← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 5531

حجة القراءات

ابن زنجلة

Полный текст (700 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَقَرَأَ ابْن كثير / أينكم / بِهَمْزَة وَاحِدَة غير مُطَوَّلَة وَهُوَ أَن تحقق الأولى وتخفف الثَّانِيَة وَالثَّانيَِة إِذا خففت جعلت بَين الْهمزَة وَبَين الْحَرْف الَّذِي عَنهُ حَرَكَة الْهمزَة وَهُوَ هَا هُنَا همزَة مَكْسُورَة وَالْأَصْل إِنَّكُم ثمَّ دخلت همزَة الِاسْتِفْهَام فَصَارَ أئنكم ثمَّ لين الثَّانِيَة فَصَارَ أينكم قَرَأَ ابْن عَامر فِي رِوَايَة هِشَام / ءائنكم / بهمزتين بَينهمَا مُدَّة وَهُوَ أَن تزاد الْألف بَين الهمزتين ليبعد الْمثل عَن الْمثل فيخف اللَّفْظ بالهمزتين مَعَ الْحَائِل بَينهمَا وَهُوَ الْمدَّة وَقَرَأَ ابْن عَامر وَأهل الْكُوفَة ﴿أئنكم﴾ بهمزتين وحجتهم أَن الْهمزَة حرف من حُرُوف المعجم كَغَيْرِهِ من سَائِر الْحُرُوف جَازَ الْجمع بَينهمَا من غير تَغْيِير كَقَوْلِه ﴿أتمدونن بِمَال﴾ و ﴿لَعَلَّكُمْ تتفكرون﴾ فَجعلُوا الهمزتين كغيرهما من سَائِر الْحُرُوف فَافْهَم ذَلِك وَقس وَابْن على هَذَا جَمِيع مَا يَأْتِي فِي الْقُرْآن من هَذَا النَّوْع من اخْتِلَاف الْقُرَّاء على مَا بيّنت لَك ﴿لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ قَرَأَ ابْن عَامر ﴿لفتحنا﴾ بِالتَّشْدِيدِ أَي مرّة بعد مرّة وحجته قَوْله ﴿بَرَكَات من السَّمَاء﴾ وَلم يقل بركَة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ أَرَادوا الْوَاحِد ﴿أَو أَمن أهل الْقرى﴾

стр. 212

قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَابْن عَامر ﴿أَو أَمن أهل الْقرى﴾ بِإِسْكَان الْوَاو جَعَلُوهُ نسقا فِي الاستفها كَمَا تَقول أَقمت أَو قعدت وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَو أَمن﴾ بِفَتْح الْوَاو جعلُوا وَاو عطف دخلت عَلَيْهَا ألف الِاسْتِفْهَام وَهُوَ الْمُخْتَار لِأَنَّهُ مثل قَوْله قبلهَا ﴿أفأمن أهل الْقرى﴾ ﴿حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إِلَّا الْحق﴾ قَرَأَ نَافِع ﴿حقيق على﴾ مُشَدّدَة الْيَاء وحجته مَا جَاءَ فِي التَّفْسِير حقيق عَليّ أَي وَاجِب عَليّ كَمَا يَقُول الرجل هَذَا عَليّ وَاجِب فالياء الْأَخِيرَة يَاء الْإِضَافَة وَالْأولَى من نفس الْكَلِمَة فأدغمت الأولى فِي الثَّانِيَة وَفتحت الثَّانِيَة لالتقاء الساكنين على أَصْلهَا وَمثله لدي وإلي وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / حقيق على أَلا أَقُول / بِالتَّخْفِيفِ مَعْنَاهُ حقيق بألا أَقُول كَقَوْلِك جدير وخليق أَلا أفعل كَذَا وَقَالَ قوم مَعْنَاهُ حَرِيص على أَلا أَقُول وحجتهم قِرَاءَة ابْن مَسْعُود قَرَأَ / حقيق بألا اقول / قَالَ الْفراء الْبَاء بِمَعْنى على كَقَوْل الْعَرَب فلَان على حَالَة حَسَنَة وبحالة حَسَنَة ﴿قَالُوا أرجه وأخاه﴾ قَرَأَ ابْن كثير وَهِشَام عَن ابْن عَامر / أرجئه / مَهْمُوزَة بواو بعد الْهَاء فِي اللَّفْظ وَاصل هَذِه الْهَاء الَّتِي للمضمر أَن تكون مَضْمُومَة

стр. 213

بعْدهَا وَاو كَقَوْلِك ضربتهو يَا فَتى ومررت بهويا فَتى زعم سِيبَوَيْهٍ أَن الْوَاو زيدت على الْهَاء فِي الْمُذكر كَمَا زيدت الْألف فِي الْمُؤَنَّث كَقَوْلِك ضربتها ومررت بهَا ليستوي الْمُذكر والمؤنث فِي بَاب الزِّيَادَة وعلامة الْأَمر فِي أرجئهو سُكُون الْهمزَة وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو / وأرجئه / مَضْمُومَة الْهَاء من غير إشباع اكْتِفَاء بالضمة عَن الْوَاو لِأَنَّهَا نابت عَن الْوَاو وَأُخْرَى أَن الْهَاء لَيست بحاجز حُصَيْن فَكَأَن السَّاكِن الَّذِي قبلهَا ملاق للساكن الَّذِي بعْدهَا فتحذف الْوَاو كَمَا يحذف السَّاكِن عِنْد ملاقاة سَاكن وَقَرَأَ نَافِع وَالْكسَائِيّ / أرجهي / بِغَيْر همزَة وبجر الْهَاء يصلان بياء وَالْأَصْل فِي هَذِه الْهَاء الضمة كَمَا ذكرنَا وَلَكنهُمْ قلبوا الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا أَعنِي كسرة الْجِيم وَإِنَّمَا اخْتَار الكسرة على الضمة الَّتِي هِيَ الأَصْل لاستثقال الضمة بعد الكسرة أَلا ترى أَنه رفض فِي اصل الْبناء فَلم يجِئ بِنَاء على فعل مَضْمُومَة الْعين بعد كسرة الْفَاء وَقَرَأَ الْحلْوانِي عَن نَافِع ﴿أرجه﴾ بِكَسْر الْهَاء من غير إشباع وحجته هِيَ أَن الكسرة تدل على الْيَاء وتنوب كَمَا قَالَ ﴿أكرمن﴾ و ﴿أهانن﴾ وَالْأَصْل أكرمني وأهانني وَقَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة ﴿أرجه﴾ بترك الْهمزَة وَسُكُون الْهَاء وحجتهما ذكرهَا الْفراء قَالَ إِن من الْعَرَب من يسكن الْهَاء إِذْ تحرّك مَا قبلهَا فَيَقُول ضَربته ضربا شَدِيدا فينزلون الْهَاء وَأَصلهَا الضمة بِمَنْزِلَة أَنْتُم وأصل الْمِيم الرّفْع وَلم يصلوها بواو وَالَّذِي يدل على مَا قَالَ

