← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الفائدة السادسة: أن كفارة اليمين على التخيير في أشياء ثلاثة: إطعام المساكين، وكسوتهم، وعتق الرقبة، هذا على التخيير، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وما اشتهر عند العوام من أن كفارة اليمين هي الصيام فخطأ، فينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس أن الصيام لا يجوز لمن يقدر على واحدة من الثلاث التي قبلها. الفائدة السابعة: أن الإطعام مطلق لا يشترط فيه التمليك؛ لأن الله تعالى لم يقل: فللمساكين، لو قال: "فللمساكين" لكان يشترط فيه التمليك، كما قال في الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وذلك لأن الطعام ينتفع به مرة واحدة فلا يشترط فيه التمليك، أما الكسوة فيشترط فيها التمليك، وإلا لكان تعيره الثوب ثم تأخذه منه العصر. لو قال قائل: ما ضابط ما يحصل به الإطعام؟ الجواب: يقول الله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ﴾ فإذا كان إطعام عشرة، فما يحصل به الإطعام كافي، فلو غدَّى المساكين أو عَشَّاهم، أجزأه بلا شك؛ لأنه يصدق عليه صدقًا تامًّا أنه أطعمهم، وإطعامهم مطبوخًا أولى لموافقته ظاهر الآية، لكن الفقهاء يقولون: لا بأس أن يعطيه رزًا نيًا، لكن يحسن أن يكون معه شيء يؤدمه كاللحم، فإن أعطاهم شيئًا يطعمونه بأنفسهم، أي: يصنعونه بأنفسهم، فهل يجزئ أو لا؟ الظاهر الإجزاء؛ لأنه إذا أعطاهم مثلًا ما يكفيهم من حب ولحم وما أشبه ذلك مما يطعم فإنه يصدق عليه أنه أطعم عشرة مساكين. الفائدة الثامنة: أنه لو أطعم من يأكل الطعام ولو كان صغيرًا كفى لقوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، فإن كان المسكين صغيرًا لا

стр. 807

يأكل الطعام فهل يجزئ أن يطعمه حليبًا؟ الجواب: لا؛ لأن هذا خلاف الظاهر اللفظي. لو قال قائل: إذا كان عندنا تسعة فقراء وفيهم امرأة ترضع، فهل يكفي أن نطعمها مرتين؟ الجواب: لا، لا بد من إطعام عشرة مساكين يتغذون بالطعام لا باللبن. واذا قال قائل: إذا لم أجد عشرة مساكين، يعني لم أجد في البلد إلا خمسة فهل أعدل إلى الصيام أو أكرر على الخمسة؟ فيه احتمال؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِد﴾ يعود إلى ما سبق، والذي سبق إطعام عشرة مساكين، فقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي؛ من لم يجد ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ ويحتمل أن يقال: ما دام وجد مساكين، فإنه يكرر عليهم الإطعام، فإذا وجد خمسة يكرر مرتين. لو قال قائل: لو وجدنا فقيرًا وهو يعول عائلة من تسعة وهو العاشر، لكنهم ليسوا معه في البلد، فهل نعطيه الكفارة؟ الجواب: إذا علمنا أنه سيؤديها لهم فلا بأس، أما إذا لم نعلم فلا، لكن لو قيل: هو سيبيعها ويرسل إليهم ثمنها؟ قلنا: لا يجوز، لا بد من إطعام عشرة. الفائدة التاسعة: أن لله تعالى الحكمة فيما يشرع لعباده؛ لأنك لو قارنت بين إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وعتق الرقبة، لوجدت الفرق كبيرًا، لكن لله الحكمة فيما يشرع، فلا يمكن أن يعترض معترض فيقول: لماذا لم يكونوا عشرين؛ لماذا لم يكونوا ثلاثة كالصيام مثلًا؟ نقول: هذا حكم الله وهذا من الأمور التعبدية، يعني: تقدير من يعطون من الكفارات أمر تعبدي لا مدخل للعقل فيه كأعداد الصلوات.

стр. 808

الفائدة العاشرة والحادية عشرة: أن الواجب على الإنسان يكون الوسط، فالزكاة مثلًا على صاحب الغنم، الواجب الوسط، والزكاة في الثمار، الواجب الوسط، ويتفرع على هذه الفائدة العظيمة: عدالة الإسلام؛ لأن الوسط ليس فيه حيف لا على من يجب عليه ولا على من يجب له، وهذا لا شك أنه من العدالة. فإن قال قائل: أرأيتم لو أطعمهم من أعلى ما يكون أيجوز أو لا؟ الجواب: يجوز لأن هذا أكمل. الفائدة الثانية عشرة: وجوب الإنفاق على الأهل، لقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ يعني: كأن هذا أمر مقرر أن الرجل يطعم أهله، وهذا لا شك فيه أنه يجب على الرجل أن ينفق على أهله، قال الله تعالى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. الفائدة الثالثة عشرة والرابعة عشرة: أن الكسوة مطلقة أيضًا كالإطعام، فما سمي كسوة حصل به الإجزاء، وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأماكن والأمم. لكن هل يمكن أن نقول: إن الآية أيضًا مناسبة بين الكسوتين الباطنة والظاهرة؛ لأن في الإطعام كسوة الباطن، وفي الكسوة كسوة الظاهر، يمكن أن نقول هذا؛ لأن الله تعالى قال لآدم ﵇: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٨]، الجوع وخلو المعدة، عري الباطن والعري: عري الظاهر، ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٩]، الظمأ: حرارة الباطن، ولا تضحى حرارة الظاهر، وقد يتبادر إلى

стр. 809

الأذهان الضعيفة أن يكون المعنى: أن لا تجوع فيها ولا تظمأ، ولا تعرى ولا تضحى، لأن العري يكشف البدن للشمس، والكسوة تستره، لكن البلاغة العظيمة فيما جاء في القرآن. الفائدة الخامسة عشرة: أنه لا بد من إطعام هذا العدد وكسوتهم، أي: العشرة، فلو كرر الطعام على واحد عشرة أيام، لم يجزيء، لأن الله نص على العدد فيجب اتباع ما نص الله عليه، هذا وقد قال العلماء ﵏: إنه قد يعين المدفوع إليه أو المعطى دون المدفوع كما في هذه الآية، المطعمون عشرة، والإطعام غير مقيد لا يقال: صاع ولا مد، هذا أولًا. الثاني: قد يقيد المعطى، يعني: المدفوع، دون المدفوع إليه، كما في زكاة الفطر من رمضان، فإن المدفوع مقيد وهو صاع من طعام، والمدفوع إليه لم يقيد، ولهذا يجوز أن تعطي الصاع من الفطرة لعدة فقراء، ويجوز أن تعطي فطرًا لواحد. الثالث: أن يقدر المعطى والمدفوع إليه، أي: المدفوع والمدفوع إليه كما في فدية الأذى، فإن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة ﵁: "تطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع" (١) فقيد المعطى يعني المدفوع والمدفوع إليه. الفائدة السادسة عشرة: أن كفارة اليمين لا تعطى للمؤلفة قلوبهم، ولا تعطى للغارمين وإنما هي: إطعام المساكين، كما

стр. 810

نقول ذلك أيضًا في زكاة الفطر فإنها لا تدفع إلا للفقراء فقط. الفائدة السابعة عشرة: تمام عدل الله في إيجاد الأوسط؛ لأنه لو أوجب الأكمل والأعلى لكان في هذا ضرر على الحالف، ولو أوجب الأدنى لكان فيه ضرر على المعطى أي: المدفوع إليه. الفائدة الثامنة عشرة: أن الكسوة مطلقة لم تخصص بشيء معين ولا بعدد معين، يعني: لا يعطى ثوبين أو ثلاثة أو عشرة، فما يحصل به هذا المسمى وهو الكسوة يحصل به براءة الذمة. الفائدة التاسعة عشرة: الإشارة إلى أن الحنث باليمين أمره عظيم، ولهذا لا يكفره إلا عتق الرقبة، التي يحصل بها عتق المعتق من النار، لكن الله تعالع لحلمه ورحمته خفف عن العباد، دليل ذلك قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. الفائدة العشرون: أن تقدير العبادات كمِّيةً ونوعًا وكيفيّةً موكول إلى الشرع، ولذلك لا يتقابل أو لا يتساوى إطعام عشرة مساكين مع صيام ثلاثة أيام، لو نظرنا إلى كفارة الظهار لكان الواجب صيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينًا، فجاء إطعام كل فقير يقابل صيام يوم، لكن هنا يختلف الوضع، ولعل السبب والله أعلم أنه في كفارة الظهار الإطعام بدلٌ عن الصيام، فمن لم يستطع الصيام أطعم، وإذا كان بدلًا عن الصيام، فالحكم أن صوم كل يوم يطعم عنه مسكينًا كما في العاجز عن الصيام عجزًا لا يرجى زواله، فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا، أما في كفارة اليمين وفدية الأذى فليس الأمر كذلك؛ لأن الأمر فيهما على التخيير، فكل من خصال الكفارة نوع مستقل بنفسه،

стр. 811

فالإطعام في كفارة الظهار بدل عن الصوم شهرين، والغالب أن تكون ستين يومًا، فكان بدلها إطعام ستين مسكينًا، كما نقول في رمضان: إذا عجز الإنسان عن الصيام عجزًا مستمرًا فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ لأن الإطعام بدلٌ عن الصيام في كفارة اليمين، إطعام عشرة أو صيام ثلاثة أيام، لكن كل واحد مستقل بنفسه، فلما كان كل واحد مستقل بنفسه صار كل واحد مختص بوصف يناسبه حسب حكمة الله . ففدية الأذى إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام؛ لأن صيام ثلاثة أيام ليس بدلًا عن إطعام ستة مساكين، وإطعام ستة مساكين ليس بدلًا عن الصيام، إذ إن الإنسان مخير بين هذا وهذا، فكل واحد منهما مستقل بنفسه، يعني قسم مستقل بنفسه. هذا ما ظهر لنا والله أعلم بما شرع. الفائدة الحادية والعشرون: دفع توهم العوام من أن كفارة اليمين صيام ثلاثة أيام؛ ولهذا تجد بعضهم يقول: أنا لن أصوم ثلاثة أيام، فيمنعه صيام ثلاثة الأيام من الحنث فيقال: الأصل أن الواجب إطعام عشرة مساكين. لو قال قائل: هل يجوز أن نلزم الغني بصيام ثلاثة أيام لأنها أشق عليه من إطعام عشرة مساكين؟ الجواب: لا يجوز هذا، ولذلك غلط بعض العلماء الذين أوجبوا على أحد الملوك في كفارة الظهار أن يصوم شهرين متتابعين وقالوا: إن هذا أشق عليه من أن يعتق رقبة؛ لأنه سلطان وأمير يستطيع أن يعتق عشر رقاب، لكن صيام شهرين متتابعين أشق عليه، فيقال: هذا غلط؛ لأن هذا مخالف للنص،

стр. 812

والله يحب أن يعتق العبيد، فليتبع ما فرضه الله . الفائدة الثانية والعشرون: أن المشروع احترام اليمين وحفظها وهو كذلك، ولكن جاءت السنة بالتفصيل، فقال النبي ﷺ : "إني والله لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها، إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" (١). وعلى هذا فنقول: الحنث في اليمين ينقسم إلى أقسام: تارة يجب الحنث، وتارة يحرم الحنث، وتارة يسن، وتارة يكره، فإذا حلف الإنسان على أن لا يصلي مع الجماعة، فالحنث واجب، يعني: يجب أن يصلي ويكفر، وإذا حلف شقي أن يشرب الخمر، فالحنث واجب ونقول: يجب عليك أن لا تشرب، وتكفر عن يمينك، لكن الفرق بينه وبين الأول، أن ذلك في ترك الواجب وهذا في فعل المحرم. وإذا حلف أن لا يزور قريبه، وصلة الرحم واجبة، فما حكم الحنث؟ الحنث واجب، فيجب أن يزور قريبه وأن يكفر عن يمينه، وإذا حلف على فعل محرم فالحنث واجب، مثاله كما تقدم: حلف أن يشرب الخمر، نقول: الحنث واجب، يعني لا تشرب الخمر وكفر، وإن حلف أن لا يشرب الخمر، فالحنث حرام؛ لأنه لو شرب الخمر لكان فَعَلَ محرمًا، لو حلف شخص أن لا يأكل بصلًا فالحنث مكروه؛ لأن أكل البصل مكروه لمن

стр. 813

أراد أن يصلي، وإذا حلف أن لا يصلي راتبة الفجر، فالحنث مستحب، نقول: صلِّ وكفر. فالقاعدة إذًا: أنه يسن الحنث في اليمين إذا كان خيرًا كما قال النبي ﷺ ، وقد يجب الحنث وقد يحرم، والأصل أن الحنث جائز، ولكن عدم الحنث أولى لقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. الفائدة الثالثة والعشرون: أن الله بَيَّنَ لعباده من آياته كل ما يحتاجون إليه، لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾. الفائدة الرابعة والعشرون: أنه يجب علينا شكر الله تعالى على بيان الآيات، لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. الفائدة الخامسة والعشرون: محبة الله تعالى للشكر حيث بَيَّنَ الآيات من أجل الشكر. الفائدة السادسة والعشرون: أن العلم من نعم الله التي يجب علينا شكرها؛ لأن بيان الآيات به يعلم الإنسان آيات الله، فإذا كان الله يبينها لنشكره عليها دل ذلك على أن العلم بالشريعة وبآيات الله نعمة يجب على الإنسان أن يشكرها، لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. الفائدة السابعة والعشرون: تعليل أحكام الله ، وأنها مقرونة بالحكمة، لأن قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ للتعليل، والتعليل يفيد الحكمة، فجميع أفعال الله وأحكام الله كلها لحكمة، لكن منها ما يعلم ومنها ما لا يعلم. * * *

стр. 814

° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. هذه الآية جمعت بين خبر وطلب، الخبر قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ والطلب قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ في هذه الآية يبدأ الله تعالى الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد تكرر مثل هذا الخطاب، وبَيَنَّا أنه إذا بدء الكلام بالخطاب فإن ذلك يدل على أهميته والعناية به. ثم بدؤه بهذا الوصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن العمل به تصديقًا أو امتثالًا من مقتضيات الإيمان، كذلك أيضًا: يدل على أن مخالفته أو الشك فيه أو تكذيبه منافٍ للإيمان إما لأصله أو لكماله، وثالثًا: أن في هذا إغراءً للمخاطب، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فاستمع وامتثل. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أطلق الله الإيمان ولم يذكر ما يؤمَن به؛ لأن ذلك معلوم، وقد سأل جبريل النبي ﷺ عنه، أي: عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" (١). وقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ "إنما" أداة حصر، والحصر: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا هو الأصل، وقد يراد به تحقيق الحكم في المذكور، ولا يلزم أن ينفى عما سواه، كما سيتبين إن شاء الله في التفسير.

стр. 815

وقوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الخمر قال فيه النبي ﵊: "إنه المسكر" (١) كل ما أسكر فهو خمر، ولا نقول: كل ما أذهب العقل فهو خمر، أو كل ما أذهب الإحساس فهو خمر، بل نقول: الخمر ما غطى العقل على وجه اللذة والطرب؛ لأن الذين يشربون الخمر يجدون راحة ونشوة وطربًا، فالخمر له أصل في المعاني الحسية، ومنه الخمار تغطي به المرأة رأسها. وعلى هذا فالبنج ليس بخمر، وإن كان يفقد الإحساس لكنه لا يجد الإنسان فيه النشوة والطرب، ومع ذلك لا يستعمل البنج إلا للحاجة والضرورة. وقوله: ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ الميسر هو أخذ المال على وجه المغالبة، ويسمى قمارًا، وسمي ميسرًا: لتيسر الحصول عليه، مثاله: المراهنة والقمار مثل أن يقول: سنعمل عملًا سويًا ونجعل العوض مثلًا: عشرة آلاف ريال. فمن غلب أخذ العشرة، ومن غُلب أُخذت منه العشرة، إذًا: المسألة الآن غرر وجهالة، فيسمى هذا ميسرًا لما فيه من المغامرة والغرر والمخاطرة، ولهذا قد يربحٍ الواحد في المجلس الواحد مئات الآلاف، وقد كان هذا معروفًا عند العرب، وكذلك في أول الإسلام، ولكنه والحمد لله حُرِّمَ. وقوله: ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ الأنصاب: هي ما ينصب ليعبد من دون الله. وقوله: ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ الأزلام: هي ما يستقسم به، أي: يطلب به الإنسان ما قسم له، وقد كانوا يستعملون هذا في الجاهلية

стр. 816

فيضعون أقداحًا فيها: افعل ولا تفعل، والقدح الثالث ليس فيه شيء، ثم يخلطونها جميعًا ويقول القائل: خذ منها بدون أن تعلم، تجعل في كيس أو نحوه ثم يقال: أدخل يدك وأخرج قدحًا، إن خرج افعل فعل، وإن خرج لا تفعل لم يفعل، وإن خرج المهمل أعاد مرة أخرى، هذا العمل كان يستعملونه في الجاهلية، وهو مبني على أوهام لا حقيقة لها، ولذلك حرمه الله . وقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الرجس النجس، لكن يكون الرجس نجسًا حسيًّا ويكون معنويًّا، قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، وهنا الرجس معنوي، وقد يكون حسيًّا أي: نجس نجاسة حسية، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. هذه الآية من أي الرجسين: الحسي أم المعنوي؟ الصواب: أنها من الرجس المعنوي؛ لأنه وصف بقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ فقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ صفة لرجس وليست خبرًا ثانيًا؛ لأننا أذا جعلناها خبرًا ثانيًا، صار المعنى: أن هذه الأربعة: الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس وأنها من عمل الشيطان، وإذا جعلناها وصفًا لرجس صار المعنى أنه رجس عملي وليس رجسًا حسيًّا، وهذا هو الصواب. وقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ يعني أن هذا العمل من عمل الشيطان إضافة إلى الشيطان؛ لأنه أوحى به وأمر به الإنسان،

стр. 817

والشيطان قيل: إنه مشتق من شَطَنَ إذا بعُد، أي: لبعده عن رحمة الله ؛ لأن الله طرده وأبعده عن رحمته، وقيل: إنه من شاط، أي: غضب، والغضب دائمًا يكون التصرف فيه أهوج، والأول أصح، والدليل على هذا أنه مصروف، ولو كان من شاط لكان فيه زيادة الألف والنون فيكون غير مصروف. وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: ابتعدوا عنه، كونوا في جانب وهو في جانب. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "لعل": للتعليل، أي: لأجل أن تصلوا إلى الفلاح، والفلاح: هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، فهو يجمع أمرين: الفوز بالمطلوب، أي: حصول مطلوب الإنسان أي: ما يطلبه، والنجاة من المرهوب، وهو كثير في القرآن. ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾. "إِنَّمَا" الجملة فيها حصر أداته "إنما" أي: ما يريد الشيطان إلا ذلك أن يوقع بينكم العداوة ... إلى آخره. وقوله: ﴿يُرِيدُ﴾ هنا بمعنى يحب، وإذا أحب سيفعل، ﴿أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ﴾ يعني: أيها المؤمنون. قوله: ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ العداوة: ضد الولاية، والبغضاء ضد المحبة، ففي البغضاء تنفر القلوب، وفي العداوة تنفر الأبدان بعضها من بعض، فيريد أن تتشتت القلوب والأبدان، فلا يتولى أحد الآخر، وأيهما الناتج عن الثاني؟ العداوة ناتجة عن البغضاء؛ لأنهم يبغضون أولًا ثم يعادون ثانيًا.

стр. 818

وقوله: ﴿فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ "في" هنا للسببية، وتأتي في للسببية في اللغة العربية في مواضع كثيرة، منها: قول النبي ﷺ : "عذبت امرأةٌ في هرةٍ حبستها" (١) أي: دخلت النار بسبب الهرة، وليس المعنى أنها دخلت في جوف الهرة، بل المعنى أنها عذبت بسببها. وقوله: ﴿فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ وجه ذلك أنه يوقع العداوة والبغضاء، فصاحب الخمر والعياذ بالله إذا شرب صار كالمجنون، وربما يقتل أو يسرق أو يزني، وبذلك تحصل العداوة والبغضاء، وأما الميسر فوجه العداوة والبغضاء أن الميسر أَخْذُ المال فيه على وجه المغالبة، والمال محبوب إلى النفوس، فإذا أخذ هذا الإنسان منك مالًا كثيرًا، من أجل أنه غلبك في شيء لا يساوي ولا ربع المال الذي أخذه، فسوف يبقى في قلبك بغضاء وتنتج العداوة. قوله: ﴿يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ نعم يريد الشيطان أن يصدنا عن ذكر الله باللسان وعن ذكر الله بالجوارح وعن ذكر الله بالقلب، هذا ما يريده الشيطان منا، فتجد الإنسان إذا هم أن يقوم يصلي يثبطه الشيطان ويسول له، ويأتيه التثاؤب ثم يبقى، وإذا أراد أن يذكر الله أو يقرأ القرآن فكذلك، تجده نشيطًا في شيء من الأشياء، فإذا أمسك بالمصحف ليقرأ أتاه الكسل، فإذا عجز الشيطان أن يصده عن القول والفعل، أتاه من ناحية ثانية وهي

стр. 819

الصد بالقلب، أن يصد قلبه عن ذكر الله، وهذه هي الفاجعة العظيمة؛ لأن القلب إذا غفل عن ذكر الله فإنه يضيع على الإنسان أمور دينه ودنياه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، ولهذا يجب على الإنسان أن يلاحظ نفسه في هذه الناحية، هل قلبه يكون حاضرًا إذا جلس يقرأ القرآن، وهل إذا ذكر الله يكون قلبه حاضرًا، وهل إذا صلى يكون قلبه حاضرًا أم هو غافل؟ إذا كان غافل القلب عن ذكر الله باللسان والجوارح فقد فَقَدَ روح العبادة حقيقة. ولذلك نجد الإنسان إذا غفل في صلاته خرج منها بقلب كما دخل فيها بقلب، يعني بنفس القلب، لا يزداد نورًا ولا إيمانًا ولا كراهة للفحشاء والمنكر، وقد أخبر الله أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلماذا لا يجد الإنسان إذا خرج من الصلاة كراهة للفحشاء والمنكر؛ لأنه إنما صلى صلاة جسد فقط لا صلاة قلب. وهذه نقطة -نسأل الله أن يعيننا- عليها، أكثر الناس اليوم مبتلون بها ويسألون دائمًا كيف يتخلصون منها؟ لكن الخلاص منها سهل، وهو أن تحاول حضور القلب في الصلاة من أولها إلى آخرها، عوّد نفسك على هذا، أجبر نفسك على هذا، حتى تجد لذة العبادة. قوله: ﴿وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ خص الصلاة بالذكر معيدًا حرف الجر إشارة إلى شرفها وعظمها، يعني أعاد حرف الجر ولم يقل: ويصدكم عن ذكر الله والصلاة بل قال: ﴿وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ إشارة إلى أهميتها، فالتنصيص عليها وهي من ذكر الله دليل على شرفها،

стр. 820

وإعادة العامل وهي معطوفة دليل آخر على شرفها وأنها جديرة بأن تكون قسمًا مستقلًا برأسها. قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ الاستفهام هنا بمعنى الإغراء لكن بأي شيء؟ بالانتهاء، فهو أبلغ من قوله: فانتهوا، يعني فهل بعد هذا البيان والإيضاح هل تنتهون؟ الجواب: نعم ننتهي، ولهذا قال عمر ﵁ حين نزلت الآية: انتهينا، انتهينا (١). من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: أهمية الحكم وهو اجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ووجه ذلك: تصدير الآية بالنداء. الفائدة الثانية: أن اجتناب هذه الأشياء الأربعة من مقتضيات الإيمان، وأن الوقوع فيها من نواقص الإيمان. الفائدة الثالثة: تحريم الخمر من أي شيء كان، سواء من العنب أو من الرطب، أو من الشعير، أو من البر، أو من أي شيء، لعموم الآية، والقول بأنه لا يحرم إلا خمر العنب قول ضعيف؛ لأن الآية مطلقة بل هي عامة؛ إذ فيها "أل" الداخلة على المفرد، وقد بيَّن الرسول ﵊ أن الخمر كل مسكر (٢).

стр. 821

الفائدة الرابعة: أن الخمر قليله وكثيره حرام للعموم، ولكن إذا كان الشراب لو أقللت منه لم يحصل الإسكار ولو أكثرت لحصل الإسكار، فهل يحرم؟ الجواب: نعم يحرم لقول النبي ﷺ : "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (١)، ولأن تناول اليسير الذي لا يسكر ذريعة إلى تناول الكثير الذي يسكر، فإن الإنسان إذا ضرب هذا الشراب اللذيذ وهو لا يسكره فإن ذلك يتعدى إلى أن يزداد منه فيسكر. وهل إذا كان هذا الشراب يَسْكرُ مَن شرِبَهُ ولا يسكر من أدمن عليه كما يوجد الآن في الذين يدمنون على الخمر -نسأل الله العافية- لا يسكرهم، فهل يحرم عليهم أو لا يحرم؟ يحرم؛ لأنه إذا كان اليسير الذي لا يسكر يحرم فهذا مثله وعدم الإسكار في هذا باعتبار الشخص المعين، لا باعتبار قوة هذا الشراب، فإن هذا الشراب فيه القوة المسكرة لا شك، فيكون حرامًا على من أسكره وعلى من لم يسكره. الفائدة الخامسة: جواز النبيذ إذا لم يصل إلى حد الإسكار، والنبيذ: هو الماء ينبذ فيه العنب أو الرطب لمدة يوم أو يومين فيكتسب الماء طعم هذا الذي نبذ فيه دون أن يسكر، فهل هو حلال أو حرام؟

стр. 822

الجواب: حلال؛ لأن المحرم الخمر، وهذا لا يسكر، لكن لو طالت مدته بأن زاد على ثلاثة أيام فما دام لم يسكر فإنه حلال. لكن ينبغي إذا أتى عليه ثلاثة أيام ولا سيما في أيام الحر والمناطق الحارة أن لا يشربه؛ لأن الإسكار فيه قد يكون خفيًّا، ولكن علامة المسكر أن الشراب يرتفع؛ ويكون فيه الزبد، والزبد يرفع من مستواه. والخلاصة أن النبيذ حلال؛ لأنه لا يسكر، لكن إذا كان في زمن أو مكان يغلب على الظن أنه وصل إلى حد الإسكار فالورع اتقاؤه ويعطى الحيوان أو ما أشبه ذلك. الفائدة السادسة: تحريم الميسر قليله وكثيره للعموم، ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ حتى لو كانت المغالبة بقرش واحد، ولو يسيرًا؛ لأننا نقول: قليل الميسر الذي يجحف بمال الإنسان ولا يهتم به كقليل الخمر الذي إذا كان قليلًا لم يسكر وإذا كان كثيرًا أسكر، ولا شك أن المغالبة إذا كانت في شيء يسير تجر إلى المغالبة في شيء كثير، ويستثنى من ذلك ما مصلحته أعلى من مفسدته، وذلك في ثلاثة أشياء بَيَّنَها النبي ﷺ فقال: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" (١) السَبَق بفتح الباء هو: العوض المأخوذ على السبق، والنصل: السهام، والخف: البعير، والحافر: الفرس،

стр. 823

قال أهل العلم: إنما استثنى النبي ﷺ ذلك؛ لأن بها يقوم الجهاد في سبيل الله الذي به إعلاء كلمة الله، وهذه مصلحة عظيمة، فالناس إذا علموا أنهم إذا تسابقوا في هذه الأشياء رُخص لهم في أخذ العوض عليها سوف يكثرون المسابقة، سَيُحَصِّلون عليها شيئًا. فإن قال قائل: لو أن الناس عدلوا عن هذه الثلاث في الجهاد إلى وسائل أخرى فهل يبقى الحكم فيها أو ينتقل إلى الوسائل الأخرى؟ الجواب: تعارض هنا اللفظ والمعنى، فمن كان لفظيًّا قال: يبقى الحكم فيها وإن لم تستعمل في الحرب، ومن نظر إلى المعنى قال: إنها إذا كانت لا تستعمل في الحرب فلا فرق بينها وبين الأشياء الأخرى، وهذا هو الأقرب، إلا إن هذا يعكر عليه: أولًا: أن الرسول ﷺ أخبر أنه في آخر الزمان تبطل وسائل الحرب، ويعود الناس إلى السهام. ثانيًا: أن الرسول ﷺ أخبر: "أن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى بوم القيامة" (١). ثالثًا: أنه ربما تسقط منفعة هذه الأشياء في مكان دون مكان، ففي المغارات والجبال لا ينفع فيها إلا الخيل. فعلى كل حال: نحن نريد أن نحرر المسألة من الناحية الفقهية، نقول: إذا ثبت الحكم لعلة فإنه يزول بزوالها، فإذا قدرنا

стр. 824

أن الناس لا يستعملون هذه الأشياء الثلاثة في الحرب فقد انتفت العلة فينتفي الحكم وتكون المغالبة فيها كالمغالبة في غيرها، فهي إذا بطلت لا بد أن ينتقل الناس إلى شيء آخر فهل تجوز المسابقة بعوض في هذا الشيء الآخر الذي حل محل هذه المذكورات؟ الجواب: نعم لا شك في هذا، وعليه فالوسائل الحديثة في الحرب تجوز فيها المغالبة بالعوض؛ لأنها قائمة مقام هذه الأشياء الثلاثة، يشبه هذا من بعض الوجوه أن زكاة الفطر جاء فيها ذكر التمر بعد الشعير والزبيب والأقط، وقد أخبر أبو سعيد الخدري ﵁ أن هذا هو طعامهم في عهد الرسول ﵊ فقال: كنا نخرجها على عهد النبي ﷺ صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر والشعير والزبيب والأقط (١)، لو أن الناس عدلوا عن الشعير وصاروا لا يقتاتونه، فهل يبطل الحكم فيه أو لا يبطل؟ نقول: من كان لفظيًّا قال: لا يبطل؛ لأنه نص عليه في الحديث، ومن كان معنويًّا قال: إنه يبطل، والصحيح أنه يبطل، وأنه إذا صار الشعير غير قوت فلا يجزئ في الفطرة؛ لأن السنة واضحة في هذا، واضحة في أنه لا بد أن يكون طعامًا، مثل قوله في حديث ابن عباس ﵄: "فرض النبي ﷺ زكاة الفطر طهرةً للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين" (٢) فلينتبه

стр. 825

لهذا، فالآن لدينا مثالان، الفطرة والمسابقة في الثلاثة. أما المسابقة في العلم: فنحن نعلم أن الدين الإسلامي قام بالجهاد باللسان والسنان، فهل تجوز المغالبة في العلم الشرعي بعوض أو لا تجوز؟ المشهور من المذهب أنها لا تجوز، وقالوا: إن النبي- ﷺ حصر "لا سبق إلا في" (١) وهذا حصر، والذين يذهبون إلى اعتبار المعاني، يقولون: تجوز المناضلة والمغالبة في العلوم الشرعية، واستدلوا بقصة أبي بكر ﵁ مع قريش في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]، والذي غلب الرومَ، الفرسُ، والفرس قوم مشركون، ويميل إلى جانبهم المشركون من قريش، والروم أهل كتاب، ويميل إليهم المؤمنون، ويفرحون بانتصارهم على الفرس مع أنهم كفار، لكنهم أقرب إلى المؤمنين من الفرس في ذلك الزمن، لقوة الفرس في ذلك الوقت، قال المشركون: لا يمكن أن يغلب الروم الفرس، وقال أبو بكر ﵁: بل يمكن، فأبو بكر يصدق بالقرآن وأخباره، وهم لا يصدقون، فضربوا أجلًا عشر سنين، إن غلبت الفرس في هذه العشر فالسبق على أبي بكر، وإن غلبت الروم فالسبق على قريش، فأقر النبي ﷺ هذه المغالبة؛ لأنها علم شرعي تصديق بالقرآن وعدم تصديق. واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأن المغالبة في العلم بالسبق جائزة، لكن لينتبه لنقطة في هذه المسألة: إذا

стр. 826

كانت المغالبة لقصد الوصول إلى الحكم الشرعي، أما إذا كانت المغالبة من أجل أن يكتسب مالًا من أخيه فلا تجوز؛ لأن هؤلاء لم يريدوا الدين إنما أرادوا المال وأرادوا الدنيا، بعض الناس استغل هذا القول على إطلاقه، وقال: ما دام المسألة مسألة علم نريد أن نتراهن، ولكن لا بد من التقييد: بأن يكون القصد بالمغالبة الوصول إلى الحق، لا الوصول إلى المال. لو قال قائل: العلوم غير الشرعية، كعلم النحو مثلًا هل تجوز المغالبة فيه؟ الظاهر: لا؛ لأن النحو وإن قلنا إنه شرعي فإنما يكون شرعيًّا إذا كان المقصود به الوصول إلى معرفة الكتاب والسنة، ولهذا نقول: علوم العربية وسيلة ليست مقصودة لذاتها. لو قال قائل: هل الفيزياء والكيمياء والجغرافيا والأشياء هذه، تجوز المغالبة فيها؟ لا تجوز المغالبة فيها. الفائدة السابعة: تحريم الأصنام، لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وهل يعم هذا كل ما اتخذ صنمًا من أي مادةٍ كان؟ الجواب: نعم يعم؛ لأن الآية مطلقة، وقد أبدل الله ﵎ عبادة الأصنام بعبادة الرحمن؛ لأن الإنسان بطبيعته لا بد له من شيء يأوي إليه في طلب ما ينفعه ودفع ما يضره، فأبدل الله تعالى التعلق بالأصنام بالتعلق بالله . الفائدة الثامنة: تحريم الاستقسام بالأزلام، وهو صريح، ومثل ذلك ما يسمونه بحظك ونصيبك، فهي إن لم تدخل في هذا تدخل في الميسر، فهي محرمة. وهل مثل ذلك أن يستقسم بالنجوم، فيقال: مثلًا: هذا

стр. 827

الرجل ولد في سعد السعود فحياته سعيدة، وهذا ولد في نجم الدبران، فحياته تعيسة دبور، وما أشبه ذلك؟ الجواب: نعم يدخل في هذا، بل هو نوع من الشرك؛ لأن إثبات سبب لم يجعله الله سببًا شرعيًّا ولا قدريا من الشرك، وقد أبدل الله -والحمد لله- هذه الأزلام بصلاة الاستخارة، فإذا أشكل عليك أمر من الأمور تريد أن تفعله أَخَيْر هو لك أم شر؟ فعليك بالاستخارة: تصلي ركعتين من غير الفريضة ثم إذا سلمت، تدعو الله تعالى بالدعاء المعروف: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك ... إلى آخره" (١). لو قال قائل: ما حكم المراهنة من طرف واحد في أمور ليست شرعية، كأن يقول مثلًا: أراهنك إن جاء فلان الليلة لك مائة ريال؟ الجواب: هذه ليست مراهنة، هذه إما جُعْل أو تشجيع إذا كان فيها خير، مثل أن أقول: إن عرفت كذا فلك كذا وكذا، أو إن جاء فلان أعشيكم الليلة، وفي الحقيقة الناس ارتكبوا مثل هذا، وارتكبوا أيضًا شيئًا آخر وهو أنهم يتلاعبون بالمال؛ لأن الله منعم عليهم، لو تريد أن تنادي واحدًا اسمه محمد فتقول: يا عبد الله نسيانًا قالوا: عليك حق، ولو تعطيه الفنجان ليس ممتلئًا، قالوا: لماذا لم تملأه يا أخي عليك حق؟ هذا في الحقيقة عندي من باب الترف والميوعة، وأنه في الحقيقة تلاعب بالمال، ولهذا نستفتى في هذه المسألة ونقول: لا يلزمك أن تلتزم بما قال. قل: لن أعطيك، وأما التحريم فصعب.

стр. 828

الفائدة التاسعة: التحذير البالغ من هذه الأعمال الأربعة، لقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان﴾ فإن هذا يقتضي التنفير التام؛ بوصفها رجسًا ثم بوصف هذا الرجس من عمل الشيطان. الفائدة العاشرة: وجوب اجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، لقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾. الفائدة الحادية عشرة: أن اجتناب هذه الأشياء الأربعة سببٌ للفلاح، وكل إنسان منا يريد الفلاح؛ فليأتِ أسبابه، وجه ذلك قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. الفائدة الثانية عشرة: إثبات تعليل الأحكام الشرعية، يعني: أن الأحكام الشرعية لها غايات حميدة وهي الحكمة لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ولقوله أيضًا: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. الفائدة الثالثة عشرة: أن طريقة القرآن الكريم في بيان العلل، تارة يتقدم بيان العلة وتارة يتأخر، يعني: إذا ذكر الله حكمًا وذكر له علة، فتارةً يذكر العلة قبلُ ثم يبني عليها الحكم، وتارة يذكر الحكم ثم يأتي بالعلة، حسب ما تقتضيه الحال وقرائن السياق، فهنا ذكر العلة قبل الحكم، ما هي العلة؟ العلة: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، هل قدم العلة أو الحكم؟ قدم العلة، فقال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾، وفائدة تقديم العلة: هو أن الحكم يأتي إلى النفس وقد اطمأنت إلى الحكم وترقبت إلى الحكم؛ لأن من المعلوم أن العاقل إذا ذكرت له العلة فسوف يعمل بمقتضى هذه العلة، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ بمجرد ما يسمع الانسان ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾

стр. 829

سوف يأتي إليه الحكم ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وهو قد ترقبه، فقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أيضًا مثله، فمن حين أن تأتي العلة رجس من عمل الشيطان، يكون الإنسان مترقبًا لحكم النهي، وتارة تكون العلة بعد الحكم، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وذلك لأن الميتة والدم ولحم الخنزير تنفر منه الطباع، فقدم الحكم لأن النفوس السليمة تترقب هذا الحكم وربما تتجنبه بدون حكم شرعي، ثم تأتي العلة مطابقةً لما تقتضيه الفطرة. الفائدة الرابعة عشرة: أن أعمال الشيطان التي يأمر بها رجس لقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، ثم هل نقول: إن في الآية دليلًا على نجاسة الخمر؛ لأن الرجس هو النجس كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾؟ الجواب: نعم بعض العلماء استدل بهذه الآية على نجاسة الخمر، ولكن عند التأمل في الآية الكريمة لا تجد دليلًا فيها على نجاسة الخمر من وجهين: الوجه الأول: أنه قال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ﴾ رجس عملي، والرجس العملي هو الرجس المعنوي كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. الوجه الثاني: أن الميسر والأنصاب والأزلام ليست رجسًا حسيًّا، والخبر عن هذه الأربعة واحد، (الخمر) مبتدأ وعطف عليه الثلاثة ثم جاء الخبر رجس، فأين الدليل على أن هذه الأشياء

стр. 830

الأربعة مختلفة في الحكم؟ فيقال: في الثلاثة رجسٌ عملي، ويقال في الأول: رجس حسي، أين الدليل؟ يحتاج إلى دليل. فإن قال قائل: دلالة الاقتران ضعيفة ولا يعمل بها؟ الجواب: أن الأصل في الاقتران أن يكون الحكم واحدًا في الجميع إلا بدليل، مثال ذلك: قال أبو حنيفة: إن الخيل حرام، الخيل معروفة لقوله تعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، فقرنها بالبغال والحمير فتكون حرامًا، ولا شك أن الصواب معه؛ لأن الأصل في الاقتران التوافق في الحكم، لكن الخيل لها دليل يخرجها، وهو ما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "نحرنا في المدينة على عهد النبي ﷺ فرسًا وكلناها" (١)، وهذا يخرج الخيل عن حكم البغال والحمير. وأكل الخيل عند الناس الآن غير معروف، والعامة يقولون في الخيل: يحرم صدرها ويحل دبرها، يعني مستقبل جسم الفرس حرام؛ لأنه يلقى به العدو، وأما مؤخره فهو حلال؛ لأن المؤخر يكون عند الإدبار، فلنتركه يؤكل. الحاصل أن أسماء بنت أبي بكر ﵂ تحدثت بهذا استدلالًا على حل الخيل، فلولا أن عندها علم بأن الخيل أكلت بعد خيبر وهو زمن تحريم الحُمُر ما ذكرته على وجه الاستدلال.

стр. 831

وأيضًا في الآية الكريمة ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ ليس عندنا دليل يخرج الخمر عن حكم ما قرن معها، وهو الميسر والأنصاب والأزلام، وعلى هذا فلا دلالة في الآية على نجاسة الخمر نجاسة حسية. فإن قال قائل: وهل في السنة ما يدل على ذلك؟ الجواب: لا، ليس في السنة ما يدل على هذا، وأما حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ أنه سأل النبي ﷺ ، وقال: يا رسول الله إنا بأرض قومِ أهل كتاب أفناكل في آنيتهم؟ قال: "لا تأكلوا فيها، إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها" (١) ما الجواب عن هذا الحديث؟ نقول: هذا الحديث استدل به من يرى نجاسة الخمر نجاسة حسية، ولكن لا دليل فيه في الواقع؛ لأن في هذا الحديث إنما نهاهم الرسول ﵊ عن الأكل فيها إلا بعد الغسل، وشرط آخر: أن لا نجد غيرها، مراده بلا شك في هذا الابتعاد عن مخالطتهم والأكل في أوأنيهم، بدليل أنه لو كانت العلة في النجاسة لكان غسلها يكفي في جواز الأكل فيها، يعني أنه لا يشترط أن لا نجد غيرها، ولكن النبي ﷺ أراد منا أن لا نختلط بأهل الكتاب وأن نبتعد عنهم وأن لا نستعير منهم؛ لئلا يمنوا علينا بذلك، هذا أولًا. ثانيًا: أن نقول: ما هو وجه كون هذا دليلًا على نجاسة

стр. 832

الخمر؟ قالوا: لأن آنيتهم يكون فيها الخمر؛ لأنهم يستحلون الخمر، فنقول: ويكون فيها الخنزير؛ لأنهم يستحلون الخنزير، وما الذي أدرانا أن الرسول ﵊ راعى الخمر دون الخنزير أو راعى الخنزير دون الخمر أو راعى الأمرين جميعًا؟ والذي يتبين لنا أن العلة في ذلك هي: أن لا نختلط بهم وأن لا نأكل في آنيتهم، إذًا: لا دليل في هذا الحديث. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلًّا؟ قال: "لا" (١) يعني إذا تخمر الشراب فهل يجوز أن نحبسه ليكون خلًّا أو أن نضيف إليه مادة تجعله خلًّا؟ قال: لا، قلنا: لا دليل على النجاسة، هذا دليل على أنه لا يجوز أن يبقي الخمر عنده بل يريقها، لئلا تدعوه نفسه إلى تناولها، وهو واضح، وليس فيه الإشارة إلى النجاسة بأي حال من الأحوال. إذًا: من ادعى نجاسة الخمر نجاسة حسية فليأتِ بالدليل، وإلا فلا يمكن أن نلزم عباد الله بغسل الأواني من الخمر أو بغسل الثياب إذا أصابها أو بغسل الأبدان، ولا يمكن أيضًا أن نبطل صلاة عباد الله إذا كان في ثيابهم بقع من الخمر أو في أجسادهم إلا بدليل، فالمسألة ليست مسألة لفظية فقط: نجس أو غير نجس، المسألة يترتب عليها أشياء فلا بد أن يكون عندنا برهان من الله ، يمكننا أن نلزم عباد الله بشيء يقتضيه النص. إذًا: نقول: الأصل عدم النجاسة، ومطلق التحريم لا

стр. 833

يقتضي النجاسة، بدليل: أن السم والمأكولات الضارة حرام وليست نجسة، هذا دليل مأخوذ من القاعدة المعروفة وهي: أن الأصل براءة الذمة، ثم نقول: لدينا دليل إيجابي غير الدليل الأصلي الذي هو النفي أو العدم، دليل إيجابي على أنها طاهرة -أي: الخمر- وأن نجاستها معنوية، الدليل: الصحابة ﵃ لما حرمت الخمر خرجوا بها إلى الأسواق وأراقوها، ولو كانت نجسة لم يريقوها في الأسواق؛ لأنه لا يجوز أن نريق في أسواق المسلمين شيئًا نجسًا كما لا يجوز البول والغائط. أجاب القائلون بالنجاسة بناءً على أصلهم وإلا فالأصل عدم النجاسة، لكن قالوا: دِنان الخمر -يعني أواني الخمر- ليست بكثرة بحيث تسيل منها الطرقات، يعني: لم تبلغ كثرة تسيل منها الطرقات، فنقول: سبحان الله! هل هذه الأواني التي يستعملها الصحابة ﵃ قبل التحريم أهي أكثر أو نقطة من بول؟ هي أكثر لا شك، وهي أكثر من شيء صغير من العذرة، ونحن لا نقول: إن سكك المدينة صارت أنهارًا تجري منها الخمر، لا نقول بهذا، لو قالوا: ما الذي أدراكم أنهم أراقوها في الأسواق، لعلهم أراقوها في حافات السوق الذي ليس مُطَّرقًا للناس؟ فنقول: هذا خلاف الإطلاق، أراقوها في الأسواق، ولم يقل: أراقوها في جوانب الأسواق، وكون الشيء في الجانب شرط زائد على الإطلاق فيحتاج إلى ثبوت أنهم أراقوها في جوانب الأسواق، ثم هل نُقِلَ عن الصحابة أنهم لما أراقوها غسلوا الأواني؟ لم ينقل ذلك ولو كانت نجسة لغسلوا الأواني ونقلوا هذا للأمة.

стр. 834

دليل آخر: ما ثبت في صحيح مسلم: "أن رجلًا أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر -الراوية قربة كبيرة- كان يدخرها لرسول الله ﷺ لم يعلم أنها حرمت، فقال له رسول الله ﷺ : "هل علمت أن الله قد حرمها؟ " قال: لا، ومعلوم أن الإنسان لا يجوز أن يقبل هدية محرمة سواء كانت محرمة لعينها أو لكسبها إذا علم صاحبها الذي أخذت منه، فكلمه أحد الصحابة سرًّا وقال له: بعها، فقال: النبي ﷺ : "بم ساررته؟ " وإنما استفهم عن المسارة مع أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل رجلين يتساران: ماذا قلتما، لكن المقام يقتضي السؤال. ولعل النبي ﷺ سمع طرف الحديث، فقال: "بم ساررته؟ " فقال: أمرته ببيعها، فقال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" (١) أو كما قال ﷺ ، ففتح الرجل فم الراوية وأراق الخمر بحضرة النبي ﵊، ولم يأمره النبي ﷺ بغسلها. أرأيت لو كان الخمر نجسًا أيسكت النبي ﷺ ولا يقول لهذا الرجل: اغسل الراوية؟ لا يسكت أبدًا؛ لأن هذا الرجل لا يدري أنها حرمت كيف يدري أنها نجسة؟ فإذًا: يتبين أن الخمر نجاستها نجاسة معنوية، وهذا وإن كان لم يقل به إلا قليل من الأمة فالجماعة مع الدليل، والجمهور على أنه نجس نجاسة حسية، ولكن الأدلة واضحة أن نجاسته نجاسة معنوية، ينبني على هذا، الأشياء التي فيها الكحول الآن السبيرتو وكذلك أيضًا ما يدهن به الجروح وما أشبه ذلك، هل

стр. 835

تكون نجسة أو طاهرة؟ طاهرة؛ لأنه إذا كان الأصل الذي هو الخمر طاهرًا على ما تبين لنا من القرآن والسنة فكذلك ما كان فيه شيءٌ منه من باب أولى أن يكون طاهرًا. فإن قيل: فهل تبيحون أن يتطيب الإنسان بهذه الأطياب أو يتدهن بهذه الدهونات؟ نقول: أما عند الحاجة فنبيحها، ولا عندنا فيه والحمد لله إشكال. يعني مثل أن يحتاج الجرح إلى مسح بالسبيرتو أو غيره من أجل سهولة بطه بالإبرة، هذا لا شك أنه جائز؛ لأن الحكم المشتبه تبيحه الحاجة ولو كان أصله التحريم، فإن لم يكن محتاجًا وإنما يتطيب به، فهل هذا حرام أو لا؟ ننظر قوله ﵎: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، هل المراد اجتناب شربه المؤدي إلى المفسدة أو الاجتناب مطلقًا؟ نقول: إذا كان الله يقول ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ إلى آخره، علمنا أن المراد بالأمر بالاجتناب هو اجتناب الشرب لا شك في هذا، أما اجتناب غير الشرب فهذا محل اشتباه، والورع أن لا يفعل الإنسان إلا لحاجة، أن لا يتدهن بهذه الأشياء إلا لحاجة كالتعقيم للجرح وما أشبه ذلك. فإن قال قائل: إذا كان في هذه الأطياب نسبة لكنها ضئيلة خمسة في المائة مثلًا، فهل يؤثر؟ الجواب: لا يؤئر إلا ما أثر في المخلوط معها، وأما إذا لم يؤثر فليس بحرام، بدليل: رجل عنده إناء من ماء سقطت فيه نجاسة لكن لم تغيره، ماذا يكون هذا الماء؟ يكون طهورًا؛ لأنه لم يؤثر، فعلى هذا نقول: إذا كانت النسبة ضئيلة حتى في هذه الأطياب فإنه لا شك في أنها مباحة؛ لأن النسبة الضئيلة لا تؤثر.

стр. 836

لو قال قائل: بعض الأشربة يكون فيها نسبة قليلة من الكحول فهل يجوز شربها؟ الجواب: إذا كان قليلًا فيجوز شربها، لكن أنصح السائل إذا شرب أن يقول: باسم الله، وإذا انتهى يقول: الحمد لله. لو قال قائل: نهي النبي ﵊ عن التداوي بالخمر (١) ألا يكون تحريم استعمال الخمر في غير التداوي من باب أولى؟ الجواب: المراد التداوي بها شربًا، ولهذا قال العلماء ﵏ إنه لا يجوز التداوي بها ولا يجوز أن تشرب الخمر للعطش، وعللوا ذلك بأن الخمر إذا شربها الإنسان للعطش لا تزيده إلا عطشًا، ويرى بعض العلماء أنه يجوز للعطش، ولا يستلزم أنها لا تزيده عطشًا، لكن إذا غص في اللقمة وليس عنده إلا كأس خمر إما أنه يموت وينخنق، أو يشرب الكأس ليبتلع اللقمة، ماذا يصنع؟ يستعملها للضرورة؛ لأن الله قال في آية عامة: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، هذه أعم من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. الفائدة الخامسة عشرة: رحمة الله ﵎ بعباده الذين خلقهم لعبادته، حيث حذرهم من كل ما فيه ضرر، وبَيَّنَ لهم النتائج الطيبة، لقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

стр. 837

الفائدة السادسة عشرة: إثبات الإرادة للشيطان، لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ ولا شك أن له إرادة، أرأيتَ قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وجادل ربه عن إرادة، إذًا: الشيطان له إرادة. الفائدة السابعة عشرة: سوء إرادة الشيطان ببني آدم، وهو أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء التي توجب التفرق. الفائدة الثامنة عشرة: أن تفرق الأمة من مرادات الشيطان؛ لأن العداوة والبغضاء تؤدي إلى التفرق بلا شك، فيكون كل ما يؤدي إلى الفرقة من مرادات الشيطان. الفائدة التاسعة عشرة: القاعدة التي أشرنا إليها الآن: أن كل ما يؤدي إلى الفرقة فإنه من مرادات الشيطان، فيدخل في هذا آلاف المسائل، البيع على بيع المسلم يوجب البغضاء والفرقة، الاستئجار على استئجاره، الخطبة على خطبته، وما أشبه ذلك، فكل ما يؤدي إلى الفرقة فإنه من مراد الشيطان. الفائدة العشرون: كراهة الله ﵎ للعداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأن قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ﴾ إلى آخره، هذا تحذير ليس بعده تحذير: وهذا واضح؛ لأن الله تعالى أمر بالاجتماع ونهى عن التفرق، فقال جلَّ وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ

стр. 838

أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. والدليلان الأصليان، بل الأصلان الكتاب والسنة مملوآن بهذا أي: بطلب الاجتماع والنهي عن التفرق، فهل يدخل في ذلك طلبة العلم؟ نعم من باب أولى، لكن مع الأسف أن طلبة العلم إذا اختلفوا في أمر اجتهادي صار بعضهم لبعضٍ عدوًا إلا من شاء الله، وصار يتكلم في عرض أخيه بلا حق فيكون ظالمًا لنفسه أولًا وظالمًا لأخيه ثانيًا، وظالمًا لعباد الله الذين ينتفعون من أخيه؛ لأنه إذا سقطت هيبته وقيمته في أعينهم، لم ينتفعوا بعلمه، فيكون هذا ظالمًا لنفسه وظالمًا لأخيه وظالمًا لكل من ينتفع بعلم أخيه، ولذلك يجب التنبه لهذا، وأن تعتقد أن من خالفك في أمر اجتهادي فقد وافقك في الحقيقة؛ لأن كليكما يريد الحق، فهو يرى أن الحق في هذا، وأنت ترى الحق في خلافه، مَن مِنْكُما رسول للآخر يجب عليه اتباعه؟ لا أحد، إذًا: فهو محق في اتباع ما ظن أن الدليل يدل عليه، وأنت محق في اتباع ما ظننت أن الدليل يدل عليه، ولتكن القلوب نزيهة. لو قال قائل: الإنسان قد يجد في قلبه شحناء أو حسد بالنسبة لأخيه فكيف يعالج هذا؟ الجواب: يعالج هذا أن يقول لنفسه: أنتِ تريدين الحق؟ والمسألة ليست نصًّا، المسألة اجتهاد، أما لو كانت نصًّا لا نقبل أن نعذره، لكن إذا كان اجتهادًا، فالاجتهاد كلنا على اجتهاد. الفائدة الحادية والعشرون: إثبات الأسباب، وجه ذلك: أن الله تعالى أخبر أن الخمر والميسر سبب للعداوة والبغضاء،

стр. 839

وهذا لا شك فيه ولا أحد ينكره إلا السفيه، كلٌّ يعلم أن من غمس في البحر فإنه يغرق، وأن من ألقي في النار فإنه يحترق، لكن أنكر قوم الأسباب وغلا قوم في إثباتها، فأما الذين أنكروا الأسباب فزعموا أنهم بإنكارهم ينزهون الله تعالى عن الشريك فغلوا في التنزيه، وأما الذين أثبتوا الأسباب على أنها الفاعلة فهؤلاء أشركوا مع الله. أما أهل الحق فقالوا: إن الأسباب لها تأثير ولكن الذي جعل لها تأثيرًا هو الله، فتأثير الأسباب ليس بنفسها، ولكن بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة، ويدل لهذا: أنه توجد أسباب موجبة للشيء بإيجاب الله إياه ومع ذلك قد يرتفع هذا الإيجاب، من ذلك: النار محرقة، ولما ألقي فيها إبراهيم قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا، فانتفى الإحراق وانتفت الحرارة، فصارت بردًا وسلامًا، لو كانت الأسباب مؤثرة بنفسها، لاحترق إبراهيم ﵊، كذلك الرجل الذي يقطعه الدجال جزلتين ثم يقول له: قم فيقوم (١)، نحن نعلم أن الدجال لم يكن هو السبب في إحيائه بل ذلك إلى الله ، ولهذا إذا أراد قتله في الثالثة لم يستطع أن يقتله فلا يسلطه الله عليه بعد ذلك. إذًا نقول: الأسباب لها تأثير ولكن لا بنفسها بل بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة، والأدلة على هذا شرعًا وعقلًا وواقعًا لا تحصى.

стр. 840

الفائدة الثانية والعشرون: أن كل ما صد عن ذكر الله فهو من أوامر الشيطان، وذكر الله ﵎ يكون بالقلب واللسان والجوارح، فكل ما صدك عن ذكر الله من هذه الأشياء فهو من أوامر الشيطان وإراداته. الفائدة الثالثة والعشرون: فضيلة الصلاة لتخصيصها بالذكر من بين ذكر الله ، وهذا يدل على شرفها وفضلها على غيرها، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]، الروح: هو جبريل وهو من الملائكة، لكن خصه الله تعالى بالذكر لشرفه. الفائدة الرابعة والعشرون: الحذر من صد الشيطان إيانا عن الصلاة، إما أن نتلهى عنها بأموالنا أو بأولادنا أو بِلَغْوِنَا أو بجدنا، بأي شيء، وإما أن نفعلها بأجسامنا دون قلوبنا، فاحذر أن يصدك الشيطان عن الصلاة. الفائدة الخامسة والعشرون: أنه كل ما وقع في قلبك من التثاقل عن الصلاة فاعلم أنه من الشيطان ومراد الشيطان. الفائدة السادسة والعشرون: تأكيد النهي عن الخمر والميسر، لقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وجه التاكيد: أنه أتى بصيغة الاستفهام، يعني: فهل بعد هذا البيان تنتهون أو تستمرون؟ ماذا كان جواب الصحابة؟ انتهينا انتهينا. * * * ° قال الله ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾ [المائدة: ٩٢].

стр. 841

قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها هي أن الله تعالى لما أمر بالانتهاء واجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام أمر بطاعته عمومًا وحذر من مخالفته. وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا﴾ فعل أمر من الإطاعة وهي الانقياد، والمراد بالانقياد هنا: فعل الأوامر واجتناب النواهي، وعليه: فإذا قال الإنسان: ما المراد بطاعة الله؛ نقول: فعل أوامره واجتناب نواهيه. وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الخطاب لا شك أنه لهذه الأمة، وعلى هذا فتكون "أل" في الرسول للعهد الذهني، يعني: أطيعوا الرسول محمدًا ﷺ الذي أرسله الله . فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الله أرسله؟ نقول: الدليل على أن الله أرسله ما أيده به من المعجزات التي أعظمها القرآن الكريم، ثم ما يشاهد من الآيات الحسية التي لا يقدر بشر أن يأتي بها لا الرسول ولا غيره، آيات واضحة على رسالته، وهي أكثر من أن تحصر، ومن أراد المزيد من ذلك فعليه بمراجعة آخر كتاب الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد عقد فصلًا مفيدًا جدًّا في آيات النبي ﷺ ، ومن أراد المزيد أيضًا: فعليه بما ذكره الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية في آخر سيرة النبي ﷺ ، فقد ذكر كثيرًا من الآيات في السماء وفي الأرض، في الإنسان وفي الحيوان، ولا حاجة إلى أن نذكر شيئًا كثيرًا منها ولكنها موجودة والحمد لله. وينبغي لنا أن نحرص على معرفة هذه الآيات؛ لأن الإنسان بشر، والشيطان حريص، قد يهاجم القلب ويضعف الإيمان

стр. 842

بالرسول ﵊، لكن إذا راجع الآيات ازداد بذلك إيمانًا فعلينا بها. قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ "احذروا": أي من معصية الله ورسوله، يعني: احذروا معصية الله ورسوله، ولم يأمرنا الله تعالى بشيء إلا لمصلحتنا ولم ينهنا عن شيء إلا لمضرتنا. قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: أعرضتم عن طاعة الله وعن طاعة رسول الله، فإنكم لن تضروا الله ولن تضروا رسول الله، أما كون الإنسان لا يضر الله بمعصيته فأمر ظاهر، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني" (١)، كذلك المتولي لا يضر النبي ﷺ لأن النبي ﷺ قد بلغ وأدى الأمانة، ولا يلام على معصية غيره كما قال الله ﵎: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ [الذاريات: ٥٤]، فهم لن يضروا الرسول ﷺ بمعصية الله؛ لأنه بلغ وأدى الأمانة ونصح الأمة. ولهذا قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، اعلموا: أمر بالعلم، ومعلوم أننا يجب أن نعلم كل ما أخبر الله به عن نفسه وعن غيره؛ لكن هذا علمٌ خاص. وإعراب: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أنما: (أنَّ) مكفوفة عن العمل، و"ما" كافة. على رسولنا: على حرف جر، ورسول: اسم مجرور

стр. 843

بـ (على)، وعلامة جره الكسرة، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم، وهو مضاف و"نا" مضاف إليه، (البلاع): مبتدأ مؤخر، و (المبين): صفة للبلاع، هل يمكن أن يكون هناك وجه آخر للإعراب ونقول: إن الذي على رسولنا البلاغ المبين؟ ننظر إلى الرسم، "أنَّ " مقرونة بـ"ما"، لو كانت موصولة لفصلت عن "أنَّ"؛ لأن "ما" الموصولة إذا كانت اسمًا لـ "أنَّ" أو و"إنَّ" فإنها تفصل عنها. وهنا قد يقول قائل: لعل هذه القاعدة، وهي اتصال "ما" الموصولة بـ "إن" كانت قاعدة قديمة في خط المصحف، فنقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن "ما" إذا اتصلت بـ"إن" أو "أن" فهي تكفها عن العمل وتجعل الجملة فيها حصر. قوله: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يعني التبليغ، وأصل التبليغ: من بَلَغَ الشيء كذا، أي: وصل إليه، أي: عليه أن يوصل الوحي الذي أوحاه الله إليه إلى المُرْسَل إليه، هذه وظيفته ليس له أكثر من هذه الوظيفة. قوله: ﴿الْمُبِينُ﴾ من "أبان" المتعدي، وليست من "أبان" اللازم، مثال "أبان" اللازم تقول: "أبان الصبح"، كما تقول: "بان الصبح"، أبان المتعدي، تتعدى للمفعول به، فهنا نقول المبين من أبان المتعدي، يعني: البلاع الذي أبان الحق وذلك لفصاحته ﵊، وحلاوة كلامه ووصوله إلى القلب حينما يصل إلى الأُذُن واقتناع النفس به فلهذه الأوصاف كان بلاغ النبي ﷺ مبينًا بما يبلغه صلوات الله وسلامه عليه. وتأتي "الْمُبِينُ" بمعنى البَيِّن، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ

стр. 844

بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]، فمبين يعني: بيّن. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: وجوب طاعة الله ورسوله، لقول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. الفائدة الثانية: أن طاعة النبي ﷺ مستقلة بمعنى: أنه إذا أمر النبي ﷺ بشيء، لا نقول: هل يوجد في القرآن هذا الأمر أو لا يوجد، بل طاعته مستقلة، وجه ذلك: أنه أعاد فقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وإعادة الفعل تدل على أن طاعة الرسول مستقلة، بمعنى أننا لا نحتاج إلى شاهد من القرآن فيما أمر به الرسول ﷺ . لكن هل يمكن أن يكون أمر الله وأمر الرسول ﵊ متناقضين؟ الجواب: لا يقع التناقض؛ لأنه لو وقع لكانت طاعة الرسول معصية لله، وطاعة الله معصية للرسول ﷺ ، وهذا تناقض؛ لأن التناقض يكون النقيض حكمه ضد حكم نقيضه، فلو قلنا: إنه يقع التناقض لزم من ذلك ما تقدم من أن طاعة الله تكون معصية للرسول، وطاعة الرسول تكون معصية لله. الفائدة الثالثة: إثبات رسالة النبي ﷺ ، لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. الفائدة الرابعة: أن النبي- ﷺ يمتاز عن غيره بالرسالة، ولا يمتاز عن غيره بأنه رب يفعل ما يشاء بل هو نفسه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.

стр. 845

الفائدة الخامسة: أن الرسالة من أفخر الأوصاف التي يتصف بها العبد لقوله: ﴿الرَّسُولَ﴾، ولا شك أن الرسول يفضل ويشرف بحسب منزلة مرسله، لو جاء رسول من عند رجل شريف عالي المنزلة، فهل يكون في نفوسنا كرسول جاء من عامة الناس؟ لا، أبدًا، بل يكون في نفوسنا لهذا الرسول بمقدار ما يستحقه من منزلة من أرسله، فعليه تكون الرسالة فخرًا لمن أرسل. وهل مقام النبوة أفضل أو مقام الرسالة؟ مقام الرسالة، لأن الرسول نال مقام النبوة ومقام الرسالة، مقام النبوة بما أوحي إليه، ومقام الرسالة بما كلف بتبليغه فيكون أشرف، خلافًا لأهل الباطل الذين يقولون: أفضل بني آدم الولي ثم النبي ثم الرسول، معللين بأن الرسول خادم، والنبي من النَبْوة وهي العلو والارتفاع، والولي من الولاية وهي أخص، ويقول شاعرهم: مقام النبوة في برزخٍ ... فويق الرسول ودون الولي قاتله الله، فويق الرسول، يعني: ما هناك فرق بَيِّن، بالنسبة للولي بعيد، دون الولي، ولقد ضل ضلالًا مبينًا؛ لأن النبي ولي وزيادة، والرسول ولي ونبيٌ ورسول، لكن الله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. الفائدة السادسة: التحذير من معصية الله ورسوله لقوله: ﴿وَاحْذَرُوا﴾، وكلمة "احذروا" التي حُذف مفعولها أشد وقعًا من "احذروا" إذا ذكر مفعولها، لأنه أبلغ في التخويف؛ لأن المتكلم مقتصر عليها دون متعلقاتها. وقوله تعالى: "واحذروا" له ما يشبهه من القرآن، أي: ما يشبه هذا التحذير، وهو قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
следующие страницы →