← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وبناءً على هذا التوجيه، يكون الخلاف بينه وبين جمهور الأمة خلافًا لفظيًّا لا فائدة منه، ما دمنا متفقين على أنه يمكن أن يكون هذا الحكم العام في كل زمن وفي كل مكان، وفي كل أمة وفي كل حال، يجوز أن يلغى في وقت من الأوقات، فهذا هو النسخ، سمه تخصيصًا أو سمه نسخًا. ثم يقال له ﵀: ما الفائدة من أن نتحاشى كلمة نسخ، والله تعالى في القرآن يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، نرجع إلى جواز النسخ عقلًا، أما وقوعه شرعًا فلا شك فيه، كيف يجوز عقلًا، ألا يجوز أن يرد ما أورده اليهود، بأن الله بدا له بعد أن كان خفيًّا عنه، أن الحكم المنسوخ ولا يستقيم؟ الجواب: لا، الأحكام تثبت بحسب أحوال الأمم، فقد يكون الوجوب مثلًا مصلحة للأمة في وقت غير مصلحة في وقت آخر، فأحكام الله تعالى يراد بها مصالح العباد وهي تختلف في كل زمان أو مكان أو حال، فلذلك كان مقتضى الحكمة نسخ الأحكام. وقد يكون النسخ لابتلاء المكلف، يبتلي الله المكلف هل يمتثل، أو لا يمتثل، ثم يأتي النسخ؛ لأن بعض الناس قد لا يقبل النسخ، كالذين ارتدوا حينما حولت القبلة؛ لأنهم قالوا: كيف أمس نتجه إلى بيت المقدس والآن نتجه إلى الكعبة، لا يمكن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ويكفي هذه الحكمة.

стр. 772

فإذا كان تغيير الحكم ونسخه له حِكم لم يلزم على الله البداء؛ لأنه سبحانه يشرع لعباده من الأحكام ما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، أرأيت لو كلفت ولدك بعمل، ثم رأيت هذا العمل شاقًّا عليه، فهل من المصلحة أن تبقيه في هذا العمل الشاق، أو تنقله إلى عمل آخر؟ تنقله إلى عمل آخر، هذا مقتضى العقل، فحينئذٍ يبطل ما ادعاه اليهود من أنه يلزم منه البداء على الله، أي: الظهور بعد الخفاء. إذًا: فالنسخ جائز عقلًا وواقع شرعًا، ثم إن النسخ يكون على ثلاثة أقسام: نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، ونسخ اللفظ مع بقاء الحكم، ونسخهما جميعًا. القسم الأول: نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، وهذا كثير مثل قول الله ﵎: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]، هذا نسخ للقبلة الأولى، فاللفظ باقٍ؛ لأن الله قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ومثل قول الله ﵎ في الصوم: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومثل قوله في الآية في مصابرة العدو، أن الله تعالى أوجب أن يصابر المسلمون عشرة أمثالهم، ثم نسخ الحكم مع بقاء اللفظ. وهنا يرد سؤال: ما الفائدة من نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، لماذا لم ينسخ اللفظ؛ لأن العمل باللفظ انتهى؟

стр. 773

فيقال: الفائدة بالنسبة للقرآن، أولًا: زيادة الأجر بالتلاوة، وثانيًا: تذكير العباد بنعمة الله عليهم، حيث نقلهم من الأشد إلى الأخف أو بالعكس، أو بالمماثل لكن المهم التذكير بالنعمة. القسم الثاني: عكس هذا القسم وهو: نسخ اللفظ مع بقاء الحكم، مثاله آية الرجم، آية الرجم كانت قرآنًا يتلى، يقول عمر ﵁: "قرأناها ووعيناها ورجم النبي ﷺ ورجمنا بعده" (١)، سبحان الله! عمر ﵁ موفق للصواب وعنده فراسة عجيبة، هو نفسه ﵁ قال: "أخاف إن طال بالناس زمان: أن يقولوا لا نجد الرجم في كتاب الله" (٢)، وما توقعه ﵁ حصل، وإلا فهو يعلن على منبر الرسول ﵊ بهذا الكلام، هل يمكن أن يعلن على منبر الرسول ﵊ ويكون الأمر على خلاف ما قال ويسكت الصحابة؟ لا يمكن. الحاصل أن هذه الآية كانت موجودة في القرآن، لكن لفظها غير موجود، فليس في القرآن أن الثيب يرجم إذا زنا، فاللفظ غير موجود، أعني لفظ المنسوخ، ولفظ الناسخ موجود في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، والثيب جاء في السنة، فهنا لا يوجد آية الرجم في القرآن، لفظها غير موجود، فما هي الآية التي نسخت؟ ورد أن لفظها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة

стр. 774

نكالًا من الله والله عزيز حكيم" (١)، ولكن هذا لا يصح، هذا اللفظ لا يطابق الحكم؛ لأن الحكم منوط بالثيوبة، وليس منوطًا بالشيخوخة، وعمر ﵁ يقول: وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنا إذا أحصن، وكان الحبل أو الاعتراف (٢)، فقال: إنه حق ثابت في القرآن على من زنا إذا أحصن، لم يقل: إذا شاخ، قال: إذا أحصن، بهذا يتبين أن لفظ الآية المنسوخة ليس كما روي، ولذلك لو زنا الشيخ وهو بكر لم يرجم، ولو زنا الشاب وهو ثيب يرجم، إذًا: الآية غير معروفة اللفظ، لكننا نعلم أنها لفظ دالٌّ على ما ذكره عمر ﵁. فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه ينسخ اللفظ ويبقى الحكم؟ لأننا ذكرنا أن بقاء اللفظ فيه فائدة وهي التلاوة، لكن هنا ما الفائدة؟ الفائدة والله أعلم ليتبين فضل هذه الأمة على من سبقها، فاليهود حاولوا إخفاء آية الرجم مع أنها موجودة في التوراة، لكنهم تركوا العمل بها، وسبب ترك العمل بها أنه كثر الزنا في أشرافهم، وشق عليهم أن يقتلوا أشرافهم، فأحدثوا حكمًا جائرًا ليس في شريعة الله، هذه الأمة ولله الحمد عملت بحكم لا يوجد نصه حيث عملت بالرجم مع أنه لا يوجد لفظه في

стр. 775

كتاب الله، فأظهرت الحكم مع خفاء الدليل، واليهود بالعكس، أبطلوا الحكم مع وجود الدليل، حتى إنهم لما جاءوا بالتوراة وضع الذي يقرأ يده على آية الرجم حتى لا تبين (١)، هذا ما تبين من الحكمة. وقد يقال: إن هناك حكمة أخرى وهي بشاعة الجريمة؛ لأن زنا الثيب لا شك أنه بشع، وأقبح من زنا الشاب، ولذلك كانت عقوبته الرجم، بخلاف غير المحصن، هذا الأخير الإنسان يتردد في أن هذه هي الحكمة؛ لأنه سيقول: إن هذا هو مراد الله ، وهذا صعب؛ لأن الله ذكر ما هو أبشع من هذا، وهو إتيان الذكر: اللواط صريحًا قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، لكن المعنى الأول، أو الوجه الأول، وهو بيان فضل هذه الأمة على من سبقها واضح. بقي القسم الثالث: وهو نسخ اللفظ والحكم، هذا له مثال، وهو حديث عائشة ﵂ في الرضاع: كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات (٢)، الآن لا تجد عشر رضعات، لا في القرآن ولا في الحكم، عشر رضعات العمل بها منسوخ إلى خمس، الخمس منسوخة لفظًا لا حكمًا، والعشر منسوخة لفظًا وحكمًا.

