وقولهم: ﴿يَالَيْتَنَا﴾ (يا) للتنبيه، وليست حرف نداء، وإنما قلنا ذلك؛ لأن (ليت) حرف لا يصح أن ينادى، هذا هو الأسهل والأقرب، وقيل: إن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف، ويقدر بحسب ما يقتضيه السياق، فهنا يقدر بقول: (يا ربنا ليتنا نرد)، لكن ما قلناه أولًا أصح؛ لأنه أيسر، ولا يحتاج إلى تقدير، وإذا دار الكلام بين أن يكون فيه شيء مقدر أو لا، فإننا نأخذ بعدم التقدير؛ لأنه الأصل.
وقوله: (ليت) للتمني، والتمني يكون في المحال وفي الصعب، أما في المحال كقول الشاعر:
ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يومًا ... فأخبرهُ بما فعلَ المشيبُ (١)
أما في العسير فكقوله:
قالت: ألا لَيْتَمَا هذا الحمامَ لنا ... إلى حَمَامَتِنا أو نِصْفَهُ فقدِ (٢)
وكقول الفقير: ليت لى مالًا فأتصدق منه، فهذا ليس بمحال لكنه عسير، وهنا قوله: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ تمني محال أو تمني عسير؟ تمني محال؛ لأنه لا يمكن أن يردوا إلى الدنيا، مع أنهم لو ردوا لكان الأمر خلاف ما قالوه: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ وهذه داخلة في ضمن التمنى، ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كذلك فتمنوا ثلاثة أشياء:
الأول: الرد إلى الدنيا.
الثاني: ألا يكذبوا بآيات الله.
стр. 142
الثالث: أن يكونوا من المؤمنين.
ولهذا جاءت (لا نكذبَ) بالنصب؛ لأن الواو هنا واو المعية، فالثاني مع الأول، وكذلك (نكون) جاءت بالنصب؛ لأن الواو واو المعية. فهم تمنوا هذا كله، ولكنهم كاذبون فيما قالوا، ولذلك قال الله : ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
وفي قوله: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ قراءتان قراءة بالرفع وقراءة بالنصب، فعلى قراءة النصب تكون الواو واو المعية، يعني: أنهم تمنوا أن يردوا ولا يكذبوا بآيات الله، وعلى قراءة الرفع تكون داخلة في قوله: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾، أي: مقول القول، والمعنى يقولون: ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾، فتكون الواو عاطفة على الجملة السابقة ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ وَلَا نُكَذِّبُ ﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ والأول أبلغ، أي: قراءة النصب ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفًا عليها.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: شدة ندم الكافرين إذا وقفوا على نار جهنم، لكونهم يتمنون أمرًا لا يمكن أن يكون.
الفائدة الثانية: إثبات النار، وهي الدار التي أعدها الله للكافرين، وقد جاء في الكتاب والسُّنَّة من أصناف العذاب، فيها ما هو معلوم لكثير من الناس.
الفائدة الثالثة: إثبات القول للناس بعد البعث، وأن الإنسان بعد البعث يقول ويفعل، كما يقول في الدنيا ويفعل.
الفائدة الرابعة: إقرار هؤلاء بآيات الله لقولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾.
стр. 143
الفائدة الخامسة: إقرارهم بأنهم ليسوا مؤمنين؛ لأنهم تمنوا أن يكونوا مؤمنين، ولكنَّ هذا لا ينفع إذ قد انتهى كل شيء.
الفائدة السادسة: جواز حذف المعلوم، والمعنى جوازه لغةً، وفي هذا يقول ابن مالك ﵀:
وحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ... تَقُولُ زيدٌ بعد مَنْ عِنْدَكُمَا (١)
فحذف ما يعلم جائز سواء كان المبتدأ، أو الخبر، أو الفعل، أو الفاعل، أو في كل كلام، فما هو المقدر في هذه الآية؟ المقدر: لرأيت أمرًا عظيمًا.
* * *
* قال الله : ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ [الأنعام: ٢٨].
قوله: ﴿بَلْ﴾ إضراب لإبطال ما سبق من قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: بل لن يؤمنوا ولو ردوا.
قوله: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾، أي: ظهر ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، فما الذي كانوا يخفونه من قبل، هل هو تصديق الرسل بما جاءوا به، ولكن جحدوا والجحد إخفاء ما كان معلومًا؟ أو ما كانوا يخفون من قبل من الكفر الذي كانوا يكتمونه، حيث إنهم كانوا يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر؟
فعلى الأول يكون السياق في الكافرين، وعلى الثاني يكون السياق في المنافقين.
стр. 144
فإن قيل: هل يمكن أن نقول: إن الآية شاملة للمعنيين؟
فالجواب: نعم؛ لأنه لا منافاة.
لكن يشكل على كونها في المنافقين أن السورة مكية؛ لأن سورة الأنعام مكية نزلت في مكة جملة واحدة، فكيف يكون فيها إشارة للمنافقين؟
والجواب عن هذا الإشكال: أن لا إشكال؛ لأن الله أخبر عما يكون يوم القيامة، ويوم القيامة يكون قد حصل النفاق، وأيضًا يذكر الله المنافقين في السور المكية تحسبًا لما يقع واستعدادًا لهم، قال الله في سورة العنكبوت: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾، وهي مكية وعليه فلا إشكال، وتكون الآية شاملة للمعنيين، والقرآن الكريم عظيم تأتي فيه الآيات والجمل والكلمات تحتمل معانيَ متعددة، ولكن القرآن لعظمته يتسع لكل هذه المعاني، ما لم يكن بعضها منافيًا لبعض، فإن كان بعضها منافيًا لبعض طلب الترجيح.
قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾، يعني: إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ إذًا فليس قولهم حقيقة بل هو كذب، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فيكون المعنى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، أي: من تكذيب الرسل ومن النفاق وإنهم لكاذبون في قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الحقائق تظهر يوم القيامة وتبين، واقرأ قول الله في سورة يس حيث قال الله في
стр. 145
آخر السورة عند ذكر نفخ الصور: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فيقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]، أو يقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، فيتبين الأمر جليًا في ذلك الوقت، ولكنه لا ينفع من لم يؤمن به في حياته.
الفائدة الثانية: تعلق علم الله بالمستحيل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
فإذا قال قائل: هذا ليس بمستحيل؛ لأن الله قادر أن يعيدهم إلى الدنيا؟
فيقال: إنه مستحيل حسب وعد الله ، فإن الله قد قضى أن الناس لا يرجعون إلى الدنيا، ولهذا إذا تمنى الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أن يرجعوا إلى الدنيا فيقتلوا مرة ثانية، كما فعل عبد الله بن حرام، حين قال له الله : "تمنّ، قال: أتمنى أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى، قال: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون" (١) وهذا قضاء كوني قدري.
فإن قيل: هل هو مستحيلٌ حسب قدرة الله، أو حسب وعد الله؟
فالجواب: حسب وعد الله، كالظلم بالنسبة لله مستحيل حسب وعد الله ، لكنه قادر على أن يظلم، فهناك شيء مستحيل لذاته، وشيء مستحيل لغيره، إذًا قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ فيه دليل على تعلق علم الله تعالى بالمستحيل .
стр. 146
فإذا قال إنسان: و هل يمكن أن يستحيل الشيء لذاته ويعلمه الله ؟
فالجواب: نعم، اقرأ قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهذا مستحيل عقلًا، ولا يمكن، ومع ذلك عَلِم الله أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة سوى الله لفسدتا، إذًا عِلْم الله تعالى متعلق بالمستحيل، ومتعلق بالممكن مثل قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومتعلق بالواجب مثل عِلم الله ﵎ بما له من الصفات الكاملة، ولهذا نقول: أوسع الصفات في صفات الله هي العلم.
