← Тафсир

Тафсир · id 549

تفسير العثيمين: الأنعام

ابن عثيمين

Полный текст (269 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فالجواب: أن ذلك لإقامة الحجة عليهم، أي: على المكذبين؛ لأن هؤلاء المكذبين لو لم يأتهم رسول لقالوا: رَبَّنا لولا أرسلت إلينا رسولًا، ولو لم يأتهم رسول لكان لهم حجة، ولهذا قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. الفائدة الثانية: عتو بعض بني آدم حيث تأتيهم الآيات فيكذبون؛ لأنه ما من رسول بعثه الله إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهذا أمر لا بد منه لتقوم بها الحجة، فإذا كُذِّب الرسل مع هذه الآيات صار ذلك دليلًا على عظم عتو هؤلاء المكذبين. الفائدة الثالثة: تسلية الله لنبيه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره قد أصابه ما أصابه هان عليه الأمر، وقد سبق في التفسير أمثلة لذلك من القرآن، ومن كلام العرب والواقع. شاهد بهذا، لو أن الإنسان أصيب بحادث وانكسرت قدمه، ثم حُدِّث أن آخر أصيب، وانقطعت الرجل مع الفخذ، فإنه يتسلى وتهون عليه المصيبة. الفائدة الرابعة: الثناء على الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بالصبر على ما كذبوا وعلى ما أوذوا. فإن قال قائل: قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] ما وجه قولهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾؟

стр. 177

فالجواب: قولهم: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ لا يقولونه: استبعادًا، ولكن يقولونه: استعجالًا يستعجلون نصر الله لا استبعادًا، ولا شكًا. الفائدة الخامسة: أنه يجب علينا أن نتأسى ونتسلى أيضًا بما جرى للرسل - عليهم الصلاة والسلام - فنصبر على أذى من يقوم أمام دعوتنا؛ والعاقبة للمتقين؛ لقوله: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾. الفائدة السادسة: أنَّ أعداء الرسل لا يقتصرون على مجرد التكذيب بل يؤذون الرسل وأتباعهم، والأذية قد تكون جسدية، وقد تكون مالية، وقد تكون فكرية، وقد تكون عسكرية، فهي أنواع متعددة، والكافر يرى أقرب وسيلة تحصل بها الأذية للمسلم - لا شك في هذا - ولو حصل له أن يبيد الأمم الإسلامية في ليلة بين عشية وضحاها لفعل ذلك. الفائدة السابعة: أن فرج الله يأتي مع شدة الكرب؛ فكلما اشتد الكرب فاعلم أنه دنا الفرج، ويؤيد هذا قوله : ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥، ٦]، فجعل مقابل العسر الواحد يسرين، وقال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا" (١)، وهذا كلام الله وكلام رسوله فهو حق وصدق، لكن النفوس قد تبوء بالفشل فلا تصبر. الفائدة الثامنة: ألَّا يرجى النصر إلا من عند الله لقوله: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾، ولم يقل: حتى نصرهم فلان أو فلان، فإذا

стр. 178

علمنا أن النصر لا يكون إلا من عند الله، فممن نطلب النصر إلا منه الله ، ولهذا اختصر النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في عريش له يوم بدر، يناشد ربه ﵎ النصر حتى نصره الله - والحمد لله (١)، - فلا تطلب النصر إلا من الله، حتى في المجادلة العلمية لا تطلب النصر من فلان يوافقك، أو لا يوافقك، بل اطلب النصر من الله، وإذا كنت وصلت إلى الحق فاطلب الله أن ينصرك، أو اطلب الله أن يهديك صراطه المستقيم. الفائدة التاسعة: أنه لا مبدل لكلمات الله، أي: لا أحد يبدلها، إذا قَدَّرَ الله النصر فلا أحد يمنعه، وإذا قدر الخذلان فلا أحد يمنعه، أما الكلمات الكونية فعدم المبدل لها ظاهر؛ لأن الكلمات الكونية لا بد أن تقع، كن فيكون، فإذا قال الله تعالى: (كن) لنزول المطر نزل ولا أحد يمنعه، وإذا قال: (كن) لامتناع المطر امتنع ولا أحد ينزله، فالكلمات الكونية مفروغ منها، فلا أحد يستطيع أن يُبَدِّلَها، أما الكلمات الشرعية فمن الناس من يبدلها، لكن تبديله هذا باطل، والباطل لا وجود له شرعًا. ولو قال قائل: وجد من بدّل الكلمات الشرعية في الأمم السابقة، وفي هذه الأمة. فالجواب: وهل هذا التبديل غيَّر من خصائص هذه الكلمات؟ أبدًا، فهم لا يستطيعون مهما حاولوا؛ لأنهم وإن بدلوها ظاهرًا، فما بدلوه فإنه باطل، والباطل لا حكم لوجوده.

стр. 179

الفائدة العاشرة: قوة عظمة الله وسلطانه ، حيث إنه لا مبدل لكلماته، أما غير الله فمهما بلغ من السلطان والقدرة والقوة والجنود، فإن كلماته تبدل. فإن قال قائل: وما تقولون في النسخ، أليس فيه تبديل؟ قلنا: بلى، فيه تبديل، لكن مَنْ بدله؟ إنه الله وكلماته الناسخة لا مبدل لها، فلا يمكن أن نلغي الناسخة؛ لأنها كلمات الله ، قال الله : ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾. الفائدة الحادية عشرة: إثبات أن الله يتكلم، وهذا قد مُلئ منه القرآن، وقد جاءت الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] مؤكدة ذلك؛ لأن ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدرَ مؤكَّد، و المصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز . وهل كلمات الله بحروف، أم بغير حروف، وبأصوات، أم بغير أصوات؟ الجواب: بأصوات، فالله يتكلم بصوتٍ مسموعٍ، ولا يمكن أن يكون الكلام معنىً قائمًا في النفس؛ لأن المعنى القائم في النفس لا يسمى كلامًا، بل يسمى حديثَ نفس، فالكلام ما نطق به اللسان وليس ما حل بالجنان، ولهذا إذا أراد الله حديث النفس عبر عنه كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]. وقد خالف في الكلام طوائفُ - كما بيناه في شرح النونية -، من أبينها وأبرزها: مذهب المعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله أصواتٌ مخلوقةٌ، خلق الله أصواتًا كما خلق أصوات الرعد

стр. 180

والصواعق، فهي مخلوقة وبائنة عن الله، وإنما نسبت إلى الله تشريفًا لها، كما في قوله: (ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله) وما أشبه ذلك. الطائفة الثانية: الأشاعرة الذين يدَّعون أنهم هم الذين جادلوا المعتزلة، قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه لا يسمع، وليس له صوت، ولا حروف، ولكنه خلق أصواتًا وحروفًا لتعبر عما في نفسه. بالله! أهناك فرق بين مذهبهم ومذهب المعتزلة؟ لا فرق، كما قال بعض علمائهم: إنه لا فرق بيننا وبين مذهب المعتزلة؛ لأننا متفقون على أن ما في هذا المصحف مخلوق، لكن المعتزلة، قالوا: هو مخلوق حقيقة، وهو كلام الله حقيقة، وأولئك الأشعرية قالوا: ليس كلام الله حقيقة، فكلام الله هو القائم بنفسه، وهذا عبارة عن كلام الله، فأيهما أقرب إلى الصواب من حيث القواعد؟ المعتزلة أقرب إلى الصواب، أما أهل الحق السلف وأتباعهم من الأئمة فقالوا: إن الله نفسه يتكلم بكلام مسموع بحرف مرتب، ولا يعقل الكلام إلا على هذا الوجه. فإذا قال قائل: هل كل ما خلقه الله قليلًا، أو كثيرًا يكون بكلمة (كن)؟ الجواب: ظاهر النصوص أن كل ما خلقه الله يقول له: كن، ولهذا كانت كلمات الله لا نفاد لها، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، ويحتمل أنه قال:

