← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5531

حجة القراءات

ابن زنجلة

Полный текст (700 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿فِي الدَّرك﴾ بِسُكُون الرَّاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح الرَّاء وهما لُغَتَانِ مثل النَّفر والنفر والطرد والطرد ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله﴾ ﴿أُولَئِكَ سَوف يُؤْتِيهم أُجُورهم﴾ ١٥٢ قَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم ﴿أُولَئِكَ سَوف يُؤْتِيهم﴾ بِالْيَاءِ إِخْبَار عَن الله وحجته قَوْله ﴿وَالَّذين آمنُوا بِاللَّه وَرُسُله﴾ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / نؤتيهم / بالنُّون أَي نَحن نؤتيهم ﴿وَقُلْنَا لَهُم لَا تعدوا فِي السبت﴾ قَرَأَ نَافِع ﴿لَا تعدوا﴾ سَاكِنة الْعين مُشَدّدَة الدَّال وحجته قَوْله ﴿وَكَانُوا يعتدون﴾ وَالْأَصْل لَا تَعْتَدوا ثمَّ سكن التَّاء وأدغم فِي الدَّال فَصَارَ تعدوا وَقَرَأَ ورش ﴿لَا تعدوا﴾ بِفَتْح الْعين نقل فَتْحة التَّاء إِلَى الْعين مثل يهدي وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لَا تعدوا﴾ خَفِيفَة الدَّال من قَوْلك عدا يعدو إِذا جَاوز فِي الحدر وحجتهم قَوْله ﴿إِذْ يعدون فِي السبت﴾

стр. 142

﴿أُولَئِكَ سنؤتيهم أجرا عَظِيما﴾ قَرَأَ حَمْزَة / أُولَئِكَ سيؤتيهم / بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَن الله وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿سنؤتيهم﴾ بالنُّون أخبر عَن نَفسه أَي نَحن سنؤتيهم ﴿وآتينا دَاوُد زبورا﴾ قَرَأَ حَمْزَة ﴿وآتينا دَاوُد زبورا﴾ بِرَفْع الزَّاي أَي كتبا وصحفا جمع زبر وزبور ك بَيت وبيوت وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿زبورا﴾ بِالْفَتْح وحجتهم أَن الْآثَار كَذَا جَاءَت زبور دَاوُود وكما جَاءَ توراة مُوسَى وإنجيل عِيسَى ٥ - سُورَة الْمَائِدَة ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم أَن صدوكم عَن الْمَسْجِد الْحَرَام أَن تَعْتَدوا﴾ قَرَأَ نَافِع فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل وَابْن عَامر وَأَبُو بكر / شنئان قوم / بِإِسْكَان النُّون مثل سرعَان ووشكان

стр. 143

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿شنآن﴾ بِفَتْح النُّون وَهُوَ الِاخْتِيَار لِأَن المصادر مِمَّا أَوله مَفْتُوح جَاءَ أَكْثَرهَا محركا مثل غلى غليانا وَضرب ضربانا والإسكان قَلِيل وَإِنَّمَا يَجِيء فِي المضموم والمكسور مثل شكران وكفران وحرمان قَالَ الْفراء الشنآن بالإسكان الِاسْم والشنآن الْمصدر قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿أَن صدوكم﴾ بِالْكَسْرِ وحجتهما أَن الْآيَة نزلت قبل فعلهم وصدهم قَالَ اليزيدي مَعْنَاهُ لَا يحملنكم بغض قوم أَن تَعْتَدوا إِن صدوكم يَقُول إِن صدوكم فَلَا يحملنكم بغضهم على أَن تَعْتَدوا وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَن صدوكم﴾ أَي لِأَن صدوكم وحجتهم أَن الصد وَقع من الْكفَّار والمائدة فِي آخر مَا أنزل من الْقُرْآن وَقد صحت الْأَخْبَار عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة أَن نزُول هَذِه السُّورَة كَانَ بعد فتح مَكَّة لم يكن حِينَئِذٍ بِنَاحِيَة مَكَّة أحد من الْمُشْركين يخَاف أَن يصد الْمُؤمنِينَ عَن الْمَسْجِد الْحَرَام فَيُقَال لَا يحملنكم إِن صدكم الْمُشْركُونَ عَن الْمَسْجِد بغضكم إيَّاهُم أَن تَعْتَدوا عَلَيْهِم فَلَمَّا كَانَ كَذَلِك دلّ على أَن الْقَوْم إِنَّمَا نهوا عَن الاعتداء على الْمُشْركين لصد كَانَ قد سلف

стр. 144

﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَالْكسَائِيّ وَحَفْص ﴿وأرجلكم﴾ بِالْفَتْح وحجتهم أَنَّهَا معطوفة على الْوُجُوه وَالْأَيْدِي فأوجبوا الْغسْل عَلَيْهِمَا وَعَن أبي عبد الرَّحْمَن عبد الله بن عمر قَالَ كنت أَقرَأ أَنا وَالْحسن وَالْحُسَيْن قَرِيبا من عَليّ ﵇ وَعِنْده نَاس قد شغلوه فقرأنا ﴿وأرجلكم﴾ فَقَالَ رجل ﴿وأرجلكم﴾ بِالْكَسْرِ فَسمع ذَلِك عَليّ ﵇ فَقَالَ لَيْسَ كَمَا قلت ثمَّ تَلا ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ هَذَا من الْمُقدم والمؤخر فِي الْكَلَام قلت وَفِي الْقُرْآن من هَذَا التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير كثير قَالَ الله ﴿الْيَوْم أحل لكم الطَّيِّبَات وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات﴾ وَعطف ب الْمُحْصنَات على الطَّيِّبَات وَقَالَ ﴿وَلَوْلَا كلمة سبقت من رَبك لَكَانَ لزاما﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَأجل مُسَمّى﴾ فعطف الْأَجَل على الْكَلِمَة وَبَينهمَا كَلَام فَكَذَلِك ذَلِك فِي قَوْله ﴿وأرجلكم﴾ عطف بهَا على الْوُجُوه وَالْأَيْدِي على مَا أَخْبَرتك بِهِ من التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير وَأُخْرَى هِيَ صِحَة الْأَخْبَار عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ أَنه تَوَضَّأ فَغسل رجلَيْهِ وَأَنه رأى رجلا يتَوَضَّأ وَهُوَ يغسل رجلَيْهِ فَقَالَ بِهَذَا أمرت وَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ ويل لِلْأَعْقَابِ وبطون الْأَقْدَام

стр. 145

من النَّار وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ خللوا الْأَصَابِع بِالْمَاءِ لَا تلحقها النَّار وَقَالَ عبد الْملك قلت لعطاء هَل علمت أحدا من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ مسح على الْقَدَمَيْنِ فَقَالَ وَالله مَا أعلمهُ وَالْأَخْبَار كَثِيرَة فِي هَذَا الْمَعْنى وَقد ذَكرنَاهَا فِي تَفْسِير الْقُرْآن وَأُخْرَى قَالَ الزّجاج الدَّلِيل على أَن الْغسْل هُوَ الْوَاجِب فِي الرجل وَأَن الْمسْح لَا يجوز تَحْدِيد قَوْله ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كَمَا جَاءَ فِي تَحْدِيد الْيَد ﴿إِلَى الْمرَافِق﴾ وَلم يجِئ فِي شَيْء من الْمسْح تَحْدِيد قَالَ ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ بِغَيْر تَحْدِيد فِي الْقُرْآن قَالَ وَيجوز أَن يقْرَأ ﴿وأرجلكم﴾ على معنى واغسلوا لِأَن قَوْله ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ دلّ على ذَلِك كَا وَصفنَا وينسق بِالْغسْلِ على الْمسْح كَمَا قَالَ الشَّاعِر ... يَا لَيْت بعلك قد غَدا ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا ...

стр. 146

وَالْمعْنَى مُتَقَلِّدًا سَيْفا وحاملا رمحا وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَأَبُو بكر ﴿وأرجلكم﴾ خفضا عطفا على الرؤوس وحجتهم فِي ذَلِك مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ الْوضُوء غسفتان ومسحتان وَقَالَ الشّعبِيّ نزل جِبْرَائِيل بِالْمَسْحِ أَلا ترى أَنه أهمل مَا كَانَ مسحا وَمسح مَا كَانَ غسلا فِي التَّيَمُّم وَالصَّوَاب من القَوْل مَا عَلَيْهِ فُقَهَاء الْأَمْصَار أَن الْغسْل هُوَ الْوَاجِب نَحْو الرجلَيْن وَيجوز أَن يكون قَوْله ﴿وأرجلكم﴾ بالخفض حملت على الْعَامِل الْأَقْرَب للجوار وَهِي فِي الْمَعْنى للْأولِ كَمَا يُقَال هَذَا جُحر ضَب خرب فَيحمل على الْأَقْرَب وَهُوَ فِي الْمَعْنى للْأولِ قَالَ الْفراء وَقد يعْطف بِالِاسْمِ على الِاسْم وَمَعْنَاهُ يخْتَلف كَمَا قَالَ ﴿يطوف عَلَيْهِم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معِين﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وحور عين﴾ وَهن لَا يُطَاف بِهن على أَزوَاجهنَّ / وَجَعَلنَا قُلُوبهم قسية ١٣ / قَرَأَ حَمْزَة / قُلُوبهم قسية / وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿قاسية﴾ وحجتهم إِجْمَاعهم على قَوْله ﴿فويل للقاسية قُلُوبهم من ذكر الله﴾ فَلَمَّا أَجمعُوا على إِحْدَاهمَا وَاخْتلفُوا فِي الْأُخْرَى رد مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ

стр. 147

وهما لُغَتَانِ بمنزل عَالم وَعَلِيم وَحجَّة من قَرَأَ / قسية / هِيَ أَن فعيلا أبلغ فِي الذَّم والمدح من فَاعل كَمَا أَن عليما أبلغ من عَالم وسميعا أبلغ من سامع وَهِي فعيلة من الْقَسْوَة وَقَالَ آخَرُونَ بل معنى قسية غير معنى الْقَسْوَة وَإِن معنى القسية الَّتِي لَيست بخالصة الْإِيمَان أَي قد خالطها كفر فَهِيَ فَاسِدَة وَلِهَذَا قيل للدراهم قد خالطها غش من نُحَاس أَو غَيره قسية وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة القسية هِيَ الرَّديئَة مشبهة بِالدَّرَاهِمِ القسية وَالْأَصْل فِي قاسية قاسوة لِأَنَّهُ من قسا يقسو فقلبوا الْوَاو يَاء لما قبلهَا من الكسرة وَالْأَصْل فِي قسية قسيوة فقلبوا الْوَاو يَاء وأدغموا الْيَاء فِي الْيَاء ﴿يَا ويلتى﴾ ٣١ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿يَا ويلتى﴾ و ﴿يَا حسرتى﴾ و ﴿يَا أسفى﴾ ممالا وحجتهما أَن النِّيَّة فِيهَا إِضَافَة الويل وَالْحَسْرَة والأسف إِلَى نَفسه فَكَأَنَّهُ فِي الْمَعْنى يَا ويلتي وَيَا حسرتي فَلَمَّا جعل الْيَاء ألفا أمالاها ليعلما أَن أَصْلهَا كَانَ يَاء لِأَن الإمالة من الْيَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِغَيْر إمالة وحجتهم أَنَّهَا ألف الندبة وَلَا أصل لَهَا فِي الإمالة

стр. 148

﴿جَاءَتْهُم رسلنَا﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرو ﴿رسلنَا﴾ و ﴿رسلكُمْ﴾ و ﴿رسلهم﴾ بِإِسْكَان السِّين إِذا كَانَ بعد اللَّام أَكثر من حرف وَكَذَلِكَ مذْهبه فِي ﴿سبلنا﴾ فَإِذا كَانَ بعد اللَّام حرف ضم السِّين مثل ﴿رسله﴾ وحجته أَنه استثقل حَرَكَة بعد ضمتين لطول الْكَلِمَة وَكَثْرَة الحركات فأسكن السِّين وَالْبَاء فَإِذا قصرت الْكَلِمَة لم يسكن السِّين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿رسلنَا﴾ بِضَم السن وحجتهم أَن بِنَاء فعول وفعيل على فعل بِضَم الْعين فِي كَلَام الْعَرَب وَلم تدع ضَرُورَة إِلَى إسكان الْحَرْف فتركوا الْكَلِمَة على حق بنيتها ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ ﴿للسحت﴾ بِضَم الْحَاء وقرأه الْبَاقُونَ سَاكِنا وهما لُغَتَانِ مثل الْأذن وَالْأُذن والقدس والقدس والسحت هُوَ الْحَرَام سمي سحتا لِأَنَّهُ يسحت الْبركَة أَي يمحقها ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ والجروح قصاص﴾ قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامر ﴿وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف وَالْأُذن بالأذن وَالسّن بِالسِّنِّ﴾ كلهَا بِالنّصب ﴿والجروح﴾ رفعا

стр. 149

وَقَرَأَ نَافِع وَعَاصِم وَحَمْزَة جَمِيع ذَلِك بِالنّصب وَقَرَأَ الْكسَائي كلهَا بِالرَّفْع فَمن قَرَأَ ﴿الْعين﴾ أَرَادَ أَن الْعين بِالْعينِ فأضمر أَن وَهَذَا مَذْهَب الْأَخْفَش وَمذهب سِيبَوَيْهٍ نسق على قَوْله ﴿أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ وَحجَّة من رفع ﴿والجروح﴾ ذكرهَا اليزيدي عَن أبي عَمْرو فَقَالَ رفع على الِابْتِدَاء يَعْنِي والجروح من بعد ذَلِك قصاص

стр. 150

وَحجَّة أُخْرَى هِيَ إِنَّمَا اخْتَارُوا الِانْقِطَاع عَن الْكَلَام الأول والاستئناف ب الجروح لِأَن خبر الجروح يتَبَيَّن فِيهِ الْإِعْرَاب وَخبر الِاسْم الأول مثل خبر الِاسْم الثَّانِي وَالثَّالِث وَالرَّابِع وَالْخَامِس فَأشبه الْكَلَام بعضه بَعْضًا ثمَّ استأنفوا الجروح فَقَالُوا ﴿والجروح قصاص﴾ لِأَنَّهُ لم يكن خبر الجروح يشبه أَخْبَار مَا تقدمه فَعدل بِهِ إِلَى الِاسْتِئْنَاف وَحجَّة الْكسَائي فِي ذَلِك صِحَة الْخَبَر عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ أَنه قَرَأَ ﴿وَالْعين بِالْعينِ وَالْأنف بالأنف﴾ كلهَا بِالرَّفْع قَالَ الزّجاج رَفعه على وَجْهَيْن على الْعَطف على مَوضِع ﴿النَّفس بِالنَّفسِ﴾ وَالْعَامِل فِيهَا الْمَعْنى وكتبنا عَلَيْهِم النَّفس أَي قُلْنَا لَهُم النَّفس وَيجوز أَن يكون ﴿وَالْعين بِالْعينِ﴾ على الِاسْتِئْنَاف وَعند الْفراء أَن الرّفْع أَجود الْوَجْهَيْنِ وَذَلِكَ لمجيء الِاسْم الثَّانِي بعد تَمام خبر الأول وَذَلِكَ مثل قَوْلك إِن عبد الله قَائِم وَزيد قَاعد وَقد أَجمعُوا على الرّفْع فِي قَوْله ﴿إِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾ فَكَانَ إِلْحَاق مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ أولى قَرَأَ نَافِع ﴿وَالْأُذن بالأذن﴾ سَاكِنة الذَّال فِي جَمِيع الْقُرْآن كَأَنَّهُ استثقل الضمتين فِي كلمة وَاحِدَة فأسكن وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ على أصل الْكَلِمَة ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل بِمَا أنزل الله فِيهِ﴾ قَرَأَ حَمْزَة ﴿وليحكم أهل الْإِنْجِيل﴾ بِكَسْر اللَّام وَفتح الْمِيم جعل اللَّام لَام كي وَنصب الْفِعْل بهَا وَكَأَنَّهُ وَجه معنى ذَلِك إِلَى

стр. 151

﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل فِيهِ هدى وَنور ومصدقا لما بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة﴾ وكي يحكم أَهله بِمَا أنزل الله فِيهِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وليحكم﴾ سَاكِنة اللَّام وَالْمِيم على الْأَمر فأسكنوا الْمِيم للجزم وأسكنوا اللَّام للتَّخْفِيف وحجتهم فِي ذَلِك أَن الله أَمرهم بِالْعَمَلِ بِمَا فِي الْإِنْجِيل كَمَا أَمر نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ فِي الْآيَة الَّتِي بعْدهَا بِمَا أنزل الله إِلَيْهِ فِي الْكتاب بقوله ﴿وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله﴾ ﴿أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ﴾ قَرَأَ ابْن عَامر / أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة تبغون / بِالتَّاءِ أَي قل لَهُم يَا مُحَمَّد / أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة تبغون / يَا كفرة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ أَي ايطلب هَؤُلَاءِ الْيَهُود حكم عَبدة الْأَوْثَان وحجتهم مَا تقدم وَهُوَ قَوْله قبلهَا ﴿فَإِن توَلّوا فَاعْلَم أَنما يُرِيد الله أَن يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم﴾

стр. 152

﴿وَيَقُول الَّذين آمنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسمُوا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم﴾ قَرَأَ ابو عَمْرو ﴿وَيَقُول الَّذين آمنُوا﴾ بِالنّصب رد على قَوْله ﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح﴾ و ﴿أَن يَقُول الَّذين آمنُوا﴾ وَقَرَأَ أهل الْحجاز وَالشَّام / يَقُول / بِغَيْر الْوَاو وَكَذَلِكَ هِيَ فِي مصاحفهم وحجتهم مَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد فِي تَفْسِيره ﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح﴾ فتح مَكَّة ﴿أَو أَمر من عِنْده فيصبحوا على مَا أَسرُّوا فِي أنفسهم نادمين﴾ / يَقُول الَّذين آمنُوا / أَي حِينَئِذٍ / يَقُول الَّذين آمنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسمُوا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم / أَي لَيْسَ كَمَا قَالُوا وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة ﴿وَيَقُول﴾ بِالْوَاو وَالرَّفْع على الِانْقِطَاع من الْكَلَام الْمُتَقَدّم فابتدأ الْخَبَر عَن قَول الَّذين آمنُوا وَقد يجوز أَن تكون

стр. 153

مَرْدُودَة على قَوْله ﴿فترى الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يُسَارِعُونَ فيهم﴾ وَيَقُول الَّذين آمنُوا أَي وَترى الَّذين آمنُوا يَقُولُونَ ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذين أَقْسمُوا بِاللَّه﴾ ﴿من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر / من يرتدد مِنْكُم / بدالين وحجتهما إِجْمَاع الْجَمِيع فِي سُورَة الْبَقَرَة ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت﴾ بدالين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿من يرْتَد﴾ بدال مُشَدّدَة اعْلَم أَن الْإِظْهَار لُغَة أهل الْحجاز وَهُوَ الأَصْل لِأَن التَّضْعِيف إِذا سكن الثَّانِي من المضاعفين ظهر التَّضْعِيف نَحْو قَوْله ﴿إِن يمسسكم قرح﴾ وَلَو قُرِئت / إِن يمسكم قرح / كَانَ صَوَابا والإدغام لُغَة غَيرهم وَالْأَصْل كَمَا قُلْنَا ﴿يرتدد﴾ فأدغمت الدَّال الأولى بِالثَّانِيَةِ وحركت الثَّانِيَة بِالْفَتْح لالتقاء الساكنين ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ ﴿من قبلكُمْ وَالْكفَّار﴾ بالخفض على النسق على ﴿الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ الْمَعْنى من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الْكفَّار وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنّصب على النسق على قَوْله

стр. 154

﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا﴾ وَلَا تَتَّخِذُوا الْكفَّار أَوْلِيَاء ﴿وَجعل مِنْهُم القردة والخنازير وَعبد الطاغوت﴾ قَرَأَ حَمْزَة ﴿وَعبد﴾ بِضَم الْبَاء ﴿الطاغوت﴾ جر يُقَال عبد وَعبد قَالَ الشَّاعِر ... ابْني لبينى إِن أمكُم ... أمة وَإِن أَبَاكُم عبد ... قَالَ الْفراء الْبَاء تضمها الْعَرَب للْمُبَالَغَة فِي الْمَدْح والذم نَحْو رجل حذر ويقظ أَي مبالغ فِي الحذر فَتَأْوِيل عبد أَنه بلغ الْغَايَة فِي طَاعَة الشَّيْطَان وَكَذَا قَرَأَ مُجَاهِد ثمَّ فسره وَقَالَهُ وخدم الطاغوت قَالَ الزّجاج وَكَانَ اللَّفْظ لفظ وَاحِد يدل على الْجَمِيع كَمَا تَقول للْقَوْم مِنْكُم عبد الْعَصَا تُرِيدُ إِن فِيكُم عبيد الْعَصَا وَالنّصب فِي عبد من وَجْهَيْن أَحدهمَا على وَجعل مِنْهُم عبد الطاغوت وَالثَّانِي على الذَّم على أَعنِي عبد الطاغوت وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَعبد الطاغوت﴾ وَلَهُم فِي ذَلِك حجتان إِحْدَاهمَا النسق على قَوْله ﴿من لَعنه الله﴾ و ﴿عبد الطاغوت﴾ والطاغوت هُوَ الشَّيْطَان أَي أطاعه فِيمَا سَوَّلَ لَهُ وأغواه بِهِ وَالثَّانيَِة أَن ابْن مَسْعُود وأبيا قرأا / وعبدوا الطاغوت / حملا الْفِعْل على معنى

стр. 155

من لِأَن من وَاحِد فِي اللَّفْظ وَجمع فِي الْمَعْنى فقراءة الْعَامَّة على اللَّفْظ وقراءتهما على الْمَعْنى كَمَا قَالَ ﴿وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون إِلَيْك﴾ على الْمَعْنى ثمَّ قَالَ ﴿وَمِنْهُم من ينظر إِلَيْك﴾ على اللَّفْظ ﴿وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو بكر / فَمَا بلغت رسالاته / على الْجمع وحجتهم أَنهم جعلُوا لكل وَحي رِسَالَة ثمَّ جمعُوا فَقَالُوا / فَمَا بلغت رسالاته / وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿رسَالَته﴾ وحجتهم قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ إِن الله جلّ وَعز أَرْسلنِي برسالة وَأَمرَنِي أَن أبلغهَا الْخَبَر ثمَّ تَلا الْآيَة ﴿وَحَسبُوا أَلا تكون فتْنَة﴾

стр. 156

قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وَحَسبُوا أَلا تكون﴾ بِالرَّفْع أَي أَنه لَا تكون فتْنَة كَمَا قَالَ فِي مَوضِع آخر ﴿أَلا يقدرُونَ﴾ أَي أَنهم لَا يقدرُونَ على شَيْء فَهِيَ مُخَفّفَة من أَن وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَلا تكون﴾ نصبا ونصبه ب أَن وَلَا تفصل بَين الْعَامِل والمعمول فِيهِ كَقَوْلِك أحب أَن تذْهب وَأحب أَلا تذْهب وحجتهم قَوْله ﴿وَمَا لنا أَلا نُقَاتِل فِي سَبِيل الله﴾ ﴿وَمَا لكم أَلا تنفقوا فِي سَبِيل الله﴾ كل هَذَا نصب ب أَن لَا وَلما أَجمعُوا على إِحْدَاهمَا وَاخْتلفُوا فِي الْأُخْرَى رد مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَاعْلَم أَن أَن تدخل فِي الْكَلَام على أَرْبَعَة أضْرب ١ - أَن الناصبة للْفِعْل وَهِي الَّتِي ذَكرنَاهَا تَقول أُرِيد أَن تخرج ٢ - وَالثَّانِي أَن الْخَفِيفَة عَن أَن الثَّقِيلَة كَقَوْل الْأَعْشَى ... فِي فتية كسيوف الْهِنْد قد علمُوا ... أَن هَالك كل من يحفى وينتعل ... أَرَادَ أَنه هَالك ٣ - والموضع الثَّالِث أَن تكون بِمَعْنى أَي كَقَوْلِه ﴿أَن امشوا﴾

стр. 157

مَعْنَاهُ أَي امشوا ٤ - وَالرَّابِع أَن يكون للتوكيد كَقَوْلِه ﴿وَلما أَن جَاءَت﴾ ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذكُم بِمَا عقدتم الْأَيْمَان﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر ﴿بِمَا عقدتم﴾ بتَخْفِيف الْقَاف أَي أوجبتم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿عقدتم﴾ بِالتَّشْدِيدِ وحجتهم ذكرهَا أَبُو عَمْرو فَقَالَ عقدتم أَي وكدتم وتصديقها قَوْله ﴿وَلَا تنقضوا الْأَيْمَان بعد توكيدها﴾ والتوكيد هُوَ ضد اللَّغْو فِي الْيَمين واللغو مَا لم يكن باعتقاد وَأُخْرَى وَهِي جمع الْأَيْمَان فكأنهم أسندوا الْفِعْل إِلَى كل حَالف عقد على نَفسه يَمِينا وَالتَّشْدِيد يُرَاد بِهِ كَثْرَة الْفِعْل وتردده من فاعليه أَجْمَعِينَ فَصَارَ التكرير لَا لوَاحِد فَحسن حِينَئِذٍ التَّشْدِيد وَحجَّة التَّخْفِيف أَن الْكَفَّارَة تلْزم الحانث إِذا عقد يَمِينا بِحلف مرّة وَاحِدَة كَمَا يلْزم بِحلف مَرَّات كَثِيرَة إِذا كَانَ ذَلِك على الشَّيْء الْوَاحِد وَلِأَن بَاب فعلت يُرَاد بِهِ رددت الْفِعْل مرّة بعد مرّة وَإِذا شددت الْقَاف سبق إِلَى وهم السَّامع أَن الْكَفَّارَة لَا تجب على الحانث الْعَاقِد على نَفسه يَمِينا بِحلف مرّة وَاحِدَة حَتَّى يُكَرر الْحلف وَهَذَا خلاف حميع الْأمة فَإِذا خففت دفع الْإِشْكَال

стр. 158

وَقَرَأَ ابْن عَامر / بِمَا عاقدتم / بِالْألف أَي تحالفتم فعل من اثْنَيْنِ ﴿وَمن قَتله مِنْكُم مُتَعَمدا فجزاء مثل مَا قتل من النعم يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم هَديا بَالغ الْكَعْبَة أَو كَفَّارَة طَعَام مَسَاكِين﴾ قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿فجزاء﴾ منون ﴿مثل﴾ رفع وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿فجزاء مثل﴾ مُضَافا فَمن رفعهما جَمِيعًا فرفعه على معنى فَعَلَيهِ جَزَاء مثل الَّذِي قتل فَيكون مثل من نعت الْجَزَاء قَالَ الزّجاج وَيجوز أَن يرْتَفع جَزَاء على الِابْتِدَاء يكون مثل ﴿مَا قتل﴾ خبر الِابْتِدَاء فَيكون الْمَعْنى فجزاء ذَلِك الْفِعْل مثل مَا قتل وَمن خفض أَرَادَ فَعَلَيهِ جَزَاء مثل ذَلِك الْمَقْتُول من النعم وَقَالَ الْآخرُونَ إِذا نون فَكَأَنَّهُ قَالَ فَجَزَاؤُهُ عَلَيْهِ ثمَّ فسر فأبدل مثل من الْجَزَاء وَإِذا أضيف فَكَأَنَّهُ قَالَ فجزاء مثل الْمَقْتُول وَاجِب عَلَيْهِ أَي فداؤه وَاخْتلف الْعلمَاء فِي تَأْوِيل هَذِه الْآيَة فَذهب الشَّافِعِي أَن الرجل

стр. 159

إِذا اصاب صيدا وَهُوَ محرم فِي الْحرم يجب عَلَيْهِ مثل الْمَقْتُول من الصَّيْد من النعم من طَرِيق الْخلقَة لِأَن الْقيمَة فِيمَا لَهُ مثل ذَلِك أَن الرجل إِذا اصاب صيدا وَهُوَ محرم فِي الْحرم يحكم عَلَيْهِ فقيهان مسلمان وهما اللَّذَان ذكرهمَا الله جلّ وَعز ﴿يحكم بِهِ ذَوا عدل مِنْكُم﴾ فَيَقُولَانِ لَهُ هَل أصبت صيدا قبل هَذَا فَإِن قَالَ نعم لم يحكما عَلَيْهِ وَقَالا الله ينْتَقم مِنْهُ وَإِن قَالَ لَا حكما عَلَيْهِ بِمثل مَا أصَاب إِن أصَاب حمَار وَحش فَعَلَيهِ بَدَنَة وَإِن أصَاب ظَبْيًا فَعَلَيهِ شَاة وَالَّذِي يدل على مذْهبه قَوْله ﴿فجزاء مثل﴾ الْمَعْنى فجزاء ذَلِك الْفِعْل مثل مَا قتل والمثل فِي ظَاهره يَقْتَضِي الْمُمَاثلَة من طَرِيق الصُّورَة لَا من طَرِيق الْقيمَة وَدَلِيل آخر قد قُلْنَا إِن قَوْله ﴿فجزاء﴾ رفع بِالِابْتِدَاءِ و ﴿مثل﴾ خَبره أَو بدل مِنْهُ أَو نعت وَإِذا كَانَ بَدَلا مِنْهُ أَو مُبْتَدأ يكونَانِ شَيْئا وَاحِدًا لِأَن خبر الِابْتِدَاء هُوَ الأول إِذا قلت زيد منطلق فَالْخَبَر هُوَ نفس الأول وَكَذَلِكَ الْبَدَل هُوَ الْمُبدل مِنْهُ وَكَذَلِكَ النَّعْت هُوَ المنعوت وَدَلِيل آخر أَنه قرنه بِالنعَم فَقَالَ ﴿فجزاء مثل مَا قتل من النعم﴾ فَدلَّ على أَن ذَلِك يعْتَبر فِيهِ الْخلقَة لَا الْقيمَة وَمذهب أبي حنيفَة أَنه يقوم الصَّيْد الْمَقْتُول قِيمَته من الدَّرَاهِم

стр. 160

ثمَّ يَشْتَرِي الْقَاتِل بِقِيمَتِه فدَاء من النعم ثمَّ يهديه إِلَى الْكَعْبَة وَاسْتدلَّ على هَذَا بِقِرَاءَة من قَرَأَ ﴿فجزاء مثل﴾ مُضَافا أَي فَعَلَيهِ جَزَاء مثله اَوْ جَزَاء مثل الْمَقْتُول وَاجِب عَلَيْهِ وَوجه الدَّلِيل فِي هَذَا أَنَّك إِذا أضفته يجب أَن يكون الْمُضَاف غير الْمُضَاف إِلَيْهِ لِأَن الشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفسه قَالَ فَيجب أَن يكون الْمثل غير الْجَزَاء قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر ﴿أَو كَفَّارَة﴾ غير منون ﴿طَعَام﴾ خفض وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿كَفَّارَة﴾ منون ﴿طَعَام﴾ رفع وحجتهم أَن الطَّعَام هُوَ الْكَفَّارَة فَلَا وَجه لإضافتها إِلَى نَفسهَا وَالشَّيْء لَا يُضَاف إِلَى نَفسه وَحجَّة من أضَاف قَوْله ﴿إِن هَذَا لَهو حق الْيَقِين﴾ فأضاف الْحق إِلَى الْيَقِين وهما وَاحِد وَالشَّيْء يُضَاف إِلَى نَفسه وَقَالَ ﴿ولدار الْآخِرَة﴾ وَمذهب الْفراء إِنَّمَا جَازَ أَن تُضَاف الْكَفَّارَة إِلَى الطَّعَام لاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ ﴿جعل الله الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام قيَاما للنَّاس﴾ قَرَأَ ابْن عَامر / قيمًا للنَّاس / وَهُوَ مصدر قَامَ يقوم قيَاما وقيما وحجته قَول حسان بن ثَابت ... فنشهد أَنَّك عبد الملي ... ك أرْسلت نورا بدين قيم ... وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿قيَاما للنَّاس﴾ أَي صلاحا لدينهم وَأمنا وهما مصدران من قَامَ وَالْأَصْل فِيهِ قواما تَقول قاوم يُقَاوم مقاومة

стр. 161

وَتقول قَامَ يقوم قيَاما فَإِذا اعتل الْفِعْل اعتل الْمصدر وقاوم لَيْسَ بمعتل فَلذَلِك لم يقل قواما وَلَيْسَ لَك أَن تَقول قيَاما كَانَ فِي الأَصْل قواما فقلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا لِأَنَّهُ ينعكس عَلَيْك بِقَوْلِك صوان وخوان ﴿فآخران يقومان مقامهما من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم الأوليان﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَأَبُو بكر ﴿من الَّذين اسْتحق﴾ بِضَم التَّاء / الولين / على الْجَمِيع قَالَ الْفراء كَانَ ابْن عَبَّاس أَيْضا يقْرَأ ﴿الْأَوَّلين﴾ يَجعله نعتا ل الَّذين وحجته مَا قَالَه ابْن عَبَّاس قَالَ أَرَأَيْت إِن كَانَ الأوليان صغيرين كَيفَ يقومان مقامهما قَرَأَ حَفْص ﴿من الَّذين اسْتحق﴾ بِفَتْح التَّاء ﴿الأوليان﴾ على التَّثْنِيَة و ﴿الأوليان﴾ رفع ب اسْتحق الْمَعْنى اسْتحق عَلَيْهِم الأوليان رد الْأَيْمَان وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿من الَّذين اسْتحق﴾ بِضَم التَّاء ﴿عَلَيْهِم الأوليان﴾ وتأويلها الأولى فَالْأولى وَالْأَقْرَب قَالَ الْفراء الأوليان أَرَادَ وليي

стр. 162

الْمَوْرُوث يقومان مقَام النصرانيين إِذا أتهما أَنَّهُمَا قد خَانا فيحلفان بعد حلف النصرانيي وَظهر على خيانتهما قَالَ وَمن قَرَأَ ﴿الْأَوَّلين﴾ فَهُوَ جمع الأول وَهُوَ على الْبَدَل من الَّذين اسْتحق اخْتلف أهل الْعَرَبيَّة فِي السَّبَب الَّذِي من أَجله رفع ﴿الأوليان﴾ فَقَالَ الزّجاج رفعهما على الْبَدَل من الْألف فِي ﴿يقومان﴾ الْمَعْنى فَليقمْ الأوليان بِالْمَيتِ مقَام هذَيْن الخائنين فيقسمان بِاللَّه لَشَهَادَتنَا أَحَق من شَهَادَتهمَا وَقَالَ آخَرُونَ بدل من قَوْله ﴿فآخران﴾ فَهَذَا بدل الْمعرفَة من النكرَة وَقَالُوا يجوز أَن يكون الأوليان خبر الِابْتِدَاء الَّذِي هُوَ ﴿فآخران﴾ وَيجوز أَن يكون ﴿الأوليان﴾ مُبْتَدأ وآخران خَبرا مقدما التَّقْدِير فالأوليان آخرَانِ يقومان مقامهما ﴿فَقَالَ الَّذين كفرُوا مِنْهُم إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / إِن هَذَا إِلَّا سَاحر مُبين / بِالْألف وَكَذَلِكَ

стр. 163

فِي يُونُس وَهود والصف دخل مَعَهُمَا عَاصِم وَابْن كثير فِي يُونُس وحجتهم إِجْمَاع الْجَمِيع على قَوْله ﴿فَقَالُوا سَاحر كَذَّاب﴾ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿إِن هَذَا إِلَّا سحر مُبين﴾ وحجتهم قَوْله ﴿إِن هَذَا إِلَّا سحر يُؤثر﴾ وَقَوله ﴿سحر مُسْتَمر﴾ وَأُخْرَى ذكرهَا اليزيدي عَن أبي عَمْرو فَقَالَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآن مُبين فَهُوَ سحر بِغَيْر ألف وَمَا كَانَ عليم فَهُوَ سَاحر بِالْألف فَكَأَن أَبَا عَمْرو ذهب إِلَى أَنه إِذا وَصفه بِالْبَيَانِ دلّ على أَنه عَنى السحر الَّذِي يبين عَن نَفسه أَنه سحر لمن تَأمله وَإِذا نعت ب عليم لم يجز أَن يسند الْعلم إِلَى السحر فَجعله لفاعل السحر وَالسحر عِنْده أوعب معنى لِأَنَّهُ يدل على فَاعله والساحر قد يُوجد وَلَا يُوجد مَعَه السحر وَالسحر لَا يُوجد إِلَّا مَعَ سَاحر ﴿إِذْ قَالَ الحواريون يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم هَل يَسْتَطِيع رَبك أَن ينزل علينا مائدة من السَّمَاء﴾ قَرَأَ الْكسَائي / هَل تَسْتَطِيع / بِالتَّاءِ ﴿رَبك﴾ نصب أَي

стр. 164

هَل تقدر يَا عِيسَى أَن تسل رَبك لأَنهم كَانُوا مُؤمنين وَكَانَت عَائِشَة تَقول كَانَ الْقَوْم أعلم بِاللَّه من أَن يَقُولُوا ﴿هَل يَسْتَطِيع رَبك﴾ إِنَّمَا قَالُوا / هَل تَسْتَطِيع رَبك / وحجته قَوْله قبلهَا ﴿وَإِذ أوحيت إِلَى الحواريين أَن آمنُوا بِي وبرسولي قَالُوا آمنا﴾ وَالله تَعَالَى سماهم حواريين وَلم يكن الله ليسميهم بذلك وهم برسالة رَسُوله كفرة قَالَ أهل الْبَصْرَة الْمَعْنى هَل تَسْتَطِيع سُؤال رَبك فَحذف السُّؤَال والقى إعرابه على مَا بعده فنصبه كَمَا قَالَ ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي أهل الْقرْيَة وقرا الْبَاقُونَ ﴿هَل يَسْتَطِيع﴾ بِالْيَاءِ ﴿رَبك﴾ أَي هَل يستجيب لَك رَبك إِن سَأَلته ذلكما كَمَا يَقُول الْقَائِل لآخر أتستطيع أَن تسْعَى مَعنا فِي كَذَا وَهُوَ يعلم أَنه على ذَلِك قَادر وَلَكِن يُرِيد السَّعْي مَعنا فِيهِ وَإِنَّمَا أَرَادوا بذلك أَن يَأْتِيهم بِآيَة يستدلون بهَا على صدقه وحجته قَول عِيسَى لَهُم ﴿اتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ استعظاما لما قَالُوهُ فَقَالُوا ﴿نُرِيد أَن نَأْكُل مِنْهَا﴾ الْآيَة

стр. 165

﴿قَالَ الله إِنِّي منزلهَا عَلَيْكُم﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَعَاصِم ﴿قَالَ الله إِنِّي منزلهَا عَلَيْكُم﴾ بِالتَّشْدِيدِ من نزل ينزل وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿منزلهَا﴾ بِالتَّخْفِيفِ وحجتهم قَوْله قبلهَا ﴿رَبنَا أنزل علينا مائدة من السَّمَاء﴾ ﴿قَالَ الله هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين صدقهم﴾ ١١٩ قَرَأَ نَافِع ﴿هَذَا يَوْم ينفع الصَّادِقين﴾ الْمَعْنى قَالَ الله جلّ وَعز هَذِه الْأَشْيَاء وَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ تقع فِي يَوْم ينفع الصَّادِقين أَي هَذَا الْجَزَاء يَقع يَوْم نفع الصَّادِقين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿هَذَا يَوْم﴾ بِالرَّفْع هَذَا رفع بِالِابْتِدَاءِ وَيَوْم خَبره أَي هَذَا الْيَوْم يَوْم مَنْفَعَة الصَّادِقين فَإِن سَأَلَ سَائل فَقَالَ لم أضفت الْيَوْم إِلَى الْفِعْل وَالْفِعْل لَا يدْخلهُ الْجَرّ وعلامة الْإِضَافَة سُقُوط التَّنْوِين من يَوْم فَالْجَوَاب عَنهُ أَن إِضَافَة أَسمَاء الزَّمَان إِلَى الْأَفْعَال فِي الْمَعْنى وَمَعْنَاهُ أَنَّك تضيف إِلَى المصادر التَّقْدِير هَذَا يَوْم نفع الصَّادِقين وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿يَوْم تبيض وُجُوه﴾ أَي يَوْم ابيضاض الْوُجُوه وَيَوْم اسوداد الْوُجُوه وَإِنَّمَا أضفناه إِلَى المصادر ٦ - سُورَة الْأَنْعَام ﴿من يصرف عَنهُ يَوْمئِذٍ فقد رَحمَه﴾

стр. 166

قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر ﴿من يصرف﴾ بِفَتْح الْيَاء وَكسر الرَّاء أَي من يصرف الله عَنهُ الْعَذَاب يؤمئذ وحجتهم قَوْله قبلهَا ﴿قل لمن مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض قل لله﴾ فَكَذَلِك ﴿من يصرف عَنهُ﴾ وَأُخْرَى أَنه ختم الْكَلَام بِمثل معنى يصرف فَقَالَ ﴿فقد رَحمَه﴾ وَلم يقل فقد رحم فَيكون على نَظِيره مِمَّا لم يسم فَاعله فَكَانَ التَّوْفِيق بَين أَوله وَآخره أولى من أَن يُخَالف بَينهمَا فَجعل آخِره مثل الأول مُلْحقًا بِهِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿من يصرف عَنهُ﴾ بِضَم الْيَاء وَفتح الرَّاء على مَا لم يسم فَاعله وحجتهم أَن هَذَا الْوَجْه أقل إضمارا لِأَنَّهُ إِذا قَالَ ﴿من يصرف عَنهُ يَوْمئِذٍ فقد رَحمَه﴾ أَي فقد ﵀ لِأَنَّهُ تقدمه ﴿إِن عصيت رَبِّي﴾ وَفِي ﴿يصرف﴾ ذكر الْعَذَاب وَإِذا قَالَ ﴿من يصرف﴾ أضمر ذكر الْعَذَاب وَفِي قراءتهم ذكر الْعَذَاب فِي ﴿يصرف﴾ فَحسب ﴿ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا أَن قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين﴾ قَرَأَ ابْن كثير وَابْن عَامر وَحَفْص ﴿ثمَّ لم تكن﴾ بِالتَّاءِ ﴿فتنتهم﴾ رفع جعلُوا الْفِتْنَة اسْم كَانَ وَالْخَبَر ﴿إِلَّا أَن قَالُوا﴾ لِأَن أَن مَعَ الْفِعْل فِي تَقْدِير المصد ر الْمَعْنى ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا قَوْلهم وَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَأَبُو بكر ﴿ثمَّ لم تكن﴾ بِالتَّاءِ ﴿فتنتهم﴾ نصب جعلُوا الْفِتْنَة خَبرا وَالِاسْم ﴿إِلَّا أَن قَالُوا﴾ وَتَقْدِير الْكَلَام ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا قَوْلهم يُقَال لم أنث تكن وَالِاسْم مُذَكّر الْجَواب إِنَّمَا أنث لِأَن الْفِعْل لما جَاءَ ملاصقا للفتنة أنث لتانيثها وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك لِأَن الْفِتْنَة هِيَ القَوْل وَالْقَوْل هُوَ الْفِتْنَة فَجَاز أَن يحل مَحَله

стр. 167

وَلَا يُؤثر فِي الْخَبَر إِلَّا فِيمَا كَانَ الأول بِعَيْنِه نَحْو كَانَ زيد أَخَاك فَالْخَبَر هُوَ الِاسْم فَكَذَلِك الْفِتْنَة هِيَ القَوْل وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن الْمصدر قد يقدر مؤنثا ومذكرا التَّقْدِير ثمَّ لم تكن فتنتهم إِلَّا مقالتهم وَالِاسْم مؤنث قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / ثمَّ لم يكن / بِالْيَاءِ ﴿فتنتهم﴾ نصبا جعلا ﴿أَن قَالُوا﴾ الِاسْم التَّقْدِير ثمَّ لم يكن فتنتهم إِلَّا قَوْلهم وحجتهما إِجْمَاع الْقُرَّاء على نصب قَوْله ﴿فَمَا كَانَ جَوَاب قومه إِلَّا أَن قَالُوا﴾ وَأُخْرَى وَهِي أَن فِي حرف عبد الله / فَمَا كَانَ فتنتهم / فَهَذَا دَلِيل على التَّذْكِير قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وَالله رَبنَا﴾ بِالنّصب أَي يَا رَبنَا على النداء وحجتهما أَن الْآيَة ابتدئت بمخاطبة الله إيَّاهُم إِذْ قَالَ للَّذين أشركوا ﴿أَيْن شركاؤكم﴾ فَجرى جوابهم إِيَّاه على نَحْو سُؤَاله لمخاطبتهم إِيَّاه فَقَالُوا ﴿وَالله رَبنَا﴾ بِمَعْنى وَالله يَا رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين فَأَجَابُوهُ مخاطبين لَهُ كَمَا سَأَلَهُمْ مخاطبين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَالله رَبنَا﴾ خفضا على النَّعْت وَالثنَاء وحجتهم فِي ذَلِك أَنَّك إِذا قلت أَحْلف بِاللَّه رَبِّي كَانَ أحسن من أَن تَقول أَحْلف بِاللَّه يَا رب ﴿فَقَالُوا يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ﴾

стр. 168

قَرَأَ حَمْزَة وَحَفْص ﴿فَقَالُوا يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون﴾ بِنصب الْيَاء وَالنُّون جعلاه جَوَاب التَّمَنِّي لِأَن الْجَواب بِالْوَاو ينصب كَا ينصب بِالْفَاءِ قَالَ الشَّاعِر ... لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... عَار عَلَيْك إِذا فعلت عَظِيم ... وكما تَقول ليتك تصير إِلَيْنَا ونكرمك الْمَعْنى لَيْت مصيرك يَقع وإكرامنا وَيكون الْمَعْنى لَيْت ردنا وَقع وَلَا نكذب أَي إِن رددنا لم نكذب وَقَرَأَ ابْن عَامر ﴿يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب﴾ بِالرَّفْع ﴿ونكون﴾ بِالنّصب جعل الأول نسقا وَالثَّانِي جَوَابا كَأَنَّهُ قَالَ وَنحن لَا نكذب ثمَّ رد الْجَواب إِلَى ﴿يَا ليتنا﴾ الْمَعْنى يَا ليتنا نرد فنكون من الْمُؤمنِينَ وحجته قَوْله ﴿لَو أَن لي كرة فَأَكُون من الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون﴾ بِالرَّفْع فيهمَا جعلُوا الْكَلَام مُنْقَطِعًا عَن الأول قَالَ الزّجاج الْمَعْنى أَنهم تمنوا الرَّد وضمنوا أَنهم لَا يكذبُون الْمَعْنى يَا ليتنا نرد وَنحن لَا نكذب بآيَات رَبنَا رددنا أم لم نرد ونكون من الْمُؤمنِينَ أَي عانينا وشاهدنا مَا لَا نكذب مَعَه أبدا قَالَ وَيجوز الرّفْع على وَجه آخر على معنى يَا ليتنا نرد وَيَا ليتنا لَا نكذب بآيَات رَبنَا كَأَنَّهُمْ تمنوا الرَّد والتوفيق للتصديق

стр. 169

﴿وللدار الْآخِرَة خير للَّذين يَتَّقُونَ أَفلا تعقلون﴾ ٣٢ قَرَأَ ابْن عَامر ﴿ولدار الْآخِرَة﴾ بلام وَاحِدَة ﴿الْآخِرَة﴾ جر وحجته فِي ذَلِك إِجْمَاع الجمي على قَوْله فِي سُورَة يُوسُف ﴿كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم ولدار الْآخِرَة﴾ بلام وَاحِدَة فَرد ابْن عَامر مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وللدار الْآخِرَة﴾ بلامين الْآخِرَة رفع نعت وحجتهم مَا فِي سُورَة الْأَعْرَاف ﴿وَالدَّار الْآخِرَة خير للَّذين يَتَّقُونَ﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَحَفْص ﴿أَفلا تعقلون﴾ بِالتَّاءِ أَي قل لَهُم أَفلا تعقلون وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ وحجتهم أَن صدر الْآيَة خبر ﴿قد نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ قَرَأَ نَافِع ﴿ليحزنك﴾ بِضَم الْيَاء وَكسر الزَّاي فِي جَمِيع الْقُرْآن إِلَّا فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء فَإِنَّهُ قَرَأَ ﴿لَا يحزنهم﴾ بِفَتْح الْيَاء وَضم الزَّاي فَإِن سَأَلَ سَائل فَقَالَ لم خَالف أَصله الْجَواب عَنهُ مَا ذكره سِيبَوَيْهٍ أَن بَين أحزنته وحزنته فرقانا وَهُوَ أَن أحزنته أدخلته فِي الْحزن وحزنته أوصلت إِلَيْهِ الْحزن فَقَوْلهم ﴿لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر﴾ أَي لَا يصيبهم أدنى حزن فَإِذا قلت أحزنته أَي أدخلته فِي الْحزن أَي أحَاط بِهِ وَمَا اهْتَدَى إِلَى هَذَا الْفرْقَان غير نَافِع

стр. 170

قَرَأَ نَافِع وَالْكسَائِيّ ﴿فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك﴾ بِإِسْكَان الْكَاف وَتَخْفِيف الذَّال قَالَ الْكسَائي معنى لَا يكذبُونَك أَنهم لَيْسُوا يكذبُون قَوْلك فِيمَا سوى ذَلِك قَالَ وَالْعرب تَقول أكذبت الرجل إِذْ إخبرت أَنه جَاءَ بِالْكَذِبِ وكذبته أخْبرت أَنه كَاذِب فَكَانَ الْكسَائي يذهب إِلَى أَن الإكذاب يكون فِي بعض حَدِيث الرجل وأخباره الَّتِي يَرْوِيهَا والتكذيب يكون فِي كل مَا أخبر أَو حدث بِهِ وَهَذَا معنى قَول الْفراء وَذَاكَ أَنه قَالَ معنى التَّخْفِيف وَالله أعلم لَا يجعلونك كذابا وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَن مَا جِئْت بِهِ بَاطِل لأَنهم لم يجربوا عَلَيْهِ كذبا فيكذبوه إِنَّمَا أكذبوه أَي مَا جِئْت بِهِ كذب لَا نعرفه وَالتَّفْسِير يصدق قَوْلهم رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه أَنه قَالَ إِن أَبَا جهل قَالَ للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله إِنَّا لَا نكذبك إِنَّك عندنَا لصَادِق وَلَكِن نكذب الَّذِي جِئْت بِهِ فَأنْزل الله الاية وحجتهم فِي ذَلِك قَوْله جلّ وَعز ﴿وَكذب بِهِ قَوْمك وَهُوَ الْحق﴾ أَي قَالُوا مَا جئتنا بِهِ كذب إِذْ لم يقل وَكَذبَك قَوْمك وَهُوَ الْحق كَأَنَّهُمْ قَالُوا هُوَ كذب أَخَذته عَن غَيْرك كَمَا قَالَ جلّ وَعز ﴿إِنَّمَا يُعلمهُ بشر﴾ وَقد اخْتلف فِي ذَلِك المتقدمون فَقَالَ مُحَمَّد بن كَعْب فَإِنَّهُم

стр. 171

لَا يكذبُونَك أَي لَا يبطلون مَا فِي يَديك وَقَالَ قطرب أكذبت الرجل إِذا دللت على كذبه فَكَانَ تَأْوِيل ذَلِك لَا يدلون على كَذبك ببرهان يبطل مَا جئتهم بِهِ وَقَالَ ابْن مُسلم ﴿فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك﴾ أَي لَا يجدونك كَاذِبًا تَقول أكذبت الرجل إِذا وجدته كَاذِبًا كَمَا تَقول أحمدت الرجل إِذا وجدته مَحْمُودًا وَكَانَ قوم من أهل الْعَرَبيَّة يذهبون إِلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ مثل أوفيت الرجل حَقه ووفيته وأعظمته وعظمته وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك﴾ بِالتَّشْدِيدِ قَالَ ابْن عَبَّاس لَا يسمونك كذابا وَلَكنهُمْ يُنكرُونَ آيَات الله بألسنتهم وَقُلُوبهمْ موقنة بِأَنَّهَا من عِنْد الله وحجتهم مَا وَرَاه اليزيدي عَن أبي عَمْرو فَقَالَ

стр. 172

وتصديقها قَوْله بعْدهَا ﴿وَلَقَد كذبت رسل من قبلك فصبروا على مَا كذبُوا﴾ فَتَأْوِيل ابي عَمْرو فَإِن الْكفَّار لَا يكذبُونَك جهلا مِنْهُم بِصدق قَوْلك بل هم موقنون بأنك رَسُول من عِنْد رَبهم وَلَكنهُمْ يكذبُونَك قولا وَقَالَ الزّجاج وَتَفْسِير ﴿لَا يكذبُونَك﴾ أَي لَا يقدرُونَ أَن يَقُولُوا لَك فِيمَا أنبأت بِهِ مِمَّا فِي كتبهمْ كذبت وَوجه آخر أَنهم لَا يكذبُونَك بقلوبهم أَي يعلمُونَ أَنَّك صَادِق وَالَّذِي يدل على هَذَا القَوْل أَنهم لَا يكذبُونَك بقلوبهم قَوْله ﴿وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ والجحد أَن تنكر بلسانك مَا تستيقنه فِي نَفسك أَلا ترى أَنَّك تَقول جحدني حَقي قَالَ الله جلّ وَعز ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم﴾ وَكَانَ ابْن عَبَّاس يحْتَج بِهَذَا وَقد اخْتلف فِي ذَلِك أهل الْعَرَبيَّة فَقَالَ عبد الله ابْن مُسلم ﴿فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك﴾ أَي لَا ينسبونك إِلَى الْكَذِب تَقول كذبت الرجل أَي نسبته إِلَى الْكَذِب وظلمته أَي نسبته إِلَى الظُّلم وَقَالَ بعض أهل الْعَرَبيَّة ﴿فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك﴾ أَي لَا يصححون عَلَيْك الْكَذِب تَقول كَذبته أَي صححت عَلَيْهِ الْكَذِب ﴿قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله﴾ ٤٠

стр. 173

قَرَأَ نَافِع ﴿قل أَرَأَيْتكُم﴾ و ﴿أَرَأَيْتُم﴾ بِالْألف من غير همز وحجته فِي ذَلِك أَنه كره أَن يجمع بَين همزتين أَلا ترى أَنه قَرَأَ ﴿وَإِذا رَأَيْت﴾ بِالْهَمْز لِأَنَّهُ لم يتقدمه همزَة الِاسْتِفْهَام فَيتْرك الثَّانِيَة وَقَرَأَ الْكسَائي / أريتكم / بِغَيْر همزَة وَلَا ألف وحجته إِجْمَاع الْعَرَب على ترك الْهمزَة فِي الْمُسْتَقْبل فِي وَقَوْلهمْ ترى ونرى فَبنِي الْمَاضِي على الْمُسْتَقْبل مَعَ زِيَادَة الْهمزَة فِي أَولهَا فَإِذا لم تكن فِي أَولهَا همزَة الِاسْتِفْهَام لم يتْرك الْهمزَة مثل رَأَيْت لِأَن من شَرطه إِذا تقدمها همزَة الِاسْتِفْهَام فَحِينَئِذٍ يستثقل الْجمع بَينهمَا وَأُخْرَى وَهِي أَنَّهَا كتبت فِي المصافح بِغَيْر ألف وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَرَأَيْتكُم﴾ و ﴿أَرَأَيْتُم﴾ بِالْهَمْزَةِ وحجتهم أَنهم لم يَخْتَلِفُوا فِيمَا كَانَ من غير اسْتِفْهَام فَكَذَلِك إِذا دخل حرف الِاسْتِفْهَام فالحرف على أَصله أَلا ترى أَنهم لم يَخْتَلِفُوا فِي قَوْله ﴿رَأَيْت الْمُنَافِقين﴾ و ﴿وَرَأَيْت النَّاس﴾ ﴿فَلَمَّا نسوا مَا ذكرُوا بِهِ فتحنا عَلَيْهِم أَبْوَاب كل شَيْء﴾ قَرَأَ ابْن عَامر ﴿فتحنا عَلَيْهِم﴾ بِالتَّشْدِيدِ أَي مرّة بعد مرّة وحجته قَوْله ﴿أَبْوَاب كل شَيْء﴾ الْأَبْوَاب فَذكر الْأَبْوَاب وَمَعَ الْأَبْوَاب تشدد كَمَا قَالَ ﴿مفتحة لَهُم الْأَبْوَاب﴾ وَكَذَلِكَ قَرَأَ فِي الْأَعْرَاف والأنبياء وَالْقَمَر بِالتَّشْدِيدِ

стр. 174

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وحجتهم أَن التَّخْفِيف يصلح للقليل وللكثير ﴿وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي﴾ قَرَأَ ابْن عَامر / بالغدوة والعشي / بِالْوَاو وَضم الْغَيْن وحجته فِي ذَلِك أَنه وجده فِي الْمُصحف بِالْوَاو فَقَرَأَ ذَلِك اتبَاعا لِلْخَطِّ فَإِن قيل لم أَدخل الْألف وَاللَّام على الْمعرفَة فَالْجَوَاب أَن الْعَرَب تدخل الْألف وَاللَّام على الْمعرفَة إِذا جاورتها فِيهِ الْألف وَاللَّام ليزدوج الْكَلَام كَمَا قَالَ الشَّاعِر ... رَأَيْت الْوَلِيد بن اليزيد مُبَارَكًا ... شَدِيدا بأحناء الْخلَافَة كَاهِله ... فَأدْخل الْألف وَاللَّام فِي اليزيد لما جاور الْوَلِيد فَكَذَلِك أَدخل الْألف وَاللَّام فِي / الغدوة / لما جاور ﴿والعشي﴾ وقرا الْبَاقُونَ ﴿بِالْغَدَاةِ﴾ وَهَذَا هُوَ الْوَجْه لِأَن غَدَاة نكرَة وغدوة معرفَة وَلَا تسْتَعْمل بالأل وَاللَّام وَدخلت على غَدَاة لِأَنَّهَا نكرَة وَالْمعْنَى وَالله أعلم وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي أَي غَدَاة كل يَوْم ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم﴾

стр. 175

قَرَأَ عَاصِم وَابْن عَامر ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل﴾ ﴿فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم﴾ الْألف فيهمَا مَفْتُوحَة قَالَ الزّجاج مَوضِع ﴿إِن﴾ الأولى النصب الْمَعْنى كتب ربكُم على نَفسه الْمَغْفِرَة وَهِي بدل من الرَّحْمَة كَأَنَّهُ قَالَ كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة وَهِي الْمَغْفِرَة للمذنبين التائبين لِأَن معنى أَنه غَفُور رَحِيم الْمَغْفِرَة مِنْهُ فَيجْعَل أَنه بَدَلا من الرَّحْمَة وتفسيرا عَنْهَا قَالَ وَيجوز أَن تكون أَن الثَّانِيَة وَقعت مُؤَكدَة للأولى لِأَن الْمَعْنى كتب ربكُم أَنه غَفُور رَحِيم فَلَمَّا طَال الْكَلَام أُعِيد ذكر أَن وَقَالَ أَبُو حَاتِم يجوز أَن تكون فِي مَوضِع رفع على ضمير هِيَ أَنه كَأَنَّهُ فسر الرَّحْمَة فَقَالَ هِيَ أَنه وَحمل الثَّانِي على الأول لِأَن الْمَعْنى كتب ربكُم أَنه غَفُور رَحِيم للَّذي يَتُوب وَيصْلح وَقَرَأَ نَافِع ﴿أَنه من عمل مِنْكُم﴾ بِفَتْح الْألف ﴿فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم﴾ بِالْكَسْرِ جعل الْفَاء جَوَاب الشَّرْط ل من واستأنف كَقَوْلِه ﴿وَمن عَاد فينتقم الله مِنْهُ﴾ وَكَقَوْلِه ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم﴾ وَقَالَ الزّجاج من فتح الأولى وَكسر الثَّانِيَة فَالْمَعْنى

стр. 176

رَاجع إِلَى الْمصدر وكأنك لم تذكر إِن الثَّانِيَة الْمَعْنى كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة إِنَّه غَفُور رَحِيم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ إِنَّه فَإِنَّهُ بِكَسْر الْألف فيهمَا على مَذْهَب الْحِكَايَة كَأَنَّهُ لما قَالَ ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ قَالَ ﴿أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم﴾ ﴿ولتستبين سَبِيل الْمُجْرمين﴾ قَرَأَ نَافِع ﴿ولتستبين﴾ بِالتَّاءِ ﴿سَبِيل﴾ نصب أَي ولتستبين أَنْت يَا مُحَمَّد سَبِيل الْمُجْرمين فَإِن قَالَ قَائِل أفلم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَآله مستبينا سَبِيل الْمُجْرمين فَالْجَوَاب فِي هَذَا إِن جَمِيع مَا يُخَاطب بِهِ الْمُؤْمِنُونَ يُخَاطب بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قيل ولتستبينوا سَبِيل الْمُجْرمين أَي لتزدادوا استبانة لَهَا وَلم يحْتَج إِلَى أَن يَقُول ولتستبين سَبِيل الْمُؤمنِينَ مَعَ ذكر سَبِيل الْمُجْرمين لِأَن سَبِيل الْمُجْرمين إِذا بَانَتْ فقد بَان مَعهَا سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وابو بكر / وليستبين / بِالْيَاءِ ﴿سَبِيل﴾ رفع وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ اعْلَم أَن السَّبِيل يذكر وَيُؤَنث جَاءَ الْقُرْآن بِالْوَجْهَيْنِ فالتأنيث قَوْله ﴿ويصدون عَن سَبِيل الله ويبغونها عوجا﴾ و ﴿قل هَذِه سبيلي﴾ والتذكير قَوْله ﴿وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا وَإِن يرَوا سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا﴾

стр. 177

﴿إِن الحكم إِلَّا لله يقص الْحق وَهُوَ خير الفاصلين﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَعَاصِم ﴿إِن الحكم إِلَّا لله يقص الْحق﴾ بِضَم الْقَاف وَالصَّاد الْمَعْنى إِن جَمِيع مَا أنبأ بِهِ أَو أَمر بِهِ فَهُوَ من أقاصيص الْحق وَاحْتج ابْن عَبَّاس على هَذِه الْقِرَاءَة بقوله ﴿نَحن نقص عَلَيْك﴾ وَقَالَ ﴿إِن هَذَا الْقُرْآن يقص على بني إِسْرَائِيل﴾ و ﴿ألم يأتكم رسل مِنْكُم يقصون عَلَيْكُم آياتي﴾ وَأُخْرَى قَالَ مُجَاهِد لَو كَانَ يقْضِي لكَانَتْ يقْضِي بِالْحَقِّ وَالْعرب تَقول قضيت بِالْحَقِّ قَالَ الله جلّ وَعز ﴿وَالله يقْضِي بِالْحَقِّ﴾ بِإِثْبَات الْيَاء وَالْبَاء مَعَ الْقَضَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / يقْضِي الْحق / بالضاد وَسُكُون الْقَاف من قضى يقْضِي إِذا حكم وَفصل وحجتهم قَوْله ﴿وَهُوَ خير الفاصلين﴾ والفصل يكون فِي الْقَضَاء لَا فِي الْقَصَص وَكَانَ أَبُو عَمْرو يعْتَبر بِهَذِهِ وَقَالَ إِنَّمَا الْفَصْل فِي الْقَضَاء لَا فِي الْقَصَص وَكَانَ الْكسَائي يَعْتَبِرهَا بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود قَالَ وَفِي قِرَاءَته ﴿يقْضِي بِالْحَقِّ﴾ ﴿توفته رسلنَا وهم لَا يفرطون﴾ قَرَأَ حَمْزَة / توفه رسلنَا / بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ الْوَجْهَانِ جَمِيعًا جائزان لِأَن الْجَمَاعَة يلْحقهَا اسْم التَّأْنِيث لِأَن مَعْنَاهَا معنى جمَاعَة وَيجوز أيعبر عَنْهَا بِلَفْظ التَّذْكِير كَمَا يُقَال جمع الرُّسُل والتأنيث

стр. 178

كَمَا قَالَ ﴿قد جَاءَت رسل رَبنَا بِالْحَقِّ﴾ ﴿تَدعُونَهُ تضرعا وخفية لَئِن أنجانا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ قل الله ينجيكم مِنْهَا وَمن كل كرب﴾ ٦٣ و ٦٤ قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿لَئِن أنجانا من هَذِه﴾ بِغَيْر تَاء على لفظ الْخَبَر عَن غَائِب بِمَعْنى لَئِن أنجانا الله وحجتهم أَنَّهَا فِي مصاحفهم بِغَيْر تَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لَئِن أنجيتنا﴾ بِالتَّاءِ على الْخطاب لله أَي لَئِن أنجيتنا يَا رَبنَا وحجتهم مَا فِي يُونُس ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه﴾ وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ فَردُّوا مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿قل الله ينجيكم مِنْهَا﴾ بِالتَّشْدِيدِ من نجى يُنجي وحجتهم إِجْمَاعهم على تَشْدِيد قَوْله قبلهَا ﴿قل من ينجيكم من ظلمات﴾ فَكَانَ إِلْحَاق نَظِير لَفظه بِهِ أولى من الْمُخَالفَة بَين اللَّفْظَيْنِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿قل الله ينجيكم﴾ بِالتَّخْفِيفِ وحجتهم قَوْله ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه﴾ وَلم يقل نجيتنا قَرَأَ أبوبكر ﴿تضرعا وخفية﴾ بِكَسْر الْخَاء وَفِي الْأَعْرَاف مثله وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ وهما لُغَتَانِ مثل رشوة ورشوة من أخفيت الشَّيْء إِذا سترته وَالَّتِي فِي خَاتِمَة الْأَعْرَاف ﴿تضرعا وخيفة﴾ وَهُوَ من الْخَوْف فتقلب الْوَاو يَاء للكسرة الَّتِي فِي الْخَاء

стр. 179

﴿وَإِمَّا ينسينك الشَّيْطَان فَلَا تقعد بعد الذكرى مَعَ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ قَرَأَ ابْن عَامر ﴿وَإِمَّا ينسينك الشَّيْطَان﴾ بِالتَّشْدِيدِ تَقول نسيت الشَّيْء وأنساني غَيْرِي ونساني أَيْضا وحجته مَا جَاءَ فِي الحَدِيث لَا يَقُولَن أحدكُم نسيت آيَة كَذَا وَكَذَا بل هُوَ نسي وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَإِمَّا ينسينك﴾ بِالتَّخْفِيفِ من أنساني غَيْرِي وحجتهم قَوْله ﴿فأنساه الشَّيْطَان ذكر ربه﴾ وَلم يقل فنساه ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين﴾ قَرَأَ حَمْزَة ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين﴾ بِالْيَاءِ ذهب إِلَى جمع الشَّيَاطِين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿استهوته﴾ بِالتَّاءِ ذَهَبُوا إِلَى جمَاعَة الشَّيَاطِين ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا﴾ ﴿فَلَمَّا رأى الْقَمَر﴾ ﴿فَلَمَّا رأى الشَّمْس﴾ ٧٦ ٧٨ قَرَأَ أَبُو عَمْرو ﴿فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا﴾ بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْهمزَة وَإِنَّمَا كسر الْهمزَة لمجاورة الْيَاء وَالْألف هِيَ الممالة وأشير إِلَى كسر الْهمزَة كَمَا يشار إِلَى كسر الْمِيم فِي قَوْله ﴿وَلَكِن الله رمى﴾ وَإِلَى كسر الضَّاد فِي قَوْله ثمَّ قضى فَكَذَلِك كسر الْهمزَة لمجاورة الْألف الممالة

стр. 180

قَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر ﴿رأى كوكبا﴾ بِكَسْر الرَّاء وَإِنَّمَا كسروا الرَّاء لمجاورة الْهمزَة وَمن الْعَرَب من يَقُول رمى بِكَسْر الرَّاء وَالْمِيم وَقَرَأَ أهل الْحجاز وَحَفْص بِفَتْح الرَّاء والهمزة على أصل الْكَلِمَة وَالْأَصْل رأى مثل رعى فقلبوا الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا فَصَارَت ألفا فِي اللَّفْظ يَاء فِي الْخط قَرَأَ حَمْزَة وَأَبُو بكر ﴿رأى الْقَمَر﴾ و ﴿رأى الشَّمْس﴾ بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْهمزَة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح الرَّاء وحجتهم فِي ذَلِك أَن الرَّاء إِنَّمَا كسرت لمجاورة الْهمزَة الْمَكْسُورَة والهمزة كسرت لمجاورة الْيَاء فَلَمَّا سَقَطت الْيَاء عَادَتْ الْهمزَة إِلَى أَصْلهَا فَلَمَّا عَادَتْ الْهمزَة إِلَى أَصْلهَا عَادَتْ الرَّاء إِلَى أَصْلهَا وَحجَّة من كسر الرَّاء وَفتح الْهمزَة أَن الْيَاء لما سَقَطت فَعَادَت الْهمزَة إِلَى الْفَتْح الَّذِي هُوَ أَصْلهَا لم يبْق فِي الْفِعْل مَا يدل على مذْهبه فَترك فِي الرَّاء من الْكسر مَا يدل على مذْهبه ﴿أتحاجوني فِي الله﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر ﴿أتحاجوني﴾ بتَخْفِيف النُّون وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أتحاجوني﴾ بِالتَّشْدِيدِ الأَصْل أتحاجونني بنونين الأولى عَلامَة الرّفْع وَالثَّانيَِة مَعَ يَاء الْمُتَكَلّم فِي مَوضِع النصب
следующие страницы →