الفائدة الثالثة: أن الكافرين لا يستنزهون من الكذب حتى في الآخرة، وكذلك المنافقون؛ لأن الله تعالى كذبهم وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
الفائدة الرابعة: تأكيد الشيء إذا دعت الحاجة إليه، إما لأهميته، وإما لكون المخاطب مترددًا فيه، أو لغير ذلك من الأسباب، فالمهم أن من الفصاحة والبلاغة أن يؤكد الخبر إذا دعت الحاجة، والتأكيد في الآية هو قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فهو مؤكد بـ (إنَّ) و (اللام).
* * *
* قال الله : ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ [الأنعام: ٢٩].
قوله: ﴿وَقَالُوا﴾، أي: المنكرون للبعث ﴿إِنْ هِيَ﴾، أي: ما هي. ﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾، يعني: لا توجد حياة أخرى هناك إلا الحياة الدنيا.
стр. 147
ثم أكدوا هذه الجملة بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، وهذا إنكار صريح للبعث، مع أن البعث قد دل عليه الكتاب والسُّنَّة والعقل والإجماع، وسيأتي في الفوائد - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: ﴿حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ هل هي من الدنو رتبة ومنزلة، أو من الدنو وقتًا وزمنًا، أو منهما جميعًا؟
الجواب: هي منهما جميعًا، فهي بالنسبة للآخرة قبل الآخرة فتكون دنيا، وهي بالنسبة للمرتبة أيضًا دنيا، أي: دون الآخرة، كما قال الله : ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٧]، ولهذا لا تجد في الدنيا سرورًا دائمًا أبدًا، يعني سرورًا للبدن وسرورًا للقلب، أي: نعيمًا للبدن والقلب لا يمكن دائمًا، فإما نعيم في البدن، وهو الرفاهية التي يدعو إليها الناس؛ فكثير من الناس الآن يدعون إلى الرفاهية، وأهم شيء عندهم الترفيه والرفاهية وهو نعيم البدن، لكنه يُوَلّدُ في القلب حسرة عظيمة وضيق صدر، وإما نعيم في القلب، وهذا للمؤمنين كما قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، ولكن مع ذلك لا بد للإنسان من وجود ما يُسَرُّ به وما يُساء به، فلا يمكن أن تجد في الدنيا شيئًا كاملًا من كل وجه، ولهذا انطبق الوصف تمامًا عليها، نسأل الله أن يرزقنا الزهادة فيها والرغبة في الآخرة.
قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، أي: بمخرجين من القبور، وليس عندهم دليل على هذا الإنكار إلا مجرد الأهواء والمكابرة، وإلا فما المانع، وقد أقام الله الدلائل العقلية والحسية والشرعية على وجوب البعث، أو على إمكانه، وأنه ليس بممتنع، لكن هم
стр. 148
- والعياذ بالله - أنكروا هذا، ومن أجل إنكارهم له لم يعملوا للآخرة، وكان عملهم كله للدنيا، نسأل الله السلامة.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: أن الكافرين ينكرون البعث؛ لأن قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ معطوفة على ما سبق، وقد صرج الله بهذا في قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].
الفائدة الثانية: الإشارة إلى دنو الحياة الدنيا، وأنها ليست بتلك الحياة التي ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها، وينسى الآخرة لقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾، وقد جاء في الحديث "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء" (١)، وفي هذا يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى (٢) -:
لو سَاوَتِ الدُّنيَا جناحَ بعوضَةٍ ... لَمْ يَسْقِ منها الرَّبُّ ذا الكُفْرَانِ
لَكِنَّهَا واللهِ أَحْقَرُ عِنْدَهُ ... مِنْ ذَا الجَنَاحِ القَاصِرِ الطَّيَرَانِ
الفائدة الثالثة: أن إنكار هؤلاء للبعث إنكار مكابرة، وجه ذلك أنه لو صَدَق ما قالوه لأصبح خلق الخلق عبثًا لا فائدة منه، أمم تحيا وتموت وتتقاتل وتتناحر، ثم لا يكون بعث يجازى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
стр. 149
* قال الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ [الأنعام: ٣٠]
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ هذا موقف آخر، والخطاب في قوله: ﴿تَرَى﴾ إما للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أو لكل من يتوجه إليه الخطاب.
وقوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾، أي: حين وقفوا على ربهم.
قد يقول قائل: كيف عبر عن المستقبل بالماضي فقال: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾، ولم يقل: إذ يقفون؟.
فيقال: الشيء المحقق يعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فيكون هذا تصويرًا للحال المستقبلة؛ كأنها شيء حاضر ماضٍ.
قوله: ﴿رَبِّهِمْ﴾، وهو الله ، وإنما أضاف ربوبيته إليهم مع أنهم من أراذل عباد الله إشارة إلى أنه هو الخالق المالك المدبر لهم، فكان عليهم أن يقوموا بعبادته، فتكون إضافة الربوبية إليهم للإشارة إلى أن السلطان له عليهم ، ومع ذلك لم يؤمنوا به ولا برسله، ولا عملوا لهذا اليوم.
قوله: ﴿قَالَ﴾ جملة استئنافية لبيان ما حصل عند الوقوف، ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقّ﴾، أي: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه، والمُشار إليه هو البعث الذي كانوا ينكرونه، وفي هذه الجملة حرف جر زائد وهو (الباء) في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، ويقول أهل العلم بالبلاغة في زيادة الحروف: إنها تدل على التوكيد، فعلى هذا تكون هذه الجملة مؤكدة بالباء الزائدة إعرابًا.
стр. 150
قوله: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾، فأجابوا بالجواب مع الإقسام، وكانوا قبل ذلك يقولون: لا نبعث، وهنا أقسموا على أن هذا البعث حق، ولكن لو سألنا سائل هل ينفعهم هذا الإقسام؟
فالجواب: لا ينفعهم؛ لأن الدار الآخرة دار جزاء وليست دار عمل.
وقوله: ﴿وَرَبِّنَا﴾ الواو هذه حرف قسم، والقسم كما سبق هو تأكيد الشيء بذكر معظم بأداة مخصوصة، وهي الواو، والباء، والتاء.
قوله: ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، يعني: قال الله لما أقروا بأن هذا هو الحق، وتبين أن إنكارهم الأول كان كفرًا بإقرارهم.
قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ والأمر هنا للإهانة، وليس للتكريم؛ لأنه لا أحد يُكرم بالعذاب، وأطلق الذوق على العذاب لتحقق وقوعه، فإن ذوق الإنسان للشيء يعني أنه تيقنه تمامًا، فلو قلت لك مثلًا: في جيبي لك تفاحة، تُصَدِّق، فإذا رأيتها ازداد يقينك، فإذا أكلتها ازداد أكثر، ويسمى الأول علم اليقين، والثاني عين اليقين، والثالث حق اليقين.
قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (الباء) للسببية و (ما) مصدرية، وعليه فيقدر ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير بكونكم تكفرون، أي: تكفرون باليوم الآخر، وبمن أخبركم عن اليوم الآخر، وهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وبمن أرسلهم، لكن أين جواب (لو) في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾؟
الجواب محذوف، تقديره: (لرأيت أمرًا عظيمًا) وحذفه جائز، ولكن هل حذفه جائز مستوي الطرفين أو حذفه أبلغ؟
стр. 151
الجواب: من أجل أن يذهب الذهن كلَّ مذهب؛ لأنه لو ذكر الجواب تحدد بما ذكر، لكن إذا حذف صار الإنسان يتصور هذا الشيء المحذوف شيئًا عظيمًا أكثر مما يوصف، فيكون حذفُ مثلِ هذا الشيء من باب البلاغة؛ لأنه مطابق لمقتضى الحال.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: إثبات ربوبية الله لهؤلاء الكفار؛ لقوله: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾.
