فإن قلت: كيف نحكم على هذا المبتدع أن الحجة بلغته حقًا أو لا؟
قلنا: المبتدع إذا كابر بعد ما أريناه الآيات فالسيف أمامه ونحكم بكفره في الدنيا ونقتله، وإن كان ما يقوله حقًا من أنه لم تبلغه الدعوة إلا مشوشة فأمره إلى الله لا يجوز أن تقرن أحكام الدنيا بأحكام الآخرة، أحكام الدنيا لها حال وأحكام الآخرة لها حال؛ هذا الرجل الذي قتله أسامة بن زيد يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن أحكام الدنيا أن نرفع عنه القتل مع أنه ربما يكون قد قالها تعوذًا ولا ندري، وعلى كل حال فلا شك أن المسألة عويصة، لكن الذي تبيَّن لي هو ما قررته.
لو قال قائل: ما حكم أتباع أهل الضلال من العوام ، هل يعذرون بالجهل؟
فالجواب: هذا يختلف فيه الحكم، فإذا كان هؤلاء الأتباع لم يُذكر لهم الرسول ﵊، ولم يعلموا أنه جاء رسول للخلق، وقادتهم كتموا عنهم هذا فهم معذورون، لكن إذا علموا فلا بد أن يتبعوا.
وليُعلم أن هناك فرقًا بين اليهود والنصارى وغيرهم، فغيرهم لا بد أن تبلغه الحجة ويفهمها، وأما اليهود والنصارى فبمجرد سماع الرسول ﵊ تقوم عليهم الحجة، ولهذا قال الرسول ﵊: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا
стр. 107
يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار" (١)، ووجه ذلك أن اليهود والنصارى كتبهم مصرحة بوصف الرسول ﷺ ، فما بقي عليهم إلا أن يسمعوا بخروجه، فإذا سمعوا بخروجه قامت عليهم الحجة.
ولو قال قائل: الذين يأتون الأفعال الشركية هل نتعامل معهم معاملة المسلمين؟
فالجواب: هؤلاء يتوقف فيهم، وإذا قدمت جنائزهم فالمصلي يستثني يقول: (اللهم اغفر له إن كان مؤمنًا).
لو قال قائل: بعض العوام الذين اتبعوا أئمة الضلال هؤلاء قد طعنوا في مشايخ الحق أمثال: شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، فكيف نبلغ لهم تفسير كتاب الله؟
فالجواب: نقول: دعونا من فلان وفلان، القرآن بيننا والسُّنَّة بيننا، وكما قال الله يخاطب فرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، نقول لهؤلاء: كل من يُدعى من دون الله فلن يستجيب لأحد، ودعاؤه ضلال، قال الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥]، فإن لم يذعنوا صاروا مكابرين، وهذا جهل عظيم ولا عجب، فالكفار كان الواحد منهم يصنع الصنم بيده ثم يعبده، رغم أنه أعلى منه، ثم الغريب أن بعضهم يصنعه من التمر العبيط، ثم إذا جاع أكله، ثم خرج من دبره قذرًا نسأل الله السلامة.
стр. 108
لو قال قائل: ما حكم قول العوام في بعض أشعارهم يا أبا الأفراج؟
فالجواب: هذه مشكلة؛ لأننا لو أخذنا بظاهرها فقد جعلوا الإله أبًا، لكني أعلم أنهم يريدون بمعنى يا أبا الأفراج، أي: (يا صاحب الأفراج) فنقول: قولوا: يا صاحب الأفراج وأحسن من هذا أن تقولوا: يا مفرج الكُربات.
الفائدة التاسعة: الإنكار الشديد على من يشهدون أن مع الله آلهة أخرى؛ لقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾، فالاستفهام للإنكار، وتأمل كيف أتت الجملة التي دخلها الاستفهام مؤكدة بـ (إنَّ) و (اللام)، حتى لا ينكروا، يعني: أؤكد أؤكد أنكم تشهدون أن مع الله آلهة أخرى وأنكر عليكم.
الفائدة العاشرة: سفه أولئك المشركين الذين يشهدون أن مع الله آلهة أخرى، ولو سئلوا عنها: أتخلق شيئًا؟ لقالوا: لا، وهذا من سفههم، أن يعبدوا من لا يخلق.
الفائدة الحادية عشرة: وجوب التبرؤ من أهل الباطل وما هم عليه، لقوله: ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾، يعني: أؤكد أنكم تشهدون، ولكني أنا لا أشهد، وهذا واجب أن يتبرأ الإنسان من كل ما يعبد من دون الله، فإن لم يشهد ببطلان الآلهة سوى الله فإنه لم يخلص ولم يوحد؛ إذ إن التوحيد مبني على النفي والإثبات.
الفائدة الثانية عشرة: وجوب البراءة مما عليه المشركون ؛ لقوله: ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، فيجب أن يتبرأ الإنسان مما يشرك به هؤلاء من المعبودات، أو من عملهم الشركي، ولا تجوز
стр. 109
المداهنة في هذا، ولا تجوز الموافقة، بل تجب البراءة، والعجب أن بعض الناس يداهن هولاء الكفار ويقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، يعني: فنحن مؤمنون بعيسى، يقولون ذلك أمام النصارى، وأمام اليهود يقولون: نحن مؤمنون بموسى والمسألة ليست هي الإيمان بموسى وبعيسى، نحن نؤمن بهذا، إنما المسألة هي الكفر بمحمد ﵊، هؤلاء كافرون بمحمد ﷺ ، فهم غير مؤمنين لا بموسى ولا عيسى، وقد سبق أن من كذَّب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع الرسل، واستدللنا لذلك بقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١].
لكن لو قال قائل: ما الفرق بين المداهنة والمداراة ؟
فالجواب: المداهنة: أن الإنسان يُبقي لصاحبه على ما هو عليه ولا يتكلم معه، والمداراة: أنه يريد أن ينقله مما هو عليه لكن بتلطف.
* * *
* قال الله : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ [الأنعام: ٢٠].
قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ مبتدأ وخبر ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ و ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ خبر.
стр. 110
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم اليهود والنصارى؛ لأنهم آخر أمة كان عندها أصل كتابها، فهم الذين أوتوا الكتاب.
وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يحتمل أن يكون المعنى يعرفون هذا الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد يعرفون النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، والثاني أقرب، ويؤيده قوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾، فإن الأبناء بشر، والنبي ﷺ من البشر، يعني: أن الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى يعرفون النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كما يعرف الرجل ابنه، وخص الأبناء؛ لأن تعلق الرجل بالأبناء أكثر من تعلقه بالبنات، فتكون معرفته للأبناء أكثر من معرفته للبنات، هذا وجه، ووجه آخر أن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ذَكَرٌ، فهو من الأبناء.
قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ يحتمل أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم الذين خسروا أنفسهم، ويحتمل أن تكون ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره جملة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، والفاء دخلت على جملة الخبر، لمشابهة المبتدأ الشرط في العموم؛ لأن الاسم الموصول يشبه الشرط في العموم، ويكون تقدير الكلام بدون الفاء، الذين خسروا أنفسهم هم لا يؤمنون، ومؤدى الاحتمالين واحد، والمعنى أن الذين خسروا أنفسهم هم الذين لا يؤمنون، أي: الذين اختاروا الخسارة هم الذين لا يؤمنون، ومنهم الذين آتاهم الله الكتاب.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الحجة قائمة على اليهود والنصارى في صحة بعثة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾.
