إن تبينت لنا الحكمة بسهولة فلا شك أن هذا من نعمة الله ويزيد الإنسان طمأنينة، وإن لم تتبين فإننا نعلم أنها لحكمة، لكن عقولنا قاصرة عن إدراك حكمة الله في كل ما شرع.
الفائدة العاشرة: الحث على معرفة صفات الله ، لقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فينبغي لك أن تبحث عن صفات الله ﵎، سواء الصفات التي ليس لها أسماء، أو الصفات التي تتضمنها الأسماء، ابحث؛ لأنك كلما ازددت معرفة لأسماء الله وصفاته ازددت يقينًا.
الفائدة الحادية عشرة: التحذير من مخالفة الله ، وجهه إثبات العلم في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأن كل إنسان يهم بمعصية، سواء كانت ترك واجب أو فعل محرم إذا أيقن أن الله عالم به فإنه يخاف ويمسك.
الفائدة الثانية عشرة: بيان عموم علم الله لما في السموات والأرض، نأخذه من الاسم الموصول، في قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: إثبات أن السموات ذات عدد، وهذا العدد بُيِّن في أدلة أخرى أنه سبع سموات.
الفائدة الرابعة عشرة: تكرار الثناء على الله ؛ لأن الله كرر عموم علمه بقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ثم أكد العموم بما هو أعم بقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ لأن هذا يعم ما في السموات وما في الأرض مما يكون بعد فناء السماء والأرض.
واعلم أن العلم أعني صفة العلم من أعم الصفات إن لم تكن أعم الصفات؛ لأن العلم يتعلق بالواجب والممكن
стр. 912
والمستحيل والسابق واللاحق، فهي أعم ما يكون من الصفات، أعني: العلم، فمن تعلقها بالمستحيل قول الله ﵎: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهل يمكن أن يكون فيهما آلهة إلا الله؟ لا يمكن، ومع ذلك أخبرنا الله بنتيجة هذا لو فرض، وأنهما أي: السموات والأرض تفسدا.
لكن لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ هل المراد آلهة تدبر وتصرف شؤون الكون، أو المراد آلهة تعبد فقط؟
الجواب: المراد الأول، أو يقال: آلهة حق؛ لأن الآلهة التي تعبد من دون الله وإن سموها آلهة فهي كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣]، فهي مجرد أسماء على غير مسمى.
ومن تعلقها أي: تعلق صفة العلم بالواجب، كل ما أخبر الله به عن نفسه من صفات الكمال، فهو علم بالواجب؛ لأنه يجب لله صفات الكمال، فإذا تحدث الله جلَّ وعلا عن كماله فهذا حديث عن علم بشيء واجب.
ومن تعلقها بالممكن، كل ما أخبر الله به عن مخلوقاته فهو من باب تعلق العلم بالممكن، فالله جلَّ وعلا يتحدث عن المخلوقات، قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وما أشبه ذلك من الممكنات، وكذلك علمه بما يكون من عقوبات المذنبين وإثابة الطائعين هذا علم بالممكنات أيضًا، والجائز والممكن سواء، بعضهم يعبر بالجائز، وبعضهم يعبر بالممكن، ولا فرق.
* * *
стр. 913
° قال الله : ﴿عْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
لما ذكر الله عموم علمه بعد هذه الأحكام العظيمة قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، اعلموا: أي: علمًا يحصل به الامتثال، فيجب علينا أن نعلم؛ لأن الله أمرنا بذلك، ﴿أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: المؤاخذة بالذنب، وسميت المؤاخذة بالذنب عقابًا؛ لأنها تعقبه، و ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: قويه كمًّا وكيفًا، أو كيفًا فقط؟ نتأمل، كمًّا لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، لكن كيفًا صحيح.
وقوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: قوي العقاب إذا عاقب المذنب.
قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: واعلموا أيضًا أنه مع شدة عقابه غفور للذنوب، رحيم بعباده جلَّ وعلا، لا يكلفهم ما يشق عليهم، وإذا أخلُّوا به فهو يرحمهم بالعفو، قارن بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)﴾ [الحجر: ٤٩] ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٥٠]، تجد بينهما فرق؛ لأن قوله في الآية: ﴿نَبِّئْ﴾ أمرٌ من الله إلى الرسول بأن ينبئ الخلق، وقدم الوصف بالمغفرة والرحمة على العذاب الأليم؛ لأن المقصود الإخبار عن صفة الله ، فقدم الجانب الذي فيه اللطف والإحسان, وهذه ذكرت عقيب أحكام عظيمة، قد يخل بها المرء فقدم فيها جانب التهديد.
стр. 914
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: وجوب العلم عن يقين، لقوله: ﴿اعْلَمُوا﴾.
الفائدة الثانية: أن الله تعالى شديد العقاب لمن خالف أمره سواء بفعل ما حرم أو بترك ما أوجب.
فإن قال قائل: ظاهر هذه الآية أن الله سيعاقب من خالف أمره؟
على كل حال الجواب: أنك إذا قرأت آخرها تبين لك أنه في مقابل ذلك هو غفور رحيم، ثم اقرنها بالآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
الفائدة الثالثة: إثبات العقاب وهو مؤاخذة المذنب بما يستحقه من العقوبة.
الفائدة الرابعة: إثبات هذين الاسمين الكريمين وهما: الغفور والرحيم، الغفور: أي: ذو المغفرة كما قال : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، والرحيم يعني: ذا الرحمة كما قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، فنثبت هذين الاسمين لله ، ونثبت ما دل عليهما من الصفة، وهي المغفرة في غفور، والرحمة في رحيم، وهل نثبت الأثر؟ يعني الحكم المترتب على هذه الصفة؟
الجواب: نعم، يغفر لمن يشاء، ويرحم من يشاء.
لو قال قائل: ما الذي يترتب على هذين الاسمين والإيمان بهما؟
الجواب: يترتب على ذلك: أن يتعرض الإنسان لمغفرة الله بفعل الأسباب التي توجبها، ويتعرض للرحمة
стр. 915
بفعل الأسباب التي يحصل بها الرحمة، عكس ما يظنه بعض العوام، فبعض العوام إذا نهيته عن معصية قال: الله غفور رحيم، فيظن أن هذا من باب تهوين المخالفة على العبد وليس كذلك، بل هذا حث للعبد أن يفعل ما به المغفرة والرحمة.
الفائدة الخامسة: الجمع بين أسماء الله ﵎ التي ينتج من الجمع بينها وصفٌ زائد على الوصف الذي تفيده بدون اجتماع، فمثلًا: إذا قلنا: إنه غفور رحيم، صار المعنى: أنه غفور للذنوب ورحيم لحصول المطلوب في الطاعات.
ولهذا كانت المعصية الواحدة بواحدة، والطاعات الواحدة بعشر إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
* * *
° قال الله : ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ [المائدة: ٩٩].
قوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ "ما": نافية، و ﴿عَلَى الرَّسُولِ﴾: خبر مقدم، و ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ "أل": هنا للعهد الذهني.
فمن المعهود ذهنًا بأنه الرسول بالنسبة لهذه الأمة محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب ﵊، و ﴿الرَّسُولِ﴾: بمعنى المرسل.
قوله: ﴿الْبَلَاغُ﴾ أي: إلا تبيلغ ما أوحي إليه، وهذا الحصر إضافي، ومعنى إضافي أي: بالإضافة لما يجب لكم عليه، إذًا قوله: ﴿الْبَلَاغُ﴾ أي: بلاع الرسالة، وأما هداية الخلق فليست للرسول ﵊، عليه أن يبلغ، وإذا بلغ انتهت
стр. 916
وظيفته، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: ما تظهرون، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: تخفون، المعنى أن أعمالكم ليست إلى الرسول ﵊ وليس مسؤولًا عنها، إنما الذي يحاسبكم عليها هو الله الذي يعلم ما تبدون وما تكتمون.