الفائدة الثانية: أن لله ملائكة يأتون بالناس إليه ، بدليل قوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾، ولم يقل (إذ وَقَفُوْا) فهم يؤتى بهم ويقفون.
الفائدة الثالثة: إثبات القول لله لقوله: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾.
الفائدة الرابعة: أن قول الله بالحرف وبالصوت؛ الحرف في قوله: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ هذه حروف، وبالصوت؛ لأنهم سمعوا وأجابوا: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾
الفائدة الخامسة: أن هذا القَسَم منهم يشعر بشدة الندم على إنكارهم الأول، فكأنهم كذبوا أنفسهم تكذيبًا مقرونًا بالقسم، ولا يخفى أن مثل هذا لا يخرج إلا من قلب متحسر، ولكن فات الأوان.
الفائدة السادسة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، وإثبات الأسباب هو المطابق للواقع، واعلم أن الناس من أمة محمد ﵊ في إثبات الأسباب انقسموا ثلاثة أقسام:
стр. 152
الأول: من أنكر الأسباب نهائيًا، وقال: إن الأشياء تأتي بمجرد الصدفة، وبمجرد أن الله خلقها.
الثاني: من أثبت الأسباب على أنها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء هم الماديون، الذين يعتقدون أن الكون يتفاعل بنفسه، وإن انتسبوا للأمة، مثل بعض الفلاسفة أو المتفلسفة.
الثالث: من أثبت الأسباب لكنها تؤثر بما أودع الله فيها من القوة لا بنفسها، وهذا القول هو الوسط المتعين، ولذلك نجد أن الأشياء تتغير مسبباتها بتقدير الله ، فالنار التي أوقدت لإبراهيم كانت بردًا وسلامًا، مع أننا لو رجعنا إلى السبب نفسه لكانت محرقة، لكن هي لا تكون محرقة إلا بإرادة الله ، ونجد أن الله ﵎ يحدث أشياء لا نعلم أسبابها، مما يدل على أن السبب ليس هو الفاعل، ولكن الفاعل هو الله ، ولكنه لحكمته جعل لكل شيء سببًا.
الفائدة السابعة: حذف ما كان معلومًا؛ كما سبق في الآيات السابقة.
* قال الله : ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾ [الأنعام: ٣١].
قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ هذه الجملة مؤكَّدة بمؤكد واحد وهو (قد)، والحروف المؤكِّدة كثيرة، منها ما يسبق، ومنها ما يتأخر، فـ (اللام) في قولك: إن زيدًا لقائم، هذه مؤكدة
стр. 153
لكنها متأخرة، وقد ذكرها علماء أهل البلاغة حينما تكلموا على الخبر وأقسامه، وأنه ابتدائي وطلبي وإنكاري، وتكلموا على حروف التوكيد، فمن أراد استيعابها فليرجع إليها.
قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أطلق الله الخسارة، ولم يقل (خسروا أنفسهم)، ولا أهليهم، ولا شيء، فيكون ذلك خسرانًا مطلقًا، وصدق الله ، فما أخسر الذين كذبوا بلقاء الله! لأن هؤلاء لن يعملوا للقاء الله، فيكون وجودهم في الدنيا خسرانًا لا فائدة منه، بل فيه مضرة؛ لأن وجود الإنسان في الدنيا مع كفره بالله شرٌّ من كونه لم يوجد أصلًا، وشرٌّ من وجود البهائم؛ لأن البهائم توجد في الدنيا ثم تفنى، ثم تبعث يوم القيامة ولا حساب عليها، وهذا عليه حساب، ولهذا تمنى بعض الصحابة ﵃، ومنهم عمر بن الخطاب أنه شجرة تعضد، أي: تقطع، وقال: "وددت أن أخرج منها - أي: من الدنيا - كفافًا لا عليَّ ولا لي " (١)، هذا وهو عمر ﵁، فما بالك بمن دونه؟ فكل من لم يعمر أوقاته بطاعة الله ونعوذ بالله أن يجعلنا منهم - فإنه خاسر، فاته الربح.
وقوله: ﴿كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾، أي: باللقاء معه، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ [الانشقاق: ٦] لا بد أن هذا الذي أمرك، ونهاك
стр. 154
وأرسل إليك الرسل وأعطاك العقل، لا بد أن تلاقيه، فيحاسبك، والمراد أنهم كذبوا بالبعث الذي يكون فيه لقاء الله.
قوله: ﴿حَتَّى﴾ ابتدائية، تفيد فصل ما بعدها عما قبلها. ﴿إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ هي ساعة القيامة، وقد يراد بالساعة ساعة فراقهم للدنيا؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء.
وقوله: ﴿بَغْتَةً﴾، أي: من غير احتساب لها، والساعة الكبرى تكون بغتة، تأتي الناس والإنسان قد جهز حوض إبله ليسقيها فلا يتمكن (١)، وقد رفع اللقمة إلى فمه فلا يتمكن، والرجلان قد نشرا الثوب بينهما ليبيعه أحدهما على الآخر، فلا يتمكن من إتمام العقد (٢).
قوله: ﴿قَالُوا﴾ جواب (إذا).
﴿يَاحَسْرَتَنَا﴾ (يا) ليست للنداء؛ لأن الحسرة لا تُنادى، والحسرة هي الندم والتحسر على الشيء الذي فات، وعليه تكون
стр. 155
(يا) للتنبيه، كأنهم قالوا: ما أعظم حسرتنا، وقيل: إن (يا) للنداء، وأن الحسرة تُخِيَّل كأنها شيء عاقل يتوجه إليه النداء، وعلى هذا القول يكون المعنى يا حسرتنا احضري، فهذا أوانك، والمعنى لا يختلف بين هذا وهذا، غاية ما هنالك التقدير، وعدم التقدير.
قوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ التفريط: هو التقصير، و (فيها) الضمير يعود على الساعة، أي: فرطنا في الاستعداد لها؛ لأنهم أضاعوا أعمارهم بما لا فائدة فيه بل بما فيه مضرة أحيانًا.
قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾، يعني: يوم القيامة يحملون أوزارهم على ظهورهم، أي: جزاء أعمالهم على ظهورهم، والله تعالى يعبر دائمًا عن الجزاء بالعمل، لفائدتين:
الفائدة الأولى: أن يصلح الإنسان عمله.
والفائدة الثانية: أن يُعْلَمَ أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن الجزاء على العمل دائر بين أمرين لا ثالث لهما، الأول: الفضل، والثاني: العدل، ولا ظلم؛ فإن كان العمل حسناتٍ فبالفضل، وإن كان سيئاتٍ فبالعدل؛ وربما يكون بالفضل حيث يعفو الله عنهم .
وقوله: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾، أي: يحملون جزاء الأعمال على ظهورهم حملًا حقيقيًا، فالواجب أن نحمل الآيات على ظاهرها.
ولا يقول قائل: كيف يحمل الجزاء على الظهر؟، فيوم القيامة لا يُقاس بأيام الدنيا؛ لأن الحال تختلف اختلافًا عظيمًا، فمن الجائز الممكن أن الله تعالى يخلق هذه الجزاءات حتى تكون
стр. 156
أجسامًا تحمل على الظهور، وما المانع؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، ولا يجوز أبدًا أن نقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا؛ لأنك إذا قرأت القرآن، وعلمت ما جاء في السُّنَّة من أحوال يوم القيامة تجزم أنه ليس هناك اتفاق، ولا يمكن أن يقاس بعضها على بعض.