стр. 181

(كن) في أول الأمر، وصار المخاطب يقوم بما أمر به، كما قال: "للقلم اكتب ما هو كائن" (١)، فكتب ما هو كائن. الفائدة الثانية عشرة: إثبات رسالة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، كما ثبتت رسالاتُ مَن قبله لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾. الفائدة الثالثة عشرة: تأكيد رسالة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وذلك بالقسم و (اللام) و (قد). الفائدة الرابعة عشرة: أن القرآن الكريم يُراعى فيه فواصل الآيات لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]، ومراعاة الفواصل ظاهر في القرآن الكريم، انظر إلى سورة طه، وانظر إلى سورة القمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ حتى قال: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ [القمر: ١٣] دسر: جمع دسار، وهو المسمار كل ذلك لأجل أن تتناسب السورة في فواصل الآيات، وذلك؛ لأن هذا من البلاغة، ولأن هذا مما تصغي له الأسماع، ولأن ذلك مما تطرب له القلوب، فهذه ثلاث فوائد لتناسب الآيات الكريمة. الفائدة الخامسة عشرة: أنه قد يكون فيها إشارة إلى أن محمدًا ﷺ خاتم الرسل لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾، يعني: الذين أرسلوا، فإن صح أخذ هذه الفائدة من هذه الآية، وإلا فهو خاتم النبيين، وهذا أمر مجمع عليه، نص عليه القرآن

стр. 182

الكريم في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] اللهم صلِّ وسلم عليه. * قال الله ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥]. قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ لا شك أن (كان) تحتاج إلى اسم وخبر، و (كبُرَ) تحتاج إلى فاعل، فهل نقول إن اسم كان ضمير الشأن مستتر، و ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ خبرها، أو نقول إن: ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ تنازع فيه (كان) و (كبر)، ف (كان) يطلبه اسمًا و (كبر) يطلبه فاعلًا، يحتمل هذا وهذا، لكن الأول أوجه، والمعنى: فإن كان الشأن في هذا الأمر أنه كبر عليك إعراضهم، أي: عَظُمَ عليك إعراضهم، وذلك بما كان في نفسك من الحزن والأسى فحاول أن يهتدوا على يدك ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، يعني: فافعل، ولكن ليس عليك إلا الصبر. وجملة ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أتى بعدها جملة شرطية أخرى ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، وهذا من تداخل الجملتين الشرطيتين، فتكون الجملة الثانية في محل جزم جواب الجملة الأولى، وهذا يوجد في القرآن وفي كلام العرب، أما في القرآن كهذه الآية وكما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)

стр. 183

تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ [الواقعة: ٨٦، ٨٧]، فهذا شرط داخل شرط، ومنه في قول شاعر العرب (١): إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ... مِنَّا مَعَاقِلَ عِزٍّ زَانَها كَرَمُ فِعْلُ الشرط الأول، ثم الثاني قَيْدٌ فيه، و (تجدوا) جواب الشرط. المهم أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ جملة شرطية في ضمن جملة شرطية، الجملة الأولى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾، والثانية: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾، وجواب الجملة الثانية محذوف تقديره: (فافعل) ولن يمكنك ذلك، فإذا كان لا يمكنك فإنه لا يمكنك أن تأتي بالآيات التي اقترحوها، وإذا كان لا يمكنك فلا تحزن عليهم؛ لأن الإنسان لا يحزن إلَّا على شيء يمكنه أن يفعله ولم يفعله. وقوله: ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾، أي: عظم عليك وشق عليك. وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، أي: قدرت على أن تبتغي نفقًا في الأرض، أي: تطلب نفقًا في الأرض، والنفق هو السرداب يحفر في الأرض ويدخل الإنسان فيه ليصل إلى أعماق الأرض، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ تبتغي سلمًا، أي: مصعدًا تصعد به إلى الجو ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، فبيَّن الله لهم النزول والارتفاع، فلا يستطيع أن ينزل إلى نفق في الأرض فيستخرج الآيات، ولا أن يصعد إلى السماء فيأتي بالآيات، والمعنى واضح.

стр. 184

فإذا كان لا يمكنك هذا وَهو معلوم للجميع فإنه لا يمكنك أن تأتي بما اقترحوه من الآيات، كما قال في آية أخرى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [العنكبوت: ٥٠]. قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (لو) شرطية، وفعل الشرط (شاء)، وجوابه ﴿لَجَمَعَهُمْ﴾، لكن أين المفعول في (شاء)، هل نقدِّره مطابقًا للفظ الجواب، أو نقدره بمعنى آخر؟ قَدَّره بعضهم بقوله: لو شاء الله هدايتهم لجمعهم على الهدى، وقدره آخرون بقولهم: ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم على الهدى، لكن أيهما أنسب الثاني أم الأول؟ الجواب: الثاني أنسب، وهو أن نقدر المحذوف مطابقًا للموجود، أي: ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى، وجَمْعُهم على الهدى أعظم من مجرد الهداية؛ لأنهم قد يهتدون ولا يجتمعون، وينبغي أن نطرد هذا في كل ما كان مشابهًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] فماذا نُقدِّر؟ نُقَدِّر ولو شاء الله ألا يقتتلوا ما اقتتلوا فتقدير الشيء مطابقًا للموجود أولى من تقدير شيء غير مطابق، ولا نعلم هل أراده الله أم لا، فما بين أيدينا هو المتعين. إذًا ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم؛ لأن القلوب بيد الله وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]، أي: على دين الإسلام، وكقوله: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]؛ لأن الأمر كله بيده .

стр. 185

قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ نهيٌ مؤكد بنون التوكيد، يعني: ينهاه الله نهيًا مؤكدًا، فأنت يا محمد لست جاهلًا حتى يكبر عليك إعراضهم، وحتى تحزن لعدم إيمانهم؛ لأن ذلك من حكمة الله ، والجهل نوعان: جهل سفاهة، وجهل انتفاء علم، والمراد هنا هو النوع الثاني، ومثال الجهل الذي هو السفاهة قول الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، أي: بسفاهة وليس المراد بالجهالة انتفاء العلم؛ لأن انتفاء العلم يرتفع به الحرج والإثم، إذًا قوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، أي: من ذوي الجهل الذين لا يعرفون سنن الله في خلقه. فإن قال قائل: هل يلزم من هذا النهي أن يكون النبي ﷺ فعل فعل الجاهلين؟ الجواب: لا، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، وقال : ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ [يونس: ٩٤]، فلا يلزم من هذا الشرط أن يقع المشروط. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أن النبي ﷺ قد عظم عليه إعراض المدعوين إلى الإسلام، وهل هذا انتصار لنفسه، أم رغبة في هداية عباد الله؟ الثاني بلا شك، وهذا من تمام نصحه ﷺ للأمة ﵊.

стр. 186

الفائدة الثانية: أن الإنسان ينبغي له ألا يهون عليه إعراض الناس، بل يكون كبيرًا في نفسه، لكن لا تعصبًا لما هو عليه، ولكن من أجل مصلحة الآخرين، فإذا رأينا مثلًا رجلًا عالمًا عابدًا كريمًا، لكنه في الأسماء والصفات على غير ما يرام، فهل يشق علينا هذا أو لا؟ لا شكَّ أنَّه يشق علينا هذا، وإذا نظرنا إليه بعين القدر رحمناه، وقلنا: سبحان الله! كيف يكون هذا الرجل الففيضل على عقيدة غير سليمة؛ نرحمه حقيقة؛ لأنه محروم، لكن إذا نظرنا إليه بعين الشرع فإننا نجادله، فإن رجع إلى الحق فهذا المطلوب، وإن لم يرجع فإننا نفعل به كما قال الشافعي ﵀: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسُّنَّة، وأقبل على علم الكلام" (١)، وكذلك لو زنا رجل وهو من علية القوم ومن أهل الخير، إذا نظرنا إليه بعين القدر رحمناه ورققنا له، كيف يصدر الزنا من هذا؟ لكن إذا نظرنا إليه بعين الشرع أقمنا عليه الحد ولا نرأف به، كما قال : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾، لم يقل في قدر الله بل قال: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: ٢]، ولهذا جاء في الحديث - وإن كان فيه نظر -: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" (٢). الفائدة الثالثة: أن الله قد يبين الشيء

стр. 187

المستحيل بضرب مثل له، دون أن يذكره بعينه، وجهه أن الله قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، يعني: فافعل، بدلًا من أن يقول: وإن كان كبر عليك إعراضهم فإنهم لن يؤمنوا، ولأن هذا هو المتوقع، لكن الله تعالى ضرب مثلًا حتى يكون مقنعًا للرسول ﵊ ولغيره أيضًا. الفائدة الرابعة: طلب الشواهد لصحة ما يقول الإنسان: قد يكون من الأرض، وقد يكون من السماء؛ لأن الله إنما قال له: ذلك لا لأجل أن يلجأ، ولكن من أجل أن يأتي بما يشهد له، ولهذا قال: ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾. الفائدة الخامسة: أنه لا بد لكل نبي من آية وهذا من حكمة الله ، أرأيت لو جاء رجل في غير هذه الأمة، وادعى أنه رسول، وقال: أنا رسول ومنهجي كذا، وعقيدتي كذا، وعبادتي كذا، فأطيعوني بدون أي آية، هل يكون هذا من الحكمة؛ ليس من الحكمة، ومن كذّبه فهو معذور، وإلا لكان كل كاذب دجال يدير أنه نبي، وربما يدير أنه رب، فالآيات فيها نصر للرسل، ورحمة بالمرسل إليهم حتى يؤمنوا عن يقين. الفائدة السادسة: أن الهداية والضلالة بيد الله لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾. الفائدة السابعة: إثبات مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر وهي المشيئة، وأن الله تعالى قد شاء جميع أفعال عباده، و مراتب القدر أربعة، وهي: (العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق) مجموعة في قول الشاعر: عِلْمٌ كِتَابَةُ مولانا مَشِيْئَتُهُ ... وخَلْقُهُ وَهْوَ إيجادٌ وتكوينُ

стр. 188

الفائدة الثامنة: حكمة الله في جعل الناس صنفين: مؤمنين وكافرين، وهذا أمر لا بد منه؛ لأنه لولا الكفر لم يعرف فضل الإيمان، ولولا الإيمانُ لم يعرف قبح الكفر، كما أنه لولا الحلو ما عرف المر، وهذا واضح، فإن لم يكن هناك أشياء متضادة ما عرف فضل الأشياء المحمودة، ثم إنه لولا اختلاف الناس في الإيمان والكفر ما قامت راية الجهاد؛ لأنهم كلهم إما مؤمنون وإما كافرون، فمن يُجَاهِدُ؟ فلولا هذا الاختلاف ما قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الناس سيكونون كلهم إما على منكر وإما على معروف، لولا هذا الاختلاف ما قامت الدعوة إلى الله ؛ لأنهم إن كانوا مؤمنين كلهم لم يحتاجوا إلى دعوة، وإن كانوا كافرين ما دعوا، إذاً فمن الحكمة أن الله جعل الخلق صنفين. لكن قد يقول قائل: إذا كان أحد الناس من الصنف الآخر الكافر أفلا يكون في هذا ظلم له؟ وهذا قد يرد على النفس، ما دمنا نقول: إن الكفر بمشيئة الله، وأن الله بحكمته قَسَّمَ الناس إلى قسمين، أفلا يقول الكافر إن في هذا ظلمًا لي؟ فالجواب: لا، كما قال بعض أهل السُّنَّة وهو يجادل معتزليًا حين قال له: أرأيت إن منعني الهدى، وقضى عليَّ الردى أحسن إليَّ أم أساء؟ فقال له السني: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (١).

стр. 189

ونقول - أيضًا - لا حجة للعاصي على معصيته بقدر الله تعالى؛ لأن العاصي يقدم على المعصية باختياره، من غير أن يعلم أن الله تعالى قَدَّرها عليه، إذ لا يعلم أحد بقدر الله إلا بعد وقوع مقدوره ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتج حين إقدامه على ما اعتذر بها عنه، وقد أبطل الله تعالى هذه الحجة بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لماذا لم تُقْدِم على الطاعة مقدرًا أن الله تعالى قد كتبها لك، فإنه لا فرق بينها وبين المعصية في الجهل بالمقدور قبل صدور الفعل منك! ولهذا لمَّا أخبر النبي ﷺ الصحابة "بأن كل واحد قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار"، قالوا: أفلا نتكل وناع العمل؟ قال: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (١). ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لو كنت تريد السفر إلى مكان معين وكان له طريقان أخبرك صادق عنهما، أحدهما مخوف صعب، والثاني آمن سهل، فإنك ستسلك الثاني، ولا يمكن أن تسلك الأول وتقول إنه مقدَّر على وإلَّا عدَّك الناس في قسم المجانين.

стр. 190

ونقول له أيضًا: إذا أُصبت بمرض جسمي فإنك تطرق باب كل طبيب لعلاجك، وتصبر على ما ينالك من ألم عملية الجراحة وعلى مداواة الداء، فلماذا لا تفعل مثل ذلك في مرض قلبك بالمعاصي؟ * قال الله : ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ [الأنعام: ٣٦]. قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ يستجيب ويجيب معناهما واحد، والجملة فيها حصر، طريقه ﴿إِنَّمَا﴾، يعني: ما يستجيب لدعوتك يا محمد إلا الذين يسمعون، والمراد بالسماع هنا سماع الانقياد والقبول، وليس سماع الإدراك؛ لأن سماع الإدراك يدخل فيه البر والفاجر والمؤمن والكافر، ويدل على التفريق بين سماع القبول والإذعان، وسماع الإدراك قول الله ﵎: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾ [الأنفال: ٢١]، أي: لا يستجيبون وينقادون. قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ فاعلُ ﴿يَسْتَجِيبُ﴾. قوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ هذه جملة مستأنفة لا يصح أن تعطف على ما سبق، ﴿وَالْمَوْتَى﴾ جمع ميت، وهل المراد موتى القلوب أو موتى الأجسام؛ في ذلك قولان للعلماء، بعضهم قال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾، أي: موتى القلوب وهم الكفار يبعثهم الله فيجازيهم، وبعضهم قال: الموتى موتى الأجساد، يبعثهم الله ردًا على الذين ينكرون البعث، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ليس أحدهما أظهر من الآخر ولا منافاة بينهما فالقاعدة أن تحمل

стр. 191

عليهما جميعًا، فالموتى من هؤلاء الكفار سيبعثهم الله ويجازيهم، وموتى الأجساد الذين فارقت أرواحهم أجسادهم سوف يبعثهم الله، فيكون في الآية تهديد ووعيد ورد على من ينكرون البعث. وقوله: ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾، أي: يخرجهم من قبورهم يوم القيامة. قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، يعني: ثم بعد البعث يرجعون إلى الله ، ويكون أمرهم إلى الله تعالى، وفي ذلك الوقت ليس هناك مخاصم ولا مجادل. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: حصر الاستجابة لدعوة الرسل بالذين يسمعون، لكن هل يسمعون سماع إدراك، أو سماع قبول وإذعان؟ المجواب: سماع قبول وإذعان. الفائدة الثانية: أنه كلما صار الإنسان أسمع لكلام الله ورسوله صارت استجابته أقوى، وذلك مأخوذ من القاعدة المعروفة (أنَّ ما علق على وصف فإنه يزداد قوة بحسب هذا الوصف الذي علق عليه الحكم)، مثال ذلك قوله: : ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، فكلما كان أقوى كان أخير وأنفع، وكذلك الأمانة كلما كان آمن كان أخير، المهم أنَّ هذه القاعدة مفيدة في كل شيء عُلّق على وصف، فإنه يزداد قوة بحسب قوة ذلك الوصف. الفائدة الثالثة: إثبات البعث، والإيمانُ بالبعث أحد أركان الإيمان الستة، التي أخبر بها النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -

стр. 192

جبريل حينما قال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" (١). الفائدة الرايعة: أن هؤلاء الكفار بمنزلة الموتى، وذلك لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون، كما أن الميت لا ينتفع بما يسمع؛ لأنه جثة، فكذلك هؤلاء الكفار. الفائدة الخامسة: تهديد أولئك الكفار الذين لا يسمعون بأن الله سيبعثهم ثم يجازيهم. الفائدة السادسة: قدرة الله الكاملة، وذلك بالبعث، والبعث ليس كالإحياء يكون شيئًا فشيئًا، وتجد البشر وغير البشر يخرج صغيرًا ثم ينمو حتى يتكامل، أما البعث فيبعثون كلهم في لحظة واحدة، اقرأ قول الله : ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات: ١٣، ١٤] وقوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [يس: ٥٣]، وقال : ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٥٠]. الفائدة السابعة: أن المرجع في النهاية إلى الله لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، وهذا الرجوع فيه حصر، طريقه تقديم المعمول في قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، وفائدة هذا التقديم في هذه الآية لفظية ومعنوية، أما المعنوية فهي إفادة الحصر وأنه لا مرجع إلا إلى الله، وأما اللفظية فلتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة، انظر إلى سورة طه آخر آياتها الألف

стр. 193

إلا قليلًا، ولما جاء ذكر موسى وهارون قدم هارون على موسى لتتناسب الآيات وإلا فإنه من المعلوم أن موسى أفضل من هارون. * قال الله : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ [الأنعام: ٣٧]. قوله: ﴿وَقَالُوا﴾، أي: المعاندون المكذبون للرسول المتعنتون. قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، وهم يريدون بذلك الآيات التي اقترحوها مثل قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]، ومع ذلك يقولون ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وغير ذلك من الآيات التي اقترحوها، ولكن من حكمة الله أنه سد باب الاقتراح على الله فإنما الآيات من عند الله ، فهو الذي يأتي بها، وليس باقتراح الخلق، والخلق إذا اقترحوا آية معينة، ثم أوتوا بها فلم يؤمنوا هلكوا، هذه سُنَّة الله ، ولا يرد على هذا أن قريشًا قالوا للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: أرنا آية يا محمد، فأشار إلى القمر فانشق نصفين، قال أهل العلم: إنما لم يهلكوا؛

стр. 194

لأنهم لم يقترحوا آية معينة، ولو اقترحوا آية معينة، ثم جاءت ولم يؤمنوا لهلكوا، هكذا قرر أهل العلم ﵏. وقوله: ﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، أي: علامة تدل على صدقه وصحة رسالته، وهنا نريد أن نبيِّن أن بعض العلماء، وما أكثرهم يعبرون عن آيات الرسل بالمعجزات، وهذا نقص عظيم؛ لأننا لو سميناها بالمعجزات لورد علينا ما يفعله السحرة، فإن السحرة يفعلون ما يُعْجِزُ البشر، لكن تسميتها آية تحدد المعنى، وهو العلامة الدالة على صدقه وصحة رسالته، ولذلك لا تجد في القرآن أن الله عبر عن آيات الرسل بالمعجزات أبدًا، إنما يعبر عنها بالآيات. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ يعنون بذلك الله ، وفي هذا التعبير تكبرٌ وتعالٍ، حيث قالوا: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، ولم يقولوا: من الله ولا من ربنا كأنهم في شق، والرسول ﷺ مع الله في شق آخر. قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، أي: ليس بعاجز على أن ينزل آية، بل هو قادر، ولما طلب الحواريون من عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء، هل قدر الله عليها؟ نعم قدر الله عليها - على قول من يقول إنها نزلت - وكذلك آيات الرسل الحسية والمعنوية كلها من عند الله، فهو قادر على أن ينزل آية، ولكنه لا يريد أن يأتي بما يطلبه هؤلاء؛ لأنه لو جاءت الآيات حسب الاقتراح لكان كل واحد يقترح ما يرى أنه آية، وقد يقترح ما يرى أنه آية وليس بآية، لذلك نقول: الآيات عند الله ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، ولكنَّه لا يريد، وإذا لم يرد لم يكن.

стр. 195

قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أن الله هو الذي ينزل الآيات، وهو قادر على أن يأتي بآية وقادر على أن لا يأتي بآية، فهم جهلة ولو كان عندهم علم، لعلموا أن النبي ﷺ لا يمكن أن يأتي بالآيات، بل الذي يأتي بها هو الله. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: تعنت هؤلاء المكذبين، حيث احتجوا بأن الله لم ينزل عليهم آية، ولكن هل هذه الدعوى حق، أو باطل؟، واللهِ إنها باطل، فآيات النبي ﷺ مشاهدة معلومة، ومن آياته العظيمة هذا القرآن الذي جعل كبار قريش يتسللون لواذًا في الليل ليستمعوا قراءة النبي ﷺ ؛ لأنها سحرت ألبابهم، وأعجبتهم إعجابًا كثيرًا، لكنهم معاندون، كذلك آيات كثيرة حسية مثل ما حصل لعمه أبي طالب من البركات في أهله وماله بسبب حضانته للنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، كذلك أيضًا صد أعدائه عنه ﵊ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس: ٩]، والآيات كثيرة يعرفونها لكنهم مستكبرون. الفائدة الثانية: استكبار هؤلاء وترفعهم حيث قالوا: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾، ولم يقولوا من ربنا، ولم يقولوا من الله، كأنهم في جانب، والرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - والله في جانب آخر. الفائدة الثالثة: انتصار الله للنبي ﷺ ، حيث إنه دافع عنه، لمّا قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ لا شك

стр. 196

إن هذا يوجب ضغطًا على الرسول ﵊ فالله تعالى يجيب عنه انتصارًا له ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾. الفائدة الرابعة: إثبات قدرة الله لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، وهذه القدرة قدرة كاملة لا يلحقها شيء من العجز، لقول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، فلكمال علمه وقدرته لا يعجزه شيء؛ لأن العجز عن الشيء سببه إما الجهل وإما الضعف، فالله عليم قدير، وهذه القدرة تتعلق بكل شيء فهو على كل شيء قدير، ولا تبحث كما جث المتكلمون المتعمقون المتنطعون، هل تتعلق بالممكن والواجب والمستحيل، أم بالممكن والواجب فقط دون المستحيل؟ هذا. كلام فارغ وليس ذا معنى؛ لأن الله أطلق قدرته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]. توجد عبارة لبعضهم يقولون: خص العقل ذاته فليس عليها بقادر، أعوذ بالله، كلام فارغ، يعني: أن العقل دل على أن الله لا يقدر على نفسه، وهذا يعني: تعطيل الله عن كل فعل " لأنه لا يقدرأن يفعل أي شيء فيما يتعلق بنفسه، ونحن نقول ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فإذا قال قائل: هل تقول إن الله يقدر أن يهلك نفسه - نسأل الله العافية -؟ فالجواب: نقول إن الله أثبت لنفسه الكمال من كل وجه، والهلاك نقص فلا يمكن، وهذا السؤال غير وارد، لكنَّ المتكلمين يوردونه حتى يصلوا إلى أن القدرة لا تتعلق بالمستحيل.

стр. 197

يُذْكَرُ أن الشيطان يضع كرسيه على البحر، ويرسل جنوده يضلون الناس، فإذا مات العابد لم يكترث بذلك، وإذا مات العالم فإنه يفرح فرحًا عظيمًا، فقال له جنوده: لِمَ تفرح هذا الفرح بموت العالم، ولا تكترث بموت العابد؟ قال؛ لأن العالم أضر عليَّ من العابد؛ لأن العابد إذا مات لم يفقده إلا نفسه، والعالم تفقده الأمة؛ فالعالم إذا اهتدى هدى الله به أُمة والعابد في مسجده، فقال الشيطان: وإن شئتم ضربت لكم مثلًا، يقال: إنَّه أرسل إلى العابد، فقال له: يا فلان: هل يستطيع الله أن يجعل السماوات والأرض كلها في بيضة؛ فقال العابد: لا، السماوات كلها في بيضة!! لسان حاله يقول: أنا لو قعدت في البيضة ما وسعتني كيف السماوات والأرض؟ لا يمكن، ثم أرسل إلى العالم وقال له: هل يقدر الله أن يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ قال: نعم ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، فجاء المندوب قال: انظر، هذا العابد كفر وهو لا يعلم؛ لأنه أنكر قدرة الله ، وذاك، أي: العالم آمن؛ لأنه قال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢] على كل حال أنا أقصد أنَّ التعمق في هذه المسائل غلط، أثبت ما أثبته الله لنفسه، وأن الله على كل شيء قدير، وأعرض عما سوى ذلك. الفائدة الخامسة: أن أفعال الله مقرونة بمشيئته، بمعنى: أَنَّ ما لم يشأ لم يكن، وإن كان قادرًا عليه لقوله: ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، يعني: ولكنه لم يشأ.

стр. 198

الفائدة السادسة: أن أكثر هؤلاء المنكرين المكذبين لا يعلمون حقيقة الأمر؛ لأنهم لم يتفكروا، ولو تفكروا لعلموا، لكنهم معرضون. * * * * قال الله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨] اقرأ - سبحان الله -. قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ المراد بالدابة كل ما يدب على الأرض، بأرجل متعددة، أو أربع، أو اثنتين، أو يزحف على بطنه، أي: دابة في الأرض. فإن قيل: وهل السيارات والطيارات تسمى دواب؟ فالجواب: لا، المراد ما فيه الروح. لكن لو قال قائل: الرسول ﷺ كان إذا استوى على دابته حمد الله، وكذلك نحن إذا ركبنا السيارة نقول: هذا الدعاء مع أنها ليست دابة؟ فالجواب: هي ليست دابة، لكنها راحلة. قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾، فذكر المخلوقات الأرضية والمخلوقات الهوائية التي تسبح في الجو، فالطيور على اختلاف أنواعها، وكذلك الدَّوَاب التي على الأرض على اختلاف أنواعها كلها أممٌ أمثالنا تختلف في أجناسها، وتختلف في ألوانها، وتختلف في قدراتها، وتختلف في أرزاقها، وتختلف في لغاتها، كما أننا نحن كذلك أمم.

стр. 199

وقوله: ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ هذا من باب التوكيد؛ لأنه من المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه، كما إذا قلت يمشي برجليه، أو ينظر بعينيه، أو يسمع بأذنيه، وما أشبه ذلك، وأما دعوى بعضهم أن هذا قيد تخرج به الطائرات؛ لأن الطائرات تطير لكن ليس بجناحيها، فهذا غلط؛ لأن شيئاً لم يكن معروفاً في ذلك الوقت لا يصح الاحتراز منه؛ لأنه غير واردٍ أصلاً، فالصواب أن قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ من باب التوكيد، على أني أقول إن الطائرة مركبة على هيئة الطير فيها جناح يمين ويسار يمنعها من التأرجح، وفيها أيضاً هواء، والطير يطير بالهواء، وفيها أيضاً انخفاض الأجنحة عند النزول، وارتفاعها عند الطلوع، المهم أن الذي سمعناه وقرأناه ورأيناه في الصورة أن هذه الطائرات مركبة على حسب الطيور. قوله: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ وهذه الأمم - سبحان الله - متنوعة متفرقة مختلفة، في الأحجام، وفي الألوان، وفي القوى، وفي كل شيء، أيضاً مختلفة في اللغات والألسن. فإن قيل: هل تفهم البقرة ما تصدره الهرة من الصوت؟ فالجواب: لا تفهم، ولا العكس، لكن بقرة مع بقرة تفهم، وهرة مع هرة تفهم، وتأمل - سبحان الله - تجد أن الهرة لها أصوات مختلفة، فإذا كانت تريد الذَّكَر فلها صوت خاص، وإذا كانت تريد أن تدعو أولادها الصغار فلها صوت خاص، تجدها تدخل في المكان، ثم تموء لصغارها فماذا هم مجتمعون عليها - سبحان الله - بصوت غير العادي، كذلك غيرها مثلها، فكل واحد من هذه الأمم لا يفهم لغة الأمم الأخرى.

стр. 200

ثم إن الله أعطى كل نوع من هذه الأمم هداية يهتدي بها كيف يعيش، ويقال: إن أذكى ما يكون النمل - سبحان الله - أعطاه الله تعالى ذكاء عجيباً، فهو من الحيوان الذي ينظر إلى المستقبل، فإذا جاء وقت الحَبّ جمع الحَبّ في جحوره وماذا يصنع؛ يأكل رأس الحبة من أجل ألا تنبت؛ لأنها لو نبتت فسدت عليه، ثم إذا جاءت الأمطار، ووصل المطر إلى الحب خرج به مهما كان ينشره لئلا يفسد ولاتقاء رائحته، فسبحان الله، وهذا شاهدناه وشاهده غيرنا. فإن قال قائل: إذا رأيت هذا الحَبّ الذي أخرجه النمل، هل يجوز أخذه؟ فالجواب: يجوز أخذه عند الضرورة؛ لأن حرمة الآدمي أبلغ من حرمة النمل، ثم نقول أيضاً: يجوز إذا كان النمل يمكن أن يتغذى بغيره؛ لأن النمل في أيام الشتاء لا يخرج، بل يبقى في جحوره، وإذا لم يكن مضطراً نظرنا، إذا كان لا يمكن أن يجلب طعاماً غيره فلا بأس أن يأخذه وإلا فيبقيه لها؛ لأني أخشى أن يكون هذا من جنس حبس الهرة التي دخلت النارَ امرأةُ بها لا هي أطعمتها، ولا أرسلتها تأكل من خشاش الأرض (١). ونظير ذلك أيضاً لو وجدْت مع هرةٍ لحماً جاءت به من الجيران هل لك أن تأخذه من هذه الهرة؟

стр. 201

الجواب: يؤخذ منها؛ لأن الهرة الآن سرقت، فيؤخذ منها ويرد إلى صاحبه لا سيما إذا كانت دجاجة حية فأنقذها وأعطها الجيران. وهل يجوز أخذ نصف الحب الذي أخرجه النمل وترك نصفه؟ الجواب: إذا أخذت النصف يجب عليك أن ترده إلى صاحبه، أي: صاحب المزرعة التي بجوار النمل؛ لأنه في الغالب يأخذ مما حوله، فخذ هذا الحب وأعطه صاحب المزرعة، وقد أخبرني بعض الطلاب من دولة مجاورة لنا أن بعض الإخوة يأتي إلى بيت النمل ويكلمه، يقول: أسألكم بالله أن تخرجوا ويعطيهم زاداً، ويقرأ بعض آيات من سورة النمل، يقول: فخرج النمل من مزرعته لكن دخل في مزرعة جاره، وأيضاً مما أخبرني به قال: إنه كان عندنا في مسجد الحي عند باب المسجد نمل كثير، وهذا المسجد في دولة فيها صوفية فجاء أحد الإخوان المستقيمين من أهل السُّنَّة، وقال للنمل: أسألكم بالله أن تخرجوا من هذا المكان قال: فجئنا في اليوم الثاني فلم نجد النمل، وكان مؤذن المسجد صوفياً فلما رأى رحيل النمل قال لهذا الأخ: أنت ولي، وسمعنا أن بعض الإخوان كان يجلس على كرسي صغير، ثم يقرأ آيات من القرآن فيرحل النمل عن بيته - الله أكبر - وهذا يدل على أن النمل يفهم، وقصة سليمان دليل واضح على أنه يفهم. لو قال قائل: ما حكم النمل الذي في البيت إذا كان يسبب أذية للصغار؟ الجواب: نقتله، ونحن جربنا القاز [الكيروسين]، فأنت إذا صببته على الجحر رحل النمل.

стр. 202

المهم أن هذه الدواب أمم أمثالنا، ولها عجائب، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب مفتاح دار السعادة العجب العجاب من هذه الأمم. قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فرطنا، يعني: أهملنا، و المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ، وليس الكتاب العزيز والسياق هو الذي يعين ذلك، ولأن الكتاب العزيز قال الله فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فالمراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، يعني: ما أهمل الله شيئاً إلا كتبه في اللوح المحفوظ، ولا يشكل عليك أن تقول: كيف يُكتب كل شيء حتى أصناف الدواب؟ نقول: الواجب على الإنسان أن يؤمن بما أخبر الله به سواء أدركه عقله أم لم يدركه، ولو كان الإنسان لا يؤمن إلا بما أدركه عقله لم يكن مؤمناً حقاً، فكل ما أخبر الله به من هذا وغيره يجب علينا أن نؤمن به، ولا نعترض ولا نورد إيرادات سواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه، على أنه وجد الآن من صنع البشر أشياء صغيرة تحمل كلمات كثيرة جداً، وهي من صنع البشر، هذه الأقراص التي يسمونها الليزر تحمل كثيراً جداً من الكلمات. لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ هل يؤخذ منه أن دعاء: "اللهم لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه"؟ فالجواب: لا يثبت، هذا الدعاء معروف أنه منكر، ولا يجوز الدعاء به فقولهم: "رب لا أسألك رد القضاء، ولكن أسألك اللطف فيه" هذا غلط، والدعاء - به يدل على أن هذا

стр. 203

الإنسان كأنه يقول: لا أبالي، بل الواجب أن تسأل الله أن يعافيك، ولا يرد القضاء إلا الدعاء لكن هذه كلمة من صوفي، أو شبهه وسارت على الألسنة. فإن قيل: هل الإنسان مسير أو مخير؟ قلنا: - سبحان الله - فهذا الذي سأل هذا السؤال مخير أو مسير؟ من المعلوم أن الإنسان: مخير، فهو الذي اختار أن يسأل. وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة للتوكيد، وقد مرّ بنا أنه ليس في كتاب الله تعالى شيء زائد لغير معنى أبداً؛ لأن القرآن لفظ ومعنى، لكن قولنا (زائد)، يُراد به: الزيادة الإعرابية، يعني: زائداَ إعراباً، أما معنىً فلا. قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، يعني: ثم بعد أن تنتهي الدنيا ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الذي خلقهم ، وكتبهم في اللوح المحفوظ ﴿يُحْشَرُونَ﴾، أي: يجمعون كل شيء يحشر يوم القيامة، ولا تستغرب فتقول: كيف تحشر هذه الدواب والسباع والبهائم والطيور وغيرها؟ بل الواجب عليك أن تصدق، والمسألة فوق ما يدركه العقل، كلهم يحشرون إلى الله، وكلهم يقتص للمجني عليه من الجاني، حتى الشاة التي ليست لها قرون تقتص من الشاة التي لها قرون إذا نطحتها في الدنيا، وهذا من كمال العدل، ولهذا يظهر يوم القيامة من تمام عدل الله ورحمته وغضبه أيضاً ما لم يكن سابقاً، حتى يظهر تمام العدل للخلائق جميعاً.

стр. 204

من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: أنه ما من حيوان يدب على الأرض، أو يطير في السماء إلا وهو مكتوب عند الله . الفائدة الثانية: أن القرآن الكريم جاء بالأسلوب العربي، أي: أنه جرى على ما ينطق به العربُ في لغتهم، فإذا كان من لغة العربُ مثلاً: أن يؤكدوا الشيء بما يزيده قوة، جاء به القرآن، لذلك نجد في القرآن، الكريم كثيرًا من الإقسامات على الشيء، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١)﴾ [الطارق: ١]، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ [البروج: ١] هل هذا لشك فيما أخبر الله به؟ لا؛ لأن الله تعالى صادق، سواء أقسم أم لا، لكن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، فجرى في التعبير على ما كان العرب يعبرون به. الفائدة الثالثة: أن الإنسان يجب أن يعرف قدر نفسه، فهو بالنسبة لعظمة الله ؛ كالنملة لقوله: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ إذاً لا تترفَّعْ ولا تتعالَ، فما أنت إلا مثل هذه الدواب بالنسبة لعظمة الله ، وإن كان الله قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]، أي: لم يُفضِّل بني آدم على كلِّ ما خلق الله، بل على كثير مما خلق الله، وما يفهمه بعض الناس من أن بني آدم هم أفضل المخلوقات فخطا؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ لم يقل على من خلقنا، وإياك أن تأتي بالتعليل مع وجود الدليل.

стр. 205

لو قال قائل: يَرِدُ كثيراً على ألسنة الخطباء وفي مقدمة بعض الكتب "والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد ﷺ "هل هذا جائز؟ الجواب: هذا غلط، وإن كان بعضهم أطلق فقال (١): وأفضلُ الخَلْقِ عَلى الإطلاقِ (٢) ... نبينا فَمِلْ عن الشِّقَاقِ ولكن يجب أن يقيد الخلق ببني آدم؛ لأن الرسول ﷺ قال: "أنا سيد ولد آدم" (٣)، وأما ما جاء في الحديث "خيرته من خلقه" (٤)، المراد خلق الآدميين. الفائدة الرابعة: أن الله لم يهمل شيئاً في اللوح المحفوظ، فكل شيء كتبه لقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ولأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. الفائدة الخامسة: أن مآل هذه المخلوقات الطائرة والزاحفة وغيرها، إلى الله لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ * * *

стр. 206

* قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩]. قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ هذه الجملة معطوفة عطفَ جمل، أي: قالوا إنها كذب ولم يصدقوا بها، جاءوا للآيات الكونية وقالوا هذه سحر، مثل فرعون حينَ رأى آيات موسى قال: هذا سحر، وكما قال الله عن قريش: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، فكذبوا بالآيات الكونية، وكذبوا كذلك بالآيات الشرعية، ووصفوا الرسل بالكذبة وبالشعراء وبالكهنة وبالمجانين وبالمسحورين وما أشبه ذلك، وهذا تكذيب بالآيات الشرعية، هؤلاء الذين كذبوا بآيات الله ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ فلهم ثلاث أحوال، ﴿صُمٌّ﴾ بآذانهم لا يسمعون الكتاب سماع انتفاع، فانسد طريق الحق عنهم من جهة السماع، ﴿وَبُكْمٌ﴾ جَمْعُ أبكم وهو الذي لا ينطق، فلا ينطقون بالحق ولكنهم ينطقون بالباطل، ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ لا يبصرون، الظلمات محيطة بهم من كل جانب؛ لأن (في) تدل على الظرفية، والظرف محيط بمظروفه، فانسدت عليهم أبواب العلم والمعرفة: السمع والبصر والنطق، - والعياذ بالله - وفي هذا قال الله في سورة البقرة: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨]. قوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ الجملة شرطية، فعل الشرط ﴿يَشَإِ﴾، وجوابه ﴿يُضْلِلْهُ﴾، أي: من يشأ الله إضلاله يضلله؛ لأن الأمر أمره ، لا معقب لحكمه ولا اعتراض

стр. 207

عليه، ولا يُسأَل عما يفعل - فنسأل الله أن يهدينا فيمن هدى - ﴿يُضْلِلْهُ﴾، فيعمى عن الحق ولا يصل إليه. قوله: ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ونقدر هنا ﴿وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته ﴿يَجْعَلْهُ﴾، أي: يُصيره على (صراط مستقيم)، أي: لا عوج فيه وهو الإسلام. من فوائد الآية الكريمة: الفائدة الأولى: بيان حال الذين كذبوا بآيات الله، وأنه لا سبيل إلى هدايتهم؛ لأنهم صم لا يسمعون الحق سماع انتفاع، وكذلك هم في الظلمات، وأنهم لا ينطقون بالحق. ولو قال قائل: الذين يحرفون الآيات هل يدخلون في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؟ فالجواب: التحريف بمعنى: التأويل، فإذا كان تأويل إنكار فربما يدخلون في هذه الآية، أما إذا كان تأويلاً عن اجتهاد فهم لا يدخلون في هذه الآية، وليسوا بمعاندين والتأويل يُقبل إذا كان اللفظ يحتمله، وهناك ما يرجح المعنى الآخر، لكن إذا كان لا يحتمله اللفظ فهم معاندون فيشبهون الذين جحدوا. وهل الذين لا يعملون بهذه الآيات يدخلون في الذين كذبوا بآيات الله؟ الجواب: لا يدخلون؛ هؤلاء مستكبرون. الفائدتان الثانية والثالثة: أن من شاء الله هدايته اهتدى، وأن من شاء إضلاله ضل، ويتفرع على هذه الفائدة أن يلجأ الإنسان إلى ربه ﵎ بطلب الهداية والاستعاذة من الغواية؛ لأن الأمر بيد الله.

стр. 208

فإن قيل: وهل هذه المشيئة مشيئة مجردة بدون حكمة، أو أنها مشيئة مقرونة بالحكمة؟ فالجواب: أنها مشيئة مقرونة بحكمة، وهذا هو المتعين؛ لأن جميع أفعال الله ﵎، وأحكامه كلها مقرونة بالحكمة، انظر في أحكام الله، قال الله - تعالى - في آية المواريث ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]، وقال تعالى في الأمور القدرية ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠]، فلا مشيئة مجردة في أفعال الله وأحكامه، بل هي مقرونة بالحكمة. فإن قيل: وهل هذه الحكمة معلومة للخلق؟ فالجواب: قد تكون معلومة، وهذا - والحمد لله - هو الأكثر، وقد تكون مجهولة لبعض الناس دون بعض، وقد تكون مجهولة لجميع الناس؛ لأنهم لا يحيطون بالله علماً. الفائدة الرابعة: أن الصراط وهو دين الإسلام مستقيم، لا اعوجاج فيه، ولا انحراف فيه، ولا شقاء فيه، ويضاف إلى ذلك أنه لا تناقض فيه؛ لأنه لو كان فيه تناقض لم يكن مستقيماً. فإن قال قائل: هل للإنسان حجة على الله إذا أضله وهدى آخرين؟ فالجواب: لا؛ لأن الهداية فضل من الله ، وفضل الله يؤتيه من يشاء، والإضلال لا بد أن يكون مبنياً على حال العبد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ [الصف: ٥]، ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] فالحاصل

стр. 209

أن الله - تعالى - يضل ويهدي من يشاء لحكمة، ولا بد أن يكون الإضلالُ من جراء فعل العبد. * * * * قال الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١]. قوله: ﴿قُلْ﴾، أي: يا محمد، وإن شئت فقل: إن الخطاب عامّ لكل من يصح خطابه ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ قال العلماء: أرأيت بمعنى أَخْبِرْني وإعرابها كالتالي: الهمزة: للاستفهام، والرؤيا هنا علمية، والتاء فاعل، والكاف للخطاب توكيداً، وليس لها محل من الإعراب، والميم علامة الجمع، وقوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ تحتاج إلى مفعول أول ومفعول ثانٍ؛ لأن الرؤية هنا علمية، و (رأى) العلمية تنصب مفعولين والمفعول الأول هنا محذوف ويقدر بما يناسب المقام، والذي يناسب المقام هنا حالكم عند الشدة، والجملة الاسمية ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ في محل نصب المفعول الثاني، يعني: أخبروني إذا وقعتم في شدة أتدعون غير الله؟ الجواب: لا، وهذا تفسير بالمعنى، أما التفسير المطابق للفظ: أعلمتم هذا فأخبروني. قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، أي: إذا وقعوا في الشدة عرفوا الله، والعجب أن المشركين إذا وقعوا في الشدة دعوا الله، وأن بعض الطوائف المبتدعة في هذه الأمة إذا وقعوا في الشدة دعوا غير الله،

стр. 210

إذا وقعوا في الشدة دعوا عبد القادر الجيلاني ﵀، دعوا على بن أبي طالب، أو الحسين ﵄، وما أشبه ذلك، فصار حال المشركين خيراً من حال هؤلاء. وقوله: ﴿عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ المراد أن الله قد لا يعذب هؤلاء المكذبين ويؤخر ذلك إلى قيام الساعة، يعني لا بد إما أن يصيبهم العذاب في الدنيا، وإما أن يصيبهم في يوم القيامة. قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينجيكم، ولكن إذا كانوا يدعون الله عند الشدة صاروا كاذبين في دعواهم أن هذه الآلهة تنجيهم. * * * * قال الله : ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١]. قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي، إبطال أنهم يدعون غير الله و ﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول مقدم لـ ﴿تَدْعُونَ﴾، وتقديم المعمول يفيد الحصر، والمعنى: بل لا تدعون إلا الله. قوله: فَيَكشفُ بمعنى: يزيل كما تكشف المستور فتزيل ستره حتى يظهر ويبدو، ﴿مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾، أي: ما دعوتم به إلى الله ، أي: يكشف الدعاء الذي أنهيتموه إلى الله ، ﴿إِنْ شَاءَ﴾، وإنما قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ لئلا يطمع هؤلاء في كشف الكربة فإذا لم تكشف احتجوا على الله، فإذا قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ صارت المسألة تحت مشيئة الله، قد يشاء الله كشف هذه الكربة، وقد لا يشاء حسب ما تقتضيه حكمته ﵎.

стр. 211

قوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾، أي: تذهلون عنه لشدة ما وقع بكم فتنسون كل شيء، وقيل: إن النسيان هنا بمعنى الترك، أي: أنهم يدعون الله بحضور قلب وذكر وهما متلازمان في الواقع؛ لأن الإنسان عند الدهشة ينسى معبوداته، ولأنه أيضاً عند الشدة يعتقد أن معبوده لا ينفعه فهي صالحة للأمرين، وفسرها بهذا كثيرٌ من المفسرين بأن النسيان هنا بمعنى الترك كما قال : ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة: ١٤]، وقال ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، والنسيان المضاف إلى الله هو الترك في مثل هذا، وأما في قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] فالمراد بالنسيان هنا أن يغيب عنه ما كان ذاكراً له من قبل، فالنسيان المثبت لله يجب أن يكون بمعنى الترك لا بمعنى الذهول عن المعلوم، أما المنفي عن الله، فهو الذي يكون بمعنى الذهول. من فوائد الآيتين الكريمتين: الفائدة الأولى: تقرير الإنسان بما لا يمكنه دفعه؛ وذلك بأن يقرر بشيء يقرّ به ولا يمكنه دفعه، وذلك في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾؛ لأنهم في هذه الحال لا يدعون إلا الله، فإذا كان كذلك فلماذا يخلصون في الشدة ويشركون في الرخاء؟! الفائدة الثانية: أن هؤلاء المكذبين عند الضراء لا يلجئون إلا إلى الله لقوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. الفائدة الثالثة: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافراً، بل ويعلم أنه سيكفر إذا نجا؛ لأن الله ينجيهم

стр. 212

من الكرب، وهو يعلم أنهم إذا نجوا سوف يشركون، لكن وقوعهم في الشدة تقتضي رحمة الله أن يجيب دعاءهم، ومثل ذلك المظلوم، فإن الله يجيب دعوته ولو كان كافراً، فهذان الصنفان تجاب دعوتهما: الأول المضطر، والثاني المظلوم، يجيب الله دعوتهما، أما المضطر: فلأن رحمة الله سبقت غضبه فيرحم المضطر، وجيب دعوته، وأما المظلوم: فلكمال عدل الله أن يجيب المظلوم انتصاراً له على الظالم. الفائدتان الرابعة والخامسة: أنه لا يصرف السوء إلا الله ، ويتفرع على هذه الفائدة أنه إذا أصابك السوء فلا تلجأ إلا إلى الله . فإن قيل: وهل هذا اللجوء فطري أم هو شرعي عقلي؟ الظاهر أنه شرعي عقلي؛ وذلك لأن بعض الذين يصيبهم الضر لا يلجأون إلى الله؛ كالرافضة مثلاً: إذا أصابهم الضر يلجأون إلى أئمتهم على بن أبي طالب، أو الحسين ﵄، أو غيرهما من أئمتهم، ونحن لا ننكر أن لأئمتهم الحقيقيين درجة عند الله على حسب عملهم، لكننا ننكر أن يدعى هؤلاء من دون الله . الفائدة السادسة: الحذر من ممارسة السيئات، فإن الإنسان ربما يتوب إلى الله ، ثم يعود، ولهذا قال: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾ هنا بمعنى تتركون، يعني: أن الآلهة التي كنتم تشركون بها تتركونها، وقد تقدم في التفسير أنه يحتمل أن المعنى الترك، أو الذهول لشدة ما نزل بهم. * * *

стр. 213

* قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٤]. قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير قال أهل العلم: و (اللام) للقسم، يعني: أنها تمهد للقسم فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له و (قد) مؤكدة أيضاً، فيكون في هذه الآية مؤكدات ثلاث. قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، يعني: أرسلنا رسلاً. قوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ﴾ جمع أمة، والأمة في القرآن الكريم ترد على معاْنٍ متعددة، فهي ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠]، أي: إماماً، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة، كما في هذه الآية، أي: طائفة وشَعْب وما أشبه ذلك، وترد لمعنى رابع وهو الدين كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ. قوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ لأن كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل قبل الرسول ﵊؛ لأنه خاتمهم. قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (الفاء) عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذف تقديره: فكذبوا، أو

стр. 214

كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان: إيجاز قصر: وهو أن تكون الكلماتُ القليلةُ تحمل معانِيَ كثيرةً. وإيجاز حذف: وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في الكلام شيئاً محذوفاً تقديره فكذبوا. وقوله: ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (البأساء)، يعنى: الشدة، و (الضراء) التضرر. قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (لعل) هنا (للتعليل)، أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله ، ولكن هل حصل هذا؟ يقول الله : ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾، أي: عذابنا ﴿تَضَرَّعُوا﴾، و (لولا) هنا بمعنى: هلّا، يعني: فهلا إذ جاءهم البأس تضرعوا؟. الجواب: لا، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: صلبت ولم تلن، وبقوا على ما هم عليه. قوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (زين)، بمعنى: حسّن لهم، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: من المعاصي والكفر والشرك، ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلبه بل زينه لهم. وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (الشيطان) المراد هنا جنس الشياطين، وليس شيطاناً واحداً معيناً، كما تقول: (الإنسان) تريد به الجنس.

стр. 215

قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ (نسوا)، بمعنى: تركوا وأعرضوا عما ذكروا به. قوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، يعني: من نعيم الدنيا، فتح الله لهم أبواب كل شيء، من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾، أي: فرح بطر ومرح، ﴿بِمَا أُوتُوا﴾، أي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم ﴿أَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿بَغْتَةً﴾، أي: شيئاً مباغتاً لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف، ونسوا العذاب. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (إذا) فجائية، والمعنى فاجأهم الإبلاس، وهو اليأس من رحمة الله . من فوائد الآية الكريمة: الفائدتان الأولى والثانية: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذه كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء: ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ومن تمام الحجة في إرسال الرسل أنهم أرسلوا بلسان قومهم، أي: بلغة قومهم الذين أرسلوا إليهم، وذلك من أجل أن يفهموا الحجة، ويتفرع على هذا أنه لا تقوم الحجة بمجرد البلاغ حتى يفهمها المرسل إليهم، وإلا فلا الفائدة، إلا أنه يجب على من بلغه ولم يفهم أن يبحث، وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون سداً لعذرهم إذا قالوا: ما فهمنا، نقول: يجب عليكم أن تبحثوا، لكن أحياناً يتعذر البحث لكونهم لا يجدون من يثقون به فيبقون جاهلين.
следующие страницы →