لو قال قائل: بعض العوام يقول: لو أن الله سخط على الكفار وأهل المعاصي ما أعطاهم الأموال والأولاد والصحة والعافية؟
الجواب: وبعض العوام بالعكس، أنا أسمع من العوام مثلًا، يقولون: عطاؤه ما يدل على رضاه، وهو كذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ [الأعراف: ١٨٢]، وهذا استدراج من الله ﵎، وقد أخبر النبي ﵊: "أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب" (١) جعلنا الله منهم.
وفي الآخرة يقول الله للجنة: "أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (٢) وهم ليسوا من أهلها، فلا رحمة حتى أن الله يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] لكن
стр. 917
تعذيبهم رحمة بالمؤمنين وذلك بأن يروا أعداءهم وهم يعذبون في النار.
قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ هذا الذي يتفرع عليه الحساب ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: ما تظهرونه من الأعمال القولية والفعلية، وهل علمها قبل أن تكون أو بعد أن كانت؟ علمها قبل أن تكون وبعد أن كانت، وقوله: ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: ما تخفون في نفوسكم، وتلك الأعمال القلبية، بل أشد من الأعمال القلبية ما يوسوس به القلب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]، وهذا يعني أن حسابهم على الله لا على الرسول ﷺ .
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: وجوب إبلاغَ الوحي على رسول الله ﷺ ؛ لأن "على" ظاهرة في الوجوب في قوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
لكن لو قال قائل: ألا يشكل على قولنا: وجوب البلاغ، أن بعض الأئمة يقول: لا أعطي علمي إلا لمن يستحق العلم ولا أبثه إلا في أهله؟
الجواب: إن صح هذا الخبر، فقصده الجلوس للناس لكي يعلمهم، يعني لا يجلس للناس إلا الذين هم يريدون العلم حقيقة، ويسعون لإدراكه.
الفائدة الثانية: أنه ليس على النبي ﷺ أن يجبر الناس على أن يهتدوا، ويؤيد هذا آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].
стр. 918
الفائدة الثالثة: إثبات رسالة النبي ﷺ لقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾.
الفائدة الرابعة: تحذير المُبَلَّغِينَ من المخالفة، لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ فإن إخباره بعلمه بعد أن قال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ فيه التهديد والوعيد على من خالف.
الفائدة الخامسة: سعة علم الله وعمومه، لقوله: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وهذا عام للأمة كلها، و"ما": هنا كما هو معروف اسم موصول يشمل القليل والكثير.
الفائدة السادسة: أن أعمال العباد تنقسم إلى قسمين: قسم يبدو للناس وقسم لا يبدو، لقوله: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
فإن قال قائل: هل الأفضل للإنسان أن يبدي ما عمل أو أن يكتم ما عمل؟ قلنا: إن كل ذلك خير؛ لأن الله مدح الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية، ولكن أيهما أفضل؟ ينظر للمصالح، إن كانت المصلحة في الإعلان أعلن، وذلك كإنسان يقتدى به ويتأسى به فالأفضل أن يعلن حتى يتأسى الناس به، ويعرفوا أن هذا حق، ويكون بذلك إمامًا لمن اتبعه، وإذا كان الإخفاء خيرًا فالإخفاء أفضل كما لو تصدق إنسان على شخص متعفف لا يحب أن يطلع عليه، فهنا الأفضل الإسرار، وإن تساوى الأمران والغالب أنهما لا يتساويان من كل وجه، لكن على فرض أنهما تساويا من كل وجه فالإسرار أفضل؛ لأنه أدل على الإخلاص وأقرب إلى الإخلاص.
الفائدة السابعة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا
стр. 919
تَكْتُمُونَ﴾ فالإنسان يريد أن يبدي ويريد أن يكتم، وهذا هو إثبات الإرادة للعبد.
والجبرية: قومٌ يقولون: إن الإنسان غير غير بل مجبر ويستدلون بآيات منها قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾ [القصص: ٦٨]، قالوا: إنه نفى أن يكون للعبد الخيرة، فشبهتهم قوية، ولكن لا شك أن هذه الشبهة باطلة؛ لأن المراد بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ يعني: في فعله ، مثلًا قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١]، يريدون أن يختاروا هم من يكون رسولًا، فقال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، فيكون معنى قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: فيما يفعله الله، أما بالنسبة لأفعالهم فلهم الخيرة، والدليل على هذا آيات كثيرة، منها خصال الكفارة مثلًا في كفارة اليمين، ثلاثة منها على التخيير: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، وغير ذلك من الأدلة.
الفائدة الثامنة: أن أهل العلم الذين هم ورثة الأنبياء إذا بَلَّغوا برئت ذمتهم، ولكن هل يجب عليهم التبليغ على كل حال أو إذا كانت هناك فائدة أو ماذا؟ نقول: الأصل أن التبليغ واجب بكل حال، هذا هو الأصل لقول النبي ﷺ : "بلغوا عني" أمر "ولو آية" (١) لكن قد لا يجب التبليغ، ويجوز أن يكتم العلم إلى وقت ما إذا رأى في ذلك مصلحة، كما فعل معاذ بن
стр. 920
جبل ﵁ حينما لم يبلغ قول النبي ﷺ : "حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به" (١) لم يبلغها إلا عند موته تأثمًا، وإلا فالأصل وجوب الإبلاغ، أما إذا سئل الإنسان عن العلم، فهذا كان السائل مسترشدًا وجب أن يُبَلَّغ السائل، وأما إذا كان ممتحنًا فإن الإنسان بالخيار إن شاء بلغ وإن شاء منع؛ لأن هذا السائل غير مسترشد، لا يريد العلم، يريد أن يمتحن هذا المسؤول فهو بالخيار، وهل الأفضل أن يبلغ أو الأفضل ألا يبلغ؟ في هذا تفصيل: إن كان هذا السائل إذا تُرك صار في ذلك إذلال له وخزي فليتركه، وإن كان إذا ترك ازداد شره وطغى طغيانه فإنه يجب أن يبلَّغ ويبيَّن له ضلاله، فالمسألة يرجع فيها إلى المصالح، فإن قلت: ما هو ميزان المصالح؟ قلنا: كل إنسان مسؤول عن نفسه، وكل قضية لها حكم، ولهذا أحيانًا يمر في بعض الإجابات عن بعض الأدلة، يقال في بعضها إنها قضية عين، كل إنسان حسب ما يراه والله حسيبه.
* * *
° قال الله : ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [المائدة: ١٠٠].
قوله: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ قل يا محمد ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ وتصدير الحكم بـ"قل" يدل على العناية به؛ وذلك لأن
стр. 921
النبي ﷺ كان مأمورًا أن يقول جميع القرآن للناس ويبلغه، لكن إذا نص على شيءٍ معين، دل هذا على أخصيته، فهو كالتخصيص بعد التعميم، قل: أي: قل يا محمَّد لكل من يصح خطابه ويدرك خطابك، ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾، صدق الله لا يستوي الخبيث والطيب من الأشخاص والأعمال والأعيان، لا يمكن أن يستوي هذا وهذا، هل تستوي الصلاة لله والسجود للصنم؟ لا تستوي، هذا من الأعمال.
من الأعيان: هل يستوي الشراب الطيب المستخلص من ثمرات طيبة، والخمر؟ لا يستوي.