стр. 776

لو قال قائل: فيما يتعلق بالنسخ بعض العلماء يقول: إن اصطلاح المتقدمين من الصحابة وبعض التابعين للنسخ أوسع من اصطلاح المتأخرين؟ الجواب: صحيح، بعض السلف يطلق التخصيص على النسخ، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، فأجاز بعض السلف أن يجمع الإنسان بين الأختين في ملك اليمين، يعني يطأهما، وقال: الآية عامة، لكن عبر بعض السلف فقال: هذه الآية نسختها آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، فقال: نسختها ويريد بذلك التخصيص، وله وجه؛ لأن التخصيص نسخ للعموم. وأما قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالظاهر والله أعلم إطلاق النص عليها من باب التخصيص أو التبيين أيضًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ [البقرة: ٢٨٤]، هذا من الأمور العملية القلبية أما مجرد الفكر فقد تجاوز الله عنه. لو قال قائل: ما المراد بنسخ القرآن بالسنة؟ الجواب: مثال ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ أي: الفاحشة ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦] , والحديث الذي صححه كثير من الأئمة: "من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (١)، فهذا

стр. 777

الحديث ينسخ الآية، هذا نسخ القرآن بالسنة، والمثال عزيز جدًّا قليلٍ جدًّا جدًّا، وكما أن السنة تخصص القرآن، فإن القرآن يخصص السنة، مثل اشتراط النبي ﵊ في صلح الحديبية أن من جاء من المشركين مسلمًا، فإنه يرد عليهم، وهذا عام للرجال والنساء، فقال الله : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وهذا من الأمور العزيزة النادرة أيضًا أن يكون القرآن يخصص عموم السنة. الفائدة العشرون والحادية والعشرون: دفع اللوم عن الإنسان، يعني الإنسان ينبغي أن يدفع اللوم عن نفسه، ولا يُبْقِي عرضه لعباد الله يعملون ما يشاءون فيه، لقوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، ولهذا أصل من السنة، فإن النبي ﷺ لما قام يقلب إحدى زوجاته، وهي صفية ﵂، بعد أن بقيت عنده قام يقلبها، فمر به رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ معه أهله خجلا وسارا بسرعة فقال لهما: "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله سبحان الله! -يعني: لا يمكن أن يقع في قلوبنا شيء- فقال لهما: "إن الشيطان يجري من ابن آم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا -أو قال- شيئًا" (١).

стр. 778

وأيضًا على الوجه الثاني في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ حمل النفس عند الوسواس على الإيمان والعمل الصالح، يعني إذا رأيت من نفسك فتورًا؛ فقوِّها، أي: قوِّ عزيمتك؛ لأنه تقدم أن في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾، احتمالين. الفائدة الثانية والعشرون: أن ما جاء به الرسول ﷺ حق بشهادة من سبق من الأمم، لقوله: ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾، وهل يعتد بشهادة الأمم السابقة؟ الجواب: نعم، لعتد، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ﴾ [يونس: ٩٤]. الفائدة الثالثة والعشرون والرابعة والعشرون: أن الإنسان لا ينبغي أن يعجب بعمله، فيشهد لنفسه أنه من أهل الجنة، لقولهم: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا﴾، ولم يجزموا بذلك، ولهذا مهما عملت من عمل صالح مبني على الإيمان لا تزكِّ نفسك، لا تدري فلعل هناك سرًّا في القلب لا تشعر به -أعاذنا الله من النفاق-: "وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار" (١). وأيضًا يمكن أن نأخذ من هذا أنه لا يشهد لأحد بالجنة لكونه مؤمنًا عاملًا صالحًا، ولهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، أن لا نشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له الرسول ﷺ .

стр. 779

الفائدة الخامسة والعشرون: أنه ينبغي اختيار الرفيق الصالح لقوله: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، وهذا أمر دلت عليه السنة دلالة صريحة، فإن النبي ﷺ قال: "مثل الجليس الصالح كحامل المسك، إما أن يبيعك أو يحذيك، أو تجد منه رائحة طيبة" (١). الفائدة السادسة والعشرون: بيان فضل الله ، حيث أثاب هؤلاء الذين مَنَّ عليهم بالإيمان بهذا الجزاء العظيم. الفائدة السابعة والعشرون: إثبات الأسباب، لقوله: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وأمثالها، وقول النبي ﷺ : "لن يُدخل أحد الجنة بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" (٢)، فنفى أن يدخل أحد الجنة بعمله، مع أن النصوص كثيرة في أن العمل يدخل به الإنسان الجنة؟ الجواب: أن يقال: (الباء) تكون للسببية أحيانًا، وتكون للعوض أحيانًا، فإذا قلت: بعت عليك هذا الثوب بدرهم، فالباء

стр. 780

للعوض، ولا يمكن أن تكون للسببية، وإذا قلت: أكرمتك بما أكرمتني، صارت للسببية، فالمنفي هو أن تكون الباء للعوض، فقوله ﷺ : "لن يدخل أحد الجنة بعمله"، يعني لا يمكن أن يكون العمل كالدرهم بالنسبة للثوب في البيع لا يمكن هذا؛ لأن الله لو أراد أن يحاسبنا على أعمالنا، لكانت نعمة واحدة من نعمه تحيط بأعمالنا كلها، بل إن توفيقنا للعمل الصالح نعمة تحتاج إلى شكر. فإذًا: لا يمكن أن يكون دخولنا الجنة -نسأل الله أن يجعلنا من أهلها- لا عوضًا عن العمل، لكن يكون سببًا، وبهذا الجمع يزول الإشكال، واعلم أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين نصوص الكتاب والسنة، فإما أن لا يكون تعارض، وإما أن يكون تعارض بحسب فهم المستدل، أما أن يوجد تعارض بين كلام الله بعضه ببعض أو بين كلام الله جلَّ وعلا وما صح من سنة الرسول ﷺ ، أو بين سنة الرسول بعضها مع بعض، فهذا مستحيل. الفائدة الثامنة والعشرون: إثبات الجنة وأنها أنواع، لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾. الفائدة التاسعة والعشرون: أن الجنة ذات أنهار، مطردة تحت هذه القصور والأشجار، ولا يمكن للإنسان أن يتصور ذلك المنظر العظيم البهيج السار أبدًا؛ لأن الجنة فوق ما ندرك، كما قال الله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، هذا في القرآن، وكما قال تعالى: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن

стр. 781

سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (١)، وهذا في الحديث القدسي. الفائدة الثلاثون: أن الأنهار في الجنة أنواع، للجمع في قوله: ﴿الْأَنْهَارُ﴾، وقد تقدم أنواعها. الفائدة الحادية والثلاثون: أن نعيم الجنة دائم، لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وقد قررنا أن الخلود هو: المكث الدائم، إلا بدليل. الفائدة الثمانية والثلاثون: الحث على الإحسان، لقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله: "ولا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق" (٢). الفائدة الثالثة والثلاثون: علو هذا الجزاء، لقوله: ﴿وَذَلِكَ﴾ حيث أشار إليه بإشارة البعيد. الفائدة الرابعة والثلاثون: أن الكفر والتكذيب بآيات الله من أسباب دخول النار والخلود فيها، لقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. الفائدة الخامسة والثلاثون: بيان أن هذا القرآن الكريم مثاني، تثنى فيه المعاني والأحوال حتى لا يمل القارئ وحتى يكون سير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء، قال الله : ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣].

