← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وقوله: ﴿مَسَاكِينَ﴾ المساكين: جمع مِسكين والمراد به الفقير، ويقال: فقير والمراد به المسكين؛ وذلك أن الفقير والمسكين من الكلمات التي إذا اجتمعت تفارقت وإذا تفارقت اجتمعت، أي: أنه إذا ذكر أحدها شمل الآخر، وإن اجتمعا فسر كل واحد منها بمعنى، فمثلًا هنا المسكين هو الفقير، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] المساكين غير الفقراء. وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ولم يبيّن الله أن الطعام مماثل للصيد؛ وذلك لتعذر المماثلة؛ لأن الطعام إما بر أو شعير أو تمر أو ما أشبه ذلك، فلا يمكن أن يماثل الحمامة أو النعامة أو الظبي أو ما أشبه ذلك، بخلاف ما إذا كان من النعم فإنه يمكن أن يماثله، ولم يبيّن الله مقدار هذا الطعام وسيأتي إن شاء الله بيانه في الفوائد. قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ عدل أي: معادل ﴿ذَلِكَ﴾ اسم إشارة، والإشارة تكون إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور الطعام، فيكون المعنى: أو عدل الطعام صيامًا. قوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ﴿لِيَذُوقَ﴾: "اللام" هنا للتعليل، و"يذوق" فعل مضارع فاعله مستتر جوازًا تقديره هو؛ لأنه يعود على "من" في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾ و"من": اسم موصول لفظه مفرد، ومعناه صالحٌ للمفرد والجمع، ويبين ذلك الضمير الذي يرجع إليه. وعليه فنقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ واحد أو جماعة؟ واحد.

стр. 877

وقوله: ﴿لِيَذُوقَ﴾ أي: القاتل ﴿وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: عاقبة أمره الثقيلة؛ لأن الوبال أصله الشيء الثقيل، والمراد به هنا: العاقبة الثقيلة؛ لأن من المعلوم أن الإنسان إذا ألزم بهذا الجزاء وهو مثل ما قتل من النعم أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا، فإن ذلك يشق عليه حسب حاله. وقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: وبال شأنه وحاله. وقوله: ﴿عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ -الحمد لله-، ﴿عَفَا اللهُ﴾ أي: تجاوز ومحاه، ﴿عَمَّا سَلَفَ﴾: يعني من قتلكم الصيد؛ لأنه كان قبل التحريم، فلا يؤاخذ به العبد، وهذا نظير قول الله ﵎ فيمن ماتوا قبل تغيير القبلة وكانوا يصلون إلى بيت المقدس، فقال الله تعالى في حقهم: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أى: من عاد بعد أن تبيّن له الحكم. قوله: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ أي: فإن الله ينتقم منه، والانتقام الأخذ بالعقوبة، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: ذو عزة، والعزة هي القهر والغلبة، والانتقام هو أخذ الجاني بما فعل، و"ذو" في قوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ خبر ثاني للفظ الجلالة، والخبر الأول ﴿عَزِيزٌ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تحريم قتل الصيد حال الإحرام أو في الحرم؛ لقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾. الفائدة الثانية: أن قتله منافٍ لكمال الإيمان، وجه ذلك: أن الله تعالى وجه الخطاب بهذا النهي إلى المؤمنين.

стр. 878

الفائدة الثالثة: أن امتثال ذلك، أي: اجتناب قتل الصيد، من مقتضيات الإيمان. الفائدة الرابعة: أن تركه: أي: ترك قتل الصيد يزيد في الإيمان؛ لأنه إذا كان قتله يُنقّص الإيمان فترك قتله يزيد فيه، وهنا نقول: من ترك المعصية هل يثاب عليها ويزداد بها إيمانًا؟ الجواب: لا بد من تفصيله على النحو التالي: الأول: أن يتركها لله ، بعد أن هَمَّ بها أو زُيّنت له بوساوس شياطين الإنس أو الجن، تركها لله فهذا يثاب عليها؛ لأنه تركها لله ، وإخلاصه لله بتركها طاعة يثاب عليها. القسم الثاني: أن يتركها رغبة عنها، لا لله ولا لعجزه عنها، فهذا لا له ولا عليه، كإنسان هم بمعصية وتأهب لها ولكنه تركها تنازلًا، لماذا؟ قال: والله لقد ملَّت نفسي، لا أريد، فهذا لا له ولا عليه، لا له؛ لأنه لم يحدث إخلاصًا، ولا عليه؛ لأنه لم يفعلها. الثالث: من أراد المعصية وسعى لها سعيها، لكنه عجز عنها فهذا يكتب له مثل وزر فاعلها، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"، قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (١). هذه أقسام ترك المحرم.

стр. 879

الفائدة الخامسة: أن ما صاده المحرم ميتة لا يحل أكله لا له ولا لغيره، سواء قتله بالسهم، أو أمسكه وذبحه فإنه ميتة، وجه الدلالة: أن الله عبر عن صيده بقتله، ومعلوم أن القتل ليس ذكاةً، فيدل هذا على أن ما قتله المحرم من الصيود فهو ميتة، هذا ما قتله المحرم، لكن ما صاده المحل فهل يحرم على المحرم؟ الجواب: الصحيح أن في هذا تفصيل وأنه إن صاده للمحرم فهو حرام على المحرم، وإن صاده لنفسه أو لغيره من غير المحرمين فهو حلال للمحرم، وعلى هذا تدل الأدلة، ففي حديث أبي قتادة ﵁ أنه كان في غزوة الحديبية غير محرم، فرأى حمارًا وحشيًّا فطلب من أصحابه أن يناولوه الرمح فأبوا عليه، ثم صاد الحمار وجاء به إليهم فأباحه النبي ﷺ مع أنهم محرمون (١)؛ لكنه لم يصده لهم وإنما صاده لنفسه، ويهدي إلى من شاء، وهذا ظاهر أنه لم يرده لهم؛ لأنه لما طلب منهم الرمح أبوا عليه، ومقتضى الطبيعة أن مثل هذه القضية لا يمكن أن يريده لهم وهم الذين منعوا أن يساعدوه. أما الثاني: وهو إذا صِيد الصيدُ للمحرم، فدليله حديث الصعب بن جثَّامة ﵁ نزل به النبي ﷺ كل ضيفًا، وكان رجلًا راميًا وسباقًا، فأخذ الرمح وذهب يصيد، فجاء بحمار وحشي، فرده النبي ﷺ عليه، فلما رأى ما في وجهه قال له: "إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم" (٢) يعني محرمين.

стр. 880

الأول: حديث أبي قتادة أحله النبي ﷺ لهم، والثاني: امتنع منه؛ لأن الصعب إنما صاده لأجل النبي ﷺ إكرامًا له؛ لأنه ضيفه، ويؤيد هذا التفصيل حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "صيد البر حلالًا لكم -يعني المحرمين- ما لم تصيدوه أو يصد لكم" (١). لو قال قائل: ما صيد للمحرم حرامٌ عليه، لكن هل يحرم على غيره، من المحرمين أو المحلين؟ الجواب: لا؛ لأن الذي صاده حلال، وصيد الحلال حلال، فلو صاد الإنسان صيدًا ولنقل صاد غزالًا وهو محل يريد أن يهديها لآخر محرم، فهي حرام على المحرم، لكن يوجد أناس محرمون آخرون تحل لهم وتحل للمحلّين من باب أولى. الفائدة السادسة: أن اصطياد المحرم يعني أن ما صاده المحرم فهو حرام لقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾. الفائدة السابعة: أن الجزاء إنما يلزم المتعمد، لقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، فلو أخطأ بأن رمى شجرة وإذا فوقها صيد فأصابه، فوقع الصيد فليس عليه جزاء؛ لأنه ليس متعمدًا، وإذا لم يكن متعمدًا فإن مفهوم الآية الكريمة ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾: فإنه لا جزاء عليه.

