الجواب: أن الوسائل المحرمة لا تكون سبيلًا للإرشاد أبدًا، فمثلًا: لو قلنا: إن هذا الرجل لا يمكن أن يهتدي، إلا إذا أتينا بالموسيقى نضربها له، فلا نضربها ومهما صغر هذا الذئب لا نفعله بل ندعوه إن اهتدى فلنفسه وإلا فعليها.
الشرط الرابع: العزم على أن لا يعود في المستقبل، والمراد بقولنا أن لا يعود في المستقبل، العزم على أن لا يعود، فإن عاد يومًا من الدهر لم تبطل توبته الأولى، ما دام حين التوبة كان عازمًا على أن لا يعود؛ لأن الإنسان بشر، قد تسول له نفسه بعد التوبة أن يعود إلى المعصية، فإذا عاد فإن توبته الأولى لا تبطل، لكنه يحتاج إلى توبة جديدة.
إذًا: العزم على أن لا يعود، ولا نقول: بشرط أن لا يعود، وأظن الفرق بينهما واضح.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت تقبل فيه التوبة، وذلك بأن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها؛ لأن الشمس لا بد أن ترجع من حيث غربت، فإذا رجعت من حيث غربت آمن الناس كلهم؛ لأنهم حينئذٍ يؤمنون بأن لها ربًا يدبرها؛ لأنها خرجت عن المعلوم، خرجت عن العادة، فيؤمن الناس، لكنه لا ينفعهم إيمانهم، إلا من آمن من قبل، ولهذا قال الله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
وكذلك التوبة لا تقبل إذا حضر الأجل، لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]، فإذا حضر الأجل وشاهد الإنسان الغيب، أي: ما
стр. 702
كان غائبًا، وما كان ينكره من قبل، إذا شاهده وآمن لا ينفع، لا تقبل التوبة.
فإن قال قائل: ألم يعرض النبي ﷺ التوبة على عمه في سياق الموت؟
قلنا: بلى، لكن الرسول ﷺ عرض عليه ذلك وقال: "كلمة أحاج لك بها عند الله" (١) يعني: أنه لم يجزم بأنها تنفعه، بل قال: أحاج لك، والمحاجة قد تنفع وقد لا تنفع.
فإن قال قائل: النبي ﷺ دخل على اليهودي وهو يحتضر ثم أسلم هذا اليهودي، فقال النبي ﷺ : "الحمد لله الذي أنجاه الله بي من النار" (٢)؟
الجواب: هذا الرجل لم يحضره الموت، لكنه مريض وقريب من الموت، ولذلك جعل ينظر إلى أبيه كأنه يستشيره.
فإن قال قائل: هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟
الجواب: في هذا خلاف بين العلماء:
فمنهم من قال: لا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؛ لأن التوبة هي الرجوع إلى الله، وهذا رجع رجوعًا موزعًا فلا ينفعه.
стр. 703
ومنهم من فصل، فقال: إذا كانت التوبة من ذنب مصر على جنسه فإنها لا تقبل، كما لو تاب من النظر إلى النساء، ولكنه مُصر على غمز النساء، فهنا لا تقبل التوبة؛ لأنه مصر على جنس الذنب، فالجنس واحد وإن كانت الأفراد مختلفة، أو الأنواع مختلفة.
فمنهم من قال: تقبل التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق أن يوصف بأنه تائب على الإطلاق، بل نقول: هو تائب من كذا، فيستحق توبة مقيدة، فلا يعطى الوصف المطلق، ولا يسلب مطلق الوصف، بل يقال: هو تائب من كذا، وهذا هو أعدل الأقوال؛ لأن هذا فيه العدل، إذ لا يمكن أن ننفي عنه التوبة مطلقًا ولا يمكن أن نثبتها مطلقًا، نقول: هذا تائب، لكنه لم ينجُ من العذاب؛ لأنه مصر على معصية أخرى فسيعاقب عليها.
الفائدة الثانية: عرض الله ﵎ على هؤلاء الكافرين أن يستغفروه أي: يطلبوا المغفرة، وطلب المغفرة له جهتان:
الجهة الأولى: أن يسأل الله المغفرة بالصيغة، أي: بصيغة المغفرة، فيقول: أستغفر الله، اللهم اغفر لي وما أشبه ذلك.
الجهة الثانية: أن يفعل ما يكون سببًا لمغفرة الذنوب، فمن فعل شيئًا هو سبب لمغفرة الذنوب فقد استغفر، مثال ذلك: "من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (١) هذا الرجل لم يقل: اللهم اغفر لي خطاياي، ولكنه
стр. 704
فعل ما يكون سببًا للمغفرة، ومثاله أيضًا: "إذا توضأ الإنسان فأسبغ الوضوء ثم صلى فيهما ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" (١)، وكذلك: "الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما" (٢)، وأمثلة كثيرة.
* * *
° قال الله : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة: ٧٥].
قوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الإعراب: من المعروف بأن القرآن أنزل بلسان قريش؛ لأن لسان قريش أفصح لسان العرب، وأن "ما" عندهم تعمل عمل (ليس) كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]، لكنها هنا لم تعمل لانتقاض النفي وإذا انتقض النفي أهملت، ولم تعمل عمل ليس، فإذا قلت: ما محمدٌ قائمًا، فهذا صحيح، ما محمدٌ إلا قائم: صحيح، ما محمدٌ إلا قائمًا: غلط؛ لأنه إذا انتقض النفي وجب إهمالها.
وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المسيح ابن مريم هو:
стр. 705
ابن مريم بنت عمران، وسمي مسيحًا؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ إلا بريء بإذن الله، وأما المسيح الدجال فإنه يسمى مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين أعور، وقيل: لأنه يمسح الأرض بالسير عليها؛ لأنه يسير فيها كالسحاب إذا استدبرته الريح.
وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ يعني: وليس إلهًا كما زعم هؤلاء، بل هو رسول مرسل من قبل الله .
قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: مضت من قبله الرسل فليس ببدع من البشر؛ لأن الرسل سبقوا فهو مثلهم.
قوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ يعني أمه من الصديقات، أي: الصادقة في القول والعقيدة، المصدقة لمن قامت الأدلة على صدقه؛ لأن الصديق هو الصادق المصدق، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣]، هذا هو الصديق، فأمه ﵂ صديقة، وهي من النساء الكمَّل التي قال فيها النبي ﷺ : "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع -وذكر منهن- مريم بنت عمران" (١).
قوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ "كَانَا": الضمير يعود على المسيح وأمه، ﴿يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فهما محتاجان للغذاء، مفتقران إليه، فلا يصح أن يكونا إلهين؛ لأن الإله مستغنٍ عن غيره، كما قال الله تعالى في وصف نفسه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
стр. 706
قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ انظر أيها المخاطب، وأول من يدخل في هذا النبي ﷺ ، ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ يعني: انظر كيفيته، ولهذا نقول: إن "كيف" هنا مفعول انظر، وليست اسم استفهام، أي: انظر كيفية تبيين الآيات لهم.
وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ﴾ أي: نوضح، "لَهُمُ" أي: لبني إسرائيل الذين ادعوا أن عيسى وأمه إلهان.
وقوله: ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: العلامات الواضحة الدالة على أنهما لا يصلحان أن يكونا إلهين؛ لأنهما كانا يأكلان الطعام؛ ولأن عيسى رسول قد خلت من قبله الرسل، فلا يصح أن يكون إله وهو مرسل من قِبَل الإله.
قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ "أنى" بمعنى كيف، يعني: ثم انظر نظرة أخرى كيف يؤفكون، أي: يصرفون عن الحق مع وضوحه وجلائه، وكل هذا في تقرير التوحيد: توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته وإبطال ما عليه هؤلاء النصارى.
عندنا الآن ﴿أَنَّى﴾، و ﴿كَيْفَ﴾، معناهما يختلف؛ لأن قوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ نظر تعجب وإنكار، وأما قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ فهو تدبر وإقرار.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الإنسان ينسب إلى أمه إذا لم يكن له أب، لقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فنسبه إلى أمه.
وهل إذا نسب إلى أمه -إذا لم يكن له أب- هل ترثه ميراث أب؟
стр. 707
الجواب: نعم على القول الراجح، ترثه ميراث أب، مثال ذلك: امرأة زنا بها رجل -والعياذ بالله- وولد الزنا لا يلحق الزاني، بل يكون له أم وليس له أب، إذا مات عنها، فهل ترثه ميراث أب؟ نقول: فيما لو مات هذا الولد عن أمه وعن أخيه، فإن الميراث يكون لأمه، أو ترثه ميراث أم، ويرثه عصبته ميراث عصبة؟ في هذا قولان للعلماء، والصحيح أنها ترثه ميراث أب، وعلى هذا ففي المثال الذي ذكرنا، يكون مال هذا الولد لأمه، وليس لإخوته من أمه، ولا لأعمامه من أمه؛ لأنه ليس له جهة عصبة إلا من جهة أمه، أما من جهة أبيه فليس له أب حتى يكون له عصبة من جهة الأب.
الفائدة الثانية: أن المسيح عيسى ابن مريم رسول من رسل الله ، لقوله: ﴿إِلَّا رَسُولٌ﴾.
الفائدة الثالثة: أن الوصف الذي ينحصر فيه عيسى ابن مريم ولا وصف له سواه، هو أنه رسول، ولا يمكن أن يكون الرسول إلهًا؛ لأنه مستعبد من جهة مرسله، مكلف من جهة مرسله.
الفائدة الرابعة: أن الرسل يموتون، لقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، وهو إشارة، إلى أن عيسى سيموت كما مات غيره.
الفائدة الخامسة: أن الرسول لا يصح أن يكون إلهًا، وجه ذلك: أن الإله لا يموت، والرسل يموتون.
الفائدة السادسة: الثناء على مريم ﵍، لقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، فهي إذًا من الطبقة الثانية من طبقات البشر، والطبقات أربع: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.
стр. 708
الفائدة السابعة: الرد الواضح على اليهود الذين ادعوا أن مريم بغي، قاتلهم الله؛ لأن البغية لا يمكن أن تكون صديقة، فإن البغاء من كبائر الذنوب.
الفائدة الثامنة: الاستدلال بحال من يتحدث عنه، على ما لا يمكن أن يتصف به مع وجود هذه الحال، وهو قوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾، ففيه استدلال بحالهما على أنهما لا يصح أن يكونا إلهين.
الفائدة التاسعة: بيان أن الإله وهو الله ، لا يحتاج إلى الطعام، لقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾.
الفائدة العاشرة: الاستدلال بالأوضح الأجلى دون الأخفى؛ لأن أكلهما للطعام أمر لا ينكر، لكن لو جيء بأدلة عقلية أخرى ربما يكون فيها جدل، لكن الاستدلال بالمحسوس أبلغ من الاستدلال بالمعقول؛ لأن المعقول يمكن فيه الجدل، لكن المحسوس لا يمكن فيه الجدل.
الفائدة الحادية عشرة: الحث على الاعتبار والنظر، لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾، والأمر بالنظر جاء في عدة مواضع من القرآن الكريم، وجاء بخصوص وعموم، فقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، ، هذا عام، وهذه الآية وأمثالها خاص.
الفائدة الثانية عشرة: الرد على أهل التفويض في أسماء الله وصفاته؛ لأن أهل التفويض يقولون: إن كل النصوص القرآنية والنبوية في أسماء الله وصفاته مجهولة المعنى لا تعلم، حتى إن النبي ﷺ يقول الحديث وهو لا يعلم معناه، ولهذا سموا أهل التجهيل.
стр. 709
وإذا قرأت بعض كتب العلماء المعتبرين لدينا ولدى غيرنا، تجدهم يقولون في أهل التفويض، إنهم أهل السنة، فيقولون: أهل السنة قسمان: مفوضة، ومؤولة، فالمفوضة: هم الذين يقولون: نحن لا نعلم شيئًا من معاني آيات الصفات وأحاديثها، وهذا مذهب السلف عندهم، والمؤولة: هم الذين يحرفون نصوص الكتاب والسنة، ولكنهم أخطأوا خطأ عظيما من وجهين:
الوجه الأول: دعواهم أن أهل التأويل من أهل السنة، وكيف يكونون من أهل السنة وهم يحرفون الكلم عن مواضعه، وكيف يكونون من أهل السنة وهم على النقيض من عقيدة أهل السنة، فلا ينبغي أبدًا أن نساويهم بأهل السنة اللهم إلا في مقابل الرافضة، في مقابل الرافضة نقول سنة وشيعة، الشيعة تؤمن بالرافضة، والسنة من يخالفهم في الاعتقاد، وإن تخالف فيما بينهم، فالصواب أن نقول: أهل السنة هم الذين تمسكوا بها واجتمعوا عليها، واتبعوا السلف فيها.
الوجه الثاني: قولهم: إن أهل السنة يفوضون، أو أن السلف يفوضون المعاني، هذا كذب واضح على السلف، السلف لا يفوضون المعاني، بل يقرونها ويقررونها، وإنما يفوضون الكيفية، لأن هذا هو العقل، لكن المعاني لا يفوضونها، بل يقولونها ويقررونها ويبينونها، وهذا شيء معلوم معروف عندهم، لو سألت أي واحد من السلف أو أي واحد من أتباع السلف، ما معنى قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، لقال معناه: علا، ولا تحتمل عنده أي معنى آخر، وهذا تفسير للمعنى، لكن لو سألته: كيف استوى؟ قال: الله أعلم لا أدري،
стр. 710
ومن المعلوم أن أهل التفويض كما قال شيخ الإسلام ﵀: من شر أهل البدع والإلحاد؛ لأنه يلزم على كلامهم لوازم فاحشة جدًّا.
منها أن الرسل لا يعلمون معاني ما نزل إليهم.
ومنها: أن الرسل لا يعلمون معاني ما يقولون، ولا أحد لا يعلم معنى ما يقول إلا أن يكون مبرسمًا أو مجنونًا.
ومنها: أن هذا القول فتح بابًا لأهل الإلحاد؛ لأنك إذا قرأت قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢]، إلى آخر السورة وقلت: والله لا أدري معاني هذه الأسماء ولا أعرف معانيها، جاءك أهل الإلحاد وقالوا: تنحَ عن المعترك، نحن الذين نعرف معانيها، ثم يؤولونها، بل ثم يحرفونها على ما يريدون، ولذلك هذا الذي ينسب إلى السلف فتح باب الإلحاد على مصراعيه، فمن ثَمَّ يكون لا فائدة من القرآن ولا من السنة؛ لأنها غير معلومة، ثم لا حول ولا قوة إلا بالله، جعلوها غير معلومة في زبدة الرسالة وخلاصتها وهي: معرفة الله بأسمائه وصفاته.
إذًا الخلاصة: أن مذهب أهل التفويض مذهب باطل، ومن نسبه إلى السلف فقد أخطأ، فالتفويض عند السلف وأتباعهم في الكيفية، وهذا هو العقل؛ لأننا نعلم معنى استواء الله على العرش لكن لا ندري على أي كيفية، نعلم معنى نزوله إلى السماء الدنيا لكن لا نعلم على أي كيفية، ولا يحل لنا أن نتصور كيفية معينة.
الفائدة الثالثة عشرة: أن ما بينه الله في كتبه المنزلة على الرسل، كله آيات، يعني: دلالات وعلامات على الحق، سواء من القرآن أو التوراة أو الإنجيل.
стр. 711
الفائدة الرابعة عشرة: العجب من هؤلاء الذين بينت لهم الآيات ثم صرفوا عن الحق والعياذ بالله، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
الفائدة الخامسة عشرة: أن هؤلاء أفكوا عن الحق بعد أن تبين، بدليل كلمة "ثم"، فإنها تفيد المهلة، يعني: بعد أن تتبين لك الآيات، وتتبين لهم أيضًا يؤفكون عن الحق ويصرفون عنه.
* * *
° قال الله : ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦].
قوله: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، أو قل أيها المخاطب الموحد، لكل من يعبد من دون الله أحدًا قل له: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.
قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من سواه.
قوله: ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ يعني: لا يملك أن يدفع الضر عنكم ولا أن يجلب لكم النفع، وقيل المعنى: ما لا يملك لكم ضرًّا لو عصيتموه، ولا نفعًا لو أطعتموه، فعلى التفسير الأول يكون في الآية حذف، والتقدير: ما لا يملك لكم دفع الضر، والقاعدة: أنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف، أو لا يكون، فالأصل عدم الحذف، وعلى هذا فيكون: ما لا يملك لكم ضرًّا، يعني لو عصيتموه وخالفتموه، ولا نفعًا: لو أطعتموه.
قوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يعني: كيف تعبدون ما لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا، وتَدَعُون من هو السميع العليم،
стр. 712
وهو الله ، السميع لما تقولون، العليم بما تعملون من قول وفعل.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: الإنكار على عابدي الأوثان؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ للإنكار.
الفائدة الثانية والثالثة: أن الأصنام لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، وهذا مسلم به، وينبني على هذه الفائدة: ضلال أولئك الذين يعبدون الأصنام؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥] لا يسمعونهم ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف: ٦]، فهم لا ينفعونهم في الدنيا ولا في الآخرة بل يعادونهم.
فإن قال قائل: إنه قد يدعو الإنسان الصنم في كشف الضر فيكشف الضر، أو في جلب نفح فيأتي النفع، والقرآن صريح بأن جميع الأصنام لا تنفع ولا تضر؟
الجواب: أن هذا من الابتلاء، وأنه يحصل عند دعائها لا بدعائها؛ لأننا نؤمن يقينًا بأنها لا يمكن أن تستجيب إلى يوم القيامة فلو دُعِيَتْ إلى يوم القيامة ما استجابت، لكن قد يفتن الله العباد بحصول الشيء عند الدعاء لا بالدعاء، يكون الله قد قدر حصول هذا الشيء في هذا الوقت المعين، الذي كان فيه الدعاء، وليس بالدعاء، ونعلم بهذا يقينًا لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥].
стр. 713
وفي هذا الذي قررناه الحذر، أي: أن يحذر الإنسان من تسهيل أسباب المعصية له، فإن الإنسان قد يبتلى وتسهل له أسباب المعصية فيقع فيها إلا من شاء الله، ولهذا كان من تيسرت له أسباب المعصية ولكنه تركها لله، كان أعظم أجرًا ممن لم تتيسر له، انظر إلى الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، فهذا المدعو رجل دعته امرأة وهو شاب فيه الشهوة، ليس عندهما أحد، ولا يطلع عليهما أحد؛ لأنه لم يذكر مانعًا إلا أنه يخاف الله، وهذا يدل على أن جميع الأمور متيسرة، لكن لما ترك هذا لله، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم اجعلنا من هؤلاء.
المهم: أنه لو لبَّس علينا أولئك القوم الذين يعبدون من دون الله، ويدعون من دون الله بحصول المقصود، الجواب: أن هذا لم يحصل بالدعاء قطعًا وإنما حصل عند الدعاء.
الفائدة الرابعة: أن الضرر والنفع من الله ؛ لأنه أعقب نفي الضر والنفع لهذه الأصنام بقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وهو كذلك، قال النبي ﷺ لعبد الله بن عباس ﵄: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" (١).
стр. 714
الفائدة الخامسة: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله وهما السميع والعليم.
لكن لو قال قائل: هل الله سميع بسمع أو بغير سمع؟
الجواب: سميع بسمع، والدليل من هذا الاسم على أن له سمعًا أن أسماء الله مشتقة من معانيها فالسميع يعني المسمع، والسمع المضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: قسم بمعنى إدراك المسموع، وقسم بمعنى الاستجابة.
الأول ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يراد به التهديد، وقسم يراد به بيان الإحاطة، وقسم يراد به النصر والتأييد، هذا سمع إدراك المسموع.
أما الأول، فكقوله ﵎: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٨٠]، هذا تهديد، وأما الثاني: الذي يراد به بيان إحاطة الله بكل شيء، فمثل قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]، إلى آخره.
وأما الذي يراد به النصر والتأييد، فمثل قول الله تعالى لموسى وأخيه هارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
وأما الذي بمعنى الإجابة أو الاستجابة فمثل قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني استجاب، ولذلك عدي بـ "اللام" ولم يتعد بنفسه؛ لأن السمع الذي بمعنى الإدراك يتعدى بنفسه، تقول: سمعت صوته، وأما الذي بمعنى الإجابة فيتعدى باللام، تقول:
стр. 715
سمعت لفلان، أي: استجبت له، ومنه سمع الله لمن حمده كما تقدم، لكن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، من أيهما؟ منهما، فهو سميع الدعاء يسمع الصوت أي صوت الداعي، وهو أيضًا مجيب الدعاء، فيشمل الأمرين.
أما العليم: فما أعمه من اسم، فالعليم إن لم يكن أعم أسماء الله فهو من أعمها؛ لأن العلم يتعلق بالأمور الممكنة، وغير الممكنة، والواجبة، فعلم الله يتعلق بكل شيء، فالله يعلم الشيء المستحيل، مثاله: قول الله ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، هذا شيء مستحيل، ومع ذلك عَلِمَ الله نتيجته.
ويعلم الممكن، وهو ما يتعلق بأفعال العباد، فكل أفعال العباد من قسم الممكن، والله تعالى يعلمها قال تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقال أيضًا: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥١]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة، كل علم يتعلق بالمخلوق فهو علم بالممكن؛ لأن المخلوق، من قسم الممكن، إذ لو كان مستحيلًا ما وجد، ولو كان واجبًا ما عدم.
ويعلم جلَّ وعلا ما يتعلق بالواجب، وهو علمه ﵎ عن نفسه، فعلمه عن نفسه علم بالواجب، ولهذا قال العلماء: إن العلم هو أعم صفات الله ، وهل يتعلق بمشيئته جلَّ وعلا، أو هو صفة لازمة؟
الجواب: هو صفة لازمة، ولهذا قال السفاريني ﵀:
стр. 716
والعلم والكلام قد تعلقا ... بكل شيء يا خليلي مطلقا
هذا صحيح، فالكلام يتعلق حتى بالمستحيل، لكن العلم من جهة أنه صفة لازمة، أعم من الكلام.
* * *
° قال الله : ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧].
قوله: ﴿قُلْ﴾، أي: قل يا محمد.
قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أي: يا أصحاب الكتاب، والمراد بهم اليهود والنصارى، والكتاب المراد به التوراة والإنجيل، فالمراد الجنس، و"أل" هنا للعهد، أي: الكتاب المعهود الذي يعرفه المخاطب.
قوله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ﴿لَا تَغْلُوا﴾ أي: لا تجاوزوا الحد، ﴿فِي دِينِكُمْ﴾، أي: في عبادتكم، فالغلو: مجاوزة الحد، وذلك حيث قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وتشدد اليهود في أشياء لم تكن مفروضة عليهم، وإن كان اليهود قد شدد عليهم، كما قال الله : ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠].
قوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: غلوًا غير الحق، والوصف هنا ليس للقريب؛ لأن الغلو كله ليس بحق، لكنه بيان للواقع، ويسمي العلماء مثل هذا القيد الذي هو لبيان الواقع يسمونه صفة كاشفة.
стр. 717
قوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الحق ما وافق الشرع، والباطل ما خالف الشرع.
قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾ الأهواء جمع هوى، والمراد بالهوى هنا: ما خالف شريعة الله؛ لأن الأعمال إما هوىً وإما هدى، فما وافق الشرع فهو هدى، وما خالفه فهو هوى.
قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يشير إلى علمائهم ورهبانهم الذين حرفوا دين الله، فضلوا وأضلوا، والله يقول: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا أهواء هؤلاء القوم الذي ضلوا وأضلوا.
قوله: ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني: مع كونهم ضالين بأنفسهم، كانوا أئمة في الضلال فأضلوا كثيرًا من الناس، فصاروا والعياذ بالله ضالين بأنفسهم مضلين لغيرهم، عكس الصالحين المصلحين أو المهتدين الهادين.
قوله: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ هذا عطف للتوضيح والإيضاح؛ لأنه قال: ﴿ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾: عن ماذا؟ بينه بقوله: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، أي: عن مستقيم السبيل، والسواء يطلق على معانٍ كثيرة منها الاستقامة، المعنى: وضلوا عن السبيل المستقيم، فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أمر النبي ﷺ أمرًا خاصًّا أن يقول هذا القول، وقد تقدم في غير موضع أن النبي ﷺ مأمور أن يبلغ القرآن كله، لكن أحيانًا يوجه إليه الخطاب بتبليغ شيء معين، للاعتناء به.
стр. 718
الفائدة الثانية: أن أهل الكتاب عندهم غلو، وهو واضح، فالنصارى يقولون: إن عيسى ابن الله، واليهود يقولون: إن عزيرًا ابن الله، وهم أيضًا يتبعون أحبارهم ورهبانهم ويتخذونهم أربابًا من دون الله.
الفائدة الثالثة: أنه إذا نهي أهل الكتاب عن الغلو، والغلو في ذاته مفسدة، فكذلك ينهى غيرهم، ولهذا حذر النبي ﷺ من الغلو في الدين، وحذر من الغلو فيه نفسه، فكان الرسول ﵊ ينهى عن الغلو في الدين، فنهى الذين قالوا: إننا نصوم ولا نفطر، ونقوم ولا ننام، ولا نتزوج النساء، ولا نأكل اللحم (١)، وأخذ حصيات في حجة الوداع وجعل يقلبها في يده ويقول: "بأمثال هؤلاء فارموا، إياكم والغلو في الدين" (٢)، وسمى الذين أرادوا المواصلة في الصوم، المتعمقين (٣)، تحذيرًا لفعلهم، ودعا على المتنطعين في دينهم ثلاث مرات، فقال: "هلك المتنطعون" (٤).
стр. 719
والغالب أن الغالي ينحرف -نسأل الله العافية- لأن الغلو خلاف الفطرة، فيكون غلوه ظاهريًّا فقط، ويكون قلبه خاليًا من حقيقة الإيمان، ولهذا أخبر النبي ﷺ أن الخوارج يحقر الصحابي صلاته عند صلاتهم وقراءته عند قراءتهم (١)، ولكن إيمانهم لا يتجاوز حناجرهم والعياذ بالله، والغالب أن الغالي تجد قلبه يجول مع الناس وأفعال الناس وينتقدهم ويعترض عليهم، لكنه خال من معرفة الله حق المعرفة، ومن الرجوع إليه والإنابة إليه، فاحذر هذا، احذر هذا يا طالب العلم، كن مستقيمًا بين الغلو والتفريط.
الفائدة الرابعة: أن الغلو ليس بحق: لقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ.
الفائدة الخامسة: النهي عن اتباع أهواء الضالين، لقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾.
الفائدة السادسة: أن الذي يحمل الإنسان على الضلال هو الهوى، وإلا لو كان الإنسان يقول بالعدل، ويحكم بالقسط، ما ضل عن الصراط المستقيم، لكن يغلبه هواه حتى يضل، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾ ثم بَيَّنَ ضلالهم بأنه ﴿عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
الفائدة السابعة: التحذير من الإمامة في الضلال، لقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا﴾ وماذا؟ ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
الفائدة الثامنة: الرد على الجبرية الذين قالوا: إن ضلال الإنسان لا ينسب إليه، وأنه مجبور عليه، ولا اختيار له فيه؛ لأن الآية صريحة بأنهم ضلوا وأضلوا.
стр. 720
الفائدة التاسعة: إثبات الأسباب، لقوله: ﴿وَأَضَلُّوا﴾، فإن هذا إضلال ليس عن قوة وإجبار وإكراه لكنه عن سبب، يزينون به الباطل حتى يضلوا به غيرهم.
الفائدة العاشرة: أن هؤلاء المضلين الضالين جمعوا بين سوءين: الأول: ضلالهم لأنفسهم، والثاني: إضلال غيرهم، وهل يمكن أن يقتصر الإنسان على واحدة كضلال نفسه فقط؟ يمكن، يمكن أن يكون ضالًا ولا يدعو إلى الضلال، لكنه إذا كان إمامًا في قومه صار ضلاله دعوةً بالفعل؛ لأنه سوف يتأسى به ويقتدى به، وهل يمكن أن يكون مضلًا وهو غير ضال؟
الجواب: لا، لا يمكن؛ لأن إضلاله يعتبر ضلالًا، هو ربما يكون قائمًا بما أوجب الله عليه من أفعاله الخاصة، لكن إذا كان يضل فهذا ضلال.
إذًا: يمكن أن يكون الإنسان ضالًا غير مضل، ولا يمكن أن يكون مضلًا غير ضال؛ لأننا نقول: مجرد كونه يضل الناس هذا ضلال.
الفائدة الحادية عشرة: أن الدين الصحيح وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، لقوله: ﴿عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن قِيَمِ السبيل، وأصل السبيل العدل، الذي ليس فيه غلو ولا تفريط.
* * *
° قال الله : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩].
стр. 721
قوله: ﴿لُعِنَ﴾: مبني للمجهول، أو إن شئت فقل: مبني لما لم يسمَّ فاعله، وهذا هو الأدق؛ لأنك إذا قلت: مبني للمجهول أشكل علينا قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، فإن الفاعل هنا غير مذكور، لكنه معلوم.
إذًا: التعبير بقولنا: فعلٌ ماض مبني لما لم يسمَّ فاعله، أولى من مبني للمجهول، فمن الذي لعنهم. إذا كان هنا مبنيًّا لما لم يسمَّ فاعله، لعنهم الله، والملائكة، والناس أجمعين؛ لأن كل من لعنه الله، فإن أولياء الله يلعنونه، بل إن الناس حتى غير أولياء الله يلعنونه كما قال الله في أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].
قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، والذين كفروا من بني إسرائيل: هم الذين لم يثبتوا على الدين الذي كلفوا به.
فمثلًا: بنو إسرائيل قبل بعثة عيسى دينهم هو دين موسى، فإذا خالفوه فقد كفروا، والنصارى بعد بعثة عيسى، وقبل بعثة محمد ﷺ دينهم النصرانية فمن خالفها فهو كافر.
قوله: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ لعنوا، يعني: أن داود ﵊ وعيسى ابن مريم، دَعَوا عليهم باللعنة، فقالا: اللهم العنهم.
وقوله: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ داود: من أنبياء الله بلا شك، لكنه أعطي النبوة وشيئًا من الملك، ولكن الملك الأتم لابنه سليمان.
قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ المشار إليه اللعن، الذي دل عليه
стр. 722
الفعل لُعِن، وهنا عاد الضمير على ما اشتق منه الفعل، أي: ذلك اللعن بما عصوا.
والباء في قوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ للسببية، و (ما): مصدرية، أي: بعصيانهم، والمعصية خلاف الطاعة، والطاعة موافقة الآمر باجتناب ما نهى عنه، وفعل ما أمر به.
قوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ معطوفة على عصوا، أي: على صلة الموصول، أي: بعصيانهم واعتدائهم، على الخالق ، فقالوا في حقه ما لا يليق به، واعتدوا أيضًا على المخلوق، فقتل بعضهم بعضًا.
وقوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ لو قال قائل أليس الاعتداء من المعصية؟
الجواب: بلى هو من المعصية، لكن قد يخص بعض الأفراد بالذكر، لأهميته والعناية به، أو لكونه أشد وأقبح، ثم بين ذلك العدوان والمعصية، فقال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾.
﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضًا؛ لأن المفاعلة تدل على الاشتراك من الجانبين، والنهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، وعلى هذا فلو أمر العبد سيده بأمرٍ أو نهاه عن شيء لم يكن آمرًا ولا ناهيًا؟ لأنه طلب الكف على وجه الاستعلاء، اللهم إلا أن يَدَّعي العبد أنه أعلى من سيده فهذه دعوى، يعني: قد يتخيل أنه أعلى من سيده فيوجه إليه الأمر والنهي.
وقوله: ﴿عَنْ مُنْكَرٍ﴾ المنكر هو: ما أنكره الشرع، أي:
стр. 723
نهى عنه إما تحريمًا أو كراهة، من تفريط في واجب أو انتهاك لمحرم، لكن إذا كان كراهة فإنه لا يأثم من لم ينكره.
وهل المرجع فيه إلى العرف أو إلى الشرع؟ إلى الشرع؛ لأن الناس قد ينكرون ما ليس بمنكر، وقد يقرون ما هو منكر، فالمرجع إذًا إلى الشريعة، لا إلى عرف الناس، والمعروف ما أمر به الشرع إما إيجابًا أو استحبابًا، وإذا كان استحبابًا لا يأثم من لم ينكره.
وقوله: ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ كيف يقول: ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾؟ لأن المفعول لا يتوجه إليه النهي، إذ إنه تم وفُعِل، لكن المراد بالآية ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ أي: عن الاستمرار في منكر فعلوه؛ لأن المنكر الذي فُعل لا يمكن أن يَرد عليه النهي، إذا قام الإنسان هل أقول: لا تقم؟ لا، إن قلت: لا تقم، فالمعنى لا تستمر في القيام.
قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ "اللام" هنا موطئة للقسم، يعني: والله لبئس، وبئس فعل ماض لكنه إنشاء في الواقع، إذ إنه فعل يدل على إنشاء الذم، و"نِعْم" تدل على إنشاء المدح.
قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ "ما" فاعل وهي اسم موصول، "وكانوا" صلة الموصول، والعائد على الموصول محذوف، والتقدير: لبئس ما كانوا يفعلونه.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الفائدة الأولى: لعن الكافرين من بني إسرائيل، لقوله: ﴿لُعِنَ﴾ واللعن معروف، وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله وعدم التوفيق.
стр. 724
الفائدة الثانية: أن من بني إسرائيل من هو كافر ومنهم من هو مؤمن، لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهذا هو الواقع، فإن منهم مؤمنين كالحواريين لعيسى ﵊، وكالقوم الذين اختارهم موسى سبعين رجلًا وغير ذلك.
الفائدة الثالثة: أن الذي لَعن بني إسرائيل رسولان كريمان، لعنوا على لسانهما وهما داود وعيسى ابن مريم، داود من أنبياء بني إسرائيل، لكنه ليس من آخرهم، آخرهم عيسى ابن مريم، فيكون لعنتهم في أول الرسالات، وفي آخر الرسالات.
الفائدة الرابعة: إثبات الأسباب، لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾، فإن الباء للسببية، وسبق تقرير هذا وبيان اختلاف الناس في الأسباب، وبيَّنا الصحيح، وأن الأسباب نوعان: حسية، وشرعية.
الفائدة الخامسة: أن العدوان على الغير أشد من مجرد المعصية، مع أنه من المعاصي، لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
الفائدة السادسة: أن الله لا يظلم الناس شيئًا، وأنه لا يعاقب أحدًا بعقوبة إلا بذنب، لقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
الفائدة السابعة: إحجام بني إسرائيل عن النهي عن المنكر، لقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾.
الفائدة الثامنة: أن ترك التناهي عن المنكر سبب للعنة الله وطرده وإبعاده والعياذ بالله، واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى شروط:
الشرط الأول: العلم بأن هذا معروف يؤمر به، وهذا منكر
стр. 725
ينهى عنه، فلا يجوز الأمر بما لا يعلم أنه مأمور به، ولا النهي عما لا يعلم أنه منهي عنه، لما في ذلك من الافتراء على الله، وصد عباد الله عما أحل الله لهم أو منعهم عما أحل الله لهم.
الشرط الثاني: أن يعلم وقوع هذا المنكر من الشخص المعين؛ لأن الشيء قد يكون منكرًا عند شخص، وغير منكر عند آخر، فالمسافر يأكل سرًّا وجهرًا في نهار رمضان، والمقيم لا يأكل، فالأكل منكر في رمضان عند المقيم وغير منكر عند المسافر، فلا بد أن يعلم الآمر والناهي أن هذا الشخص بعينه وقع في المخالفة، ومع الاحتمال يجب الاستفصال، دليله: أن النبي ﷺ رأى رجلًا دخل المسجد وجلس، وهو يخطب الناس ﵊، فقال له: "أصليت؟ " قال: لا، قال: "قم فصلِّ ركعتين وتجوز فيهما" (١)، فلم ينهه عن المنكر الذي هو الجلوس قبل الصلاة حتى علم أنه لم يصلِّ، وعلى هذا لو قال قائل: هل يجب عليّ أن أنكر على شخص رأيته يمشي إلى جانب امرأة؟
الجواب: لا أنكر حتى أعلم أن المرأة أجنبية منه، وكيف الوصول إلى العلم؟ كل إنسان تريد أن تسأله ولو كان من أفسق عباد الله، سيقول: هذه أختي أو أمي أو زوجتي، لكن هناك قرائن تدل على أنه مرتكب محرمًا.
стр. 726
وهل يجوز العمل بالقرائن؟
الجواب: نعم، والدليل أن الرسول ﷺ عمل بالقيافة (١)، وعندنا ثلاث قصص: قصة ليوسف ﵇، وقصة لسليمان ﵇، وقصة للنبي ﷺ غير مسألة القيافة، أما قصة يوسف فدليلها قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨] والقرينة هنا إذا كان قميصه قُد من دبر فهي الكاذبة؛ لأنها هي التي جذبته إليها، وإن كان قميصه قُد من قُبل فتكون صادقة؛ لأنها أرادت أن تدافع عن نفسها بدفعه فانشق قميصه.
القصة الثانية: قصة سليمان ﵇ حيث إنه جاء إليه امرأتان تختصمان في طفل صغير، فدعا بالسكين ليشقه نصفين، فقالت الصغرى: هو لها يا نبي الله، ورضيت الكبرى، فقضى به للصغرى (٢)، ووجه القرينة هنا أن الصغرى رحمته وقالت: لا تشقه، والكبرى أكل ولدها الذئب فقالت: اقضِ عليه لا يهم، وكان داود قد قضى به للكبرى.
والقصة الثالثة: قصة خيبر لما طلب النبي ﷺ مال حيي بن
стр. 727
أخطب قالوا: إنه أفنته الحروب، قال: "المال كثير والعهد قريب"، ثم قال للزبير بن العوام ﵁: "مسه بعذاب"، أي: أمره أن يعذبه، فأقر (١)، فهذا من العمل بالقرائن وهو كثير في السنة، وكثير أيضًا في زمن التابعين من القضاة الأذكياء الذين يعملون بالقرائن، وفي كتاب الطرق الحكمية لابن القيم ﵀ من هذا الباب شيء كثير.
لكن لو قال قائل: كيف نأمر وكيف ننهي، هل نأمر بشدة أو نأمر بسهولة؟
نقول: هذا يبنى على حال الشخص، فالمعاند ليس كالجاهل الأصلي، الجاهل الأصلي نعامله بلطف ولين وبالإقناع حتى يقبل الحكم، والمعاند أو المجاهر هذا له حكم آخر، ويدل لهذا وقائع وقعت في زمن النبي ﷺ :
منها: قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فإن النبي ﷺ كلمه بلطف وقال: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من القذر والأذى" (٢).
ومنها: قصة معاوية بن الحكم الذي تكلم في الصلاة مرتين، فدعاه النبي ﷺ وأخبره بأن "هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" (٣).
стр. 728
ومنها: لما رأى في يد رجل خاتمًا من ذهب أخذه النبي ﷺ ونزعه من يده ثم رمى به ولم يتكلم معه، ولما انصرف النبي ﷺ قيل له: خذ خاتمك، قال: والله لا آخذ خاتمًا رمى به رسول الله ﷺ (١)؛ لأن هذا الرجل ليس له عذر، فلكل مقام مقال.
ومن الشروط أيضًا: أن لا يتحول المنكر إلى ما هو أنكر منه، فإن تحول إلى ما هو أنكر منه وجب الكف عن النهي؛ لأنك إذا نهيت وأنت تعلم أنه سيتحول إلى ما هو أَنْكَر، فمعنى ذلك أنك دَعَوْتَ إلى فعلٍ زائد عن المنكر الأول، والزائد عن المنكر الأول منكر، يؤخذ هذا من قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فترك سب آلهة المشركين منكر؛ والواجب سب هذه الآلهة والتحذير منها والتنفير عنها، لكن إذا لزم منه ما هو أشد نُكْرًا وجب الكف، لقوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾.
فلو رأينا شخصًا يشرب الدخان أمامنا، لكن نعلم أننا لو نهيناه عن شرب الدخان لذهب يسرق أموال الناس، ويؤذي الناس ويضايقهم، فهل ننكر عليه شرب الدخان أو لا؟ لا ننكر، وكذلك لو غلب على ظننا أننا لو نهيناه عن الدخان لذهب إلى رفقة يشربون الخمر، فإننا لا ننهاه دفعًا لأعلى المفسدتين بأدناهما.
هذه ثلاثة شروط، واختلف العلماء في الشرط الرابع: وهو
стр. 729
هل يلزم أن يكون الآمر فاعلًا لما يأمر به أو الناهي تاركًا لما ينهى عنه، والصواب: أن هذا ليس بشرط؛ لأننا لو قلنا لمن يفعل المنكر: لا تنهَ عنه، لزم من ذلك أن نأمره بمنكرين، ترك الإنكار وفعل المنكر الذي هو يمارس، فنحن نقول: مُر بالمعروف وانهَ عن المنكر، وإن كنت تفعل ما تنهى عنه، أو تترك ما تأمر به، وربما يكون أمره ونهيه سببًا لالتزامه واستقامته؛ حيث إنه يوبخ نفسه ويقول: سبحان الله! أنهى الناس عن المنكر وأفعله، فيستقيم، وأما قول الشاعر:
لا تنهَ عن خلق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
فمراده أن تجمع بين الأمرين لا تنهَ وتأتي مثله، فالإنسان الذي يفعل المنكر ويرى المنكر، يجب عليه شيئان: الأول: ترك المنكر، والثاني: النهي عنه، فإذا تعذر الأمر الأول لا نقول: يتعذر الثاني، فالصواب: أنه يجب على الإنسان أن يأمر بالمعروف وإن كان لا يفعله، وأن ينهى عن المنكر وإن كان يفعله، لكن هذا سيكون يوم القيامة أشد عذابًا؛ لأن حاله كحال المستهزئ بالله وأحكام الشريعة، كيف تأمر بشيء لا تفعله، كيف تنهى عن شيء وأنت تفعله، ما هذا إلا نوع من الاستهزاء والسخرية، ولذلك كان أشد عذابًا، حيث أخبر النبي ﵊: "أنه يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه -والأقتاب: هي الأمعاء- فيدور عليها كما يدور الحمار على رحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: يا فلان! ما لك؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر، فيقول: بلى، ولكني آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم
стр. 730
عن المنكر وآتيه" (١) فيفضح هذه الفضيحة والعياذ بالله.
وليعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير تغيير المنكر، ولهذا جاءت النصوص مطلقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه يكون ممن له ولاية، وممن ليس له ولاية، وجاء التغيير مقيدًا بالاستطاعة، حيث قال النبي ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" (٢) لأن التغيير لا بد أن يكون من ذي سلطة، كولي الأمر مثلًا ونوابه، وكذلك الرجل في أهله، يستطيع أن يغير المنكر بيده، لكن في الشارع عليه الأمر والنهي فقط، والإلزام بمأمور به أو التغيير لمنكر هذا ليس إليه، وذلك لما يحدث من الفوضى، فلا يفتح لكل أحد من الناس؛ لأنه لو فتح لكل أحد من الناس لكانت المسألة فوضى، ولكان كل إنسان يرى أن هذا منكر، ولو كان الفاعل لا يراه منكرًا، يقوم ويغير بيده، فالتغيير لمن له ولاية وسلطة، فالأمير في بلده له ولاية وسلطة، والإنسان في بيته كما تقدم له ولاية وسلطة.
لكن لو قال قائل: هل الدعوة إلى الله هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو شيء آخر؟
стр. 731
الجواب: الدعوة واجبة بكل حال، سواء رأيت منكرًا أم لم تره، وسواء رأيته تفريطًا في واجب أم لم تر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] بدأ بالدعوة إلى الخير ثم ثنى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصارت المراتب ثلاثة:
المرتبة الأولى: الدعوة إلى الخير والبيان بالمعروف، وبيان المنكر.
المرتبة الثانية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
المرتبة الثالثة: التغيير بفعل المعروف وإزالة المنكر، وكثير من الناس لا يتفطن لهذا الفرق، ويظن أن الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتغيير سواء.
* * *
° قال الله : ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة: ٨٠].
قوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
﴿تَرَى﴾: يحتمل أن تكون رؤيا علمية، ويحتمل أن تكون رؤية بصرية؛ لأن تولي الكافرين يشاهد بالعين ويعلم بالقلب، ثم هل الخطاب للنبي ﷺ ومن كان في زمنه أو لكل إنسان؟ الظاهر العموم، وهكذا ينبغي أن نسلك طريق العموم في جميع الخطابات القرآنية؛ لأن القرآن نزل للأمة إلى قيام الساعة، إلا إذا منع منه مانع فيجب أن نقتصر على ما دل عليه.
وقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من هؤلاء الذين
стр. 732
لعنوا من بني إسرائيل ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: يتخذونهم أولياء، يوالونهم بالنصرة والمعونة والمساعدة، ومن هؤلاء اليهود حينما ساعدوا قريشًا عام غزوة الأحزاب (١)، فإنهم تولوا الذين كفروا وساعدوهم وعاونوهم، ومن هذا تولي اليهود للنصارى في وقتنا الحاضر، هذا إذا قلنا: إن "ترى" عامة؛ لأن النصارى من الذين كفروا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ٦]، وهذا بيان للذين كفروا.
وقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيل: إن المراد بالذين كفروا هم الذين كفروا بقلوبهم وآمنوا بألسنتهم وهم المنافقون؛ لأن المنافقين مع اليهود في المدينة على خط واحد يتولونهم ويساعدونهم ويمكرون بالنبي ﵊ كما يمكر المنافقون، ولو قيل: إن الآية عامة، لكان أولى من باب استعمال الاسم المشترك في معنيين، أو بناءً على القاعدة التي تقررت: أنه إذا كانت الآية أو الحديث يدل على معنيين على السواء، ولا ينافي أحدهما الآخر، فالواجب حمله على المعنيين، توسيعًا للمعاني الشرعية، وتبرئة للذمة؛ لأننا لو اقتصرنا على أحد المعنيين والله ورسوله أراد المعنيين، لتعلق ذلك بذممنا.
وقوله: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هل المراد كفروا ظاهرًا وباطنًا، أو كفروا باطنًا وآمنوا ظاهرًا، أو الأمران؟ الأمران جميعًا.
قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
стр. 733
يعني: لبئس الذي قدمت لهم أنفسهم ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، يعني: أن سخط الله عليهم بئس ما قدموه لأنفسهم، وإنما قدموا سخط الله لأنفسهم؛ لأنهم فعلوا ما يوجب سخطه، فكأنهم قدموا لأنفسهم سخط الله عليهم.
وقوله: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ السخط والغضب معناهما متقارب، وهما وصفان ثابتان لله على وجه الحقيقة، وهما غير الانتقام، وغير إرادة الانتقام، بل هما شيء سابق لإرادة الانتقام، وسابق للانتقام، فالانتقام غير السخط، بل هو نتيجته، والدليل على ذلك: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] آسفونا يعني: أغضبونا، لكن بالنسبة لنا: السخط حال تعتري الإنسان عند وجود ما يثيره من قولٍ أو فعل، وتجد الإنسان ينفعل ويختل تفكيره حتى إنه يفعل ما لا تحمد عقباه، والسخط يكون فيه انتقام من الساخط، وقد يعفو الله عن المسخوط عليه إذا اقتضت رحمته وحكمته ذلك.
قوله: ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ فيه نوع من التوكيد وذلك بوجود الضمير، وإلا لو قيل: "لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب خالدون"، لاستقام الكلام، لكن جاءت كلمة "هم" للتوكيد، والخالد: هو الماكث مكثًا طويلًا هذا في الأصل، وقد يراد به المكث الدائم حسب الأدلة والسياق.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن بني إسرائيل قد يتولون الكفار، ممن كُفْرُهُمْ صريح أو خفي، فهم يوالون الكفار والمنافقين -والعياذ بالله- على رسول الله ﷺ ، وإن كان بعضهم مع بعض قد لا يكون
стр. 734
بعضهم إلى الآخر حبيبًا ومستحقًّا للولاية، لكن لأنهم ضد ثالث.
الفائدة الثانية: التحذير من موالاة الكافرين، وموالاة الكافرين أنواع كثيرة، منها ما يصل إلى الكفر ومنها ما هو دون ذلك، فالتولي التام كفر، بمعنى أن يكون معهم على الخطأ والصواب وعلى المسلم وغير المسلم، وعلى دين الإسلام وغيره، هذا لا شك أنه كفر، والتولي في بعض الأمور كالمعاقدة معهم في أمور اقتصادية مثلًا أو تجارية أو عمل حرث أو زراعة هذا لا يؤدي إلى الكفر؛ لأنه قد يعامله وقلبه منكر له مبغض له، بخلاف الذي يقول: إنه معهم على الخطأ والصواب، فهذا لا شك أنه كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
لو قال قائل: هل هناك فرق بين الموالاة والتولي؟
الجواب: لا فرق بينهما، تولاه ووالاه لا فرق بينهما.
لو قال قائل: عمل المسلم مع الإذاعات التي تبث من الدول غير المسلمة حيث إنه ينقل أخبار المسلمين إليهم هل هي من الموالاة؟
الجواب: لا يجوز، والصحفي الذي ينقل أخبار المسلمين إلى الكفار هذا جاسوس، والصحيح أن الجاسوس ولو كان مسلمًا يجب أن يقتل، يعني لو تأكدنا أن هذا الرجل يجس بأخبارنا إلى أعدائنا، وجب أن نقتله لا شك في هذا، وحاطب بن أبي بلتعة ﵁ إنما منع قتله أنه من أهل بدر، وهذا يدل على أن غير أهل بدر يقتلون، ولا شك أنه يقتل؛ لأن هذا من أعظم الفساد في الأرض هذا إذا كانت هذه الأخبار تضر
стр. 735
بالمسلمين وتنفع الكفار؛ لأنها قد تكون مجرد أخبار وحوادث فقط.
لو قال قائل: ما حكم مساعدة الكفار للقتال ضد المسلمين ليس حبًّا في دين الكفار، ولكن حسدًا وبغضًا على هؤلاء المسلمين؟
الجواب: هذا معناه أنه يريد أن يظهر الكفار على المسلمين، وهذا لا يجوز.
لكن لو قاتل مع الكفار عدوًا للمسلمين، أشد عداوة من الذين يقاتل معهم، يعني: هؤلاء القوم من الكفار أعداء للمسلمين لا شك، هناك عدو ثالث للجميع، وهو بالنسبة لعداوة المسلمين أشد خطرًا من الآخرين، فهل لنا أن نقاتل مع هؤلاء لأن هذا العدو أخطر علينا من الآخر الذي نقاتل معه، أو نقول: لا نقاتله وليتقاتل الطرفان وليغلب الأشد علينا من الآخر؟ الظاهر أننا نقاتل معهم بشرط أن لا نخشى من أن يتقوى الجانب الذي نقاتل معهم ثم ينقلبون علينا؛ لأن هذا وارد، ربما يفعلون هذا إذا قاتلنا معهم وقضوا على عدوهم بمساعدتنا أن ينقلبوا علينا، ويكون كما قال الشاعر:
خلا لكِ الجو فبيضي واصفري ... ...............................
الفائدة الثالثة: الرد على الجبرية، لقوله: ﴿قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، وقوله أيضًا: ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾.
الفائدة الرابعة: الاستدلال بالأمور الحسية، يعني: إقامة الدليل الحسي مما جاء في القرآن الكريم، لقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فإن هذا كما تقدم في التفسير يحتمل الرؤية العلمية والرؤية البصرية.
стр. 736
الفائدة الخامسة: إثبات سخط الله ، لقوله: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ومذهب أهل السنة والجماعة المتلقى من طريق السلف الصالح الصحابة والتابعين، إثبات هذه الصفة لله ، وأنه يسخط ويغضب، ويحب ويكره، ويبغض ويمقت، إلى غير ذلك مما أثبته الله لنفسه، فمذهب السلف الصالح: أننا نثبت هذا لله حقيقة، ولكن في علمنا ويقيننا أن ذلك لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأن الله يقول: ليس كمثله شيء ولو أننا حرفنا وقلنا: السخط هو الانتقام لافترينا على الله كذبًا؛ لأنه يقال لمن فعل ذلك: أين دليلك على أن الله أراد هذا؟ ونحن متعبدون بظاهر اللفظ، والقرآن عربي ونازل باللغة العربية، لو صرفناه عن ظاهره لكنا افترينا على الله كذبًا بغير حجة، وما موقف الإنسان من ربه يوم القيامة، إذا اعتقد هذا الاعتقاد - أعني: الاعتقاد، أن السخط: هو إرادة الانتقام أو الانتقام - فالصواب في هذا المتعين الواجب على المؤمن الذي يريد إنقاذ نفسه، أن يجري آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها.
فإذا قال قائل: إن ظاهرها التمثيل، قلنا: كذبت، لا يمكن يكون ظاهرها التمثيل؛ لأن التمثيل معنى باطل، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله شيئًا باطلًا بأي حال من الأحوال.
فإذا قال: هذا الظاهر، وأصر على ذلك، قلنا: أين الدليل لك على أن هذا هو الظاهر؟ إذا قال: إن العقل يمنع أن يقوم السخط بالله أو الغضب بالله أو الكراهة بالله، قلنا: عقل من؟ والعقل لا مجال له في الأمور الغيبية إطلاقًا، وإنما فَرْض العقل
стр. 737
في الأمور الغيبية هو التسليم والتصديق؛ لأننا أقل من أن ندرك ما أخفاه الله علينا، وإذا كان الله ينكر على من يسألون عن الروح، ويقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، فما كان أعظم من الروح، فهو أولى بالخفاء علينا.
ولهذا ضرب شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة التدمرية، ضرب مثلًا بالروح قال: روح الإنسان مجهولة لا يعلم من أي عنصر هي، ولا يعلم كيفية الروح، إلا ما جاءت به الشريعة فقط، من أن الروح تقبض وتجعل في كفن عند الموت وتحنط، ويصعد بها إلى السماء، وتقبض، ما عدا ذلك ليس لنا فيه علم، فإذا كان هذا في شيء مخلوق، أي: أننا لا ندركه مع أنه شيء مخلوق فما بالك بالخالق، المخالف لجميع الأشياء، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
فالواجب على من نصح نفسه، أن يقول في كل ما أخبر الله به ورسوله عن نفسه أن يقول: سمعنا وصدقنا وآمنا، لكن على أساس أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهذا إجماع من السلف، فكون السلف يقرؤون الآيات ولا يفسرونها بخلاف ظاهرها، يدل على أنهم مجمعون على ما دل عليه ظاهرها، وهذا في الحقيقة طريق جيد لنقل الإجماع؛ لأنك لو أردت أن تطلب من كل إنسان أن يثبت لك قولًا واحدًا من أقوال السلف قد لا تستطيع، لكن نقول: كونهم يقرؤون القرآن والحديث ولم يرد عنهم تأويله يدل على أنهم أخذوه على ظاهره.
* * *
стр. 738
° قال الله : ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٨١].
قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾ الضمير يعود على اليهود الذين حدث الله عنهم أولًا.
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: حق الإيمان، والإيمان مع الكفر بالرسل لا يسمى إيمانًا، حتى لو قال: أؤمن بالله وأن الله حي، عليم، قادر، مدبر للأشياء، فإن ذلك لا يعد إيمانًا مع الكفر.
قوله: ﴿وَالنَّبِيِّ﴾ "أل" هنا للعهد الذهني وهو محمدٌ ﷺ .
قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ أي: القرآن، والمُنْزِلُ له هو الله ﵎.
قوله: ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ هذا جواب "لو"، يعني: ما اتخذوا الذين كفروا أولياء، ولم يقترن جواب لو بـ "اللام"؛ لأنه نفي، واللام للتوكيد والإثبات، ولا يتناسب هذا وهذا، ولذلك كان الأكثر في جواب لو الشرطية إذا كان مثبتًا أن يقترن باللام، وإذا كان منفيًا أن يتجرد من اللام، فإذا قلت: لو زرتني أكرمتك صح، ولو قلت: لو زرتني لأكرمتك صح، وأيهما الأكثر؟ الثاني، (لأكرمتك)، وقد اجتمع النوعان في سورة الواقعة، فقال الله ﵎ في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، لجعلناه بإثبات اللام وقال في الماء: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] فحذف اللام، أما إذا كان جواب لو منفيًا بـ "ما" فإن الأكثر تجرده من اللام، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا
стр. 739
عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، ولم يقل: لما عبدناهم، ووجه ذلك: أنه لا يتناسب التوكيد باللام مع الاقتران بـ (ما)، لكن مع ذلك تأتي في اللغة العربية كما في قول الشاعر:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي
قال: لما افترقنا، المعنى لو كان الأمر بأيدينا لما افترقنا، ولكن تأبى الليالي إلا أن نفترق.
في هذه الآية قوله: ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ جَرْيٌ على الأكثر، (ما اتخذوهم) أي: ما صيروهم أولياء.
قوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله، والمراد بالفسق هنا الفسق الأكبر المخرج عن الملة.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن اتخاذ الكافرين أولياء منافٍ للإيمان بالله ورسوله وكتابه، لقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
الفائدة الثانية: أن النبي يطلق على الرسول، وفي هذه السورة ذُكر الرسول والنبي وكلاهما للرسول محمد ﷺ ، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧] وفي هذه الآية يقول: ﴿وَالنَّبِيِّ﴾، وفي القرآن الكريم أكثر ما ذكر الرسل بوصف النبوة، اقرأ إن شئت سورة مريم، واقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].
الفائدة الثالثة: أن القرآن منزل على محمدٍ ﷺ ، لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ هذا الإنسان معتنى به أكمل عناية، لقول الله
стр. 740
تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢)﴾ [الشعراء: ١٩٢]، تأمل قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ليتبين لك عظمة هذا القرآن، وأن العالمين ملزمون بقبوله؛ لأنه نازل من ربهم، ثم تأمل قول الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣]، الروح جبريل؛ لأنه موكل بالوحي الذي به حياة القلوب، فهو أمين مؤتمن، لا يمكن أن يزيد فيه ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر ﵊.
أين وعاء هذا المُنَزَّل ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤]، والشيء إذا حل بالقلب لا بد أن يؤثر على البدن، لقول النبي ﷺ : "وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١).
الفائدة الرابعة: ثبوت علو الله ، لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾، ومعلوم أن المنزل هو الله ﵎، والتعبير بالإنزال يدل على علو المنزل، وهو كذلك، وعلو الله ثابت بالكتاب والسنة، والعقل والفطرة والإجماع، ثبوتًا لا شك فيه، أما الكتاب فالآيات في ذلك كثيرة متنوعة الدلالة، وأما السنة فكذلك، اجتمع فيه -أي: في العلو- الدلالة القولية والفعلية والإقرارية، والدليل على الإقرارية أن النبي ﷺ سأل الجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء، فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٢).