بالنسبة للأشخاص: هل يستوي المؤمن الطيب والكافر الخبيث؟ لا، وهلمَّ جرَّا.
إذًا: لا يستوي الخبيث والطيب من كل شيء من الأشخاص والأعيان والأقوال والأفعال، هل يستوي ذكر الله والغيبة؟ لا، إذًا: هذا عام.
قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الخطاب هنا ليس للرسول ﵊؛ لأننا نعلم علم اليقين أن الرسول لا يعجبه كثرة الخبيث، لكن ولو أعجبك، أي: قل للإنسان: لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك أيها المخاطب.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ أي: أعجبك، أي: بَلَغَ منك موقع الإعجاب، وهذا إذا طبقته على بني آدم فأيهما أكثر: الخبيث أو الطيب؟
الخبيث من بني آدم أكثر ولو أعجبك، كذلك لو أعجبك كثرة الخبيث بقوته وإنتاجه لا يهمنك، كما في قوله تعالى:
стр. 922
﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] لا يهمنك فالخبيث باطل، والله يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨] انظر كلمات قوية ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يعني نرمي بشدة ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ يصيب دماغه ولا يفلت ولا يبقى لحظة عين ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، والفاء للترتيب والتعقيب، وإذا فجائية تدل على مفاجأة الزهوق وأن الزهوق يكاد يكون قبل أن يدمغ، ولكن لا بد أن نلاحظ أن السيف بضاربه، يعني: لا بد أن يكون الحامل للحق قويًّا في ذات الله لا يهمه أحدًا في ذات الله، وحينئذٍ يندحر الباطل ويقوم الحق.
قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ الفاء للتفريع، أي: فبناءً على ذلك وعلى كثرة الخبيث، اتقوا الله لا يعجبنكم كثرة الخبيث، وبتقوى الله يحصل المطلوب ويزول المرهوب.
وقوله: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ انظر النداء كيف يداخل القلب ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: يا أولي العقول، أي: يا أصحاب العقول، والمراد بالعقول ذوات الرشد وحسن التصرف وليس عقل الإدراك، قد يكون عند الكافر من عقل الإدراك أكثر مما عند المؤمن، لكن عقل الرشد منفي عن الكافر مطلقًا، ليس عنده عقل رشد؛ لأنه لو كان عنده عقل رشد لآمن ولم يكفر، إذًا يا أصحاب العقول، أي: العقول الراشدة التي تعرف ما ينفعها فتقوم به وما يضرها فتجتنبه.
قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: لتفلحوا، فـ"لعل" هنا للتعليل، والمعلل الاتقاء أي: تقوى الله، يعني: لأجل أن تفلحوا
стр. 923
إذا اتقيتم الله "والفلاح" كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، هذا الفلاح.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أنه لا يستوي الخبيث والطيب عند الله ولا عند أصحاب العقول، وهذا في مراتبهم عند الله، وعند ذوي العقول، أما فيما يعملون من أمور الدنيا فإنه قد يكون الخبيث أكثر من الطيب عملًا، كما هو مشاهد الآن، فإن الدول الكافرة أقدم من الدول المسلمة فيما يتعلق بأمور الدنيا.
الفائدة الثانية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يعتبر بالكثرة، وإنما يعتبر بالكيف لا بالكم، لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.
الفائدة الثالثة: أنه إذا اجتمع قوم للشورى ثم تنازعوا في شيء فإننا نعتبر من هو أقرب إلى الصواب، يعني: إذا كان الفرق يسيرًا نعتبر من هو أقرب للصواب، فإن تساووا فهنا نعتبر الأكثر؛ لأن المقصود هو الحق، فإذا علمنا أن هؤلاء القلة في جانبهم الحق من حيث العلم والثقة والأمانة والمعرفة فإنهم يقدمون على الأكثر، لكن إذا تساووا اعتبرنا الأكثر؛ لأنه لا طريق لنا إلى الترجيح إلا هذا.
الفائدة الرابعة: أن وصف الخبث والطيب يكون في الأعمال ويكون في الأعيان، فالمؤمن طيب في ذاته وعمله، والكافر خبيث نجس في ذاته وعمله، لكن نجاسته في ذاته ليست نجاسة حسية كنجاسة البغل والحمار، ولكنها نجاسة معنوية.
الفائدة الخامسة: أن الإنسان قد يعجب بما ليس محلًّا للإعجاب، لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.
стр. 924
الفائدة السادسة: وجوب تقوى الله ، وأن من تقوى الله ألا يعجب الإنسان بالخبيث ولو كثر؛ لأنه ذكر الأمر بالتقوى بعد قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.
الفائدة السابعة: أن الذين يخاطبون بالتقوى وبمثل هذه الأحكام العظيمة هم أصحاب العقول، لقوله: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والمراد بالعقول هنا: عقول الرشد لا عقول الإدراك.
الفائدة الثامنة: أن التقوى سبب للفلاح، لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وسبق معنى الفلاح.
* * *
° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١].
الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق الكلام عليه مرارًا فلا حاجة لإعادته.
قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ﴿أَشْيَاءَ﴾ هنا ممنوعة من الصرف، وعلل الصرفيون كونها ممنوعة من الصرف، أن الهمزة فيها للتأنيث وليست أصلية، لكن فيها إعلال بالتقديم والتأخير في حروفها، حيث قدمت الهمزة الوسطى إلى أولها فصارت أشياء، ولذلك لو أردت أن تزنها فوزنها فعلاء.
قوله: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ يعني إن يبد لكم الجواب عنها فإنه يسؤكم، وهذا يشمل كل ما سكت الشرع عنه ثم صار في السؤال عنه سبب للمشقة على الناس واستيائهم مما حصل.
стр. 925
ومن ذلك ما كان من بعض المسلمين حيث إنهم كانوا يسألون النبي ﷺ ، الرجل منهم يسأل: من أبي، وأين أبي؟ وما أشبه ذلك، فإن هذا من الأمور التي يجب السكوت عنها، فلو أن رجلًا قال للرسول ﵊: من أبي؟ فقال: أبوك فلان غير أبيه؛ لكان في هذا فضيحة له ولأبيه ولأمه، فالسكوت عنه هو الأدب.
كذلك إذا قال: أين أبي؟ فإذا قال الرسول ﷺ : أبوك في النار، أساءه بلا شك، وكان ذلك أيضًا إساءة إلى الأب، كذلك في الأشياء الواجبة لما قال النبي ﷺ : "إن الله كتب عليكم الحج" قال الأقرع بن حابس: أفي كل عام؟ (١) هذا السؤال غير وجيه؛ لأن النبي ﷺ لو قال: نعم لوجبت، ولشق ذلك على المسلمين أفرادًا وجماعات، أفرادًا؛ لأن الإنسان إذا فرض عليه أن يحج كل عام يشق عليه، جماعات؛ لو أن الأمة الإِسلامية قيل لها: من قدر منكم أن يحج فليحج كل عام، ما الأرض التي تسعهم؟ لا تسعهم الأرض، فلهذا كان السؤال في غير وجهه، فما أعظم الجرم ممن سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته، أو أُوجب أو لم يجب من أجل مسألته؟
وقوله: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: يُظَهَرُ لكم جوابها تسؤكم.
قوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ يعني إن سألتم عنها في زمن الوحي الذي ينزل فيه القرآن تبد لكم، يبديها الله على لسان رسوله ﷺ الذي وجه السؤال إليه.
стр. 926
قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ يعني: عفا الله عما سكت عنه ولهذا جاء في الحديث: "وما سكت عنه فهو عفو" (١).
قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ للذنوب ﴿حَلِيمٌ﴾ في العقوبة فلا يعاجل عباده بالعقوبة كما قال الله : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥].
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن مما ينافي كمال الإيمان أن يسأل الإنسان عن شيء لم يكلف به، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا﴾.
لكن لو قال قائل: هل كل ما ينافي الإيمان محرم؟ الجواب: يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: كل شيء نُفِي الإيمان عن فاعله فهو من كبائر الذنوب.
وهل يشمل السؤال زمن الوحي وما بعده أو هذا خاص بزمن الوحي الذي يمكن أن يثبت به التحريم أو الإيجاب؟
الجواب: الثاني: في زمن الوحي، أما فيما بعد الوحي فلا بد أن يسأل الإنسان عن دينه، ولذلك نقول: إن ما يفعله بعض العوام إذا قيل له: هذا حرام، هذا واجب، اسأل العلماء،
стр. 927
قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هذا حرام؛ لوجهين:
الوجه الأول: أنه امتنع من السؤال مع وجود مقتضيه.
الوجه الثاني: أنه نزل الآية على غير تنزيلها أي على غير ما أراد الله.
لو قال قائل: ما حكم من يجعل قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ كالمَثَل، كمدرس يقول لطلابه مثلًا: عليكم في الاختبار كذا وكذا من المنهج فيقول الطلاب: وهل هذا معنا؟ فيقول لهم: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؟
الجواب: هذا لا يجوز؛ لأن السؤال الذي ورد لا يتناسب مع معنى الآية.
لو قال قائل: أحيانًا يطرأ على ذهن الإنسان أسئلة قد تكون غريبة أو تُرى أنها بدعية، هل إذا سكت عنها يكون مخالفًا لأمر الرسول ﷺ ، وقول الله ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]؟
الجواب: إذا كان مما يجب على الإنسان اعتقاده أو عمله لا بد أن يسأل ولو كانت غريبة، ولكن إذا كانت من التنطع والتكلف كالذي قال: كيف استوى على العرش مثلًا، هذا لا يصح.
الفائدة الثانية: أن الإنسان قد يسوؤه ما شرعه الله من إيجاب أو تحريم، ولكن المؤمن وإن كره ذلك بطبيعته لا يكرهه من حيث كونه شرعًا لله ، ولهذا قال الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] ما المكروه هل هو القتال أو فرضية القتال؟
стр. 928
القتال دون فرضيته، المؤمن يرضى بكل ما فرض الله وبكل ما أوجب الله وبكل ما حرم ومنع، لكن قد يكرهه من جهة مشقته وتعبه وما أشبه ذلك.
الفائدة الثالثة: أن أي سؤال يرد في عهد النبي ﷺ فلا بد أن يجاب عنه لقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، ولذلك نجد في القرآن الكريم أسئلة كثيرة موجهة للرسول ﵊ فيجيب الله عنها كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فلا بد أن يجاب لقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾.
لكن إذا قال قائل: أليس النبي ﷺ يُسأل أحيانًا فلا يجيب؟ قلنا: بلى، لا يجيب؛ لأنه لم ينزل عليه فيه وحي، ولو نزل عليه فيه وحي لأجاب.
الفائدة الرابعة: أن ما سكت الله عنه فهو عفو، لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ نضرب لهذا مثلًا: يسأل كثير من النساء عن حكم إزالة الشعور من الساقين أو الذراعين فهل هو حرام أم حلال؟
الجواب: لننظر، الشعور تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم نُهي عن إزالته وقسم أُمر بإزالته وقسم مسكوت عنه، مما أمر بإزالته ما جاء في الفطرة، ومما نهي عن إزالته اللحية، ومما سكت عنه بقية الشعور، فهل نقول: إنها مما سكت عنه فتكون حلالًا، أو نقول: الأصل في تغيير خلق الله أنه حرام فتكون حرامًا؟
стр. 929
الجواب: الأول: أنه مما سكت عنه، ولو شاء الله لأنزل فيه قرآنًا أو لتكلم فيه النبي ﷺ .
وأيضًا: الحشرات وأشباهها تنقسم ثلاثة أقسام: قسم أمر بقتله، وقسم نهي عن قتله، وقسم مسكوت عنه، مما أمر بقتله: العقرب والحية والكلب العقور، ومما نهي عن قتله: النملة والنحلة والهدهد والورد.
ومما سكت عنه البقية، فهل نقول: إن البقية يجوز قتلها بدون إيذاء، أو نقول: لا، الأصل أنها حيوان خلقه الله ليستدل به على قدرته وسعة علمه ورحمته، ولأنها تسبح بحمد الله، فلا تقتل إلا إذا كان فيها أذية؟
في هذا ثلاثة أقوال: قولان معلومان عندي إلى الآن لم أنسهما، والثالث: نسيته.
الأول: أنه يكره أن تقتل هذه الحشرات بدون أذية إذا لم يكن منها أذية، أما إذا كان منها أذية فتقتل.
أما القول الأول: فيكره أن يقتلها لأنها تسبح بحمد الله؛ ولأن فيها آية من آيات الله، وهي أن الإنسان كلما تأملها عرف بذلك سعة علم الله ورزقه ورحمته، فيكون فيها مصلحة للعباد فلا تقتل، ولكن على وجه الكراهة.
القول الثاني: أن ذلك مباح؛ لأنه مما سكت الله ورسوله عنه، وما سكت الله عنه فهو عفو.
والثالث: التحريم لكنني لم أجوده؛ لأنه إذا لم يكن منها أذية كان قتلها مجرد عبث وفيه أيضًا تعويد النفس على العدوان، هذا إذا لم تؤذِ، أما إذا آذت فلا شك في جواز قتلها, ولكن
стр. 930
الأفضل أن يدافعها بما هو أهون، فمثلًا: إذا دخلت الحية في جحرها وهي مما أمر بقتلها وصار قتلها إما بالماء يغرقها أو بالنار تحرقها أيهما أولى؟
الجواب: الأولى بالماء، هذه الحشرات أيضًا التي لم يؤمر ولم ينهَ عن قتلها نقول فيها إن كان فيها: نوع أذية فإن أمكن أن تطردها بدون أذية أي: حتى تسلم من الأذية بدون قتل فهو أولى، وإذا لم يكن إلا بالقتل فاقتلها ولا حرج عليك.
لو قال قائل: ما حكم الأجهزة الكهربائية التي تقتل الحشرات؟
الجواب: جائزة؛ لأنها لا تحرق، ثم هذا المؤذي إذا لم نتمكن منه إلا بالإحراق فلا بأس، كما أحرق النبي ﷺ نخل بني النضير (١) مع أن النخل في الغالب يكون فيه أفراخ الطيور وغيرها.
ولو قال قائل: بعض الحشرات بطبيعتها مؤذية لكن إذا لم يبدُ منها أذية هل نقتلها أم ماذا؟
الجواب: تقتل لعموم الأمر بقتلها، وقد أخبرتُ أن من الهوام نوع سريع وطويل ويسمى عندنا "الداب" فهذا لا يحصل منه أذية وهذا مجرب، فهذا النوع لا يلدغ مباشرة، حتى إني رأيتها أنا بعيني تمشي على رِجْلِ امرأة قد مدت رجليها ولم تنلها بسوء، وأما الحية وهي كما وصفت لي قصيرة ومتينة وذنبها
стр. 931
قصير، فهذه لا تترك أحدًا، فهي مؤذية، ولهذا نهى النبي ﷺ عن قتل الجنان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذو الطفقتين (١)، وأما العقرب فيا ويل من مسته، فالعقرب لا تعطي فرصة إطلاقًا، ولم نسمع بعقرب لا تلدغ، ولا ندري عن عقارب أفريقيا، لكن أخبرني بعض الطلاب أن العقارب هنا وهناك سواء، وذلك من أجل طبيعتها فهي تلدغ مباشرة ولا تعطي مهلةً.
