Полный текст (226 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فقال الرجل: معرفتك بمواقع الصنائع أثقب من معرفة غيرك، ولم أجعل فلاناً شفيعاً إنما جعلته مذكرا.
فقال وأيّ إذكار لمن رعى حقَّك أبلغ من تسليمك عليه، ومصيرك إليه. إنه متى لم يتصفّح المأمول أسماء مؤملّيه بقلبه غدوة وعشياً لم يكن للأمل أهلاً، وجرى المقدار لمؤمليه على يديه بما قدِّر، وهو غير محمود ولا مشكور. وما لي إمامٌ أدرسه بعد وردي من القرآن إلاّ أسماء رجال التأميل لي، وما أبيتُ ليلةً حتّى أعرضهم على قلبي.
ووقّع في كتاب عامل: عجّل علينا بمبلغ ما اجتمع قبلك من الغلاّت، ولا تبطئ به، وإيّاك أن تستملي من جارك مطلاً به، ودفعاً عنه. وانفضْ عنك مقالة من يشينك ولا يزينك، ويوردك ولا يصدرك. ولله درُّ عديّ بن زيد حين يقول:
عن المرء لا تسأَل وأبصر قرينه ... فإنّ القرين بالمقارن يقتدى
стр. 107
تمثَّل المهديُّ وقد نظر إلى أبي عبيد الله:
رأيتك للأقصى صباً غير قرّةٍ ... تذاءبَ منها مرزغٌ ومسيلُ
وأنت على الأدنى شمالٌ عريّةٌ ... شآميةٌ تزوي الوجوه بليلُ
وفي مثله لمسافر بن أبي عمرو:
تمتُّ إلى الأقصَى بثديك كلِّه ... وأنت على الأدنى صروم مجدَّد
فإنك لم أصلحت من أنت مفسِدٌ ... تودّدك الأقصى الذي تتودّد
أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا الحارث بن أبي أسامة عن المدايني قال: جرى بين عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد منازعة،
стр. 108
فأغلظ له عمرو، فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: يا عمرو، تكلِّم أمير المؤمنين بمثل هذا؟ فقال له عمرو بن سعيد: اسكت فو الله لقد سلبوك ملكك ونكحوا أمَّك، وغلبوا أمرَك، فما هذا النُّصح الموشَّح يغشّ! أنت والله كما قال الشاعر:
كمرضعةٍ أولاد أخرى وضيَّعتْ ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقَعا
وفي مثل هذا لابن هرمة:
فإني وتركي نجى الأكرمين ... وقدحي بكفِّيَ زنداً شحاحا
كتاركةٍ بيْضَها بالعراءِ ... وملبسةٍ بيضَ أخرى جناحا
أخبرنا نفطويه أبو عبد الله قال: أخبرنا ثعلبٌ عن الزبير بن بكّار قال:
стр. 109
خرج الفضل بن يحيى يريد سفراً، فودّعه أهله مكتئبين لفرقته، فقال: قاتل الله جميلاً حيث يقول:
لمّا دنا البينُ بينُ الحيِّ واقتسموا ... حبلَ النَّوى فهو في أيديهمُ قطَعُ
جادت بأدمعها سَلمى وأعجزني ... قربُ الفراق فما أُبقي ولا أدعُ
يا قلبُ ويحكَ لا سلمى بذي سلمٍ ... ولا الزمان الذي قد فات مرتَجَعَ
أكُلَّما مرَّ ركبٌ لا تلائمهم ... ولا يبالون أن يشتاقَ من فجَعوا
علَّقتني بهوىً منهم فقد جعلتْ ... من الفراق حصاةُ القلب تنصدعُ
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: سمعت أبا العيناء يحدّث أنّ رجلاً كلم بن خالد البرمكيّ في رجل أن يولّيه، فقال يحيى: إنّا لا نشرك في أماناتنا ولا ينسب إلى عقولنا أفعال غيرنا، ولا نسترعي رعيّة أمير المؤمنين إلاَّ المستحقين الذين توجب لهم المعرفة المنزلة،
стр. 110
ولست أعرف هذا الرجل بالكفاية فأشفّعك في أمره بالإجابة، ولا بغيرها فأردّك عن مسألتك، فإن أحبَّ ما عندنا خضر لننظر ما عنده، فإن كان مضطلعاً بالولاية ناهضاً بثقلها، زينةً للسّلطان وعذراً بينه وبين الرّعية، ولّيته قدر ما يستحقّ وإن كان مقصّراً عن ذلك قضيت حقّه عنك بصلةٍ تكون كفاءً لما أمّلته له.
فقال له الرّجل: إنّ لي رسماً في العمالة. فقال يحيى: ليس كلّ من رسم بشيءٍ لشفاعة أو هوىً أو باختيار من لا يوثق باختياره، يقضي له بالكفاية. وقد أعلمتك أننا نكره أن نجعل بيننا وبين الرعية من لا يعرف وزنه، فإنّ أموره راجعةٌ إلينا، ومتّصلة بنا. واعلم أنّ الرسوم قد جرت لأقوامٍ بولايات، ورسمها لهم قوم لو حضرني الراسمون لهم ذلك، لما رأيتهم أهلاً للولاية التي رسموها لغيرهم.
ووقع يحيى بن خالد في رقعة رجل استعمله فخان:
قد رأيناكَ فما أعجبتنَا ... وخبَرْناكَ فلم نرض الخُبُرْ
стр. 111
قال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما مدحنا بشعرٍ أحبّ إلينا من قول أبي نواس:
سادَ الملوكَ ثلاثةٌ ما منهم ... إنْ حصِّلوا إلاّ أغرُّ قريعُ
ساد الربيع وساد فضلٌ بعده ... وعلَتْ بعباسَ الكريمِ فروعٌ
عباسُ عبّاسُ إذا احتدمَ الوغَى ... والفضل فضلٌ والرّبيع ربيعُ
أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: أخبرنا العباس بن بكّار قال: حدثني شبيب بن شيبة قال: حضرتُ يحيى بن خالد وقد قال له رجل: والله لأنت أحلم من الأحنف، وأحكم من معاوية، وأحزم عن عبد الملك، وأعدل من عمر بن عبد العزيز فقال له يحيى: والله لعميرٌ غلام الأحنف منّى، ولسرجونُ غلام
стр. 112
معاوية أحكم، ولأبو الزُّعيزعة صاحب شرط عبد الملك أحزم، ولمزاحمٌ قهرمان عمر أعدل منّي، وما تقرّب إليّ من أعطاني فوق حقّي! قال شبيب: فعجبت من سرعة جوابه، وتعديده لمن لا يعرفه، حتّى كأنه أعدّ الجواب.
стр. 113
كلام يحيى بن خالد
قال: كان يحيى يقول لولده: انظروا في سائر العلوم، فإنّ من جهل شيئاً عاداه: وأكره أن تكونوا أعداءً لشيء من العلوم وكان يقول: ما رأيتُ أحداً إلاّ هبتُه حتّى يتكلّم، فإذا تكلّم كان بين اثنتين: بين أن تزيد هيبته، أو تضمحل.
وقال: ثلاثة تدلّ على عقول أربابها: الهديّة، والرسول والكتاب.
وكان يقول لولده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدّثوا بأحسن ما تحفظون.
وكان يقول: من بلغَ رتبةً فتاة بها خبّر أنّ محلّه دونها أخذ هذا من عرض كلامٍ لأكثم بن صيفيّ.
أخبرنا أبو عبد الله نفطويه قال: حدّثت عن الجاحظ قال: كان أكثم بن صيفيّ يقف بالموسم كلَّ سنة، فيتكلمّ
стр. 114
بكلام يحمل عنه. فقال مرةً: من نال رتبةً فتاهَ عندها فقد أظهر أنّه نال فوق ما يستحقّ.
وكان يحيى بن خالد يقول: المواعيد شباك الكرام، يصيدون بها محامد الإخوان. ألا تسع قولهم: فلان ينجز ويفي بالضّمان، ويصدق في المقال، ولولا ما تقدم من حسن موقع الوعد لبطل حسن هذا المدح.
وقال: عجبت للملك كيف يسئ، وهو لا يشاءُ أن يسئ إلاّ وجد من يحسّن إساءته ويزيّنها عنده ويصوّب فيها رأيه.
وقال: ما أحدٌ رأى في ولده ما أحبَّ إلا رأى في نفسه ما يكره.
أخذه من قول أكثم بن صيفيّ: من سرّه بنوه ساءته نفسه.
وقال لكاتبين كتبا في معنى أطال أحدهما واقتصر الآخر، فقال للمختصر: ما أجد موضع زيادة! وقال للمطيل: ما أجد موضع نقصان! وكان يحيى يقول: من تسّبب إلينا بشفاعةٍ في عمل،
стр. 115
فقد حلّ عندنا محلّ من ينهض بغيره، ومن لم ينهض بنفسه لم يكن للعمل أهلاً.
وكان يقول: لا للكرام أرجى من نعم للّئام، لأنّ لا للكرام ربّما كانت عن غضب وإبّان سآمة يحسن بها العاقبة ونعم للّئام تصدر عن تصنّع وفسادنيّة وقبح مآل.
وكان يحيى يقول: من صحب الملوك يحتاج إلى عقل يهديه، وعلم يزينه، وحلم يحسّنه، ودين يسلّمه. وخيرٌ لمن استغنى عن السّلطان ألاّ يفتقر إليه، فإنّ ذلك ألذّ له في دنياه، وأسلم له في آخرته.
وقال يحيى بن خالد: من حقوق المروءة، وأمارة النبل أن تتواضع لم دونك، وتنصف من هو مثلك، وتستوفي على من هو فوقك. ولله درّ النابغة حين يقول:
ومن عصاك فَعاقبْه معاقبةً ... تنهى الظّلومَ ولا تقعُد على ضمدِ
إلا لمثلك أو من أنت سابقُه ... سبقَ الجواد إذا استولى على الأمد
стр. 116
تاريخ العربية
أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: أخبرنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا حيان بن بشر عن أبي بكر بن عيّاش قال: أوّل من وضع العربية أبو الأسود. جاء إلى زياد بالبصرة فقال: إنيّ أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وقد تغيرتْ ألسنتها، أفتأذن إلى أن أضع كلاماً يعرفون أو يقوِّمون به كلامهم: قال: لا. فجاء رجلٌ إلى زيادٍ فقال: أصلح الله الأمير، توفّي أبانا وترك بنوناً. فقال زياد: توفّي أبنانا وترك بنونا؟ ادعوا لي أبا الأسود. فقال له: ضع للناس ما أردت أن تضع لهم.
سمعت أبا بكر محمد بن علي بن إسماعيل المبرمان يحكي عن إبراهيم بن السرىّ قال: أوّل من تكلَّم في النحو أبو الأسود، وزعم أن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أمرَه بذلك.
стр. 117
وبرع بعد أبي الأسود ميمونٌ الأقرن، وبعد ميمونٍ عنْبسة الفيلُ، وبعده عبد الله بن أبي إسحاق، فقاس وأكثر، ثم برع بعده أبو عمرو بن العلاء، ولحقه الخليل بن أحمد، إلاّ أنّ نظر أبي عمرو أقدمُ من نظر الخليل.
ثم أتى الخليلُ في النحو بما لم يأت بمثله أحدٌ قبله في تصحيح القياس، واللّطافة، والتصريف.
وكان يونس في عصر الخليل، وبقي بعده مدّة طويلة. ويقال إنّ سيبويه مات قبل يونس.
وكان عيسى بن عمر في عهد أبي عمرو وعهد الخليل، وكان بارعاً أيضاً.
ثم جمع سيبويه علم البرعاء من النحويين القدماء كلّهم، فذكر في كتابه مذهب الخليل، ومذهب يونس، ومذهب أبي عمر، ومذهب ابن أبي إسحاق، وذكر مذاهبَ قوم غير هؤلاء، على أنّه لم يرتضها فدفعها، وصحّح علم النحويّين القدماء كلّهم، وجمع الأبنية كلّها. فزعموا أنه لم يذهب عليه من كلام العرب إلاّ ثلاثة أشياء، منها
стр. 118
شمنصير وهو اسم موضع، وهندلع وهي بقلة، ودرداقس وهو عظم الرأس في مؤخرّه مما يلي القفا.
ثم كان من بعد سيبويه الأخفش، وله نحوٌ كثير ليس كثير من النحويين من ينظر في النحو يدرس كثرة علمه. وله كتبٌ كثيرة.
ثم كان بعد هذه الطبقة أبو عمر الجرمي وأبو عثمان، فهذان بارعا هذه الطبقة، وكان فيها من هو دون هذين: الزياديّ والرّياشي. أعني دونهما في النحو فقط.
فأما أبو عبيدة والأصمعي وأبو زيد فليسوا بنحويين حذّاق، ولكنّ أبا زيد من أحذقهم بالنّحو. ولا يدخل هؤلاء في جملة النحويّين.
ثم الذي برع بعد هذه الطبقة محمد بن يزيد الأزدي، وأبو يعلى بن أبي زرعة، إلاّ أن محمد بن يزيد تناهي في البراعة حتّى لحقَ بطبقةِ من كان قبله.
والذين برعوا من الكوفيين على مذاهبهم عندهم: الكسائيّ، وأستاذه من أهل البصرة عيسى بن عمر. ولم
стр. 119
يكن عيسى من الخليل في شيء. والكسائيّ أستاذ الفرّاء وأستاذ هشام بن معاوية الضّرير.
ثم برعَ بعد هذين في نحو الكوفيّين أبو عبد الله الطّوال، وابن قادم، وسلمة بن عاصم.
ثم برع بعد هذين وجاوزهم على مذاهبهم أحمد بن يحيى الشيباني.
стр. 120
من أخبار النحاة والعلماء
قال أبو إسحاق: وحدّثت عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال: " يا بنيّ! تعلّم النحو، فإنك لم تعلم منه باباً إلاّ تدرّعت من الجمال سربالاً ".
أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا محمد بن الفضل قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا أبو حرب البابيّ قال: كان أبو زيد لا يعدو النحو، فقال له خلفٌ الأحمر: قد ألححتَ على النَّحو لم تعدهُ، ولقلَّ ما ينْبُل منفردٌ به، فعليك بالشعر والأخبار.
أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: حدّثني أبي عن العطوى قال:
دخل أبو إسحاق بن إبراهيم الموصليّ إلى يحيى بن أكثْمَ وعليه طيلسانٌ أزرق، فتذاكروا الحديث فجرى معهم، ثم الفقه ثم النّحو ثم الشعر، فما مرّ شيءٌ إلاّ زاد عليه. ثم التفت إلى يحيى بن أكثم فقال: أصلحك الله، هل
стр. 121
قصّرتً في شيء مما جرى؟ فقال: بل زدتَ: قال: فما بالي أنسب إلى صناعة وأنا أحسن غيره كما أحسن منه! فقال: الجوابُ في هذا على العطويِّ. فقلت: أخبرني عنك أنت في الفقه كأبي حنيفة والشافعيّ: قال: لا. قلتُ: فأنت في الحديث كيحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهديّ؟ قال: لا. قلت: فأنت في النّحو كسيبويه؟ قال: لا. قلت: فإنّما نسبت إلى العلم الذي أنت فيه أوحد لم يشاركك فيه غيرك. فسكت.
أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن إسحاق القاضي قال: حدّثت عن أبي حاتم قال: قدم علينا محمد بن مسلم الكوفيّ عاملاً في الخراج والصّدقات، فصرتُ إليه مسلّماً فقال لي: من علماؤكم بالبصرة؟ فقلت: المازنيّ من أعلمهم بالنّحو، والرياشيُّ من أعلمهم باللّغة، وهلالُ الرأي من أفقههم، وابن
стр. 122
الشاذكونيّ من أعلمهم بالحديث، وابن الكلبيّ من أعلمهم بالشّروط، وأنا أنسب إلى علم القرآن. فقال لكاتبه: اجمعهم في غد. فلما اجتمعنا قال: أيُّكم المازني؟ فقال أبو عثمان: هأنذاك أصلحك الله. فقال: ما تقول في كفّارة الظّهار؟ أيجوز فيه عتق غلام أعور؟ فقال له: أصلحك الله، وما علمي بهذا يحسبه هلال الرأي فالتفت إلى هلال الرأي فقال: أرأيت قول الله : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " بما انتصب هذا الحرف؟ فقال: أعزّك الله، أنا لا أحسن هذا، إنما يحسنه الرياشيّ. فقال يا رياشيّ، كم حديث روى ابن عونٍ عن الحسن؟ فقال: أصلحك الله، هذا يحسنه ابن الشاذكوني فالتفت إلى ابن الشاذكونيّ فقال: كيف تكتب كتاباً بين رجلٍ وامرأة أرادت مخالعته على إبرائه من صداقها؟ فقال: أعزّك الله، هذا يحسنه ابن الكبّي. فقال لابن الكبيّ:
стр. 123
من قرأ: " ألا إنّهم تثنوني صدورهم " فقال له: أعزّك الله، هذا يحسنه أبو حاتم. فقال لأبي حاتم: كيف تكتب كتاباً إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة وما جرى عليهم العام في ثمارهم؟ فقلت له: أعزّك الله، لست صاحب بلاغة وكتب، إنما أنسب إلى علم القرآن. فقال: انظر إليهم، قد أفنى كلّ واحد منهم ستين سنةُ في فنٍّ واحد من العلم حتّى لو سئل عن غيره لساوى فيه الجهّال، لكنّ عالمنا بالكوفة لو سئل عن هذا كلّه أصاب. يعني الكسائيّ.
стр. 124
مختارات من الشعر والخبر
أنشدنا طلحة بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لمحمد بن وهيب:
رُبما أبيت معانقي قمرٌ ... للأنس فيه مخايلٌ تضحُ
نشر الجمالُ على محاسنه ... بدعاً وأذهبَ همَّه الفرحُ
يختال في روق الشباب به ... مرحٌ وداؤك أنه مرحُ
ما زال يلثمني مراشفَه ... ويعلُّني الإبريقُ والقدحُ
حتّى استردَّ الليل خلعتَه ... ونشا خلال سوادِه وضَحُ
стр. 125
وبدا الصَّباح كأنّ غرّته ... وجهُ الخليفة حين يمتدحُ
أنشدنا أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلبٌ عن ابن الأعرابي لعمرو بن شأس:
وكأْسٍ كمستدمي الغزال مزجتُها ... لأبيضَ عصَّاءِ العواذل مفضالِ
كأنّ رداءيه إذا قام علِّقا ... على جذع نخلٍ لا ضئيلِ ولا بالِ
يدرُّ العروقَ بالسِّنان وظنُّه ... يضيء العمى في كلِّ ليلةِ بلبالِ
وقال أوس بن حجر في هذا المعنى:
الألمعّي الذي يظُنّ لك الظ ... نَّ كأنْ قد رأى وقد سمعا
أخذه ابن الرومي فقال:
ألمعيُّ يرى بأوّلِ رأيٍ ... آخرَ الأمرِ من وراء المغيب
стр. 126
أنشدنا أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا أحمد بن يحيى عن بن الأعرابيّ لرؤبة في أبي مسلم:
ما زال يأْتى الأمر من أقطارِه ... من اليمين وعلى يسارهِ
مشمِّراً ما يصطلَى بنارِه ... حتّى أقرّ الملك في إقراره
أنشدنا أبو بكر محمد بن يحيى قال: من مليح ما قيل في شكوى الدمع قول محمد بن عبد الله بن طاهر:
وأعجبُ ما في الدّمع عصيانُ وقته ... وطاعتُه أوقاتَ من يتفقَّدُ
إذا قلتُ أسعِدْ لم يُغثني وإن أقُلْ ... له كفّ عني نمَّ والقومُ شهَّدُ
وأنشدني أبو بكر محمد بن يحيى لنفسه في هذا المعنى:
أرابكَ دمعٌ إذْ جرى فحملتني ... من الضُرِّ والبلوى على مركبٍ صعبِ
стр. 127
فلا تُنكرنْ لونَ الدُّموع فإنّما ... يبيِّضُها تصعديها من دم القلبِ
أنشدنا أبو بكر قال: أنشدنا المغيرة لبعض اللصوص:
وركبٍ بأبصار الكواكب أبصروا ... ضلالَ المهارَي فاهتدَوا بالكواكبِ
يكونون إشراقَ المشارقِ مرَةً ... وأخرى إذا آبوا غروبَ المغارب
من ها هنا أخذ أبو تمّام:
ألانَهمُ لُبْس الحمائل والسُّرى ... فلو عُقِدوا كانوا ليَانَ المناكِبِ
أنشدنا أبو بكر قال: أنشدنا يحيى بن علي قال: أنشدنا أبو هفّانَ وزعم أنها من أحسن أشعار العرب:
منعَّمةً لم تلقَ بؤساً ولم تسرْ ... بعيراً ولم تضمُمْ وليداً إلى نحرِ
ولم تدرِ أيُّ الناس أعداءُ قومها ... وتمضي الليالي والشُّهورُ ولا تدري
стр. 128
سوى أن تصومَ الشهرَ فيمن يصومه ... وتسأَلَ عن يوم العروبة والنّحرِ
فلو كنتِ ماءً كنتِ ماءَ غمامةٍ ... ولو كنت مزْناً كنتِ من ثرَّةٍ بكرِ
ولو كنتِ لهواً كنتِ تعليلَ ساعة ... ولو كنتِ نوماً كنتِ تعريسةَ الفجرِ
كلفتُ بها عمري فلما تقطَّعتْ ... وسائلها ودّعتُ ما فات من عمري
أنشدنا أبو عبد الله نفطويه قال: أنشدنا أحمد بن يحيى:
طلبَ الأَبلقَ العقوقَ فلمَّا ... لم ينلْه أراد بيْضَ الأنوقِ
يقال أعقَّت الدابّة، إذا عظم بطنُها للحمل. والذّكر لا يكون عقوقا. وبيض الأنوق بيضُ الرَّخم، يقال: إنّه لا يقدر عليه.
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا
стр. 129
عبد الأول بن مريدٍ قال: أخبرنا بن أبي سويّة عن العلاء بن جرير قال: قال خالد بن صفوان: استصغر الكبير في طلب المنفعة، واستعظم الصَّغير في ركوب المضرّة.
قال: وكتب عتبة بن أبي سفيان إلى غلام له: لا تجفُ عن كثير مالي فيصغر، ولا تغفل عن صغيره فيضيع، فإنه ليس يمنعني من كثير ما بيدي عن إصلاح قليله! أنشدني أبو عليّ الآجُرِيّ لدعبل:
وداعُك مثل وداع الحياةِ ... وفقدُك مثل افتقاد الدِّيَمْ
عليك السَّلامُ فكم من وفاءٍ ... أفارقُ منك وكم من كرَمْ
أنشدني أيضاً لدعبل:
حنّطته يا نصر بالكافورِ ... وزففتَه للمنزل المهجورِ
стр. 130
هلاَّ ببعض خلاله حنّطتَه ... فيضُوع أفقُ منازلٍ وقبور
بالله لو بنسيم أخلاق له ... تُعْزى إلى التقديس والتطهيرِ
طيّبتَ من سكنَ الثرى وعلا الرُّبى ... لتزوّدوه عدّةً لنُشورِ
فاذهبْ كما ذهبَ الشباب فإنّه ... قد كان خير مجاورٍ وعشيرِ
واذهبْ كما ذهبَ الوفاءُ فإنّه ... عصَفَتْ به ريحَا صباً ودَبورِ
وأبيكَ ما أبّنتُهُ لأزيدَهُ ... شرفاً ولكن نَفثهُ المصدور
البحتريّ:
وإذا رأيت شمائل ابنَىْ صاعدٍ ... أدّتْ إليك شمائلَ ابنَيْ مخلَدِ
كالفرقدينِ إذا تأَمَّلَ ناظرٌ ... لم يَعْلُ موضعُ فرقدٍ عن فرقدِ
стр. 131
وقال في المعتزّ وذكر ابنه عبد الله:
قمر يؤمِّله الموالي للتي ... يقضي بها المأمولْ حقَّ الآمل
حَدَثٌ يوقِّره الحجى فكأنّما ... أخذ الوقارَ من المشيب الشاملِ
وللبندنيجيّ:
بأبي الوليدِ تولَّدتْ بدَعُ الندى ... ووَرَتْ زِناد المجد عن إصلادِ
كهلُ المروءَة والتجاربِ والحجى ... وفتَى النَّدم والعِلم والميلاد
في سنِّ مُقتبلٍ ورأي مجرِّبٍ ... وعزيمِ محتنِك وبذلِ جوادِ
стр. 132
وقال غيره:
بلغتَ لعشرٍ مضَتْ من سني ... ك ما يبلُغ الشَّمط الأشيبُ
فهمُّك فيها جسامُ الأمور ... وهمُّ لداتك أن يلعبوا
وفي معنى هذه أبياتٌ لحمزة بن بيضٍ في يزيد بن المهلّب مختارةٌ يقول فيها:
أقولُ لمّا رأيتُ محبِسَه ... وعضَّ منّى بالغارب القَتبُ
أُغلقَ دون السمَّاح والجود وال ... نَّجدةِ بابٌ خروجهُ أشِبُ
إن متَّ مات الندى يزيدُ فلا ... تُودِ ولا يُودِ بحرُك اللّجبُ
أصبحَ في قيدك السَّماحةُ وال ... امل للمعضلاتِ والحسَبُ
стр. 133
فزتَ بقِدح النَّدى على مهلٍ ... وقصَّرتْ دون سَعيك العربُ
يزيدُ أنت الربيعُ نأْمُلُه ... يرجوك منّا ذو الأهل والعَزَبُ
ابنُ ثلاثٍ وأربعينَ مضَتْ ... لا ضَرَعٌ واهنٌ ولا ثلِبُ
ولا بَطِرٌ إن تتابعَتْ نعمٌ ... وصابرٌ في البلاء محتسِبُ
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا الرياشي عن الأصمعي عن العلاء بن أسلم عن رؤبة بن العجاج قال: أتيتُ النّساّبة البكريّ وكان من أعلم العرب، فقال لي: من أنت؟ فقلت: ابن العجّاج. قال قصّرت وعرّفت، ما أتى بك؟ فقلت: طلبُ العلم. فقال: لعلك كقوم يأتوننا، إن سكتنا لم يسألونا، وإن حدّثناهم لم يفهموا عنّا. فقلت: أرجو ألاّ أكون منهم.
стр. 134
قال: ما أعداء المروءة؟ قلت: للعلم أتيت. قال: بنوعم السّوء، إن رأوا حسنة دفنوها، وإن رأوا سيّئة أذاعوها. ثم قال: " إنّ للعلم آفةً ونكداً وهجنة. فآفته نسيانه، وهجنته نشره في غير أهله، ونكده الكذب فيه ".
أخبرنا أبو عبد الله نفطويه قال: أخبرنا أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: كان يقال: ثمرة العلم حفظه.
قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: حدّثنا الرياشيّ قال: حدّثنا العتبيّ عن أبيه قال: دخل الحارث بن نوفل بابنه عبد الله إلى معاوية، فقال: ما علّمتً ابنك؟ قال: القرآن والفرائض. فقال: روّه من فصيح الشّعر فإنه يفتّح العقل، ويفصّح المنطق، ويطلق اللسان، ويدلّ على المروءة والشجاعة. ولقد رأيتني ليلة صفِّين وما يحبسني إلاّ أبيات عمرو بن الإطنابة حيث يقول:
стр. 135
أبتْ لي عفّتي وأبى حيائي ... وأخذي الحمدَ بالثمّن الرَّبيحِ
وإعطائي على المكروه مالي ... وضربي هامةَ البطلِ المُشيحِ
وقولي كلَّما جشأتْ وجاشتْ ... مكانكِ تحمَدي أو تستريحي
لأدفعَ عن مآثرَ صالحاتِ ... وأحمى بعدُ عن عرضٍ صحيح
بذي شطَبٍ كلون الملح صاف ... ونفسٍ ما تقَرُّ على القبيح
أخبرني أحمد بن محمد بن الفضل النحويّ قال: أخبرنا محمد بن يزيد عن الرياشي عن أبي عبيدة قال: قال أبو الأسود الدّؤلي: ليس بأعزّ من العلم، وذلك بأن الملوك حكّامٌ على الناس، والعلماء حكّام على الملوك.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: أخبرنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا الأصمعّي عن..
стр. 136
قال: أخبرني أبي عن أحمد بن عبيد قال: قال يحيى بن خالد: أدركت أهل الأدب وهم يكتبون أحسن ما يسمعون، ويحفظون أحسن ما يكتبون ويتحفّظون.
أخبرنا أحمد بن الحسن التميمي قال: حدّثنا هشيم عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيّب قال: قال رسول الله ﷺ : " رأسُ العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس. وأهل المعروف في الدّنيا أهلُ المعروف في الآخرة. وإنْ يهلك امرؤٌ بعد مشورة ".
أخبرني أبو روق الهزَّانيّ قال: أخبرنا أبو عمر بن خلاّد قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ عن سفيان الثّوري عن أبي الأغرّ عن وهب بن منبّه قال: " مكتوبٌ في حكمة آل داود ﵇: يجب أن العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يجعل نهاره أربع ساعات: ساعةً يناجي فيها ربّه، وساعةً يحاسب فيها نفسه، وساعةً يفضي فيها إلى إخوانه الذين يعرفون
стр. 137
عيوبه، وينصحون له في أموره، ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلّي بين نفسه ولذاتها فيما يحلّ ويجمل فإنّ في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات. وحقٌّ على العاقل ألاّ يظعن إلا في إحدى ثلاث: إصلاح لمعاد، أو مرمةٍ لمعاش، أو لذّة في غير محرّم. وعلى العاقل أن يكون حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه، بصيراً بأهل زمانه.
أخبرني أبي قال: أخبرني أحمد بن طاهر قال: قال الحسن بن سهل: العقلُ الوقوفُ عند مقادير الأشياء قولاً وفعلاً.
قال: وسئل الحسن بن سهل عن البلاغة فقال: قال لي المأمون: ما البلاغة: فجعلت أفكّر فقال: دعني أقول لك، هو ما فهمته العامّة، ورضيته الخاصّة.
قال: وما سمعت في هذا المعنى أحسن من هذا.
وقال معاوية لصحار العبديّ: ما البلاغة؟ فقال: أن تقول فلا تبطئ، وتصيب فلا تخطئ.
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: حدثنا الحسن بن خضر قال: أخبرنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال:
стр. 138
دخل عبد الملك بن مروان على معاوية فسلّم وجلس، فلم يلبث أن نهض، فقال معاوية: ما أكمل مروة هذا الفتى: فقال عمرو: إنّه أخذ بأخلاق أبيه وترك أخلاقاً ثلاثاً: أخذ بأحسن البشر إذا لقى، وبأحسن الحديث إذا حدّث، وبأحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر المروّة إذا خولف، وترك مزاح من لا يثق بعقله، وترك الكلام فيما يعتذر منه، وترك مخالطة لئام الناس.
أخبرني أبي قال: أخبرني عسل بن ذكوان قال: حدّثنا عيسى بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو ربيعة قال: حدّثنا معقل بن عيسى أخو عيسى بن دلف قال: كانت العرب تقول: من لم يكن عقله من أوفر ما فيه كان هلاكه من أخسّ ما فيه.
قال: فحدّثت بذلك المدينيّ فقال: عندي مثله. كانت العرب تقول: من كانت فيه خلّةٌ أرجح من عقله فبالحري أن تكون سبب منيّته.
стр. 139
قال: فصرت إلى محمد بن القاسم بن يوسف فحدّثته بهما فقال: عندي ثالثة عن العرب، كانت تقول: من لم يكن في أغلب خصال الخير عليه عقله كان في أغلب الخصال عليه حتفه.
فحدّثت أبا دلف فقال: عندي شيء وليس شيء يشبه هذا. كانت العرب تقول: كلّ شيء كثر رخص، ما خلا العلم فإنّه كلّما كثر غلا.
أخبرنا أبي قال: أخبرنا عبد الله بن الفضل السدوسّي قال: جاء رجلٌ فاستأذن على ابن المقفّع، فخرجت إليه جاريته فقالت: إنّه شرب الدواء. فقال: إنّي من أصحابه. فقالت: لو كنت من أصحابه لقعدت عنده كما قعد أصحابه. قال: فإنّي رجل له حاجةٌ. فقال ابن المقفّع: أدخليه وقولي له فليوجز. فدخل فقال: ما حيلة من لا حيلة له؟ قال: الصّبر. قال: فما خير ما يصحب المرء؟ قال: العقل. قال: فإنْ حرم ذلك؟ قال: فصمتٌ طويلٌ إذا جالس الناس. قال: فإن حرم ذلك؟ قال: فليمت إذا شاء!
стр. 140
أخبرنا أبو عبد الله نفطويه قال: أخبرنا أحمد بن يحيى قال: قال قيس بن زهير حين تزوّج إلى النّمر بن قاسط: إنّي موصيكم بخصالٍ وناهيكم عن خصال. عليكم بالأناة فإنّ بها تنال الفرصة، وبتسويد من لا تعابون بتسويده. وعليكم بالوفاء فإنّ به يعيش الناس. وأنهاكم عن الفضول فتعجزوا عن الحقوق، وعن منع الحرم إلاّ من الأكفاء، فإن لم تصيبوا لها الأكفاء فإنّ خير منازلهنَّ القبور. وانتهزوا الفرصة فإنه قلّ مقصّر فيها يسلم من الندامة عليها.
أخبرنا الجوهريّ قال: أخبرنا ابن أبي سعيد قال: حدثني عمر بن خالد قال: لمّا اشتدّ بحصن بن حذيفة بن بدر الفزاريّ وجعه من طعنةٍ أصابته دعا ولده فقال: الموت أهون ما أجد، فأيّكم يطيعني فيما آمره به؟ فقالوا: كلّنا مطيع. فبدأ
стр. 141
بأكبرهم فقال: قمْ فخذ سيفي فاطعن حيث آمرك به. فقال: يا أبتاه، هل يقتل المرء أباه؟ فأتى على القوم فكلّهم يقول نحوه، حتى انتهى إلى عيينة بن حصن فقال: يا أبتاه، أليس لك فيما تأمرني راحة، ولي بذلك طاعة، وهو هواك؟ قال: بلى، فقمْ فخذ سيفي فضعه حيث آمرك ولا تعجل. فقام فأخذ السيف فوضعه على قلبه، فقال: مرني يا أبتاه كيف أصنع؟ فقال ألق السّيف، إنّما أردت أن أعلم أيكم أمضى لما آمره به، فأنت خليفتي ورئيس قومك من بعدي ثم قال:
ولًّوا عيينة من بعدي أمورَكم ... واستيقنوا أَنّه بعدي لكم حامي
إمّا هلكتُ فإنّي قد بنيتُ لكم ... عزَّ الحياة بما قدّمت قدّامي
حتّى اعتقدتُ لوا قومي فقمتُ به ... ثمَّ ارتحلتُ إلى الجفْنّى بالشامِ
стр. 142
لمّا قضى ما قضَى من حقِّ زائرِه ... عجتُ المطيّ إلى النّعمان من عامي
فابنُوا ولا تهدموا فالناسُ كلُّهم ... من بين بانِ إلى العُليا وهدّامِ
والدَّهر آخِرُه شبهٌ لأوّله ... قومٌ كقومٍ وأيّامٌ كأيامِ
ثمّ أصبح فدعا بنى بدر فقال: لوائي ورياستي لعيينة، واسمعوا منّي ما أوصيكم به، لا يتّكل آخركم على أوّلكم، فإنّما يدرك الآخر ما أدرك به الأوّل، وانكحوا الكفىّ الغريب فإنّه عزٌّ حادث، واصحبوا قومكم بأجمل أخلاقكم، ولا تخالفوا فيما اجتمعتم عليه، فإنّ الخلاف يزري بالرئيس المطاع. وإذا حضركم أمران فخذوا بخيرهما صدراً وإن كان مورده معروفاً. وإذا حاربتم فأوقعوا بحدٍّ وجدّ، ثم قولوا الحقَّ، فإنّه لا خير في الكذب. واغزوا بالكثير
стр. 143
الكثير، فإني بذلك كنتُ أغلبُ الناس. وعجِّلوا بالقرى فإنّ خيره أعجله. ولا تجترئوا على الملوك فإنّهم أطول أيادي منكم. ولا تغزوا إلاّ بالعيون، ولا تسرحوا حتى تأمنوا الصّباح. وإياكم وفضحات البغي، وغلبات المزاح.
أخبرنا أبي قال: أخبرني أبو عليّ قال: أخبرنا النّوشجانُ قال: قال ابن شبرمة: ما رأيتُ على امرأةٍ لباساً أجمل من سمن، وما رأيت على رجل لباساً أحسن من فصاحة.
إذا سرّك أن يصغر في عينك من كان عندك عظيماً، وتعظم في عين من كنت عنده صغيراً فتعلّم العربيّة، فإنها تجرّيك على المنطق، وتدنيك من السلطان.
أخبرنا أبي قال: أخبرنا أبو عليّ قال: قال حفص بن غياث قال:
стр. 144
وجه إلينا عيسى بن موسى ليلاً فصرنا إليه، والجند سماطان، وقد امتلأنا رعباً منه، فقال: ما دعوتكم إلاّ لخيراً. فزالت هيبته من قلوبنا لقبح لحنه.
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا الرياشيُّ عن العتبيّ قال: قال زيادٌ: إنّي رأيتُ خلالاً ثلاثاً نبذْتُ إليكم فيهنَّ النَّصيحة. رأيت إعظام ذوي الشَّرف، وإجلال ذوي العلم، وتوقير ذوي الأسنان. والله لا أوتي بوضيعٍ لم يعرف لشريف شرفه إلاّ عاقبته له، ولا يأتيني كهلٌ بحدث لم يعرف له فضل سنّه على حداثته إلاّ عاقبته له، ولا يأتيني عالم عاقلٌ بجاهل لم يعرف له فضل علمه على جهله إلاّ عاقبته له. فإنّما الناس بعلمائهم وأعلامهم وذوي أسنانهم! ثم تمثّل:
تهدى الأمور بأهل الرأْي ما صلحت ... فإن تولَّتْ فبالأشرار تنقادُ
لا يصلح الناس فوضى لا سراةَ لهم ... ولا سراةَ إذا جُهّالهم سادوا
стр. 145
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: أخبرنا ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه قال: سمعت أعرابياً يصف رجلاً يصحب السًّلطان فقال: كان لا يغترُّ بالسُّلطان إذا رضوا عنه، ولا يستثقل ما حمّلوه، ولا يلحف إذا سألهم، ولا يجترئ إذا أكرموه، ولا يطغى إذا سلّطوه، ولا يبطر إذا رفعوه.
وقال غيره: حقُّ من يصحب السّلطان أن يدخل إليهم أعمى ويخرج من عندهم أخرس.
يعني أنّه يغضي ويكتم.
أخبرنا الحسن بن أحمد بن بسطام أخبرنا بن أبي الشّوارب القاضي قال: أخبرنا جابر بن عبد الله عن حميد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " أعن أخاكَ ظالماً أو مظلوماً " قلنا يا رسول الله نعينه إذا كان مظلوماً فكيف نعينه إذا كان ظالماً؟ قال: " تمنعه من الظّلم، فذلك نصرك إيّاه ".
следующие страницы →