← Тафсир

Тафсир · id 548

تفسير العثيمين: المائدة

ابن عثيمين

Полный текст (1 067 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [المائدة: ١٠٥]. الخطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تكرر كثيرًا وعرفنا ما يترتب على هذا الخطاب. قوله: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي ألزموا أنفسكم بالإصلاح ولهذا "على" تعتبر نائبة مناب اسم الفعل، أي: ألزموا أنفسكم بإصلاحها وطلب الهدى لها. قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ لأن النَّاس قد يقولون: إذا كان هناك فسقة أو كفار فإننا نخشى على أنفسنا من هذا، فَبَيَّنَ الله أن ذلك لا يضرنا إذا أصلحنا أنفسنا، وهذا كما جاء في الحديث: "إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوىً متبعًا ودنيا مؤثرة وأعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام" (١). وقوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يعني إذا استقمتم على صراط الله، ومن الهداية أن يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر بقدر الاستطاعة، فليس في الآية ما يدل على إسقاط أو على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن من أعظم الهداية وأتم الهداية أن يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر.

стр. 947

قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ يعني إلى الله مرجعكم أيها المؤمنون وكذلك غير المؤمنين، فالمرجع إلى الله ، ويوم القيامة يفصل الله تعالى بين الخلائق. قوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: يخبركم. قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ينبئكم بما كنتم تعملون؛ إنباء يترتب عليه الثواب أو العقاب. فإن قال قائل: أليس قد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ استيقظ ذات ليلة محمرًا وجهه يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، قال: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وأشار بالسبابة والإبهام"، قالوا: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا أكثر الخبث" (١)؟ قلنا: هذا لا يعارض الآية؛ لأنه إذا هلك الصالحون بسبب الفتنة التي حصلت من هؤلاء فإن ذلك لا يضر؛ لأن الهلاك مصير كل حي، لكنه لا يتضرر في دينه، كما قال الله : ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وبهذا الوجه يتبين ألا معارضة بين هذه الآية وبين ما جاء في الحديث. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: فضيلة الإيمان وأن أهله أَهْلٌ لأن توجه إليهم الخطابات، لقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

стр. 948

الفائدة الثانية: أن إصلاح النفس والعناية بها من مقتضيات الإيمان, فعليك نفسك، اعتنِ بها، وأصلحها ما استطعت. الفائدة الثالثة: أن ضلال من يضل لا يترتب عليه ضرر المهتدي، يعني: الضرر المعين الشخصي، وأما الضرر العام وهي العقوبة العامة فهذه قد تكون وقد لا تكون أيضًا، أليس الله تعالى إذا أخذ الأمم السابقة ينجي النبي ومن معه؟ بلى، إذًا: ليس من الضروري أن الله إذا أخذ المجرم بالعقوبة قد تشمل حتى المؤمن. الفائدة الرابعة: انقسام الناس إلى ضال ومهتدٍ، لقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ والضلال له سبب، والهداية لها سبب؛ سبب الضلال الإعراض عن دين الله وعما جاءت به الرسل، لقول الله ﵎: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] , ومن أسباب الهداية الإقبال على الله وعلى ما جاءت به الرسل. الفائدة الخامسة: أن المؤمنين إذا لم يهتدوا فقد يسلط عليهم أعداؤهم فيضرونهم؛ لأن الله اشترط لعدم الضرر الهداية، فإذا لم يهتدِ المؤمنون فيوشك أن الله تعالى يسلط عليهم الأعداء فيضرونهم في أموالهم أو أهليهم أو أوطانهم. الفائدة السادسة: أن المرجع إلى الله لا إلى غيره، وجه الدلالة من قولي: "لا إلى غيره" تقديم ما حقه التأخير؛ لأن قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ خبر مقدم، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، فالمرجع إلى الله ، وهل المراد بالمرجع المرجع يوم القيامة أو المرجع حتى في الدنيا، فإننا عند النزاع نتحاكم إلى الله ورسوله؟

стр. 949

الجواب: المراد هذا وهذا، فالمرجع إلى الله ، لكن قوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قد يقوي أن المراد به المرجع يوم القيامة. الفائدة السابعة: الإيمان بالبعث، لقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والإيمان بالبعث أحد أركان الإيمان الستة فمن أنكره أو شك فيه فهو كافر؛ لأنه يجب عليه أن يؤمن إيمانًا قاطعًا بأن الناس سيبعثون ويحاسبون. الفائدة الثامنة: أن كل إنسان سيبعث صغيرًا كان أم كبيرًا، وذلك بتأكيد هذا في قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ ولكن هل من سقط من بطن أمه قبل أن ينفخ فيه الروح يبعث يوم القيامة؟ الجواب: لا، لا يبعث؛ لأنه لم يكن إنسانًا، ويدل لهذا قول الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر﴾ [المؤمنون: ١٤] فَبَيَّنَ جلَّ وعلا أن الخلق بعد نفخ الروح غير الأول، وأن الأول عبارة عن قطعة لحم. الفائدة التّاسعة: أن كل شيء قد أحصي على الإنسان، لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ "وما" هنا من صيغ العموم، فكل شيء فهو مكتوب، لكن هل يمحى بعد كتبه؟ الجواب: نعم، يمحى بعد كتبه، لكن القرار على ما في اللوح المحفوظ، أما الأعمال اليومية التي تتكرر فإنها قد تثبت وقد تمحى، لقول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] وقول النبي ﷺ : "أتبع الحسنة السيئة تمحها" (١)، وقوله ﵎: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. لكن ما استقر في اللوح المحفوظ فإنه لا تغيير فيه لأنه انتهى.

стр. 950

الفائدة العاشرة: أن الإنسان لا يحاسب على حديث النفس لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وحديث النفسى ليس عملًا؛ ودليل ذلك قول النبي ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" (١) ولكن إذا ركن الإنسان إلى حديث النفس واطمأن إليه واعتقده فحينئذٍ يكون قد عمل عملًا قلبيًّا لا جوارحيًّا. الفائدة الحادية عشرة: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء لقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. * * * ° قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨].