ولو قال قائل: قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] أليست هذه الآية صريحة في أن الذي يُحْمَل الخطايا والأوزار لا جزاء الأعمال؟
فالجواب: يوم القيامة ليس هناك أعمال، بل لا يكون إلا الجزاء فقط.
قوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (ساء) بمعنى بِئْسَ، و (ألا) أداة استفتاح وتنبيه، وربما نقول في هذا الموضع زيادة أخرى وهي التحذير من الأعمال السيئة.
وقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (ما) إن جعلتها اسمًا موصولًا احتجت إلى عائد، وإن جعلتها مصدرية لم تحتج إلى عائد، فما هو التقدير؛ إذا جعلناها اسمًا موصولا فالتقدير: ألا ساء ما يزرونه، وأما إذا جعلناها مصدرية فلا تحتاج إلى ضمير، ولكن تحتاج إلى سبك، أي: تحويل الفعل مصدرًا، وعليه يكون التقدير: (ألا ساء وزرهم)، ولكنَّ المعنى لا يختلف وهو أن الله تعالى ذم هذا الذي يحملونه على ظهورهم من الأوزار.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: بيان خسران الكافرين المكذبين بالبعث، وأنهم مهما ظنوا أنهم ربحوا فهم خاسرون، ولكن متى يعلمون
стр. 157
أنهم خاسرون؟ إذا جاء الأجل، أما الآن فهم في سكرة لا يدرون، ولهذا لو انتصروا اقتصاديًا، أو عسكريًا، أو فكريًا لظنوا أنهم رابحون، ولكنهم خاسرون.
الفائدة الثانية: وجوب الإيمان بلقاء الله، بدليل ثبوت الخسران لمن كذب به، ومعلوم أنه لا يحل للإنسان أن يوقع نفسه في الخسران.
لو قال قائل: هل من لقاء الله النظر إليه؟
قلنا: استدل بعض العلماء ﵏ على النظر إلى الله بهذه الآية، وبقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]، وقالوا: إن اللقاء لا يكون إلا مواجهة، وعلى هذا فيكون في الآية دليل على ثبوت رؤية الله ، وثبوت رؤية الله ثابت بالنص القرآني والنبوي، والإجماع من الصحابة ﵃ وأئمة الهدى من بعدهم، فمن أدلة إثبات النظر إلى الله في القرآن قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٣] فإن قال الخصم إنها على تقدير: إلى ثواب ربها ناظرة، أي: ما في الجنة من النعيم والحور العين، وكل شيء فيقال: لو أراد الله أن يبيِّن أنها تنظر إلى ثواب الله، لقال ذلك، فكون الله يريد ثواب الله ثم يأتي بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ هل هذا بيانٌ أو تعمية؟ هذا تعمية على الخلق والله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، ثم ما دليلك على أن تقحم هذه الكلمة في القرآن؟ أنت إذا أجزت هذا، أجزت لمن أراد أن يعبر عن القرآن بالمعنى أن يقول:
стр. 158
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢] إلى ثواب ربها ناظرة، وهذا التحريف ظاهر.
ومن السُّنَّة: قال النبي ﷺ : "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" (١)، وهذا التشبيه للتحقيق، يعني: كما أنكم في أماكنكم المتباعدة ترون القمر ليلة البدر بدون انضمام بعض إلى بعض، فإنكم سترون الله ، ولما سأل أبو رَزين العقيلي النبي ﷺ قال: يا رسول الله كيف يحاسبنا الله تعالى جميعًا في يوم واحد وهو واحد؟ قال: "ألا أدلك على شيء من آلاء الله؟ قال ما هو؟ قال: "القمر كلكم يراه في مكانه وهو واحد، وأنتم جماعة كثيرون" (٢)، إذًا لحديث دليل على ثبوت رؤية الله بالعين.
أما الإجماع فقد أجمع الصحابة والتابعون على رؤية الله لكن بماذا استدل العلماء على هذا الإجماع، يعني: كيف يكون السبيل، أو الطريق إلى إثبات هذا الإجماع؟
نقول طريقه أن يقال: إن الصحابة لمّا قرؤوا القرآن وسمعوا الأحاديث من الرسول ﷺ ، ولم يأت عن أحد منهم أنه قال بخلاف ظاهرها فيكون هذا إجماعًا منهم إقراريًا، وليس سكوتيًا إجماعًا منهم على أنها على ظاهرها، وهذه حجة لا إشكال فيها، هات واحدًا من الخلفاء الراشدين، أو غيرهم من الصحابة يقول:
стр. 159
(إن الرؤية ما أعد - الله لهم من الجنة والثواب وليس برؤية الله)، لا تستطيع، أئمة الهدى من بعدهم تبعوهم، فالآية التي معنا وهي قوله: ﴿كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ استدل بها بعض العلماء على ثبوت رؤية الله محتجًا بأن الملاقاة لا بد أن تكون مواجهة، فإن صح هذا الاستدلال وإلا فنحن في غنى عنه، وإذا لم يصح هذا الاستدلال فالمراد بلقاء الله البعث بعد الموت؛ لأن الكافر لن يرى الله كما قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].
ولو قال قائل: الذي يقول إن الله يُرى لكن لا من جهة هل يعتبر أثبت الرؤية؟
فالجواب: لا يمكن أن يرى الشيء بدون جهة أبدًا، وهذا من غريب قولهم، والظاهر لي - بناءً على ما نعرف من ذكائهم - أنهم يريدون من قولهم: أنه لا يُرى من جهة، يريدون أنه يُرى ولكن لا تثبت الجهة، وبينهما فرق، فنحن إذا قلنا: (لا يرى من جهة) معناه: الإنكار، وإذا قلنا: (إنه يرى لا من جهة)، أي: لا تثبت الجهة؛ فليس كالأول، والذي يجب أن نقول: إن الله تعالى في جهة بلا شك، وهي جهة العلو، أليس الرسول ﷺ قال للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء (١) لكن جهة تحيط به ، أو جهة لا تليق به؛ كجهة السفل هذا ممنوع، وهؤلاء المتكلمون أوتوا ذكاء لكن يجب أن نعرف الفرق بين الذكاء والعقل ، فالذكاء سرعة إدراك الشيء، لكن العقل حسن
стр. 160
التصرف، وليس كل ذكي عاقلًا، ولا كل عاقل ذكيًا؛ فيوجد من العقلاء القائمين بأمر الله على ما يرضي الله مَنْ هو بليد حتى رُويَ حديث ضعيف "أكثر أهل الجنة من البُلْه" (١) يعني الأبله لكنه موضوع، وبعض العلماء جعل له وجهًا قال: إنهم بُلْه في أمور الدنيا، ولكنهم أذكياء في أمور الآخرة، لكن الحديث موضوع ولا حاجة للجهد في تفسيره.
الفائدة الثالثة: أن الساعة تأتي بغتة، سواء كانت الساعة الكبرى، أو الساعة الصغرى، فالساعة الصغرى تأتي بغتة فتأتي الزلازل بغتة، وتأتي العواصف والقواصف بغتة، وقد حذر الله من هذا فقال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾ [الأعراف: ٩٧]، أي: سادرون، لا يفكرون في عذاب، فيأيتهم وهم نائمون، ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف: ٩٨] لاهون، لم يفكروا أن يأتيهم العذاب فيأتيهم العذاب ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]، بما أنعم عليهم من الأمن والرغد والرخاء، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. فصارت البغتة هنا الساعة الكبرى والصغرى.