لو قال قائل: هل من الأذية أن يبني العنكبوت بيتًا في الجدار أو المسجد؟
الجواب: هذا في الحقيقة يختلف، بعض العناكب تبني البيوت وتأتي بأشياء مؤذية للنظر وتعلقها، هذه مؤذية لا شك، كذلك أيضًا في المكتبة قد تعشش على الكتب هذه مؤذية أيضًا، لكن الغريب أن الناس يقولون: إن العنكبوت لا يجوز قتله مطلقًا ولو عشش على رأسك، لماذا؟ قالوا: لأنها عششت على النبي ﷺ في الغار، وهذا ليس بصحيح، تعشيش العنكبوت على النبي ﷺ في الغار غير صحيح أبدًا، ولم يمنع رؤية الكفار إلا حماية الله ، ولهذا قال أبو بكر ﵁: "لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا" (٢).
стр. 932
وبعض العلماء أورد حديثًا لكنه ضعيف، أن النبي ﷺ أمر بقتل العنكبوت، نقول: لا أمر ولا نهي، هي من الحشرات التي تركها أولى، لكن إذا حصل منها أذية ولو قليلة فلا بأس أن تقتل، كما لو بَنَتِ العنكبوت بيتًا في مكان يشوه المنظر، وربما تأتي ما شاء الله بأشياء؛ لأنها من الحشرات التي تدخر قوتها.
ومن فوائد العنكبوت أنه يقتل الذباب، فتجده يختبأ له ويمسكه بنفسه، حتى إذا قرب قفز عليه، سبحان الله العظيم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى! وأما من يقول من الطلاب إن من فوائدها أنها تقتل النمل فإننا نقول له: عليك أن تثبت هذا؟ ائتنا بعنكبوت ونملة وننظر؟
الفائدة الخامسة: أن القرآن منزل من الله لقوله: ﴿يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ لم يذكر الفاعل لكنه حذف للعلم به؛ لأن المنزل للقرآن هو الله .
الفائدة السادسة: أن النبي ﷺ مبلغ عن الله لقوله: ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ لأن المبدي للبشر مباشرة هو الرسول ﷺ .
الفائدة السابعة: البناء على الأصل في براءة الذمة، لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ فالأصل عدم شغل الذمة بإيجاب أو تحريم.
الفائدة الثامنة: إثبات هذين الاسمين لله "الغفور والحليم" فهو غفور للذنوب، حليم عند العقوبة فلا يعاجل وقد قال ابن القيم ﵀:
وهو الحليم فلا يعاجل عبده ... بعقوبة ليتوب من عصيان
* * *
стр. 933
قال الله : ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ [المائدة: ١٠٢].
لما نهى الله هذه الأمة أن يسألوا عن أشياء سكت الله عنها، وأنهم إذا سألوا عنها فلا بد أن تبين لهم حين نزول القرآن لئلا يبقى المسلمون في حيرة من دينهم، ولئلا يكون في الدين نقص، بَيَّنَ أن مثل هذه المسائل قد سألها قوم من قبل هذه الأمة ولكن لم يقوموا بما أُوْجِبُوا به، وأَبْيَنُ مَثَلٍ لذلك: قصة البقرة حين قتل قتيل وشكوا فيمن قتله، فأمرهم نبيهم موسى ﷺ أن يذبحوا بقرة، فظنوه يمزح معهم، ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] من الجاهلين يعني: من المعتدين، ليس من الجهل الذي هو ضد العلم، كما قال الله ﵎ في الإنسان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] فقوله: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني: ولن أعتدي فأَسْخَرَ بكم ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ [البقرة: ٦٨] يعني: لا كبيرة في السن ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ ولا صغيرة ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] هذا سؤال هل له داعي؟ ! لا، ليس له داعي، موسى ﵊ قال: اذبحوا بقرة، يذبحون أي بقرة تكون ويحصل الامتثال؛ لأن البقرة معلومة الجنس، أما كونها معلومة اللون أو معلومة السنن أو معلومة الفعل فليس بلازم، انتقلوا إلى سؤال آخر ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] سبحان الله! هل طولبوا بلون معين؟ لا ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ ليس فيها سوى الأصفر ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾
стр. 934
[البقرة: ٦٩] في حجمها ولحمها وسمنها وهيكلها، هل اقتصروا على هذا؟ لا، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] لكن هم بقر وهل يتشابه البقر بعد هذا الوصف الأول والثاني؟ لا يتشابه، ومع هذا قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ فلم يجزموا بالهداية، ولا أظنهم والله أعلم ذكروا ذلك تبركًا ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١] أربعة أوصاف شُدِّد عليهم ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] الآن، وقبلُ ما جاء بالحق؟ ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] يعني ذبحوها بعد التي واللُّتَيَّا وما قاربوا أن يفعلوا، لكن رأوا أنهم لا بد أن يفعلوا، هذا من التعنت، يعني: لو أنهم ذبحوا بقرة من أول الأمر انتهى الموضوع ولم يكن إشكالًا، والأمثلة على هذا كثيرة في القرآن والسنة لمن تدبرها، أن الذين سألوا سؤال التعنت ابتلوا والعياذ بالله بالإباء والاستكبار.
* * *
° قال الله : ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾ [المائدة: ١٠٢].
"أصبح" هنا مجردة عن الزمان فهي بمعنى صار كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] هل تصبح في الصباح أو في أي وقت من الزمن؟ في أي وقت، لكن مثل هذا يعبر به في اللغة العربية مجردًا عن إرادة الزمان الذي هو الإصباح، و (أصبح) بينها وبين كان نسب ما هو؟ أنها أختها أخت كان، يعني: أنها تعمل عمل
стр. 935
(كان)، والأخوة تصدق بأدنى سبب، فتكون "الواو" اسمها و ﴿كَافِرِينَ﴾ خبرها.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: ضرب الأمثال بالأمم السابقين حتى نقتنع بأنه لا ينبغي لنا أن نسأل لأن غيرنا سأل وكفر.
الفائدة الثانية: أن من قبلنا كانوا يسألون ولكن يهلكون بالسؤال، ويؤيد هذا قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح عمن سبقنا ولفظ الحديث: "إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" (١) يسألون ثم يختلفون عليهم ولا يوافقونهم.
الفائدة الثالثة: أن الإنسان لا ينبغي أن يتعرض لما قد يكون محنة عليه، ولهذا جاء في الحديث النهي عن أن يتعرض الإنسان لشيء لا يستطيعه فإن هذا من البلاء والذل (٢)، وربما يؤخذ من هذا منهاجًا حسنًا في كل شيء.
مثال ذلك: لو أن رجلًا ماله قليل وبنى له بيتًا وصار يمكن
стр. 936
أن يستغني بفراش يجلس عليه وفراش ينام عليه ووسادة يتكئ عليها, لكنه أراد أن يفعل ما يفعله الأغنياء من أن يملأ البيت كله فراشًا وأن يأتي بفراش فخم، وما أشبه ذلك، نقول: لا تتعب نفسك فإن هذا من الإشقاق على النفس وأن يُلْحِقَ الإنسان دَيْن، في ذمته فيعجز، وفي الأمثال العامية: (مد رجلك على قدر لحافك)؛ لأنك لو مددتها مستطيلة واللحاف قصير، طلعت فأصابها البرد.