стр. 951

قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ هذه الآية لها قصة: سافر رجلان كافران مع رجل مسلم ثم حضرته الوفاة وليس معهم مسلم، فأشهدهما على وصيته، فهل تقبل شهادة هذين الرجلين أو لا تقبل؟ الجواب: الحكم يعرف من هذه الآية، والمسألة مسألة ضرورة؛ لأنه لا يوجد مسلم، فإذا لم يوجد مسلم اضطررنا إلى قبول شهادة الكافر، وللقصة سبب مذكور فلنفسر الآية ونقرأ السبب إن شاء الله. قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ يعني إذا مرضتم مرض الموت، وليس المراد حضور الأجل بالفعل؛ لأنه إذا حضر الأجل بالفعل فقد لا يعتبر قول الإنسان. قوله: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ متعلق بالشهادة؛ لأن الشهادة مصدر تعمل عمل الفعل، فيصح أن يتعلق بها الظرف والجار والمجرور، يعني شهادتكم حين الوصية. قوله: ﴿اثْنَانِ﴾ أي: صاحبا عدل ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون، والخطاب في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ للمؤمنين عمومًا، وهذا لا إشكال فيه أن يُشْهِدَ الإنسان على وصيته اثنين ذوي عدل. قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ذكر الله تعالى الصورة التي دعت الضرورة إلى إفمهاد من ليس بمسلم، وكلمة ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ تشمل كل ملل الكفر وإن كانت القضية وردت في اثنين من أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم. وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ "أو" هل هي للتخيير أو للتنويع؟

стр. 952

الثاني: للتنويع، يعني أو آخران من غيركم، إن لم يوجد ذوا عدل منكم. قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وهي كقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، يعني أيقنتم أنكم ميتون لكون المرض مرضًا مخوفًا لا يرجى برؤه. قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ هذا كالتفصيل لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ عند أداء الشهادة أي: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ أي: الآخران من غيرنا، والمراد بالحبس: الإيقاف، توقفونهما ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: من بعد صلاة العصر؛ لأن صلاة العصر: هي أفضل الصلوات، وهي الصلاة الوسطى، وآخر النهار أقرب في إجابة الدعاء من أول النهار، لا سيما إذا كان ذلك في يوم الجمعة، ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: صلاة العصر. فإذا قال قائل: لماذا جعلتم "أل": للعهد الذهني، ولم تجعلوها للجنس فتقولوا: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاة﴾ أي: أيُّ صلاة؟ قلنا: لأن النبي ﵊ حبس الرجلين الشاهدين من بعد صلاة العصر، فتكون السنة هي التي عينت هذه الصلاة. قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: يحلفان به، ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يعني شككتم في شهادتهما، ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي: لا نشتري بهذا اليمين ثمنًا ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المشهود له ﴿ذَا قُرْبَى﴾ أي: صاحب قرابة. وحاصل هذا القسم أنهما يقسمان: بأننا على حق وشهادتنا حق، ولا يمكن أن نشهد بباطل؛ لأجل شيءٍ من الدنيا، ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ معطوفة على قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ أي: ونحن لا

стр. 953

نكتم شهادة الله، أي: الشهادة التي حملنا الله إياها على ما حصلت به الوصية، ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ يعني: إن كتمنا شهادة الله لمن الآثمين، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين وهما: إن، والسلام، ومعنى ﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾: أي: من الواقعين في الإثم، وإنما يقولان ذلك زيادة في التوكيد أنهما شهدا بحق. قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾، يعني: تبين أنهما ﴿اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ وذلك بشهادة الزور، أي: تبين أن شهادتهما زور وكذب، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يعني: في الشهادة ليردا شهادتهما، من أين هذان الآخران؟ يقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾؛ لأن الشهادة بالوصية تستلزم أن يؤخذ من نصيب الورثة لمن أُوْصِي له، فيكون ما شهد به الأولان مستحقًّا على هؤلاء الورثة، وقوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ يعني: هما الأوليان، يعني أولى الناس بإرث هذا الذي شُهِدَ على وصيته، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: الشاهدان اللذان هما من ورثة الموصي ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ (اللام) في قوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا﴾ واقعة في جواب القسم. ما هي شهادتهما؟ شهادتهما: نفي هذه الوصية، وشهادة الأَوَّلَين إثبات الوصية، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ وإذا كانت أحق لزم أن تبطل شهادة الشاهدين الأولين، وهما كما قررنا أولًا ليسا مُسْلِمَين، بل هما من غيرالمسلمين، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ يعني: ما اعتدينا في الاعتراض وإبطال الشهادة، ﴿إِنَّا إِذً﴾ يعني: إن اعتدينا، ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن شهادتهما استلزمت شيئين:

стр. 954

الشيء الأول: القدح في شهادة الشاهدين الأولين. الثاني: الظلم: ظلم المُوصى له، فلذلك قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾، أي: ذلك المذكور أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها، يعني: على الوجه الصحيح، ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، يعني: أن الذين شهدوا أولًا، إذا علموا أنه لا بد أن يتعقبهم من الورثة من يتعقبهم فإنهم سوف يحرصون غاية الحرص أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو إن لم يأتوا بالشهادة على وجهها ﴿يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أيمان الورثة ﴿بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أيمان الشهداء، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ أمر الله تعالى بأن نتقيه بالتزام أحكامه، وأكد هذا بقوله: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: أي: اسمعوا ما أقول لكم وما آمركم به وهو تقوى الله ، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ الخارجين عن طاعته، وهذا سيأتي إن شاء الله في الفوائد أنه وعيد شديد وأن الفاسق عرضة لئلا يهديه الله ، هذا معنى الآية الكريمة. سبب الآيات: ولننظر ما قاله ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية ولينتبه له؛ لأنه يعين على فهم الآية. قال ﵀: "اشتملت هذه الآية الكريمة على حكمٍ عزيز، قيل: إنه منسوخ، رواه العوفي" (١).

стр. 955

[قول ابن كثير ﵀: "عزيز" يعني: قليل الجنس]. ثم قال ﵀: "رواه العوفي عن ابن عباس، وقال حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم: إنها منسوخة، وقال آخرون وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير: بل هو محكم، ومن ادعى النسخ فعليه البيان". [يعني: شهادة الكفار بل هي محكمة، أي: الآية، وهذا هو الصواب وقد تقدم أنه لا نسخ في سورة المائدة، بل كلها محكمة؛ لأنها آخر ما نزل، على أن بعض العلماء قال: إنها منسوخة ولكنه غير صحيح، وأي إنسان يدعي في أي نص من القرآن أو السنة أنه منسوخ فعليه الدليل]. ثم قال ابن كثير ﵀: "فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾، هذا هو الخبر لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فقيل: تقديره شهادة اثنين، حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان، وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾، وصف الاثنين بأن يكونا عدلين". [يعني الذين قالوا: لا بد من تقدير، قالوا: إنه لا يمكن أن تكون الجثة خبر للمعنى والشهادة معنى، واثنان شخصان فقالوا: إنها على تقدير مضاف شهادة اثنين أو أن يشهد اثنان، والصحيح أنه لا حاجة إلى هذا، وأنه إذا فُهم المعنى فهو المقصود، ولهذا يقولون: الليلة الهلال، فيخبرون بالظرف عن الجثة؛ لأن المعنى مفهوم ولا حاجة إلى أن نقدر الليلة طلوع الهلال، فالصواب أنه لا تقدير في الآية، وأن الآية معناها واضح].

