← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها هي أن الله تعالى لما أمر بالانتهاء واجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام أمر بطاعته عمومًا وحذر من مخالفته. وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا﴾ فعل أمر من الإطاعة وهي الانقياد، والمراد بالانقياد هنا: فعل الأوامر واجتناب النواهي، وعليه: فإذا قال الإنسان: ما المراد بطاعة الله؛ نقول: فعل أوامره واجتناب نواهيه. وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الخطاب لا شك أنه لهذه الأمة، وعلى هذا فتكون "أل" في الرسول للعهد الذهني، يعني: أطيعوا الرسول محمدًا ﷺ الذي أرسله الله . فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الله أرسله؟ نقول: الدليل على أن الله أرسله ما أيده به من المعجزات التي أعظمها القرآن الكريم، ثم ما يشاهد من الآيات الحسية التي لا يقدر بشر أن يأتي بها لا الرسول ولا غيره، آيات واضحة على رسالته، وهي أكثر من أن تحصر، ومن أراد المزيد من ذلك فعليه بمراجعة آخر كتاب الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد عقد فصلًا مفيدًا جدًّا في آيات النبي ﷺ ، ومن أراد المزيد أيضًا: فعليه بما ذكره الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية في آخر سيرة النبي ﷺ ، فقد ذكر كثيرًا من الآيات في السماء وفي الأرض، في الإنسان وفي الحيوان، ولا حاجة إلى أن نذكر شيئًا كثيرًا منها ولكنها موجودة والحمد لله. وينبغي لنا أن نحرص على معرفة هذه الآيات؛ لأن الإنسان بشر، والشيطان حريص، قد يهاجم القلب ويضعف الإيمان

стр. 842

بالرسول ﵊، لكن إذا راجع الآيات ازداد بذلك إيمانًا فعلينا بها. قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ "احذروا": أي من معصية الله ورسوله، يعني: احذروا معصية الله ورسوله، ولم يأمرنا الله تعالى بشيء إلا لمصلحتنا ولم ينهنا عن شيء إلا لمضرتنا. قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: أعرضتم عن طاعة الله وعن طاعة رسول الله، فإنكم لن تضروا الله ولن تضروا رسول الله، أما كون الإنسان لا يضر الله بمعصيته فأمر ظاهر، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني" (١)، كذلك المتولي لا يضر النبي ﷺ لأن النبي ﷺ قد بلغ وأدى الأمانة، ولا يلام على معصية غيره كما قال الله ﵎: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ [الذاريات: ٥٤]، فهم لن يضروا الرسول ﷺ بمعصية الله؛ لأنه بلغ وأدى الأمانة ونصح الأمة. ولهذا قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، اعلموا: أمر بالعلم، ومعلوم أننا يجب أن نعلم كل ما أخبر الله به عن نفسه وعن غيره؛ لكن هذا علمٌ خاص. وإعراب: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أنما: (أنَّ) مكفوفة عن العمل، و"ما" كافة. على رسولنا: على حرف جر، ورسول: اسم مجرور

стр. 843

بـ (على)، وعلامة جره الكسرة، وشبه الجملة متعلق بمحذوف خبر مقدم، وهو مضاف و"نا" مضاف إليه، (البلاع): مبتدأ مؤخر، و (المبين): صفة للبلاع، هل يمكن أن يكون هناك وجه آخر للإعراب ونقول: إن الذي على رسولنا البلاغ المبين؟ ننظر إلى الرسم، "أنَّ " مقرونة بـ"ما"، لو كانت موصولة لفصلت عن "أنَّ"؛ لأن "ما" الموصولة إذا كانت اسمًا لـ "أنَّ" أو و"إنَّ" فإنها تفصل عنها. وهنا قد يقول قائل: لعل هذه القاعدة، وهي اتصال "ما" الموصولة بـ "إن" كانت قاعدة قديمة في خط المصحف، فنقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن "ما" إذا اتصلت بـ"إن" أو "أن" فهي تكفها عن العمل وتجعل الجملة فيها حصر. قوله: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ يعني التبليغ، وأصل التبليغ: من بَلَغَ الشيء كذا، أي: وصل إليه، أي: عليه أن يوصل الوحي الذي أوحاه الله إليه إلى المُرْسَل إليه، هذه وظيفته ليس له أكثر من هذه الوظيفة. قوله: ﴿الْمُبِينُ﴾ من "أبان" المتعدي، وليست من "أبان" اللازم، مثال "أبان" اللازم تقول: "أبان الصبح"، كما تقول: "بان الصبح"، أبان المتعدي، تتعدى للمفعول به، فهنا نقول المبين من أبان المتعدي، يعني: البلاع الذي أبان الحق وذلك لفصاحته ﵊، وحلاوة كلامه ووصوله إلى القلب حينما يصل إلى الأُذُن واقتناع النفس به فلهذه الأوصاف كان بلاغ النبي ﷺ مبينًا بما يبلغه صلوات الله وسلامه عليه. وتأتي "الْمُبِينُ" بمعنى البَيِّن، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ

стр. 844

بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢]، فمبين يعني: بيّن. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: وجوب طاعة الله ورسوله، لقول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. الفائدة الثانية: أن طاعة النبي ﷺ مستقلة بمعنى: أنه إذا أمر النبي ﷺ بشيء، لا نقول: هل يوجد في القرآن هذا الأمر أو لا يوجد، بل طاعته مستقلة، وجه ذلك: أنه أعاد فقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وإعادة الفعل تدل على أن طاعة الرسول مستقلة، بمعنى أننا لا نحتاج إلى شاهد من القرآن فيما أمر به الرسول ﷺ . لكن هل يمكن أن يكون أمر الله وأمر الرسول ﵊ متناقضين؟ الجواب: لا يقع التناقض؛ لأنه لو وقع لكانت طاعة الرسول معصية لله، وطاعة الله معصية للرسول ﷺ ، وهذا تناقض؛ لأن التناقض يكون النقيض حكمه ضد حكم نقيضه، فلو قلنا: إنه يقع التناقض لزم من ذلك ما تقدم من أن طاعة الله تكون معصية للرسول، وطاعة الرسول تكون معصية لله. الفائدة الثالثة: إثبات رسالة النبي ﷺ ، لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. الفائدة الرابعة: أن النبي- ﷺ يمتاز عن غيره بالرسالة، ولا يمتاز عن غيره بأنه رب يفعل ما يشاء بل هو نفسه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.

стр. 845

الفائدة الخامسة: أن الرسالة من أفخر الأوصاف التي يتصف بها العبد لقوله: ﴿الرَّسُولَ﴾، ولا شك أن الرسول يفضل ويشرف بحسب منزلة مرسله، لو جاء رسول من عند رجل شريف عالي المنزلة، فهل يكون في نفوسنا كرسول جاء من عامة الناس؟ لا، أبدًا، بل يكون في نفوسنا لهذا الرسول بمقدار ما يستحقه من منزلة من أرسله، فعليه تكون الرسالة فخرًا لمن أرسل. وهل مقام النبوة أفضل أو مقام الرسالة؟ مقام الرسالة، لأن الرسول نال مقام النبوة ومقام الرسالة، مقام النبوة بما أوحي إليه، ومقام الرسالة بما كلف بتبليغه فيكون أشرف، خلافًا لأهل الباطل الذين يقولون: أفضل بني آدم الولي ثم النبي ثم الرسول، معللين بأن الرسول خادم، والنبي من النَبْوة وهي العلو والارتفاع، والولي من الولاية وهي أخص، ويقول شاعرهم: مقام النبوة في برزخٍ ... فويق الرسول ودون الولي قاتله الله، فويق الرسول، يعني: ما هناك فرق بَيِّن، بالنسبة للولي بعيد، دون الولي، ولقد ضل ضلالًا مبينًا؛ لأن النبي ولي وزيادة، والرسول ولي ونبيٌ ورسول، لكن الله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. الفائدة السادسة: التحذير من معصية الله ورسوله لقوله: ﴿وَاحْذَرُوا﴾، وكلمة "احذروا" التي حُذف مفعولها أشد وقعًا من "احذروا" إذا ذكر مفعولها، لأنه أبلغ في التخويف؛ لأن المتكلم مقتصر عليها دون متعلقاتها. وقوله تعالى: "واحذروا" له ما يشبهه من القرآن، أي: ما يشبه هذا التحذير، وهو قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ

стр. 846

أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، قال الإمام أحمد ﵀: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". الفائدة السابعة: أن الأصل في أوامر الله ورسوله الوجوب؛ لأن التحذير لا يكون إلا من شيء يأثم به الإنسان، فإن ما لا إثم فيه لا يكون الحذر منه، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل الأصول، أعني: أصول الفقه، فمنهم من يقول: الأصل في الأمر الوجوب، ومنهم من يقول: الأصل فيه الندب، ومنهم من يقول: أما في الآداب فهو للندب، وأما في العبادات التي هي حق الله فهي للوجوب، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه، لكن الشيء الذي يهمنا هو أن الإنسان إذا سمع أمر الله ورسوله، لا يتردد فيقول: هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ هذه عبارة منتقدة، الأصل أن الأمر الموجه من خالقك أو رسوله الذي أرسله إليك أن يكون ملزمًا، هذا هو الأصل، وإلى هذه الساعة لم يُعهد من الصحابة أن رسول ﷺ إذا أمرهم بأمر قالوا: يا رسول الله هل هذا واجب علينا أم مستحب؟ أبدًا، وخير لنا أن نقتفي آثارهم، نعم لو أن الإنسان تورط في المخالفة؛ فإن السؤال عن الأمر هل هو للوجوب أو للاستحباب قد يكون وجيهًا؟ إذا كان واجبًا وجب عليه أن يحدث منه توبة ويتوب إلى الله من ذلك، وأما إذا لم يكن واجبًا فالأمر سهل، لكن الكلام على أول ما يرد عليك الأمر لا تتردد، افعل ما استطعت، أما إذا جاء عن الرسول ﵊ أنك مخير فأنت مخير، كما أمر النبي ﷺ بريرة أن ترجع إلى زوجها مغيث، وكانت بريرة عتقت وزوجها رقيق، فلما عتقت ملكت نفسها، فخيرها النبي ﷺ قال: "اختاري فإن

стр. 847

شئت أن تمكثي تحت هذا العبد، وإن شئت أن تفارقيه" (١) فاختارت مفارقته، فحزن مغيث عليها وجعل يبكي وراءها في أسواق المدينة، يريد أن ترجع إليه، فقال النبي ﵊: "ألا تعجبون من حب مغيث لبريرة وبغض بريرة لمغيث! "، ما جوابنا نحن؟ بلى: نعجب؛ لأن الغالب أن القلوب إذا تآلفت فهي تتآلف من الجانبين، "فقال النبي-صلي الله عليه وسلم-: "لو راجعته"، قالت: "يا رسول الله تأمرني"، ولم تقل إن كان أمرًا على سبيل الوجوب، "قال: إنما أنا شافع" قالت: "لا حاجة لي فيه" (٢)، هكذا، فصرح النبي ﵊ بأن الأمر ليس للوجوب بل للمشورة، ولما قال: "إن الله فرض عليكم الحج فحجوا"، قال الأقرع بن حابس: يا رسول الله، أفي كل عام؟ قال: "لا" (٣). فالحاصل: أن نقول: الأصل في الأمر الوجوب وأن تفعل ما أمرت، ولا تسأل وتتردد؛ لأن المسألة خطيرة إذا ترددت، قال الله : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠]، أعاذنا الله من ذلك، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق: ٥] بعدها ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]، متقلب غير مستقر؛ لأنهم كذبوا

стр. 848

بالحق لما جاءهم، فاقبل يا أخي الحق ولا تتردد ولا تقل: واجب أو مستحب، لكن كما تقدم إذا تورطت في شيء فلا بأس. الفائدة الثامنة والتاسعة: أن تولى الناس عما يدعو إليه النبي ﷺ لا يضره، ولا يلام عليه، لقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ لأنه إذا كان ليس عليه إلا البلاغ فإنه لن يضره توليهم ولا يلام عليه. ويتفرع على ذلك: أن الداعية إلى الله في وقتنا وفيما قبله لا يضره ألا يقبل الناس منه؛ لأنه أدى الواجب وينبغي أن يُفَرِّح نفسه بانه أدى الواجب، وألا يحزن بعدم قبولهم دعوته؛ لأن الله تعالى قال للرسول ﷺ : ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، لكن ربما نقول: يحزن لعدم قبول الشريعة لا لعدم قبولهم منه، والفرق بين هذا وهذا واضح. الفائدة العاشرة: أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يهدي أحدًا؛ لأنه بلغ البلاغ المبين ومع ذلك حصلت المخالفة والتولي. الفائدة الحادية عشرة: أن النبي ﷺ بلغ البلاغ المبين، ففيه إبطال لقول أهل التفويض فيما يختص بأسماء الله وصفاته، الذين قالوا: إن الرسول ﷺ ، لم يبلغ البلاغ المبين، ولا يعرف ما قال، وإنما ألقى كلامًا للناس كأنه حروف هجائية أو ألغاز. الفائدة الثانية عشرة: أن بلاغ الرسول ﷺ بلاغ مبين لا عيَّ فيه ولا تعقيد ولا إشكال، بل هو بَيِّنٌ في نفسه مبين لغيره لقوله: ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. الفائدة الثالثة عشرة والرابعة عشرة: وجوب الرجوع إلى

стр. 849

قول النبي ﷺ ، لقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وأنه ﵊ قام بالواجب فعلينا نحن أن نقوم بالواجب، لكن هل يمكن أن نأخذ منه أن من لم تبلغه الرسالة فهو معذور؛ يمكن أن نأخذ منه أن من لم تبلغه الرسالة فإنه معذور، أو بلغته على وجه مشوش فإنه معذور، ولكن الثاني الذي بلغته على وجه مشوش يكون واجبًا عليه أن يطلب الوصف الصحيح لهذه الرسالة التي بلغته، وألا يسكت ويقول: الأمر ما بان لي ولا يلزمني، بل يجب أن يبحث، أما إذا كان الأمر لم يعلم به إطلاقًا فهذا لم تقم عليه الحجة فهو معذور، فلو رأينا رجلًا لم يسمع عن الشرع وعن الإسلام شيئًا، في الكهوف والجبال والأدغال يرعى الغنم ويحلب الإبل ولا يعلم شيئًا، فهل نقول: إن هذا معذور أو غير معذور؛ معذور، لا شك إنه معذور، ولكن إذا ذُكِر له أن هناك رسالة وجب عليه أن يبحث وحينئذٍ قد نقول: إن هذا الذي بلغه ترتفع به الحجة؛ لأن الواجب أن يسأل. لو قال قائل: الآية الكريمة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ هل يمكن أن تتعارض طاعة الله ورسوله؟ لا يمكن، ولا يمكن أن تتعارض طاعة النبي ﷺ مع النصوص الواردة عنه، فإذا رأينا حديثًا يناقض ما في القرآن فإننا نحكم برده وإن لم نعرف سنده، بل ولو عرفنا سنده، فإننا نقول: هذا منكر، إذا خالف القرآن، فلا يمكن أن يكون الله يأمر بطاعته -وطاعته مقدمة على كل شيء- وبطاعة الرسول، ولو كان ذلك، أي: أننا نأخذ بما يتناقض من الكتاب والسنة لكان مستحيلًا. من ذلك ما يذكر عن النبي ﷺ في لحوم البقر أنها داء،

стр. 850

وفي ألبانها دواء أو شفاء (١)، هذا بدعة، بدون أن ننظر إلى سنده نحكم بأنه باطل ولا يصح، لو كان لحومها داءً هل يمكن أن يُحلَّها الله لعباده؟ لا يمكن أبدًا؛ لأن الله تعالى لا يحل لعباده ما كان ضررًا عليهم حتى لو قال قائل: يمكن أن نحمل هذا الحديث على أكل لحم البقر بدون طبخ، هل يصح هذا؟ لا، لأن أكله بدون طبخ نادر، ولا يمكن أن يحمل الحديث على الشيء النادر، والشيء بالشيء يذكر، ومنه حديث عائشة ﵂: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (٢)، بعض العلماء يقول: المراد: من مات وعليه صيام نذر صام عنه وليه، أما صيام الفرض كصيام رمضان والكفارة فلا يصام عن الميت، فيقال: سبحان الله! أنتم صححوا الحديث ثم نقحوا المراد، صيام النذر بالنسبة لصيام الفرض والكفارة كثير أو نادر؟ نادر، فكيف تحملون الحديث على شيء نادر وتتركون الشيء الكثير؛ ولهذا كان القول الراجح: أن من مات وعليه صيام سواء كان واجبًا بالنذر أو بأصل الشرع فإنه يصام عنه. لو قال قائل: ذكرتم أن الإنسان إذا بلغه الدين على وجه مشوش فإننا لا نعذره بالجهل، مع أن هذا البلاع كالعدم؟ الجواب: نقول: قد لا نعذره لتركه الواجب وهو البحث. لكن لو قال قائل: كيف يبحث وهو إنسان عامي أو عجوز في قرية نائية، أو ما أشبه ذلك والإعلام مغطي عليهم ولا يعرفون شيئًا؟

стр. 851

الجواب: سبحان الله، كل شيء محتمل إذا بلغه أن محمدًا رسول الله ﷺ وأنه أتى لجميع الخلق وأن من خالفه هو في النار ومن وافقه هو في الجنة، يسمع هذا، لكن إذا أُخْبِرَ كذبًا بأن النبي ﷺ ليس بصادق وما أشبه ذلك، هذا قد يكون معذورًا خصوصًا إذا كان الذي أخبره ممن يعد من رؤسائهم في الدين، ولهذا لما أنكر عمر ﵁ على الرجل الذي قرأ في سورة الفرقان خلاف ما كان يعرفه عمر أنكر آية من كتاب الله، ظانًّا أن الرجل أخطأ فيها، حتى ذهب إلى رسول الله ﷺ وقال: هكذا أنزل لقراءة الرجل وهكذا أنزل لقراءة عمر (١). والمسألة هذه الناس فيها طرفان ووسط: طرف يغلو في التكفير ويُقْدِم على التكفير ويقول: لا يعذر بالجهل في أصل الدين، وهذا غير صحيح، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤]، وقسمٌ آخر: لا يغلو في رفع التكفير حتى وإن كان الانسان في حال يحكم بكفره، والقول الوسط هو أن نقول: من لم تبلغه فهو معذور، ومن بلغته ولم يفهمها فهو معذور؛ لأن عدم الفهم كعدم العلم، لو أتى إليك إنسان أعجمي وقام يتكلم بأعجميته في شيء، هل تدري ما يقول؟ لا تدري ما يقول، هذا معذور، فالفهم شرط، يعني مجرد البلاغ لا يكفي، وأما قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فهل المعنى ومن وصل إليه وإن لم يفهمه، أو من بلغه فأدركه؟ الثاني هو المراد.

стр. 852

ما حكم الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر وعائشة ﵃؟ الجواب: لا شك أن الذي يسب أبا بكر وعمر وعائشة وغيرهم من الصحابة ﵃ أجمعين ليس من الدين في شيء، ويجب بغض من يفعل ذلك، هذا ليس فيه إشكال، لكن نسأل الله لهم الهداية. وأن يكفينا شرهم. * * * ° قال الله : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]. قوله: ﴿لَيْسَ﴾ أداة نفي، وهي فعلٌ ماض جامد، والجامد عند النحويين: هو الذي لا يتصرف، والجمود: قد يكون جمودًا كليًّا وقد يكون جمودًا جزئيًّا، بحيث يمتنع التصريف فيه من وجه دون آخر، وهنا الجمود كلي لأن "ليس" لا يمكن أن تتغير. قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿آمَنُوا﴾ بقلوبهم: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بأبدانهم، وهذا شاملٌ للدين كله؛ لأن الدين كله إيمان وعمل. وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات لا يمكن أن تكون بهذا الوصف إلا إذا كانت موافقة للشريعة، لقول النبي ﷺ : "ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (١) يعني: فاسدًا.

стр. 853

فالأعمال الصالحة: ما وافقت الشريعة، ولا يمكن أن توافق الشريعة إلا إذا وافقت الشريعة في أمورٍ ستة: الأول: السبب، والثاني: الجنس، والثالث: القدر، والرابع: الكيفية، والخامس: الزمان، والسادس: المكان. فلا يمكن أن تكون العبادة شرعية صالحة إلا إذا وافقت الشريعة في هذه الأمور الستة. فإذا خالفت الشريعة في واحد من هذه الأشياء الستة فليست شرعية، ولا مقبولة، هذه شروط الموافقة للشريعة. أولها: السبب: فلو أحدث الإنسان سببًا يتعبد لله تعالى بمقتضاه وليس شرعيًّا فعمله مردود، ونضرب لهذا مثلًا: لو أن الإنسان إذا تجشأ قال: الحمد لله، والجشاء معروف، هنا أحدث عبادة لله وهي الحمد، لسبب وهو الجشاء، فهل جاء في الشريعة أن الجشاء سبب للحمد؟ لا، إذًا لا يقبل منه؛ لأنه تعبد لله بما لم يشرعه. الثاني: الجنس: من المعلوم أن الأضاحي تكون من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، فلو ضحى الإنسان بفرس لم يقبل منه؛ لأنه مخالف للشريعة في الجنس، لو ضحى بنعامة؟ لم يقبل منه، لو ضحى بحمامة؟ لم يقبل منه؛ لأنه مخالف للشريعة في الجنس، وإن كان الشرع قد أوجب في الحمامة إذا قتلها المُحْرِمُ شاة، لكن لم يأتِ الشرع بأن يضحي الإنسان بحمامة، وبه نعرف خطأ من قالوا: إنه تجوز التضحية بالدجاج والديكة؛ لأن النبي ﷺ : "في الرجل يغتسل في بيته ويخرج إلى

стр. 854

المسجد يوم الجمعة في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة" (١)، قالوا: هذا يدل على أن الدجاجة يصح التقرب بها. وجوابنا على هذا: أن معناه تقرب إلى الله بالصدقة بها لا بذبحها، ولا شك أن الإنسان لو ذبح دجاجة وتصدق بها على الفقراء إنه يجزئه، إذًا لا بد من موافقة الشريعة في الجنس. الثالث: القدر: لو تعبد الإنسان لله بصلاة سادسة، جعلها عند ارتفاع الشمس قيد رمح وقال: إنه يتقرب إلى الله تعالى بهذه الصلاة لارتفاع الشمس قيد رمح، لا لأنها صلاة ضحى، فهذه عبادة لا تصح، يعني: أراد أن يجعلها صلاة سادسة مع الخمس فإنها لا تقبل، لأنه زاد صلاة لم ينزل الله بها من سلطان، ولو أنه صلى الظهر خمس ركعات لم تقبل لمخالفة الشريعة في القدر. الرابع: الكيفية: لو تعبد لله تعالى بالوضوء، توضأ وضوءًا كاملًا مشتملًا على الأعضاء كلها، لكنه بدأ بالرجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، لم تقبل العبادة، لأنها مخالفة للشريعة في كيفيتها، وكذلك لو سجد قبل أن يركع لم تقبل الصلاة؛ لأنها مخالفة للشريعة في الكيفية. الخامس: الزمان: لو أن الإنسان ضحى في عيد الفطر، وقال: عيد كعيد، فالقياس أن يضحي في عيد الفطر كما يضحي في عيد الأضحى، لم تقبل لمخالفة الشريعة في الوقت أو في الزمان.

стр. 855

السادس: المكان: لو أن الإنسان اعتكف في رمضان في بيته، أو امرأة في مصلاها الذي في البيت، لم يجزئ؛ لأنه مخالف للشرع في المكان. بقي أن يقال: وهل يأثم الإنسان لو تعبد لله بما يخالف الشريعة في واحد من هذه؟ الجواب: يأثم لقول النبي ﷺ : "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١). قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ تقدم أن الصالحات وصفٌ لموصوف محذوف، التقدير الأعمال الصالحات. قوله: ﴿جُنَاحٌ﴾ أي: إثم، وهذا هو المنفي، فليس على المؤمن الذي يعمل الصالحات جناح أي إثم. قوله: ﴿فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾، ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾: أعم من قولنا: فيما أكلوا، فيشمل الأكل والشرب؛ لأن الشرب يطعم ويذاق فهو طعام، ودليل ذلك قول الله ﵎ على لسان طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [لبقرة: ٢٤٩]، من لم يطعمه: يعني النهر، والنهر يؤكل أم يشرب؟ يشرب. إذًا: قوله ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ يعم كل ما له طعم في الفم من مأكول ومشروب، لكن بشروط، فليس عليهم جناح فيما طعموا بشروط:

стр. 856

الشرط الأول: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾، الثاني: ﴿وَآمَنُوا﴾، الثالث: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، الرابع: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾، الخامس: ﴿وَآمَنُوا﴾، السادس: ﴿اتَّقَوْا﴾، السابع: ﴿وَأَحْسَنُوا﴾، هذه قيود سبعة وليست متكررة كل واحد له معنى، أو محمولة على معنى. قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾، يعني: اتقوا ما حُرِّم عليهم من المأكول وليست التقوى العامة، بل إذا ما اتقوا ما حرم عليهم من المطعوم. وقوله: ﴿وَآمَنُوا﴾ أي: آمنوا بالله؛ لأن الإيمان لا شك أنه أصل في قبول الأعمال. وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا شرط: أي: عملوا الصالحات فيما يأكلون من المباحات فلم يستعينوا بها على محرم، فإن استعانوا بها على محرم وهي مباحة صارت حرامًا؛ لأن الله اشترط أن يعملوا بها الصالحات. قوله: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ كلمة "ثم" تدل على أن هذا نوع آخر غير الأول؛ لأن العطف ولا سيما بـ"ثم" الدالة على المهلة والترتيب يدل على أن الثاني غير الأول، فيكون معنى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ أي: ثم استمروا على تقواهم ما حرم عليهم من هذا الطعام. وقوله: "آمنوا" أي: استمروا على إيمانهم، والأمر بالإيمان يصح مرادًا به الثبوت عليه والاستمرار فيه كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. قوله: ﴿وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ هذه التقوى العامة، أي:

стр. 857

اتقوا جميع المحرمات وأحسنوا بفعل جميع الطاعات، هذه الآية يمكن أن نحملها على حالين: الحال الأولى: حال من يذهب إلى التقشف ويخشى من الترفه المباح، فيتجنب الفواكه واللحم الشهي والشيء اللذيذ تعبدًا لله، فتحمل على من تورعوا عما أحل الله لهم خوفًا من الإثم فيقال لهم: ليس عليكم جناح فيما طعمتم إذا تمت هذه الشروط. ولها محمل آخر، فيمن توفوا قبل تحريم الخمر وأيضًا قبل أن يعلموا بتحريمها فهذا يشمل من ليس عليهم جناح، فهم قد شربوا الخمر وهي في النهاية حرام لكن حين شربهم إياها، حلال؛ لأن الله لم يحرمها بتاتًا إلا بعد موتهم، وإن كانت قد نزلت الآيات تعرض بالتحريم وتقيد الحل، كما في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وفي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، وهؤلاء أشكل على الصحابة حالهم لما حرمت الخمر، أي: أشكل على الصحابة حال الذين توفوا من قبل فأنزل الله هذه الآية، أنه ليس عليهم جناح؛ لأنهم لم ينتهكوا ما حرم الله، بل هم مؤمنون متقون محسنون. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، "المحبة" لو أردنا أن نحدها لم نستطع، فالإنسان لا يستطيع أن يحد المحبة أبدًا، مع أنها بيننا وهي من حياتنا اليومية في داخل البيت وخارج البيت، ولا نستطيع أن نحدها؛ لأن تعريف المعروف يزيده جهالة أو يزيد به جهلًا، ولذلك لما ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه روضة المحبين

стр. 858

تعريف المحبة، قال: هذه الأمور الطبيعية لا يمكن تعريفها، لا تستطيع أن تعرف المحبة ولا الكراهة ولا البغضاء ولا الخوف ولا الفرح؛ لأن هذه أمور كامنة في النفس، كل إنسان يعرفها، نعم عليها علامات لا شك، فلو قلت مثلًا: المحبة أن تميل للشيء الذي ينفعك أو تدفع به ضررًا، أو تقول المحبة: أن ترى الرجل قد استنار وجهه واستبشر فرحًا، إذًا: المحبة معلومة، وإن شئت قل: معروفة، وتعريف المعروف يزيده جهالة. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: نفي الجناح في المطعومات من مأكول ومشروب بهذه الشروط. الفائدة الثانية: أن على الكفار جناح فيما طعموا، وجهه: لأنهم غير مؤمنين، فالكافر لو رفع لقمة إلى فمه، أو شرب كأسًا من ماء فإنه محاسب عليه وعليه الإثم فيه، ويؤيد هذا قول الله ﵎: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وهل هي لغير المؤمنين في الحياة الدنيا؟ أما قدرًا فنعم، وأما شرعًا فلا، ولهذا قال بالنسبة للمؤمنين: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ولغير المؤمنين غير خالصة. الفائدة الثالثة: القيود الشديدة في نفي الإثم عمن أكل أو شرب في مأكوله ومشروبه، والتقوى ذكرت في الآية ثلاث مرات، والإيمان مرتين والإحسان مرة، قيود شديدة عظيمة فاحذر يا أخي المسلم أن يكون في مطعومك عليك إثم لأنك لم تتم هذه القيود، أسأل الله أن يعيننا عليها.

стр. 859

الفائدة الرابعة: أن من أكل حلالًا بكسب حرام فعليه الإثم؛ لأنه لم يتقِ الله في كسبه، ولا بد أن يتقي الله ، وهل يكون غير الكاسب كالكاسب في هذا الإثم؟ نقول: أما إذا كان الشيء المحرم معينًا فهذا يكون الآكل كالكاسب، مثل أن أعرف أن هذه الشاة التي ذبحها إكرامًا لي قد سرقها من فلان فهذه حرام عليَّ أن آكلها. أما إذا كان الإنسان يتعامل بالربا ويكسب من الربا برضا صاحبه المرابي، فإنه لا بأس أن تأكل من ماله إلا إذا كان امتناعك منه يؤدي إلى توبته فهنا امتنع، أما إذا كان كله على حدٍ سواء فكل ولا حرج عليك، ويدل لهذا أن رسول الله ﷺ أكل من مال اليهود واشترى من مال اليهود مع أنهم معروفون بأكل السحت وأخذ الربا ولم يستفصل ولم يقل لأي واحد منهم: هل كسبت بالربا. وبناءً على ذلك إذا مات ميت ونحن نعرف أنه يتعامل بالربا، ويتعامل بالمباح فهل يلزم الورثة أن يبحثوا كيف كسب ذلك؟ لا يلزمهم، الإثم على الكاسب، إلا إذا علمنا أن هذا هو عين مال الغير، فيجب علينا أن نرده إلى صاحبه، لأننا علمنا أنه ليس ملكه، فإن شككت هل هو ملكه وأخذه بطريق شرعي أو سرقه فما الأصل؟ الأصل أنه له، ولا يلزمنا أن نقول لكل من أهدى إلينا هدية: من أين أتيت بها أنت سارقها أو جاءتك بطريق مباح؟ لو كنا مكلفين بهذا لشق علينا مشقة شديدة، لكن الحمد لله أن الأمور بظاهرها، مثلما سأل قوم النبي ﷺ عن أناس يأتونهم بلحم وهم حديثو عهد بالكفر أي: أسلموا قريبًا، ولا يدري

стр. 860

المهدى إليه اللحم أذكروا اسم الله عليها أم لا؟ فقال لهم: "سموا أنتم وكلوا" (١) لأن الأصل الحل حتى يتبين التحريم. لو قال قائل: النبي ﷺ أكل طعام اليهود وقبل هداياهم؛ لأنهم يهود كفار، ليسوا على ملة صحيحة، أما المسلمين فعُلم من الكتاب والسنة تحريم ذلك عليهم؟ الجواب: هذا جواب غيرِ صحيح؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم يأكلون السحت ويأخذون الربا، ذمًّا لهم ولهذا قال: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [لنساء: ١٦١] فهم منهيون عنه، لكن بعض الناس يريد أن يحرم مال من أكله مختلط بالحرام، ثم يدفع بهذا الدفاع الضعيف. لو قال قائل: الذين يعملون في البلاد الأوروبية ويبيعون في محلاتهم الحلال ويبيعون المحرم كالخمر وغيره، فإذا دعي الإنسان عندهم، هل يأكل عندهم أم لا؟ الجواب: ليس عليه شيء إذا أكل المباح لكن كما تقدم، إذا كان في عدم إجابة الدعوة مصلحة فهنا لا تجب الدعوة. الفائدة الخامسة: فضيلة الإيمان والتقوى وأنها سبب لطيب المطعم وحل المطعم. الفائدة السادسة: فضيلة الإحسان إلى الخلق والإحسان في عبادة الخالق، فالإحسان إلى الخلق أن تبذل جاهك، تبذل مالك، تبذل خدمتك، تبذل منفعتك البدنية، والإحسان في عبادة الخالق فسره أعلم الناس بمعناه وهو النبي ﷺ بقوله: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٢).

стр. 861

الفائدة السابعة: إثبات أن الله يحب، لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ والمحبة من الصفات الفعلية لأنها تتعلق بمشيئة الله، وكل صفة لها سبب فإنها من الصفات الفعلية؛ لأنها معلقة بهذا السبب، وهذه الصفة كسائر الصفات يجب على العبد أن يصدق ربه بها وأن يحمل كلام ربه على ظاهره وعلى ما تقتضيه اللغة العربية؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] يعني صيرناه باللغة العربية ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، لأجل أن نعقل هذا القرآن ونفهمه، وعليه فيجب أن نؤمن بأن الله يحب، ولو فسرناه بغير ظاهره لكنا معتدين على النص من وجهين: الوجه الأول: صرفه عن ظاهره، الوجه الثاني: إثبات معنىً على خلاف الظاهر، وهذه جناية على النصوص وتحريف للكلم عن مواضعه، ويوجد من هم مسلمون -لا شك في إسلامهم- يفسرون المحبة بأنها الثواب، أي: يثيب المحسنين، ونقول: عفا الله عمن مات ونسأل الهداية لمن بقي، هذا التفسير تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن الإثابة شيء والمحبة شيء آخر، وإن كانت المحبة يلزم منها الثواب، لكن لا يمكن أن نفسر شيئًا يلازمه إلا بدليل. ثم أيما أبلغ في الحث على الإحسان، أن نقول: معنى الآية: والله يثيب المحسنين، أو أن نقول: والله يحب المحسنين؟ الثاني بلا شك، ولهذا لما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ولم يقل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تصدقوا في دعواكم، بل قال: يحببكم الله؛ لأن محبة الله هي المقصود -أسأل الله أن يجعلنا من أحبابه- فلذلك نقول أيضًا: في تفسيرها بالثواب نقص في دلالتها

стр. 862

ومضمونها؛ لأن النفس لا تتشجع، إذا كانت بمعنى الثواب، بل المحبة على ظاهرها ولا يجوز صرفها عن ظاهرها. فهؤلاء القوم الذين صرفوا النصوص عن ظاهرها وصفهم شيخ الإسلام ﵀ وصفًا دقيقًا، قال: إنهم أوتوا فهومًا ولم يؤتوا علومًا، فهم ليس عندهم علم من الكتاب والسنة، عندهم فهم، وأوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً، فليس عندهم تقوى لله وإلا لو اتقوا الله لاحترموا نصوص الكتاب والسنة، أدنى ما نقول فيهم: إنهم جهلوا، قد لا يكون عدم التقوى عندهم عن عمد، لكن عن ظن أنهم على هدى ويحسبون أنهم على شيء وهم ضالون. فإن قال قائل: فهل تطردون هذه القاعدة في كل النصوص؟ الجواب: نعم يجب علينا أن نطردها بجميع النصوص؛ لأن الصحابة أجمعوا على ذلك، ما منهم أحد يفسر القرآن بخلاف ظاهره أبدًا، فعلينا فيما يتعلق بصفات الله أن نؤمن بها، لكن على أساس مهم ذكره الله في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، كل شيءٍ أَثْبِتْهُ لله، فعلى هذه القاعدة وهي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وبهذا تستريح وتسلم من اعتراضات كثيرة، من ذلك أنه يكثر السؤال عن: هل نثبت لله الملل أم لا؛ احتجاجًا بقول النبي ﷺ : "إن الله لا يمل حتى تملوا" (١)؟ فيقال: ما الذي أجبرك أن تحك الشيء حتى يخرج العظم،

стр. 863

ما الذي أجبرك على هذا، هل تثبت لله الملل أم لا تثبت؟ إن من هو خير منك ممن سبقك من هذه الأمة وخير هذه الأمة لم يسألوا الرسول ﵊ عن ذلك أبدًا، عرفوا المعنى وأبقوا اللفظ على ما هو عليه، ما الذي دعاك إلى هذا؟ هل الحديث صريح في أن الله يمل؟ ليس بصريح، سياقه: "اكلفوا من العمل ما تطيقون" يعني تحملوا منه ما تطيقون، "فإن الله لا يمل حتى تملوا" (١)، يعني ما يمل من ثوابكم حتى تملوا من العمل، هذا معناه، وهو واضح، فان كان يدل على ثبوت الملل لله فالملل كسائر الصفات ملل يليق بالله لا يماثل ملل المخلوقين، ملل المخلوق تعب وإعياء وضيق نفس لكن لا يثبت هذا لله أبدًا، مثل الغضب، أثبت الله لنفسه غضبًا ولا إشكال، في القرآن في عدة مواضع وفي السنة كذلك. لو قال قائل: الغضب: غليان دم القلب لطلب الانتقام، الغضب يحمل الغاضب على التصرف السيئ حتى إنه يكسر الأواني ويطلق النساء ويعتق العبيد ويوقف الأملاك ويمزق الأوراق، بعض الناس يصل به الحد إلى هذا. لو قال قائل: هل غضب الله الذي نثبته حقًّا كغضب المخلوق؛ الجواب: أبدًا إن الله تعالى إذا غضب فإنه لن يفعل إلا لحكمة، وغضبه دليل على قوته وقوة سلطانه؛ لأن الغضب لا يصدر إلا من قادر على الانتقام، والعاجز لا يمكن أن يغضب، لو تضرب صبيًّا يغضب عليك لأجل أن ينتقم منك ماذا يفعل؟ يبكي ويحزن ويروح لأمه ويقول:

стр. 864

ضربني وفعل كذا وكذا، لكن ذو السلطان هو الذي يغضب وينتقم، فإغراق فرعون وقومه لا شك أنه غضب، وإنجاء موسى ﵇ رضا. فالغضب إذًا صفة حميدة، لكن بشرط أن لا تخرج الغاضب عن طوره، ولهذا نحن نقول: إن الله يغضب، لكن ليس كغضب المخلوق الذي يخرج عن طوره حتى يتصرف تصرفًا لا يليق، وعلى هذا فقس، وأنت إذا أثبت لله ما أثبته لنفسه وتأدبت مع الله، بحيث لا تتجاوز ما ذكر الله ، وأثبت هذا على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فإنك ستسلم في عقيدتك وفكرك، وستسلم من التشويش الذي يلقيه الشيطان في قلبك، أما إذا كنت تتحرك في هذه النصوص يمينًا وشمالًا فأنت على شفا جرف هارٍ. الفائدة الثامنة: الحث على الإحسان إلى الخلق وعلى الإحسان في عبادة الخالق؛ لأن الله حين يخبرنا أنه يحب المحسنين ماذا يريد منا؟ يريد منا أن نفعل لننال هذه المرتبة العظيمة وهي محبة الله، أسأل الله أن يجعلنا من أحبابه. * * * ° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)﴾ [المائدة: ٩٤]. قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقدم في مثل هذا التعبير أثر عن ابن مسعود ﵁ قال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك أي: فاستمع وانتبه، فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه.

стр. 865

قوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إلى آخره، الجملة هنا خبرية، ومؤكدة بمؤكداتٍ ثلاث وهي: "اللام" و"نون التوكيد"، و"القسم المقدر"، لأن اللام موطئة للقسم. ومعنى "يبلونكم": يختبرنكم، بماذا يكون الاختبار؟ قال: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. وقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْد﴾، أي: الذي تصطادونه وهو محرم عليكم في حال الإحرام. قوله: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ أي: تصيدونه باليد وتصيدونه بالرماح، وهذا على اختلاف حال الصيد، فما كان زاحفًا كانوا ينالونه بأيديهم، وما كان طائرًا كانوا ينالونه برماحهم؛ لأن الطائر أعلى، والطيران أسرع من الزحف؛ لكن مع ذلك يكون الطير نازلًا وهادئًا في طيرانه؛ لأن الذي يمسكه في جو السماء هو الله ، وهو قادر على أن يهبطه إلى قرب الأرض وأن يجعل طيرانه هادئًا. وقلنا: إن الابتلاء هو الاختبار، لكن لأي شيء؟ قال: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، ﴿لِيَعْلَمَ﴾ اللام هنا للتعليل، ويعلم: أي: يدرك من يخافه بالغيب، أي: من يخاف الله بالغيب وهذه الجملة لها معنيان: المعنى الأول: أنه يخاف ربه مع غيبته ﵎ عنه إذ إنه لم يرَ ربه لكنه عرفه بآياته، فيخافه وهو غائب عن نظره، كقوله ﷺ : "فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١).

стр. 866

والمعنى الثاني: ﴿بِالْغَيْبِ﴾، أي: حال غيابه عن الناس، مثل أن يكون في ليل أو في ظل شجرة أو من وراء أكمة أو في مجرى سيل أو نحو ذلك فقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: بغيبه عن الناس؛ لأن من الناس من يُظهر مخافة الله ظاهرًا ولكنه باطنًا لا يخاف الله ، والذي يُمدح من يخاف الله بالغيب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢]. قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن اعتدى على محارم الله بعد أن بيّن الله له الحكم فله عذاب أليم، أي: عذاب مؤلم إما في الدنيا وإما في الآخرة. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: بيان امتحان الله ﵎ لعباده بتيسير أسباب المعصية لهم ليعلم من يخافه بالغيب ومن لا يخافه إلا في العلانية، وجهه من الآية ظاهر: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾. الفائدة الثانية: فضيلة الصحابة ﵃، الذين هم مُقَدَّمُ هذه الأمة، وذلك بخوفهم من الله وعدم تحيلهم على محارم الله وعدم انتهاكهم لحرمات الله، فإن هذا الصيد الذي ابتلوا به، وقع ذلك فعلًا، لأن الله أخبر بأنه سيفعل وفعل ، لكن لم يذكر عن واحد منهم أنه أخذ صيدًا واحدًا، خافوا الله وعظموا محارمه، وهذا فضل عظيم لهذه الأمة. الفائدة الثالثة: أن هذه الأمة تفضل سائر الأمم وعلى رأسهم الأمة اليهودية، لأن الأمة اليهودية ابتلاهم الله تعالى بنحو

стр. 867

هذا، ولكنهم تحيلوا على محارم الله، ابتلاهم الله تعالى بالصيد البحري لا الصيد البري، فحرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فاحتالوا على ذلك وجعلوا شباكًا في يوم الجمعة ثم يأخذون السمك أو الحيتان يوم الأحد، فابتلاهم الله بكون الحيتان تأتي يوم السبت "شرّعًا" أي: على سطح الماء من كثرتها، فتحيلوا هذه الحيلة، فقال الله تعالى لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، فكانوا قردة والعياذ بالله، كل أهل القرية أصبحوا يتعاوون كما تعاوى القردة؛ لأنهم تحيلوا على محارم الله بما ظاهره الإباحة، فقلبهم الله تعالى إلى حيوان أقرب ما يكون من الإنسان. الفائدة الرابعة: أن يتنبه الإنسان لنفسه إذا يُسرت له أسباب المعصية وألا يتدرج به الشيطان؛ لأن الإنسان قد تيسر له أسباب المعصية ولا يدري عن نفسه ثم ينهمك حتى يقع في المحظور، فليحذر الإنسان من تسهيل أو من تيسير أسباب المعصية له أن يقع في المعصية، ولهذا كان الإنسان إذا ابتلي بتيسير المعصية له وتركها لله عوضه الله تعالى خيرًا منها، وانظر إلى يوسف ﵊ فقد يسر الله له أسباب المعصية تيسيرًا لا نظير له فيما نعلم، كان مملوكًا لعزيز مصر وكان له امرأة يُرى أنها من أجمل النساء؛ لأنها امرأة العزيز، وأعجبها يوسف وأحبته حبًّا شديدًا حتى وصل حب هذا الرجل إلى شغاف القلب، يعني قعر القلب، وعجزت أن تصبر، في يوم من الأيام سولت لها نفسها أن تدعوه إلى فعل الفاحشة، فدعته وغلقت الأبواب، والأبواب جمع باب أقلها ثلاثة، في حجرة من وراء حجرة من وراء حجرة

стр. 868

والأبواب مغلقة، وليس عندها أحد فدعته لنفسها، وتوعدت أنه إن لم يفعل سجنته، وأهانته قالت: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢] فدعا ربه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ [يوسف: ٣٣]، ولا يُظَنُّ أنَّ الجمع في قوله: ﴿يَدْعُونَنِي﴾ يعني أن مع المرأة أحدًا، ولكن يريد الجنس؛ فإن هذه التي فتنته ربما يفتنه غيرها، فأراد أن يكون دعاؤه عامًا: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ [يوسف: ٣٤]، يوسف ﵊ هُيئت له أسباب المعصية، بل أكثر من ذلك، هدد بأن يهان ويسجن إن لم يفعل ومع ذلك لجأ إلى الله ، وفي هذه الضرورة استجاب الله تعالى دعاءه. وفي السبعة الذين يظلهم الله في ظله: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله" (١) لم يذكر أي مانع سوى خوف الله ، وهل خوفه بالغيب أو بالشهادة؛ بالغيب؛ لأنه ليس عنده أحد، لو عنده أحد لقال: إني أخاف أن يشهد فلان أو فلانة، فالمهم انتبه لنفسك سواء في البيع أو في الشراء أو في أي شيء، انتبه لنفسك إذا يُسرت لك أسباب المعصية فاعلم أن ذلك امتحان من الله. الفائدة الخامسة: أن الصيد في حال الإحرام محرم؛ لقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.

стр. 869

الفائدة السادسة: أن من اعتدى بعد أن تبين له الحكم فله عذاب أليم، أي: مؤلم. الفائدة السابعة: أن من كان جاهلًا فإنه لا إثم عليه إذا فعل المعصية، لقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾. الفائدة الثامنة: إثبات علم الله ﵎؛ لقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، والله ﵎ علمه محيط بكل شيء. فإن قال قائل: هذه الآية سياقها يدل على تجدد العلم لله ؛ لأنه قال: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ﴾ ثم قال: ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، وهو جلَّ وعلا عالم بذلك قبل أن يخلق هذا وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهذا إشكال واقع يشكل على كثير من الناس فالله يقول: ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، أليس الله قد علم؟ الجواب: بلى، قد علم. والجواب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن علم الله بالشيء قبل وقوعه علم بأنه سيقع، وعلمه بعد وقوعه علم بأنه واقع، وفرق بين كون الشيء معلومًا قبل أن يقع ومعلومًا بعد أن يقع. فإن قال قائل: هذا مُسَلَّمٌ في علم الإنسان، فإن الإنسان إذا علم بأن الشيء سيقع غدًا فهذا علم، لكن إذا وقع صار علمه الثاني أقوى من علمه الأول؛ لأن علمه الأول علم يقين، وعلمه الثاني عين يقين، ومعلومٌ أن الإنسان يتجدد علمه ويقوى علمه تارة ويضعف تارة لكن علم الله واحد؟

стр. 870

الجواب: نحن لا نقول: إن الله إذا عَلِمَهُ واقعًا ازداد علمه بذلك؛ أبدًا، هو عالم به؛ لكن عالم به أنه وقع لا أنه سيقع؛ لأن العلم الأول لا يترتب عليه جزاء بالنسبة للعبد، والعلم الثاني: يترتب عليه جزاء. أما الوجه الثاني فنقول: علمه السابق لما وقع علم بأنه سيقع، ولكنه لا يترتب على هذا العلم أي ثواب أو عقاب، لكن متى يترتب الثواب والعقاب؟ الجواب: إذا عمل العبد، فيكون علمه الثاني الذي بعد وقوع الشيء علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، ويتعين الجواب بهذا؛ لئلا يظن الجاهل أن علم الله يتجدد، ونحن نعلم أن علم ربنا لم يزل ولا يزال موجودًا. الفائدة التاسعة: الثناء على من يخاف الله بالغيب، جعلنا الله منهم؛ لأن كثيرًا من الناس يخاف الله ، فعنده خوف من الله؛ لكن يَقِلُّ خوفه إذا لم يكن حوله أحد، وإذا علم أن الناس يعلمون به ازداد خوفه يعني أصل الخوف عنده، لكن إذا كان عنده أحد، ازداد خوفه من فعل المعصية خوفًا من عقاب الله وخوفًا من ملامة الناس، وهذا وإن كان محمودًا لكنه ضعيف الخوف من الله، ويخشى عليه أن يداهن الناس ويراقبهم فيقع في الرياء، فعليك يا طالب العلم أن يكون خوفك لله واحدًا في السر وفي العلانية. لو قال قائل: بعض الناس يكون مستقيمًا ثم يفتح الله عليه أو يبتليه بالغنى فيضعف إيمانه وتَقِلُّ عبادته وقد يقطع رحمه فما رأيكم في هذا؟

стр. 871

الجواب: صحيح ليس فيه شك، هذا واقع يعني إصابة الإنسان بذنبه وبإعراضه عن طاعة الله أشد من العقوبة؛ ولهذا قال الله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، فكون الإنسان مستقيمًا ثم يشعر بأن استقامته ضعفت، وصار يرتكب المعاصي هذه عقوبة، يقول بعض السلف: إن الإنسان ليحرم صلاة الليل بالذنب يصيبه، لكن أكثر الناس في غفلة عن هذا، يظنون أن المصائب التي على الذنوب هي المصائب الحسية وليس كذلك، مصيبة القلب أشد، نسأل الله السلامة. * * * ° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ [المائدة: ٩٥]. قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ يقال فيها: كما قلنا في الآية التي قبلها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ﴾ [المائدة: ٩٤]، والمناسبة بين هذه الآية والتي قبلها ظاهرة، أنه لما أخبر أنه سيختبرهم بهذا الصيد نهاهم أن يقتلوه، فقال جلَّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، جملة ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ في محل نصب على الحال، "والحرم" جمع حرام، والمراد به: الحرم في المكان والحرم في الحال، الحرم في المكان: بأن يكونوا في حرم مكة، والحرُم في الحال: بأن يكونوا محرمين

стр. 872

بحج أو عمرة، وعلى هذا لو أحرم الإنسان من ذي الحليفة فمن حين إحرامه من ذي الحليفة يدخل في الآية، ولو كان محلًا ووصل إلى مكة إلى حدود الحرم، فإذا دخل هذه الحدود فقد صار حرامًا أي: يدخل في الآية أيضًا. قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ "لا" ناهية، وعلامة كونها ناهية حذف النون. وقوله: ﴿الصَّيْدَ﴾، "أل" لبيان الحقيقة، فما هو الصيد المحرم؟ العلماء ولاسيما أهل الفقه ﵏، بينوا ضابطًا لهذا، فقالوا: إنه الحيوان البري المأكول المتوحش طبعًا. فقولنا: "الحيوان" هذا جنس، و"البري" ضده البحري، و"المأكول" ضده الحرام، و"المتوحش طبعًا" ضده المتأهل وهو الحيوان الإنسي، الذي يألف الناس في بيوتهم، هذا هو الصيد. وعلى هذا: فحيوان البحر لا يدخل في النهي؛ لأنه ليس مرادًا بهذه الآية، وإن كان صيدًا لكنه بحري، وقد قال الله ﵎: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وهذه الآية صريحة فصَّل الله فيها وبيّن، فلو أن المحرم ذبح دجاجة فإنه ليس عليه إثم؛ لأن الدجاج من الإنسي ليس من المتوحش، ولو ذبح خروفًا فلا بأس، مع أنه بري مأكول، لكنه ليس متوحشًا، وإن كان بريًا ومأكولًا، فالعبرة بالطبع وبالأصل، ولا عبرة بالوصف الطارئ، فلو توحش إنسيٌ أو استأنس وحشي، فالعبرة بالأصل، ولهذا لو أن إنسانًا ربى أرنبًا فهل يجوز إذا أحرم أن يذبحها؟

стр. 873

الجواب: لا، مع أنه رباها لأن العبرة بأصلها فهي متوحشة في الأصل، والتأهل طارئ عليها، ولو أن الدجاجة فرت وتوحشت وصارت تطير مع الطيور، هل هي حلال للمحرم أم غير حلال؟ حلال للمحرم لأن الأصل أنها متأهلة والعبرة بالأصل. لكن لو قال قائل: الحيوانات المتوحشة هل هي محدودة أم معدودة؟ الجواب: الذي ينبغي أن يقال: يرجع للعرف إذا لم يكن معينًا بالشرع، بأنه صيد، فالجاموس مثلًا أُخبرت بأنه في بعض البلاد مستأنس وفي بعضها متوحش يخرج الناس لاصطياده في البر. قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ النهي في قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ لئلا يَجُرَّ طلب الصيد المحرم عن نسكه، فينشغل القلب؛ لأنه لا أشد من لهو الصيود، والإنسان المبتلى باللهو بالصيد لا يقر له قرار حتى يتابع الصيد، ولهذا نسمع عن أهل الصيد أن الواحد منهم يتعب بالخروج إلى البر لطلب الصيد، ويلحقه الظمأ والجوع والشوك وحرارة الأرض وبرودة الشتاء، ولكنه لا يبالي؛ لأن قلبه مشغول، وإذا كان الله تعالى قال ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ لئلا ينشغل الحاج، فانشغاله بالصيود أشد لهوًا. قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَم﴾ الجملة شرطية، "مَنْ" اسم شرط، وأسماء الشرط تفيد العموم، يعني: أي إنسان قَتَلَهُ مِنْكُمْ أيها المؤمنون متعمدًا لقتله في حال إحرامه أو في حال كونه حرامًا، فعليه جزاء مثل ما قتل من

стр. 874

النعم، وعلى هذا فقوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ مبتدأ، وخبره محذوف والتقدير: "فعليه جزاؤه" أي: عليه جزاءٌ يجزي به عما قتل، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله. و﴿مِثْلُ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾، ولا يمكن أن نجعلها نعتًا؛ لأن (مثلُ) معرفة حيث أضيفت إلى اسم الموصول، و"جزاءٌ" نكرة، ولا تنعت النكرة بالمعرفة ولكن نجعلها عطف بيان، وعطف البيان قريب من الصفة، لكن لا يشترط فيه ما يشترط في النعت. وقوله: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ يعني: يكون مماثلًا له، والمراد بالمماثلة هنا: المقاربة في الخلقة؛ لأن التماثل بين الصيد وبين النعم مستحيل، أعني التماثل من كل وجه؛ لكن المراد بذلك التقارب في الخلقة. وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ هي ثلاثة أشياء: الإبل والبقر والغنم وتسمى بهيمة الأنعام. قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أي: بهذا الجزاء، أو بهذا المثل: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ذوا: مثنى وهي مضافة إلى عدل، أي: صاحبا عدل منكم، والعدالة: هي الاستقامة في الدين والمروءة، فمعنى ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ أي: ذوا استقامة في الدين والمروءة. أما في الدين: ففسرها الفقهاء ﵏ بأن يأتي بالفرائض، وأن لا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة، هذه الاستقامة في الدين. الاستقامة في المروءة: أن لا يفعل ما يشينه عند الناس وأن يفعل ما يجمله عندهم، يعني يفعل الجميل ويدع المشين، وهذا

стр. 875

الأخير يختلف باختلاف الأحوال والبلدان والأزمان، قد يكون فعل شيء في بلد لا يخرم المروءة، وقد يكون في بلد آخر يخرم المروءة، والعبرة بأعراف الناس المستقيمة لا عبرة للهمج الذين حق عليهم قول النبي ﷺ - ﷺ : "إِن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إِذا لم تستحِ فاصنع ما شئت" (١)، المراد: ذوو المروءة الحميدة. قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: الخطاب للمؤمنين، فلا بد أن يكون الحَكم من المؤمنين، ويحتمل أن يكون الخطاب للصحابة ﵃، فيرجع في ذلك إلى حكمهم، وسيذكر هذا في الفوائد إن شاء الله. قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾: "هديًا" حال يعني حال كون هذا الجزاء هديًا، ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾: أي: واصلًا إلى الحرم، وليس المراد إلى جوف الكعبة بإجماع المسلمين. قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ "أو" هنا للتخيير، وكلما جاءت "أَو" في كتاب الله فهي للتخيير، وإن شرط الترتيب فإن الله يبيّنه . وقوله: ﴿طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ بيان للكفارة أنها طعام مساكين، وفي قراءةٍ ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ بالإضافة، والكفارة: مأخوذة من الكَفْر بمعنى الستر، وهي الفدية التي تستر الذنب حتى لا يكون له أثر على الإنسان، لا في قلبه ولا في وجهه ولا في قومه.

стр. 876

وقوله: ﴿مَسَاكِينَ﴾ المساكين: جمع مِسكين والمراد به الفقير، ويقال: فقير والمراد به المسكين؛ وذلك أن الفقير والمسكين من الكلمات التي إذا اجتمعت تفارقت وإذا تفارقت اجتمعت، أي: أنه إذا ذكر أحدها شمل الآخر، وإن اجتمعا فسر كل واحد منها بمعنى، فمثلًا هنا المسكين هو الفقير، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] المساكين غير الفقراء. وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ولم يبيّن الله أن الطعام مماثل للصيد؛ وذلك لتعذر المماثلة؛ لأن الطعام إما بر أو شعير أو تمر أو ما أشبه ذلك، فلا يمكن أن يماثل الحمامة أو النعامة أو الظبي أو ما أشبه ذلك، بخلاف ما إذا كان من النعم فإنه يمكن أن يماثله، ولم يبيّن الله مقدار هذا الطعام وسيأتي إن شاء الله بيانه في الفوائد. قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ عدل أي: معادل ﴿ذَلِكَ﴾ اسم إشارة، والإشارة تكون إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور الطعام، فيكون المعنى: أو عدل الطعام صيامًا. قوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ﴿لِيَذُوقَ﴾: "اللام" هنا للتعليل، و"يذوق" فعل مضارع فاعله مستتر جوازًا تقديره هو؛ لأنه يعود على "من" في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾ و"من": اسم موصول لفظه مفرد، ومعناه صالحٌ للمفرد والجمع، ويبين ذلك الضمير الذي يرجع إليه. وعليه فنقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ واحد أو جماعة؟ واحد.

стр. 877

وقوله: ﴿لِيَذُوقَ﴾ أي: القاتل ﴿وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: عاقبة أمره الثقيلة؛ لأن الوبال أصله الشيء الثقيل، والمراد به هنا: العاقبة الثقيلة؛ لأن من المعلوم أن الإنسان إذا ألزم بهذا الجزاء وهو مثل ما قتل من النعم أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا، فإن ذلك يشق عليه حسب حاله. وقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: وبال شأنه وحاله. وقوله: ﴿عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ -الحمد لله-، ﴿عَفَا اللهُ﴾ أي: تجاوز ومحاه، ﴿عَمَّا سَلَفَ﴾: يعني من قتلكم الصيد؛ لأنه كان قبل التحريم، فلا يؤاخذ به العبد، وهذا نظير قول الله ﵎ فيمن ماتوا قبل تغيير القبلة وكانوا يصلون إلى بيت المقدس، فقال الله تعالى في حقهم: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أى: من عاد بعد أن تبيّن له الحكم. قوله: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ أي: فإن الله ينتقم منه، والانتقام الأخذ بالعقوبة، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: ذو عزة، والعزة هي القهر والغلبة، والانتقام هو أخذ الجاني بما فعل، و"ذو" في قوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ خبر ثاني للفظ الجلالة، والخبر الأول ﴿عَزِيزٌ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تحريم قتل الصيد حال الإحرام أو في الحرم؛ لقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾. الفائدة الثانية: أن قتله منافٍ لكمال الإيمان، وجه ذلك: أن الله تعالى وجه الخطاب بهذا النهي إلى المؤمنين.

стр. 878

الفائدة الثالثة: أن امتثال ذلك، أي: اجتناب قتل الصيد، من مقتضيات الإيمان. الفائدة الرابعة: أن تركه: أي: ترك قتل الصيد يزيد في الإيمان؛ لأنه إذا كان قتله يُنقّص الإيمان فترك قتله يزيد فيه، وهنا نقول: من ترك المعصية هل يثاب عليها ويزداد بها إيمانًا؟ الجواب: لا بد من تفصيله على النحو التالي: الأول: أن يتركها لله ، بعد أن هَمَّ بها أو زُيّنت له بوساوس شياطين الإنس أو الجن، تركها لله فهذا يثاب عليها؛ لأنه تركها لله ، وإخلاصه لله بتركها طاعة يثاب عليها. القسم الثاني: أن يتركها رغبة عنها، لا لله ولا لعجزه عنها، فهذا لا له ولا عليه، كإنسان هم بمعصية وتأهب لها ولكنه تركها تنازلًا، لماذا؟ قال: والله لقد ملَّت نفسي، لا أريد، فهذا لا له ولا عليه، لا له؛ لأنه لم يحدث إخلاصًا، ولا عليه؛ لأنه لم يفعلها. الثالث: من أراد المعصية وسعى لها سعيها، لكنه عجز عنها فهذا يكتب له مثل وزر فاعلها، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (١). هذه أقسام ترك المحرم.

стр. 879

الفائدة الخامسة: أن ما صاده المحرم ميتة لا يحل أكله لا له ولا لغيره، سواء قتله بالسهم، أو أمسكه وذبحه فإنه ميتة، وجه الدلالة: أن الله عبر عن صيده بقتله، ومعلوم أن القتل ليس ذكاةً، فيدل هذا على أن ما قتله المحرم من الصيود فهو ميتة، هذا ما قتله المحرم، لكن ما صاده المحل فهل يحرم على المحرم؟ الجواب: الصحيح أن في هذا تفصيل وأنه إن صاده للمحرم فهو حرام على المحرم، وإن صاده لنفسه أو لغيره من غير المحرمين فهو حلال للمحرم، وعلى هذا تدل الأدلة، ففي حديث أبي قتادة ﵁ أنه كان في غزوة الحديبية غير محرم، فرأى حمارًا وحشيًّا فطلب من أصحابه أن يناولوه الرمح فأبوا عليه، ثم صاد الحمار وجاء به إليهم فأباحه النبي ﷺ مع أنهم محرمون (١)؛ لكنه لم يصده لهم وإنما صاده لنفسه، ويهدي إلى من شاء، وهذا ظاهر أنه لم يرده لهم؛ لأنه لما طلب منهم الرمح أبوا عليه، ومقتضى الطبيعة أن مثل هذه القضية لا يمكن أن يريده لهم وهم الذين منعوا أن يساعدوه. أما الثاني: وهو إذا صِيد الصيدُ للمحرم، فدليله حديث الصعب بن جثَّامة ﵁ نزل به النبي ﷺ كل ضيفًا، وكان رجلًا راميًا وسباقًا، فأخذ الرمح وذهب يصيد، فجاء بحمار وحشي، فرده النبي ﷺ عليه، فلما رأى ما في وجهه قال له: "إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم" (٢) يعني محرمين.

стр. 880

الأول: حديث أبي قتادة أحله النبي ﷺ لهم، والثاني: امتنع منه؛ لأن الصعب إنما صاده لأجل النبي ﷺ إكرامًا له؛ لأنه ضيفه، ويؤيد هذا التفصيل حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "صيد البر حلالًا لكم -يعني المحرمين- ما لم تصيدوه أو يصد لكم" (١). لو قال قائل: ما صيد للمحرم حرامٌ عليه، لكن هل يحرم على غيره، من المحرمين أو المحلين؟ الجواب: لا؛ لأن الذي صاده حلال، وصيد الحلال حلال، فلو صاد الإنسان صيدًا ولنقل صاد غزالًا وهو محل يريد أن يهديها لآخر محرم، فهي حرام على المحرم، لكن يوجد أناس محرمون آخرون تحل لهم وتحل للمحلّين من باب أولى. الفائدة السادسة: أن اصطياد المحرم يعني أن ما صاده المحرم فهو حرام لقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾. الفائدة السابعة: أن الجزاء إنما يلزم المتعمد، لقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، فلو أخطأ بأن رمى شجرة وإذا فوقها صيد فأصابه، فوقع الصيد فليس عليه جزاء؛ لأنه ليس متعمدًا، وإذا لم يكن متعمدًا فإن مفهوم الآية الكريمة ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾: فإنه لا جزاء عليه.
следующие страницы →