* * *
° قال الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٣ - ١٠٤].
قوله: ﴿مَا جَعَلَ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، والجعل هنا بمعنى الشرع، أي: ما شرع الله، واعلم أن ﴿جَعَلَ﴾ تأتي بمعنى خلق وبمعنى صير وبمعنى شرع.
القسم الأول: تأتي بمعنى خلق مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وجعل التي بمعنى خلق لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد.
القسم الثاني: وتأتي بمعنى صَيَّرَ، وهذه تتعدى إلى مفعولين، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] والأمثلة في هذا كثيرة، وبهذا نعرف ضلال الجهمية
стр. 937
الذين استدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف: ٣] حيث قالوا إنَّ معنى قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ أي: خلقناه، فيقال: هذا دليل على لُكْنَتِهِمْ وعدم معرفتهم باللغة العربية؛ لأن (جعل) إذا تعدت إلى مفعولين فإنها لا تكون بمعنى خلق أبدًا، بل تكون بمعنى صير.
القسم الثالث: تأتي بمعنى شرع كما في هذه الآية، هنا يتعين أن تكون بمعنى شرع، ولا يجوز أبدًا أن نجعلها بمعنى صير أو خلق؛ لأن الأمر واقع، فالبحيرة موجودة والسائبة والوصيلة والحام كذلك موجود، وعليه فنقول: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ﴾ أي: ما شرع الله.
قوله: ﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة للتوكيد، أي: لتوكيد النفي، ولهذا نقول عند إعرابها: "من" حرف جر زائد زائد، كيف يحل هذا اللغز، هل زائد الثانية توكيد للأولى؟
الجواب: زائد في الإعراب يعني أنه لو حذف لاستقام الكلام، وزائد في المعنى؛ لأن كل شيء في القرآن لا يمكن أن يزاد بلا معنى إطلاقًا، إذ إن زيادة الكلمة أو الحرف بدون معنى لغو، والقرآن منزه عن هذا، إذًا: هي زائدة إعرابًا زائدة معنى، والذي زادته في هذا السياق توكيد النفي.
وقوله: ﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ البحيرة والسائبة والوصيلة والحام هذه أسماء لها اصطلاحات مختلفة عند العرب، خلاصتها: أنها إما أن تكون لآلهتهم وإما أن يحرموها أكلًا وركوبًا وانتفاعًا بلبنها وأصوافها وأوبارها، وهم على اختلاف بينهم متى تكون بحيرة ... إلى آخره، لكن علامة البحيرة عندهم أن تشق أذنها
стр. 938
شقًّا واسعًا مأخوذة من البحر، والبحر واسع، لكن متى يشقونها؟ لهم اصطلاح في هذا، إذا ولدت كذا وإذا ولدت كذا، المهم أنها اصطلاحات مختلفة.
وقوله: ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾ السائبة: هي التي تترك سائبة، أي: متروكة مسيبة، وهذه أيضًا متى تسيب؟ عندهم في ذلك اصطلاح يختلف، لكن النهاية أنها تسيب ويُحرِّمون ألبانها وركوبها والانتفاع بها.
وقوله: ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ الوصيلة: هي التي تكون بكرًا، وأول ما تلد تلد أنثى، ثم توصلها بأنثى أخرى، يعني: البكر تلد بطنين على التوالي كلاهما أنثى، فيكون هذه وصلت أنثى بأنثى فتحرم أو تجعل للآلهة.
وقوله: ﴿وَلَا حَامٍ﴾ نحتاج إلى إعرابـ "حام" هل هي اسم منقوص أو حرف صحيح؟ الجواب: منقوص وأصلها حامي، إذًا هو اسم منقوص محذوف الياء، والحامي من الحماية، وهو الذي حمي ظهره فلا يركب، إذًا هو جمل؛ ويختلفون فيه متى يكون حاميًا؟ بعضهم قال: إذا أنجب عشرة أولاد، وبعضهم قال خلاف ذلك، المهم أن هذه أوصاف لأزواج من الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم متى حصلت حرمت هذه البهيمة أو جعلت للأصنام.
قوله: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معطوفة على ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ حيث يقولون: إن هذه محرمة وهذه محللة افتراء على الله .
قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أكثر هؤلاء الكفار لا يعقلون؛ لأنهم همج رعاع تابعون لأكابرهم، فأكثرهم لا يعقلون، يعني: ليس لهم عقل يرشدهم، مع أن الله ذكر في أوصاف الكفار في
стр. 939
آيات أخرى أنهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] وقال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ لأن هنا إمام ومقلد، والأئمة عندهم هم أئمة الكفر الذين يحللون ويحرمون بأهوائهم والعوام يتبعونهم ويقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ولهذا قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: قيل لهؤلاء الأكثر، هؤلاء من؟
الجواب: هؤلاء العوام، لما ذكر العلماء في الآية الأولى ذكر العوام.
قوله: ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: إلى القرآن لنتحاكم إليه ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أيضًا ليكون التحاكم إليه، وهذا في حياته يؤتى إليه شخصيًا ﴿قَالُوا﴾ في جواب مَنْ يقول لهم: تعالوْا، ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ﴿حَسْبُنَا﴾ أي: كافينا ﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ يعني: وليس لنا حاجة أن نأتي لنتحاكم إلى القرآن ولا إلى الرسول؛ لأن لدينا ما يكفينا وهو ما كان عليه آباؤهم، قال الله : ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ يعني: أيقولون هذا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون، وهذا في غاية التوبيخ أن يتبعوا آباءهم، وآباؤهم ليسوا على علم.
﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ يعني شيئًا من شريعة الله، وإلا فهم يعلمون كيف يأكلون وكيف يشربون وكيف يذهبون ويجيئون، ولكن لا يعلمون شيئًا من شريعة الله، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ الطريق الذي يوصلهم إلى الله ، فنفى عنهم العلم والعمل، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ هذا نفي العلم ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ نفي العمل.
стр. 940
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الفائدة الأولى: إطلاق الجعل على التشريع، لقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾.
الفائدة الثانية: بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريم هذه الأنعام الموصوفة بهذه الصفات: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
الفائدة الثالثة: الإنكار على الكفار حيث شرعوا هذه الشريعة وحرموا هذه الأشياء الأربعة.
الفائدة الرابعة: أن كل من أتى بشريعة ليست من عند الله فإنه يصدق أن نقول: إنه افترى على الله الكذب، لكن من اجتهد وبذل الوسع للوصول إلى الحق وحكم بغير الصواب فإنه لا يقال: إنه افترى على الله كذبًا، بل يقال: إنه اجتهد وأخطأ وله أجر واحد، وهذا والحمد لله من سعة رحمة الله .
الفائدة الخامسة: خطر الإفتاء، وأن الإنسان قد يفتي بالشيء فيكون ممن افترى على الله كذبًا، وقد كان السلف ﵏ إذا استفتي أحدهم يقول: لا أفتي حتى أنظر الصراط بين يدي فهل أنجو منه أو لا أنجو؟ وكذلك الإجابة هل ينجو منها أو لا ينجو؟ ووالله إن هذا لدليل على تعظيم الله وهيبته في القلب ألا يُقْدِمَ الإنسان حتى يعرف أنه سوف ينجو في العبور على الصراط، ولا شك أن الفتوى أمرها عظيم وخطرها عظيم، وما أشد زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب، نسأل الله العافية.