стр. 956

ثم قال ابن كثير ﵀: " ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن عَبيدة وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد ويحيى بن يعمر والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ذلك. وقال ابن جرير: وقال آخرون عني ذلك ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: من حي الموصي، وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما، وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ". [لا شك أن القول الأول متعين؛ لأنه يخاطب المؤمنين يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يخاطب المؤمنيين، وليس يخاطب حي الذي وقعت فيهم القضية]. ثم قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: "قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال حدثنا سعيد بن عون، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب، ثم قال: وروي عن عبيدة وشريح". [قوله: يعني: "أهل الكتاب" فيه نظر، والصواب: أنه شامل لأهل الكتاب وغيرهم؛ لأن كل من ليس بمسلم فهو من غيرنا]. ثم قال ابن كثير ﵀: "وروي عن عَبِيدَة وشريح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ويحيى بن يعمر وعكرمة

стр. 957

ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي مجلز والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ذلك. وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: "منكم" أي: المراد من قبيلة الموصي يكون المراد ها هنا، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أي: من غير قبيلة الموصي، وقد روي عن ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري رحمهما الله. وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين: أن يكون ذلك في سفر وأن يكون في وصية كما صرح بذلك شريح القاضي، قال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في وصية، ثم رواه عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال شريح، فذكر مثله، وقد روي مثله عن الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ وهذه المسألة من أفراده وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين، وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا". [ولا يضر أن ينفرد الإِمام أحمد بالمسألة إذا كان معه دليل؛ لأن من معه الدليل فهو جماعة وإن كان واحدًا، وغالب ما انفرد به الإِمام أحمد ﵀ بالتتبع هو الصواب، وليس كل ما انفرد به بل غالب ما انفرد به هو الصواب]. ثم قال ابن كثير ﵀: "وقال ابن جرير: حدثنا

стр. 958

عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهريّ قال: مضت السنة أنه لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين، وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإِسلام وذلك في أول الإِسلام والأرض حرب والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل الناس بها، رواه ابن جرير، وفي هذا نظر والله أعلم. وقال ابن جرير: اختلف في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، هل المراد أن يوصي إليهما أو يشهدهما؟ على قولين: أحدهما: أن يوصي إليهما، كما قال محمَّد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، قال: سئل ابن مسعود ﵁ عن هذه الآية، قال: هذا رجل سافر ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين، رواه ابن أبي حاتم وفيه انقطاع. والقول الثاني: أنهما يكونان شاهدين، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصي ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة كما في قصة تميم الداري وعدي بن بدَّاء كما سيأتي ذكرها آنفًا إن شاء الله وبالله التوفيق. وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين، قال: لأنا لا نعلم حكمًا يُحَلَّفْ فيه الشاهد، وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة وهو حكم مستقل بنفسه، لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاصٌّ بشهادةٍ

стр. 959

خاصةٍ في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرائن الريبة، حُلِّفَ هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة. وقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: يعني: صلاة العصر، وكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين، وقال الزهريّ: يعني صلاة المسلمين، وقال السدي عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما، والمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: فيحلفان بالله، ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن ظهرت لكم منهما ريبة أنهما قد خانا أو غلَّا، فيحلفان حينئذٍ بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بأيماننا، قاله مقاتل بن حيان". [قوله: "بأيماننا" فيه نظر؛ لأنه قال: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾، وهذا مفرد كيف يجمع، لكن إذا جعلناه عائدًا على اليمين، فالمعنى: لا نشتري به، أي: بالقسم الذي نقسم به، فهو عائد على القسم]. ثم قال ابن كثير ﵀: " ﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريبًا لنا لا نحابيه ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أضافها إلى الله تشريفًا لها وتعظيمًا لأمرها، وقرأ بعضهم: ولا نكتم شهادة آلله، مجرورًا على القسم، رواها ابن جرير عن عامر الشعبي، وحكي عن بعضهم أنه قرأ: ولا نكتم شهادةً الله، والقراءة الأولى هي المشهورة، ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: إن

стр. 960

فعلنا شيئًا من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها بالكلية. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا أو غلَّا شيئًا من المال الموصى به إليهما وظُهِرَ عليهما بذلك ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ وهذه قراءة الجمهور: "اسْتُحِقَ عليهم الأوليان"، وروي عن علي وأبي والحسن البصري أنهم قرؤوها: "استَحَقّ عليهم الأوليان"". [﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ هذه هي القراءة المشهورة، وفي قراءة ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ وفي قراءة ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾]. ثم قال ابن كثير ﵀: "وروى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمَّد الفروي عن سليمان بن بلال عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ قرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ (١) ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس: "من الذين استحق عليهم الأوَّلين" وقرأ الحسن: "من الذين استحق عليهم الأولان" حكاه ابن جرير، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك أي: متى تُحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أولى من يرث ذلك المال:

стр. 961

﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: لَقُولُنَا: إنهما خانا، أحق وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أي: فيما قلنا من الخيانة ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن كنا قد كذبنا عليهما، وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما، والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لَوَثٌ في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام. وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسين بن زياد، قال: حدثنا محمَّد بن سلمة عن محمَّد بن إسحاق عن أبي النضر عن باذان يعني أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: بَرِئَ الناس منها غيري وغير عدي بن بَدَّاء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإِسلام، فأتيا الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: بُديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة يريد به المَلِك وهو عُظْم تجارته، فمرض فأوصى إليهما". [يعني: هو أعظم التجارة التي معه، والجام: الإناء]. ثم قال ابن كثير ﵀: "فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله، قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره، قال تميم: فلما

стр. 962

أسلمت بعد قدوم النبي ﷺ المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء (١)، وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير (٢) كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني عن محمَّد بن سلمة عن محمَّد بن إسحاق به فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله ﷺ ، فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء، ثم قال: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمَّد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمَّد بن سائب الكلبي، يُكنى أبا النضر وقد تركه أهل العلم بالحديث وهو صاحب التفسير، سمعت محمَّد بن إسماعيل يقول: محمَّد بن السائب الكلبي يكنى أبا النضر ثم قال: ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ. وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من

стр. 963

غير هذا الوجه: حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا يحيى بن آدم عن ابن أبي زائدة عن محمَّد بن أبي القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس قال: "خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوصًا بالذهب]. [مخوصًا بالذهب يعني: مرصعًا عليه مثل الخوص من الذهب، يعني: مزركشًا وهو من فضة]. ثم قال ابن كثير ﵀: "فأحلفهما رسول الله ﷺ ووجدوا الجام بمكة فقيل: اشتريناه من تميمِ وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ " (١). وكذا رواه أبو داود (٢) عن الحسن بن علي عن يحيى بن آدم به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وهو حديث ابن أبي زائدة، ومحمد بن أبي القاسم كوفي قيل: إنه صالح الحديث وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر، رواه ابن جرير، وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها، ومن