стр. 881

لو قال قائل: لو كان ناسيًا أنه محرم أو ناسيًا أن قَتْلَ الصيد حرام فَقَتَلَ الصيد فهل عليه جزاء؟ الجواب: لا؛ ليس عليه جزاء؛ لأنه ناسي، وقد قيد الله ذلك بقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، ويدل لهذا عمومات الأدلة الدالة على أن الجاهل والناسي ليس عليهما إثم ولا فدية ولا كفارة، كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقال الله: قد فعلت، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥]. وهذه القاعدة أنه لا مؤاخذة مع الجهل والنسيان وكذلك الإكراه، قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية، ولا يجوز أن نخرج منها أي شيء إلا بدليل، وهذا الذي قررناه هو الصواب الذي تدل عليه الأدلة العامة والخاصة. وقال بعض أهل العلم: إن المخطئ والناسي يرتفع عنه الإثم ولكن عليه الجزاء، وعللوا ذلك بتعليل عليل. أولًا: لقضاء بعض الصحابة ﵃ في النعامة بدنة، وفي الحمامة شاة، وما أشبه ذلك، ولم يستفصلوا. ثانيًا: أن ما سبيله الإتلاف يستوي فيه العلم والذكر وضدهما، بدليل: أن الإنسان لو أتلف مالًا لشخص يظنه مال نفسه، فهل عليه الضمان أو لا؟ عليه ضمانه لا شك، وكذلك لو أتلفه ناسيًا، فعليه ضمانه، لا إشكال في هذا، ولكن هذا التعليل عليل. أما الأول: وهو قضاء بعض الصحابة ﵃، ولم

стр. 882

يستفصلوا، فالصحابة إنما بيّنوا الواجب، يعني الواجب في قتل الصيد بقطع النظر هل على هذا القاتل جزاء أم لا؟ لأن هذا يحتاج إلى تحرير وإلى سؤال مناقشة، هل هو عالم؟ ، أو جاهل؟ ، أو ذاكر؟ ، أو ناسي؟ وحينئذٍ لا دليل فيما أطلقه الصحابة، إنما يريدون بيان الواجب فقط. وأما الثاني: وهو أن الإتلاف يستوي فيه العمد والسهو والجهل، فهذا حق لكنه في حق الآدمي الذي حقه مبنيٌ على المشاحة ولئلا يتلاعب الناس بالحقوق؛ لأننا لو قلنا: إن من أتلف مال شخصٍ جاهلًا ليس عليه ضمان لتلاعب الناس بعضهم ببعض، وصار هذا يتلف مال هذا ويحرق مال هذا، ويقول: أنا ما دريت وما علمت، ولحصل بسبب هذا ضرر عظيم، فصار تضمين من أتلف مال آدمي جاهلًا أو ناسيًا؛ لأن حق الآدمي مبني على المشاحة هذه واحدة؛ ولأننا لو لم نُضمِّنه لكان في ذلك فتح لأكل أموال الناس بالباطل، ونهب الناس بعضهم أموال بعض، أما حق الله فهو مبني على المسامحة والمياسرة، والدين يسر، فافترقا. إذًا: الصواب أن من قتل صيدًا جاهلًا أو ناسيًا أو مخطئًا فليس عليه جزاء، أما الصيد نفسه فهو ميتة لا يؤكل؛ لكن الكلام عن الجزاء. الفائدة الثامنة: تعظيم الإحرام وتعظيم الحرم، أما تعظيم الإحرام: فإن منع المحرم من الصيد يعني احترام النسك وعدم اللهو وعدم الترف؛ لأنه لو أبيح للمحرم أن يصطاد لتلهى عن النسك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا

стр. 883

فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، كل هذا لأجل أن يتفرغ الإنسان قلبًا وقالبًا لما هو متلبس به من النسك. وأما حرم مكة فظاهر أيضًا أن في الآية دليلًا على تعظيمه وحرمته؛ لأن الحرم آمن كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقال : وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين: ٣]، هذا البلد آمِن فيه الآدميون والحيوان والأشجار؛ ولذلك يحرم صيده ويحرم قطع شجره إلا الميت ويحرم القتال فيه، كما قال : ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]. ولأن النبي ﷺ أعلن عام فتح مكة أنه لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، وأجاب ﵊ عن كونه استحلها بأنها إنما أحلت له ساعة من نهار (١)؛ لأن إحلالها يتضمن مصلحة كبرى أعظم من انتهاك حرمتها في تلك الساعة؛ ولأنه يؤدي إلى احترامها؛ لأن هناك فرقًا بين أن تكون بلاد كفر أو بلاد إسلام، ولا طريق لكونها بلاد إسلام في ذلك الوقت إلا بالقتال، فالقتال أحل للضرورة؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : "وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس" (٢)،

стр. 884

وقال: "إن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (١)، جواب سديد، ولله ﵎ أن يأذن لمن شاء من خلقه. الفائدة التاسعة: أن الواجب في قتل الصيد يعني في جزائه، واحد من أمور ثلاثة: إما المثل وإما إطعام مساكين وإما صيام يعادل ذلك، على التخيير أو على الترتيب؟ على التخيير، وكلما وجدت "أو" في القرآن فهي على التخيير، كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [لبقرة: ١٩٦]، وكقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. في هذه الآية جزاء مثل ما قتل أو ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فهو للتخيير. فيخيّر الإنسان الذي قتل الصيد بين أن يهدي مثله إلى الحرم -وسيأتي كيف يعرف المثل- أو كفارة طعام مساكين، ولم يذكر الله ﵎ مقدار هذا الطعام، فهل نقول في قوله: ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾: إن أقل الجمع ثلاثة، وأنه لو أطعم ثلاثة مساكين كفى، أو نقول: ما دامت المسألة معادلة فلا بد أن يكون هذا الإطعام معادلًا إما للصيد نفسه وإما لمثل الصيد؟ الاحتمال الأول: وهو أن يكون طعام ثلاثة مساكين، هذا غير صحيح. بقي عندنا أن يعادل بالصيد أو بمثل الصيد، هذا اختلف فيه العلماء، فقيل: إنه يقوّم الصيد بما يساوي من طعام ثم يطعم هذا

стр. 885

الطعام للمساكين، وقيل: إنه يقوّم المثل ويشترى بقيمته طعامٌ يطعم المساكين، لكن أيهما أحظ للفقراء؟ يختلف، أحيانًا يقوّم المثل، فيكون المثل أغلى، وأحيانًا يكون الصيد أغلى، النعامة مثلًا كم تساوي؟ أحيانًا ترتفع قيمتها حتى تكون قيمتها أكثر من قيمة البدنة عشر مرات، وأحيانًا تكون رخيصة وقيمة البدنة أكثر منها. فالعلماء ﵏ منهم من جنح إلى أن الذي يقوّم الصيد، ومنهم من قال: بل الذي يقوّم المثل، ولو ذهب ذاهب وقال: إنه يُنظر الأحظ للمساكين، فإن كان الأحظ تقويم المثل قوّمناه، وإن كان الأحظ تقويم الصيد قوَّمناه، لو ذهب ذاهب هذا المذهب لكان مذهبًا جيدًا، قياسًا على قيمة عروض التجارة في الزكاة تقوّم بالدراهم أو بالدنانير؟ إذا كانت تبلغ النصاب بالذهب ولا تبلغه بالفضة، أو بالعكس بماذا نقومها؟ بالأحظ للفقراء، إن كان الأحظ أن تقوّم بالدنانير قومناها بالدنانير، وإن كان الأحظ أن تقوّم بالدراهم قومناها بالدراهم. فلو قيل في هذه المسألة: إنه ينظر إلى الأحظ للمساكين؛ لأن الطعام طعامهم، فما كان أحظ عمل به، لكان له وجه، ولكن هذا الوجه يقابله وجه آخر وهو أن الأصل براءة الذمة، فلا نكلف القاتل أكثر مما يجب عليه، وعلى هذا التقدير يُنظر للأقل، إن كان تقويم الصيد أقل أخذ به، وإن كان تقويم المثل أقل أخذ به، فالآية عندي محتملة، والإنسان نرجو إذا أخذ بهذا لا يأثم وبهذا لا يأثم. تقدم في قواعد التفسير:

стр. 886

أولًا: من أين تأخذ التفسير. ثانيًا: النسخ وقد تقدم. ثالثًا: المكي والمدني. المكي والمدني: نسبة إلى مكة وإلى المدينة، لكن قد يتبادر إلى الذهن أن المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، ولكن المشهور عند أهل العلم أن المكي ما نزل قبل الهجرة، وأن المدني ما نزل بعد الهجرة، حتى لو كان في مكة، هذا الذي عليه الجمهور، وهو أضبط من أن نقول: المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة؛ لأن هناك قسمًا ثالثًا وهو: أن بعض الآيات نزلت في السفر لا في مكة ولا في المدينة، وأيضًا: انضباط هذا صعب، أي: أن نقول هذه الآية نزلت في مكة، وهذه الآية نزلت في المدينة، ووجه صعوبته أنَّ ترتيب القرآن الكريم ليس على حسب النزول، وإذا لم يكن على حسب النزول صعب التمييز، فما ذهب إليه الجمهور هو الصواب، أن المكي ما نزل قبل الهجرة ولو نزل في المدينة أو في أي مكان. وقولنا: "ولو نزل في أي مكان" هذا على فرض، وإلا من المعلوم أن الرسول ﷺ ما ذهب إلى المدينة إلا بعد الهجرة، وأن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو نزل في مكة أو أي مكان. ثانيًا: نرى بعض الأحيان أن بعض العلماء ﵏ يقول: هذه السورة مكية إلا آية كذا وكذا، هذه السورة مدنية إلا آية كذا وكذا، وهذا الاستثناء يحتاج إلى دليل، أما مجرد أنه اشتهر فهذا لا يقبل، لأنه مرسل، إذ لا بد من سند من الراوي إلى الرسول ﷺ وإلا فلا يقبل.

стр. 887

فالأصل أن جميع آيات السور المكية مكية، وأن آيات السور المدنية مدنية، إلا أن يكون هناك دليل صريح فحينئذٍ نوافق عليه، ثم إن الغالب في الآيات المكية التحدث عن التوحيد وعن البعث؛ لأن المقام يقتضيه، فقد نزل بين قوم ينكرون التوحيد وينكرون البعث، ولهذا نجد في الآيات المكية أكثر ما يكون التحدث عن التوحيد، لكن في الآيات المدنية أكثر ما يكون في فروع الدين والمعاملات وما أشبه ذلك؛ لأن الناس قد ثبت ورسخ في قلوبهم التوحيد والإيمان بالبعث، وبقية شرائع الإسلام الأخرى، فنجد السور المدنية تتحدث عن هذا. هناك أيضًا أمر آخر وهو: أننا نجد أن قصة موسى ﵊ تكررت كثيرًا في القرآن أكثر من غيرها، على وجه الاختصار أحيانًا وعلى وجه البسط أحيانًا؛ وذلك لأن الرسول ﵊ عَلِمَ الله أنه سوف يرتحل إلى المدينة، والمدينة فيها أُناس من اليهود، واليهود أهل كبر وغطرسة، فكان من الحكمة أن النبي ﷺ يعلم عن قصة موسى جملة وتفصيلًا بسطًا واختصارًا، حتى يكون على أهبة الاستعداد لما سيواجه من هؤلاء اليهود، وحتى يكون ما ذكر في القرآن الكريم مطابقًا تمامًا لما جاء في صحيح التوراة، فيشهد علماء بني إسرائيل على أن القرآن حق، كما قال : ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ [الشعراء: ١٩٧]. أيضًا: جميع الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم كلهم من الجزيرة وما حولها؛ لأن هذا هو الذي يعرفه العرب ويتداولونه، أما ما في المناطق والقارات الأخرى فإنه لم يأتِ

стр. 888

عنهم ذكر على وجه التفصيل، لكننّا نعلم أن الله قد بعث إليهم رسولًا، كما قال : ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، لكن الله لم يقصهم علينا؛ لأنه قصّ علينا ما كان الناس يعرفونه ويتداولونه، حتى يميز الصحيح من غير الصحيح، وحتى تكون الأخبار المتداولة مؤيدة لما في القرآن، والقرآن مؤيد لها. أيضًا: بالنسبة لما يهمنا من العلم بالمكي والمدني، هو أن نعرف أن البلاغة تقتضي مخاطبة الناس بما تقتضيه أحوالهم، ففي المكي نجد الآيات شديدة قوية؛ لأنها تصادم أناسًا أشداء أقوياء بلغاء فصحاء، ونجد الآيات المدنية في غالبها سهلة لينة؛ لأنها تخاطب أناسًا قد رسخ في قلوبهم الإيمان ولا يحتاجون إلى شدة، وهذا ظاهر، اقرأ سورة القمر تجد كيف كانت آياتها عظيمة تزلزل القلب في الواقع لمن تاملها جيدًا؛ لأنها تتحدث بين قوم عتاة مستكبرين، فكانت الآيات مناسبة تمامًا لمقتضى الحال، وهذا هو غاية البلاغة. أما هل تنسخ الآيات المكية بالآيات المدنية؟ نعم قد تنسخ؛ وقد قررنا أن المدني ما نزل بعد الهجرة، إذا كان فيه حكم مخالف لما في الآيات المكية ولم يمكن الجمع، قلنا: إن السور المدنية ناسخة للسور المكية، والله أعلم. لكن بماذا تكون المماثلة هل هي بالحجم أو بالشبه أو بماذا؟ المماثلة تكون بالشبه ولكن لا تلزم المطابقة، حتى إن العلماء قالوا ﵏ بل الصحابة ﵃ قالوا: إن الحمامة فيها شاة، لكن في أي شيء تشبه الحمامة الشاة وكيف

стр. 889

تكون مثلها الحمامة تطير والشاة لا تطير، الشاة تختلف عن الحمامة بأنها ذات أربع أرجل والحمامة ذات رجلين؟ وجه المماثلة بينهما أنها تشبه الحمامة في الشرب، أي: شرب الماء، فالحمامة تعُب الماء، والشاة تعُب الماء، يعني هي لا تشرب جرعة جرعة، الآن نجد الدجاجة مثلًا لا تعب الماء بل تشرب جرعة جرعة، فالمماثلة نجدها أحيانًا في شيء يسير. فإن قال قائل: قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، هل هذا يختلف باختلاف الزمان؟ بمعنى أن نجعل في كل سنة حكامًا يحكمون بالمثل، أم ماذا؟ نقول: إن العلماء ﵏ قالوا: ما حكمت به الصحابة فإنه لا يغير؛ لأن الصحابة أقرب إلى فهم القرآن الكريم من غيرهم؛ ولأنهم يعيشون في الجزيرة ويعرفون المشابهة، فقولهم أحق بالاتباع من غيرهم، وعلى هذا فما قضت به الصحابة لا يغير، حتى لو جاء متحذلق وقال: هذا الجزاء ليس مثل الصيد فإننا لا نقبله مهما بلغ في الطب ومهما بلغ في الخبرة، وما حكم به الرسول ﵊ من باب أولى، فإنه ﵊ جعل في الضبع شاة، وعليه فتكون الشاة مماثلةً للضبع، ويستدل بهذا الحديث على أن الضبع حلال وأنها من الصيد، وبهذا استدل الإمام أحمد ﵀ على حل الضبع، وأما ما لم تحكم به الصحابة فهل يرد إلى أقرب شيء حكمت به الصحابة، ونقول مثلًا: إذا كان هذا الصيد الذي لم تحكم به الصحابة مماثلًا للصيد الذي حكمت به الصحابة أو مقاربًا له جعلنا فيه ما حكمت به الصحابة، أو نستأنف حكمًا جديدًا؟

стр. 890

الصواب الأول؛ لأن ما يشبه ما قضت به الصحابة يكون مقيسًا عليه، والقياس أولى من الحكم المتجدد؛ لأنه قد يتجدد حكم يخالف تمامًا ما قضت به الصحابة، أما ما لم يشبه ما قضت به الصحابة فإنه يرجع فيه إلى قوله: (شاهدين) أي: حَكَمين، ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، لكن ماذا يستلزم الحكم؟ يستلزم الخبرة، بأن يكون الحكمان ممن لهما خبرة بمعرفة الصيود وما يقاربها أو يشابهها من النعم هذا الأول. والثاني: الأمانة، بأن يكون عندهما أمانة بحيث لا يحكمونها لشخص بهذا المثل ولشخص آخر بخلافه، لا بد أن يكونا أمناء خبراء؛ وذلك بناء على القاعدة المعروفة التي دل عليها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، ﴿الْقَوِيُّ﴾: يعني ذا الخبرة أو القوي على العمل، وقوة كل شيء بحسبه، وقال الجني لسليمان، أي: عفريت من الجن قال له: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ أي: بعرش ملكة سبأ ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٩]، فهذان الركنان في كل عمل: القوة والأمانة. الفائدة العاشرة: أنه لا بد من العدالة في الحكمين؛ لقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والأمانة التي ذكرناها هي جزء من العدالة. فإن قال قائل: وهل يصح أن يكون القاتل أحدهما، أي: أحد الحكمين، مثل أن يكون هذا القاتل عنده خبرة وعنده علم، وقال: أرى أن هذا الصيد مماثل لهذا النوع من النعم، فهل يقبل قوله مع واحد آخر؟

стр. 891

فيه خلاف، لكن لا بد من توبته، أما إذا لم يتب فمن المعلوم أنه ليس من ذوي العدالة فلا يقبل، ولكن إذا علمنا أن الرجل ندم وتأسف وتاب إلى الله وقال: أنا عندي معرفة، فمن العلماء من قال: يقبل قوله، ومنهم من قال: لا يقبل قوله؛ لأنه متهم، فهو في الحقيقة يحكم لنفسه فلا يقبل. الفائدة الحادية عشرة: أن جزاء الصيد لا بد أن يصل إلى الحرم؛ لقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، فلو قدر أن إنسانًا أحرم من ذي الحليفة وقتل صيدًا في بدر، فإنه يجب عليه أن يجزي هذا الصيد في مكة ولا بد، بخلاف غيره من المحظورات، فإن غيره من المحظورات غير جزاء الصيد يكون في المكان الذي حصل فيه فعل المحظور، بدليل أن النبي ﷺ أمر كعب بن عجرة أن يفدي عن حلق رأسه في مكانه ليس في مكة (١)، وعلى هذا فيقال: جميع محظورات الإحرام يجوز أن يفدي عنها في مكانه، إلا الصيد فإنه يجب أن يكون في مكة، ولو كان قتله خارج الحرم. فإن قال قائل: وهل يجوز أن ننقل فدية غير جزاء الصيد إلى مكة؟ قال العلماء ﵏: إنه يجوز أن ينقل إلى مكة؛ لأن هذه الفدية إنما وجبت لشيء يتعلق بالإحرام، ومنتهى الإحرام

стр. 892

مكة، فيجوز أن يؤخر الفدية إلى الوصول إلى مكة، وليست كالزكاة تفرق في مكانها، ثم إن الغالب أن إيصاله إلى مكة أشق على الإنسان مما لو فداه في مكانه، وهذا صحيح، يعني معناه من وجبت عليه فدية محظور فله أن يفديها في مكانه، وله أن ينقلها إلى مكان آخر. الفائدة الثانية عشرة: أن للإنسان أن يعدل عن جزاء الصيد من النعم إلى الكفارة بإطعام المساكين، لقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، وهل له ذلك على التخيير أو على الترتيب؟ على التخيير؛ لأن "أو" كلما جاءت في القرآن في الأحكام الشرعية فهي للتخيير. الفائدة الثالثة عشرة: أن الفداء كفارة للذنب وستر له في الدنيا وفي الآخرة، لقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾. الفائدة الرابعة عشرة: أن هؤلاء المساكين لا يحصرون بعدد معين بل له أن يطعم ثلاثة أو عشرة أو عشرين أو ثلاثين؛ لأن الله أطلق "كفارة طعام مساكين" وأقلهم ثلاثة. الفائدة الخامسة عشرة: أن للإنسان أن ينتقل في جزاء الصيد عن المثل وعن الإطعام إلى الصيام، لقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، ولكن كيف المعادلة؟ قيل: المعادلة أن يصوم عن كل نصف صاع يومًا، واستدل هؤلاء العلماء بأن النبي ﷺ جعل نصف الصاع يعادل لما ذكر في فدية الأذى، قال لكعب بن عجرة ﵁: صُم ثلاثة أيام، بدل إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع.

стр. 893

وقال بعض أهل العلم: بل يقدر الطعام ثم يوزع على كل مسكين مُد، لكن إذا كان الطعام كثيرًا لزم أن تكون أيام الصيام كثيرة، إذا قدرنا مثلًا أن الطعام قدر بخمسين صاعًا، وقلنا: المسكين يطعم بمُد، ستكون مائتي يوم، لكنَّ بعض أهل العلم قال: إنه لا يتجاوز بالصيام ستين يومًا؛ لأن أعلى ما ورد في الكفارة بالصيام شهران، وهي ستون يومًا، أما أن نلزمه بأن يصوم ستة أشهر أو ما أشبه ذلك فهذا يحتاج إلى دليل، فنقول: إننا نقدر الصيام ولكننا لا نتجاوز أكثر الكفارات وهي ستون يومًا، والمسألة لم تنضج عندي كثيرًا. الفائدة السادسة عشرة: جواز التعزير بالمال؛ لأن هذا القاتل أُلزم بهذه الفدية ليذوق وبال أمره، فهو نوع من التعزير، وهذه المسألة اختلف العلماء ﵏ فيها، فمنهم من قال: إنه لا تعزير بالمال إلا ما جاءت به الشريعة فقط، ولا يتجاوز، فالغال من الغنيمة مثلًا يحرق رحله كله إلا السلاح، وكاتم الضالة تضاعف عليه العقوبة، فما ورد به النص أخذنا به، وما لم يرد به النص فإننا لا نعزر بالمال؛ لأن المال إذا عزرنا به فقد أخذنا أموال الناس بغير حق، وأموال الناس محترمة، ولكنَّ الصواب المقطوع به بلا شك، أنه يجوز التعزير بالمال. فإننا نقول: ألستم تجيزون أن نعزر بالضرب؟ الجواب: بلى، وهل الضرب محرم أو غير محرم في الأصل؟ محرم، فليس التعزير بالمال أشد من التعزير بالضرب، قد تكون إهانة الإنسان بضربه أمام الناس أشد عليه من آلاف الريالات، فالصواب أنه يجوز التعزير بالمال ويجوز التعزير

стр. 894

بالضرب ويجوز بالحبس ويجوز بعزله عن وظيفته، ويجوز بتخجيله بين الناس؛ لأن المقصود هو تأديبه، لكن لا يجوز التعزير بقطع عضو من أعضائه، هذا حرام لا يجوز؛ لأن قطع العضو لا يستخلف وهو جناية على النفس واضحة. الفائدة السابعة عشرة: سعة عفو الله ، لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾. الفائدة الثامنة عشرة: أن من فعل محظورًا قبل العلم بالشرع فإنه لا إثم عليه ولا كفارة ولا جزاء، هل يمكن أن نأخذ هذه الفائدة من الآية أو لا يمكن؟ ننظر، قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾، "ما سلف" فَعَلَهُ الصحابة قبل نزول حكمه، فهو أصلًا لم يحرم، وأما إذا كان الإنسان جاهلًا فقد فعلة بعد نزول حكمه ويكون هذا المانع من العلم خاصًّا به، فبينهما فرق، يعني: هناك فرق بين شخص فعل محظورًا لم يحرم، وشخص آخر فعل محظورًا قد حرم ولكنه جاهل، فالصورتان لا شك أنهما مفترقتان، لكن يقال: لماذا عفا الله عنه؟ للجهل لا شك؛ لأن الحكم لم ينزل. فالصواب: أن جميع الشرائع لا تلزم مع الجهل، لكن ربما يكون الإنسان قد فرط وقصر في الطلب، بمعنى أنه قيل له: إن هذا واجب أو إن هذا حرام وقصر في طلب الحق، وصار كما يقول العوام الذين يستدلون بالقرآن إذا كان موافقًا لهواهم: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، وهذا تنزيل للقرآن في غير محله، فالصحيح على كل حال أن الجاهل معذور لا يأثم، ولا تلزمه كفارة ولا غير ذلك.

стр. 895

فإن قال قائل: ينتقض هذا عليكم بقصة ذلك الرجل الذي جامع زوجته في رمضان (١)، وأتى يستفتي النبي ﷺ فإنه لا يدري ماذا عليه؟ الجواب: أن الرجل ليس جاهلًا، الرجل عالم بالحكم، لكنه جاهل بما يترتب على الحكم، والجهل بما يترتب على الحكم ليس بعذر؛ لأن الفاعل قد انتهك المحظور عن علم فليس له عذر، وعليه فيفرق بين الجهل بالحكم والجهل بما يترتب على الحكم. ومثل ذلك لو أن رجلًا يعلم أن الزنا حرام فزنا وهو ثيب، فحده الرجم، فقال: أمسكوا، لو علم أن حده الرجم ما زنا، فنقول: لا نمسك؛ لأن الجهل بما يترتب ليس بعذر، أنت الآن فعلت الزنا معتقدًا أنه حرام وتعلم أنه حرام، فلا عذر لك. ولهذا لو سألك سائل، قال: ما تقول فيمن زنا وهو جاهل أتقيم عليه الحد أم لا؟ إن قلت: لا، أخطأت، وإن قلت: نعم، أخطأت، فأقول: إن كان جاهلًا بالحكم فلا يقام عليه الحد، وإن كان جاهلًا بالعقوبة أقيم عليه الحد. لو قال قائل: ذكرتم أن الجاهل يعذر ألا يشكل على هذا قصة أسامة ﵁ لما قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، قتله إما جاهلًا وإما مجتهدًا ومخطأ، ومع ذلك غضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا، نرجو الجواب عن هذا؟

стр. 896

الجواب: أسامة ﵁ متأول، وأما غضب النبي ﵊ فلأن مسألة القتل مسألة خطيرة، أليس المخطئ عليه الكفارة؟ الجواب: بلى، فالقتل له شأن خاص، لكن لو قيل: هل غضب النبي ﷺ تأديبًا أم تحذيرًا؟ الجواب: تحذيرًا، وإلا لقتله؛ لأنه قتل نفسًا معصومة، هذا الرجل لما قال: لا إله إلا الله، عصم دمه حتى يتبين خلاف ما قال، ولذلك الآن في حرب الأفغان مع الروس بعضهم إذا أدركه المقاتلون يقول: أشهد أن لا إله إلا الله. الفائدة التاسعة عشرة: إثبات العفو لله ، ومن أسمائه تعالى العَفُو، وفي الدعاء المأثور الذي ذكره النبي ﷺ لأم المؤمنين عائشة ﵂ حين سألته: أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ - قال: قولي: "اللهم إنك عفوٌ تحب العفو فاعفُ عني" (١) تحب العفو منك لعبادك والعفو من عبادك لإخوانهم فاعفُ عني، فما هو العفو؟ العفو: هو عدم المؤاخذة على الذنب، والأكثر أن العفو في ترك الواجب والمغفرة في فعل المحرم. الفائدة العشرون: تهديد من عاد إلى قتل الصيد بعد علمه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾.

стр. 897

الفائدة الحادية والعشرون: إثبات الاسم الكريم، (العزيز) لله ، والعزيز بمعنى: الغالب الذي لا يغلبه أحد، والعزيز بمعنى: الذي يمتنع عليه النقص بأي وجهٍ من الوجوه، والعزيز: هو ذو العزة التي تكسب من اتصف بها قدرةً وسلطانًا وغير ذلك. الفائدة الثانية والعشرون: أن الله تعالى ذو انتقام من المجرمين، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، ولهذا لا يوصف الله تعالى بالانتقام مطلقًا ولا يسمى بالمنتقم؛ لأن الله تعالى قيد الانتقام بالمجرمين، فنقيد ما قيده الله ، وهنا كلمة ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ لا تدل على أنه وصف مطلق لله بل ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: صاحب انتقام فقط، لكن ممن؟ من المجرمين. * * * ° قال الله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ [المائدة: ٩٦]. قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ لما بَيَّن الله في الآيات الماضية حكم صيد البر للمحرم، ذكر حكم صيد البحر فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ والمحل هو الله ؛ لأنه هو الذي بيده التحليل والتحريم والإيجاب، وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب للمقيمين في البلاد بدليل قوله: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: السائرين، أي: المسافرين يتزودونه في أمتعتهم.

стр. 898

وقوله: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ صيد بمعنى: مصيد وهو ما أخذ حيًّا، ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يطعم بدون صيد، وهو ما يلفظه البحر من السمك والحوت، فيكون على هذا كل ما في البحر حلال كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد. وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ ﴿مَتَاعًا﴾: مفعول من أجله، أي: من أجل أن تتمتعوا به، وقد بَيَّن الله تعالى في آيات أخرى أنه سخر البحر لنأكل منه لحمًا طريًّا، وكما هو مشاهد الآن أن لحم البحر من أطيب اللحوم. قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ﴿وَحُرِّمَ﴾: المُحرِّم هو الله . وقوله: ﴿صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ هل المراد بصيد البر مصيده، أي: ما صيد، أو المراد: أن تصيدوه؟ الثاني هو المراد؛ لأن المصيد فيه تفصيل على ما سبق، يعني حرم عليكم أن تصيدوا صيد البر، وهذا المعنى يحتاج إلى تقدير، والتقدير: صيدكم صيد البر؛ لأن البر لا يصاد، فلا بد من تقدير، أما إذا قلنا: إن الصيد بمعنى المصيد، فإنه لا حاجة إلى التقدير، ويكون المعنى صيد البر، يعني ما صيد فيه، وقد سبق أن الصيد المحرم: كل حيوان، بري، حلال، متوحش. وقوله: ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: حالة كونكم محرمين حتى تحلوا. قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتقوا الله: بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أعم ما قيل في تفسير التقوى أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

стр. 899

قوله: ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿الَّذِي﴾: صفة للاسم الكريم الله، و ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: صلة الموصول، وقدم الجار والمجرور على عامله لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات، ففي ذلك فائدة معنوية وفائدة لفظية: الفائدة المعنوية: الحصر، وهذه قاعدة معروفة عند البلاغيين والأصوليين أنه إذا قدم ما حقه التأخير فإنه يفيد الحصر. والفائدة اللفظية: مناسبة رؤوس الآيات، ومعنى تحشرون: أي: تجمعون إليه وذلك يوم القيامة، فإن الناس يحشرون إلى الله ﵎ كما جاء ذلك في السنة مبينًا، وفي هذا تهديد يعني: أنه لا مفر لكم من الله فاتقوه. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: حل صيد البحر للمحلين والمحرمين، لقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. الفائدة الثانية: أنه لو وجد ماءٌ فيه سمك داخل حدود الحرم فإنه يكون حلالًا لعموم قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ثم قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وهذا هو القول الراجح، وقال بعض أهل العلم: بل هو حرام وفيه الجزاء؛ لأنه في مكان آمن، وقال آخرون: هو حرام لكن لا جزاء فيه، ولكن ظاهر الآية الكريمة أنه حلال. الفائدة الثالثة: أن جميع حيوان البحر حلال، يؤخذ من الإضافة في قوله: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ والإضافة تقتضي العموم، فيشمل كل ما في البحر من سمك وحيتان صغير وكبير مشابه

стр. 900

للإنسان، أو مشابه للذئاب، أو مشابه للخنزير، أو مشابه لأي شيء؛ لأنه عام ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. الفائدة الرابعة: أن جميع ما في البحر مما يطعم من سمك وأشجار وغيرها حلال؛ لعموم قوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾. الفائدة الخامسة: بيان حِكمة الله في حل صيد البحر دون صيد البر؛ لأن الأول تناوله سهل، ولا يلهو به الإنسان كما يلهو به في صيد البر، ثم هو صيد خفي في باطن المياه فلا يكون كالصيد الظاهر على سطح الأرض. وقد تقدم أن الحكمة من تحريم صيد البر لئلا يتلهى الإنسان وينساب وراء الصيود، وأما البحر فلا يتأتى فيه ذلك، أولًا: لأن البحر لا يكاد أحد يُحْرِمُ منه إلا من مر به، وثانيًا: حتى لو فرضنا أن أحدًا من الناس أحرم من البر فيجوز أن يخوض البحر ويصيد، لكن هذا نادر، ولهذا لا حكم له. وحدود الحرم ليس فيها بحر، لكن لو فرض وجود بحيرة اصطناعية فيها سمك فإنه يكون حلالًا؛ لأنه من صيد البحر. فإذا قال قائل: ما ضابط البري والبحري؟ الجواب: يقول العلماء: إذا كان أكثر حياتها في البحر فهي بحرية ولو عاشت في البر، وبعضهم يقول: ما دامت عاشت في البر فإنها غير بحرية، إلا إذا كان عيشها في البر كحركة المذبوح، فكثير من الأسماك الكبار لا تموت فور خروجها من الماء، بل تبقى ساعات لكنها تكون مضطربة مغماة عليها وتموت بعد ذلك، أما إذا كانت تعيش في البر والبحر فالمعتبر الأكثر؛ لأن الوصف الغالب هو الذي يعتبر، وبعضهم يقول: تحرم تغليبًا لجانب الحظر، وأنا أرى الاحتياط أن يتركها, لكن لو فرض أنه وجد

стр. 901

ميتة من صيد البر أو ميتة مما يعيش في البر والبحر، فالتي تعيش في البر والبحر أولى. الفائدة السادسة: الإشارة إلى جواز ادخار لحم البحر، لقوله: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ يعني: السائرين في السفر، وهل مثل ذلك لحم صيد البر في غير الإحرام؟ الجواب: نعم، لكن يشترط في ذلك ألا يصل إلى حد الضرر، فإن وصل إلى حد الضرر بأن أنتن وقبحت رائحته، وخيف على الإنسان منه، صار إما مكروهًا وإما حرامًا، لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. لكن لو قال قائل: هذه الآية والتي قبلها تدل على أن الشيء الذي يؤدي إلى الهلاك هو الحرام، وما دون القتل لا يدخل في الآية؟ الجواب: نقول: استدل عمرو بن العاص ﵁ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ على جواز التيمم لخوف البرد أو المرض، فأقره النبي ﷺ على ذلك (١). الفائدة السابعة: تحريم صيد البر على المحرمين، لقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وقد تقدم هل المراد مصيده أو صيده؟ فإن كان المراد صيده فالأمر ظاهر ولا إشكال فيه، أنه

стр. 902

يحرم على المحرم أن يصيد صيد البر، لكن إذا قلنا: المراد المصيد، فهل نأخذ بعموم الآية، ونقول: إن المصيد من البر حرام على المحرم سواء صاده هو أو صيد لأجله أو صاده حلال لغيره؟ وقد تقدم الخلاف في هذا، وأن بعض العلماء يقول: إن المحرم لا يجوز أن يأكل من صيد البر سواء صيد له أو صيد لغيره أو صاده بنفسه، وتقدم فيما سبق أن القول الراجح من أقوال العلماء: أنه إن صاده المحرم فهو حرام، وإن صيد له فهو حرام، وإن صاده حلال لنفسه فهو حلال للمحرم، وهذا هو القول الراجح الذي تجتمع به الأدلة. الفائدة الثامنة: أنه لا يحل صيد البر لمن حل التحلل الأول، وجه ذلك: أن من حل التحلل الأول لم يزل محرمًا، باقٍ عليه من محظورات الإحرام النساء، هذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم، وقال: إنه لا يحل الصيد بعد التحلل الأول كما لا تحل النساء، ولكن قد دلت السنة على أنه إذا حلَّ التحلل الأول حل له كل شيء إلا النساء. بقي أن يقال: الذي يحلل التحلل الأول سيكون في منى، ومنى من الحرم، فهل تجيزون للمحرم في هذا المكان أن يصيد؟ الجواب: لا، لا نبيح له ذلك؛ لأنه في الحرم وصيد الحرم حرام على المحل وعلى المحرم، لكن لو فرض أن هذا المحرم خرج إلى عرفة وعرفة من الحل، فهل يجوز أن يصيد أو لا؟ ينبني على الخلاف، من قال: إن الصيد لا يحل بالتحلل الأول قال: لا يحل أن يصيد، ومن قال: إنه يحل له كل شيء إلا النساء وهو القول الراجح قال: له أن يصيد.

стр. 903

الفائدة التاسعة: وجوب تقوى الله والحذر من مخالفته فيما فرضه من هذه الأحكام، لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. الفائدة العاشرة: التحذير من عقوبة اليوم الآخر، لقوله: ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. الفائدة الحادية عشرة: إثبات اليوم الآخر الذي يكون به الحشر إلى الله ، لقوله: ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. الفائدة الثانية عشرة: أن الحشر إلى الله لا إلى غيره فهو الذي يتولى عقاب عباده أو إثابتهم، وهو نظير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]. * * * ° قال الله : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾ [المائدة: ٩٧]. هذه أربعة أشياء جعلها الله تعالى قيامًا للناس: الأول: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، هذا الجعل هل هو جعل شرعي، أو جعل كوني، أو هما جميعًا؟ الظاهر الثالث، أن الله جعل ذلك كونًا وشرعًا. قوله: ﴿الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ الكعبة في الأصل: هي البناء المربع، لكن قوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ خرج به كل مربع سوى الكعبة المشرفة، وعلى هذا لو أن إنسانًا بنى كعبة، يعني: بنى بناءً مربعًا وقال: هذه كعبة حجوا لها، قلنا: لا؛ لأن الكعبة التي جعل الله قيامًا هي البيت الحرام، وهي الخاصة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وصفًا مخرجًا لغيره، وليس بيانًا أو بدلًا بل هو وصف مخرج لغيره من الكعبات.

стр. 904

وقوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي: ذا الحرمة، وحرمة مكة أمر معروف. قوله: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي: تقوم به مصالح دينهم ومصالح دنياهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، أي: تقوم بها مصالح الدين والدنيا. إذًا: الكعبة جعلها الله تعالى قيامًا للناس، تقوم بها مصالح دينهم ودنياهم، أما مصالح الدين فظاهرة، حج وعمرة بما فيهما من الأنساك، وأما مصالح الدنيا فقد قال الله تعالى مشيرًا إليها: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٨]، ثم إن هذه الكعبة يجبى إليها ثمرات كل شيء رزقًا من عند الله . الثاني: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي: وجعل الشهر الحرام قيامًا للناس، وهل المراد به الجنس أو شهر واحد؟ المراد به: الجنس، فيشمل الأشهر الأربعة، وهي: ذو القَعْدَة، وذو الحِجة، والمُحرَّم، ورجب، وإنما جعل الله الأشهر الحرم قيامًا للناس؛ لأنهم يأمنون فيها، حيث إن القتال فيها محرم، حتى في الجاهلية لا يمكن أن يكون قتالٌ في هذه الأشهر الأربعة، أما الثلاثة الأولى؛ فلأنها أشهر الحج، يعني الأشهر التي يسافر الناس فيها إلى مكة ويرجعون منها، يسافرون في ذي القعدة، ويرجعون في المحرم، ومن المعلوم أن المحرم ليس من أشهر الحج لكن بدل عنه شوال، لكنه من حرمات الحج؛ لأن الناس يسافرون في شهر ذي القعدة للحج ويرجعون في شهر محرم، ولهذا كانوا في الجاهلية لا يمكن أن يعتدي أحد على أحد في هذه الأشهر أبدًا، حتى لو وجد قاتل أبيه لم يقتله.

стр. 905

"رجب": هذا أيضًا شهرٌ معظم في الجاهلية، كالأشهر الثلاثة، لا يمكن القتال فيه، فيأمن الناس في هذه الأشهر وتقوم مصالحهم، فيسافرون ويؤوبون إلى بلادهم لا أحد يتعرض لهم. الثالث: "الهدي": جعله الله تعالى قيامًا للناس في دينهم ودنياهم، أما في دينهم فبالثواب الذي ينالونه من الله ، وأما في دنياهم فالبيع والشراء والأكل والانتفاع بالجلود وما أشبه ذلك، فالهدي إذًا قيام للناس. الرابع: "القلائد" وفيها قولان: القول الأول: أنهم كانوا في الجاهلية إذا حج الإنسان أو اعتمر صنع قلادة من لحاء الشجر من السمر أو غيره، قلادة يتقلد بها ليعلم أنه حاج فيحترم، عجائب! عادات غريبة، إذا حج أو اعتمر صنع قلادة يتقلدها إذا رآه أحد قال: هذا حاج أو معتمر. القول الثاني: أن المراد بالقلائد ما يقلد الهدي؛ لأن الهدي يقلد في رقبته بما يشعر أنه هدي وهو آذان القِرب، والنعال، والخرقة البالية، تعلق في أعناق الهدي إشارة إلى أنه هدي فيحترم، حتى قال بعضهم: إن الرجل في الجاهلية يأكل العصب من الجوع، ولا يمكن أن يذبح أو ينحر هذا الهدي؛ لأن عليه علامة وهي: القلائد، والقلائد تكون في الغنم وتكون في الإبل وتكون في البقر، وتزيد الإبل بالإشعار، وهو شق سنامها حتى يسيل الدم، فيعرف الناس أن هذه من الهدي، هذه كلها جعلها الله قيامًا للناس. لكن لو قال قائل: هل تعليق هذه القلائد من دينهم، أم من دين سابق؟

стр. 906

الجواب: لا أعلم أنه من دين سابق، لكنه جارٍ بينهم ومعروف. قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا﴾ فلننظر إلى الإعراب: مفعول (جعل) الأول: (الكعبة)، والثاني: (قيامًا)، وقوله: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ معطوف على الكعبة، وعلى هذا فيكون المفعول الثاني في المعطوفات مقدرًا، أي: والشهر الحرام قيامًا، والهدي قيامًا، والقلائد قيامًا للناس. قوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه الجعل، يعني جعلنا ذلك لا عن جهل بل هو عن علم، فقد جعل الله ذلك عن علم، لما في هذه الأربعة من المصالح فجعلها الله قيامًا للناس، وإنما ذكر الله هذا من أجل أن يطمئن الناس أن الله جعلها قيامًا، وهذا الجعل صادر عن علم من الله . وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (ما) من صيغ العموم، فيشمل كل ما في السموات وما في الأرض، والسموات: جمع سماء وعددها سبعة؛ ثبت ذلك في القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون: ٨٦]، والسنة متواترة في هذا أو مشهورة في هذا. وقوله: ﴿الْأَرْضِ﴾ جاءت بالإفراد لكن عددها سبعٌ، لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، ومن المعلوم أن المثلية لا يمكن أن تكون في الحجم والسعة وما أشبه ذلك، للفرق العظيم بين السماء والأرض، لكن المثلية في

стр. 907

العدد بدليل ما جاء في السنة: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين" (١)، إذًا: الأرض المراد بها الجنس فتشمل الأرضين السبع. قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، يعني: ولتعلموا أيضًا ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فالله لا يخفى عليه شيء، وعلم الله ﵎ من صفاته الذاتية، فهو عالم بما يكون إلى يوم القيامة، وإلى ما وراء يوم القيامة وهو لم يزل عليمًا بذلك من الأزل لا يطرأ على علمه نسيان، ولا يسبقه جهل . من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن الله عظم هذه الكعبة المشرفة، حيث جعلها قيامًا للناس يقوم بها أمور دينهم ودنياهم. الفائدة الثانية: أن لله أن يفضل ما شاء من خلقه، وهذا أمر معلوم وله أمثلة في القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] فلله تعالى أن يفضل ما شاء من خلقه. الفائدة الثالثة: أن الكعبة حرام أي: محترمة معظمة، ولهذا كان ما حولها حرامًا لا يقتل صيده ولا يقطع شجره.

стр. 908

الفائدة الرابعة: رحمة الله ﵎ بالخلق حيث يجعل لهم من مخلوقاته ما تقوم به من مصالح دينهم ودنياهم. الفائدة الخامسة: تعظيم الأشهر الحرم وأنها قيامٌ للناس، وتعظيمها جاء في القرآن والسنة، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، وكذلك جاء في السنة كما قال النبي ﷺ مقررًا ذلك: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (١). لو قال قائل: هل ارتكاب المعاصي في الأشهر الحرم أعظم من ارتكابها في غير الأشهر الحرم؟ الجواب: هذا ينبني على قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] هل الضمير في قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود على الأشهر الحرم، أو يعود إلى قوله تعالى: ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾؟ في هذا خلاف، لكن لا شك أن الذنوب في الأشهر الحرم أعظم؛ لأن الضمير سواء قلنا: عائد على الجميع أو عائد على الأشهر الحرم يدل على تأكيد النهي عن الظلم في هذه الأشهر الأربعة، وللعلماء قاعدة في هذه المسألة، يقولون: إن الحسنات والسيئات تضاعف في كل زمان ومكان فاضل. فإن قال قائل: فهل يحرم فيها القتال؟

стр. 909

الجواب: العلماء اختلفوا في هذا، فمنهم من قال: إن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ، ومنهم من قال: إنه محكم، فالأول الذي عليه الجمهور: أنه منسوخ، لعموم الأدلة الدالة على قتال المشركين بدون تقييد، والثاني وهو الراجح: أن الأشهر الحرم القتال فيها ممنوع، وما جاء عامًا أو مطلقًا في النصوص الأخرى فهو كغيره من العمومات والمطلقات، يكون مقيدًا بما دل عليه الكتاب والسنة من تحريم القتال في الأشهر الحرم. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قاتل في الأشهر الحرم كغزوة حنين؟ فالجواب: بلى، لكن هذا كان امتدادًا لفتح مكة، وفتح مكة لم يكن في الأشهر الحرم بل كان في رمضان، وعلى هذا فنقول: إذا اعتدى الكفار علينا في الأشهر الحرم، فلنا أن نقاتل ولو في الأشهر الحرم؛ لأن قتالنا هذا دفاع، والإنسان يجب عليه أن يدافع عن نفسه في أي مكان وفي أي زمان، حتى في مكة، وهل القتال في مكة حرام أو غير حرام؟ فالجواب: حرام إلى يوم القيامة، لكن لو قاتلنا أهل مكة أو قاتلنا أحد من غير أهلها في مكة فإننا نقاتله، لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]. إذًا نقول: إذا ابتدأ العدو بقتالنا في الأشهر الحرم فلنا أن نقاتله، ثم هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة؟ ينظر فيه، لكن الكلام على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم باقٍ إلا إذا كان امتدادًا لغزو قبله أو ابتدؤونا هم أي: أعداؤنا بالقتال.

стр. 910

الفائدة السادسة: تعظيم الهدي والترغيب فيه لقوله: ﴿وَالْهَدْيَ﴾ يعني: أن الله جعله قيامًا للناس، ولكن هل الهدي مربوط بالنسك، أو يجوز أن يهدي الإنسان إلى البيت ولو لم يكن نسكًا؟ الجواب: الثاني، فيجوز للإنسان أن يبعث الهدي إلى مكة وإن كان في بلده كما كان النبي ﷺ يفعل (١). فإن قال قائل: وهل الهدي يسن سوقه في العمرة كالحج؟ الجواب: نعم يسن كما فعل النبي ﷺ في غزوة الحديبية فإنه ساق الهدي في عمرة (٢). الفائدة السابعة: مشروعية القلائد، لقوله: ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ وجه ذلك: أن فيها إظهارًا لشعائر الله ؛ لأن كل من رأى هذه النَّعم المقلدة عرف أنها هديٌ فعظمها واحترمها. الفائدة الثامنة والتاسعة: إثبات الحكمة في أحكام الله ، لقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾، والسلام هنا للتعليل، ومن أسماء الله ﵎: الحكيم، الذي يضع الأشياء في مواضعها، ويتفرع على هذه الفائدة العظيمة: أن نؤمن بأن كل ما شرعه الله أو فعله الله فهو لحكمة، وحينئذٍ لا يلزمنا أن نبحث عن الحكمة أو نتمحل حكمة بعيدة قد تكون غير مرادة لله ،

стр. 911

إن تبينت لنا الحكمة بسهولة فلا شك أن هذا من نعمة الله ويزيد الإنسان طمأنينة، وإن لم تتبين فإننا نعلم أنها لحكمة، لكن عقولنا قاصرة عن إدراك حكمة الله في كل ما شرع. الفائدة العاشرة: الحث على معرفة صفات الله ، لقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فينبغي لك أن تبحث عن صفات الله ﵎، سواء الصفات التي ليس لها أسماء، أو الصفات التي تتضمنها الأسماء، ابحث؛ لأنك كلما ازددت معرفة لأسماء الله وصفاته ازددت يقينًا. الفائدة الحادية عشرة: التحذير من مخالفة الله ، وجهه إثبات العلم في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأن كل إنسان يهم بمعصية، سواء كانت ترك واجب أو فعل محرم إذا أيقن أن الله عالم به فإنه يخاف ويمسك. الفائدة الثانية عشرة: بيان عموم علم الله لما في السموات والأرض، نأخذه من الاسم الموصول، في قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. الفائدة الثالثة عشرة: إثبات أن السموات ذات عدد، وهذا العدد بُيِّن في أدلة أخرى أنه سبع سموات. الفائدة الرابعة عشرة: تكرار الثناء على الله ؛ لأن الله كرر عموم علمه بقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ثم أكد العموم بما هو أعم بقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ لأن هذا يعم ما في السموات وما في الأرض مما يكون بعد فناء السماء والأرض. واعلم أن العلم أعني صفة العلم من أعم الصفات إن لم تكن أعم الصفات؛ لأن العلم يتعلق بالواجب والممكن

стр. 912

والمستحيل والسابق واللاحق، فهي أعم ما يكون من الصفات، أعني: العلم، فمن تعلقها بالمستحيل قول الله ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهل يمكن أن يكون فيهما آلهة إلا الله؟ لا يمكن، ومع ذلك أخبرنا الله بنتيجة هذا لو فرض، وأنهما أي: السموات والأرض تفسدا. لكن لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ هل المراد آلهة تدبر وتصرف شؤون الكون، أو المراد آلهة تعبد فقط؟ الجواب: المراد الأول، أو يقال: آلهة حق؛ لأن الآلهة التي تعبد من دون الله وإن سموها آلهة فهي كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣]، فهي مجرد أسماء على غير مسمى. ومن تعلقها أي: تعلق صفة العلم بالواجب، كل ما أخبر الله به عن نفسه من صفات الكمال، فهو علم بالواجب؛ لأنه يجب لله صفات الكمال، فإذا تحدث الله جلَّ وعلا عن كماله فهذا حديث عن علم بشيء واجب. ومن تعلقها بالممكن، كل ما أخبر الله به عن مخلوقاته فهو من باب تعلق العلم بالممكن، فالله جلَّ وعلا يتحدث عن المخلوقات، قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وما أشبه ذلك من الممكنات، وكذلك علمه بما يكون من عقوبات المذنبين وإثابة الطائعين هذا علم بالممكنات أيضًا، والجائز والممكن سواء، بعضهم يعبر بالجائز، وبعضهم يعبر بالممكن، ولا فرق. * * *

стр. 913

° قال الله : ﴿عْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. لما ذكر الله عموم علمه بعد هذه الأحكام العظيمة قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، اعلموا: أي: علمًا يحصل به الامتثال، فيجب علينا أن نعلم؛ لأن الله أمرنا بذلك، ﴿أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: المؤاخذة بالذنب، وسميت المؤاخذة بالذنب عقابًا؛ لأنها تعقبه، و ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: قويه كمًّا وكيفًا، أو كيفًا فقط؟ نتأمل، كمًّا لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، لكن كيفًا صحيح. وقوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: قوي العقاب إذا عاقب المذنب. قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: واعلموا أيضًا أنه مع شدة عقابه غفور للذنوب، رحيم بعباده جلَّ وعلا، لا يكلفهم ما يشق عليهم، وإذا أخلُّوا به فهو يرحمهم بالعفو، قارن بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)﴾ [الحجر: ٤٩] ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٥٠]، تجد بينهما فرق؛ لأن قوله في الآية: ﴿نَبِّئْ﴾ أمرٌ من الله إلى الرسول بأن ينبئ الخلق، وقدم الوصف بالمغفرة والرحمة على العذاب الأليم؛ لأن المقصود الإخبار عن صفة الله ، فقدم الجانب الذي فيه اللطف والإحسان, وهذه ذكرت عقيب أحكام عظيمة، قد يخل بها المرء فقدم فيها جانب التهديد.

стр. 914

من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: وجوب العلم عن يقين، لقوله: ﴿اعْلَمُوا﴾. الفائدة الثانية: أن الله تعالى شديد العقاب لمن خالف أمره سواء بفعل ما حرم أو بترك ما أوجب. فإن قال قائل: ظاهر هذه الآية أن الله سيعاقب من خالف أمره؟ على كل حال الجواب: أنك إذا قرأت آخرها تبين لك أنه في مقابل ذلك هو غفور رحيم، ثم اقرنها بالآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. الفائدة الثالثة: إثبات العقاب وهو مؤاخذة المذنب بما يستحقه من العقوبة. الفائدة الرابعة: إثبات هذين الاسمين الكريمين وهما: الغفور والرحيم، الغفور: أي: ذو المغفرة كما قال : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والرحيم يعني: ذا الرحمة كما قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، فنثبت هذين الاسمين لله ، ونثبت ما دل عليهما من الصفة، وهي المغفرة في غفور، والرحمة في رحيم، وهل نثبت الأثر؟ يعني الحكم المترتب على هذه الصفة؟ الجواب: نعم، يغفر لمن يشاء، ويرحم من يشاء. لو قال قائل: ما الذي يترتب على هذين الاسمين والإيمان بهما؟ الجواب: يترتب على ذلك: أن يتعرض الإنسان لمغفرة الله بفعل الأسباب التي توجبها، ويتعرض للرحمة

стр. 915

بفعل الأسباب التي يحصل بها الرحمة، عكس ما يظنه بعض العوام، فبعض العوام إذا نهيته عن معصية قال: الله غفور رحيم، فيظن أن هذا من باب تهوين المخالفة على العبد وليس كذلك، بل هذا حث للعبد أن يفعل ما به المغفرة والرحمة. الفائدة الخامسة: الجمع بين أسماء الله ﵎ التي ينتج من الجمع بينها وصفٌ زائد على الوصف الذي تفيده بدون اجتماع، فمثلًا: إذا قلنا: إنه غفور رحيم، صار المعنى: أنه غفور للذنوب ورحيم لحصول المطلوب في الطاعات. ولهذا كانت المعصية الواحدة بواحدة، والطاعات الواحدة بعشر إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. * * * ° قال الله : ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ [المائدة: ٩٩]. قوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ "ما": نافية، و ﴿عَلَى الرَّسُولِ﴾: خبر مقدم، و ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ "أل": هنا للعهد الذهني. فمن المعهود ذهنًا بأنه الرسول بالنسبة لهذه الأمة محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب ﵊، و ﴿الرَّسُولِ﴾: بمعنى المرسل. قوله: ﴿الْبَلَاغُ﴾ أي: إلا تبيلغ ما أوحي إليه، وهذا الحصر إضافي، ومعنى إضافي أي: بالإضافة لما يجب لكم عليه، إذًا قوله: ﴿الْبَلَاغُ﴾ أي: بلاع الرسالة، وأما هداية الخلق فليست للرسول ﵊، عليه أن يبلغ، وإذا بلغ انتهت
следующие страницы →