стр. 782

الفائدة السادسة والثلاثون: أنه ينبغي للإنسان الواعظ للناس أن لا تكون موعظته بالترغيب دائمًا أو بالترهيب دائمًا؛ لأنه إن أدام الترغيب أوقعهم في الأمن من مكر الله، وإن أدام الترهيب أوقعهم في القنوط من رحمة الله، فالواعظ في الحقيقة كالطبيب، إن أعطى جرعة زائدة هلك المريض، وإن نقص لم يبرأ المريض، لا بد أن الإنسان يراعي الأحوال، لا يقتصر على الترغيب دائمًا ولا على الترهيب دائمًا، وإذا قلنا بهذه القاعدة تَبَيَّنَ لنا أن من الناس من الأولى في حقه الترغيب، ومن الناس من الأولى في حقه الترهيب. فإذا رأيت شخصًا مقبلًا على طاعة الله حريصًا عليها، فهنا نقول: الأولى الترغيب، حتى نحثه على الطاعة وتقدمها ونؤمله القبول، وإذا رأيت أحدًا بالعكس متهاونًا بالطاعة، مصرًا على المعصية، فهنا جانب الترهيب أولى ومع ذلك نأمره بالتوبة ونرغبه في قبولها. الفائدة السابعة والثلاثون: إثبات هذا الاسم للنار وهو الجحيم، ولها أسماء متعددة، وأسماؤها تعتبر أوصافًا لها، فجهنم والنار والحريق، وما أشبه ذلك، هذه كلها أسماء تعتبر أوصافًا. لو قال قائل: ما صحة قول من يقول: إن النار درجات لها أسماء؟ الجواب: إذا كان المراد أن نجعل هذه الأسماء بحسب الدركات، فهذا ليس بصحيح، الصحيح أنها أسماء لمسمى واحد، كما أن البيت اسم واحد وفيه سطح ومصباح وبدروم وغيرهم.

стр. 783

هناك تقسيم آخر للنسخ: النسخ تارة ينسخ إلى أثقل، وتارة ينسخ إلى أخف، وتارة ينسخ إلى مساوي، ثلاثة أقسام. الأول: النسخ إلى أثقل، مثال ذلك: الصوم، أول ما فرض الصوم كان الناس مخيرين بين أن يصوم الإنسان أو يفدي، ثبت ذلك في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع ﵁: "أول ما نزل الصيام صام من شاء ومن شاء افتدى" (١)، ثم تعين الصوم، أيهما أثقل؟ تعيين الصوم؛ لأن المخير إن شاء هذا أو هذا، فإذا تعين الصوم صار أثقل. الثاني: النسخ إلى أخف، مثاله آيتا المصابرة قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] إلى آخره، هذه نسخت إلى أخف، ومما نسخ إلى أخف الصلوات الخمس، نسخت من خمسين إلى خمس (٢). الثالث: النسخ إلى مساوي بالنسبة لفعل المكلف لا فرق بين هذا وهذا، كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة (٣)،

стр. 784

فهنا الفعل بالنسبة للمكلف واحد، فلا فرق أن يتجه الإنسان يمينًا أو شمالًا. قد يقول قائل: ما الفائدة من ذلك؟ نقول: الفائدة: لا يمكن أن يكون هذا النسخ إلا لسبب، فمثلًا: أيما أشرف الكعبة أو بيت المقدس؟ لا شك أن الكعبة أفضل، لكن لو فرضنا أنه لا فرق بينهما إطلاقًا، فإن فائدته امتحان المكلف واختباره، هل هو تابع لشريعة الله أو هو تابع للهوى؟ فيقول: لماذا ينسخ الله هذا إلى هذا وهما سواء، أنا سأفعل ما شئت، ففائدة النسخ إلى المماثل: اختبار المكلف هل يكون منقادًا تمامًا لشريعة الله أو هو متبع لهواه، وأما الحكمة من نسخ الأشد إلى الأخف واضحة جدًّا وهي: التخفيف على الأمة. وإذا نسخ من أخف إلى أشد ففيه فائدتان: الفائدة الأولى: زيادة الأجر؛ لأن العمل إذا شق على المكلف لا بفعل نفسه واختياره، فله أجر، يزداد أجره، ولينتبه للقيد، إذا شق على المكلف لا بفعله واختياره فهو أفضل، ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة ﵂: "أجركِ على قدر نصبك" (١)، يعني: على قدر المشقة، أما ما كان بفعل المكلف واختياره فهو إلى الإثم أقرب منه إلى الأجر. مثال الأول: إنسان قام يتوضأ في البر وليس عنده إلا ماء بارد، وليس عنده ما يسخن به، فتوضأ بالماء البارد، توجد مشقة أو لا؟ توجد مشقة، آخر قام يتوضأ وعنده ماء ساخن وماء بارد،

стр. 785

فتوضأ بالماء البارد، أيكون أفضل مما لو توضأ بالماء الساخن؟ الجواب: لا، بل هو إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة؛ لأن هذا باختياره. إذًا النسخ من الأخف إلى الأشد فيه زيادة الأجر. الفائدة الثانية: بيان حكمة التشريع، حيث يتبين للإنسان أن التشريع في هذه الشريعة الإسلامية يأتي بالتدريج الأسهل فالأسهل، حتى لا يصطدم الناس بالشريعة الكاملة، وانظر إلى تحريم الخمر، تحريم الخمر جاء على درجات: درجة تعريض، درجة مؤقتة لوقت معين، درجة محرمة نهائيًّا، التعريض كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، فهنا لما قال: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ العاقل لا يفعل. التحريم في وقت معين كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فهنا حرم شرب الخمر في وقت قريب من الصلاة؛ لأنه إذا شربها في وقت قريب من الصلاة لزم أن تأتي الصلاة وهو سكران. التحريم النهائي: في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. إذًا: يتبين بذلك حكمة التشريع في الشريعة الإسلامية، هل هذه الحكمة باقية إلى الآن، بمعنى لو رأينا شخصًا يشرب الخمر، هل لنا أن نقول: اترك الخمر بالتدريج، أو نقول: اتركه

стр. 786

الآن؟ إذا أمكن الثاني لا بأس، لكن قد لا يمكن، فإذا قلنا له بالتدريج وكذلك شرب الدخان بالتدريج، فهذا لا بأس به إذا لم يمكن إلا ذلك؛ لأنه إذا تعذر الكمال أخذنا به شيئًا فشيئًا. * * * ° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ [المائدة: ٨٧، ٨٨]. هذه ثلاث جمل بل أربع جمل، الأولى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وتصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته؛ لأن النداء يستلزم انتباه المخاطب، وإصدار الخطاب بوصف الإيمان يدل على أن ما سيذكر من خصال الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، ثم إن فيه إغراء للامتثال؛ لأنك إذا وصفت شخصًا بوصف لتأمره أو تنهاه فهذا من باب الإغراء بهذا الوصف، ولذلك تقول لشخص: أنت رجل كيف تفعل كذا وكذا، فقولك: أنت رجل يعني مقتضى الرجولة أن لا تفعل، وتقول: يا فلان أنت كريم وهذا سائل، يعني: فأعطه. الجملة الثانية: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ لا ناهية، ﴿لَا تُحَرِّمُوا﴾ أي: لا تجعلوه حرامًا، وتحريم ما أحل الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فلننظر أيها المراد: خبر، وإنشاء، وامتناع: فالخبر: أن يقول: الضأن حرام، يخبر، هذا نقول له: إنك كاذب؛ لأن الضأن حلال، وهو قال: إنه حرام كاذبًا.

стр. 787

الإنشاء: أن يحرم ما أحل الله، كما فعل أهل الجاهلية في السائبة والوصيلة والحام قال تعالى: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، هذا التحريم إنشاء، يعني أراد بأن يحكم بأن هذا الشيء حرام على جميع الناس، هذا هو الذي يراد بالآية الكريمة، وحقيقته الحكم بغير حكم الله . الامتناع: يعني أن يقصد الامتناع، لم يقصد أنه حرام، ولا قصد إنشاء الحكم عليه بالتحريم، ولا قصد الخبر، وإنما قصد الامتناع، فهذا حكمه حكم اليمين، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١]. إذا قال إنسان: هذه الخبزة عليَّ حرام، يريد الامتناع ما قصد أن حكمها حرام في شرع الله ولا يخبر أنها حرام، لكن أراد أن يمتنع، فهذا حكمه حكم اليمين، الدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢]، هذه ثلاثة أقسام في التحريم: إخبار، وإنشاء، وامتناع، أيها المراد؟ الإنشاء، ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾ لأنه طيب؛ ولأنه حلال، فكيف تحرمونه. قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: تجاوزوا حدودكم؛ لأن الإنسان له حد، فكونه يحلل ويحرم هذا اعتداء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].