стр. 964

الشواهد لصحة هذه القصة أيضًا، ما رواه أبو جعفر بن جرير (١)، قال: حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا زكريا عن الشعبي أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقَا، قال فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يُشْهِدُه على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب قال: فقدما الكوفة فأتيا الأشعري، يعني: أبا موسى الأشعري ﵁، فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي ﷺ ، قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته، قال: فأمضى شهادتهما. ثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي داود الطيالسي عن شعبة عن مغيرة الأزرق عن الشعبي أن أبا موسى قضى بدقوقا (٢). وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري، فقوله: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ ، الظاهر والله أعلم أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري ﵁ كان في سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام والله أعلم. وقال أسباط عن السدي: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: هذا

стр. 965

في الوصية عند الموت يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه، قال: هذا في الحضر ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في السفر ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفره وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قال عبد الله بن عباس ﵄: كأني أنظر إلى العلجين حين انتهي بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة فأنكر أهل الميت وخونوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما فيحلفان بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ قليلًا: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ إن صاحبهم لبهذا أوصى وإن هذه لتركته، فيقول لهما الإِمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما، فإذا قال لهما ذلك، فإن ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ رواه ابن جرير (١). وقال ابن جرير (٢): حدثنا الحسين قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا المغيرة عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه

стр. 966

الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا ... ﴾ الآية، قالا: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته، فإن صدقهما الورثة قُبِل قولهما، وإن اتهموهما حلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خُنَّا ولا غَيَّرنَا. وقال علي بن أبي طلحة (١)، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة: بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا: بالله إن شهادة الكافرين باطلة وإنَّا لم نَعْتدِ فذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يقول: إن اُطلع على أن الكافرين كذبا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾، يقول: من الأولياء، فحلفا بالله إن شهادة الكَافِرَيْنِ باطلة وإنا لم نَعْتَدِ فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء. وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس رواهما ابن جرير، وهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من الأئمة التابعين والسلف ﵃ وهو مذهب الإِمام أحمد ﵀. وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين وقد استريب بهما أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي.

стр. 967

وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بها على وجهها هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله والخوف من الفضيحة بين الناس إذا ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم، ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: وأطيعوا، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته" (١) اهـ. أطال ابن كثير ﵀ على هذه الآية؛ لأن هذه الآية فيها إشكالات، لكنه وَجَّهَ حل جميع هذه الإشكالات، فيها إشكالات من جهة الإعراب ومن جهة السياق، ولكن الله يتكلم بما شاء كيف شاء، حتى يعرف الناس أن هذا القرآن الكريم مناسب لمقتضى الحال، والقضية معتدة حكمًا وإعرابًا وغير ذلك، لكن الحمد لله بمثل هذا التفسير الذي تقدم يزول الإشكال. خلاصة المعنى: أنه إذا سافر الإنسان وليس حوله مسلم، ليس حوله إلا كفار وأراد أن يوصي فليستشهد شاهدين اثنين على الوصية، فإذا وصلوا إلى البلاد الإِسلامية أدلوا بالشهادة وقبلت الشهادة بدون أي شيء، إلا إذا حصل ارتياب، فإذا حصل ارتياب حينئذٍ نستعمل القسم، نحبسهما من بعد الصلاة، والصواب أنه من بعد صلاة العصر وإن لم يعظموها لأنها عظيمة عند الله؛ ولأن العقوبة أسرع إلى من شهد كاذبًا، وأما قول ابن عباس ﵄ في حديث أي موسى الأشعري ﵁

стр. 968

عندما قال له: اجعلها بعد صلاتهما في دينهما، فهذا اختياره ﵁. الحاصل: أننا نجعلهما يقسمان بالله أنهما صادقان وأنهما لم يشتريا بشهادتهما شيئًا من الدنيا، ويخوفان أن ترد أيمان بعد أيمانهم؛ لأن أولياء المقتول إذا أقسموا ردت شهادة الشاهدين، ومعلوم أنه إذا حكم برد شهادتهما صار ذلك عار عليهما وخزي، فربما إن لم يخافا من الله خافا من العار والخزي، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾، هذا مجمل معنى الآية الكريمة، لكن فيها فوائد كثيرة نذكر منها ما نسأل الله أن ييسره ويوفقنا فيه إلى الصواب. من فوائد الآيات الكريمة: الفائدة الأولى: جواز شهادة الكافر للضرورة، ولكن هل تخصص الضرورة بهذه الصورة أم بكل ضرورة؟ أولًا: في أصل المسألة وهي شهادة الكافر فيها قولان لأهل العلم: القول الأول: أن شهادة الكافر لا تقبل، وهذا مبني على أن هذا الحكم منسوخ، وهذا القول مردود بأن النسح يحتاج إلى دليل، وأن سورة المائدة قد قال كثير من العلماء: ليس فيها نسخ؛ لأنها من آخر ما نزل، فليطرح هذا، والعجب أن الذي قال بهذا القول أكثر العلماء. وأن القول بشهادة الكافر هو قول الإِمام أحمد ﵀، وما أكثر ما ينفرد بالشيء فيكون قوله هو الصواب، كقوله في

стр. 969

مسألة كفر تارك الصلاة، انفرد بهذا القول لكنه حقيقة لم ينفرد؛ لأن معه الكتاب والسنة، والصحابة. على القول بقبول شهادة الكافر، هل يختص هذا بهذه الصورة والواقعة، بمعنى أنه يشترط أن يكون الشاهدان كتابيين؛ لأن الشاهدين في هذه القصة كانا من النصارى، فهل يشترط أن يكونا كتابيين أو لا يُشترط؟ المشهور من المذهب أنه يشترط أن يكونا كتابيين، ولكن سيأتي أن ظاهر الآية يخالف ذلك وأن الآية عامة في كل كافر. وهل يختص ذلك بالوصية أو في كل شيء؟ هذا أيضًا محل خلاف، وسبب القول باختصاصها بالوصية أن هذه خارجة عن قواعد الشهادة، والخارج عن القواعد قاعدته أن يقتصر فيه على ما خرج فقط، يعني: على ما ورد فقط، وسيأتي إن شاء الله أن القول الراجح أنه تجوز شهادة غير الكتابيين وأنها تجوز الشهادة في الوصية وغيرها وفي السفر وغيره، وهذا قد يقع أحيانًا، عندنا الآن كثير من المستشفيات القائمون على العلاج فيها نصارى، فإذا حضر الموت أحدًا من هؤلاء المرضى وأشهد من عنده من الأطباء فهذا حكمه كذلك. الفائدة الثانية: أنه ينبغي الإشهاد على هذه الوصية، لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ وظاهر الآية الكريمة: أنه لا بد من رجلين، لقوله: ﴿اثْنَانِ﴾ واثنان عدد للمذكر، فهل هذه الآية على ظاهرها؟ الجواب أن يقال: هذا الآية تقيد بآية البقرة وهي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ

стр. 970

وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ لأن الأموال وما يقصد به الأموال إذا لم يقر المدعى عليه يكفي في إثباته واحد من أمور ثلاثة: شهادة رجلين، شهادة رجل وامرأتين، شهادة رجل ويمين المدعي، هذه بينات المال وما يتعلق به المال، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: "اثنان" هذا مبني على الأكمل، يعني أن الأكمل في الإشهاد على الوصية أن يكون الشاهدان رجلين. لكن لو قال قائل: هل يخص هذا الحكم بشهادتهما بما في الوصية أو هو عام يشمل حتى غير الوصية كما لو شهد على أن الميت أقر بدين في ذمته لفلان؟ الجواب: هو عام، والعموم يؤخذ من قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني: وأشهدتم على هذا حين الموت، وهذا يشمل ما لو شهد بالوصية أو شهد بإقرار الميت بدين أو غير ذلك. الفائدة الثالثة: جواز الوصية عند حضور الموت، لقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ﴾، وهذا مقيد فيما إذا لم يتغير تمييز الموصي، فإن تغير تمييز الموصي فلا عبرة بقوله، يعني: لو اضطرب عند موته، وصار كلامه غير مرتب، فإنه لا عبرة بهذا الكلام، وهذا معروف من قواعد الشريعة. الفائدة الرابعة: أنه يشترط في الإشهاد أن يكون الشاهدان ذوي عدل، لقوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ وسبق تعريف العدالة، ولكن إذا لم يوجد عدل ووجد فاسق مأمون فهل يقوم مقام العدل؟ اختار بعض أهل العلم أنه يقوم مقام العدل، وأن اشتراط العدالة إنما هو عند التحمل، بمعنى أنك إذا أردت أن تشهد فلا تشهد

стр. 971

إلا عدلين، أما عند أداء الشهادة فالضرورات لها أحكام، فإذا لم نجد من يشهد إلا هذين الفاسقين، لكنهما في الأمانة موثوقان، فإننا نقبل شهادتهما، وهذا الأخير هو الصواب، أن العدالة شرط مع الإمكان، وأما إذا لم يمكن فإنه تقبل شهادة الفاسق بشرط، أن يكون ثقةً، وكم من إنسانٍ يكون فاسقًا في عبادته لكنه أمين في شهادته، ونعلم أننا لو اتبعنا اشتراط العدالة في أداء الشهادة معتبرين الشروط التي ذكرها الفقهاء في العدالة، أن كثيرًا من الحقوق سوف تضيع؛ لأن كثيرًا من الناس ليسوا على الاستقامة التي ذكرها الفقهاء ﵏. الفائدة الخامسة: جواز شهادة الكافر إذا عُدِمَ المسلم، لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ وهل يختص هذا بالكتابيين أم بكل كافر؟ ظاهر الآية بكل كافر، لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ سواء كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو بوذيًّا أو شيوعيًّا أيًّا كان، لقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال: القول الأول: أن شهادة الكافر لا تقبل مطلقًا، وأجابوا عن هذه الآية بأنها منسوخة؛ لأن الله تعالى اشترط العدالة في الشهود، والكافر ليس بعدل. والقول الثاني: أن شهادة الكافر جائزة بشرط أن يكون كتابيًّا وأن يكون عند الضرورة، فاشترط شرطين: الأول: الضرورة بأن لا يوجد مسلم، والثاني: أن يكون الشاهدان كتابيين، وهؤلاء احتجوا لاشتراط الضرورة بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخره، وقيدوا ذلك بالكِتَابِييِنْ؛ لأن القضية التي وردت فيها الآية كان الشاهدان من أهل الكتاب، وقالوا في

стр. 972

تقرير الاستدلال: إن عدم اشتراط الإِسلام في هذه الصورة خرج عن الأصل، وما خرج عن الأصل وجب اختصاصه بما ورد فيه فقط. ولا شك أن الجواب على هؤلاء سهل، نقول: الآية الكريمة عامة والعبرة بعموم اللفظ، ولذلك إذا أراد الله تعالى تخصيص الحكم بأهل الكتاب قيده، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] , فأما أن نقيد ما أطلقه الله فهذا ليس بصواب، وهذه قاعدة يجب على طالب العلم أن يسلكها، كل شيء ورد مطلقًا في القرآن والسنة فلا يجوز إضافة قيد إليه أبدًا؛ لأنه إذا فعل ضيق ما وسعه الله، واتخذ نفسه مشرعًا ومستدركًا على الحكم الشرعي، وهذا خطير، فالقاعدة إذًا: أن كل ما أطلقه الله ورسوله فالواجب إبقاؤه على الإطلاق، ولا يحل أن نضيف إليه قيدًا إلا بدليل، والدليل لا بد من اتباع، وحينئذٍ نقول: الصواب أنه يجوز أن يشهد اثنان عند الوصية عند عدم المسلم، سواء كانا كتابيين أو غير كتابيين. الفائدة السادسة: علو مرتبة المسلم على الكافر، وهذا لا إشكال فيه، وجه ذلك: أن شهادة الكافر لا تقبل إلا إذا لم يوجد مسلم، وهذا يدل على أن المسلم أعلى مرتبة ومنزلة من غير المسلم. فإن قال قائل: فهمنا أن شهادة الكافر فيما يتعلق بأمور المسلمين لا تجوز إلا عند الضرورة، فهل تقبلون شهادة الكافر، أي: شهادة الكفار بعضهم على بعض؟

стр. 973

الجواب: نعم، سواء كان للضرورة أو لغير ضرورة، شهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة، لكن بشرط أن يكون عدلًا في دينه كما اشترطنا في شهادة المسلم أن يكون عدلًا. الفائدة السابعة: أن السفر يطلق عليه: الضرب في الأرض؛ لقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ والقرآن الكريم تارة يذكر السفر بلفظه وتارة يذكر بدلًا عنه الضرب في الأرض، فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] , فهنا ذكر السفر، ولم يقل: أو ضربتم في الأرض، وقال تعالى في الصيام: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. الفائدة الثامنة: إطلاق الضرب في الأرض ولم يقيده بمسافة القصر أو أكثر أو أقل. الفائدة التاسعة: أنه إذا أراد الشاهدان من غير المسلمين أداء الشهادة فإنهما يحبسان من بعد الصلاة، يعني يوقفان من بعد الصلاة وذلك لانتفاء التهمة؛ لأن الصلاة معظمة، والإنسان يخاف أن يشهد بباطل بعد هذه الصلاة التي ذكرها الله ، ولكن هل هذا مشروط بالارتياب في شهادتهما، أو نقول: إنهما يحبسان على كل حال ليظهر الفرق بين أداء الشهادة للمسلم وأداء الشهادة من غير المسلم؟ الآية فيها احتمال؛ لأن قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يحتمل أن يكون قوله: ﴿ارْتَبْتُمْ﴾ قيدًا في قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ ويحتمل أن يكون قيدًا لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ فعلى الاحتمال الأول يكون حبسهما واجبًا، وعلى الثاني: لا يكون حبسهما واجبًا إلا إذا ارتبنا منه.

стр. 974

الفائدة العاشرة: أنه لا يحلف بغير الله، لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ فلو أقسم بغير الله حتى بمن يُعَظَّم عندهم كالمسيح مثلًا فإنها لا تقبل ولا يعتد بها. الفائدة الحادية عشرة: أن إقسامهما لا يلزم إلا عند الارتياب في شهادتهما، لقوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾. فهل يؤخذ من هذا أن للقاضي أن يحلف الشاهدين عند الارتياب في شهادتهما؟ نقول: نعم له ذلك، لكن لو قيل: إن هذا إنما ورد في ارتيابنا من شهادة الكفار؟ فالجواب: الحكم يدور مع علته؛ لأننا لم نحلفهما بالله إلا عند إلارتياب لا لكونهما من الكفار، إذًا: للقاضي أن يُحلِّف الشهود إذا ارتاب في شهادتهما. لو قال قائل: هل له -أي: للقاضي- أن يفرق الشهود أيضًا عند إلارتياب، بأن يخلو بكل واحد منهما ويسأله سؤالًا تفصيليًّا، حتى إذا اختلفا عرف أن شهادتهما غير صحيحة؟ الجواب: نعم له ذلك. لو قال قائل: رجلان اشتركا في جريمة فهل يجوز للقاضي أن يفرق بينهما ويقول لأحدهما: إن صاحبك قد اعترف بهذه الجريمة، وهو لم يعترف؟ الجواب: لا يجوز لأن هذا كذب، وهل له أن يوري، فيظهر له خلاف ما يريد لاستظهار الحق؟ الجواب: نعم، ويدل لذلك قصة سليمان مع المرأتين اللتين خرجتا في حاجة لهما ثم أكل الذئب ولد إحداهما، فتخاصمتا إلى داود فقضى به للكبرى، ثم تخاصمتا إلى سليمان فدعا

стр. 975

بالسكين يريد أن يشق الولد نصفين، ويعطي الكبرى نصفه والصغرى نصفه، الكبرى وافقت على هذا؛ لأنها ليس في قلبها رحمة له، وولدها قد مات، قد أكله الذئب فليكن هذا تبعًا له، الصغرى قال: يا نبي الله هو لها، فلشفقتها ورحمتها تنازلت، عن دعواها, وليس معنى قولها: "هو لها" أنه عبد لها, لا، هو لها: يعني أنها قد تنازلت عن الدعوى، فقضى به سليمان ﵊ للصغرى (١). المهم إذا ارتاب القاضي في شهادة الشهود فلا بأس أن يوري في الحكم من أجل استظهار الحق. الفائدة الثانية عشرة: أن يكون صفة الإقسام على هذا: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾، فهل يكتفى بالمعنى أو لا بد من هذا اللفظ بعينه؟ الصواب أنه يكفى المعنى؟ لأن هذا اللفظ لا يتعبد به حتى نقول: لا يمكن أن يغير، بل عبر الله عن المعنى بهذا اللفظ، إذًا: فالمرجع إلى المعنى. الفائدة الثالثة عشرة: الإشارة إلى أن للقرابة تأثيرًا في الميل والعاطفة، لقولهما: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ وهذا شيء فطري معروف، وقد أشار الله ﵎ إلى هذا في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] , وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].

стр. 976

الفائدة الرابعة عشرة: أن كتمان الشهادة إثم، لقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ وقد قرر الله تعالى هذا بقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] , ولا شك أن الشهادة إذا كتمها الإنسان لزم من ذلك إخفاء حق واجب لشخص، وإضافة باطل للشخص الآخر، فمثلًا إذا استشهده شخص بأن في ذمة فلان له كذا وكذا، فكتمه، ما الذي يحصل؟ إخفاء الحق وإضافة الباطل إلى من لم يشهد عليه. الفائدة الخامسة عشرة: رد اليمين على المدعي لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ الآية، لكن كيف تُرَدُّ اليمين على المدعي؟ نقول إذا ادعى زيد على عمرو مائة ريال، فطلبنا البينة من زيد فقال: لا بينة عندي، ولكن أطلب يمين المدعى عليه، فإذا حلف المدعى عليه انتهت الخصومة؛ وليس معنى ذلك أنه بريء، بمعنى لو أن المدعي فيما بعد علم ببينة له لم يعلمها من قبل فإنه على دعواه، لكن انتهت الخصومة، لو قال المدعي: إذا نكل عن اليمين أحكم عليه لأن الخصومة انتهت وأنه لا يطالبني بشيء، فرأى القاضي أن يرد اليمين على المدعي، فهنا لا بأس؛ لأنه قد يكون المنكر صادقًا ولكن يحتاج إلى زيادة إثبات فيردها عليه، وهذا القول هو الصحيح، أنه يجوز أن ترد اليمين على المدير كما في هذه الآية. الفائدة السادسة عشرة: جواز تنقيب من عليه الحق عن القضية والتدقيق فيها حتى يعثر على الحق فيها, لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا﴾ والعثار لا يكون إلا بعد التحري.

стр. 977

الفائدة السابعة عشرة: أن الشاهدين إذا غيرا في الشهادة بزيادة أو نقص أو تبديل فهما آثمان لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ وذلك يكون الشهادة غير صحيحة؛ لأن هذا إثم. الفائدة الثامنة عشرة: أنه يقام عند العثور على أن الشاهدين كاذبان اثنان ممن استحق عليهم، والقضية كما سبق كانت في وصية فيقوم اثنان ممن استحق عليهم، ويكون الاثنان هما الأوليان، يعني الأحقان بإرث الميت، والكلام في الآيتين عن الوصية. الفائدة التاسعة عشرة: الإشارة إلى أن الإرث يكون للأولى فالأولى لقوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ وقد جاء الحديث مقررًا ذلك عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (١). الفائدة العشرون: أن المدعى عليه لا يجزم ببطلان شهادة الشاهد التي تبين أن فيها شيئًا من الخلل، لقوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ بهذا اللفظ ولم يقل: باطلة، لكنَّ قوله: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ يستلزم أن تكون مردودة وأن القول قول المدعى عليه. الفائدة الحادية والعشرون: أنه إذا احتيج في الشهادة أو في القسم إلى إثبات ونفي فلا بد من ذكر الإثبات والنفي، فقولهما -يعني الأوليين-: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ هذا إثبات، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ هذا نفي، فإذا احتيج إلى ذلك فلا بد من ذكر النفي والإثبات حتى تكون الشهادة خالصة. الفائدة الثانية والعشرون: أن رد الأوليين لشهادة الشاهدين أعظم اعتداء من تغيير الشهادة من الشاهدين، وجه ذلك أنه في

стр. 978

تغيير الشهادة من الشاهدين قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وهنا قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وسبق في التفسير بيان وجه الفرق بينهما. الفائدة الثالثة والعشرون: أنه كلما كان الشيء أقرب إلى استنتاج الصواب والحق في الشهادة فهو أولى أن يتبع، لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ لأن الإنسان إذا فهم أن من وراءه أناسًا سيقومون برد شهادته والإقسام على بطلانها، فلا بد أن يتحرى الصدق فيما يشهد به. الفائدة الرابعة والعشرون: وجوب تقوى الله والسمع والطاعة له، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ ومعنى ﴿وَاسْمَعُوا﴾ هنا: استجيبوا كما سبق أيضًا في الشرح. الفائدة الخامسة والعشرون: أن الله سبحانه أخبر بأنه لا يهدي القوم الفاسقين، أي: الخارجين عن طاعته، وخبر الله صدق، لكن يشكل على هذا أن الواقع أن الله قد يهدي الفاسقين وقد يهدي الكافرين، فكيف نجمع بين الواقع وهذا الخبر الصادق؟ الجمع أن نقول إن قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الذين كتب الله عليهم الفسق، وأما من كتب عليه أن يؤمن فيؤمن ولا بد، ولكن الفائدة من هذا أي من إطلاق قوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ الإشارة إلى أن عدم هداية الله للقوم الفاسقين؛ لأنهم اختاروا الفسق، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥] , نسأل الله الهداية وأن يعيذنا من أنفسنا والشيطان. * * *

стр. 979

° قال الله : ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾ [المائدة: ١٠٩]. قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ كلمة "يوم" ظرف، والظرف والجار والمجرور لا بد لهما من عامل، ويسمى هذا العامل متعلق، ولهذا قال ناظم القواعد: لابد للجار من التعلقِ ... بفعلٍ أو معناه نحو مُرتقي فقوله: (أو معناه) يعني اسم الفاعل واسم المفعول وما أشبهه، وعلى هذا يكون "يومَ" منصوبًا وعامله محذوف؛ لأنه ليس بين أيدينا عامل يمكن أن نحيل العمل عليه فنقول: العامل محذوف، والتقدير: "اذكر يوم"، ويوم: هنا مضافة إلى جملة فعلية مضارعية فهي إذًا منصوبة، وليست مبنية؛ لأنها أضيفت إلى فعل معرب، وهي لا تبنى إلا إذا أضيفت إلى فعل مبني. وقوله: ﴿اللَّهُ﴾ الاسم الكريم فاعل، وبعضهم يقول: لفظ الجلالة فاعل، وبعضهم يقول: "الله" فاعل، لكن الأولى أن يقال: الاسم الكريم أو لفظ الجلالة، حتى لا يقع الشيء على ذات الله ، بل على الاسم، و "الرسل" مفعول به. قوله: ﴿فَيَقُولُ﴾ معطوف على ﴿يَجْمَعُ﴾ ولهذا جاءت مرفوعة. قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ يحتمل أن تكون "ماذا" كلمة واحدة على أنها استفهام، ويحتمل أن تكون "ما" اسم استفهام، "وذا" بمعنى: الذي، كما قال ابن مالك ﵀ في الألفية: ومثل "ما" ذا بعد ما استفهام ... أو مَنْ إذا لم تلغَ في الكلام فإذا قلنا: إن "ماذا" كلمة واحدة صارت "ماذا" اسم

стр. 980

استفهام، وإذا قلنا: "ما" اسم استفهام و "ذا" بمعنى: "الذي" صارت "ما": اسم استفهام مبتدأ و "ذا" اسم موصول خبر المبتدأ، و ﴿أُجِبْتُمْ﴾ مبني للمفعول، ويقال: مبني للمجهول، ويقال: مبني لما لم يسمَّ فاعله، والأخير هو الأولى؛ لأنه قد يبنى على هذه الصيغة وفاعله معروف، ولكنه لم يسمَّ، مثل قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] , لا يمكن أن تقول: (خُلق) فعل ماض مبني للمجهول؛ لأن الخالق معلوم، ولهذا عبر ابن مالك ﵀ في الألفية بقوله: ما لم يسمَ فاعله، وهذا أحسن. قوله: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾: هذا جواب قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ وقوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ (لا) هذه نافية للجنس، وهي تعمل عمل "إن" لكن اسمها يكون مبنيًّا معها إذا كان مفردًا، والمفرد في باب لا النافية للجنس، ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف، وعلى هذا فيكون ﴿عِلْمَ﴾: مبني على الفتح في محل نصب، و "لنا": جار ومجرور خبرها. أما معنى الآية: فيقول الله : ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ يعني: اذكر هذا اليوم العظيم، يوم يجمع الله الرسل وذلك في يوم القيامة، يجمعهم على أي كيفية وفي أي وقت، هل هو في أول يوم القيامة أو في آخره، أم ماذا؟ يجب علينا في مثل هذه المسائل الغيبية أن نقف حيث وقف النص؛ لأنه ليس للعقل في هذا مدخل، لا ندري هل يكون أول ما يبعث الناس في أثناء اليوم أو في آخر اليوم، علينا أن نذكر هذا الجمع.

стр. 981

وقوله: ﴿الرُّسُلَ﴾ جمع رسول فيشمل الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأولهم نوح وآخرهم محمدٌ ﷺ . قوله: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ يعني: ماذا أجابكم الذين أرسلناكم إليهم؟ وهذا كقوله تعالى في المرسل إليهم: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص: ٦٥] , وعلى هذا فيكون الله يسأل الرسل، ويسأل المرسل إليهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ [الأعراف: ٦] , سؤال الذين أرسل إليهم أن يقال لهم: ماذا أجبتم المرسلين؟ وسؤال المرسلين أن يقال: ماذا أُجبتم؟ وهل هذا السؤال للاستعلام؟ الجواب: لا؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هل هو للتوبيخ أي: توبيخ المرسل إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨ - ٩]؟ الموؤودة ليس لها ذنب وتسأل بأي ذنب قتلت، توبيخًا لقاتليها، فيكون قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ المقصود به: توبيخ المرسل إليهم، وهذا لا شك أنه هو الصواب، أما الاستعلام فغير وارد، وقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ لا شك أن الإنسان يشكل عليه هذا النفي، وهو نفي مطلق عام؛ لأنه بـ "لا" النافية للجنس، فكيف لا يكون عند المرسلين علم؟ الجواب على هذا من وجوه: الوجه الأول: إما أن يقال: لا علم لنا بما حدث بعدنا، يقول النبي ﷺ في الواردين على الحوض حين يردون فيذادون

стр. 982

عنه، فيقول: "أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك" (١) فيكون معنى قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾، أي: فيما حدث بعدنا، وهذا حق. الوجه الثاني: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ بما في بواطن الذين أجابوا؛ لأن من الذين أجابوا الرسل من كانوا منافقين لا تعلم الرسل ما في قلوبهم، وهذا أيضًا وجه قوي، فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يعلمون ما في قلوب الذين يظهرون اتباعهم، قال الله : ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] , والمعرفة في لحن القول مبنية على قرينة ليس على شيء محسوس مقطوع به. والوجه الثالث: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ إلا ما علمتنا وأنت تعلم ماذا أجبنا؛ لأنك علام الغيوب، وهذا وإن كان له وجه لكنه ليس بذاك القوي، فأحسن ما يقال: أنه لا علم لنا بما حدث بعدنا، أو لا علم لنا بما في بواطن الأمور. هناك وجه رابع: أنهم قالوا: لا علم لنا تأدبًا مع الله ، كما يقول التلميذ لأستاذه: ليس عندي علم؛ تأدبًا معه، وإن كان عنده علم، وكأن ابن جرير ﵀ يميل إلى هذا القول، أي: إلى أن المعنى: أنهم يقولون: لا علم لنا؛ تأدبًا مع الله ؛ لأنهم يعلمون أن الله لم يسألهم استعلامًا؛ لأنه عالم.

стр. 983

وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ جملة استئنافية تبين أنهم وَكلُوا العلم إلى عالمه وهو الله ﵎، والغيوب: جمع غيب، و "إنَّ": تنصب الاسم وترفع الخبر والكاف اسمها و "علَّام" خبرها وهو مضاف إلى الغيوب، "أنت" هنا، هل نقول: إنها توكيد للكاف في "إنك" أو نقول: هي ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو نقول: إنها مبتدأ وخبره علام؟ كل هذا محتمل، وأوجه الإعراب كثيرة، ولهذا يقولون: إن حجج النحويين كنافقاء اليرابيع، النافقاء: جُحر اليربوع، واليربوع ذكي يحفر له جحرًا في الأرض، ويمضي فيه ثم يحفر في آخره، إلى فوق، حتى إذا لم يبقَ إلا قشرة رقيقة تركها باقية فإذا سد عليه أحد الباب، وإذا النافقاء يسهل الخروج منها فيخرج من النافقاء، فيقولون: إن النحويين كما حجرتهم من جهة قلت: هذا لا يصح؛ أتوا بوجه آخر ولو كان الاحتمال بعيدًا، ولذلك لا يغلب النحوي القوي في النحو أبدًا لأنه يستطيع كما أتيت له بحجة، أتى لك بما يسوِّغ قوله. فنقول: كلمة "أنت" إما تكون ضمير فصل أو توكيدًا للكاف أو مبتدأ، وخبره "علَّام" وعليه جملة المبتدأ والخبر تفيد الحصر؛ لأن الجملة إذا صار طرفاها معرفتين أفادت الحصر، لكن ضمير الفصل أقوى في الحصر. وقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ هذه صيغة مبالغة بمعنى: أنه ذو علم بالغ بالغيوب، والغيوب جمع غيب، وهو ما يختفي على الخلق فالله جلَّ وعلا علام الغيوب، ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ [النمل: ٧٥] , يعلم حتى ما لم يكن كيف يكون، كما يعلم الموجود الذي يكون غائبًا عن الخلق .

стр. 984

من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أنه يجب على الإنسان أن يتذكر هذا اليوم العظيم لينظر ماذا أجابت به الرسل، وهو يوم القيامة حين يجمع الرسل ويسألون. الفائدة الثانية: تمام قدرة الله ﵎ وذلك بجمعه الرسل في ذلك الموقف العظيم، الذي يختلط فيه الآدميون والوحوش والسباع والإبل وغيرها، فيجمع الله الرسل بقدرته وإذنه. الفائدة الثالثة: فضيلة الرسل عليهم الصلاة والسلام حيث إن الله يعتني بهم هذا الاعتناء حتى إنه يسألهم يوم القيامة في هذا المشهد العظيم: ماذا أجيبوا؟ تكريمًا لهم وإظهارًا لإبلاغهم الرسالة. الفائدة الرابعة: إثبات القول لله ، وأن الله يقول. لقوله: "فيقول"، وإثبات القول لله قد امتلأ به القرآن وامتلأت به السنة، وصار إثبات القول لله من الأمور القطعية اليقينية. الفائدة الخامسة: أنه يقول بحرف وصوت، وجه الدلالة: أن مقول القول هو قوله: "ماذا أجبتم"؟ وهذه حروف، ووجه الدلالة على الصوت: أنه يخاطب الرسل، فلا بد أن يكون الخطاب مسموعًا لهم، وإلا لم يكن له فائدة، وهذا الذي قررناه في إثبات القول لله ، وأنه بحرف وصوت هو الذي أجمع عليه أهل السنة أئمتهم ومقلدوهم، ومن قال سوى ذلك فهو مبتدع ضال، من قال: إن الله لا يوصف بالقول وإن الذي يضاف إليه

стр. 985

من الأقوال عبارة عن أصوات مخلوقة، خلقها الله لتعبر عما في نفسه، فهذا القول من أبطل الأقوال، وقد أبطله شيخ الإِسلام ﵀ في رسالة تسمى التسعينية من تسعين وجهًا وهو جدير بالإبطال؛ لأنه متناقض وفاسد، والمشكل أن هذا عليه كثير من الناس اليوم؛ لأنه مذهب الأشعرية السائد بين كثير من الأمة الإِسلامية، مع أنه باطل ولا يمكن أن يصدقه من كان على الفطرة السليمة. الفائدة السادسة: تأدب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الله ، حيث قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هذا وجه. الوجه الثاني: أنهم عرفوا قدر أنفسهم وأنهم لا يعلمون الغيب. الوجه الثالث: أنهم علموا أن الأمم بعدهم لا يعلمون عنها شيئًا حسب الاحتمالات التي ذكرناها في وجه قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾. الفائدة السابعة: إثبات علم الغيب لله ، لقول الرسل عليهم الصلاة والسلام وهذا القول إجماع منهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ يعني: لا غير، فمن ادعى علم الغيب فهو كافر؛ لأنه مكذب للقرآن الكريم، ولما أجمع عليه المسلمون، من قال: إنه سيحدث في يوم كذا، كذا وكذا فهو كاذب وهو كافر، والكهنة يخبرون عن الواقعات في المستقبل، لكنهم لهم أناس من الجن يستمعون الوحي ويسترقونه، ويلقونه إلى الكاهن، ويضيف الكاهن إليه كذبات كثيرة، ويصدُقُ في كلمة واحدة، وهذا لا ينافي القول بأن الله تعالى علام الغيوب وحده؛ لأن الله قال في
следующие страницы →