الفائدة الرابعة: شدة تحسر هؤلاء الذين كذبوا بلقاء الله،
стр. 161
وإقرارهم على أنفسهم بأنهم فرطوا، ولكن هل هذا ينفعهم؟
الجواب: لا؛ فقد انتهى العمل، فلا ينفعهم شيء فات ولا يمكن رده، ولهذا أقروا أنهم مفرطون.
الفائدة الخامسة: أن أهل الأوزار يحملون أوزارهم على ظهورهم يوم القيامة حقيقة؛ لا مجازًا؛ لأن هذا هو الواجب، أن نجري النصوص القرآنية والنبوية على ظاهرها.
فإذا قال قائل: كيف يحملونها؟
فالجواب: أن هذا سؤال في غير محله؛ لأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا.
الفائدة السادسة: أن الأعمال محل الثناء والقدح ، لقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ هذا قدح، ومحل الثناء مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]، فالأعمال محل القدح ومحل المدح.
وإذا ثبت القدح في العمل، أو المدح فهل يستلزم القدح في العامل أو المدح له؟
الجواب: نعم يستلزم قدحه إن أساء ومدحه إن أحسن، وهذا هو الأصل، لا سيما في أمور الدنيا، فإنه ليس لنا إلا الظاهر، أما أمور الآخرة فعند الله، ولهذا لو أننا رأينا شخصًا يسجد لصنم قلنا: كافر، مع أنه يحتمل أن يكون جاهلًا، فإن استقام ووحّد الله ارتفع عنه هذا الوصف وإلا فهو باقٍ، وليعلم أن بعض الناس توسعوا في مسألة التعيين والتعميم حتى إن بعضهم شك هل يجوز أن نقول: لمن سجد للصنم إنه كافر؟
فالله المستعان كيف لا تقول؟! قُلْ ولا تبالِ.
стр. 162
وأيضًا هل نقول لمن ترك الصلاة إنه كافر؟. نقول: قل ولا تبالِ، إذا لم تقل فمتى يكون كفرًا؟!! ومتى يكون شركًا؟!! نعم إذا وجد مانع من التكفير فحينئذٍ يكون لكل شيء حكم، أما الأصل فإننا نحكم على كل من فعل ما يُكفر، أو قال ما يكفر، بأنه كافر بعينه، حتى نقيم عليه الحد. فإذا ادّعى مانعًا نظرنا هل هذا صحيح، أو غير صحيح، ونحكم لكل قضية بما تقتضيه الحال.
* قال الله : ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾ [الأنعام: ٣٢].
قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا﴾ (ما) نافية و (الحياة) مبتدأ، وما بعد (إلا) هو الخبر، وهذا طريق من طرق الحصر بالنفي والإثبات، وهو أقوى طرق الحصر .
وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الحياة الدنيا هي حياتنا هذه، ووصفت بالدنيا لوجهين: الوجه الأول: دنو زمنها، والوجه الثاني: دنو مرتبتها، أما الأول فظاهر فإن الدنيا قبل الآخرة، وأما الثاني فظاهر أيضًا لمن كان ذا عقل فإن هذه الدنيا دنية، ليس فيها خير، وغاية ما فيها أن ينعم البدن دون القلب، فأهل الدنيا محرومون من نعيم القلب؛ لقول الله ﵎: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ [النحل: ٩٧]، فالحياة الطيبة لمن جمع بين هذين الوصفين، الأول: العمل الصالح، والثاني: الإيمان.
إذًا كما تقدم سميت دنيا لهذين الوجهين، الأول: دنو الزمن، والثاني: دنو القدر والمرتبة؛ فإنها دانية حتى إن النبي ﷺ -
стр. 163
قال فيما رواه الإمام أحمد عن المستورد بن شداد قال: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١) من الدنيا كلها، من أولها إلى آخرها وما فيها، وهو موضع سوط، فكيف والإنسان في الجنة ينظر إلى أقصى ملكه، كما ينظر إلى أدناه مسيرة ألفي عام، اللهم اجعلنا من أهلها يا رب العالمين.
قوله: ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْو﴾، أي: لعب بالأبدان، ولهو بالقلوب، فكل عمل الدنيا لعب، وكل عمل الدنيا لهو، لكنه لهو بشيء عن شيء، لهو بأعمال الدنيا عن أعمال الآخرة، ولعب لأن فاعله لا يحصل على شيء، فأدنى ما يقال إنه ليس له ولا عليه في هذا العمل، مع أنه قد يكون عليه، وإذا كان لا له ولا عليه فهل هو جد أو لعب؟ لعب بلا شك.
وإذا قال قائل: كيف يكون لعبًا، وأهل الدنيا عندهم جد وعزيمة ونشاط في أعمالهم؟
قلنا: لكنه بالنسبة للثواب والأجر لعب لا خير فيه. قوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (اللام) هنا لام الابتداء، وتفيد التوكيد، والدار الآخرة فيها قراءتان: الأولى ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾، والثانية ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ بالإضافة، والدار الآخرة هي عديلة الدنيا، وضرة الدنيا، وهي ما يكون بعد البعث، وسماها الله تعالى آخرة؛ لأنها آخر المراحل، فإن بني آدم لهم أربع مراحل.
المرحلة الأولى: في بطون الأمهات.
стр. 164
والمرحلة الثانية: في هذه الحياة.
والمرحلة الثالثة: في البرزخ بين البعث والممات.
والمرحلة الرابعة: في البعث بعد الممات إذا قامت الساعة، ولذلك سميت آخرة.
وقوله: ﴿خَيْرٌ﴾ من المعلوم أن سياق الكلام يقتضي أنها خيرٌ من الدنيا ولعبها ولهوها، وحذف المفضل عليه للعلم به، ومن قواعد البلاغة أن المعلوم الذي لا يحتاج إلى تكلف في تقديره حَذْفُه أولى، لما في ذلك من الاختصار، وقد يكون الأمر بالعكس، أن تقتضي البلاغة أن يبسط في القول.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أي: يتقون الله ، وتقوى الله تعالى يجمعها اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل الأوامر واجتناب النواهي، على علم وبصيرة، وبعضهم يتفنن في تعريفها؛ كقوله (١):
خَلِّ الذنوبَ صغيرهَا ... وكبيرهَا، ذاكَ التُّقَىَ
واعملْ كمَاشٍ فوقَ أر ... ضِ الشَّوكِ يحذرُ مَا يَرَى
لاتَحْقِرَنَّ صغيرةً ... إنَّ الجبالَ مِنَ الحَصَى
وبعضهم يقول: "أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله "، لكن الأول أجمع وأوضح؛ لأنه يعرف به اشتقاق التقوى.
قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، والمعنى:
стр. 165
اعقلوا هذه الحقيقة، واعرفوا قدر الدنيا وقدر الآخرة، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد لا عقل التكليف؛ لأن هؤلاء يعقلون لكنها ليست عقول رشد.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة؛ وجه ذلك أنه وصف الدنيا بقوله: ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، ووصف الآخرة بقوله: ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.
الفائدة الثانية: أن الدنيا كلها لعب ولهو، لعب في الجوارح، ولهو في القلوب.
الفائدة الثالثة: أنه لا حال للدنيا سوى ذلك، وجه الدلالة الحصر في قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾.
الفائدة الرابعة: أن الدار الآخرة خير للمتقين من الدنيا، وعلى هذا فما يصيبهم في الدنيا من الأذى في الله ، أو أمراض تصيبهم، أو في فقد حبيب، أو ما أشبه ذلك، فإنه في الآخرة ينسى وكأنه لم يكن؛ لأن الدار الآخرة تمحو كل شيء سبق، وكأنه لم يكن.
الفائدة الخامسة: إثبات الدار الآخرة؛ لأن إثبات وصفها يدل على وجود أصلها.