стр. 111
فإن قيل: هذا كلام الله فهل له من دليل؟
قلنا: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله أن يُطلب الدليل على صدق خبر الله، خبر الله ﵎ هو الدليل، ومدلوله هو المدلول، ولا حاجة أن نقول: هل هناك شاهد يدل على أن الذين أوتوا الكتاب يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم؟ لأن كلام الله أقوى شاهد.
ولكن مع ذلك لا مانع أن نقيم الحجة عليهم من كتبهم فقد قال الله تعالى في سورة الأعراف عن النبي ﷺ إنهم: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ومكتوبًا وصفه ﵊: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] يعرفون هذا تمامًا، وقد نقل الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في تفسيره النصوص من الإنجيل على هذا القول، بل على إقامة الحجة عليهم وأن هذا مكتوب عندهم في كتبهم.
الفائدة الثانية: أنه ينبغي أن يضرب المثل بأقرب مطابق للممثَّل لقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾؛ لأن هذا أقرب إلى التصور وإلى الصدق.
الفائدة الثالثة: المِنَّةُ والتوبيخ على اليهود والنصارى، أما المنة فهي أن الله آتاهم الكتاب، وبيَّن لهم وصف النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - الذي سيرسل للناس كافة، وهذه نعمة، أن يبيِّن الله للعبد طريق الهدى، والتوبيخ أنهم كانوا كافرين به مع وضوح الدليل، فتكون الآية جامعة بين بيان المنة عليهم من الله، وتوبيخهم على الكفر بمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
стр. 112
الفائدة الرابعة: أن من لم يؤمن فقد خسر نفسه لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وهل خسر أهله؟ نعم، قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥]، وخسروا أيضًا أعمارهم، مضت في غير فائدة؛ لأن شخصًا مآله نار جهنم والعياذ بالله بعد أن عمِّر في الدنيا ما عمّر، قد خسر وقته وزمنه كما قال الله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
* * *
* قال الله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ [الأنعام: ٢١].
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ (مَنْ) اسم استفهام، والمراد به النفي، أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا، والنفي إذا جاء بصيغة الاستفهام صار أبلغ؛ لأنه يكون مُشْرَبًا معنى التحدي، كأن المتكلم يقول: بيِّن لي إن كنت صادقًا أحدًا أظلم ممن افترى على الله كذبًا.
والظلم في الأصل النقص، كما قال الله : ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أي: لم تنقص، لكنَّه تعدى إلى نقص الإنسان فيما يجب عليه من فعل الأوامر وترك النواهي فإنه نَقَصَ حق نفسه بذلك.
قوله: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، بمعنى: اختلق على الله الكذب؛ لأن الكذب على الله أعظم الكذب ؛ فمن قال: (إن لله ولدًا) هذا افترى على الله الكذب، أو قال: (إن لله شريكًا) هذا افترى على الله الكذب، أو قال: (إن هذا الكون لم
стр. 113
يخلقه الله) افترى على الله كذبًا، أو قال: (خلقته الطبيعة)، أو ما أشبه ذلك.
قوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ هذان صنفان الأول كذب على الله، والثاني كذب بآيات الله، لا أحد أظلم ممن جمع بينهما ويليه الكذب على الرسول ﷺ ، كما قال - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "إنَّ كذبًا عليَّ ليس كَكذِبٍ على أحدكم" (١) بل هو أعظم.
ويلي ذلك الكذب على علماء الشريعة، فإذا كَذَبَ عليهم بأنهم أفتوا في كذا، فهذا كذب؛ لأنه كذب على الشرع إذ إن علماء الشريعة هم الذين يبلغون الشريعة، فإذا كذب عليهم فقد كذب على الشرع.
وقوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾، أي: كذب بالآيات الدالة على أن الله حق كذب بالآيات الكونية والآيات الشرعية، والتكذيب بالآيات الكونية أن ينفي كون الله خلقها، أو ينفي أن الله - تعالى - انفرد بخلقها، والشرعية أن ينفي إرسال الرسل بما جاءت به من الوحي. و ﴿أَوْ﴾ هنا للتنويع، يعني: افترى أو كذب، وإن جمع بين الأمرين صار أشد، وإذا طبقنا هذه الآية على واقع المشركين من قريش، نجد أنها منطبقة عليهم تمامًا، فقد افتروا على الله الكذب بأن أشركوا معه ما لم ينزل به سلطانًا، وافتروا على الله الكذب، فقالوا: (هذا حلال وهذا حرام)، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ
стр. 114
لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وهم أيضًا كذّبوا بآيات الله، فكذبوا بالآيات الشرعية التي جاءت على لسان محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أما الآيات الكونية فهم لم يكذبوا بها.
لو قال قائل: ما حكم الكذب على الله في مدلول الأدلة لكن بدون قصد؟
فالجواب: إذا قال بتفسير الآية ننظر هل هو على قاعدة شرعية، هل هذا ما تقتضيه اللغة، أو ما تقتضيه الشريعة؟ فهو إذا أخطأ بعد بذل الجهد، فهو مغفور له، أما إذا عاند وقال: (المراد بكذا، كذا كذا) فلا عذر له، وأنت إذا أخبرت بمعنى آية، فقد شهدت على الله أنه أراد هذا.
قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ هذا الحكم على من افترى على الله كذبًا، أو كذب بآياته، ولكن لم يقل: (إنهم) بل أظهر في موضع الإضمار للعموم، ليعمهم وغيرهم. و (الفلاح) هو النجاح وحصول المطلوب فالظالم لن ينجح ولن يفلح.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الظلم يختلف، بعضه أشد من بعض؛ لأن المعاصي تختلف بعضها أعظم من بعض، فهناك كبائر، وهناك صغائر، والكبائر نفسها تختلف، فهناك أكبر من الكبائر، وما دونها، والصغائر كذلك تختلف، فمن أين نعرف أن الذنوب أو الأعمال المحرمة تختلف؟ لاختلاف الظلم؛ لأن كل فعل محرم، أو ترك واجب ظلم، وإذا كان يتفاوت لزم من ذلك تفاوت الأعمال.
стр. 115
ولو قال قائل: هل للمعاصي والظلم أثر حسي ؟
فالجواب: نعم والصحابة ﵃ لما عصوا الله في غزوة أحد وفي غزوة حنين عوقبوا، وهذا من حكمة الله أن هؤلاء الجند الذين هم أشرف جند على وجه الأرض منذ خلق الله آدم حصلت لهم الهزيمة بمعصية واحدة فكيف بالمعاصي التي ملأت الأجواء.
ثانيًا: حصلت لهم الهزيمة بافتخارهم بعددهم وكثرتهم وهم أشرف جند على وجه الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة، فهذه موعظة لنا إذا كنا نريد الانتصار على أعدائنا فلا يجوز أبدًا أن ننغمس في المعاصي وبعضنا منغمس في الإلحاد والكفر والعياذ بالله وموالاة الكفار ومناصرتهم، فكيف يكون لنا نصر؟ فهذا في الواقع من حكمة الله أنهما مثلان عظيمان تحصل بهما العبرة لآخر هذه الأمة.
ولو قيل: ما ضابطُ المناصرةِ ، وهل تهنئة الكفار باحتلال بلاد المسلمين تعدّ من نواقض الإسلام؟
فالجواب: المناصرة أن يناصرهم على الكفر، وأما تهنئة الكفار باحتلال بلاد المسلمين، فإنه حرام ولا يجوز، وأما مسألة النواقض فإنها تحتاج إلى تحرير، ولا يكفيها تعليق موجز، لكن لا شك أن الذي يهنيء الكفار باحتلال بلاد المسلمين أنه على خطر عظيم، نسأل الله العافية.