стр. 214

أَنَّك تردها إِلَى الأَصْل مَعَ الْمُضمر فَتَقول رَأَيْتُمُوهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ فأجريا الْهَاء وَأَصلهَا الضَّم مجْرى الْمِيم قَالَ الشَّاعِر ... فيصلح الْيَوْم ويفسده غَدا ... وَقَرَأَ ابْن عَامر / أرجئه / بِالْهَمْز وَكسر الْهَاء من غير إشباع قَالَ أهل النَّحْو هَذَا غلط لِأَن الكسرة لَا تجوز فِي الْهَاء إِذا سكن مَا قبلهَا نَحْو مِنْهُم بِكَسْر الْهَاء قَالَ وَإِنَّمَا يجوز كسر الْهَاء إِذا كَانَ مَا قبلهَا يَاء أَو كسرة فتكسر الْهَاء لأجلهما وَله وَجه قد ذكره بعض النَّحْوِيين قَالَ إِن الْهمزَة لما سكنت للجزم وَبعدهَا الْهَاء سَاكِنة على لُغَة من يسكن فَكسر الْهَاء لالتقاء الساكنين وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِهِم مِنْهُم لِأَن الْهَاء هُنَالك لَا تكون إِلَّا متحركة ﴿يأتوك بِكُل سَاحر عليم﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿بِكُل سحار عليم﴾ بِالْألف بعد الْحَاء وَكَذَلِكَ فِي يُونُس وحجتهما إِجْمَاع الْجَمِيع على قَوْله فِي سُورَة الشُّعَرَاء ﴿بِكُل سحار عليم﴾ وَلَا فرق بَينهمَا وَبَين مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ فَرد مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَأُخْرَى أَن سحارا أبلغ من سَاحر وَأَشد مُبَالغَة فِي الْوَصْف من ذَلِك علام أبلغ من عَالم فَكَذَلِك سحار أبلغ من سَاحر

стр. 215

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يأتوك بِكُل سَاحر﴾ الْألف قبل الْحَاء وحجتهم إِجْمَاعهم على قَوْله ﴿وَلَا يفلح السَّاحر حَيْثُ أَتَى﴾ ﴿قَالُوا إِن لنا لأجرا إِن كُنَّا نَحن الغالبين﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَحَفْص ﴿قَالُوا إِن لنا لأجرا﴾ على الْخَبَر وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو / إين لنا / بِالْمدِّ وَقَرَأَ هِشَام بهمزتين بَينهمَا مُدَّة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أئن﴾ بهمزتين وَقد كرنا الْحجَّة عِنْد قَوْله ﴿أئنكم لتأتون الرِّجَال﴾ ﴿فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون﴾ قَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم ﴿فَإِذا هِيَ تلقف﴾ سَاكِنة اللَّام من لقفت الشَّيْء ألقفه وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿تلقف﴾ بِالتَّشْدِيدِ من تلقف يتلقف على وزن تعلم يتَعَلَّم وَالْأَصْل تتلقف فحذفوا إِحْدَى التَّاءَيْنِ مثل تذكرُونَ و ﴿يَوْم يَأْتِ لَا تكلم﴾ أَي لَا تَتَكَلَّم وَقَرَأَ البزي ﴿فَإِذا هِيَ تلقف﴾ بتَشْديد التَّاء أَرَادَ تتلقف فأدغم التَّاء فِي التَّاء وَكَذَلِكَ فِي طه ﴿قَالَ فِرْعَوْن آمنتم بِهِ﴾

стр. 216

قَرَأَ ورش عَن نَافِع وَحَفْص ﴿قَالَ فِرْعَوْن آمنتم بِهِ﴾ على لفظ الْخَبَر بِغَيْر اسْتِفْهَام أَي صَدقْتُمْ بِهِ وَقَرَأَ نَافِع والبزي عَن ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامر ﴿قَالَ فِرْعَوْن آمنتم﴾ بِالْهَمْز وَالْمدّ على الِاسْتِفْهَام أَي أجعلتم لَهُ الَّذِي أَرَادَ فِي ﴿آمنتم﴾ ثَلَاث ألفات ألف الِاسْتِفْهَام بِمَعْنى التوبيخ وَالْألف الْوُسْطَى ألف افْعَل وَهِي ألف الْقطع والأخيرة فَاء الْفِعْل وَالْأَصْل قبل دُخُول ألف التوبيخ ءامنتم بِهَمْزَة بعْدهَا ألف ملينة الأَصْل أأمنتم فَخفف مثل آدم قَرَأَ ابْن كثير فِي رِوَايَة القواس / قَالَ فِرْعَوْن وامنتم / بواو فِي اللَّفْظ إِذا وصل وَلَا يهمز وَاعْلَم أَن هَذِه الْهمزَة إِذا خففت لم تكن بَين بَين بل تنْقَلب واوا لِأَن جعلهَا بَين بَين هُوَ أَن تكون الْهمزَة وَالْألف وَالْألف لَا تقع قبلهَا ضمة فمنعت ضمة النُّون فِي ﴿قَالَ فِرْعَوْن﴾ أَن تجْعَل الْهمزَة بَين بَين وَجَرت مجْرى الهمة فِي جؤن إِذا خففت قلبت واوا فَتَقول جون وَكَذَلِكَ كل همزَة مَفْتُوحَة قبلهَا ضمة فَإنَّك إِذا خففتها قلبتها واوا مثل / لَا يُوَاخِذُكُمْ الله / و / المولفة / وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر / قَالَ فِرْعَوْن أآمنتم / بهمزتين وحجتهم أَن الْهمزَة حرف من حُرُوف المعجم كَغَيْرِهِ من سَائِر الْحُرُوف جَازَ الْجمع بَينهمَا نَحْو مَا يجْتَمع فِي الْكَلِمَة حرفان فَيُؤتى بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا من غير تَغْيِير كَقَوْلِه ﴿لَعَلَّكُمْ تتفكرون﴾ فَجعلُوا