الفائدة السادسة: أن الآخرة خير لهؤلاء المتصفين بالتقوى، ولغيرهم ليست خيرًا، بل هي شر، ولهذا جاء في الحديث: "أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" (١)، فهي بالنسبة للمؤمن سجن؛
стр. 166
لأنه لو نَسَبَ نعيم الدنيا كله إلى نعيم الآخرة لم يكن شيئًا، أما الكافر فهي جنته؛ لأنه في الدنيا كان في أهله مسرورًا، لكن في الآخرة على العكس من ذلك، ويروى عن الحافظ ابن حجر، وكان رئيس القضاة في مصر، أنه مَرَّ بيهودي زيَّات، قد تعب من أذى الزيت والحرارة وغير ذلك، وابن حجر ﵀ تجره الخيول، أو البغال على العربة؛ لأنه كان قاضي القضاة في مصر، فاستوقفه هذا اليهودي، وقال: كيف تكون أنت في هذه الحال، وأنا في هذه الحال، والحديث عندكم "إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟ " فأجابه على البديهة، قال: ما المؤمن فيما فيه من النعيم بالنسبة للآخرة إلا سجن، وما البؤس، أو الشقاء الذي أنت فيه بالنسبة للآخرة إلا جنة، فعلم اليهودي الحقيقة وأسلم (١).
وقد ذكر الله تعالى في تفضيل الآخرة على الدنيا ثلاث آيات.
الآية الأولى: تتعلق بشخص معين.
والثانية: بمعين بوصفه.
والثالثة: مطلقة.
أما الآية المقيدة بشخص معين فهي قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤]، وهو الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
والمعينة بوصف هي قوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وقوله: : ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧].
стр. 167
والمطلقة: كما في آخر سورة سبح ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]
* قال الله : ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣].
قوله: ﴿قَدْ﴾ للتحقيق، وقال النحويون إنها مع الماضي للتحقيق، ومع المضارع للتقليل، لكن نقول: أن هذا هو الغالب، أنِ تكون مع الماضي للتحقيق؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٤]، وتكون مع المضارع للتقليل؛ كقولهم: قد يجود البخيل فقد هنا للتقليل.
لكنها وردت في القرآن مقرونة بالمضارع مع دلالتها على التحقيق مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤]، ومثل هذه الآية ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ لكن عبر عن الماضي بالمضارع إشارة إلى أن الله علم ويعلم ما يكون، فتكون دالة على الاستمرار، بخلاف (عَلِمَ) الماضي فهي دالة على شيء مضى وانتهى، لكن إذا كان الشيء مستمرًا جاءت بلفظ المضارع.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ جاءت همزة (إنَّ) مكسورة مع أنها واقعة بعد العِلْم، وإذا وقعت بعد العِلم وجب أن تكون مفتوحة الهمزة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
فلماذا كسرت الهمزة هنا؛ ولماذا كسرت في قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٥]؟
стр. 168
الجواب: أنها كسرت لوجود لام التوكيد، وإذا وجدت لام التوكيد وجب كسر همزة (إنَّ) على كل حال، ولولا اللام لكان سياق الآية (قد نعلم أنه يحزنك).
وقوله: ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ فيها قراءتان: "ليُحْزِنك" و ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾، "ليُحْزنك" من الرباعي من أحزنه يُحزِنهْ؛ و (ليَحْزُنُكَ) من الثلاثي حَزِنَهُ يَحزُنه، والحزن ضد السرور، وهو معنى قائم بالنفس يستلزم الانكسار والندم.
قوله: ﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وما الذي يقولون؟ إنهم يقولون قولًا منكرًا عظيمًا، يقولون: لله البنات، يقولون: نعبد الأصنام؛ لتقربنا إلى الله ، يقولون للرسول ﵊: إنه ساحر، وإنه مجنون، وإنه كاهن، فكل ما يقولونه مما ينافي التوحيد والرسالة لا شك أنه يحزن النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
وهل هذا انتصار لنفسه، أو غضب لله ، أو حزن لله ؟
الجواب: أنه غضب لله بلا شك.
قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ وهذا قول: عالم السر وأخفى الذي يعلم ما في القلوب فإنهم ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، أي: في قلوبهم، وأما في ألسنتهم فإنهم يقولون إنه ساحر كذاب، لكن في قلوبهم يعلمون أنه صادق، وأنه أمين، وكانوا يسمونه قبل الرسالة: الأمين، ويرضونه ويحكّمونه، ولما جاء بالحق شَرِقوا به وأنكروه - والعياذ بالله -.
стр. 169
قوله: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ والمراد بهم المكذبون لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، فهو ظلم الكفر.
وقوله: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْحَدُونَ﴾، وقُدِّم عليه لإفادة الحصر، ولتناسب رؤوس الآيات.
ففيها إذًا فائدتان معنوية ولفظية.
أولًا لفائدة المعنوية: هي إفادة الحصر كأن المعنى: (ولكن الظالمين لا يجحدون إلا بآيات الله) وإلا فهم يعترفون بأشياء كثيرة إلا آيات الله فإنهم لا يعترفون بها.
والفائدة اللفظية: لتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة بلا شك، ولهذا تأمل قول الله في سورة طه ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]، فقدم هارون مع أن موسى مقدم في جميع المواضع، لكن من أجل تناسب رؤوس الآيات.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: إثبات علم الله بكل ما يقوله هؤلاء المكذبون؛ لقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾.
الفائدة الثانية: تسلية النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وتقوية روحه المعنوية، فإن في هذه الآية من تسليته وتقوية روحه المعنوية ما هو ظاهر، وهكذا ينبغي للإنسان أن يسلي أخاه بما يقع لمثله حتى يهون عليه الأمر؛ لأن الإنسان بطبيعته إذا وجد مشاركًا هان عليه الأمر، ألم ترَ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾
стр. 170
[الزخرف: ٣٩]، وكانوا في الدنيا إذا اشتركوا في العذاب هان عليهم، لكن في الآخرة لن ينفعهم، وانظر إلى قول الخنساء (١):
ولولا كثرةُ البَاكينَ حولي ... على إخوانهمْ لقتلتُ نفسي
ومايبكونَ مثلَ أخي ولكنْ ... أُعَزِّي النفسَ عنهُ بالتَّأَسي
فإذا ذكر الله لنبيه ﷺ ما يسليه ويقوي معنوياته، ويذهب عنه الحزن فإن هذا من فضل الله عليه ﵎.
الفائدة الثالثة: حرص النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على هداية الخلق، وأنه يحزنه إعراض الناس عن دين الله.
الفائدة الرابعة: علم الله تعالى بما في القلوب لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ نظير هذه الآية قوله تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل: ١٤] ﴿ظُلْمًا﴾ مفعول لأجله، عامله (جحدوا)، أي: جحدوا بذلك ظلمًا وعلوًا، وانظر إلى قول موسى وهو يجادل فرعون يقول له موسى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] قال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾، ولم يكذبه فرعون في هذه المحاورة، لم يقل لا أعلم، بينما لما كان يجادل ويشرح لقومه يقول لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ﴾ [القصص: ٣٨]، والظاهر لي - والله أعلم - أن فرعون لم يقل لموسى إنني لا أعلم خوفًا من نزول العقوبة العاجلة، أو خوفًا من أن ينزل كتاب يكذبه، فالرجل أقر وطريق إقراره السكوت.
الفائدة الخامسة: أنه ينبغي للدعاة أن يتسلوا برسول الله ﷺ فيما إذا سمعوا ما يكرهون من هؤلاء المكذبين المعاندين،
стр. 171
فليتسلوا به ويقولوا في أنفسهم وبألسنتهم إن الله تعالى عالم بما تقولون وسيجازيكم.