لو قال قائل: أهل المعاصي الذين يصنعون آلات اللهو وغيرها هل يعاقبون بمثل ما يُفعل بالمصورين؟
فالجواب: لا نقدر أن نقول هذا، لكن كل مَنْ أساء بواسطة هذه الآلات فلهم نصيبهم من إثمه.
стр. 116
الفائدة الثانية: التحذير من أن يفتري الإنسان على الله الكذب؛ لأنه بيّن أنه في المرتبة العليا من الظلم، ومن الافتراء على الله كذبًا أن يكذب الإنسان على ربه في مدلول آياته، فيقول: (أراد الله بكذا، كذا وكذا)، هذا كذب على الله، ومن ذلك أن يفتري على الله كذبًا في أحكامه فيقول: (هذا حلال وهذا حرام) كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].
وعلى هذا فمن قال: المراد بقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] استولى على العرش، فإنه يدخل في الآية لا شك؛ لأنه افترى على الله كذبًا، ومن قال: (إن هذا الشيء حرام) وهو حلال، فقد افترى على الله كذبًا، ومن قال: (هذا حلال وهو حرام فقد افترى على الله كذبًا.
فالقاعدة إذًا في الافتراء على الله كذبًا أن يحرف آياته إلى معانٍ لا يريدها الله ، أو يقول بأحكام لم يحكم الله بها، ومن ذلك التكفير، فإذا قال: (هذا كفر) وليس بكفر، فقد افترى على الله كذبًا؛ لأن التكفير حكم شرعي يستدل عليه بالكتاب والسُّنَّة، وليس التكفير إلى الناس، من شاء كَفَّر ومن شاء لم يكفر، بل التكفير إلى الله ورسوله، فمن كفره الله ورسوله وجب علينا أن نكفره، ومن نفى الله ورسوله الكفر عنه، وجب علينا أن ننفي عنه الكفر.
فإن قال قائل: هناك إطلاقات في بعض الأحكام بالكفر، يعني: يطلق عليها الكفر، فكيف نعرف أنه كفر أكبر، أو أصغر؟
نعرف ذلك بقواعد الشريعة العامة، وينزّل الحكم بالكفر
стр. 117
على هذه القواعد وبذلك يتبين أنه أكبر أو أصغر، ولما كان تكفير ولاة الأمور من أشد الأشياء خطرًا منع النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من الخروج عليهم إلا أن نرى كفرًا بواحًا ظاهرًا بيِّنًا عندنا فيه من الله برهان (١).
الفائدة الثالثة: عِظَمُ ظلم من كذب بآيات الله؛ لأنه دخل في الطبقة العليا من الظلم؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾، فلا يحكم بظلمه، أو بكونه في المرتبة العليا إلا إذا تبينت له الآيات لقوله: ﴿كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فإذا بَيَّنَ لهم ما يتقون حكم بضلالهم ، وإلَّا فهم في عذر.
الفائدة الرابعة والخامسة: وجوب التصديق بكل آيات الله الكونية والشرعية، وجه ذلك أن (آيات) مضافة، والجمع إذا أضيف يفيد العموم.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن من آمن ببعض وكفر ببعض فقد كفر بالجميع، فلا يعد مؤمنًا؛ لأنه يوجد بعض الناس يؤمن ويصدق بما يرى عقله أنه حق، ويكذب بما يرى أنه ليس بحق، أو يؤمن بما يرى أنه مناسب، ويكفر بضد ذلك وهؤلاء بيّن الله حكمهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا
стр. 118
لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]، وقال تعالى منكرًا على بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥]، وبَيَّن الله أن من كفر برسول واحد فهو كافر بالجميع، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ [الشعراء: ١٠٥] مع أن قوم نوح هم أول من أرسل إليهم رسول فليُنتبه لهذا، فلا يمكن لإنسان أن يُجزِّئ الشريعة فيؤمن ببعضها ويكفر ببعضها؛ لأننا نعلم أن مثل هذا متبع لهواه فقط.
الفائدة السادسة: نفي الفلاح عن الظالم، أي: لا يمكن أن يحصل له مقصوده، بل بالعكس.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية الكريمة وبين نصوص أخرى يرد فيها مثل هذه العبارة في ذنب آخر غير هذا، وتدل أيضًا على أن هذا الفعل أظلم شيء.
مثل قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]، وقوله في هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، وقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" (١) في المصورين فكيف نجمع بين هذه النصوص؟
فالجواب من أحد وجهين: إما أن نقول: اشتركت هذه الأشياء في المرتبة العليا من الظلم فكلها في مقام الأظلمية، وإما أن يقال: إن الأظلمية أظلمية نسبية، فمثلًا في هذه الآية ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، المعنى: أن الذين يفترون على الله الكذب أظلم من الذين يفترون على غيرهم الكذب، فلو افترى
стр. 119
مثلًا على زيدٍ، وعلى فلانٍ وعلى فلانة هذا حرام لا شك، لكن أظلم شيء أن يفتري على الله .
وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] هذه أظلمية نسبية يعني: أي إنسان يمنع الناس من حقٍ لهم هذا ظلم، لكن أظلم شيء منع حقهم في المساجد.
يعني: مثلًا قد تمنع هذا الرجل أن يدخل المدرسة لكن هل هذا أشد أو منعه من دخول المسجد؟ الثاني: طبعًا منعه من دخول المسجد أشد، قد تمنعه من دخول السوق هذا ظلم، لكن أيما أظلم هذا أو من منع حق الإنسان في مساجد الله؟ الثاني.
وفي مسألة التصوير "من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي"، أي: الذين يقلدون غيرهم في التصوير إذا كان على وجه الظلم، فمن أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله، لا أحد.
الفائدة السابعة: بشرى للمظلومين لما تقدم من أن الظالم لا يفلح، فيبشر المجاهدون بالنصر، وبأن مآل من جاهدهم الخذلان، ويبشر من ظُلم بأخذ ماله أو جحد ماله، وما أشبه ذلك بأن هذا الظالم لن يفلح.
لكن لو قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية والواقع؛ لأننا نرى أن الظالم قد يفلح؟
قلنا: الجمع بينها وبين الواقع، أن يقال الفلاح نوعان: فلاح مطلق، وهذا لا يمكن للظالم أبدًا، ودليل هذا قول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" (١)، وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ
стр. 120
الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢]، فلا بد أن يعثر الظالم، ولا بد أن يخسر، طالت الدنيا أم قصرت فمن كان ظالمًا بمبدأ من المبادئ فلا بد أن ينخذل هذا المبدأ حتى بعد موته، وإذا كان خاصًا فإنه، وإن لم يحصل له ذلك في الدنيا حسب ما نرى فهو في الآخرة، وربما يكون في قلب الظالم أشياء لا ندري عنها يبتلى بها من ضيق الصدر وكراهة الحق وما أشبه ذلك.
أما الفلاح المقيد بمعنى أن يفلح في زمن معين، أو مكان معين، أو قضية معينة فهذا يمكن أن يقع، ولا يخالف الآية؛ لأن الله تعالى قد يعطي الظالم فلاحًا حتى يغتر بهذا الفلاح فيتمادى في طغيانه، ثم يقصم الله ظهره، وقد أشار الله تعالى إلى هذا في سورة آل عمران قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٤١] يمحص المؤمنين بكفارات الذنوب على ما حصل من هزيمة، ويمحصهم ألا يعودوا إلى المعصية مرة ثانية.
ولكن كيف يمحق الله الكافرين وهم منتصرون ؟
الجواب؛ لأن الكافر إذا انتصر تجرأ وافتخر واعتز، فالظالم قد يفلح، ولكن فلاحًا مقيدًا لحكمة، أو حِكَم لا نعلمها نحن ولكن يعلمها الله ، وموقفنا إذا سُلط الظالم علينا أن نصبر، وألا نيأس، وأن ننتظر الفرج من فاطر الأرض والسماوات، فإن الصبر مفتاح الفرج، كما قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفَرَج
стр. 121
مع الكرب وأن مع العسر يسرًا" (١)، اللهم اجعلنا من المفلحين المتقين المحسنين.
لو قال قائل: بعض الناس خاصة من غير طلبة العلم، هم ملتزمون ويريدون إظهار غيرتهم على الإسلام، يتكلمون في ولاة الأمر ويتمنون زوالهم، وما أشبه ذلك من الأمور التي تخالف الأدلة، وتخالف مقتضى العقل، فما هو الموقف السليم لطلبة العلم؟
فالجواب: الواجب على طالب العلم أن يبيِّن ما يقتضيه الدليل مع السمع والطاعة لولاة الأمور إلا إذا أمروا بمعصية، وكذا يبين ما تقتضيه الأدلة من وجوب الكف عن مساوئهم، ومن أراد النصيحة فطريقها مفتوح.
لكن لو قيل: أنا إذا منعتهم تعودوا على الجبن، وعلى الذل. فالجواب: لا بأس، عز النفس واجب لكن عز النفس لا بد أن يكون على مقتضى الشريعة حتى يكون متزنًا وإلا لكان هذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وتكون فوضى عارمة يترتب منها فساد عظيم، فإذا واجه الإنسان أناسًا على هذه الحال فالواجب النصيحة وأن تُضرب الأمثال لهؤلاء بما حصل من البلاء وإراقة الدماء وانتهاب الأموال فيمن سلك هذا المسلك منهم.
الفائدة الثامنة: التحذير من الظلم، وأن عاقبته الخسارة والدمار لقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، أعاذنا الله من الظلم.
* * *
стр. 122
* قال الله : ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤].
قوله: ﴿وَيَوْمَ﴾ ظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلق، كما قال ناظم القواعد (١):
لا بُدَّ للجارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بفعلٍ أو معناهُ نحوَ مُرْتَقِي
واستثنِ كُلَّ زائدٍ لهُ عَمَلْ ... كَالبَا ومِنْ والكَافِ أيضًا ولَعَلْ
فمتعلق (يوم) محذوف والتقدير: (اذكر يوم نحشرهم)، أي: اذكر لهم ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم.
وقوله: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾، أي: نجمعهم جميعًا لا يفلت منهم أحد.
قوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ نقول: ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، أي: بالله في الدنيا ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا فمن المعلوم أنهم لن يأتوا بهم، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم.
قوله: ﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾، أي: ما أشركتم بهم في الله ، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا، منهم من يشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا المهم فهم مختلفون،
стр. 123
فيقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، أي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع من تألهه، فأين هو الجواب؟ بيّنه الله فقال: ﴿ثُمَّ﴾، أي: بعد هذا السؤال: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ الفتنة هنا بمعنى: الحجة ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾، أي: حجتهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟
الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ﴾ أيها المخاطب ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، والمراد هنا نظر الاعتبار.
وهنا إشكال: كيف يقول: ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، والأمر لم يأت بعد، فإن هذا يكون يوم القيامة؟
والجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبل المحقق يكون؛ كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله : ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] مع أنه ما أتى، بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه، ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ في قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (ضَلَّ)، بمعنى: ضاع فلم يجدوه؛ كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أي: ما كانوا يفترونه من دعواهم
стр. 124
أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء، كما سبق قبل آيتين.
القراءات في هذه الآية القراءة الأولى: (ثم لم يكن فتنتهم إلا أن قالوا)، والقراءة الثانية: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الخلاف في الفعل، وفي اسم كان وفي خبر كان، الفعل ﴿تَكُنْ﴾ بالتاء؛ و (يكن) بالياء؛ فاسم كان على قراءة الياء مذكر، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ والمعنى: لم يكن فتنتهم إلا قولهم، وأيضًا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ قراءة أخرى "والله ربَّنا"، يعني: والله يا ربنا ما كنا مشركين وهذا الاختلاف في القراءات لا يضر؛ لأنه فيما سبق في العهد الأول كانوا لا يحركون الحروف ولا يعجمونها، يعني: لا يجعلون نقطة ولا نقطتين لا فوق ولا تحت، فتكون القراءتان في الرسم واحدة إنما تختلف في النطق، وفي الإعجام والإعراب بعد أن أعجم القرآن وأعرب.
من فوائد الآيات الكريمة:
الفائدة الأولى: تسلية النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، حيث ذُكِرَ له مآل المكذبين له.
الفائدة الثانية: التحذير من الشرك؛ لأن المشرك سوف يوبخ في يوم لا يستطيع الخلاص فيه.
الفائدة الثالثة: إثبات يوم القيامة يوم الحشر.
الفائدة الرابعة: أن الحشر عام شامل لا يشذ عنه أحد لا مؤمن ولا كافر، ولا بر ولا فاجر، حيث أكده الله بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾.
الفائدة الخامسة: إثبات القول لله؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ
стр. 125
نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾، قد ينازع منازع ولقول: إن القائل هم الملائكة، وأضاف الله قولهم إلى نفسه؛ لأنهم رسله، القائلون بأمره، فهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٨] مع أن القارئ جبريل؟
نقول: هذا وارد بلا شك، أي: أنه يحتمل أن يكون الذي يقول لهؤلاء المشركين: ملائكة، وأضاف الله ذلك إليه؛ لأنهم يقولون بأمره، ولكن ظاهر القرآن أن القائل هو الله ، فإذا كان هذا هو ظاهر القرآن فليس لنا مندوحة عنه؛ لأن الله سوف يحاسبنا يوم القيامة، فيقول: كلامي ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾، فكيف يُصرف بأنَّ المراد به الملائكة بلا دليل، فالواجب الأخذ بظاهر القرآن ما لم يوجد دليل، فإذا وجد دليل ينقل الكلام عن ظاهره فعلى العين والرأس.
فإن قال قائل: أيقول بالحروف المسموعة المعقولة، أو بحروف أخرى؟
فالجواب: لا شك أنه يقول بحروف مسموعة معقولة.
فإن قال قائل: وهل يشبه صوته صوت المخلوقين؟
فالجواب: لا؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ولأن الله إذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة، وصعق الملائكة، ومثل هذا لا يقع في كلام الآدميين أبدًا، ولا في كلام المخلوقين عمومًا.
الفائدة السادسة: توبيخ أولئك المشركين، حيث يقال لهم في هذا المجمع العظيم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾.
стр. 126
الفائدة السابعة: أن هذه الآية تدل على أن الأصنام لا تنفع عابديها؛ لأنها لا تنصرهم في هذا الموقف، بل قد قال الله : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] تحصبون في وسطها ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ انظر هذه الآية فرح بها المشركون، وانتهزوا الفرصة، وقالوا: هذا محمد يقول: إن المعبودات في النار، وعيسى معبود، فيقتضي أن يكون عيسى في النار، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١].
الفائدة الثامنة: أن أولئك العابدين لهذه الأصنام ليس عندهم حجة ولا برهان، وإنما هي مجرد دعوى لقوله: ﴿تَزْعُمُونَ﴾، والزعم في الغالب يكون في قول لا دليل عليه.
الفائدتان التاسعة والعاشرة: أن أولئك القوم فتنوا بهذا الجواب واستحسنوه وظنوه مفيدًا وهو قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان قد يفتن بالشيء، فيرى الحق باطلًا والباطل حقًا، فاسلم من هذه الفتنة وحاسب نفسك عليها، واستعذ بالله أن تكون من أهلها.
الفائدة الحادية عشرة: إقرار هؤلاء المشركين بألوهية الله، وربوبية الله، أما ألوهيته في قولهم: ﴿وَاللَّهِ﴾، وربوبيته في قولهم: ﴿رَبِّنَا﴾، لكن هل ينفع هذا في ذلك الوقت؟ لا ينفع، بل لا ينفعهم لو أنهم وحّدوا حين نزل بهم الموت، كما قال : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨].
стр. 127
الفائدة الثانية عشرة: أن ما افتروه من الشريك لله سوف يضل عنهم مع شدة طلبهم له، كما تضل الضالة عن صاحبها لقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين قولهم في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وبين قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢]، فصرح الله في هذه الآية أنهم لا يكتمون الله حديثًا، وهنا كتموا وقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟
فالجواب أولًا: يجب أن نعلم ونؤمن ونتيقن أنه لا تناقض في القرآن أبدًا فلا يمكن أن يتناقض، بل التناقض في قصور فهم الإنسان، وقد ألف العلماء ﵏ في هذه المسألة العظيمة مؤلفات، ومنها: تأليف الشيخ محمد الشنقيطي ﵀ المفسر الأصولي المشهور "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب"، فإن رأيت متناقضًا فالخلل من عندك، إما لقصور في الفهم، أو تقصير في الطلب، أو سوء نية تريد أن تبحث عن الأشياء التي ظاهرها التعارض لتطعن في القرآن، أو قصور في العلم وإلَّا فلا تناقض، وهنا نقول: يوم القيامة خمسون ألف سنة وللناس فيه أحوال، ففي حال ينكرون أنهم مشركون، وفي حال يقرّون إذا رأوا أن أهل التوحيد نجوا، قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فإذا ختم على أفواههم وشهدت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، حينئذٍ أقروا؛ لأنه لا يمكن أن ينكروا مع وجود الشهود من أنفسهم.
* * *
стр. 128
* قال الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ [الأنعام: ٢٥].
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ (مِنْ) هذه تبعيضية، وعلامتها أن يحل محلها بعض، أي: بعضهم الذي يستمع إليك.
وقوله: ﴿يَسْتَمِعُ﴾ هنا جاءت بصيغة الإفراد مراعاة لِلَفظ (مَن)؛ لأن (مَن)، الموصولة يجوز أن يراعى معناها، وأن يراعى لفظها، فإذا روعي معناها جُعِل العائد عليها حسب ما يراد بالمعنى، وإذا روعي اللفظ صار مفردًا.
وقوله: ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، أي: من يحضر ويستمع إلى قراءتك، ولكن لا ينتفع، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا﴾، أي: صيَّرنا.
وقوله: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ الأكنة جمع كنان؛ كزمام وأزمّة، وهو ما يغطي الشيء ويستره.
وقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أي: إرادة أن يفقهوه، فهو على تقدير مضاف يعني: (لا نريد أن يفقهوه)، وإن شئت فقل: كراهة أن يفقهوه، وبعضهم قال: إنه على تقدير (لا) والمعنى: ألا يفقهوه، والمعنى واحد، لكن كوننا نفسرها بكراهة أن يفقهوه أولى من كوننا نفسرها بـ (لا)؛ لأننا إذا فسرناها بـ (لا) فسرنا المثبت بالمنفي وهذا بعيد، وإذا فسرناها بكراهة فهذا مطرد مثل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: كراهة أن تضلوا.
стр. 129
وقوله: ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ (الفقه) في اللغة: الفهم كما
قال : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، أي: لا تفهمونه، والمعنى: أن الله جعل على قلوبهم سترًا واقيًا من فقههم له، فلا يصل معناه إلى قلوبهم.
قوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، أي: وجعلنا في آذانهم حملًا وصممًا، بحيث لا ينتفعون بما سمعوا، ومن لا ينتفع بما سمع فهو كمن لم يسمع، فنفى الله عنهم الفقه ومحله القلب، والسمع ومحله الأذن، وهذا كقوله ﵎: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾ [القلم: ١٥]، يعني: لم يفهمها ولم يفقهها، وإنما يظنها أساطير، أي: حكايات، ليست ذات معنى مصلح للخلق.
قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾ بأبصارهم، أو يروا بقلوبهم ﴿كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾، والآية هي العلامة الدالة على صدق النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كما، قال في سورة القمر: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ٢]- نسأل الله الهداية - الإنسان إذا طبع على قلبه - نعوذ بالله - لا يؤمن بأي آية، تأتيه الآيات مثل الشمس، ولكن لا يؤمن؛ لأن القلب مغلق عليه لا يصل إليه الهدى، هنا نفى الله عنهم الفقه، ومحله القلب والسمع ومحله الأذن، والإيمان بالآيات ومحله القلب مع مشاهدة العين.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا للغاية، ويحتمل أن تكون للابتداء، والفرق بينهما أننا لو جعلناها للغاية صار ما قبلها مُغَيًّا بها، أي: أنهم لا ينتفعون بالآيات حتى إنهم إذا
стр. 130
جاءوك جادلوك، ويحتمل أن تكون ابتدائية، والابتدائية هي مثل الواو الاستئنافية.
وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ المجادلة هي المخاصمة، وسميت مجادلة؛ لأن كل واحد من الخصمين يجدل الحجة لتقوم على صاحبه، مأخوذة من جدل الحبل، وهو فتله حتى يشتد ويقوى، فهم يجادلون النبي ﷺ بما يوردون عليه من الشبهات، ولكن الله تعالى يجيب عنه.
وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ الجملة في محل نصب على الحال من (الواو) في قوله: ﴿جَاءُوكَ﴾، أي: حال كونهم مجادلين لك.
قوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا جواب ﴿إِذَا﴾ ولم تجزم؛ لأن ﴿إِذَا﴾ الشرطية ليست جازمة، تقول: (إذا قدِم زيدٌ يقدمُ عمرو) ولا تجزم، وأما قول الشاعر:
.............................. .... وإذا تُصِبْكَ مُصِيْبَةٌ فَتَحَمَّلِ (١)
فهذا يعتبر شاذًا لا يحتج به.
قوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هذه النهاية ﴿إِنْ هَذَا﴾، أي: ما هذا، ويدل على ﴿إِنْ﴾ هنا نافية أنه أتى بعدها (إلا)، وإذا أتى بعدها (إلا) فهي نافية، وقد تأتى نافية بدون (إلا)، ﴿إِنْ﴾ لها أربعة معان: فقد تأتي شرطية، وتأتي نافية، وتأتي زائدة، وتأتي مخففة من الثقيلة:
فتأتي شرطية: وهذا كثير مثال (إن) الشرطية قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠].
стр. 131
وتأتي نافية: مثاله قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، أي: ما هذا إلا قول البشر.
وتأتي مخففة من الثقيلة: مثاله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم: ٥١].
وتأتي زائدة: مثالها: قول الشاعر:
بَني غُدَانةَ مَا إنْ أنتمُ ذَهَبٌ ... ولا صَريفٌ ولكنْ أنتمُ الخَزَفُ (١)
فـ (إنْ) في هذه الآية الكريمة نافية.
وقوله: ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ﴾ أساطير جمع أسطورة، والأسطورة هي ما يتحدث الناس به في المجالس من أجل قتل الوقت، ليس لها معانٍ، وتسمى عند العامة السواليف، لكن يريد الإنسان أن يزيل عنه الملل والكسل وقطع الوقت.
قوله: ﴿الْأَوَّلِينَ﴾، أي: السابقين.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أنه ليس كل مستمع بمنتفع لقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] لا يدرون ماذا قال.
الفائدتان الثانية والثالثة: التحذير من الاستماع بلا انتفاع، وأن هذا دأب الكفار، ويتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا استمع أن يتأمل ويتفكر فيما استمع، لا سيما إذا كان الكتاب والسُّنَّة حتى يعرف معناهما.
стр. 132
الفائدة الرابعة: أن الفقه محله القلب؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾.
فإن قال قائل: ما سبب هذه الأكنة التي تحجب الحق عن القلب؟
فالجواب: أن سببها المعاصي، كما قال الله ﵎: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٣، ١٤]، فالمعاصي تحول بين الإنسان وبين الفقه في دين الله، ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي لمن يُستفتى أن يستغفر الله قبل الإجابة، حتى يمحو الاستغفار ما كان على القلب من الرين، واستدل بقول الله ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾ [النساء: ١٠٥، ١٠٦]، وهذا استنباط جيد، لا سيما إذا اشتبهت عليك المسألة وحيل بينك وبين معرفة الصواب فيها، فعليك بالاستغفار والدعاء ولا تتسرع؛ لأنك تعبر عن شرع الله .
الفائدة الخامسة: أن عدم الانتفاع بالسماع كالصمم تمامًا؛ لقوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ بل صاحب الصمم معذور، والذي لا ينتِفع بما سمع غير معذور؛ لأن صاحب الصمم لم يسمع من آفةٍ حلَّت به.
الفائدة السادسة: أن هؤلاء الكفار لا ينتفعون بما سمعوا ولا ينتفعون بما شاهدوا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ والآيات نوعان، آيات قدرية وآيات شرعية، فمن الآيات القدرية
стр. 133
ما يحدثه الله في الكون؛ كانشقاق القمر، وهبوب الرياح التي أرسلها الله على الأحزاب، وكذلك نزول المطر وامتناعه، وأشياء كثيرة لا تحصى، ثم الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، كلها من آيات الله الكونية.
وأما آيات الله الشرعية فهي الوحي، إذا تأملت الوحي، وأشرفه القرآن، عرفت ما فيه من الآيات العظيمة في الأخبار والأحكام، فالمؤمن ينتفع، وغير المؤمن لا ينتفع، حتى قال الله : ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ [الطور: ٤٤] لا يصدقون بأنه عذاب، ومن ذلك ما يحدث في زماننا الآن من العواصف القواصف والفيضانات والزلازل هي عند قوم من الأمور الطبيعية التي لا تدل على التهديد والتخويف، وذلك من رين القلوب - نسأل الله العافية - ومن مشابهة الكفار في أنهم ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾.
الفائدة السابعة: أن الله يرسل الآيات تأييدًا للرسل، وتخويفًا لمخالفيهم، كما قال : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٠، ٥١]، وقال : ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، فالآيات التي يرسلها الله هي تأييد للرسل وتخويف لمخالفيهم، ولكن كما تقدم أن هؤلاء المخالفين - نسأل الله العافية - لا ينتفعون بالآيات فلا يؤمنون بها.
الفائدة الثامنة: أن الكفار يجادلون المسلمين ويجادلون
стр. 134
النبي ﵊، ويجادلون من اتبع النبي ﷺ ، لكن بالباطل ليدحضوا به الحق، ولكن ليبشر صاحبُ الحق الذي هو أهله أن النصر له، لقول الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨] لكن هذا يحتاج إلى أمرين، إلى نية صادقة، وإلى علم يدفع به شبهة المحتج، ولا يجوز للإنسان أن يدخل مع صاحب باطل يجادله وليس عنده علم؛ لأنه لو فعل لكانت الهزيمة على الحق، فلا تدخل مع شخص في مجادلة إلا وأنت تعرف كيف تصيبه مع إحسان النية، أما أن تدخل في مجادلة مع شخص ذي بيان فصيح وشُبَهٍ قوية فلا تفعل؛ لأنك إن فعلت هزمت وصارت هزيمتك هزيمة للحق الذي تجادل عنه.
الفائدتان التاسعة والعاشرة: أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق الجدل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾، فتعلَّم يا أخي طرق الجدل، من أجل أن تجادل بها لنصرة الحق.
وربما يقال: يتفرع على هذا أن ما بثه بعض الناس من قولهم: إنه لا حاجة إلى أن نراجع جدل المتكلمين من الأشعرية والمعتزلة وأشباههم؛ لأن زمنهم انقضى، فإن هذا توهم واضح.
أولًا: أن هؤلاء لم ينتهِ زمنهم، فما زالوا موجودين (معتزلة، وجهمية، وأشعرية، وخوارج، وشيعة).
ثانيًا: أن طرق الجدل مع هؤلاء تفيد الإنسان في مجادلة آخرين؛ لأنها تفتح للإنسان أبواب الجدل، ويعرف كيف يقضي على صاحبه بما يجادل به، ثم إننا بالنسبة لبلادنا هنا في المملكة العربية السعودية كنا لا نعرف عن هذه الطوائف شيئًا كثيرًا، لكن
стр. 135
بما أننا اندمجنا مع الناس فذهبنا إليهم، وأتوا إلينا، وجد شيء من البدع وأقوال الفرق، وإلا كان الناس لا يعرفون شيئًا من هذا إلا من طالع الكتب، لذلك نقول: إن مطالعة الجدل مع المتكلمين فيه فائدة بلا شك، ولكن انتبه أن تطالع وأنت ضعيف في العلم؛ لأنك لو فعلت لضللت، لا بد أن يكون عندك حماية تحمي بها نفسك.
لو قال قائل: ما هي الكتب التي ينصح بها لمطالعة كلام المتكلمين والتي فيها ردود عليهم؟
فالجواب: أنا ما رأيت أحسن من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، لكن كلام ابن القيم ﵀ أسهل وأقرب إلى الفهم، ولذلك تعتبر كتب ابن القيم ﵀ سُلَّمًا لكتب شيخ الإسلام، وأما بقية المتكلمين فأكثر ما يكون الجدل بين الأشاعرة والمعتزلة، وهذا لا يكفي فإذا أردت العقيدة السليمة فعليك بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم - رحمهما الله تعالى - هذا أحسن ما رأيت.
لو قال قائل: حديث النبي ﷺ : "أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقًا" (١) هل هو على إطلاقه حتى مع أهل البدع؟
فالجواب: ليس على إطلاقه، بل المراد المراء في غير الحق، أما المراء الذي يراد به إحقاق الحق وإبطال الباطل، فهو واجب، لكن مثلًا تَمَارَيْنا في شيء من أمور الدنيا، وأنا أعرف أن الصواب معي لكن لما رأيت صاحبي يريد أن يجادل تركته.
стр. 136
الفائدة الحادية عشرة: أن المجادل بالباطل يلجأ إلى المكابرة، أو إلى التهديد إذا كان له سلطة، المكابرة كما في هذه الآية ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هذه مكابرة؛ لأن دعواهم ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ مكابرة بلا شك، وكل أحد يعرف أن القرآن الكريم ليس قول البشر، فضلًا أن يكون أساطير الأولين، ولكن هذه نهاية المجادلة والمكابرة؛ مثل ما يوجد الآن بين أهل البدع وأهل السُّنَّة تجد الواحد منهم يقول: نحن ما ثبت عندنا هذا الحديث حتى لو كان في البخاري ومسلم، أو يقول فيما يحتج به لبدعته: هذا عندنا ثابت بنقل الرواة العدول، وهذا أكثر ما يكون في الرافضة، ولهذا يقال: إن بعضهم زاد في القرآن نحو الثلث وحذف من القرآن الكريم، وهذه مكابرة، الإشكال أن المكابر لا تستطيع أن تقنعه أبدًا، لكن قد يهديه الله ، إذًا هؤلاء المجادلون المكابرون يقولون: إن هذا إلا أساطير الأولين وليس وحيًا.
أما اللجوء إلى القوة فانظر إلى مجادلة فرعون وموسى حيث قال له فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] فلجأ إلى القوة والإرهاب، وتأمل قوله: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، ولم يقل: لأسجننك، إشارة إلى أنه يريد أن يظهر بمظهر القوي الذي يسجن الناس وعنده مساجين، فيهدد موسى بأنه سيكون منهم.
الفائدة الثانية عشرة: أن من جادل بالباطل لإدحاض الحق فهو كافر؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فأظهر في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: (حتى إذا جاؤوك يجادلونك يقولون إن هذا إلا أساطير الأولين).
стр. 137
والإظهار في موضع الإضمار من فوائده أن هذا المُظهَر إذا كان معنى من المعاني فإنه يكون شاملًا محيطًا بكل ما ينطبق عليه، فمن جادل بالباطل لإدحاض الحق فهو كافر، ثم إما أن يكون كافرًا كفرًا أصغر، أو كفرًا أكبر.
* * *
* قال الله ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ [الأنعام: ٢٦].
قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (هم) الضمير يعود على الكفار، المجادلين.
قوله: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾، أي: عمَّا جئت به من الوحي.
قوله: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، أي: يبعدون، وقدم النهي على النأي مع أنه كان المتوقع أن يبدأ بالنأي الذي هو فعلهم بأنفسهم دون فعلهم بغيرهم، إشارة إلى شدة كراهتهم لما جاء به الرسول ﵊، حتى إنهم يبدؤون بنهي الناس قبل أن يبتعدوا عنه.
لو قال قائل: ذكر بعض المفسرين أن الآية نزلت في أبي طالب أن معنى (ينهون عنه)، أي: يدافع عنه، (وينئون عنه)، أي: أنه لا يؤمن؟
فالجواب: هذا غلط عظيم؛ لأن الآية في سياق الذم للنهي عنه والنئي عنه، ومعلوم أن الدفاع عن النبي ﷺ ليس ذمًا بل هو محمود، لكنه لما وَجَدَ الصورة تشبه حال أبي طالب ظنها كذلك وهذا من تحريف القرآن، فالذم منصب على الأمرين.
стр. 138
قوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (إن) هنا بمعنى (ما)، أي: ما يهلكون إلا أنفسهم وكما في آية أخرى ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣] فمجادلتهم ونهيهم الناس لا يضر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - شيئًا، وإنما هو هلاك أنفسهم.
فإن قيل: هل المراد هنا الهلاك الحسي أو المعنوي؟
فالجواب: المراد الهلاك المعنوي؛ لأن هذا الكافر المجادل لا يموت بجداله، بل يبقى، لكنه حقيقة من الناحية المعنوية قد هلك.
قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: ما يشعر هؤلاء أنهم بهذا النهي عما جاء به الرسول ﷺ ، والبعد عنه لا يشعرون أنهم بذلك أهلكوا أنفسهم، ولذلك تجدهم يفتخرون بما هم عليه من الكفر، حتى إن أبا سفيان قال في يوم أحد: (اعل هبل، اعل هبل)، يفتخر بالصنم الذي يعبده، ويقول: إنه علا على محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فقال لهم النبي ﷺ : "أجيبوه"، قالوا بماذا نجيبه؟ قال: "قولوا الله أعلى وأجل" (١)، فالشاهد أن هؤلاء الكفار المجادلين لا يشعرون أنهم على ضلال - نسأل الله العافية - وهذا غاية ما يكون من الابتلاء، أن يرى الإنسان أنه على حق مع أنه على باطل، وكان من دعاء النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل" (٢).
стр. 139
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن أعداء الإسلام ينهون عن الإسلام، ونهيهم عنه يستلزم أن يسلكوا كل طريق يبعد الناس عنه؛ لأن نهيهم عنه نهي حقيقي عن قلب، وهذا يستلزم أن يسلكوا كل طريق يبعد الناس عن شريعة الله، والأساليب في هذا مختلفة وكثيرة، فقد تكون بإيراد الشكوك، أو بالأفكار الفاسدة، أو بالأخلاق الفاسدة، أو بالتحريش بين الناس، أو ما أشبه ذلك.
الفائدة الثانية: أن هؤلاء جمعوا بين الضلال والإضلال، الإضلال في قوله: ﴿يَنْهَوْنَ﴾، والضلال في قوله: (ينأون) وهذا أشد من العدوان والظلم.
الفائدة الثالثة: أن كل من حاول إبطال الحق وإبعاد الناس عنه فإنما جَنى على نفسه، لقوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ حتى لو برقت له الدنيا، وظهر له النصر الظاهري، فإنه في الحقيقة هالك، ومن ذلك ما تقدم من قول أبي سفيان في غزوة أحد: (اعل هبل)، وقال: (لنا العزى ولا عزى لكم)، فافتخر، وشمخ بأنفه، ولكن هذا الأمر لن يبقى، وستكون العاقبة عليه، هذا هو المتعين سواء في الدنيا، أو في الآخرة.
الفائدة الرابعة: التحذير من سلوك الإنسان سبل الهلاك وهو لا يشعر، وقد بَيَّن الله تعالى ذلك في قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨] فاحذر.
ولكن إذا قال قائل: ما الذي يدل الإنسان على كونه على صواب أم لا؟
стр. 140
الجواب: أن يرجع إلى الكتاب والسُّنَّة وإلى هدي السلف الصالح ومنهجهم، فيعرف أنه على صواب أو على خطأ.
* * *
* قال الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ [الأنعام: ٢٧].
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾: (لو) شرطية، وهي حرف امتناع لامتناع والجواب محذوف، تقديره: لو ترى إذ وقفوا على النار لرأيت أمرًا فظيعًا عظيمًا جسيمًا، وإذا قلت: (لو جاء زيد لجاء عمرو) وفي مقابلها أداة الشرط (لما) كذلك إذا قلت: (لما جاء زيد جاء عمرو) فهي حرف وجود لوجود، وإذا قلت: (لولا زيد لجاء عمرو) (لولا) حرف امتناع لوجود، إذًا تقاسمت هذه الثلاث الوجود والعدم.
وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ الخطاب للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أو لكل من يتأتى خطابه، أي: لو ترى أيها الرائي ﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ وقفوا عليها، أي: أوقفتهم الملائكة؛ لأنهم هم أنفسهم لا يريدون النار، لكن يوقفون عليها اضطرارًا كما قال : ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾ [الطور: ١٣]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك: ٨].
قوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١].
قوله: ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ قالوا بألسنتهم أو بقلوبهم؟ الأصل أن القول باللسان بصوت وحرف.
стр. 141
وقولهم: ﴿يَالَيْتَنَا﴾ (يا) للتنبيه، وليست حرف نداء، وإنما قلنا ذلك؛ لأن (ليت) حرف لا يصح أن ينادى، هذا هو الأسهل والأقرب، وقيل: إن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف، ويقدر بحسب ما يقتضيه السياق، فهنا يقدر بقول: (يا ربنا ليتنا نرد)، لكن ما قلناه أولًا أصح؛ لأنه أيسر، ولا يحتاج إلى تقدير، وإذا دار الكلام بين أن يكون فيه شيء مقدر أو لا، فإننا نأخذ بعدم التقدير؛ لأنه الأصل.
وقوله: (ليت) للتمني، والتمني يكون في المحال وفي الصعب، أما في المحال كقول الشاعر:
ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يومًا ... فأخبرهُ بما فعلَ المشيبُ (١)
أما في العسير فكقوله:
قالت: ألا لَيْتَمَا هذا الحمامَ لنا ... إلى حَمَامَتِنا أو نِصْفَهُ فقدِ (٢)
وكقول الفقير: ليت لى مالًا فأتصدق منه، فهذا ليس بمحال لكنه عسير، وهنا قوله: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ تمني محال أو تمني عسير؟ تمني محال؛ لأنه لا يمكن أن يردوا إلى الدنيا، مع أنهم لو ردوا لكان الأمر خلاف ما قالوه: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ وهذه داخلة في ضمن التمنى، ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كذلك فتمنوا ثلاثة أشياء:
الأول: الرد إلى الدنيا.
الثاني: ألا يكذبوا بآيات الله.
стр. 142
الثالث: أن يكونوا من المؤمنين.
ولهذا جاءت (لا نكذبَ) بالنصب؛ لأن الواو هنا واو المعية، فالثاني مع الأول، وكذلك (نكون) جاءت بالنصب؛ لأن الواو واو المعية. فهم تمنوا هذا كله، ولكنهم كاذبون فيما قالوا، ولذلك قال الله : ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
وفي قوله: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ قراءتان قراءة بالرفع وقراءة بالنصب، فعلى قراءة النصب تكون الواو واو المعية، يعني: أنهم تمنوا أن يردوا ولا يكذبوا بآيات الله، وعلى قراءة الرفع تكون داخلة في قوله: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾، أي: مقول القول، والمعنى يقولون: ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾، فتكون الواو عاطفة على الجملة السابقة ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ وَلَا نُكَذِّبُ ﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ والأول أبلغ، أي: قراءة النصب ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفًا عليها.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: شدة ندم الكافرين إذا وقفوا على نار جهنم، لكونهم يتمنون أمرًا لا يمكن أن يكون.
الفائدة الثانية: إثبات النار، وهي الدار التي أعدها الله للكافرين، وقد جاء في الكتاب والسُّنَّة من أصناف العذاب، فيها ما هو معلوم لكثير من الناس.
الفائدة الثالثة: إثبات القول للناس بعد البعث، وأن الإنسان بعد البعث يقول ويفعل، كما يقول في الدنيا ويفعل.
الفائدة الرابعة: إقرار هؤلاء بآيات الله لقولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾.
стр. 143
الفائدة الخامسة: إقرارهم بأنهم ليسوا مؤمنين؛ لأنهم تمنوا أن يكونوا مؤمنين، ولكنَّ هذا لا ينفع إذ قد انتهى كل شيء.
الفائدة السادسة: جواز حذف المعلوم، والمعنى جوازه لغةً، وفي هذا يقول ابن مالك ﵀:
وحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زيدٌ بعد مَنْ عِنْدَكُمَا (١)
فحذف ما يعلم جائز سواء كان المبتدأ، أو الخبر، أو الفعل، أو الفاعل، أو في كل كلام، فما هو المقدر في هذه الآية؟ المقدر: لرأيت أمرًا عظيمًا.
* * *
* قال الله : ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٨].
قوله: ﴿بَلْ﴾ إضراب لإبطال ما سبق من قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: بل لن يؤمنوا ولو ردوا.
قوله: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾، أي: ظهر ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، فما الذي كانوا يخفونه من قبل، هل هو تصديق الرسل بما جاءوا به، ولكن جحدوا والجحد إخفاء ما كان معلومًا؟ أو ما كانوا يخفون من قبل من الكفر الذي كانوا يكتمونه، حيث إنهم كانوا يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر؟
فعلى الأول يكون السياق في الكافرين، وعلى الثاني يكون السياق في المنافقين.
стр. 144
فإن قيل: هل يمكن أن نقول: إن الآية شاملة للمعنيين؟
فالجواب: نعم؛ لأنه لا منافاة.
لكن يشكل على كونها في المنافقين أن السورة مكية؛ لأن سورة الأنعام مكية نزلت في مكة جملة واحدة، فكيف يكون فيها إشارة للمنافقين؟
والجواب عن هذا الإشكال: أن لا إشكال؛ لأن الله أخبر عما يكون يوم القيامة، ويوم القيامة يكون قد حصل النفاق، وأيضًا يذكر الله المنافقين في السور المكية تحسبًا لما يقع واستعدادًا لهم، قال الله في سورة العنكبوت: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾، وهي مكية وعليه فلا إشكال، وتكون الآية شاملة للمعنيين، والقرآن الكريم عظيم تأتي فيه الآيات والجمل والكلمات تحتمل معانيَ متعددة، ولكن القرآن لعظمته يتسع لكل هذه المعاني، ما لم يكن بعضها منافيًا لبعض، فإن كان بعضها منافيًا لبعض طلب الترجيح.
قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾، يعني: إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ إذًا فليس قولهم حقيقة بل هو كذب، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فيكون المعنى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، أي: من تكذيب الرسل ومن النفاق وإنهم لكاذبون في قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الحقائق تظهر يوم القيامة وتبين، واقرأ قول الله في سورة يس حيث قال الله في
стр. 145
آخر السورة عند ذكر نفخ الصور: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فيقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]، أو يقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، فيتبين الأمر جليًا في ذلك الوقت، ولكنه لا ينفع من لم يؤمن به في حياته.
الفائدة الثانية: تعلق علم الله بالمستحيل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
فإذا قال قائل: هذا ليس بمستحيل؛ لأن الله قادر أن يعيدهم إلى الدنيا؟
فيقال: إنه مستحيل حسب وعد الله ، فإن الله قد قضى أن الناس لا يرجعون إلى الدنيا، ولهذا إذا تمنى الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أن يرجعوا إلى الدنيا فيقتلوا مرة ثانية، كما فعل عبد الله بن حرام، حين قال له الله : "تمنّ، قال: أتمنى أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى، قال: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون" (١) وهذا قضاء كوني قدري.
فإن قيل: هل هو مستحيلٌ حسب قدرة الله، أو حسب وعد الله؟
فالجواب: حسب وعد الله، كالظلم بالنسبة لله مستحيل حسب وعد الله ، لكنه قادر على أن يظلم، فهناك شيء مستحيل لذاته، وشيء مستحيل لغيره، إذًا قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ فيه دليل على تعلق علم الله تعالى بالمستحيل .