стр. 941
الفائدة السادسة: ذم أولئك الذين يقولون بلا علم وأنهم قد فقدوا عقولهم، لقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وصدق الله ؛ كل إنسان يقدم على الفتوى بالتحليل أو التحريم أو الإيجاب بدون علم فهو غير عاقل وإن ظن أنه صار إمامًا فإنه غير عاقل، وسيفضحه الله إما في الدنيا وإما في الآخرة، يعني: قد يمهل الله له ويكون إمامًا في وقت ما لغفلة الناس وعدم العلماء، ولكن النتيجة سوف يكون مخذولًا والعياذ بالله؛ لأن كل من ابتغى الإمامة في غير دين الله فإنه مخذول.
الفائدة السابعة: أن التحري في الإفتاء من العقل، ولقد كان السلف الصالح يتدافعون الإفتاء ويؤجلون المستفتي، حتى إنهم ذكروا أن قومًا أتوا من خراسان من المشرق إلى المدينة يستفتون الإِمام مالكًا ﵀ في مسألة فقال: أنظروني، وبقوا خمسة عشر يومًا ينتظرون الفتوى، وفي النهاية قال: ليس عندي علم، قالوا: سبحان الله! إمام دار الهجرة ليس عنده علم، ونحن قد أتينا من بلاد بعيدة وأقمنا في انتظار هذه الفتوى وتقول: ما عندي علم، قال: نعم، أقول: ما عندي علم، اذهبوا إلى قومكم قولوا: إن مالكًا يقول: ليس عندي علم. وهو إمام لكن الإنسان يعرف أنه سيقف بين يدي الله ، وسيسأله: لماذا حكمت في عبادي بما لم تعلم أنه حكمي أو يغلب على ظنك أنه حكمي، إذا كنت من أهل الاجتهاد.
فالمسألة خطيرة، نسأل الله أن ينجينا، الإنسان لولا أنه يقول: لعلي أكون إمامًا في الخير لقال: ليتني لم أرزق هذا العلم، ولكن نقول: نرجو من الله التوفيق للصواب، وأن
стр. 942
نكون أئمة في دين الله وندخل في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
الفائدة الثامنة: أن هؤلاء العوام يوجهون ويرشدون ويدعون إلى الكتاب والسنة، لقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ وأبهم القائل إما لكثرة القائلين وإما لاختلاف مراتبهم؛ لأن كثرة القائلين توجب أن الإنسان ينصاع، والمرتبة العليا توجب أيضًا أن الإنسان ينصاع ويأتي.
الفائدة التاسعة والعاشرة والحادية عشرة: إثبات أن الله تعالى أنزل الكتاب وهو القرآن، ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن كلام الله.
فإذا قال قائل: لا يلزم من كون الله أنزله أن يكون كلامًا؛ لأن الله يقوِل: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] ويقول: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة: ٢٢]، فهل تجعلون الحديد من صفات الله أو الماء النازل من السماء؟
الجواب: لا، لا نقول هذا، وقول من يقول: القرآن مخلوق كما خلق الحديد وكما خلق الماء النازل من السماء، تمويه من أهل الباطل؛ لأن أهل الباطل يتبعون المتشابه.
فنقول لهم: هل الكلام عين قائمة بنفسها، جسم أو غير جسم قائم بنفسه، أو لا بد لكل كلام من متكلم؟
الثاني لا شك؛ لأن الكلام وصف لا بد أن يكون من موصوف، إذًا: إذا أضاف الله إنزال القرآن إلى نفسه علمنا أنه كلامه؛ لأن القرآن كلام، فيكون في هذا دليل واضح على أن القرآن كلام الله.
стр. 943
وفي الآية أيضًا دليل على علو الله لقوله: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله أبين وأظهر من أن تقام عليه الأدلة، ولكن السلف وأهل السنة والجماعة اجتهدوا في تقرير الأدلة؛ لأن هناك من ينازع في علو الله ، وإذا وجد منازع فلا بد أن يكون له مقابل وإلا لضاعت الشريعة، يعني: أقول: العلو أَبْيَنُ من أن يحتاج إلى تكثير الأدلة، لكن لما كان في الأمة الإِسلامية التي تستقبل قبلتنا وتنحر نسيكتنا من ينكر العلو، صار لا بد أن نأتي بالأدلة من كل وجه، ومن أدلة العلو القرآن فهو مملوء بالأدلة على علو الله العلو الذاتي، والسنة كذلك مملوءة وعلى جميع وجوهها: القول والفعل والإقرار، وإجماع الصحابة موجود، ما منهم أحد قال: إن الله ليس في السماء وهم يقرؤون القرآن ويسمعون السنة، ما أحد منهم قال: إن الله ليس في السماء، وعلى هذا فيكونون مجمعين على ما دل عليه الكتاب والسنة، وهذا الطريق به نعرف إجماع الصحابة أن القرآن يتلونه والسنة يسمعونها، ولم يرد عنهم ما يخالفها.
فإذًا: هم قائلون بها، فهذا طالبك إنسان بإجماع الصحابة على مثل هذه الأمور فقل: إنهم يقرؤون القرآن ويسمعون السنة، ويشاهدون الفعل من الرسول ﵊، ولم يرد عنهم ما يخالف ذلك، إذًا: هم مقرون بهذا لأنهم أهل اللسان وأعرف الناس بمعاني القرآن والسنة.
العقل أيضًا دليل على علو الله ؛ لأن كل إنسان يعلم أن العلو صفة كمال وليس في هذا إشكال، وأن السفل صفة نقص، والرب يجب له الكمال من كل وجه، ولهذا قال إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ
стр. 944
تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم: ٤٢] صنم تعبده لا يسمع دعاءك ولا يبصر حالك ولا يغني عنك شيئًا.
الفطرة أيضًا هل تحتاج إلى دليل؟ لا تحتاج، كل إنسان يؤمن بالله وأنه حي موجود فإنه لا يمكن أن يتصور إلا أنه في السماء، لو أتيت العجائز اللاتي لم يقرأن ما كُتب حول الموضوع وقلت لإحداهن: أين الله، ماذا تقول؟ هل تقول: في السماء أم تقول: اتركني أطالع وانظر؟ تقول: في السماء، حتى الجارية التي أعتقها معاوية بن الحكم ﵁ لما سألها النبي ﷺ : "أين الله؟ " قالت: في السماء، فأي حكم يكون أثبت من حكم دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
الفائدة الثانية عشرة: وجوب الرجوع إلى ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن الله أنكر على هؤلاء الذين قالوا: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.
الفائدة الثالثة عشرة: أن من تعصب لقول إِمام والتزمه وأصر عليه مع وجود الكتاب والسنة ففيه شبه من هؤلاء الكفار؛ لأنه إذا قيل له: تعال إلى ما أنزل الله والرسول قال: حسبي إمامي، فيكون فيه شبه من هؤلاء الكفار، وقد أنكر قوم التقليد إنكارًا عظيمًا، وقابلهم آخرون فأوجبوه وقالوا: إِن باب الاجتهاد قد سد منذ زمن سابق ولا مناص للأمة للإسلامية الآن من التقليد، فصاروا طرفي نقيض، قسم ينكره إنكارًا عظيمًا ويقول: التقليد شرك والتقليد دأب المشركين، ولا يمكن أبدًا إلا أن يعرف الإنسان الحق بنفسه.
وقسم آخر بالعكس قال: ما في كتاب المذهب هو الحق، ولو بان لك بالكتاب والسنة أنه غير صحيح فالزم المذهب ولا
стр. 945
تخرج عنه، وقد أدركنا هذا، أدركنا من يقول: المرجع الإقناع والمنتهى، وإياك أن تخرج عما فيهما، حتى وشوا ببعض الناس إلى السلطات حين ذكر ما هو الراجح من الأقوال، وقالوا: هذا خارج عن المذهب، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم، ومن اعتقد أن أحدًا من الناس من العلماء وإن كبر بل من الصحابة يجب التزام قوله عزيمة ورخصة وتحليلًا وتحريمًا، فإنه ضال مبتدع يستتاب، فإن تاب وإلا أدبه الحاكم بما يرى أنه يردعه وأمثاله.
القسم الثالث: تَوَسَّطَ في التقليد والاجتهاد، قالوا: من أمكنه الاجتهاد ومعرفة الحق بنفسه لم يحل له أن يقلد، ومن لا، فله أن يقلد، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ولم يأمر الله تعالى بسؤالهم إلا للرجوع إلى قولهم وإلا لكان سؤالهم لغوًا لا فائدة منه، وبقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وبأن الله تعالى أباح التيمم عند عدم الماء، هذه ثلاثة أدلة، وبأن الله أباح الميتة عند الضرورة، إذا لم يجد الإنسان إلا ميتة فإما أن يأكلها فيبقى، أو لا يأكلها فيهلك، فيقال: يجب أن تأكلها وجوبًا فإن لم تفعل فأنت آثم، وما أحسن ما قال شيخ الإِسلام ﵀: اجعل التقليد كالميتة لا تحل إلا عند الضرورة.
الفائدة الرابعة عشرة: حسن الجدال في القرآن الكريم حيث أقام الحجة على هؤلاء الذين: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ بأن آباءهم ﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ فهم ضالون في علمهم وفي عملهم.
* * *
стр. 946
° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [المائدة: ١٠٥].
الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تكرر كثيرًا وعرفنا ما يترتب على هذا الخطاب.
قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي ألزموا أنفسكم بالإصلاح ولهذا "على" تعتبر نائبة مناب اسم الفعل، أي: ألزموا أنفسكم بإصلاحها وطلب الهدى لها.
قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ لأن النَّاس قد يقولون: إذا كان هناك فسقة أو كفار فإننا نخشى على أنفسنا من هذا، فَبَيَّنَ الله أن ذلك لا يضرنا إذا أصلحنا أنفسنا، وهذا كما جاء في الحديث: "إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوىً متبعًا ودنيا مؤثرة وأعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام" (١).
وقوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يعني إذا استقمتم على صراط الله، ومن الهداية أن يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر بقدر الاستطاعة، فليس في الآية ما يدل على إسقاط أو على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن من أعظم الهداية وأتم الهداية أن يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر.
стр. 947
قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ يعني إلى الله مرجعكم أيها المؤمنون وكذلك غير المؤمنين، فالمرجع إلى الله ، ويوم القيامة يفصل الله تعالى بين الخلائق.
قوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: يخبركم.
قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ينبئكم بما كنتم تعملون؛ إنباء يترتب عليه الثواب أو العقاب.
فإن قال قائل: أليس قد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ استيقظ ذات ليلة محمرًا وجهه يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، قال: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وأشار بالسبابة والإبهام"، قالوا: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا أكثر الخبث" (١)؟
قلنا: هذا لا يعارض الآية؛ لأنه إذا هلك الصالحون بسبب الفتنة التي حصلت من هؤلاء فإن ذلك لا يضر؛ لأن الهلاك مصير كل حي، لكنه لا يتضرر في دينه، كما قال الله : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وبهذا الوجه يتبين ألا معارضة بين هذه الآية وبين ما جاء في الحديث.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: فضيلة الإيمان وأن أهله أَهْلٌ لأن توجه إليهم الخطابات، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
стр. 948
الفائدة الثانية: أن إصلاح النفس والعناية بها من مقتضيات الإيمان, فعليك نفسك، اعتنِ بها، وأصلحها ما استطعت.
الفائدة الثالثة: أن ضلال من يضل لا يترتب عليه ضرر المهتدي، يعني: الضرر المعين الشخصي، وأما الضرر العام وهي العقوبة العامة فهذه قد تكون وقد لا تكون أيضًا، أليس الله تعالى إذا أخذ الأمم السابقة ينجي النبي ومن معه؟ بلى، إذًا: ليس من الضروري أن الله إذا أخذ المجرم بالعقوبة قد تشمل حتى المؤمن.
الفائدة الرابعة: انقسام الناس إلى ضال ومهتدٍ، لقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ والضلال له سبب، والهداية لها سبب؛ سبب الضلال الإعراض عن دين الله وعما جاءت به الرسل، لقول الله ﵎: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] , ومن أسباب الهداية الإقبال على الله وعلى ما جاءت به الرسل.
الفائدة الخامسة: أن المؤمنين إذا لم يهتدوا فقد يسلط عليهم أعداؤهم فيضرونهم؛ لأن الله اشترط لعدم الضرر الهداية، فإذا لم يهتدِ المؤمنون فيوشك أن الله تعالى يسلط عليهم الأعداء فيضرونهم في أموالهم أو أهليهم أو أوطانهم.
الفائدة السادسة: أن المرجع إلى الله لا إلى غيره، وجه الدلالة من قولي: "لا إلى غيره" تقديم ما حقه التأخير؛ لأن قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ خبر مقدم، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، فالمرجع إلى الله ، وهل المراد بالمرجع المرجع يوم القيامة أو المرجع حتى في الدنيا، فإننا عند النزاع نتحاكم إلى الله ورسوله؟
стр. 949
الجواب: المراد هذا وهذا، فالمرجع إلى الله ، لكن قوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قد يقوي أن المراد به المرجع يوم القيامة.
الفائدة السابعة: الإيمان بالبعث، لقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والإيمان بالبعث أحد أركان الإيمان الستة فمن أنكره أو شك فيه فهو كافر؛ لأنه يجب عليه أن يؤمن إيمانًا قاطعًا بأن الناس سيبعثون ويحاسبون.
الفائدة الثامنة: أن كل إنسان سيبعث صغيرًا كان أم كبيرًا، وذلك بتأكيد هذا في قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ ولكن هل من سقط من بطن أمه قبل أن ينفخ فيه الروح يبعث يوم القيامة؟
الجواب: لا، لا يبعث؛ لأنه لم يكن إنسانًا، ويدل لهذا قول الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر﴾ [المؤمنون: ١٤] فَبَيَّنَ جلَّ وعلا أن الخلق بعد نفخ الروح غير الأول، وأن الأول عبارة عن قطعة لحم.
الفائدة التّاسعة: أن كل شيء قد أحصي على الإنسان، لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ "وما" هنا من صيغ العموم، فكل شيء فهو مكتوب، لكن هل يمحى بعد كتبه؟
الجواب: نعم، يمحى بعد كتبه، لكن القرار على ما في اللوح المحفوظ، أما الأعمال اليومية التي تتكرر فإنها قد تثبت وقد تمحى، لقول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وقول النبي ﷺ : "أتبع الحسنة السيئة تمحها" (١)، وقوله ﵎: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
لكن ما استقر في اللوح المحفوظ فإنه لا تغيير فيه لأنه انتهى.
стр. 950
الفائدة العاشرة: أن الإنسان لا يحاسب على حديث النفس لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وحديث النفسى ليس عملًا؛ ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" (١) ولكن إذا ركن الإنسان إلى حديث النفس واطمأن إليه واعتقده فحينئذٍ يكون قد عمل عملًا قلبيًّا لا جوارحيًّا.
الفائدة الحادية عشرة: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء لقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
* * *
° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨].