقد اجتمع المعنيان في حق الله . وقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ يشمل الفعل والقول، لكن كيف يكون القول عملًا؟ نقول: المراد عمل اللسان، لكن لا يكون القول فعلًا؛ لأن الفعل خاص بالجوارح، فالله ﴿بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ يراه ولا يخفى عليه، و ﴿بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ يعلمه؛ لأن المعمول قد يكون ذات جسد فيُرى، أو غير جسد فلا يُرى، وكلاهما يُعلم، فإذًا نقول: بصير يشمل معنيين: بصير بمعنى الرؤية، وبصير بمعنى العلم، والثاني أعم. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن من غباوة بني إسرائيل أنهم يظنون ألا تقع فتنة مع كونهم يقتلون الرسل ويكذبون فريقًا منهم، وهذا يدل

стр. 678

على الغباوة، وعلى أن قلوبهم قد طبع عليها والعياذ بالله فلا تميز بين الأشياء. لو قال قائل: كثيرًا من الصفات التي ذكرها الله في بني إسرائيل موجودة في بني إسرائيل الذين يعاصروننا الآن من التعنت والعناد، فبني إسرائيل الآن فيهم خبث، لكنهم ليسوا بأغبياء، بل هم يسيطرون على العالم اقتصاديًا ومتقدمون في الصناعات؟ الجواب: هؤلاء اليهود أغبياء باعتبار فهم الحق، فهم ليسوا أغبياء بسبب الذكاء، واجعل على بالك دائمًا قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المتكلمين، قال: إنهم أعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأتوا ذكاءً وما أتوا زكاء، واذكر قول الله تعالى عن الكفار مع أنهم أذكياء أنهم لا يعقلون، فهؤلاء في الواقع هم أغبياء باعتبار الشرع، فأدنى عامي من المسلمين يعرف أن قولهم: عيسى هو الله، جهالة عظيمة، ولهذا وصفوا بالضلال، فهم من أضل الناس دينًا وأسفههم عقولًا. الفائدة الثانية: التحذير من الأمن من مكر الله، وأن ذلك من خُلق اليهود وذلك بأن يأمن الإنسان من مكر الله، ويظن أنه بمعصيته لا يعقبها عقاب، لقوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. الفائدة الثالثة: أن الله تعالى قد يتوب على المرء بعد عماه وصممه، لقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بعد أن ذكر أنهم عموا وصموا. الفائدة الرابعة: رأفة الله تعالى بعباده وأنه يتوب على من تاب، وإن شئت فقل: يتوب على من شاء من عباده تفضلًا منه وكرمًا.

стр. 679

الفائدة الخامسة: أن الإنسان بعد التوبة ورفع الفتنة عنه قد لا يشكر هذه النعمة، ويعود إلى عماه وصممه لقوله: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأنعام: ٤٣]. الفائدة السادسة: الحذر من بطر النعمة بالعود إلى الفسوق والكفران؛ لأن الله هددهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. الفائدة السابعة: بيان عموم علم الله بكل عمل، فإن كلمة "ما" في قوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠] موصولة تفيد العموم. * * * ° قال الله : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾، هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، وقد. وأكد الله تعالى ذلك جريًا على عادة اللسان العربي، في تأكيد ما يستحق التأكيد، وإلا فخبر الله حق، ثم إن هذا أيضًا أي: قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ﴾ ليس خبرًا مجردًا، بل هو خبر وحكم، وحتى إذا قلنا: إنه حكم عليهم بالكفر؛ فهو مؤكد، لئلا يعارض معارض فيقول: ليس هذا بكفر.

стр. 680

وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هؤلاء النصارى الذين لم يناصروا عيسى ولم يكونوا من حواريه، قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ -نسأل الله العافية- والشبهة التي أحدثها الشيطان لهم، أنه خُلق بلا أب، والعجب أنهم يقولون: إن الله هو المسيح ابن مريم، ثم يقولون: إن عيسى ابن مريم ولد بغي، فيقذفون أمه من وجه، وينزهون أمه ويعلونها من وجه آخر حسب زعمهم. وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ كلمة "هو" ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاثة فوائد: التأكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة، الفصل يعني التمييز بين كون ما بعده خبرًا أو صفة، ففي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، "هو" ضمير فصل يفيد أن هؤلاء أكدوا أن الله هو المسيح، ويفيد حصر الله في المسيح وأنه لا يتعداه ويفيد أن قوله: ﴿الْمَسِيحُ﴾ خبر وليس بصفة. وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المسيح وصف لرجل من أولياء الله ورجل من أعداء الله، الرجل الذي من أولياء الله: عيسى ابن مريم، والرجل الذي من أعداء الله: الدجال، وقد سماه النبي ﷺ مسيحًا حيث أمر أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجال (١). وأما تكايس بعضهم، يعني: بطلب الكيس وقوله: إن

стр. 681

الدجال يسمى المسيخ بالخاء، فهذا باطل؛ لأن أعلم الناس به سماه المسيح، ولا مانع من أن يوصف هذا بالمسيح وهذا بالمسيح، لكن يختلف الممسوح، عيسى ابن مريم كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، والمسيح الدجال ممسوح العين أعور العين خبيث المنظر، ففرق بين هذا وهذا، وكلاهما مسيح مشتق من المسح. وقوله: ﴿مَرْيَمَ﴾ هي ابنة عمران، ونسب ﵊ إلى أمه لأنه ليس له أب، وإنما أمر الله جبريل أن ينفخ في فرج مريم، فنفخ فيها الروح، وهو عيسى ﵊. قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ في إعرابها وجهان: الوجه الأول: أنها حال، وبناءً على هذا الوجه يتعين تقدير قد، ويكون معنى قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقد قال المسيح: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يعني كذبهم. والوجه الثاني: أن الواو للعطف، ويكون قوله: "قال" معطوف على كَفَرَ، فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ لأنها معطوفة على جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات ويكون المعنى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ولقد قال المسيح ابن مريم يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم والتقدير الأول أبلغ؛ لأن المسيح الذي وصف بأنه الله، رد على هؤلاء الذي وصفوه بأنهم كفروا، وقد قال لهم وبَيَّنَ لهم أنه ﵊ عبد، فقال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾.

стр. 682

لو قال قائل: بعض المفسرين ذكر في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] قال المراد بالفرج هنا: جيب الدرع، هل هذا التفسير صحيح؟ الجواب: المراد بالفرج في اللغة العربية الفرج المعروف، فلماذا نحرف، ولو قلنا بهذا التفسير لكان قوله تعالى: ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ مشكل، يعني: ما أحصنت إلا جيب الدرع، لا الفرج الحقيقي، ولو قيل إن قوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] هو الذي قد يقال: لا يلزم منه أن جبريل ﵇ فتح ثوبها ونفخ في الفرج نفسه، فقد ينفخ في الجيب ويصل إلى الفرج، لكن طريق الحمل هو الفرج لا شك ليس الجيب. لو قال قائل: الحديث الذي في صحيح مسلم أن النبي ﷺ رأى المسيح الدجال يطوف بالبيت (١)، ماذا يقال في هذا الحديث، مع أن المسيح لا يدخل مكة؟ الجواب: لا أدري والله ما وجه هذا الحديث؛ لكن رؤيا الأنبياء وحي، والرسول ﵊ لم يره حقيقة؛ لأن الدجال بعد الرسول ﷺ ، أي: سيأتي فيما بعد، وهو ممنوع من دخول مكة، ولذلك احتج ابن صياد على أنه ليس هو المسيح الدجال بأنه في المدينة وذهب إلى مكة (٢).

стр. 683

وقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ نداء إشارة إلى بلاهتهم وغفلتهم، وأنهم لا يخاطبون إلا بالنداء، ولا ينتبهون ويستيقظون إلا به. وقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ اعبدوا: فعل أمر من العبادة، والعبادة تطلق على شيئين: الأول: فعل العابد، والثاني: مفعول العابد، فعلى الأول، أي: فعل العابد نقول: هي التذلل لله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وعلى الثاني نقول: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فمثلًا: يصح أن نقول: إن فعل المصلي عبادة، ويصح أن نقول: إن الصلاة عبادة، وأصلها من قولهم: طريق معبد، أي: مذلل مسهل ميسر، فمثلًا الطريق المسفلت نسميه طريقًا معبدًا، والطريق الذي لم يسفلت ولم يوطأ ليس طريقًا معبدًا. وقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ بالنسبة لكنمة (الله) تقدم أن أصلها الإله، لكن حذفت الهمزة؛ لكثرة الاستعمال، كما حذفت الهمزة في (الناس) وأصلها الأناس، وكما حذفت الهمزة في (شر) من أشر، وفي خير من أخير. هنا الأليق أن نجعل العبادة بمعنى فعل العابد، أو بمعنى مفعوله؟ هي أقرب هنا لفعل العابد. وقوله: ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ذكر العبادة ثم ذكر الربوبية إشارة إلى أن الربوبية تستلزم الألوهية، أي: أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، فمن أقر لله بالربوبية لزمه أن يقر بالعبادة؛ لأن الرب يجب أن يكون معبودًا لأن له الأمر، وله الحكم، فإذا كان كذلك يجب أن يعبد كما شرع.

стр. 684

وقوله: ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ بدأ بنفسه ليعترف ﵊ بأنه عبد مربوب، وليس ربًا كما يقولون. والرب سبق كثيرًا أنه هو الخالق المالك المدبر الذي له السلطان. قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ هذا من باب التحذير، والجملة هنا استئنافية للتحذير. قوله: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أي: منعه منها؛ لأن التحريم بمعنى المنع، ومنه: مكة حرام، المدينة حرام، ومنه حريم البئر، أي: ما قرب منها المنع الناس من تملكه، فإذًا: حَرَّمَ بمعنى منع بأن يعبد غير الله. وقوله: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ أي: دخولها، والجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه -جعلنا الله منهم- فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لكن أين يكون إذا حرم الله عليه الجنة؟ قال: ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي: التي يأوي إليها كما يأوي الإنسان إلى منزله، والنار هي الدار التى أعدها الله لأعدائه، التي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] فقد جمعوا بين القوة والامتثال، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ لا يعجزون عنه، كل ما أمروا به فهم قادرون عليه، ثم مع ذلك ليسوا قادرين عليه على وجه الضعف، بل هم غلاظ شداد، أجارنا الله منها. قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أشار ﵊ بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هذا إذا كانت هذه

стр. 685

الجملة من قول عيسى، وإن كانت من قول الله فهي بيان استحقاقهم لدخول النار، وأنهم إنما استحقوا دخول النار لكونهم ظلمة لشركهم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] وقال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هنا هل يمكن أن نقول: إنه إظهار في موضع الإضمار، بمعنى أنه لو كان في غير القرآن لقيل: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما له من أنصار؟ يمكن أن يقال هذا، لكن أظهر في موضع الإضمار، من أجل أن ينسحب على هؤلاء وصف الظلم، أي: أنهم ظلمة، ومن أجل التعميم، يعني: أن النار ليست لهؤلاء فقط بل لكل ظالم. وقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: من مانعين العذاب عنهم؛ لأن الناصر هو الذي يمنع العدو عنك ويساعدك عليه. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ نص صريح في كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. الفائدة الثانية: توكيد الحكم بما يدفع الشك، لقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ فإن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، القسم واللام وقد. الفائدة الثالثة: أن أحكام القرآن الكريم يؤتى بها غالبًا بحكم عام، بمعنى لو شاء الله تعالى لقال: لقد كفر النصارى، لكنه قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ

стр. 686

مَرْيَمَ﴾ سواء كانوا من بني إسرائيل الذين هم النصارى أو من غيرهم. الفائدة الرابعة: أنه لا كفر إلا بعد قيام الحجة بناءً على أن الواو في قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ حالية يعني أنهم كفروا وقد بُيِّن لهم الأمر. الفائدة الخامسة: أن إقرار الإنسان على غيره غير مقبول؛ لأنهم ادعوا أن الله هو المسيح، وعيسى ابن مريم أنكر ذلك فقال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ فأنا لست إلهًا تعبدونني، بل أنا وأنتم على حد سواء كلنا مربوبون لله . الفائدة السادسة: المنقبة والشرف العظيم للرسل عليهم الصلاة والسلام، حيث أنكر عيسى أن يكون هو الله في هذه الجملة العظيمة: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وهذا مقام الرسل وأتباعهم الذين لا يريدون العلو في الأرض ولا الفساد، وانظر إلى قول الرسول ﵊ حين قيل له: ما شاء الله وشئت، هل أقر هذا؟ لا، أنكره وقال: "أجعلتني لله ندًّا بل ما شاء الله وحده" (١) وهكذا أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يريدون من الناس أن ينزلوهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله ، بل إن أتباع الرسل كما أنعم الله عليهم بالاتباع؛ ازدادوا تواضعًا للخلق وتواضعًا للحق. الفائدة السابعة: وجوب العبادة بمعنى أن الرسل عليهم

стр. 687

الصلاة والسلام يأمرون بعبادة الله في كل ملة، لقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. الفائدة الثامنة: إقامة الحجة على أهل الشرك حيث أشركوا بالله مع أنه ربهم، وأن الأصنام ليس لها شأن في الربوبية إطلاقًا، فهي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]. الفائدة التاسعة: الاستدلال الملزم للخصم، وأنه ينبغي للإنسان عند المجادلة أن يتبع أوضح الأدلة وأشدها إلزامًا للخصم، لقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ لم يقل: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] قال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ إلزامًا لهم بعبادته لأنهم مقرون بالربوبية، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] فقال: اعبدوا ربكم إلزامًا لهم بالعبادة لأن الله هو الذي خلقهم، وهو الذي يحكم فيهم ويحكم بينهم. الفائدة العاشرة: أنه لا حظ لعيسى في الألوهية والربوبية، لقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هذا في الألوهية، ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وهذا في الربوبية، فعيسى ابن مريم ليس له حق في الألوهية ولا في الربوبية، وغيره من الرسل وغيره من الناس كذلك، وبهذا نعرف ضلال أولئك القوم الذين يدّعون أن أولياءهم هم الذين يدبرون الكون، وهم الذين يصرفونه، وأنهم على ضلال مبين، نسأل الله العافية. الفائدة الحادية عشرة: أن الشرك موجب للخلود في النار، لقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.

стр. 688

لو قال قائل: أهل العلم قسموا الشرك إلى أكبر وأصغر، ودلالة القرآن تدل على أن الشرك قسم واحد، فهل هذا المشرك شركًا أصغر يعذب في النار ثم يخرج، أم أنه يخلد فيها؟ الجواب: الشرك الأصغر لا يوجب الخلود في النار، لكن هل هو داخل تحت المشيئة؟ يعني إن شاء الله غفر له أي: لصاحبه أو لا؟ في هذا احتمالان، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] يحتمل أن المراد الشرك الأكبر والأصغر، وأن يكون الشرك الأصغر لا بد له من توبة، ويحتمل أن المراد ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] يعني الشرك الأكبر الذي قال فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. الفائدة الثانية عشرة: أنه لا مأوى للخلق إلا أحد أمرين: إما الجنة، وإما النار، ليس هناك شيء وسط، كما أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وليس بعد الإيمان إلا الكفر قال تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وفي الجزاء قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] أي: ومنهم سعيد، لا يوجد ثالث. فإن قال قائل: وماذا تقولون فيما جاء في القرآن الكريم في أصحاب الأعراف؟ الجواب: أصحاب الأعراف يحبسون في مكان مطل على أهل النار ومبصر لأهل الجنة، محبوسون على حسب ما تقتضيه حكمة الله، ومآلهم إلى الجنة، كما قال : ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦] فصار هؤلاء، أعني أصحاب الأعراف

стр. 689

مآلهم إلى الجنة، فليس للخلق إلا داران فقط، النار أو الجنة، ولهذا قال السفاريني ﵀ في عقيدته: وكل إنسان وكل جِنة ... في دار نار أو نعيم جنة لو قال قائل: قلتم في أصحاب الأعراف أنهم من تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيحبسون في مكان بين الجنة والنار، هل معنى ذلك: أن من زادت سيئاته واحدة، لا بد أن يدخل النار؟ الجواب: لا، الناس أقسام: من له سيئات بلا حسنات هذا إلى النار ولا إشكال فيه، ومن له سيئات زائدة عن الحسنات أي: له سيئات وحسنات وسيئات زائدة فهذا مستحق لدخول النار، مستحق ولا نجزم، وقد ينجو من النار بشفاعة؛ لأن من أصول أهل السنة والجماعة قسم: الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها، وقسم ثالث تساوت حسناتهم وسيئاتهم، هؤلاء هم أصحاب الأعراف، لا يدخلون النار ولا يدخلون الجنة، والقسم الرابع من ترجحت حسناته على سيئاته هذا لا يدخل النار ويكون من أهل الجنة، فهذه أربعة أقسام لا يخرج الناس عنها. هل يمكن أن نقول: وقسم عنده حسنات بلا سيئات؟ يمكن أن نقول: رسول الله ﵊ أخبر الله أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (١)، وحينئذٍ يلاقي الله يوم القيامة بحسنات ولا سيئات، فتكون الأقسام خمسة.

стр. 690

لو قال قائل: أصحاب الأعراف ينظرون إلى أهل الجنة وإلى أهل النار، وذكرنا أن مآلهم إلى الجنة، فهل نقول: هذا النظر إلى النار يعتبر نوعًا من العذاب؟ الجواب: نعم، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٧] مما يدل على أنهم لا يريدون النظر إليهم، لكن تصرف الأبصار صرفًا قهريًا، وإذا صرفت ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧]. الفائدة الثالثة عشرة: أن التحريم يكون قدريًّا، وجهه: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ يعني تحريمًا قدريًّا لا شرعيًّا؛ لأنه ليس باختيار الإنسان، وهل يرد التحريم على وجه التحريم الشرعي؟ الجواب: نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] ومنه ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. الفائدة الرابعة عشرة: إثبات الجنة وإثبات النار، لقوله: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾. الفائدة الخامسة عشرة: أن المثوى الأخير للخلق هو إما الجنة وإما النار، وأما القبور فليست المثوى الأخير، بل هي زيارة يمكث فيها الناس ما شاء الله حتى تقوم الساعة. الفائدة السادسة عشرة: الإشارة إلى أن الشرك ظلم، لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وقد جاء ذلك صريحًا في القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. الفائدة السابعة عشرة: أن الظالمين لا ناصر لهم لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ و"من" هنا كما يعرفه أهل اللغة العربية: حرف جر زيد لإفادة العموم والتوكيد.

стр. 691

فإن قال قائل: كيف يستقيم هذا النفي المؤكد مع أن الكفار قد ينصرون، والمشركون قد ينصرون؟ الجواب: أن هذا نصر مؤقت ليبتلي الله به المؤمنين وليس نصرًا دائمًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١] وقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] ولا يمكن أن يتناصر الكفار في دفع العذاب عنهم يوم القيامة، وحينئذٍ فلا إشكال؛ لأن النصر الذي يحصل لهم نصر مؤقت يريد الله به أن يمتحن المؤمنين. * * * ° قال الله : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ [المائدة: ٧٣]. قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ هؤلاء طائفة أخرى من النصارى، النصارى الذين تتحدث عنهم الآية الأولى؛ ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ يعني: أن المسيح ابن مريم والله رب العالمين واحد، وهؤلاء غيرهم قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ من هؤلاء الثلاثة؟ هؤلاء ذكرهم الله تعالى في هذه السورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. قوله: ﴿إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مع الله، فإذا كانا إلهين من دون الله والله صاروا ثلاثة، إذًا ثالث ثلاثة هو الله والمسيح

стр. 692

وأمه، هؤلاء هم الثلاثة، فسر ذلك القرآن، والقرآن يفسر بعضه بعضًا. وأما ما قيل: إنه الابن والأب وروح القدس؛ ففيه نظر، يعني لا نفسره بالقرآن، وإن كان قد يكون منهم، أو من المتأخرين منهم من يقول: إن هؤلاء هم الثلاثة. لكن غالبهم يقولون: إن الله متعدد في الاسم فقط، ومتحد في الذات، يقولون: ثلاثة أقانيم: الأب والابن وروح القدس، وأما في الأحكام فطوائف متعددة. قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الوقف على قوله ثالث ثلاثة متعين؛ لأنه لو وصل لفهم المخاطب أن قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ من قول هؤلاء الكفار. وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هذه الآية بمعنى لا إله إلا الله، لكن تختلف عنها في الإعراب، نقول: "ما" نافية، و"من" حرف جر زائد، يعني: زائدًا إعرابًا مفيدًا معنى، "إله" مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، و"إلا" أداة حصر، و"إله" خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، و"واحد" صفة. أبطل الله هذا القول، أي: قولهم: إن الله ثالث ثلاثة بقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وهذا خبر من أصدق المخبرين، خبر مؤكد بحرف الجر الزائد وبالحصر، وطريق الحصر النفي والإثبات، وهذا الحصر مؤكد بـ "من" الزائدة، وكل الحروف الزائدة مؤكدة.

стр. 693

وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا يمكن أن يكون أكثر من إله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] أليس الله قال هذا؟ وكذلك أيضًا قال تعالى في آية أخرى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ يعني: لو كان كذلك ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ وانفرد بمخلوقاته ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] يعني: إذا انفرد كل إله بما خلق، وكل إله يريد أن تكون الألوهية له؛ لا بد أن يقع بينهما قتال، وإذا وقع بينهما قتال علا بعضهم على بعض أحيانًا يعلو هذا، وأحيانًا يعلو هذا، ومن المعلوم أن العالي هو المستحق أن يكون إلهًا وحده، وأن المعلو عليه لا يستحق أن يكون إلهًا. وانظر الآن، لو خرجنا في سفر وأمرنا زيدًا وعمرًا؛ كلاهما أمير ماذا يكون؟ فوضى واضطراب، فلا يمكن أبدًا أن تكون الآلهة متعددة، لو تجددت لفسدت الدنيا كلها، ولهذا قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أكد الوحدانية بقوله: واحد، وهو الله . قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. إعراب: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا. . . لَيَمَسَّنَّ﴾ "إن" شرطية لا إشكال فيها، مسلطة على فعل مضارع منفي، وقوله: ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾: إذا قلنا: إنه جواب شرط فهو مُشكل؛ لأن جواب الشرط لا يأتي بهذه الصيغة، لكنه جواب قسم مقدر مع لامه أيضًا، والتقدير: ولئن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم؛ لأن كلمة ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ لا تصح أن تكون جوابًا للشرط، لوجود اللام الموطئة للقسم، ووجود التوكيد في قوله: (يمسنَّ).

стр. 694

وقوله: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ [المائدة: ٧٢]، هل يتنافى مع قول الله : ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾؟ الجواب: لا؛ لأن المعنى: ليمسن الذين استمروا على كفرهم منهم عذاب أليم، وأما من تاب فيتوب الله عليه. قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ من تعدد الآلهة، وأن الله تعالى ثالث ثلاثة. وقوله: ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ أي: ليصيبن، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: الذي استمروا على الكفر، لأنهم كافرون. وقوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿عَذَابٌ﴾ فاعل (يمس)، وأليم بمعنى مؤلم -أعني عذاب الكافرين- مؤلم نفسيًا وجسديًا، أما نفسيًا فإنهم يوبخون التوبيخ المهين، حتى إنه يقال للواحد منهم تهكمًا: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، وهذا لا شك أنه أعظم إهانة، يعذب ويصب من فوق رأسه الحميم، ثم يقال له: ذق إنك أنت العزيز الكريم، هذه إهانةٌ وعذاب عظيم، ويقول الله لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، هذا عذاب يقطع القلوب، أما العذاب الجسدي فلا تسأل، إذا استغاثوا واشتد طلبهم للماء، يغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه، قبل أن يقع في الأمعاء، فإذا وقع في الأمعاء، قطع أمعاءهم، -نسأل الله العافية- إذًا: فهو مؤلم، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]؛ لأن الجلد إذا نضج لا يحس، لكنهم يبدلون جلودًا أخرى ليذوقوا العذاب ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، إذًا: فهو أليم ألم قلب وألم جسد.

стр. 695

من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن من قال بتعدد الآلهة فإنه كافر؛ لأنه مكذب للسمع والعقل والفطرة، مكذب للسمع: لأن الأدلة لا تحصى في إثبات توحد الله، ومكذب للعقل: لأنه لو تعددت الآلهة ما استقامت الدنيا قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، ولا يمكن أن تستقيم الحال مع تعدد المسؤولية. الآن فكر بهذا في نفسك: لو كنتم في سفر، وكان المسؤول عن الجماعة متعددين، هل يستقيم الأمر؟ لا، إلى أين نذهب؟ إلى فلان أو فلان، ثم هل ستتحد كلمتهم؟ الجواب: لا، هذا دليل عقلي، ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ولا بد، والآن الكون كله منسجم لا يتصادم ولا يتناقض، مما يدل على أن مدبره واحد ، نقول هذا عن يقين، ليس لأننا عشنا في بلد التوحيد، لكن لأننا نتيقن أنه لا يمكن أن تتعدد الآلهة. ومن قال بتعدد الآلهة مكذب للفطرة أيضًا؛ لأن كل إنسان مولود على الفطرة، كما قال الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، فتعدد الآلهة باطل بالسمع والعقل والفطرة. الفائدة الثانية: إثبات أنه لا إله إلا الله، لقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٦٢].

стр. 696

فإن قال قائل: أليست توجد آلهة سوى الله بتسمية الله لها، قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، وقال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩]، وآيات متعددة تدل على وجود آلهة، وكيف يستقيم هذا مع هذا الحصر العظيم ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾؟ فالجواب سهل جدًّا، نقول: كل هذه الآلهة باطلة لا تغني شيئًا، ولهذا نقول: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾ هو موصوف بصفة محذوفة، والتقدير: وما من إله حقٍ إلا الله، وحينئذٍ يزول الإشكال، ويدل على هذا قول الله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]. الفائدة الثالثة: فتح باب التوبة لكل من أساء وإن عظمت إساءته، لقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾ الآية، فالله تعالى حكى عنهم الكفر مع ذلك عرض عليهم أن ينتهوا عما يقولون. الفائدة الرابعة: كرم الله وجوده وإحسانه وأنه يعرض على أعدائه أن ينتهوا عما وصفوه به حتى لا يصيبهم العذاب الأليم. الفائدة الخامسة: إثبات عدل الله ، وأنه لا يعذب إلا من استمر على كفره ومعصيته. الفائدة السادسة: التحذير البليغ من الاستمرار على الكفر والشرك، وأن من استمر عليه، فله العذاب الأليم. * * * ° قال الله : ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ [المائدة: ٧٤].

стр. 697

قوله: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾، الاستفهام هنا ليس استفهام استخبار أو استعلام؛ لأن الله يعلم، لكن قيل: إنه للعرض، وقيل: إنه للتوبيخ، فمن العلماء من قال: إن الاستفهام للتوبيخ، أي: أن الله يوبخهم على عدم التوبة والاستغفار، ومنهم من قال: إن الله يعرض عليهم، فهو عرض كما تقول للشخص: ألا تزورنا، والأليق بكرم الله وجوده أن تكون للعرض، أي: أن الله عرض عليهم التوبة، فحينئذٍ نقول: الاستفهام للعرض. الإعراب: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ﴾ معروف أن الهمزة لها الصدارة، وهنا جاءت الفاء العاطفة، فكيف يستقيم الكلام؟ إذا جاءت الفاء العاطفة، فهذا يعني أن الجملة التي بعدها معطوفة على ما قبلها، وهذا فيه إشكال؛ لأن الاستفهام له الصدارة، فاختلف النحويون في هذا، فمنهم من قال: إن همزة الاستفهام داخلة على جملة، والفاء عاطفة على تلك الجملة التي هي مدخول الهمزة، وحينئذٍ يكون الاستفهام له الصدارة. لكن بماذا نقدر هذه الجملة؟ نقول: باعتبار السياق، انظر المناسب للسياق وقدره، وكل سياق له ما يناسبه، فمثلًا قوله: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾، كيف نقدر الجملة؟ استكبروا أو أيستمرون أو أيطيعون فلا يتوبون إلى الله، هذا على القول بأنها للتوبيخ، لكن على القول: بأنها للعرض، يقدر فعل يدل على جود الله وكرمه، مثلًا: أَغَفَلُوا عن كرم الله وجوده فلا يتوبون، وقال بعض النحويين: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، وأن الأصل أن الفاء مقدمة على الهمزة، والتقدير: فئلا يتوبون، وتكون الهمزة هنا في صدر جملتها المعطوفة على ما سبق، وهذا لا شك أنه أهون على الإنسان من جهة التقدير، لأنه قد يصعب على الإنسان

стр. 698

أن يقدر جملة مناسبة للسياق، فإذا قلنا: الهمزة للاستفهام ومحلها بعد الفاء، والفاء مزحلقة عن مكانها سهل الأمر. قوله: ﴿يَتُوبُونَ﴾ أي: يرجعون؛ لأن تاب وثاب وأناب وما أشبهها، كلها معانيها متقاربة، فيتوبون إلى الله، أي: يرجعون إلى الله من معصيته إلى طاعته، من الشرك إلى التوحيد، من التعطيل إلى الإثبات، وهلمَّ جرَّا. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾: يسألونه المغفرة، فما هي المغفرة؟ أحسن ما قيل فيها: أنها ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مشتقة من المغفر، وهو الذي يوضع على الرأس لاتقاء السهام عند القتال، والمغفر فيه ستر ووقاية، ولا ينبغي أن نقول: إن المغفرة ستر الذنب فقط، بل نقول: هي ستر مع عفو ووقاية من العذاب، ويؤيد هذا الاشتقاق أنه مشتق من المغفر، وربما يؤيده ما ثبت في الحديث الصحيح: "أن الله يخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، فإذا أقر بها قال الله له: إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (١). وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الجملة معطوفة على ما سبق، لكنها تفيد أنه أهلٌ لأن يستغفر، وأنه إذا استغفر غفر؛ لأنه غفور رحيم، ودائمًا يقرن الله تعالى بين هذين الاسمين الكريمين؛ لأن الأول يزول به المرهوب وتغفر به الذنوب، وبالثاني يحصل المطلوب؛ لأن الرحمة جلب الخير والإحسان.

стр. 699

من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: الحث على التوبة إلى الله وتوبيخ من لم يتب، والتوبة كما قلنا: هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، والمعصية لها أنواع، وذكر العلماء ﵏ أن التوبة لها شروط، وهي خمسة: الإخلاص، الندم، الإقلاع، العزم على ألا يعود، أن تكون في وقت تقبل فيه التوبة. الشرط الأول: الإخلاص: بمعنى أن لا يكون الحامل للإنسان على التوبة، مراءات الناس، أو الحصول على شرف أو جاه أو ما أشبه ذلك، وإنما يحمله على التوبة مخافة الله ورجاء ما عنده. الشرط الثاني: الندم على ما فعل من المعصية، فإن قال قائل: الندم انفعال، والانفعال ليس فعلًا، فكيف يكون اختياريًّا بحيث نشترطه على التائب؟ نقول: المراد بالندم لازمه، بمعنى: أن لا يكون عنده فعل المعصية وعدمه سواء، بل تجده حزينًا يتمنى أن لا يفعل، وإلا لو قلت لك مثلًا: اندم، لا تستطيع أن تندم لأنه انفعال، لو قلت لك: افرح، لا تستطيع أن تفرح إلا بوجود سبب يقتضي ذلك، ولهذا اعترض بعض العلماء على هذا الشرط وقال: هذا شرط لا يمكن إدراكه؛ لأنه انفعال نفسي، كالغضب والفرح والحزن، فيقال: لا، بل هو ممكن، بمعنى أن يكون الإنسان يشعر بأنه لا يستوي عنده فعل المعصية وعدمها. تنبيه: التقصير إذا كان تقصيرًا في الواجب يجب أن يتوب منه، وإن كان تقصيرًا في غير الواجب فلا تجب التوبة؛ يعني: غير الواجب الإنسان في حل منه.

стр. 700

الشرط الثالث: الإقلاع عن المعصية: لأن من قال: إنه تائب وهو مصر على المعصية، فهو كالمستهزيء بالله ، كيف تقول: أتوب إليك يا رب وأنت تبارزه بالمعصية؟ هذا غير صحيح، لا بد أن يقلع، فإذا كانت المعصية بأخذ مال، غصبًا أو سرقة أو جحدًا فلا بد من إعادته إلى صاحبه، وإلا فهو كاذب في توبته، إذا كانت التوبة من الغيبة، فلا بد أن يقلع عنها وأن يبتعد عن المجالس المعمورة بها، وإلا فهو كاذب. لو قدرنا أنه يلزم من إقلاعه أن يستعمل بعض ما كان عاصيًا به، قلنا: لا بأس، وضربوا له مثلًا: برجل قد غصب أرضًا ثم ندم وتاب، وهو الآن في وسطها ويريد أن يخرج الجرافات والحفارات وغيرها، فهو في هذه الحال في وسط الأرض لا بد أن يستعملها، لا بد أن تمشي عليها الحفارات والجرافات وغيرها، فهل نقول: إن عمله الآن معصية، أو لا؟ الجواب: لا، هذا ليس بمعصية، بل هذا طاعة؛ لأنه يستعمل هذا ليتخلص منه، ولذلك تجد الواحد منا يستنجي ويمس النجاسة بيده، ولا نقول: إنه آثم ولا نقول إنه فاعل مكروهًا، بل نقول: إنه مأجور ومثاب على ذلك، مع أنه يباشر النجاسة بيده، ليتخلص منها، كذلك لو أن إنسانًا تطيب في إحرامه، والطيب في الإحرام حرام، ثم تاب وندم، وأراد أن يزيله بغسله، فلا بد أن يمسه بيده، فمسه بيده الآن طاعة؛ لأنه للتخلص هذه المعصية. لو قال قائل: هل يجوز فعل الوسائل المحرمة للوصول للمصلحة كمن أراد إرشاد رجل ولا يتم له ذلك إلا بالجلوس معه في مكان المعصية؟

стр. 701

الجواب: أن الوسائل المحرمة لا تكون سبيلًا للإرشاد أبدًا، فمثلًا: لو قلنا: إن هذا الرجل لا يمكن أن يهتدي، إلا إذا أتينا بالموسيقى نضربها له، فلا نضربها ومهما صغر هذا الذئب لا نفعله بل ندعوه إن اهتدى فلنفسه وإلا فعليها. الشرط الرابع: العزم على أن لا يعود في المستقبل، والمراد بقولنا أن لا يعود في المستقبل، العزم على أن لا يعود، فإن عاد يومًا من الدهر لم تبطل توبته الأولى، ما دام حين التوبة كان عازمًا على أن لا يعود؛ لأن الإنسان بشر، قد تسول له نفسه بعد التوبة أن يعود إلى المعصية، فإذا عاد فإن توبته الأولى لا تبطل، لكنه يحتاج إلى توبة جديدة. إذًا: العزم على أن لا يعود، ولا نقول: بشرط أن لا يعود، وأظن الفرق بينهما واضح. الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة، وذلك بأن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس لا بد أن ترجع من حيث غربت، فإذا رجعت من حيث غربت آمن الناس كلهم؛ لأنهم حينئذٍ يؤمنون بأن لها ربًا يدبرها؛ لأنها خرجت عن المعلوم، خرجت عن العادة، فيؤمن الناس، لكنه لا ينفعهم إيمانهم، إلا من آمن من قبل، ولهذا قال الله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]. وكذلك التوبة لا تقبل إذا حضر الأجل، لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، فإذا حضر الأجل وشاهد الإنسان الغيب، أي: ما

стр. 702

كان غائبًا، وما كان ينكره من قبل، إذا شاهده وآمن لا ينفع، لا تقبل التوبة. فإن قال قائل: ألم يعرض النبي ﷺ التوبة على عمه في سياق الموت؟ قلنا: بلى، لكن الرسول ﷺ عرض عليه ذلك وقال: "كلمة أحاج لك بها عند الله" (١) يعني: أنه لم يجزم بأنها تنفعه، بل قال: أحاج لك، والمحاجة قد تنفع وقد لا تنفع. فإن قال قائل: النبي ﷺ دخل على اليهودي وهو يحتضر ثم أسلم هذا اليهودي، فقال النبي ﷺ : "الحمد لله الذي أنجاه الله بي من النار" (٢)؟ الجواب: هذا الرجل لم يحضره الموت، لكنه مريض وقريب من الموت، ولذلك جعل ينظر إلى أبيه كأنه يستشيره. فإن قال قائل: هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ الجواب: في هذا خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؛ لأن التوبة هي الرجوع إلى الله، وهذا رجع رجوعًا موزعًا فلا ينفعه.

стр. 703

ومنهم من فصل، فقال: إذا كانت التوبة من ذنب مصر على جنسه فإنها لا تقبل، كما لو تاب من النظر إلى النساء، ولكنه مُصر على غمز النساء، فهنا لا تقبل التوبة؛ لأنه مصر على جنس الذنب، فالجنس واحد وإن كانت الأفراد مختلفة، أو الأنواع مختلفة. فمنهم من قال: تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق أن يوصف بأنه تائب على الإطلاق، بل نقول: هو تائب من كذا، فيستحق توبة مقيدة، فلا يعطى الوصف المطلق، ولا يسلب مطلق الوصف، بل يقال: هو تائب من كذا، وهذا هو أعدل الأقوال؛ لأن هذا فيه العدل، إذ لا يمكن أن ننفي عنه التوبة مطلقًا ولا يمكن أن نثبتها مطلقًا، نقول: هذا تائب، لكنه لم ينجُ من العذاب؛ لأنه مصر على معصية أخرى فسيعاقب عليها. الفائدة الثانية: عرض الله ﵎ على هؤلاء الكافرين أن يستغفروه أي: يطلبوا المغفرة، وطلب المغفرة له جهتان: الجهة الأولى: أن يسأل الله المغفرة بالصيغة، أي: بصيغة المغفرة، فيقول: أستغفر الله، اللهم اغفر لي وما أشبه ذلك. الجهة الثانية: أن يفعل ما يكون سببًا لمغفرة الذنوب، فمن فعل شيئًا هو سبب لمغفرة الذنوب فقد استغفر، مثال ذلك: "من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (١) هذا الرجل لم يقل: اللهم اغفر لي خطاياي، ولكنه

стр. 704

فعل ما يكون سببًا للمغفرة، ومثاله أيضًا: "إذا توضأ الإنسان فأسبغ الوضوء ثم صلى فيهما ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" (١)، وكذلك: "الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما" (٢)، وأمثلة كثيرة. * * * ° قال الله : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة: ٧٥]. قوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الإعراب: من المعروف بأن القرآن أنزل بلسان قريش؛ لأن لسان قريش أفصح لسان العرب، وأن "ما" عندهم تعمل عمل (ليس) كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، لكنها هنا لم تعمل لانتقاض النفي وإذا انتقض النفي أهملت، ولم تعمل عمل ليس، فإذا قلت: ما محمدٌ قائمًا، فهذا صحيح، ما محمدٌ إلا قائم: صحيح، ما محمدٌ إلا قائمًا: غلط؛ لأنه إذا انتقض النفي وجب إهمالها. وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المسيح ابن مريم هو:

стр. 705

ابن مريم بنت عمران، وسمي مسيحًا؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ إلا بريء بإذن الله، وأما المسيح الدجال فإنه يسمى مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين أعور، وقيل: لأنه يمسح الأرض بالسير عليها؛ لأنه يسير فيها كالسحاب إذا استدبرته الريح. وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ يعني: وليس إلهًا كما زعم هؤلاء، بل هو رسول مرسل من قبل الله . قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: مضت من قبله الرسل فليس ببدع من البشر؛ لأن الرسل سبقوا فهو مثلهم. قوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ يعني أمه من الصديقات، أي: الصادقة في القول والعقيدة، المصدقة لمن قامت الأدلة على صدقه؛ لأن الصديق هو الصادق المصدق، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣]، هذا هو الصديق، فأمه ﵂ صديقة، وهي من النساء الكمَّل التي قال فيها النبي ﷺ : "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع -وذكر منهن- مريم بنت عمران" (١). قوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ "كَانَا": الضمير يعود على المسيح وأمه، ﴿يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فهما محتاجان للغذاء، مفتقران إليه، فلا يصح أن يكونا إلهين؛ لأن الإله مستغنٍ عن غيره، كما قال الله تعالى في وصف نفسه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
следующие страницы →