الفائدة السادسة: أن الجحد بآيات الله كفر ولو استيقنها الإنسان ما دام جحدها، وإن كان مؤمنًا بها في قلبه فإنه يكفر؛ لأن أحكام الدنيا تجري على الظاهر ، فنحن نكفّر من أظهر الكفر وإن كان مؤمنًا بقلبه، ونسكت عمن أظهر الإسلام، ولو كان كافرًا بقلبه؛ لأن هذه هي أحكام الدنيا التي أوجبها الله ، إذ إننا لا نعلم ما في قلوب الناس، ومن ثَمَّ أنكر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على أسامة بن زيد، حيث قتل المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، واحتج أسامة بأنه قالها تعوذًا، أي: خوفًا من القتل - لا عن يقين، فقال له النبي ﷺ : "أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله أفلا شققت عن قلبه" (١)، فأمور الدنيا على الظاهر لا على الباطن، لكن في الآخرة - نسأل الله أن يستر علينا - على الباطن كما قال : ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق: ٨، ٩]، وقال : ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ [العاديات: ٩، ١٠].
وإذا قيل: هل هناك وصف آخر يكفر به الإنسان؟ فالجواب: نعم، بالاستكبار، فالردة لها أصلان فقط: الأول: الجحود. والثاني: الاستكبار. ولو عمل ولم يستكبر ظاهرًا فإنه يكفر، كما لو قال: (الصلوات الخمس غير مفروضة، لكني أفعلها تورعًا واحتياطًا) ماذا نقول له؟
стр. 172
نقول إنه كافر؛ لأنه جحد، والاستكبارُ أن يستكبر عن فعل ما تركه كفر، على أن الإنسان إذا ترك الطاعة استكبارًا حتى ولو كانت نافلة فإننا في شك من إيمانه؛ لأن جنس الاستكبار علو على الله وعلى أوامره ونواهيه؛ فيخشى إذا ترك المسنون استكبارًا واستنكافًا أن يكون كافرًا، وقولنا: يخشى، يعني: أنه ليس مؤكدًا، لكن إذا صدر هذا الاستكبار عن كراهة لِما أنزل الله فهو كفر، كما قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾ [محمد: ٩]، ولهذا لا بد من الذل في القلب والتذلل في الجوارح، لا إذا تركه عمدًا متهاونًا به، وهناك فرق بين شخص يقول: (أنا لا أصلي الراتبة استكبارًا)، وآخر يقول: (لا أصلي الراتبة؛ لأنها لا تجب عليَّ)، الثاني لا يكفر ولا يفسق، وأما الأول فإن الإنسان يكون في شك من إيمانه.
* قال الله : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ [الأنعام: ٣٤].
ثم سلَّاه الله بطريقة أخرى فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وما أكثرهم حتى إن النبي ﷺ رأى في المنام أن النبي لا يتبعه إلا رجلان، أو رجل واحد، والنبي وليس معه أحد (١)، نوح ﵊ بقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يذكرهم بآيات الله، ويجهر لهم بالدعوة، وُيسِرُّ بها،
стр. 173
ولكن لم يزدهم ذلك إلا نفورًا، وهو صابر على الأذى والسخرية، وحين كان ﵇ يصنع السفينة، فإذا مروا به قال تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨]، وتأمل قوله: ﴿مَلَأٌ﴾ والملأ الأشراف، وسخرية الأشراف ليست كسخرية آحاد الناس، يعني: أشد في قمع الإنسان واستهانته.
قوله: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾، ﴿فَصَبَرُوا﴾، أي: تحملوا الرسالة وأدوها على ما فيها من مصادمات وأذى. وقوله: ﴿وَأُوذُوا﴾ يحتمل أن تكون "معطوفة على ﴿مَا كُذِّبُوا﴾، يعني: صبروا على ما كذبوا وعلى ما أوذوا، ويحتمل أن تكون معطوفة على ﴿كُذِّبُوا﴾، يعني: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا، والمعنيان لا يختلفان كثيرًا.
فإن قيل: هل أوذوا بالقول، أو بالقول والفعل؟
قلنا: بهما جميعًا، حتى إن بعضهم قتل، وأوذوا بالقول، وذلك بأنهم كانوا يسخرون بهم خِلقة وخُلقًا وغير ذلك، حتى إن اليهود قالوا لموسى: إنه رجل آدر، أي: كبير الخصيتين، وهذا عيب عند الناس، وكان موسى ﵊ لا يبدي عورته لهم، فلما كان ذات يوم خلع ثوبه ليغتسل، ووضعه على حجر، فهرب الحجر بثوبه، وجعل يسعى وراءه ويقول: "ثوبي حجر، ثوبي حجر"، لكن الحجر لم يقف إلا في الملأ من بني إسرائيل، حتى شاهدوا أن موسى بريء مما قيل فيه (١)، وأظهر الله
стр. 174
- تعالى - كذبهم علنًا؛ فموسى ﵇ كُذِّب وأوذي، قال الله - تعالى -: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩].
فالمهم أن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أوذوا إيذاء لا يصبر عليه إلا أمثالهم، وقد قال الله لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] بل لما ذَكَرَ أنه أنزل عليه قال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٣، ٢٤] لم يقل: فاشكر نعمة الله، بل قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أنه سيناله ما يناله من الأذى من أجل هذا الكتاب الذي نزل عليه.
قوله: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ﴿حَتَّى﴾ للغاية، يعني: فكانت الغاية أن الله ﵎ نصرهم؛ لأن الله أخذ على نفسه أن ينصر رسله فقال : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقال : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، ولا ينافي هذا ما يحصل لبعض الأنبياء من عدم النصر، وذلك لأننا نقول: هؤلاء الذين لم ينصروا إما (ألا يكونوا أمروا بالقتال أصلًا حتى يكون النصر)، وإما أن نقول: إن النصر نوعان: نصر عاجل للنبي ﷺ يجده في حياته، ونصر آجل لدعوته، فيكون لها انتصار من بعده، وآجل أيضًا يكون في الآخرة.
قوله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾، أي: لا أحد يستطيع أن يبدل كلمات الله ، لا يبدل كلمات الله إلا الله وحده، كما أنه لا مبدل لحكمه فلا مبدل لكلماته، وكلماته هي وحيه
стр. 175
الذي أنزله على الرسل، وكذلك هي كلماته القدرية التي يكون بها النصر لأنبيائه والخذلان لأعدائه، ولا يرد على هذا ما جاء به النسخ؛ لأن مبدّل الحكم المنسوخ هو الله ، والآية تدل على أنه لا أحد يبدل كلمات الله، أما الله ﵎ فله أن يبدل كما قال : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]: وقال الله : ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [النحل: ١٠١].
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي القسم المقدر و (اللام) و (قد)، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، أي: لقد جاءك أيها الرسول من نبأ المرسلين، أي: من النبأ الذي يأتيهم وهو الوحي، هذا المعنى هو المتبادر.
أما المعنى الثاني: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾، أي: من قصصهم وأخبارهم وتبيَّن لك ما حصل للرسل من أتباعهم، وما حصل لأتباعهم، كما قال الله : ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]، وعلى هذا فيكون للآية معنيان.
من فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: بيان أن تكذيب الأنبياء ليس وليد عهد النبي ﷺ ، بل هو سابق لقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا﴾.
فإن قال قائل: ما الحكمة من إرسال الرسل مع تكذيبهم ؟
стр. 176
فالجواب: أن ذلك لإقامة الحجة عليهم، أي: على المكذبين؛ لأن هؤلاء المكذبين لو لم يأتهم رسول لقالوا: رَبَّنا لولا أرسلت إلينا رسولًا، ولو لم يأتهم رسول لكان لهم حجة، ولهذا قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
الفائدة الثانية: عتو بعض بني آدم حيث تأتيهم الآيات فيكذبون؛ لأنه ما من رسول بعثه الله إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهذا أمر لا بد منه لتقوم بها الحجة، فإذا كُذِّب الرسل مع هذه الآيات صار ذلك دليلًا على عظم عتو هؤلاء المكذبين.
الفائدة الثالثة: تسلية الله لنبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره قد أصابه ما أصابه هان عليه الأمر، وقد سبق في التفسير أمثلة لذلك من القرآن، ومن كلام العرب والواقع. شاهد بهذا، لو أن الإنسان أصيب بحادث وانكسرت قدمه، ثم حُدِّث أن آخر أصيب، وانقطعت الرجل مع الفخذ، فإنه يتسلى وتهون عليه المصيبة.
الفائدة الرابعة: الثناء على الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بالصبر على ما كذبوا وعلى ما أوذوا.
فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] ما وجه قولهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾؟
стр. 177
فالجواب: قولهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ لا يقولونه: استبعادًا، ولكن يقولونه: استعجالًا يستعجلون نصر الله لا استبعادًا، ولا شكًا.
الفائدة الخامسة: أنه يجب علينا أن نتأسى ونتسلى أيضًا بما جرى للرسل - عليهم الصلاة والسلام - فنصبر على أذى من يقوم أمام دعوتنا؛ والعاقبة للمتقين؛ لقوله: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾.
الفائدة السادسة: أنَّ أعداء الرسل لا يقتصرون على مجرد التكذيب بل يؤذون الرسل وأتباعهم، والأذية قد تكون جسدية، وقد تكون مالية، وقد تكون فكرية، وقد تكون عسكرية، فهي أنواع متعددة، والكافر يرى أقرب وسيلة تحصل بها الأذية للمسلم - لا شك في هذا - ولو حصل له أن يبيد الأمم الإسلامية في ليلة بين عشية وضحاها لفعل ذلك.
الفائدة السابعة: أن فرج الله يأتي مع شدة الكرب؛ فكلما اشتد الكرب فاعلم أنه دنا الفرج، ويؤيد هذا قوله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥، ٦]، فجعل مقابل العسر الواحد يسرين، وقال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا" (١)، وهذا كلام الله وكلام رسوله فهو حق وصدق، لكن النفوس قد تبوء بالفشل فلا تصبر.
الفائدة الثامنة: ألَّا يرجى النصر إلا من عند الله لقوله: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾، ولم يقل: حتى نصرهم فلان أو فلان، فإذا
стр. 178
علمنا أن النصر لا يكون إلا من عند الله، فممن نطلب النصر إلا منه الله ، ولهذا اختصر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في عريش له يوم بدر، يناشد ربه ﵎ النصر حتى نصره الله - والحمد لله (١)، - فلا تطلب النصر إلا من الله، حتى في المجادلة العلمية لا تطلب النصر من فلان يوافقك، أو لا يوافقك، بل اطلب النصر من الله، وإذا كنت وصلت إلى الحق فاطلب الله أن ينصرك، أو اطلب الله أن يهديك صراطه المستقيم.
الفائدة التاسعة: أنه لا مبدل لكلمات الله، أي: لا أحد يبدلها، إذا قَدَّرَ الله النصر فلا أحد يمنعه، وإذا قدر الخذلان فلا أحد يمنعه، أما الكلمات الكونية فعدم المبدل لها ظاهر؛ لأن الكلمات الكونية لا بد أن تقع، كن فيكون، فإذا قال الله تعالى: (كن) لنزول المطر نزل ولا أحد يمنعه، وإذا قال: (كن) لامتناع المطر امتنع ولا أحد ينزله، فالكلمات الكونية مفروغ منها، فلا أحد يستطيع أن يُبَدِّلَها، أما الكلمات الشرعية فمن الناس من يبدلها، لكن تبديله هذا باطل، والباطل لا وجود له شرعًا.
ولو قال قائل: وجد من بدّل الكلمات الشرعية في الأمم السابقة، وفي هذه الأمة.
فالجواب: وهل هذا التبديل غيَّر من خصائص هذه الكلمات؟ أبدًا، فهم لا يستطيعون مهما حاولوا؛ لأنهم وإن بدلوها ظاهرًا، فما بدلوه فإنه باطل، والباطل لا حكم لوجوده.
стр. 179
الفائدة العاشرة: قوة عظمة الله وسلطانه ، حيث إنه لا مبدل لكلماته، أما غير الله فمهما بلغ من السلطان والقدرة والقوة والجنود، فإن كلماته تبدل.
فإن قال قائل: وما تقولون في النسخ، أليس فيه تبديل؟
قلنا: بلى، فيه تبديل، لكن مَنْ بدله؟ إنه الله وكلماته الناسخة لا مبدل لها، فلا يمكن أن نلغي الناسخة؛ لأنها كلمات الله ، قال الله : ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
الفائدة الحادية عشرة: إثبات أن الله يتكلم، وهذا قد مُلئ منه القرآن، وقد جاءت الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] مؤكدة ذلك؛ لأن ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدرَ مؤكَّد، و المصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز .
وهل كلمات الله بحروف، أم بغير حروف، وبأصوات، أم بغير أصوات؟
الجواب: بأصوات، فالله يتكلم بصوتٍ مسموعٍ، ولا يمكن أن يكون الكلام معنىً قائمًا في النفس؛ لأن المعنى القائم في النفس لا يسمى كلامًا، بل يسمى حديثَ نفس، فالكلام ما نطق به اللسان وليس ما حل بالجنان، ولهذا إذا أراد الله حديث النفس عبر عنه كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨].
وقد خالف في الكلام طوائفُ - كما بيناه في شرح النونية -، من أبينها وأبرزها: مذهب المعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله أصواتٌ مخلوقةٌ، خلق الله أصواتًا كما خلق أصوات الرعد
стр. 180
والصواعق، فهي مخلوقة وبائنة عن الله، وإنما نسبت إلى الله تشريفًا لها، كما في قوله: (ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله) وما أشبه ذلك.
الطائفة الثانية: الأشاعرة الذين يدَّعون أنهم هم الذين جادلوا المعتزلة، قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه لا يسمع، وليس له صوت، ولا حروف، ولكنه خلق أصواتًا وحروفًا لتعبر عما في نفسه.
بالله! أهناك فرق بين مذهبهم ومذهب المعتزلة؟ لا فرق، كما قال بعض علمائهم: إنه لا فرق بيننا وبين مذهب المعتزلة؛ لأننا متفقون على أن ما في هذا المصحف مخلوق، لكن المعتزلة، قالوا: هو مخلوق حقيقة، وهو كلام الله حقيقة، وأولئك الأشعرية قالوا: ليس كلام الله حقيقة، فكلام الله هو القائم بنفسه، وهذا عبارة عن كلام الله، فأيهما أقرب إلى الصواب من حيث القواعد؟ المعتزلة أقرب إلى الصواب، أما أهل الحق السلف وأتباعهم من الأئمة فقالوا: إن الله نفسه يتكلم بكلام مسموع بحرف مرتب، ولا يعقل الكلام إلا على هذا الوجه.
فإذا قال قائل: هل كل ما خلقه الله قليلًا، أو كثيرًا يكون بكلمة (كن)؟
الجواب: ظاهر النصوص أن كل ما خلقه الله يقول له: كن، ولهذا كانت كلمات الله لا نفاد لها، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، ويحتمل أنه قال: