الفائدة الخامسة: إثبات سخط الله ، لقوله: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ومذهب أهل السنة والجماعة المتلقى من طريق السلف الصالح الصحابة والتابعين، إثبات هذه الصفة لله ، وأنه يسخط ويغضب، ويحب ويكره، ويبغض ويمقت، إلى غير ذلك مما أثبته الله لنفسه، فمذهب السلف الصالح: أننا نثبت هذا لله حقيقة، ولكن في علمنا ويقيننا أن ذلك لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأن الله يقول: ليس كمثله شيء ولو أننا حرفنا وقلنا: السخط هو الانتقام لافترينا على الله كذبًا؛ لأنه يقال لمن فعل ذلك: أين دليلك على أن الله أراد هذا؟ ونحن متعبدون بظاهر اللفظ، والقرآن عربي ونازل باللغة العربية، لو صرفناه عن ظاهره لكنا افترينا على الله كذبًا بغير حجة، وما موقف الإنسان من ربه يوم القيامة، إذا اعتقد هذا الاعتقاد - أعني: الاعتقاد، أن السخط: هو إرادة الانتقام أو الانتقام - فالصواب في هذا المتعين الواجب على المؤمن الذي يريد إنقاذ نفسه، أن يجري آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها.
فإذا قال قائل: إن ظاهرها التمثيل، قلنا: كذبت، لا يمكن يكون ظاهرها التمثيل؛ لأن التمثيل معنى باطل، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله شيئًا باطلًا بأي حال من الأحوال.
فإذا قال: هذا الظاهر، وأصر على ذلك، قلنا: أين الدليل لك على أن هذا هو الظاهر؟ إذا قال: إن العقل يمنع أن يقوم السخط بالله أو الغضب بالله أو الكراهة بالله، قلنا: عقل من؟ والعقل لا مجال له في الأمور الغيبية إطلاقًا، وإنما فَرْض العقل
стр. 737
في الأمور الغيبية هو التسليم والتصديق؛ لأننا أقل من أن ندرك ما أخفاه الله علينا، وإذا كان الله ينكر على من يسألون عن الروح، ويقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، فما كان أعظم من الروح، فهو أولى بالخفاء علينا.
ولهذا ضرب شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة التدمرية، ضرب مثلًا بالروح قال: روح الإنسان مجهولة لا يعلم من أي عنصر هي، ولا يعلم كيفية الروح، إلا ما جاءت به الشريعة فقط، من أن الروح تقبض وتجعل في كفن عند الموت وتحنط، ويصعد بها إلى السماء، وتقبض، ما عدا ذلك ليس لنا فيه علم، فإذا كان هذا في شيء مخلوق، أي: أننا لا ندركه مع أنه شيء مخلوق فما بالك بالخالق، المخالف لجميع الأشياء، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
فالواجب على من نصح نفسه، أن يقول في كل ما أخبر الله به ورسوله عن نفسه أن يقول: سمعنا وصدقنا وآمنا، لكن على أساس أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهذا إجماع من السلف، فكون السلف يقرؤون الآيات ولا يفسرونها بخلاف ظاهرها، يدل على أنهم مجمعون على ما دل عليه ظاهرها، وهذا في الحقيقة طريق جيد لنقل الإجماع؛ لأنك لو أردت أن تطلب من كل إنسان أن يثبت لك قولًا واحدًا من أقوال السلف قد لا تستطيع، لكن نقول: كونهم يقرؤون القرآن والحديث ولم يرد عنهم تأويله يدل على أنهم أخذوه على ظاهره.
* * *
стр. 738
° قال الله : ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٨١].
قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾ الضمير يعود على اليهود الذين حدث الله عنهم أولًا.
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: حق الإيمان، والإيمان مع الكفر بالرسل لا يسمى إيمانًا، حتى لو قال: أؤمن بالله وأن الله حي، عليم، قادر، مدبر للأشياء، فإن ذلك لا يعد إيمانًا مع الكفر.
قوله: ﴿وَالنَّبِيِّ﴾ "أل" هنا للعهد الذهني وهو محمدٌ ﷺ .
قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ أي: القرآن، والمُنْزِلُ له هو الله ﵎.
قوله: ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ هذا جواب "لو"، يعني: ما اتخذوا الذين كفروا أولياء، ولم يقترن جواب لو بـ "اللام"؛ لأنه نفي، واللام للتوكيد والإثبات، ولا يتناسب هذا وهذا، ولذلك كان الأكثر في جواب لو الشرطية إذا كان مثبتًا أن يقترن باللام، وإذا كان منفيًا أن يتجرد من اللام، فإذا قلت: لو زرتني أكرمتك صح، ولو قلت: لو زرتني لأكرمتك صح، وأيهما الأكثر؟ الثاني، (لأكرمتك)، وقد اجتمع النوعان في سورة الواقعة، فقال الله ﵎ في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، لجعلناه بإثبات اللام وقال في الماء: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] فحذف اللام، أما إذا كان جواب لو منفيًا بـ "ما" فإن الأكثر تجرده من اللام، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا
стр. 739
عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، ولم يقل: لما عبدناهم، ووجه ذلك: أنه لا يتناسب التوكيد باللام مع الاقتران بـ (ما)، لكن مع ذلك تأتي في اللغة العربية كما في قول الشاعر:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي
قال: لما افترقنا، المعنى لو كان الأمر بأيدينا لما افترقنا، ولكن تأبى الليالي إلا أن نفترق.
في هذه الآية قوله: ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ جَرْيٌ على الأكثر، (ما اتخذوهم) أي: ما صيروهم أولياء.
قوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله، والمراد بالفسق هنا الفسق الأكبر المخرج عن الملة.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن اتخاذ الكافرين أولياء منافٍ للإيمان بالله ورسوله وكتابه، لقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
الفائدة الثانية: أن النبي يطلق على الرسول، وفي هذه السورة ذُكر الرسول والنبي وكلاهما للرسول محمد ﷺ ، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧] وفي هذه الآية يقول: ﴿وَالنَّبِيِّ﴾، وفي القرآن الكريم أكثر ما ذكر الرسل بوصف النبوة، اقرأ إن شئت سورة مريم، واقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].
الفائدة الثالثة: أن القرآن منزل على محمدٍ ﷺ ، لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ هذا الإنسان معتنى به أكمل عناية، لقول الله
стр. 740
تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢)﴾ [الشعراء: ١٩٢]، تأمل قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ليتبين لك عظمة هذا القرآن، وأن العالمين ملزمون بقبوله؛ لأنه نازل من ربهم، ثم تأمل قول الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣]، الروح جبريل؛ لأنه موكل بالوحي الذي به حياة القلوب، فهو أمين مؤتمن، لا يمكن أن يزيد فيه ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر ﵊.
أين وعاء هذا المُنَزَّل ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤]، والشيء إذا حل بالقلب لا بد أن يؤثر على البدن، لقول النبي ﷺ : "وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١).
الفائدة الرابعة: ثبوت علو الله ، لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾، ومعلوم أن المنزل هو الله ﵎، والتعبير بالإنزال يدل على علو المنزل، وهو كذلك، وعلو الله ثابت بالكتاب والسنة، والعقل والفطرة والإجماع، ثبوتًا لا شك فيه، أما الكتاب فالآيات في ذلك كثيرة متنوعة الدلالة، وأما السنة فكذلك، اجتمع فيه -أي: في العلو- الدلالة القولية والفعلية والإقرارية، والدليل على الإقرارية أن النبي ﷺ سأل الجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء، فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (٢).
стр. 741
ودليل الفعلية أن النبي ﷺ كان يشهد الله على إقرار الأمة بأنه بلغ فيرفع إصبعه إلى السماء ويقول: "اللهم اشهد" (١)، أما القول: فلا يحصى.
وأما دلالة العقل على علو الله، فكل إنسان عاقل يعرف أن العلو صفة كمال، سواء أكان معنويًا أم حسيًا، والله ﵎ يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، والعقل يدل على أنه يجب أن يكون للمعبود المثل الأعلى.
أما الفطرة فحدِّث ولا حرج، تجد النساء والأطفال الذين لم يدرسوا يشهدون بفطرهم أن الله تعالى فوق وأنه عالٍ، ولا يمكن أن يحيد عن هذه الفطرة إلا من أزاغ الله قلبه والعياذ بالله.
بقي الإجماع، إجماع المسلمين قبل أن يحدث هذا الخلاف، فإنه ما من أحد منهم قال: إن الله ليس في السماء أبدًا، لا تصريحًا ولا تلميحًا، وكما قال شيخ الإسلام ﵀: هذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنة رسول الله ﷺ ، وهذه الآثار عن الصحابة، ليس فيها حرف واحد يدل على أن الله في كل مكان أبدًا، ولكن من يضلل الله فلا هادي له.
والعجب أنه يوجد من المسلمين مَنْ يؤمن بأن الله في كل مكان -نسأل الله العافية- ولا أدري كيف يستسيغ الإنسان أن يقول: إن الله في كل مكان، وهو يعرف أنه سوف يدخل المرحاض وبيت الخلاء، فهل يمكن لإنسان عنده مسكة عقل أن يعتقد مثل هذا، لا والله، لكن ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فلا يهتدون، نسأل الله العافية.
стр. 742
فالواجب على طلبة العلم نشر العقيدة الصحيحة حول هذا الموضوع المهم، أنا أخشى إن لاقى الإنسان ربه على هذه العقيدة أن لا يتولاه الله، ولا يكلمه الله؛ لأنها عقيدة من أبطل العقائد -والعياذ بالله- ومع ذلك فهي موجودة، كما أحسسنا بذلك في دروس الحرم، حتى إن الواحد من الناس لو قلت له: أين الله؟ قال بلا تردد: في كل مكان، وكأنه شيء ثابت عنده، ولهذا يجب على طلاب العلم أن يعتنوا بهذه المسألة.
نحن في بلادنا والحمد لله لا نعرف هذه العقيدة الباطلة، ولا يمكن أن يدور في فكر أي إنسان أن الله في كل مكان، لكن في بعض البلدان التي أشربت عقيدة الضلال -والعياذ بالله-، وصاروا يقرؤونها في الكتب ويتعلمونها صغارًا، ويشيخون عليها كبارًا هم الذين تأثروا بها، فعلينا أن نعتني بهذه المسألة وبغيرها من المسائل التي شاعت في العالم الإسلامي، وهي خلاف الصواب.
الفائدة الخامسة: ما أشرنا إليه أولًا: أن اتخاذ الكافرين أولياء ينافي الإيمان بالله، ورسوله، وكتابه، الدليل: ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
الفائدة السادسة: الاستدلال بالمحسوس على المعقول، وإن شئت فقل: بالمشاهد على الخفي، وجه ذلك: أن الإيمان في القلب، ولا أحد يعلم عن الإيمان الذي في القلب، لكن الآثار تدل عليه، والأثر الذي دلنا على أنهم لم يؤمنوا هنا، هو تولي الكفار، واتخاذهم أولياء.
الفائدة السابعة: أن الفسق يطلق على الكفر، لقوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهو كذلك، ولذلك شاهد،
стр. 743
وقولي: وهو كذلك، لست أريد أن أقرر الآية؛ لأنها معروفة لكن لها شاهد، اقرأ سورة السجدة ماذا قال الله؟ قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠]، في مقابل الذين آمنوا، وإذا جاء الفسق في مقابل الإيمان، والوعيد في مقابل الوعد، فالمراد به الكفر.
الفائدة الثامنة: وجوب الاحتراز عند الكلام، بمعنى أن لا تعمم فتقول مثلًا: كل أهل هذه البلدة كلهم فسقة، كلهم فجار، كلهم كذا، لا تعمم؛ لأنك لا تدري، ولهذا اسمع إلى عالم الخفيات جلَّ وعلا يقول: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، فإياك والتعميم فتقع في الخطر أو في الكذب.
لو قال قائل: هل معرفة تفسير القرآن واجبة؟
الجواب: تفسير ما لا يقوم دين المرء إلا به فهو واجب، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] يجب أن نعرف ما معنى إقامة الصلاة، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] كذلك، وما زاد على ذلك فهو فرض كفاية، وإن حصل أن الإنسان يتأمل القرآن كلما قرأه، ويحاول أن يعرف المعنى بنفسه، ثم يرجع بعد ذلك إلى أقوال المفسرين فهذا طيب، وبهذا يكون عنده ملكة في معرفة تفسير القرآن؛ لأن كون الإنسان يريد أن يفهم معنى آية فيذهب بلا تردد إلى كتب التفسير، لا ينتفع كثيرًا، يعني: كونه يقرأ أقوال المفسرين فقط قراءة عابرة هذا لا يستفيد الفائدة المطلوبة، بل يحاول أولًا أن يعرف المعنى أو يكون معنى في نفسه، ثم يعرض ما فهمه على كتب المفسرين، لئلا يضل؛ فإن طابق فهذا من نعمة الله، وإن خالف فليرجع عن تصوره أو عن
стр. 744
فهمه؛ لأنَّا وجدنا هذا أقوى في معرفة التفسير، وأمكن في قلب الإنسان، هذه قاعدة.
لكن لو قال قائل: ما الحد الأدنى من المعرفة التي تجعل الإنسان يحاول التفسير بنفسه؟
الجواب: أن يكون طالب علم، يفهم ويعرف، ولا نقول للعامي الذي لا يعرف إلا الدكان: تعال حاول أن تفسر القرآن.
لو قال قائل: هل يفسر طالب العلم معاني الكلمات أم ماذا؟ المراد أن يفسر المعنى الإجمالي، وما تدور حوله الآية وأما معاني الكلمات فليست بلازمة.
القاعدة الثانية: إلام نرجع في التفسير؟ أولًا: نرجع إلى كتاب الله يعني: أن نفسر القرآن بالقرآن؛ لأن المتكلم به أعلم بمعناه، فإذا جاء تفسير القرآن بالقرآن فلا تَعْدُوهُ، أي القرآن، وأحيانًا يفسر الله المعنى بالأحكام التي تكون، وأحيانًا يفسره بالمعنى المطابق، فقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٨]، لو أردنا أن نفسرها بالمعنى لقلنا: يوم الدين: اليوم الذي تجازى به النفوس بما كسبت؛ لأن الدين معناه الجزاء، لكن الله تعالى بَيَّنَ ما يكون في ذلك اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ [الانفطار: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠)﴾ [القارعة: ٩ - ١٠]، قال: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ [القارعة: ١١]، ففسر الهاوية بالنار الحامية.
فعلى كل حال: نرجع إلى تفسير القرآن بالقرآن، ووجه ذلك: أن الذي أنزله أعلم بمعناه.
стр. 745
ثانيًا: بعد ذلك نرجع إلى التفسير بالسنة، والتفسير بالسنة أنواع لا تحصى، تارة يكون بلفظ الرسول ﵊، وتارة يكون بفعله، وأنواع كثيرة مثلًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، الحسنى هي: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله، هكذا فسره النبي ﷺ (١).
إذًا: ليس لنا أن نقول: هل هناك معنى آخر؟ لا نقول هذا؛ لأن النبي ﷺ فسرها بذلك، وهو أعلم الناس بمعاني كلام ربه ﵎، وكذلك قال النبي ﷺ في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، قال: "ألا إن القوة الرمي" (٢)، يعني هو أعلى أنواع القوة وإلا فهناك قوة أخرى غير الرمي، وصدق الرسول ﵊، الآن أشد ما يكون هو الرمي، ليس الرمي بالقوس وما أشبه ذلك، فالرمي يشمل كل رمي يحدث إلى يوم القيامة، الآن القنابل الهيدروجينية، والنووية، والأشياء هذه كلها داخلة في الرمي. إذًا: القوة فسرها الرسول ﷺ بالرمي، فلا نتعداه، وقد يقال في هذه المسألة بالذات: إن النبي ﷺ أراد أن يفسرها بمثال، وأن القوة تكون بالرمي وتكون بالكر والفر والخداع وما أشبه ذلك، لكن يشكل على هذا الاحتمال أن الرسول ﷺ قالها على وجه الحصر، قال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" (٣).
стр. 746
ثالثًا: إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا السنة، رجعنا إلى تفسير الصحابة؛ لأننا نعلم أن أعلم الناس بكلام الله بعد الرسول ﵊ هم الصحابة؛ لأنه نزل في عصرهم، وبلغتهم، ومعلوم أن معاني الألفاظ تختلف باختلاف الأحوال، قد تخاطب بلفظ واحد أمة، وتخاطب أمة أخرى، ويكون المراد بالخطاب الأول غير المراد بالخطاب الثاني، ولا شك أن القرآن إذا كان نزل غضًا طريًا في عهدهم وعصرهم وأحوالهم، والملابسات التي توجب فهم النص على ما أراد الله، لا شك أن هذا يرجح أن يكون المرجع أقوال الصحابة.
لكن الصحابة قد يفسرون الشيء بالمثال، فإذا كان اللفظ يحتمل معنى غير ما قالوا، فليكن مفسرًا بالمعنى الذي قالوا، وبالمعنى الآخر، هاتان قاعدتان مهمتان.
° قال الله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٦].
قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ , قوله: ﴿لَتجَدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاث:
стр. 747
القسم المقدر الذي دلت عليه اللام بقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾، ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، ومؤكدة أيضًا باللام وبالنون، والخطاب فيها إما للرسول ﷺ ، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد الرسول ﷺ ، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب، فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم، فلا تعم كل يهودي بعينه أو نصراني بعينه أو كل مسلم بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم، والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خيرٌ من هذا الجنس، ويوجد في النساء من هو خير من كثير من الرجال، ويوجد في الرجال من هو شر من كثير من النساء.
إذًا: الخطاب يحتمل أن يكون للرسول ﷺ ، وعلى هذا فيختص الحكم بهؤلاء الذين في عهد الرسول ﷺ ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ليس كل فرد، فلا نقول كل يهودي أشد الناس عداوة للمؤمنين، ولا كل نصراني أقرب الناس مودة بل هذا باعتبار الجنس.
وقوله: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾، يحتمل في "أشد" أن تكون هي المفعول الأول، ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن تكون (أشد) مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى، بأنهم أشد الناس عداوة.
فأيهما أعظم أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول،
стр. 748
و ﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هي المفعول الثاني، أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم اليهود والذين أشركوا، إذًا نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول، وهي في محل مبتدأ؛ لأن وجد تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذٍ يكون المعنى الإخبار عن أشد الناس عداوة، وإذا جعلنا أشد مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم.
وقوله: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ العداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فصلت: ٣٤]، أي: صديق مخلص.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: بذلك المؤمنين في عهد الرسول ﷺ هذا إذا جعلنا الخطاب للرسول ﷺ ، وإن جعلناه للعموم فالمراد الذين آمنوا في كل وقت.
وقوله: ﴿الْيَهُودَ﴾ هم الذين يدَّعون أنهم أتباع موسى، ويقولون: نحن شعب الله المختار، ويحتقرون من سواهم من الشعوب، وقد عرفوا بالاستكبار والتعالي والتعجرف حتى على رسولهم موسى ﵊، سموا يهودًا قيل: إنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤١]، وقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقيل: إنه اسم لجدهم، وأن اسمه يهوذا، ومع التعريب صارت الذال دالًا، وأيًا كان فهم معروفون، هم طائفة من بني إسرائيل يدَّعون أنهم متبعون لموسى ﵊.
стр. 749
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الذين أشركوا من العرب وغيرهم، فهذان الصنفان من بني آدم هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، أما اليهود فوجه عداوتهم، أنهم حسدوا العرب؛ لكون الرسالة العامة الخالدة فيهم، وكان اليهود من قبل يستفتحون على الذين كفروا، ويقولون: سيبعث نبي ونتبعه وننتصر عليكم، ولما بعث محمدٌ ﷺ من العرب حسدوهم، وأنكروا ذلك، أما الذين أشركوا فهم المشركون، وصاروا أشد الناس عداوة؛ لأنهم ضد التوحيد، والمؤمنون موحدون، والمشرك يبغض الموحد، ويكرهه، ويراه أنه أشد الناس عداوة له.
قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ﴿لتجدن﴾: نقول فيها ما قلنا في الأولى، أي: نقول في إعراب "أقرب" ما قلنا في أشد، وهنا قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ولم يقل: أشدهم مودة؛ يعني ليس عندهم مودة لكنهم قريبون، يعني أن الله قال في اليهود أنهم: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، لكن هؤلاء قال هنا: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾، ومعلومٌ أن القرب ليس هو الوصول، فهم ليس عندهم مودة للمؤمنين أعني: النصارى، لكنهم أقرب من غيرهم مودة، ولو كان عندهم مودة لقال: أشد الناس مودة أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿مَوَدَّةً﴾ المودة من الود وهو: خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود، بمعنى الوَادّ وبمعنى المودود.
وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، النصارى في عهد الرسول ﵊ قريبون من المؤمنين، ولذلك أسلم منهم خلق كثير، وممن أسلم ملك الحبشة ﵀، فإنه آمن
стр. 750
بالرسول ﵊ وآوى المهاجرين من أصحابه إيواءً يشكر عليه، ونسأل الله أن يثيبه عليه أتم الثواب، فقد آمن حتى وصفه النبي ﷺ بأنه أخ للصحابة، وأنه صالح حين توفي، قال: "إنه توفي اليوم لكم أخ صالح" (١)، فوصفه بالصلاح والأخوة ﵀، وكذلك أسلم من النصارى كثير؛ لأن النصارى أقرب عهدًا بالرسالة من اليهود، فإنه ليس بين نبيهم عيسى ﵊ ونبينا محمد ﷺ رسول.
وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ عبر القرآن بقوله: ﴿نَصَارَى﴾ وكثير من المسلمين اليوم يسمونهم مسيحيين، وقد حدثت هذه التسمية بعد الاستعمار، وإلا تجد كلام العلماء ﵏، إلى أن بدأ الاستعمار وذل المسلمون أمام قوة الاستعمار، تجدهم لا يعبرون إلا بالنصارى، انظر كتب العلماء السابقين إلى أن استعمر الغرب الدول الإسلامية، فقالوا: المسيحيين، والكُتَّاب الذين عاشوا تحت وطأة الاستعمار تابعوهم؛ لأن الغالب كما قال ابن خلدون في مقدمته: الغالب أن الذليل يخضع للعزيز ويتابعه، وإلا فليسوا بمسحيين، وإذا نزل المسيح في آخر الزمان يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، حتى الجزية لا تقبل في ذلك الوقت (٢).
стр. 751
وقوله: ﴿النصارى﴾ أي: الأنصار، هذا أحسن ما يقال في تفسيرها؛ لأنه يؤيده قوله في سورة الصف: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤].
ثم علل الله ذلك بعلل، فقال: "ذَلِكَ" المشار إليه كون النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا، ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ هذه خمسة أسباب:
السبب الأول: "ذلك" أي: سبب كون هؤلاء أقرب مودة للذين آمنوا، بأن منهم قسيسين ورهبانا والقسيس هو العالم الكبير، والعالم عنده معرفة يعرف الحق ويعمل به، لا سيما أن التوراة والإنجيل فيهما وصف الرسول ﷺ وصفًا مطابقًا تمامًا، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وقال تعالى أيضًا: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، كل هذه الصفات موجودة في التوراة والإنجيل، فهم عندهم علم أعني القسيسين.
وأيضًا سبب كونهم أقرب مودة للذين آمنوا بأن منهم رهبانًا، والرهبان العباد؛ لأن النصارى فرضوا على أنفسهم
стр. 752
رهبانية لم تفرض عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] يعني ما فرضناها عليهم، لكن هم يبتغون رضوان الله، يريدون بذلك رضوان الله وهي غير مكتوبة عليهم.
نظيرهم عندنا في الملة الإسلامية الصوفية، عندهم رهبانية ابتدعوها ما فرضها الله عليهم، لكن هم يبتغون بذلك رضوان الله، ولو رجعوا إلى أنفسهم لعلموا أن رضوان الله إنما يكون في الاتباع لا في الابتداع.
السبب الثاني: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ليس عندهم استكبار، لكن المشركون عندهم استكبار، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ [الفرقان: ٤١]، والهمزة هنا للاستفهام الاحتقاري، ويقولون: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١]، واللهِ هم يعلمون أن أعظم من في القريتين ومن في الأرض كلها هو محمدٌ ﷺ ، لكنَّه العناد والاستكبار، ولما جمعهم ودعاهم إلى الله، قال أبو لهب: تبًا لك ألهذا جمعتنا، أما اليهود فحدِّث ولا حرج في الاستكبار، حتى قالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، قاعدون على الكراسي .. على الأرض .. على الفرش، وأنتم اذهبوا إلى القتال، أفبعد هذا الاستكبار شيء؟
الجواب: لا، فهم مستكبرون، وإذا كان هذا قولهم لنبيهم، فما بالك بنبي بعث من العرب.
السبب الثالث: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ
стр. 753
تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ نقل المؤرخون والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة، لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومن حوله جعلوا يبكون، ﴿تفيض أعينهم من الدمع﴾، يعني: تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء إذا امتلأ وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض مما عرفوا من الحق، وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل للرسول عليه والصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق، قال: هذا هو الناموس الذي نزل على موسى (١)، فهم عرفوا الحق وبكوا.
السبب الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، مسلمون للحق من حين أن عرفوه، والمراد هنا الجنس، يعني: عموم النصارى ليس فيهم استكبار، فالمشركون واليهود قد يكون عند بعضهم أعظم من استكبار اليهود والمشركين.
السبب الخامس: يقولون: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، إقرار بالربوبية في قولهم: ﴿رَبَّنَا﴾، وبدين الله في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾ , ﴿فَاكْتُبْنَا﴾: الفاء هذه للسببية، أي: فبسبب إقرارنا بالرب وإيماننا به اكتبنا مع الشاهدين، والذي يسأل الله أن يكتبه مع الشاهدين، هل يمكن أن يستكبر عن دين الشاهدين؟ لا يمكن، هم يسألون هذا، الشاهدون من هم؟
قال العلماء: الشاهدون هم محمدٌ ﷺ وأمته، الحمد لله؛
стр. 754
لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] يعني: عدلًا خيارًا، فلا أحد من الأمم أعدل من هذه الأمة، اللهم اجعلنا منهم، قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، نحن نشهد على الناس، والرسول ﷺ يشهد علينا أنه بلغنا وأننا أقررنا بتبليغه، إذًا قوله: ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: يعني مع محمدٍ ﷺ والمؤمنين، وكانوا شهداء؛ لأنهم هم آخر الأمم، كل الأمم ماضية وسابقة يعرفونها، لكن هل الأمة الأولى تشهد على من بعدها؟
الجواب: لا، لا تشهد، ولذلك لو سئلنا: مَنْ الأمة الشاهدة؟ لقلنا: أمة محمد ﷺ ؛ لأنها آخر الأمم، تعرف ما جرى على الأمم وتشهد به.
قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾، هذا الحديث ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ يحتمل أنه حديث نفس، بمعنى أن الواحد منهم يقول: كيف لا أؤمن والحق واضح، ويحتمل أنه دفع للوم وُجِّهَ إليهم، يعني قيل لهم: لماذا تؤمنون بمحمد؟ فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، هل يمكن أن يكون لهذا وهذا؟ يمكن أن يكون بعضهم يصارع نفسه ونفسه تقول له وتحدثه: لماذا تؤمن، فيقول: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ عندما يفكرون يرون أنهم لا بد أن يؤمنوا لأن الحق واضح، ويحتمل أنهم إذا ألقى إليهم أحدٌ لومًا، وقال: كيف تؤمنون، يقولون: ﴿وَمَا لَنَا﴾، يعني أي شيء يصدنا، وأي شيء يمنعنا ألا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق، وهذا يدل على كمال عقلهم.
стр. 755
وقوله: ﴿ونَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، سبحان الله تعبير المؤمن، بقوله: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ والحكمة من التعبير بقوله ﴿نطمع﴾ لأن الإنسان لا يجزم، قال الله : ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] بل الإنسان إذا جزم لنفسه بأنه من أهل الجنة فهذا غلط عظيم، لكن يرجو ويطمع؛ لأنه لو جزم بأنه من أهل الجنة لكان يلزم من هذا أنه زكَّى نفسه وشهد لها بالجنة، وهذا خطير جدًّا على الإنسان؛ لأن ذلك معناه أنه وثق بأن عمله مقبول وأنه ليس عنده خطأ يمنعه من دخول الجنة، والقوم الصالحون يشمل من كان صالحًا من هذه الأمة ومن كان صالحًا من غيرها، في الأول قالوا: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: من هذه الأمة سألوا الله أن يكتبهم الله مع الشاهدين، في الثاني طمعوا أن يدخلهم الله في القوم الصالحين، وهو الطمع بدخول الجنة؛ لأن الجنة دارٌ لهذه الأمة وللصالحين من غيرها، فلذلك قالوا: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ , والفرق بين التعبيرين واضح.
لو قال قائل: قال الله تعالى حاكيًا عن هؤلاء النصارى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ فكيف نجمع بين هذا وبين كون القرآن معجز يعجز البشر أن يأتوا بمثله، وهؤلاء القوم قد تكلموا بهذا؟
الجواب: هم لم يقولوا بهذا اللفظ، فالقرآن يحكي أقوال الآخرين بالمعنى، ولذلك انظر إلى قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]، وفي سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]، والقول
стр. 756
واحد، لكن الله تعالى قدم ذكر هارون في سورة طه من أجل تناسب الآيات، فكل ما يحكيه الله عن السابقين فهو بالمعنى؛ لأننا نعلم أنهم ما تكلموا بالعربية، فلغتهم غير العربية، وترتيبهم ليس كترتيب القرآن فيما نعلم والله أعلم، وقد يقال: إن الله حكى قولهم، ولكنه صاغه أو تحدث به على ما يريد.
وقوله: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أثابهم: بمعنى أعطاهم ثوابًا، والثواب مكافأة العامل على عمله، قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [المطففين: ٣٦].
وقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ أي: بسبب قولهم، وهو: ﴿آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلى آخره، والباء في قوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ للسببية، و ﴿ما﴾ يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة، فإن جعلناها مصدرية صار التقدير أثابهم الله بقولهم، وإذا جعلناها اسمًا موصولًا صار التقدير أثابهم الله بالذي قالوا، وحينئذٍ لا بد من عائد يعود إلى الموصول وهو هنا محذوف، والتقدير: بما قالوه.
وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾: جمع جنة، والله يعبر عنها أحيانًا بالجنة مفردة وأحيانًا بجنات، فأما إذا عبر عنها بالجنة مفردة فالمراد بها الجنس، وإذا عبر عنها بالجمع فالمراد بها أنواعها، ومن المعلوم أن الله ذكر في سورة الرحمن أربعة أنواع: جنتان، وجنتان، وفي الحديث: "جننان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة
стр. 757
آنيتهما وما فيهما" (١).
وقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ إن أردنا أن نردها إلى المعنى اللغوي، قلنا: الجنات هي: البساتين الكثيرة الأشجار، وسميت بذلك؛ لأن أشجارها تجن أرضها أي: تسترها، لكثرتها وانتشارها، لكن هذا التفسير لو فسر للعامة لهبطت قيمة الجنة عندهم، وتصوروا أنها من جنس بساتين الدنيا، ولهذا نقول في تفسيرها: إنها الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حتى يعرف الإنسان أن هذه الجنة ليس لها نظير.
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وليس المراد من تحت أرضها؛ لأن من تحت أرضها لا يستفاد منه، لكن من تحت أشجارها وقصورها، و ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نهر، وهي أربعة ذكرت في سورة محمد، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، هذه الأنهار خلقها الله في الجنة، وهي غير الأنهار التي خلقها في الأرض، فالماء في الأرض يخرج بحفر الآبار، أو بالأمطار والسيول، لكن في الجنة ليس هكذا، أنهار تجري بغير أخدود وبغير حَفْرِ سواقي، بل بقدرة الله ، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ ليس من بقر ولا من إبل، ولا من
стр. 758
غنم، بل هي أنهار خلقها الله من هذا، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥] ليس عصير عنب، ولا شعير، ولا غير ذلك، بل هو مخلوق هكذا، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ﴾ [محمد: ١٥] هل هذا العسل من نحل؟ لا، عسل خلقه الله وصار أنهارًا يجري في الجنة، هذه أربعة أنواع من الأنهار مما ذكره الله لنا.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الخالد هو الباقي، والأصل في الخلود البقاء الدائم، وقد يؤكد أحيانًا بكلمة أبدًا، وقد لا يراد به الأبد الدائم بقرينة.
فالخلود إذًا؛ هو في الأصل البقاء الدائم، قد يؤكد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبدية، فأما ما يؤكد بالأبدية فهو كثير في القرآن، في أهل الجنة وفي أهل النار، وأما ما لا يراد به التأبيد بدليل آخر، فمثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، فقوله: ﴿خَالِدًا﴾: ليس المراد به التأبيد؛ لأن قتل المؤمن عمدًا لا يخرج من الإيمان، اللهم إلا من استحله، فمن استحله فهو كافر باستحلاله لا بقتله؛ لأن من استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتل أم لم يقتل، المهم اجعل على بالك أن الخلود هو البقاء الدائم، قد يؤكد بالأبدية وقد لا يراد به الأبد لدليل كما تقدم.
وقوله: ﴿وَذَلِكَ﴾ المشار إليه ما أثابهم الله به من الجنات ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: مكافأتهم على عملهم، والمحسن: يعم من أحسن في عبادة الله ومن أحسن إلى عباد الله، أما الإحسان في عبادة الله: فقد فسره النبي ﷺ في قوله: "الاحسان: أن
стр. 759
تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١)، فجعل للإحسان مرتبتين:
الأولى: أن يعبد الله كأنه يراه، وهذه عبادة رغبة؛ لأن الشيء الذي تراه ترغب فيه وتطلبه، "فإن لم تكن تراه" يعني: إن لم تصل إلى هذه الحال، "فإنه يراك" أي: فاعبده خوفًا منه وهربًا من عقابه، فجعل النبي ﵊ للإنسان هاتين المرتبتين.
أما الإحسان إلى عباد الله: فهو بذل المعروف لهم بالمال والبدن والجاه وغير ذلك، فمن أعطاك درهمًا فهو محسن، ومن بَشَّ في وجهك وأدخل السرور عليك فهو محسن، ومن شفع لك في أمر فهو محسن، إذًا: الإحسان يكون في عبادة الله ويكون في معاملة عباد الله.
ولما ذكر الله جزاء هؤلاء المحسنين قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾، والقرآن الكريم مثاني تثنى فيه المعاني، إذا ذكر ثواب المحسنين ذكر ثواب المسيئين، وإذا ذكر ثواب المسيئين ذكر ثواب المحسنين، ليبقى الإنسان بين الرغبة والرهبة.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ كفروا بالأمر وكذبوا بالخبر، كفروا بالأمر فلم يقوموا بطاعة، ولم ينتهوا عن معصية، وكذبوا بالخبر فلم يصدقوا، فمن أنكر البعث فهو مكذب، لكنه كافر فهو مكذب وكافر، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]، ومن لم يصلِّ فهو كافر.
стр. 760
فإذا قال قائل: هل نقول: إنه لا بد أن يجتمع الكفر والتكذيب؟
الجواب: لا، إذا وجد الكفر ثبت الجزاء، وإذا وجد التكذيب ثبت الجزاء.
ولذلك لو قال قائل: الصلوات الخمس غير مفروضة، ولا أصدق أنها مفروضة ولكني أصلي، لا تفوتني الصلاة أبدًا، ماذا نقول فيه؟ كافر؛ لأنه مكذب، فالجمع بينهما ليس بشرط، بل إذا وجد أحدهما ثبت الحكم.
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية، فمن ادعى أن مع الله خالقًا فهو مكذب بالآيات الكونية، ومن أقر بالخالق لكن لم يقبل شريعته، فهو مكذب بالآيات الشرعية، وقد يوجد من يكذب بهما جميعًا، ومن كذب ببعض وصدق ببعض فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١].
وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ اسم الإشارة هنا للبعد أم للقرب؟ للبعد لكن البعد قد يكون بعدًا سفولًا، وقد يكون بعدًا عُلُوًا، فإذا كان البعد مشارًا به إلى عالي المرتبة فهو بُعْدُ عُلُوٍ، مثل قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢]، فالقرآن بين أيدينا الآن ليس ببعيد، لكن لعلو مرتبته وشرفه أشار إليه بإشارة البعيد، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣] , فأشار إليهم إشارة البعد، لعلو منزلتهم، في هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أَيُّ: البعدين أراد؟ أراد السفل، أي: البعد سفولًا.
وقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ اعلم أن الله إذا ذكر أصحاب
стр. 761
الجحيم أو أصحاب النار، فهؤلاء من الكفار الخُلص؛ لأن الصاحب هو الملازم، ولا أحد يلازم الجحيم يعني النار إلا إذا كان ممن لا يدخل الجنة.
من فوائد الآيات الكريمات:
الفائدة الأولى: أن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود والمشركون، والمراد الجنس، ونعني بذلك: أنه قد يوجد من اليهود من لا يكون أشد عداوة، وكذلك من المشركين، نجد مثلًا أبا طالب مشرك، ومع ذلك كان يود الرسول ﵊، لكن بالنسبة للجنس فإن المشركين واليهود هم أشد الناس عداوة.
الفائدة الثانية: أن عداوة هؤلاء ظاهرة لقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، لكن اعلم أن الظهور والبطون أمران نسبيان، بمعنى أن بعض الناس يظهر له ما يخفى على آخر، وبعض الناس يخفى عليه ما يظهر للآخر، لكن من سبر الأمور ونظر باعتبار تبين له ذلك، وقد يقول قائل مثلًا: لا نجد هذا، نقول: إذا لم تجده فهذا لبلادتك؛ أي: لأنك بليد، وليس عندك علم.
الفائدة الثالثة: أن غير المسلمين يختلفون في العداوة للمسلمين، لقوله: "أشد" وأشد اسم تفضيل، تدل على أن هؤلاء الأعداء يختلفون، وهو كذلك، هذا هو الواقع، لكن بماذا نعرف الأشد؟ نعرفه بالآثار، إذا تظاهروا علينا وتحالفوا ضدنا، وما أشبه ذلك عرفنا أنهم أعداء.
الفائدة الرابعة: أن أقرب الناس مودة للمؤمنين هم النصارى، وقد بَيَّنا في التفسير السبب في ذلك.
стр. 762
الفائدة الخامسة: أن كل حكم له سبب، وهذا مطرد، فكل حكم شرعي أو قدري فله سبب، لكن من الأسباب ما يعلم ومن الأسباب ما لا يعلم؛ لأن الله تعالى لم يطلعنا على كل شيء، لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ إلى آخره.
الفائدة السادسة: حسن تعليم الله في كتابه العزيز؛ لأنه إذا ذكر الحكم ذكر العلة أحيانًا، فهنا ذكر حكمًا قدريًّا، وهو قرب النصارى من مودة المسلمين، هذا حكم قدري وذكر له علة، وذكر الله أحكامًا شرعية كثيرة مقرونة بحكمه، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، أي: هذا المطعوم، وغلط من قال: إنه عائد على لحم الخنزير، لأننا إذا أعدنا آخر الكلام على أوله فأوله: إلا أن يكون ذلك المطعوم، ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير، فإنه أي: المطعوم رجس، وليس عائدًا على لحم الخنزير.
المهم أن من حسن تعليم الله أنه إذا ذكر الحكم ذكر العلة سواء كان الحكم قدريًّا أو كان شرعيًّا، وكذلك في السنة أحيانًا تذكر العلة، فإن النبي ﷺ أمر أبا طلحة فنادى إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس (١).
стр. 763
الفائدة السابعة: أن قرب مودة النصارى للمؤمنين، له أسباب:
أولًا: أن منهم قسيسين ورهبانًا، فيستفاد من هذا: أن العلم نافع حتى لغير المسلمين، وكذلك العبادة ترقق القلب، أما الأول فيؤخذ من قوله: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾، وأما الثماني فيؤخذ من قوله: ﴿وَرُهْبَانًا﴾ لأن الراهب إنما سلك هذا الطريق، يريد رضا الله، فليس مستكبرًا، ولكنه طالب لرضا الله، فهو إذا تبين له فإنه يكون من أقرب الناس إلى العمل به.
الفائدة الثامنة: أن بني آدم ينقسمون إلى علماء وعباد، لكن هل يمكن أن يكونوا علماء عبادًا؟ نعم وبكثرة، لكن من الناس من يغلب عليه العلم، ومن الناس من يغلب عليه العبادة، أعني الذين يتصفون العلم والعبادة، منهم من يغلب عليه جانب العلم، فتجده دائمًا في بحث وفي تحقيق وفي مراجعة، ومنهم من يغلب عليه العبادة، ولهذا تجد في تراجم العلماء ﵏ أنهم إذا ترجموا لبعض العلماء قال: وكان كثير العبادة، فأيهما أفضل في العَالِم، أن يكون كثير العبادة، أو كثير المراجعة؟ كثير المراجعة لا شك أفضل، لكن يجب على كثير المراجعة أن يراجع قلبه، إذا وجد منه قسوة فليشتغل بالعبادة قليلًا؛ لأنه أحيانًا مع كثرة المراجعة والمطالعة والمناقشة، يكون الإنسان كأنه بطل بين صفين، لا يلتفت مثلًا للصلاة والتهجد وما أشبه ذلك، إذا رأيت من نفسك أنها أبعد عن العبادة، فارددها حتى لا تغفل عن العبادة.
لو قال قائل: رجل يقوم آخر الليل لكنه يترك قيام الليل
стр. 764
لطلب العلم هل يدخل في قول النبي ﷺ : "لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فتركه" (١)؟
الجواب: العلم أفضل من التهجد، فقد ترك شيئًا مفضولًا لفاضل، لكن من الممكن أن يأتي بالأمرين جميعًا يعني: لا يجهد نفسه في أول الليل ولا يجهد نفسه في آخر الليل أيضًا، فيأتي من هذا بقليل ويأتي من هذا بقليل والأمر سهل، لو تقدم بنصف ساعة قبل الفجر تمكن أن يصلي ما شاء الله من الوتر.
لو قال قائل: ما هو الحد الأدنى الذي لا ينبغي لطالب العلم أن يقصر عنه في العبادة؟
الجواب: أقول: إن الحد الأدنى بالنسبة للصلاة، الصلوات الخمس برواتبها، والوتر، وما يوجد له أسباب، وكذلك بالنسبة لبذل المال الزكاة والصدقات، أما ما يقرؤوه من القرآن؟ قد أقول: على حسب نشاطه، لكن أخشى أن أقول هذا فيتهاون الإنسان؛ لأنه إذا قرأ على حسب نشاطه، سيقرأ في يوم مثلًا جزئين أو ثلاثة، ويومين لا يقرأ شيئًا، ويضيع عليه الوقت، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يكون له ورد معين يحرص عليه، وأظن أن جزئين في اليوم إن شاء الله فيهما بركة، إذا قرأ جزئين كل يوم يقرأ القرآن في الشهر مرتين هذه نعمة، وأما الصيام فهو ما كان رسول الله ﷺ يصومه: ثلاثة أيام من كل شهر، لكن أحيانًا يكون
стр. 765
الإنسان يحب الصيام، ولذلك كان من هدي الرسول ﵊ أنه يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم (١)، لكن الشيء الذي ينبغي المواظبة عليه صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن الرسول ﷺ كان لا يدع صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ولا يبالي أن يصومها من أول الشهر أو وسطه أو آخره (٢).
لو قال قائل: هل من المشروع أن يتفرغ الإنسان للعبادة وطلب العلم ويترك الوظيفة وليس له مال؟
الجواب: أما إذا كان له ما يقيته فالتفرغ لا شك أفضل، إلا إذا كانت الوظيفة تصلح بوجوده؛ لأن بعض الوظائف تحتاج إلى الشخص، مثل وظائف القضاء وكُتّاب العدل وأشياء كثيرة، فالإنسان ينظر للمصالح.
الفائدة التاسعة والعاشرة: أن من أسباب قبول الحق والمودة للمؤمنين التواضع، لقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وأن الاستكبار سبب لرد الحق، وهو كذلك، فالتواضع سبب لقبول الحق؛ لأن الإنسان لا يرى نفسه أنه معصوم من الخطأ، فإذا بان له الحق اتبعه، ولهذا كان في كتاب عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵁ قال: "لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم أن
стр. 766
ترجع إلى الحق غدًا" (١) أو كلمة نحوها، بمعنى أنك تتبع الحق أينما كان، فتكون مطواعًا للحق، ذليلًا أمام الحق، وهل هذا الذل أمام الحق يوجب للإنسان أن يكون ذليلًا بين الناس؟
الجواب: ولا نقول: تواضع للعامي، يعني قدم له حذاءه وابسط له ظهرك يركب عليه، لا، لكن لاقيه بوجه طلق وسماحة، بعض الناس حتى من طلبة العلم تجده مع العامي يتكلم بأحد منخريه ليس بكل أنفه، فنقول: تواضع يا طالب العلم، الناس الآن يثنون على الذي يكون متواضعًا، نسمع أنهم يثنون على فلان وفلان لأنه متواضع، لكن ليس معنى ذلك أن تجعل نفسك ذليلًا أمامه، فالتواضع غير الذل، من تواضع لله رفعه الله، ومن تواضع للحق وفق للحق، وعلامة ذلك: أنك إذا بان لك الحق اتبعته فورًا بدون تردد وبدون جدال، إن ترددت أو جادلت فهو خطر عليك عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ لماذا؟ ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، ولذلك إذا بان لك الحق لا تجادل، ولا تحاول أن نذهب يمينًا وشمالًا لتبرر رأيك، فإنك على خطر، وقال : ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ [ق: ٥]، (مريج) يعني مختلط أي: يختلط عليهم الحق بالباطل، إذ كذبوا بالحق لما جاءهم.
فانتبه لهذه الفائدة وأنت طالب علم، وربما يخالفك من
стр. 767
يخالفك من الناس بمقتضى الدليل ولكن تريد أن تفرض رأيك، هذا غلط كبير، اتبع الحق أينما كان، يتبعك الناس أينما كنت؛ لأن الناس يطلبون الحق، فإذا رأوا منك أنه متى بان لك الحق رجعت، رجعوا، إذًا: التواضع للحق هو في الحقيقة علو، كما قال النبي ﷺ : "من تواضع لله رفعه" (١)، وضد ذلك الاستكبار، الاستكبار والعياذ بالله يوجب أن لا يقبل الحق ولا يتبع.
الفائدة الحادية عشرة: فضيلة هؤلاء القوم الذين يؤمنون بالرسول ﵊، وأنهم إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع، ولا شك أن فيضها من الدمع دليل على الإيمان والتصديق والتأثر؛ لأن الإنسان كلما آمن فإنه يزداد خشوعًا، الآن إذا ذكرت آباءك وإخوانك وأصدقاءك الذين ذهبوا، وماتوا، ربما تبكي أكثر مما لو ذكرت شيئًا آخر يؤمن به؛ لأن هؤلاء أدركتهم إدراكًا حسيًّا، فالإيمان كلما قوي صار المؤمن كأنما يشاهد الشيء بعينه، فيزداد إيمانًا وخشوعًا وبكاءً.
الفائدة الثانية عشرة والثالثة عشرة: أن القرآن نزل من عند الله لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾؛ لأن هذا مبني لما لم يسمَّ فاعله؛ لأن فاعله معلوم، وهو الله الذي أنزله، ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن كلام الله، وهو كذلك، تكلم به الله حقيقة، تكلم به على وجهٍ مسموع، سمعه جبريل، وهو أمين قوي، نزل به على قلب الرسول ﷺ ، فوعاه وعقله، حتى قال له ربه : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)
стр. 768
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]، لا يتفرق أبدًا، هو مجموع لك، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨]، أي: قرأه جبريل: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨]، يعني التزامات عظيمة من الله لهذا القرآن مما يدل على عناية الله به ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩] يبين للناس لفظًا ومعنى، ولهذا نقول: لا يمكن أن يوجد في كتاب الله شيء لا يعرف الناس معناه، إن خفي على بعض علمه آخرون.
لو قال قائل: الذين يقولون: إن القرآن ليس كلام الله إنما هو عبارة عن كلام الله ما معنى قولهم هذا؟
الجواب: هم يقولون: إن الله ولم يتكلم به، لكن خلق أصواتًا لتعبر عما في نفسه، فسمعها جبريل ونزل بها، وهذا قولٌ بلا علم، وحقيقةً أنك إذا تأملت كلامهم انتهيت إلى أن الله ليس بشيء، لا يتكلم، ولا يستوي على العرش، ولا ينزل ولا يأتي للفصل بين العباد، ولا يفرح، وليس له يد وليس له وجه وليس له عين، اللهم لك الحمد، نسأل الله لهم الهداية.
الفائدة الرابعة عشرة: التنويه بالرسول محمد ﷺ ، لقوله: "الرَّسُولِ"؛ لأن "أل" هنا للعهد الذهني، يعني كونه رسول معلوم مفهوم لا يخفى على أحد.
الفائدة الخامسة عشرة: إثبات رسالة محمد ﷺ ، وهو رسول الله حقًّا، أرسله الله رحمة للعالمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
الفائدة السادسة عشرة: الثناء على من بكى لسماع القرآن، ولكن اعلم أن البكاء نوعان: بكاء متكلف ومصطنع فهذا لا يفيد،
стр. 769
والتباكي غير البكاء المصطنع، بعض الناس لا يبكي بل يجعل صوته كأنه يبكي، وليس التكحل بالعينين كالكحل، وبكاء آخر من لين القلب، هذا هو المفيد؛ لأنه صادر من القلب ومن الإيمان.
الفائدة السابعة عشرة: أن تأثر هؤلاء إنما كان بسبب معرفتهم الحق، ولهذا قال: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾: والإنسان كلما علم بالحق ازداد إيمانه به وازداد تأثره به.
الفائدة الثامنة عشرة: الثناء على هؤلاء الذين آمنوا بما أنزل على الرسول ﷺ ، بأنهم يعلنون الإيمان: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ لا يخفون إيمانهم؛ لأنهم مؤمنون، والمؤمن حقًّا يعلن إيمانه، لا سيما إذا كانوا قسيسين ورهبانًا لأنهم قدوة للناس لقوله: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾.
الفائدة التاسعة عشرة: اعتراف الأمم بأن هذه الأمة هي الشاهدة على الأمم، لقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ وهم أمة محمدٍ ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
تقدم أن التفسير له أربعة مراتب: المرتبة الأولى: تفسير القرآن بالقرآن، والثانية: تفسير القرآن بالسنة، والثالثة: تفسير القرآن بأقوال السلف، والرابعة: التفسير بمقتضى اللغة العربية.
والآن نتكلم على النسخ، فلو قال قائل: هل يمكن أن يقع النسخ في القرآن أو لا؟
الصحيح أنه يمكن النسخ، لكن الآيات التي هي أصول الدين لا يمكن أن تنسخ، فالنسخ واقع، وهذا هو ما عليه جمهور الأمة، ولا يعنينا أن ينكر ذلك من ينكره، فاليهود مثلًا قالوا: لا
стр. 770
يمكن نسخ الشرائع؛ لأننا لو جوزنا النسخ لجوزنا البداء على الله، أي: أنه تبدو له المصلحة بعد أن كانت خفية عليه، فيحكم يشيء ثم بعد ذلك يعدل عنه؛ لأنه لم يدرِ عن عواقب ما حكم به أولًا، ومعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يصف ربه بالجهل، ثم البداء، ولكن الله رد عليهم فقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣]، فبيَّن أن نسخه واقع وهو كذلك.
ومن أجل إنكارهم النسخ أنكروا نبوة عيسى ونبوة محمدٍ ﷺ ، وقالوا: إن شريعتهما نسخت شريعة التوراة، وهذا لا يجوز، فالمسلمون مجمعون على جواز النسخ، عقلًا ووقوعه شرعًا، إلا أن أبا مسلم الأصفهاني ﵀ قال: لا نسخ في القرآن، وحمل النسخ الدي ثبت في القرآن حمله على التخصيص.
مثال ذلك: أوجب الله على المسلمين في الجهاد أن الواحد يصابر عشرة، ثم نسخ ذلك، وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ الله عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وهذا واضح أنه نسخ، وكذلك في الحديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (١)، هذا أيضًا نسخ واضح، ثبت بنص القرآن ونص السنة، ادعى ﵀ أن هذا تخصيص وليس بنسخ، ووجَّه قوله: بأن الحكم المنسوخ كان عامًّا في جميع الأزمان وفي جميع الأحوال، ثم نسخ فخرج بالنسخ الزمن الذي تبقى، وقال: هذا تخصيص.
стр. 771
وبناءً على هذا التوجيه، يكون الخلاف بينه وبين جمهور الأمة خلافًا لفظيًّا لا فائدة منه، ما دمنا متفقين على أنه يمكن أن يكون هذا الحكم العام في كل زمن وفي كل مكان، وفي كل أمة وفي كل حال، يجوز أن يلغى في وقت من الأوقات، فهذا هو النسخ، سمه تخصيصًا أو سمه نسخًا.
ثم يقال له ﵀: ما الفائدة من أن نتحاشى كلمة نسخ، والله تعالى في القرآن يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، نرجع إلى جواز النسخ عقلًا، أما وقوعه شرعًا فلا شك فيه، كيف يجوز عقلًا، ألا يجوز أن يرد ما أورده اليهود، بأن الله بدا له بعد أن كان خفيًّا عنه، أن الحكم المنسوخ ولا يستقيم؟
الجواب: لا، الأحكام تثبت بحسب أحوال الأمم، فقد يكون الوجوب مثلًا مصلحة للأمة في وقت غير مصلحة في وقت آخر، فأحكام الله تعالى يراد بها مصالح العباد وهي تختلف في كل زمان أو مكان أو حال، فلذلك كان مقتضى الحكمة نسخ الأحكام.
وقد يكون النسخ لابتلاء المكلف، يبتلي الله المكلف هل يمتثل، أو لا يمتثل، ثم يأتي النسخ؛ لأن بعض الناس قد لا يقبل النسخ، كالذين ارتدوا حينما حولت القبلة؛ لأنهم قالوا: كيف أمس نتجه إلى بيت المقدس والآن نتجه إلى الكعبة، لا يمكن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ويكفي هذه الحكمة.
стр. 772
فإذا كان تغيير الحكم ونسخه له حِكم لم يلزم على الله البداء؛ لأنه سبحانه يشرع لعباده من الأحكام ما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، أرأيت لو كلفت ولدك بعمل، ثم رأيت هذا العمل شاقًّا عليه، فهل من المصلحة أن تبقيه في هذا العمل الشاق، أو تنقله إلى عمل آخر؟ تنقله إلى عمل آخر، هذا مقتضى العقل، فحينئذٍ يبطل ما ادعاه اليهود من أنه يلزم منه البداء على الله، أي: الظهور بعد الخفاء.
إذًا: فالنسخ جائز عقلًا وواقع شرعًا، ثم إن النسخ يكون على ثلاثة أقسام:
نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، ونسخ اللفظ مع بقاء الحكم، ونسخهما جميعًا.
القسم الأول: نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، وهذا كثير مثل قول الله ﵎: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]، هذا نسخ للقبلة الأولى، فاللفظ باقٍ؛ لأن الله قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ومثل قول الله ﵎ في الصوم: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومثل قوله في الآية في مصابرة العدو، أن الله تعالى أوجب أن يصابر المسلمون عشرة أمثالهم، ثم نسخ الحكم مع بقاء اللفظ.
وهنا يرد سؤال: ما الفائدة من نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، لماذا لم ينسخ اللفظ؛ لأن العمل باللفظ انتهى؟
стр. 773
فيقال: الفائدة بالنسبة للقرآن، أولًا: زيادة الأجر بالتلاوة، وثانيًا: تذكير العباد بنعمة الله عليهم، حيث نقلهم من الأشد إلى الأخف أو بالعكس، أو بالمماثل لكن المهم التذكير بالنعمة.
القسم الثاني: عكس هذا القسم وهو: نسخ اللفظ مع بقاء الحكم، مثاله آية الرجم، آية الرجم كانت قرآنًا يتلى، يقول عمر ﵁: "قرأناها ووعيناها ورجم النبي ﷺ ورجمنا بعده" (١)، سبحان الله! عمر ﵁ موفق للصواب وعنده فراسة عجيبة، هو نفسه ﵁ قال: "أخاف إن طال بالناس زمان: أن يقولوا لا نجد الرجم في كتاب الله" (٢)، وما توقعه ﵁ حصل، وإلا فهو يعلن على منبر الرسول ﵊ بهذا الكلام، هل يمكن أن يعلن على منبر الرسول ﵊ ويكون الأمر على خلاف ما قال ويسكت الصحابة؟ لا يمكن.
الحاصل أن هذه الآية كانت موجودة في القرآن، لكن لفظها غير موجود، فليس في القرآن أن الثيب يرجم إذا زنا، فاللفظ غير موجود، أعني لفظ المنسوخ، ولفظ الناسخ موجود في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والثيب جاء في السنة، فهنا لا يوجد آية الرجم في القرآن، لفظها غير موجود، فما هي الآية التي نسخت؟
ورد أن لفظها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة
стр. 774
نكالًا من الله والله عزيز حكيم" (١)، ولكن هذا لا يصح، هذا اللفظ لا يطابق الحكم؛ لأن الحكم منوط بالثيوبة، وليس منوطًا بالشيخوخة، وعمر ﵁ يقول: وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنا إذا أحصن، وكان الحبل أو الاعتراف (٢)، فقال: إنه حق ثابت في القرآن على من زنا إذا أحصن، لم يقل: إذا شاخ، قال: إذا أحصن، بهذا يتبين أن لفظ الآية المنسوخة ليس كما روي، ولذلك لو زنا الشيخ وهو بكر لم يرجم، ولو زنا الشاب وهو ثيب يرجم، إذًا: الآية غير معروفة اللفظ، لكننا نعلم أنها لفظ دالٌّ على ما ذكره عمر ﵁.
فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه ينسخ اللفظ ويبقى الحكم؟ لأننا ذكرنا أن بقاء اللفظ فيه فائدة وهي التلاوة، لكن هنا ما الفائدة؟ الفائدة والله أعلم ليتبين فضل هذه الأمة على من سبقها، فاليهود حاولوا إخفاء آية الرجم مع أنها موجودة في التوراة، لكنهم تركوا العمل بها، وسبب ترك العمل بها أنه كثر الزنا في أشرافهم، وشق عليهم أن يقتلوا أشرافهم، فأحدثوا حكمًا جائرًا ليس في شريعة الله، هذه الأمة ولله الحمد عملت بحكم لا يوجد نصه حيث عملت بالرجم مع أنه لا يوجد لفظه في
стр. 775
كتاب الله، فأظهرت الحكم مع خفاء الدليل، واليهود بالعكس، أبطلوا الحكم مع وجود الدليل، حتى إنهم لما جاءوا بالتوراة وضع الذي يقرأ يده على آية الرجم حتى لا تبين (١)، هذا ما تبين من الحكمة.
وقد يقال: إن هناك حكمة أخرى وهي بشاعة الجريمة؛ لأن زنا الثيب لا شك أنه بشع، وأقبح من زنا الشاب، ولذلك كانت عقوبته الرجم، بخلاف غير المحصن، هذا الأخير الإنسان يتردد في أن هذه هي الحكمة؛ لأنه سيقول: إن هذا هو مراد الله ، وهذا صعب؛ لأن الله ذكر ما هو أبشع من هذا، وهو إتيان الذكر: اللواط صريحًا قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، لكن المعنى الأول، أو الوجه الأول، وهو بيان فضل هذه الأمة على من سبقها واضح.
بقي القسم الثالث: وهو نسخ اللفظ والحكم، هذا له مثال، وهو حديث عائشة ﵂ في الرضاع: كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات (٢)، الآن لا تجد عشر رضعات، لا في القرآن ولا في الحكم، عشر رضعات العمل بها منسوخ إلى خمس، الخمس منسوخة لفظًا لا حكمًا، والعشر منسوخة لفظًا وحكمًا.