стр. 788

قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ هذه الجملة الثالثة، أخبر الله أنه لا يحب المعتدين، لا يحب المعتدين في حقه ولا في حق عباده؛ لأن الله عدل، أحكم الحاكمين، فلا يحب أن يعتدي أحد لا في حقه ولا في حق العباد. قوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلَالًا طَيِّبًا﴾ , ﴿كُلُوا﴾: فعل أمر، وهو في معناه مشترك بين الإباحة وبين الوجوب وبين الندب، فمن توقفت حياته على الأكل فأكله واجب، ومن احتاج ولكن لا ضرورة، فأكله مستحب، ومن كان لا يحتاج وليس بمضطر فالأمر للإباحة. قوله: ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ أي: مما أعطاكم، ﴿حَلَالًا﴾ أي: حال كونه حلالًا، أي: محللًا، فهو مصدر بمعنى اسم مفعول، ﴿طَيِّبًا﴾ أي: لا خبيثًا، وهل الوصف هنا وصف ملازم، وذلك لأن كل حلال طيب أو المعنى حلالًا طيبًا في كسبه، أي: أنه حلال في ذاته طيبٌ في كسبه؟ الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام مؤسسًا أو مؤكدًا فحمله على أن يكون مؤسسًا أولى، فنقول: ﴿حَلَالًا﴾ أحله الله، ﴿طَيِّبًا﴾ أي: من حيث الكسب. قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: الزموا تقوى الله ، ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ هذا من باب الحث على التقوى، يعني: ما دمتم مؤمنين بالله فاتقوه، وقوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ جملة اسمية تدل على الثبوت، يعني أنه قد تقرر عندكم الإيمان بالله، فإذا كان كذلك فاتقوا الله.

стр. 789

من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: النهي عن تحريم طيبات ما أحل الله، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾، وهذا التحريم، هل يعم الأقسام الثلاثة التي تقدمت؟ نعم يعمها، لكن بعضها أشد من بعض، فالتحريم الإنشائي أشدها؛ لأنه مشاركة لله في حكمه، والتحريم الخبري محرم؛ لأنه كذب، والتحريم الامتناعي أيضًا محرم؛ لأن الله عاتب نبيه ﵊ بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ﴾؛ ولأن النبي ﷺ قال: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (١). الفائدة الثانية: النهي عن العدوان -يعني: عن الاعتداء- في حق الله وفي حق العباد. الفائدة الثالثة: الإشارة إلى أن تحريم ما أحل الله من باب العدوان؛ لأنه قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا﴾ , ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، وهو إشارة إلى أن هذا من باب العدوان، وأيهما أشد أن يحرم الحلال أو أن يحلل الحرام؟ أن يحرم الحلال؛ لأن تحريم الحلال تضييق على عباد الله بدون علم، وتحليل الحرام إن قدر أنه حرام بناءً على الأصل؛ لأن الأصل في الأشياء الحل، إلا الشرائع فالأصل فيها الحظر. الفائدة الرابعة: الإشارة إلى مِنَّة الله ﵎ على

стр. 790

عباده بما أحل لهم لقوله: ﴿طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ﴾، ولو شاء الله لحرم علينا طيبات أحلت لنا، كما حرم ذلك على بني إسرائيل حيث قال الله : ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، يعني: بسبب ظلمهم وعصيانهم حرم الله عليهم الطيبات، وتحريم الطيبات الشرعي بسبب الظلم مثله التحريم القدري بسبب الظلم، فإن الإنسان قد يحرم الطيبات تحريمًا قدريًّا لمعصيته، مثل: أن يكون رجلٌ إذا أكل اللحم، تأثر ومرض، هذا يجب عليه أن يجتنب أكل اللحم وهذا تحريم قدري؟ إنسان مثلًا: مريض بمرض السكر، إذا أكل الحلو ازداد عليه السكر وآلمه، فيجب عليه أن يجتنب السكر، هذا تحريم قدري، فلا تظن أن التحريم بسبب المعاصي هو التحريم الشرعي فقط، بل حتى القدري، ومن التحريم القدري أن يمنع الله نبات الأرض بسبب المعاصي كما قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. الفائدة الخامسة: إثبات المحبة لله لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. فإن قال قائل: هذا نفي وليس بإثبات؟ قلنا: نفيه محبة المعتدين يدل على ثبوت أصل المحبة، ولو كان لا يحب مطلقًا لم يكن لنفي محبته للمعتدين فائدة؛ لأنه أصلًا لا يحب، والذين قالوا: إن الله لا يحب لم ينكروا المحبة ولكن حرفوها، ففي الآية إذًا ردٌّ على منكري محبة الله ،

стр. 791

مثل الأشاعرة، الذين هم أقرب أهل التعطيل لأهل السنة ينكرون محبة الله، يقولون: إن الله لا يحب أحدًا، قلنا: لا يحب وحتى الرسول ﷺ ؟ قالوا: حتى الرسول، قلنا أليس الرسول ﷺ قال: "إن الله اتخذني خليلًا" (١) قالوا: نعم، لكن زاد ثوابه؛ لأن المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، ففسروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة. والحقيقة أننا نسأل الله لهم العفو وأن يهدي أحياءهم، أنهم حرموا لذة محبة الله ، الإنسان إذا شعر بأن الله يحبه يفرح ويزداد في محبة الطاعات وكراهة المعاصي، لأنه يعلم أن ربه يحبه من فوق سبع سموات، وإذا كان المعنى يثيبه، فهو يثيب أي واحد من العباد ممن يستحق الثواب، فحرموا لذة محبة الله؛ لأنهم أنكروها. إذًا: المهم أن في الآية إثبات المحبة، وإذا قال قائل: ما طريق إثباتها؟ قلنا: لأن نفيها عن المعتدين يدل على ثبوت أصلها، إذ لو لم يكن أصلها ثابتًا لم يكن فائدة من نفيها عن معتديها، وهذا نظير استدلال الشافعي ﵀ على رؤية الله بنفي الرؤية عن الفجار، حيث قال الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، قال: لو كانت الخلائق محجوبة عن الله كلها لم يكن في نفي وحجب الرؤية عن الفجار فائدة، فنفي الرؤية عن الفجار دليلٌ على إثباتها للأبرار.

стр. 792

الفائدة السادسة: أمر الإنسان بالأكل مما رزق الله، ضده عدم الأكل، وعدم الأكل مما رزق الله ثلاثة أقسام: الأول: أن يترك الأكل مع خوف الهلاك إذا لم يأكل، فهنا ترك الأكل حرام؛ لأنه يجب على الإنسان أن ينقذ نفسه، وبهذا نعرف سفه أولئك الذين يضربون عن الطعام نعرف سفههم في عقولهم وضلالهم في دينهم، بعضهم يضرب عن الطعام حتى يحمل إلى المستشفى كالميت، هذا حرام، لا شك في هذا. الثاني: إذا كان ليس به ضرورة للأكل لكن يحتاج إلى الأكل لتقوية البدن فهنا الأكل مستحب؛ لأنه لو تركه لم يهلك، لكنه في حاجة نقول له: لا تمنع نفسك. الثالث: أن يترك الأكل تنزهًا فهذا ينهى عنه، ويقال: كل مما أباح الله لك، وبعض الناس لا يأكل من طيب الطعام تزهدًا وورعًا، فماذا نقول عنه؟ نقول: هذا خطأ، أفضل الخلق محمدٌ ﵊، كان يختار الطيب من الطعام، أليس قد جاءوا له بالتمر الطيب بدل التمر الرديء؟ بلى، ومع ذلك ما نهاهم ولم يقل: لماذا تأتوني بالطيب؟ بل أرشدهم إلى أن يأتوا بالطيب، لكن بطريق مباح، فتنزه بعض الناس عن الطيبات تورعًا وتزهدًا نقول له: لا، أنت الآن مجانب للورع؛ لأن الورع اتباع الشرع، والزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، واتباع الشرع مما ينفع في الآخرة، فأنت الآن لا زاهدًا ولا ورعًا. نعم لو فرض أن الإنسان بصفة خاصة يجد من نفسه أنه لو اختار الطيبات لحصل الأشر والبطر، فهنا قد نقول: اترك الطيبات؛ لئلا تصاب بالأشر والبطر، لكننا نعالجك قبل ذلك

стр. 793

بعلاج آخر، نقول: لا يجوز أن يحملك التمتع بنعم الله على الأشر والبطر، فإن عجزت وأبيت إلا أن يحملك، نقول: الآن اترك؛ وفي الحقيقة أن بعض الناس إذا لبس ثياب الزينة -العباءة الزينة وغطاء الرأس الزين- انتفخ وصار فيه علو واستكبار، هذا نقول له: اترك هذا، ونأمره أولًا أن لا يتكبر، لكن يقول: أنا أعجز، نقول: الحمد لله اترك هذا لمن لا يتكبر إذا لبسها، ولكن هذا علاج خاص كما أننا نعالج الإنسان الذي يتأثر بأكل الطيبات من جهة أخرى، فنقول: اتركها ودعها لمن لا يتأثر بها. الفائدة السابعة: أنه يجب على الإنسان أن يكون مأكله طيبًا، لقوله تعالى: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾، فالكسب الحرام وإن كان في ذاته حلالًا، يعني مثلًا: كسب الدراهم الأصل في اكتسابها أنها حلال، فإذا كسبها بحرام قلنا: هذا حرام عليك، يحرم عليك أن تأكل منها؛ لأنها ليست طيبة، ولهذا قال النبي ﷺ : "من تصدق بطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب" (١)، فقوله: "بطيب" يعني: بطيب في كسبه وفي ذاته، فإن الله يقبل هذه الصدقة الطيبة. لو قال قائل: إذا كان المال محرمًا لكسبه، فهل يحل لغير الكاسب إذا اكتسبه بطريق مباح؟ الجواب: نعم، وهذه القاعدة دل عليها أن النبي ﷺ أكل من طعام اليهود، وهم معروفون بأكل الربا والسحت ومعروفون

стр. 794

بالرشوة- أكل منه؛ لأنه يأكل بطريق مباح إما بالإذن أي: أذن له في ذلك وإما أهدي إليه؛ إلا إذا علمت أن هذا المال هو عين مال رجل آخر كالسارق إذا سرق شاةً وذبحها لك ضيافة تعرف أنه سرقها، فهنا لا يجوز أن تأكلها؛ لأن هذا محرم لعينه، من حيث إن هذا الكاسب لم يملك هذه العين، فلا يجوز أن تأكلها، لكن لو دعاك إلى وليمة من عرف بأن ماله كله حرام؛ اكتسبه عن طريق الربا الصريح، أو عن طريق الربا الذي اتخذه بالحيلة، فهل لك أن تأكل منه؟ نعم، لي أن آكل منه، إلا إذا علمت أنني إذا امتنعت من إجابة دعوته وأكل طعامه صار ذلك سببًا لتوبته فحينئذٍ، نعم، لا يجوز أن أجيبه، ولا يجوز أن آكل من طعامه؛ لأنه إذا رأى الناس قد هجروه فلا يجيبون دعوته ولا يأكلون طعامه، لا شك أن هذا سيؤثر عليه إلا أن يكون قلبه ميتًا. الفائدة الثامنة: أن الإيمان بالله مستلزم لتقواه، لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي: فلإيمانكم يلزمكم التقوى، فالإيمان الحقيقي مستلزم للتقوى، فمن قال: إنه مؤمن ولكن لم يتقِ الله، فهو إما فاقد للإيمان بالكلية، وإما ناقص الإيمان. فإن قال قائل: إنه يفعل المعاصي، وإذا قيل له: يا فلان اتقِ الله لا تعصِ الله، قام يضرب على صدره، ويقول: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ماذا نقول له؟ نقول: هذا كلام الرسول ﷺ لا شك فيه وليس عندنا في هذا شك، ولكن لو اتقى ما هاهنا لاتقت اليد والرجل والعين واللسان؛ لأن النبي ﷺ يقول: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله،

стр. 795

وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (١) فلو كان فيما هاهنا تقوى لظهر ذلك على جوارحه. * * * ° قال الله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ [المائدة: ٨٩]. قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، لا يؤاخذكم: أي: لا يعاقبكم ولا يحاسبكم، ﴿بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ اللغو: ما لم يُقْصَدْ، بدليل قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وقد تقدم أن من طرق التفسير أن تقابل الكلمة إذا كانت خفية بشيء واضح فيتبين معناها بما قوبل بها، وذكرنا على هذا مثلًا: وهو قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]، فإن ﴿ثُبَاتٍ﴾ لا يفهم معناها بسرعة، لكن إذا قرنتها بالمقابل، وهو قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تَبَيَّنَ أن معنى ثباتٍ أي: فرادى متفرقين. و"اللغو" هو الذي لا يقصد، بأن يجري على اللسان بدون قصد، وهذا يقع كثيرًا، يقول لك صاحبك: أتريد أن نذهب إلى فلان؟ تقول: لا واللهِ، لا أريد الذهاب إليه، أو يقول: اذهب فسلم على فلان؟ تقول: لا واللهِ لا أريد، على سبيل اللغو لا

стр. 796

القصد، فهذا على سبيل اللغو لا يترتب عليه حكم، ولأن هذا أيضًا من الأشياء التي قد يشق تجنبها. لو قال قائل: هل يدخل في اللغو الحلف بغير الله؟ الجواب: الحلف بغير الله لا ينعقد أصلًا؛ لأن النبي ﷺ قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) والحلف بغير الله ليس عليه أمر الله ورسوله. وقوله: ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ جمع يمين وهو الحلف. وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾ أي: بالذي عقدتم، وفي هذه الكلمة ثلاثة قراءات: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ بتشديد القاف، وعاقدتم و ﴿عَقَّدْتُمُ﴾، بتخفيف القاف، والمعنى واحد، أي: بما نويتم عقده من الأيمان. قوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ﴾ هل المراد فكفارته إذا حلفتم، أو إذا حلفتم وحنثتم؟ الثاني، يعني أن في الآية شيئًا محذوفًا التقدير: فكفارته إن حنثتم فيه، أي: التي تكفره ولا يقع فيه مؤاخذة، ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ﴾ وأطلق الله الإطعام فيرجع في ذلك إلى العرف؛ لأن لدينا قاعدة وهي أن ما جاء مطلقًا في الكتاب والسنة فإنه يحمل على عرف الناس. قوله: ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ جمع مسكين: وهو الذي لا يجد كفايته، وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه؛ لأن العادة أن الغني يكون نشيطًا له شخصية، يقابل الناس ويتكلم معهم ويأخذ منهم ويرد، والغالب على الفقير العكس، فلذلك سمي الفقير مسكينًا.

стр. 797

قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: لا من أجوده ولا من أردئه، بل من الوسط. قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ معطوفة على إطعام، والكسوة ما يكسو به الإنسان بدنه، وتختلف الكسوة باختلاف الأزمان والبلدان والأحوال. ولذلك ترون في مواسم الحج والعمرة اختلافًا كبيرًا في كسوة الناس، فيرجع في هذا إلى العرف، ففي بلادنا الكسوة عبارة عن قميص وسروال وغترة وطاقية، هذه الكسوة، وإن نقص شيء من ذلك فالكسوة ناقصة. وقوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ لم يقيد من أوسط ما تكسون، فيؤخذ بما يعد كسوة. قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: عتقها، وسمي العتق تحريرًا؛ لأن الرقيق يتحرر به من ملك سيده الذي يفرض عليه أن يكون عبدًا مطيعًا. وفي الآية الترقي من الأسهل إلى الأشد؛ لأنك لو نظرت لوجدت في الغالب أن الإطعام أسهل من الكسوة، وأن الكسوة أسهل من العتق. لو قال قائل: الرقبة هنا مطلقة لأنه قال: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فهل يصح إعتاق الكافر؟ الجواب: يرى بعض أهل العلم أنه يصح؛ لأننا نطلق ما أطلقه الله ونقيد ما قيده الله ، والرقبة وردت مطلقة هنا في كفارة اليمين، ووردت مطلقة في كفارة الظهار، ووردت مطلقة في كفارة الجماع في رمضان، ووردت مقيدة في كفارة القتل، فمن العلماء من قال: إنه يجب علينا أن نبقي النصوص كلها على

стр. 798

ما هي عليه، فيشترط الإيمان في كفارة القتل، ولا يشترط الإيمان في كفارة اليمين، وكفارة الظهار وكفارة الجماع. ومنهم من قال: ما دام الحكم واحدًا، فإنه يجب أن يقيد المطلق بالقيد الذي قيد به المقيد، وإن اختلف السبب، واستدل هؤلاء بحديث معاوية بن الحكم أنه لما أراد أن يعتق جاريته التي لطمها، فدعا بها النبي ﷺ وسألها: "أين الله؟ "قالت: في السماء، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (١) فإنه يستفاد من هذا أنه لو لم تكن مؤمنة ما شرع العتق، وعللوا أيضًا بتعليل جيد، قالوا: إنه إذا عتق الكافر فإنه لا يؤمن أن يرجع إلى أصله وأهله، لأنه الآن قد تحرر، فيمكن أن يذهب إلى أهله ويزيد سوادهم في محاربة المسلمين، فالصواب: أنه لا بد من الإيمان. قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: فمن لم يجد الإطعام أو الكسوة أو العتق، أو وجد لكن لم يجد من يطعمهم أو يكسوهم أو يعتقهم، بأن يكون المجتمع غنيًا كلهم أغنياء لا يجد فيهم فقيرًا ولم يوجد أرقاء يمكن إعتاقهم، فإنه يعدل إلى الرابع من أصناف الكفارة، وهو صيام ثلاثة أيام مطلقة لم يقيدها الله بالتتابع، والصيام إذا أطلق فهو مطلق لا يشترط فيه التتابع، ودليل ذلك أن الله إذا أراد أن يكون الصوم متتابعًا قيده، كما في آية الظهار قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، وكما في آية القتل قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢]، وإذا أطلق فإنه لا يجب فيه التتابع، لكن قد ورد في قراءة عبد الله بن مسعود اشتراط

стр. 799

التتابع، فقرأ ﵁: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وعلى هذا فتكون قراءة عبد الله بن مسعود ﵁ مقيدة لهذا الإطلاق. قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ ذلك المشار إليه هذه الأربعة: وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة أو صيام ثلاثة أيام على حسب ما جاء في الآية من ترتيب وتخيير. قوله: ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ يعني: إذا حلفتم وحنثتم، أما إذا لم تحنثوا فإنه لا شيء عليكم، فإذا حلف الإنسان أن لا يفعل شيئًا ولم يفعل فلا شيء عليه، أو أن يفعل شيئًا ففعله فلا شيء عليه. قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ احفظوا أيمانكم لها ثلاثة معان: المعنى الأول: احفظوها من الحنث، أي: حافظوا على أن لا تحنثوا. المعنى الثاني: أي: لا تكثروا الحلف، فلا تجعلوها رخيصة، كل شيء تحلفوا عليه، فلا تحلفوا على شيء إلا إذا دعت الحاجة أو الضرورة لذلك. المعنى الثالث: احفظوها بأن لا تَدَعُوا الكفارة، وهذه المعاني الثلاثة صحيحة ولا يناقض بعضها بعضًا وتكون الآية شاملة لها. قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ كذلك أي: مثل ذلك البيان، وعليه فتكون الكاف مفعولًا مطلقًا؛ لأنه أضيف إلى المصدر، أي: مثل ذلك البيان يبين الله لكم آياته، والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية؛ لأن السياق يدل عليه، ولا شك

стр. 800

أن الله بيّن لنا الآيات الشرعية والآيات الكونية، ففي مخلوقاته آيات عظيمة كما قال : ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢١]. قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ "لعل": للتعليل، أي: لأجل أن تشكروا الله على بيان الآيات، والشكر هو القيام بطاعة المنعم، هذا أجمع ما قيل فيه، فيشمل القيام بطاعة المنعم فيما يقال. والقيام بطاعة المنعم فيما يُفْعَل، والقيام بطاعة المنعم فيما يعتقد، فيكون محل الشكر ثلاثة: القلب، واللسان، والجوارح، وعلى هذا قول الشاعر: أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا يقول الشاعر يخاطب من يخاطب: إن نعماءكم عليَّ ملكتم بها فؤادي ولساني، فصار يثني عليكم وكأنكم أسياده، وكذلك الجوارح أخدمكم بها، يعني: ملكتم قولي وقلبي وعملي، والمعنى واضح، ويؤيده قوله: "والضمير المحجبا" بالنصب. الحاصل أن هذه أوسع آية فيما يتعلق بالأيمان، وإلا فقد جاء في البقرة مثل قوله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ [البقرة: ٢٢٥]، لكن هذه الآية مفصلة. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: سعة حلم الله وعفوه، حيث نفى المؤاخذة عن اللغو في الأيمان، وذلك لكثرة تكرارها ومشقة التحرز منها، وهذا بناءً على أن المراد بها: الأيمان التي لا تقصد والتي تكون في عرض الحديث.

стр. 801

وقال بعض أهل العلم: من اللغو في الأيمان أن يحلف على شيءٍ ماضٍ يظنه واقعًا ولم يقع، مثل أن يقول: والله لقد قدم فلان من البلد أمس؛ بناءً على أنه رأى رجلًا يشبهه فظنه إياه، فأقسم أنه قدم ولم يقدم، لكن الصواب خلاف ذلك، وأن هذا ليس من اللغو؛ لأن هذا قصد العقد حلف وأقسم، ولو قيل له: لم يأتِ الرجل لقال: والله لقد جاء، والله لقد رأيته، لكن هذا مما لا حنث فيه؛ لأن الرجل حلف على ما في ظنه وهو واقع، يقول: لا زلت أظن هذا، فهو حلف على ما في ظنه، ولهذا التعليل لا يفرق على القول الصحيح بين الماضي والمستقبل، المستقبل مثل أن يقول: والله ليقدمن زيد غدًا بناءً على ما سمعه من الأخبار، أو ما سمعه من نطقه أنه سيقدم غدًا، فقال: والله ليقدمن زيدٌ غدًا، فمضى الغد ولم يقدم، فهذا لا حنث عليه، مع أنه عاقد حالف، لكن نقول: الرجل حلف على ما في ظنه وهو يقول: لا أزال أظن هذا حتى لو انتهى الغد ولم يأتِ فأنا على ظني، وكون الواقع يكون على خلاف ظني هذا ليس إليّ وليس من فعلي ولا من تصرفي، ولذلك لو قال: والله ليقدمن زيد غدًا بناءً على أنه سيلزمه بالقدوم ولم يقدم فإنه يحنث. إذًا: القول الراجح أن اليمين التي يحلفها على ظنه ليست من لغو اليمين وإنما لغو اليمين ما لا يقصد. الفائدة الثانية: أن العبرة بما في القلوب، وهذا كقول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى" (١)، وينبني عليه مسائل كثيرة في الأيمان والطلاق والبيوع والأوقاف

стр. 802

وغيرها، والدليل على أن العبرة بما في القلوب قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وفي سورة البقرة: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. الفائدة الثالثة: أنه لا حنث في اليمين إلا إذا كانت منعقدة، قال العلماء: والمنعقدة هي التي يقصد عقدها على أمر مستقبل ممكن، فإذا لم يقصد العقد فهي لغو، وإذا عقدها على ماض فإنه لا يخلو من ثلاثة أقسام: الأول: إما أن يعقدها على أمرٍ ماضٍ متيقن فهذا لا شيء عليه، لكنه لا ينبغي إلا عند الحاجة، مثل أن يقول: والله لقد نزل المطر أمس على بلدنا، وهو يعلم أنه نازل، هذا جائز، لكن الأولى أن لا يفعل إلا لحاجة. الثاني: أن يقصد عقدها على ماضٍ يعلم أنه كاذب، فهذه حرام، مثل أن يقول: والله لقد صليت أمس في المسجد الحرام وهو لم يصلِّ، هذا لا شك أنه آثم؛ لأنه جمع بين إثمين، الإثم الأول: الكذب، والإثم الثاني: الاستهانة باليمين بالله ، واليمين كما نعلم جميعًا: تأكيد الشيء بذكر معظم، لكن هل هذا يمين غموس أو اليمين الغموس ما تتضمن أكل المال بالباطل، أو الاعتداء على الغير؟ الجواب: المذهب الأول، أن كل يمين كاذبة على ماض فهي يمين غموس، ولا شك أن اليمين على أمر ماض وهو يعلم أنه كاذب لا شك أنها محرمة وأشد مما لو أخبر بدون اليمين، لكن الذي يظهر أن اليمين الغموس: هي التي يحلف بها الإنسان فاجرًا ليقتطع بها مال امرئٍ مسلم، مثاله: أن يدعي على شخص

стр. 803

بأن في ذمته له ألف ريال ويقيم شاهد زور ويحلف، فهنا يحكم له بالألف، هذه اليمين نسميها يمينًا غموسًا؛ لأنه اقتطع بها مال امرئ مسلم، أو يجحد بها مال امرئٍ مسلم، مثل: أن يُدَّعى عليه بألف ريال ويقول: أبدًا ليس لك عندي شيء، ويحلف على هذا، فهذه يمين غموس، فالراجح: أن اليمين الغموس هي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم. القسم الثالث من الحلف على الماضي: أن يحلف على ماضٍ يظنه واقعًا وليس بواقع، فهذه يسميها فقهاؤنا ﵏ لغو اليمين، يعني: يجعلونها من لغو اليمين، والصحيح أنها ليست من لغو اليمين، وإنما هي من اليمين التى بر فيها؛ لأنه حلف على ظنه وهو لا يزال على ظنه، ولكن مع ذلك الأولى أن لا يحلف على شيء بناءً على الظن إلا إذا دعت الحاجة لذلك. تقدم أن اليمين المنعقدة هي التي قصد عقدها على أمرٍ مستقبل ممكن، ضد الممكن المستحيل، المستحيل لا تنعقد عليه اليمين؛ لأنه بالنسبة لإيجاده، نقول: هذا غير ممكن؛ فيحنث في الحال وتلزمه الكفارة؛ لأنه لا يمكن أن يوجده، وإن كان على عدمه فليس فيه كفارة؛ لأن هذا هو الواقع، وقال بعض أهل العلم: إن الحلف على المستحيل لا كفارة فيه مطلقًا؛ لأن كونه يحلف على شيء يستحيل وجوده، هذا لغو فلا حنث فيه. بقي علينا أشياء، هل يشترط أن يكون باختياره، أي: أنه يحلف مختارًا؟ الجواب: نعم، يشترط أن يكون حلفه اختيارًا، فان أكره على اليمين لم تنعقد اليمين.

стр. 804

ولكن هنا مسألة: لو أكره على اليمين فحلف قاصدًا اليمين؛ لأنه إذا أكره وحلف، إما أن يقصد باليمين دفع الإكراه أو يقصد اليمين لكنه مكره عليه، هاتان مسألتان: أحيانًا يحلف ليدفع الإكراه عن نفسه ويتخلص من عدوان المكره، وأحيانًا يحلف يقصد اليمين، لكن حمله عليها الإكراه؟ أما إذا قصد دفع الإكراه فلا شك أنه لا حنث عليه؛ لأنه لم يقصد اليمين أصلًا، بل قصد الخلاص من هذا الذي أكرهه، أما إذا حلف يقصد اليمين لكن ألجئ إليه، فهذا فيه خلاف، والصواب أنه كالأول لا سيما إذا وقع من شخص عامي؛ لأن العامي إذا أكره على الشيء فعله ولا يخطر بباله أنه لدفع الإكراه، أو لأنه أكره عليه، وهذه المسألة إن وقعت فإنما تقع لطالب علم يفهم، فالصواب: أن المكره لا تنعقد يمينه، سواء نوى بذلك رفع الإكراه، أو عَقْدَ اليمين للإكراه. لو قال قائل: هل ينعقد اليمين إذا صدر اليمين عن غضب؟ الجواب: هذه المسألة لا بد أن نذكر فيها قاعدة، وهي أن كل قول يكون عن غضب لا يملك الإنسان فيه نفسه فلا عبرة به، فلو طلق في غضب شديد لم تطلق امرأته، ولو أقسم في غضب شديد لم ينعقد اليمين، ولو ظاهر من امرأته في غضب شديد لم يكن ظهارًا، فهذه قاعدة ثابتة. هل يشترط أن يكون مكلفًا، أو لا يشترط؟ الصواب: أنه يشترط أن يكون مكلفًا؛ لأن غير المكلف لا يلزمه شيء، لا بأصل الشرع ولا بإلزام نفسه، ولهذا لا ينعقد النذر من غير مكلف، وقد قال النبي ﷺ : "رفع القلم عن

стр. 805

ثلاثة" (١)، فلو حلف من له عشر سنوات أن لا يشتري شيئًا معينًا فبلغ واشتراه، هل يحنث أو لا؟ الجواب: لا؛ لأن يمينه غير منعقدة. ولو حلف وهو مكلف بالغ، ثم حنث وهو غير مكلف، هل يحنث أو لا؟ ليس عليه شيء، وهذا يتصور في عاقل جُنَّ. إذًا: اليمين لا تنعقد من غير البالغ العاقل؛ لأنه غير مكلف، واليمين فيه نوع إلزام. الفائدة الرابعة: ما أشرنا إليه أولًا وهو اعتبار النية والقصد، وهذا ينبني عليه مسائل من أهمها ما يقع كثيرًا؛ بأن يطلق الرجل زوجته بناءً على أنها تكلم الرجال بالهاتف، ثم يتبين أنها تكلم أقاربها ومحارمها، فهنا الطلاق لا يقع. يحلف الرجل أن لا يقدم هذا البلد؛ لأنه يعتقد أن أميره ظالم، فيقول: ما لي وللأمير الظالم، ثم يتبين أن أميره ليس بظالم، فهل عليه شيء؟ لا؛ لأنه إنما حلف على نية أن هذا الوصف هو الذي يمنعه من دخول البلد، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. الفائدة الخامسة: أنه لا ينبغي الحنث إلا إذا كان خيرًا، لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ والكفارة لا تكون إلا في مقابلة ذنب أو ما يشبهه، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾.

стр. 806

الفائدة السادسة: أن كفارة اليمين على التخيير في أشياء ثلاثة: إطعام المساكين، وكسوتهم، وعتق الرقبة، هذا على التخيير، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وما اشتهر عند العوام من أن كفارة اليمين هي الصيام فخطأ، فينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس أن الصيام لا يجوز لمن يقدر على واحدة من الثلاث التي قبلها. الفائدة السابعة: أن الإطعام مطلق لا يشترط فيه التمليك؛ لأن الله تعالى لم يقل: فللمساكين، لو قال: "فللمساكين" لكان يشترط فيه التمليك، كما قال في الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وذلك لأن الطعام ينتفع به مرة واحدة فلا يشترط فيه التمليك، أما الكسوة فيشترط فيها التمليك، وإلا لكان تعيره الثوب ثم تأخذه منه العصر. لو قال قائل: ما ضابط ما يحصل به الإطعام؟ الجواب: يقول الله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ﴾ فإذا كان إطعام عشرة، فما يحصل به الإطعام كافي، فلو غدَّى المساكين أو عَشَّاهم، أجزأه بلا شك؛ لأنه يصدق عليه صدقًا تامًّا أنه أطعمهم، وإطعامهم مطبوخًا أولى لموافقته ظاهر الآية، لكن الفقهاء يقولون: لا بأس أن يعطيه رزًا نيًا، لكن يحسن أن يكون معه شيء يؤدمه كاللحم، فإن أعطاهم شيئًا يطعمونه بأنفسهم، أي: يصنعونه بأنفسهم، فهل يجزئ أو لا؟ الظاهر الإجزاء؛ لأنه إذا أعطاهم مثلًا ما يكفيهم من حب ولحم وما أشبه ذلك مما يطعم فإنه يصدق عليه أنه أطعم عشرة مساكين. الفائدة الثامنة: أنه لو أطعم من يأكل الطعام ولو كان صغيرًا كفى لقوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، فإن كان المسكين صغيرًا لا

стр. 807

يأكل الطعام فهل يجزئ أن يطعمه حليبًا؟ الجواب: لا؛ لأن هذا خلاف الظاهر اللفظي. لو قال قائل: إذا كان عندنا تسعة فقراء وفيهم امرأة ترضع، فهل يكفي أن نطعمها مرتين؟ الجواب: لا، لا بد من إطعام عشرة مساكين يتغذون بالطعام لا باللبن. واذا قال قائل: إذا لم أجد عشرة مساكين، يعني لم أجد في البلد إلا خمسة فهل أعدل إلى الصيام أو أكرر على الخمسة؟ فيه احتمال؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِد﴾ يعود إلى ما سبق، والذي سبق إطعام عشرة مساكين، فقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي؛ من لم يجد ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ويحتمل أن يقال: ما دام وجد مساكين، فإنه يكرر عليهم الإطعام، فإذا وجد خمسة يكرر مرتين. لو قال قائل: لو وجدنا فقيرًا وهو يعول عائلة من تسعة وهو العاشر، لكنهم ليسوا معه في البلد، فهل نعطيه الكفارة؟ الجواب: إذا علمنا أنه سيؤديها لهم فلا بأس، أما إذا لم نعلم فلا، لكن لو قيل: هو سيبيعها ويرسل إليهم ثمنها؟ قلنا: لا يجوز، لا بد من إطعام عشرة. الفائدة التاسعة: أن لله تعالى الحكمة فيما يشرع لعباده؛ لأنك لو قارنت بين إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وعتق الرقبة، لوجدت الفرق كبيرًا، لكن لله الحكمة فيما يشرع، فلا يمكن أن يعترض معترض فيقول: لماذا لم يكونوا عشرين؛ لماذا لم يكونوا ثلاثة كالصيام مثلًا؟ نقول: هذا حكم الله وهذا من الأمور التعبدية، يعني: تقدير من يعطون من الكفارات أمر تعبدي لا مدخل للعقل فيه كأعداد الصلوات.

стр. 808

الفائدة العاشرة والحادية عشرة: أن الواجب على الإنسان يكون الوسط، فالزكاة مثلًا على صاحب الغنم، الواجب الوسط، والزكاة في الثمار، الواجب الوسط، ويتفرع على هذه الفائدة العظيمة: عدالة الإسلام؛ لأن الوسط ليس فيه حيف لا على من يجب عليه ولا على من يجب له، وهذا لا شك أنه من العدالة. فإن قال قائل: أرأيتم لو أطعمهم من أعلى ما يكون أيجوز أو لا؟ الجواب: يجوز لأن هذا أكمل. الفائدة الثانية عشرة: وجوب الإنفاق على الأهل، لقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ يعني: كأن هذا أمر مقرر أن الرجل يطعم أهله، وهذا لا شك فيه أنه يجب على الرجل أن ينفق على أهله، قال الله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. الفائدة الثالثة عشرة والرابعة عشرة: أن الكسوة مطلقة أيضًا كالإطعام، فما سمي كسوة حصل به الإجزاء، وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأماكن والأمم. لكن هل يمكن أن نقول: إن الآية أيضًا مناسبة بين الكسوتين الباطنة والظاهرة؛ لأن في الإطعام كسوة الباطن، وفي الكسوة كسوة الظاهر، يمكن أن نقول هذا؛ لأن الله تعالى قال لآدم ﵇: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٨]، الجوع وخلو المعدة، عري الباطن والعري: عري الظاهر، ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٩]، الظمأ: حرارة الباطن، ولا تضحى حرارة الظاهر، وقد يتبادر إلى

стр. 809

الأذهان الضعيفة أن يكون المعنى: أن لا تجوع فيها ولا تظمأ، ولا تعرى ولا تضحى، لأن العري يكشف البدن للشمس، والكسوة تستره، لكن البلاغة العظيمة فيما جاء في القرآن. الفائدة الخامسة عشرة: أنه لا بد من إطعام هذا العدد وكسوتهم، أي: العشرة، فلو كرر الطعام على واحد عشرة أيام، لم يجزيء، لأن الله نص على العدد فيجب اتباع ما نص الله عليه، هذا وقد قال العلماء ﵏: إنه قد يعين المدفوع إليه أو المعطى دون المدفوع كما في هذه الآية، المطعمون عشرة، والإطعام غير مقيد لا يقال: صاع ولا مد، هذا أولًا. الثاني: قد يقيد المعطى، يعني: المدفوع، دون المدفوع إليه، كما في زكاة الفطر من رمضان، فإن المدفوع مقيد وهو صاع من طعام، والمدفوع إليه لم يقيد، ولهذا يجوز أن تعطي الصاع من الفطرة لعدة فقراء، ويجوز أن تعطي فطرًا لواحد. الثالث: أن يقدر المعطى والمدفوع إليه، أي: المدفوع والمدفوع إليه كما في فدية الأذى، فإن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة ﵁: "تطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع" (١) فقيد المعطى يعني المدفوع والمدفوع إليه. الفائدة السادسة عشرة: أن كفارة اليمين لا تعطى للمؤلفة قلوبهم، ولا تعطى للغارمين وإنما هي: إطعام المساكين، كما

стр. 810

نقول ذلك أيضًا في زكاة الفطر فإنها لا تدفع إلا للفقراء فقط. الفائدة السابعة عشرة: تمام عدل الله في إيجاد الأوسط؛ لأنه لو أوجب الأكمل والأعلى لكان في هذا ضرر على الحالف، ولو أوجب الأدنى لكان فيه ضرر على المعطى أي: المدفوع إليه. الفائدة الثامنة عشرة: أن الكسوة مطلقة لم تخصص بشيء معين ولا بعدد معين، يعني: لا يعطى ثوبين أو ثلاثة أو عشرة، فما يحصل به هذا المسمى وهو الكسوة يحصل به براءة الذمة. الفائدة التاسعة عشرة: الإشارة إلى أن الحنث باليمين أمره عظيم، ولهذا لا يكفره إلا عتق الرقبة، التي يحصل بها عتق المعتق من النار، لكن الله تعالع لحلمه ورحمته خفف عن العباد، دليل ذلك قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. الفائدة العشرون: أن تقدير العبادات كمِّيةً ونوعًا وكيفيّةً موكول إلى الشرع، ولذلك لا يتقابل أو لا يتساوى إطعام عشرة مساكين مع صيام ثلاثة أيام، لو نظرنا إلى كفارة الظهار لكان الواجب صيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينًا، فجاء إطعام كل فقير يقابل صيام يوم، لكن هنا يختلف الوضع، ولعل السبب والله أعلم أنه في كفارة الظهار الإطعام بدلٌ عن الصيام، فمن لم يستطع الصيام أطعم، وإذا كان بدلًا عن الصيام، فالحكم أن صوم كل يوم يطعم عنه مسكينًا كما في العاجز عن الصيام عجزًا لا يرجى زواله، فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا، أما في كفارة اليمين وفدية الأذى فليس الأمر كذلك؛ لأن الأمر فيهما على التخيير، فكل من خصال الكفارة نوع مستقل بنفسه،
следующие страницы →