стр. 217

الهمزتين كغيرهما من سَائِر الْحُرُوف ﴿قَالَ سنقتل أَبْنَاءَهُم﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير ﴿قَالَ سنقتل أَبْنَاءَهُم﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ لِكَثْرَة الْقَتْل مرّة بعد مرّة فَأكْثر مَا تكلم بِهِ الْعَرَب التَّشْدِيد وَمن خفف فَإِنَّهُ أَرَادَ مرّة وَاحِدَة ﴿وَمَا كَانُوا يعرشون﴾ قَرَأَ ابْن عَامر وَأَبُو بكر ﴿يعرشون﴾ بِضَم الرَّاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْر الرَّاء ﴿فَأتوا على قوم يعكفون على أصنام لَهُم﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿يعكفون﴾ بِكَسْر الْكَاف وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ وهما لُغَتَانِ تَقول عكف يعكف ويعكف وَكَذَلِكَ عرش يعرش ويعرش ﴿وَإِذ أنجيناكم من آل فِرْعَوْن يسومونكم سوء الْعَذَاب يقتلُون أبناءكم﴾ قَرَأَ ابْن عَامر / وَإِذ أنجاكم من آل فِرْعَوْن / بِغَيْر يَاء وَلَا نون وَكَذَا فِي مصاحفهم وَالْمعْنَى وَإِذ أنجاكم الله وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَإِذ أنجيناكم﴾ بِالْيَاءِ وَالنُّون أخبر جلّ وَعز عَن نَفسه بِلَفْظ الْمُلُوك قَرَأَ نَافِع ﴿يقتلُون أبناءكم﴾ بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ ﴿فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾

стр. 218

قَرَأَ حَمْزَة الْكسَائي ﴿جعله دكاء﴾ بِالْمدِّ والهمز قَالَ الْأَخْفَش قَول تَعَالَى ﴿دكاء﴾ أَي جعله مثل دكاء ثمَّ حذف الْمُضَاف وأقم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه كَمَا قَالَ / وسل الْقرْيَة الَّتِي / وَالْعرب تَقول نَاقَة دكاء أَي لَا سقام لَهَا وَقَالَ قطرب قَوْله ﴿دكاء﴾ صفة التَّقْدِير جعله أَرضًا دكاء أَي ملساء فأقيمت الصّفة مقَام الْمَوْصُوف وَحذف الْمَوْصُوف وَدلّ عَلَيْهِ الصّفة كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾ أَي قولا حسنا وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿دكا﴾ منونا جعلُوا دكا مصدرا من دككت الشَّيْء إِذا كَسرته وفتته فتأويله جعلته مفتتا كالتراب وحجتهم قَوْله تَعَالَى ﴿كلا إِذا دكت الأَرْض دكا دكا﴾ الْمَعْنى فَلَمَّا تجلى ربه للجبل جعل مدكوكا فَكَأَنَّهُ دكه فَيجْعَل قَوْله ﴿دكا﴾ مصدرا صدر عَن معنى الْفِعْل لَا عَن لَفظه ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير / إِنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالتي / على التَّوْحِيد وحجته مَا بعده ﴿وبكلامي﴾ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿برسالاتي﴾ على الْجمع أرْسلهُ مرَارًا ﴿وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿الرشد﴾ بِفَتْح الرَّاء والشين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الرَّاء وَسُكُون الشين وهما لُغَتَانِ مثل السقم والسقم والحزن

стр. 219

والحزن قَالَ أَبُو عَمْرو سَبِيل الرشد أَي الصّلاح وتصديقها قَوْله ﴿فَإِن آنستم مِنْهُم رشدا﴾ والرشد فِي الدّين فَلذَلِك قَرَأَ فِي الْكَهْف ﴿مِمَّا علمت رشدا﴾ ﴿وَاتخذ قوم مُوسَى من بعده من حليهم عجلا جسدا﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿من حليهم﴾ بِكَسْر الْحَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ وحجتهم أَن الضَّم هُوَ الأَصْل وَفِيه علم الْجمع وَذَلِكَ أَن الْحلِيّ جمع حلي مثل حقو وحقي وَالْأَصْل حلوي مثل قلب وَقُلُوب فَلَمَّا سبقت الْوَاو الْيَاء قلب الْوَاو يَاء فأدغمت فِي الْيَاء فَصَارَت حلي بِضَم الحاءواللام فاجتمعت ضمتان وبعدهما يَاء مُشَدّدَة فَكَانَ ذَلِك أَشد ثقلا فَكسرت اللَّام لمجيء الْيَاء فَصَارَت حلي بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَحجَّة من كسر الْحَاء هِيَ أَنه استثقل ضمة الْحَاء بعد كسر اللَّام وَبعدهَا يَاء فَكسر الْحَاء لمجاورة كسرة اللَّام وَأُخْرَى أَنهم قد أَجمعُوا على قَوْله من عصيهم فَردُّوا مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ ﴿قَالُوا لَئِن لم يَرْحَمنَا رَبنَا وَيغْفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / لَئِن لم ترحمنا / بِالتَّاءِ على الْخطاب ﴿رَبنَا﴾ بِالنّصب على النداء أَي يَا رَبنَا / وَتغْفر لنا / بِالتَّاءِ وحجتهما أَن فِي حرف أبي قَالُوا / رَبنَا لَئِن لم ترحمنا وَتغْفر لنا /

стр. 220

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لَئِن لم يَرْحَمنَا﴾ بِالْيَاءِ ﴿رَبنَا﴾ بِالرَّفْع على الْخَبَر ﴿وَيغْفر﴾ بِالْيَاءِ أَيْضا وحجتهم هِيَ أَنه لما تبين لَهُم الضلال بعبادتهم الْعجل قَالَ بَعضهم لبَعض لَئِن لم يَرْحَمنَا رَبنَا وَيغْفر لنا مَا جنيناه على أَنْفُسنَا لنكونن من الخاسرين فَجرى الْكَلَام على لفظ الْخَبَر من بَعضهم لبَعض ﴿قَالَ ابْن أم إِن الْقَوْم استضعفوني﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَحَفْص ﴿قَالَ ابْن أم﴾ بِفَتْح الْمِيم جعلُوا الاسمين اسْما وَاحِدًا نَحْو خَمْسَة عشر ففتحوا ابْن أم وَابْن عَم لِكَثْرَة استعمالهم هَذَا الِاسْم وَاعْلَم أَن النداء كَلَام مُحْتَمل الْحَذف فَجعلُوا ابْن وَأم شَيْئا وَاحِدًا وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّهُم أَرَادوا الندبة ب ابْن أُمَّاهُ قَالُوا وَالْعرب تَقول يَا بن عماه وَالْأَصْل يَا بن أُمِّي ثمَّ قلبت الْيَاء ألفا فَصَارَت يَا بن أما ثمَّ حذفت الْألف لِأَن الفتحة تنوب عَنْهَا وَقَرَأَ أهل الشَّام والكوفة ﴿قَالَ ابْن أم﴾ بِالْكَسْرِ وَكَذَلِكَ فِي طه وَالْأَصْل يَا بن أُمِّي بِإِثْبَات الْيَاء ثمَّ حذفوا الْيَاء لِأَن الكسرة نابت عَن الْيَاء وحجتهم قَوْله ﴿يَا قوم لَا أَسأَلكُم﴾ فَإِن قيل لم حذفت الْيَاء من قَوْلك يَا بن أم والمنادى هَا هُنَا الابْن لَا الْأُم وَهُوَ مثل قَوْلك يَا غُلَام غلامي وَهَا هُنَا لم تجوز حذف الْيَاء وَإِنَّمَا سَقَطت الْيَاء من المنادى من نَحْو يَا قوم وَيَا عباد

стр. 221

الْجَواب عَنهُ إِنَّمَا جَازَ حذف الْيَاء من الْأُم تَشْبِيها بياء الْإِضَافَة فِي قَول الْقَائِل يَا غُلَام وَذَلِكَ أَنا جعلنَا الاسمين اسْما وَاحِدًا فتنزلا منزلَة اسْم وَاحِد كَأَنَّك تنادي وَاحِدًا لِأَنَّك إِذا قلت يَا بن أم كَأَنَّك قلت يَا أَخ فَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك يَا غُلَام وَيَا قوم ﴿وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾ قَرَأَ ابْن عَامر / وَيَضَع عَنْهُم آصارهم / على الْجمع أَي أثقالهم تَقول إصر وآصار مثل جذع وأجذاع وَفِي قِرَاءَته همزتان الأولى ألف الْجمع وَالثَّانيَِة اصلية فَلَمَّا اجْتمعت همزتان لينوا الثَّانِيَة وَالْأَصْل أأصارهم وحجته أَنه لم يخْتَلف فِي جمع الأغلال وَهِي نسق على الإصر وَكَذَلِكَ آصارهم لقَوْله ﴿والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾ قيل إِن الآصار هِيَ العهود وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿إصرهم﴾ وحجتهم قَوْله تَعَالَى ﴿رَبنَا وَلَا تحمل علينا إصرا﴾ وَقَوله ﴿وأخذتم على ذَلِكُم إصري﴾ فَردُّوا مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ عَن سعيد بن جُبَير ﴿وَيَضَع عَنْهُم إصرهم﴾ قَالَ شدَّة الْعِبَادَة ﴿وادخلوا الْبَاب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد الْمُحْسِنِينَ﴾ قَرَأَ نَافِع / تغْفر لكم / بِالتَّاءِ مَضْمُومَة ﴿خطيئاتكم﴾ على الْجمع

стр. 222

وَضم التَّاء على مَا لم يسم فَاعله وَهِي جمع سَلامَة كَمَا تَقول صحيفَة وصحائف وحجته أَن أول الْآيَة ﴿وَإِذ قيل لَهُم﴾ على مَا لم يسم فَاعله فَكَذَلِك ﴿تغْفر﴾ على مَا لم يسم فَاعله وَالتَّاء فِي قَوْله ﴿تغْفر﴾ فعل جمَاعَة تقدم وَقَرَأَ ابْن عَامر ﴿تغْفر﴾ بِالتَّاءِ أَيْضا إِلَّا أَنه وحد فَقَرَأَ / خطيئتكم / وحجته أَن الْوَاحِدَة تُؤدِّي عَن الْجمع قَالَ الله تَعَالَى ﴿ليغفر لَك الله مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر﴾ وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو ﴿نغفر لكم﴾ بالنُّون الله أخبر عَن نَفسه وحجته قَوْله ﴿سنزيد الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿خطاياكم﴾ بِالْجمعِ جمع تكسير كَمَا تَقول رعية ورعايا وبرية وبرايا وضحية وضحايا قَالَ سِيبَوَيْهٍ الأَصْل فِي خَطَايَا خطائي مثل خطائع فَيجب أَن يُبدل من هَذِه الْيَاء همزَة فَيصير خطائئي مثل خطايع وَإِنَّمَا همز ليَكُون فرقا بَين الْأَصْلِيَّة وَغير الْأَصْلِيَّة مثل معيشة فتجتمع همزتان فنقلب الثَّانِيَة يَاء فَتَصِير خطائي مثل خطاعي ثمَّ يجب أَن تقلب الْيَاء والكسرة إِلَى الفتحة وَالْألف فَتَصِير خطاءا مثل خطاءا فَيجب أَن تبدل الْهمزَة يَاء لوقوعها بَين أَلفَيْنِ فَتَصِير خَطَايَا وَإِنَّمَا أبدلت الْهمزَة حِين وَقعت بَين أَلفَيْنِ لِأَن الْهمزَة مجانسة للألفات فاجتمعت ثَلَاثَة أحرف من جنس وَاحِد وَقَرَأَ ابْن كثير وَأهل الْكُوفَة ﴿نغفر﴾ بالنُّون أَيْضا ﴿خطيئاتكم﴾

стр. 223

بِالتَّاءِ مَهْمُوزَة على الْجمع جمع السَّلامَة نَحْو سفينة وسفينات وصحيفة وصحيفات وخطيئة وخطيئات على وزن فعيلات وَهِي فِي مَوضِع نصب وَإِنَّمَا كسرت التَّاء لِأَنَّهَا غير أَصْلِيَّة ﴿قَالُوا معذرة إِلَى ربكُم ولعلهم يَتَّقُونَ﴾ قَرَأَ حَفْص عَن عَاصِم ﴿قَالُوا معذرة﴾ بِالنّصب على الْمصدر وحجته أَن الْكَلَام جَوَاب كَأَنَّهُ قيل لَهُم لم تعظون قوما الله مهلكهم فَأَجَابُوا فَقَالُوا نعظهم اعتذارا ومعذرة إِلَى رَبهم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿معذرة﴾ بِالرَّفْع قَالَ سِيبَوَيْهٍ مَعْنَاهُ موعظتنا إيَّاهُم معذرة فَالْمَعْنى أَنهم قَالُوا الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَاجِب علينا فعلينا موعظة هَؤُلَاءِ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ ﴿وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ قَرَأَ ابْن عَامر / بِعَذَاب بئس / بِكَسْر الْبَاء وبهمزة سَاكِنة خرج الْهمزَة على الأَصْل وَلم يلف فِي الْهمزَة هَا هُنَا ثقل لخفة الْحَرْف وَقلة حُرُوفه وَقَرَأَ نَافِع / بِعَذَاب بيس / بِغَيْر همز فعل من الْبُؤْس ترك همزه فأبدلت الْيَاء من الْهمزَة لثقل الْهَمْز لِأَن الْيَاء أخف مِنْهُ وَقَرَأَ أَبُو بكر عَن عَاصِم / بيأس / على فيعل مثل رجل صيرف إِذا كَانَ يتَصَرَّف فِي الْأُمُور وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿بِعَذَاب بئيس﴾ على فعيل من الْبُؤْس وَتَفْسِيره الشَّديد ﴿ودرسوا مَا فِيهِ وَالدَّار الْآخِرَة خير للَّذين يَتَّقُونَ أَفلا تعقلون﴾

стр. 224

﴿وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب﴾ ١٦٩ و ١٧٠ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَحَفْص ﴿أَفلا تعقلون﴾ بِالتَّاءِ على الْخطاب وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ إِخْبَار عَنْهُم قَرَأَ أَبُو بكر ﴿وَالَّذين يمسكون بِالْكتاب﴾ بِالتَّخْفِيفِ أَي يَأْخُذُونَ بِمَا فِيهِ من حَلَاله وَحَرَامه وحجته قَوْله ﴿فَكُلُوا مِمَّا أمسكن عَلَيْكُم﴾ وَقَوله ﴿أمسك عَلَيْك زَوجك﴾ وَلم يقل مسك وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يمسكون﴾ بِالتَّشْدِيدِ وحجتهم فِي ذَلِك أَنهم قَالُوا إِنَّمَا يُقَال مسكت بالشَّيْء فَإِذا خففوا لم يدخلُوا بِالْبَاء وَقَالُوا أَمْسَكت الشَّيْء وَلَا يُقَال أَمْسَكت بالشَّيْء الْجَواب عَن قِرَاءَة أبي بكر أَن الْعَرَب تزيد الْبَاء وَفِي كتاب الله ﴿عينا يشرب بهَا عباد الله﴾ أَي يشْربهَا وَالْبَاء زَائِدَة فَكَذَلِك تَقول أَمْسَكت بالشَّيْء مَعْنَاهُ أَمْسَكت الشَّيْء ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين أَو تَقولُوا﴾ ١٧٢ و ١٧٣ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو عَمْرو / من ظُهُورهمْ ذرياتهم / بِالْألف وَكسر التَّاء وحجتهم أَن الذريات الأعقاب المتناسلة وَأَنَّهَا إِذا كَانَت كَذَلِك كَانَت أَكثر من الذُّرِّيَّة وَاحْتج أَبُو عَمْرو فِي ذَلِك عِنْد قَوْله / هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّتنَا قُرَّة أعين / أَن الذُّرِّيَّة مَا كَانَ فِي

стр. 225

حجورهم وَأَن الذريات مَا تناسل بعدهمْ وأحال أَن تكون ذريات بقد قَوْله ﴿قُرَّة أعين﴾ وَقَالَ لِأَن الْإِنْسَان لَا تقر عينه بِمَا كَانَ بعده وَقَرَأَ أهل مَكَّة والكوفة ﴿ذُرِّيتهمْ﴾ وحجتهم أَن الذُّرِّيَّة لما فِي الجحور وَمَا يتناسل بعد وَالدّلَالَة على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين من ذُرِّيَّة آدم﴾ فَلَا شىء أَكثر من ذُرِّيَّة آدم وَالَّذين لم يرهم آدم من ذُريَّته أَكثر من الَّذين رَآهُمْ وَقد أَجمعُوا هُنَا على ذُرِّيَّة بِلَا خلاف بَين الْأمة فَكَانَ رد مَا اخْتلفُوا إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ أولى بِالصَّوَابِ وَقَوله عقيب ذَلِك ﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّة من بعدهمْ﴾ بِلَفْظ وَاحِد أدل دَلِيل على صِحَة التَّوْحِيد إِذْ كَانُوا هم الَّذين أخبر عَنْهُم وَقد أَجمعُوا على التَّوْحِيد قَرَأَ أَبُو عَمْرو / أَن يقولو يَوْم الْقِيَامَة / / أَو يَقُولُوا / بِالْيَاءِ فيهمَا وحجته ذكرهَا اليزيدي فَقَالَ وتصديقها قَوْله / من ظُهُورهمْ ذرياتهم وأشهدهم / وَبعدهَا أَيْضا ﴿وَكَذَلِكَ نفصل الْآيَات ولعلهم يرجعُونَ﴾ فَذكر أَبُو عَمْرو فَذهب إِلَى أَن الْكَلَام أجري على لفظ مَا تقدمه من الْخَبَر عَن الذُّرِّيَّة لِأَن الْكَلَام ابتداؤه بالْخبر عَنْهُم فَمَا كَانَ فِي سِيَاقه فَهُوَ جَار على لَفظه وَمَعْنَاهُ فَكل هَذَا خبر عَنْهُم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ ردوا الْكَلَام على المخاطبة وحجتهم قَوْله ﴿أَلَسْت بربكم﴾ فَجرى مَا بعده على لَفظه وسياقه عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَآله ﴿وَإِذ أَخذ رَبك من بني آدم من ظُهُورهمْ ذُرِّيتهمْ﴾ قَالَ أخذُوا من ظَهره كَمَا يُؤْخَذ من الراس بالمشط فَقَالَ لَهُم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى قَالَت الْمَلَائِكَة

стр. 226

شَهِدنَا أَن تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين أَي لِئَلَّا تَقولُوا يَوْم الْقِيَامَة ﴿وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾ قَرَأَ حَمْزَة ﴿وذروا الَّذين يلحدون﴾ بِفَتْح الْيَاء والحاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يلحدون﴾ بِضَم الْيَاء وَكسر الْحَاء قَالَ الْكسَائي هما لُغَتَانِ يُقَال لحد وألحد وَقَالَ غَيره يلحدون أَي يطعنون فِي أَسْمَائِهِ ويلحدون يعرضون وَكَانَ ابْن جريج يَقُول يلحدون قَالَ اشتقوا أَسمَاء آلِهَتهم من أَسمَاء الله اشتقوا الْعُزَّى من الْعَزِيز وَاللات من الله وَقَالَ أَبُو عبيد يلحدون يَجُورُونَ وَلَا يستقيمون وَإِنَّمَا سمي اللَّحْد لِأَنَّهُ فِي نَاحيَة وَلَو كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضريحا وَحجَّة الرّفْع قَوْله ﴿وَمن يرد فِيهِ بإلحاد﴾ أَي باعتراض ﴿من يضلل الله فَلَا هادي لَهُ ويذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَابْن كثير ﴿ونذرهم فِي طغيانهم﴾ بالنُّون وَالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف أَي نَحن نذرهم أخبر عَن نَفسه وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَعَاصِم ﴿ويذرهم﴾ بِالْيَاءِ وَالرَّفْع على الِاسْتِئْنَاف ايضا وحجتهما قَوْله ﴿من يضلل الله﴾ ثمَّ قَالَ ﴿ويذرهم﴾ أَي ويذرهم الله إِخْبَار عَنهُ

стр. 227

قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿ويذرهم﴾ بِالْيَاءِ والجزم عطفا على مَوضِع الْفَاء فِي قَوْله ﴿فَلَا هادي لَهُ﴾ الْمَعْنى من يضلل الله يذره فِي طغيانه ﴿جعلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتاهما﴾ ١٩٠ قَرَأَ نَافِع وَأَبُو بكر / جعلا لَهُ شركا / بِكَسْر الشين وحجتهما أَنَّهَا قِرَاءَة ابْن عَبَّاس وَهِي مَعَ ذَلِك أبعد من الالتباس لِأَنَّهُمَا لم يجعلا لَهُ شُرَكَاء جمَاعَة وَإِنَّمَا سميا الْوَلَد عبد الْحَارِث وَلَا يُقَال لِلْحَارِثِ شُرَكَاء لِأَنَّهُ وَاحِد وَكَأن الْمَعْنى فَلَمَّا آتاهما صَالحا جعلا لَهُ نَصِيبا لم يخلصاه لَهُ بتسميتهما إِيَّاه عبد الْحَارِث والتفاسير على ذَلِك تدل كَانَ ابْن جُبَير يَقُول شركا فِي طَاعَته وَلم يكن فِي عِبَادَته قَالَ الزّجاج من قَرَأَ / شركا / فَهُوَ مصدر شركت الرجل أشركه شركا قَالَ بَعضهم يَنْبَغِي أَن يكون عَن قِرَاءَة من قَرَأَ شركا جعلا لغيره شركا يَقُول لِأَنَّهُمَا لَا ينكران إِن يكون الأَصْل لَهُ جلّ وَعز فالشرك يَجْعَل لغيره وَهَذَا على معنى جعلا لَهُ ذَا شرك فَحذف ذَا مثل وسل الْقرْيَة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿شُرَكَاء﴾ على فعلاء جمع شريك وحجتهم فِي ذَلِك أَن آدم وحواء كَانَا يدينان بِأَن ولدهما من رزق الله وعطيته ثمَّ سمياه عبد الْحَارِث فَجعلَا لإبليس فِيهِ شُرَكَاء بِالِاسْمِ وَلَو كَانَت الْقِرَاءَة شركا وَجب أَن يكون الْكَلَام جعلا لغيره فِيهِ شركا وَفِي نزُول وَحي الله جلّ وَعز بقوله ﴿جعلا لَهُ﴾ مَا يُوضح أَن الصَّحِيح من الْقِرَاءَة شُرَكَاء بِضَم الشين على مَا بَيناهُ فَإِن قَالَ قَائِل فَإِن آدم

стр. 228

وحواء إِنَّمَا سميا ابنهما عبد الْحَارِث والْحَارث وَاحِد وَقَوله شُرَكَاء جمَاعَة قيل إِن الْعَرَب تخرج الْخَبَر عَن الْوَاحِد مخرج الْخَبَر عَن الْجَمَاعَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم﴾ ﴿وَإِن تدعوهم إِلَى الْهدى لَا يتبعوكم﴾ قَرَأَ نَافِع ﴿لَا يتبعوكم﴾ سَاكِنة التَّاء من تبع يتبع وَقَرَأَ الْبَاقُونَ لَا يتبعوكم من اتبع يتبع وحجتهم إِجْمَاع الْجَمِيع على قَوْله ﴿إِلَّا لنعلم من يتبع الرَّسُول﴾ بِالتَّشْدِيدِ ﴿إِن الَّذين اتَّقوا إِذا مسهم طائف من الشَّيْطَان تَذكرُوا فَإِذا هم مبصرون﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَعَاصِم وَحَمْزَة ﴿طائف﴾ بِالْألف من طَاف بِهِ إِذا دَار حوله فَهُوَ طايف كَذَا قَالَ الْكسَائي وَقَالَ غَيره هُوَ من طَاف بِهِ من وَسْوَسَة الشَّيْطَان وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو / طيف من الشَّيْطَان / أَي لمة وخطرة من الشَّيْطَان وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول طيف من الشَّيْطَان غضب وحجتهم قَوْله قبله ﴿وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ﴾ وَلم يقل

стр. 229

نازغ وَقَالَ ﴿وَإِذا مسكم الضّر﴾ وَلم يقل الضار وَيُقَال أَصَابَته نظرة وَلَا يُقَال ناظرة فَقَوله طيف يحْتَمل أَن يكون مصدر طَاف يطِيف طيفا كَمَا يُقَال طَاف الخيال يطِيف طيفا وَيحْتَمل أَن يكون اسْما مثل الطاف سَوَاء كَمَا يُقَال مائت وميت وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ قِرَاءَة ابْن مَسْعُود / طيف / بِالتَّشْدِيدِ مثل هَين وهين بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف ﴿وإخوانهم يمدونهم فِي الغي ثمَّ لَا يقصرون﴾ قَرَأَ نَافِع ﴿وإخوانهم يمدونهم﴾ بِضَم الْيَاء وَكسر الْمِيم من من أمد يمد وَهُوَ من قَوْلك أمددت الْجَيْش إِذا زِدْته بمدد قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأمددناكم بأموال وبنين﴾ فَمَعْنَى ﴿يمدونهم﴾ يزيدونهم غيا وَكَأَنَّهُ قَالَ يمدونهم من الغي وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يمدونهم﴾ بِفَتْح الْيَاء من مد يمد إِذا جر فَقَوله يمدونهم أَي يجرونهم فِي الغي وَقَالَ قوم يمدونهم يتركونهم فِي الغي تَقول الْعَرَب لأمدنك فِي باطلك أَي لأتركنك فِيهِ وَلَا أخرجك مِنْهُ

стр. 230

٨ - سُورَة الْأَنْفَال ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم أَنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة مُردفِينَ﴾ قَرَأَ نَافِع ﴿مُردفِينَ﴾ بِفَتْح الدَّال مفعول بهم أَي الله أردفهم أَي بَعثهمْ على آثَار من تقدمهم قَالَ أَبُو عبيد تَأْوِيله أَن الله ﵎ أرْدف الْمُسلمين بهم وَكَانَ مُجَاهِد يُفَسِّرهَا ممدين وَهُوَ تَحْقِيق هَذَا الْمَعْنى وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿مُردفِينَ﴾ بِكَسْر الدَّال أَي جاؤوا بعدهمْ على آثَارهم أَي ردفوا أصَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَأَرْدَفَ بِمَعْنى ردف قَالَ الشَّاعِر ... إِذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظَنَنْت بآل فَاطِمَة الظنونا ... قَالَ أَبُو عبيد أَرَادَ بقوله أردفت ردفت أَي جَاءَت بعْدهَا أَلا ترى أَن الجوزاء تطلع بعد طُلُوع الثريا وعَلى أَثَرهَا وَقَالَ ابْن عَبَّاس مُردفِينَ أَي مُتَتَابعين وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم أَبُو عَمْرو مُردفِينَ أَي أرْدف بَعضهم بَعْضًا فالإرداف أَن يحمل الرجل

стр. 231

صَاحبه خَلفه تَقول ردفت الرجل أَي ركبت خَلفه وأردفته إِذا أركبته خَلْفي وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُم أَبُو بكر بن مُجَاهِد مُردفِينَ أَي متقدمين لمن وَرَاءَهُمْ كَأَن من يَأْتِي بعدهمْ ردف لَهُم أَي أَتَوا فِي ظُهُورهمْ فعلى هَذَا الْوَجْه لَا يكون أرْدف بِمَعْنى ردف لأَنهم أردفوا خَلفهم ﴿إِذْ يغشيكم النعاس أَمَنَة مِنْهُ وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كثير / إِذْ يغشاكم / بِالْألف ﴿النعاس﴾ رفع فعل الْفِعْل النعاس لِأَنَّك تَقول غشيني النعاس يَغْشَانِي وحجتهما فِي أَن الْفَاعِل هُوَ النعاس قَوْله ﴿أَمَنَة نعاسا يغشى طَائِفَة مِنْكُم﴾ أَلا ترى أَن النعاس هُوَ الَّذِي يغشى فَهُوَ الْفَاعِل والقصة وَاحِدَة فَلذَلِك اختارا هَذَا الْوَجْه وَقَرَأَ ابْن عَامر وَأهل الْكُوفَة ﴿إِذْ يغشيكم﴾ بِضَم الْيَاء وتشد الشين ﴿النعاس﴾ نصب أَي الله يغشيكم النعاس وحجتهم أَن الْفِعْل أَتَى عقيب ذَلِك مُسْندًا إِلَى الله وَهُوَ قَوْله ﴿وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ وَيذْهب عَنْكُم رجز الشَّيْطَان﴾ فَكَانَ الأولى بِمَا قبله أَن يكون خَبرا عَن الله أَنه هُوَ الْفَاعِل لَهُ لينتظم الْكَلَام على سِيَاق وَاحِد وَحجَّة التَّشْدِيد قَوْله ﴿فغشاها مَا غشى﴾

стр. 232

وَقَرَأَ أهل الْمَدِينَة ﴿إِذْ يغشيكم﴾ بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْغَيْن ﴿النعاس﴾ نصب أَي يغشيكم الله النعاس وحجتهم قَوْله ﴿فأغشيناهم فهم لَا يبصرون﴾ ﴿وَلَكِن الله قَتلهمْ وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَابْن عَامر ﴿وَلَكِن﴾ خَفِيفَة ﴿الله﴾ رفع وَكَذَلِكَ الَّذِي بعده وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَلَكِن﴾ بِالتَّشْدِيدِ ﴿الله﴾ نصب وَقد ذكرت الْحجَّة فِي سُورَة الْبَقَرَة ﴿ذَلِكُم وَأَن الله موهن كيد الْكَافرين﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿موهن﴾ بِالتَّشْدِيدِ ﴿كيد﴾ نصب من وَهن يوهن مثل قتل يقتل وحجتهم فِي ذَلِك أَن التَّشْدِيد إِنَّمَا وَقع لتكرر الْفِعْل وَذَلِكَ مَا ذكره الله من تثبيت أَقْدَام الْمُؤمنِينَ بالغيث وربطه على قُلُوبهم وتقليله إيَّاهُم فِي أَعينهم عِنْد الْقِتَال فَذَلِك مِنْهُ شَيْء بعد شَيْء وَحَال بعد حَال فِي وَقت بعد وَقت فَكَانَ الأولى بِالْفِعْلِ أَن يشدد لتردد هَذِه الْأَفْعَال فَكَأَنَّهُ أوقع الوهن بكيد الْكَافرين مرّة بعد مرّة فَوَجَبَ أَن يُقَال ﴿موهن﴾ لهَذِهِ الْعلَّة وَقَرَأَ أهل الْكُوفَة وَأهل الشَّام ﴿موهن﴾ بِإِسْكَان الْوَاو من

стр. 233

أوهن يوهن فَهُوَ موهن مثل أَيقَن يُوقن فَهُوَ موقن وهما لُغَتَانِ مثل كرم وَأكْرم وَكلهمْ ينصبون ﴿كيد﴾ وينونون ﴿موهن﴾ إِلَّا حفصا عَن عَاصِم فَإِنَّهُ أَضَافَهُ فَقَرَأَ ﴿موهن كيد﴾ وَمثله ﴿بَالغ أمره﴾ فَمن نون أَرَادَ الْحَال والاستقبال كَقَوْلِك الْأَمِير خَارج الْآن أَو غَدا وَمن لم ينون جَازَ أَن يُرِيد الْمَاضِي والاستقبال ﴿وَلنْ تغني عَنْكُم فِئَتكُمْ شَيْئا وَلَو كثرت وَأَن الله مَعَ الْمُؤمنِينَ﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وفحص ﴿وَلَو كثرت وَأَن الله مَعَ الْمُؤمنِينَ﴾ بِفَتْح الْألف أَي وَلِأَن الله مَعَ الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا حذفت اللَّام جعلت أَن فِي مَحل النصب كَأَنَّهُ قَالَ وَلنْ تغني عَنْكُم فتئتكم لكثرتها لِأَن الله مَعَ الْمُؤمنِينَ وحجتهم فِي ذَلِك أَنَّهَا مَرْدُودَة على قَوْله قبلهَا ﴿وَأَن للْكَافِرِينَ﴾ و ﴿وَأَن الله موهن﴾ و ﴿وَأَن الله مَعَ الْمُؤمنِينَ﴾ فَيكون الْكَلَام وَاحِدًا يتبع بعضه بَعْضًا ﴿إِذْ أَنْتُم بالعدوة الدُّنْيَا وهم بالعدوة القصوى﴾ ﴿ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة﴾ قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿إِذْ أَنْتُم بالعدوة الدُّنْيَا وهم بالعدوة القصوى﴾

стр. 234

بِكَسْر الْعين فيهمَا مثل إسوة وقدوة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْع فيهمَا قَالَ الْكسَائي وَأَبُو عبيد هما لُغَتَانِ مثل حذوة وجذوة قَرَأَ نَافِع والبزي عَن ابْن كثير وَأَبُو بكر / ويحيا من حييّ / بياءين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿حَيّ﴾ بِالْإِدْغَامِ قَالَ الْخَلِيل يجوز الْإِدْغَام والإظهار إِذا كَانَت الْحَرَكَة فِي الثَّانِي لَازِمَة فَأَما من أدغم فلاجتماع الحرفين من جنس وَاحِد كَمَا تَقول عيي بِالْأَمر يعيا ثمَّ تَقول عي بِالْأَمر وَأما من أظهر فَلِأَن الْحَرْف الثَّانِي ينْتَقل من لفظ الْيَاء تَقول حييّ يحيا والمحيا وَالْمَمَات فَلهَذَا جَازَ الْإِظْهَار ﴿وَلَو ترى إِذْ يتوفى الَّذين كفرُوا الْمَلَائِكَة﴾ قَرَأَ ابْن عَامر / وَلَو ترى إِذْ تتوفى الَّذين كفرُوا / بِالتَّاءِ وحجته قَوْله / إِن الَّذين كفرُوا تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة / وَقَوله ﴿تحمله الْمَلَائِكَة﴾ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿إِذْ يتوفى﴾ بِالْيَاءِ الْأَمر بَينهمَا قريب وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قَرَأت بِالتَّاءِ أردْت جمَاعَة الْمَلَائِكَة وَإِذا قَرَأت بِالْيَاءِ أردْت جمع الْمَلَائِكَة كَمَا تَقول قَالَت الرِّجَال وَقَالَ الرِّجَال قَالَ الله تَعَالَى / فناداه الْمَلَائِكَة / و ﴿فنادته الْمَلَائِكَة﴾

стр. 235

﴿وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا سبقوا إِنَّهُم لَا يعجزون﴾ قَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة وَحَفْص ﴿وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا﴾ بِالْيَاءِ قَالَ الزّجاج وَجههَا ضَعِيف عِنْد أهل الْعَرَبيَّة إِلَّا أَنَّهَا جَائِزَة على أَن يكون الْمَعْنى وَلَا يَحسبن الَّذين كفرُوا أَن سبقوا لِأَنَّهَا فِي حُرُوف ابْن مَسْعُود / أَنهم سبقوا / ف أَن مُخَفّفَة من أَن وَأَن تنوب عَن الِاسْم وَالْخَبَر قَالَ وفيهَا وَجه آخر يكون وَلَا يَحسبن قبيل الْمُؤمنِينَ الَّذين كفرُوا سبقوا وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَلَا تحسبن الَّذين﴾ بِالتَّاءِ ف ﴿الَّذين﴾ الْمَفْعُول الأول و ﴿سبقوا﴾ الْمَفْعُول الثَّانِي الْمَعْنى لَا تحسبن يَا مُحَمَّد من أفلت من هَذِه الْحَرْب قد سبق إِلَى الْحَيَاة قَرَأَ ابْن عَامر ﴿إِنَّهُم لَا يعجزون﴾ بِفَتْح الْألف الْمَعْنى وَلَا تحسبن الَّذين كفرُوا سبقوا لأَنهم لَا يعجزون الله قَالَ الزّجاج وَقد يجوز أَن يكون ﴿لَا﴾ لَغوا فَيكون الْمَعْنى وَلَا تحسبن الَّذين كفرُوا أَنهم يعجزون وَتَكون أَن بَدَلا من سبقوا وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿إِنَّهُم﴾ بِالْكَسْرِ على الِابْتِدَاء ﴿وَإِن جنحوا للسلم فاجنح لَهَا﴾ قَرَأَ أَبُو بكر عَن عَاصِم ﴿وَإِن جنحوا للسلم﴾ بِالْكَسْرِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْح وهما لُغَتَانِ وَهُوَ الصُّلْح ﴿وَإِن يكن مِنْكُم مائَة يغلبوا ألفا﴾ ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا فَإِن يكن مِنْكُم مائَة صابرة يغلبوا مِائَتَيْنِ﴾

стр. 236

٦٥ - و ٦٦ قَرَأَ ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر / وَإِن تكن مِنْكُم مئة / / فَإِن فتكن مِنْكُم مئة صابرة / بِالتَّاءِ فيهمَا وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو الثَّانِيَة بِالتَّاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ فيهمَا فَمن أنث فلتأنيث المئة وَمن ذكر فَلِأَن المئة وَقعت على عدد مُذَكّر وَأُخْرَى وَهِي أَنه لما حجز بَين الِاسْم وَالْفِعْل بحاجز ذكر الْفِعْل لِأَن الحاجز صَار كالعوض مِنْهُ وَحجَّة أبي عمر ذكرهَا اليزيدي فَقَالَ لقَوْله ﴿صابرة﴾ ذهب اليزيدي إِلَى أَنه لما نعتها بالتأنيث وَجب أَن يكون فعلهَا بِلَفْظ التَّأْنِيث لِأَن الْمُذكر لَا ينعَت بِهِ الْمُؤَنَّث قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة ﴿وَعلم أَن فِيكُم ضعفا﴾ بِفَتْح الضَّاد وَفِي الرّوم مثله وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْع وهما لُغَتَانِ مثل الْمكْث والمكث والفقر والفقر والقرح والقرح ٢ ﴿مَا كَانَ لنَبِيّ أَن يكون لَهُ أسرى﴾ ﴿يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الأسرى﴾ ٦٧ و ٧٠ قَرَأَ أَبُو عَمْرو / مَا كَانَ لنَبِيّ أَن تكون لَهُ أسرى / بِالتَّاءِ أَرَادَ جمَاعَة أسرى فَجرى مجْرى قَوْله ﴿كذبت قوم نوح الْمُرْسلين﴾ ونظائر ذَلِك وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَن يكون﴾ بِالْيَاءِ أَرَادَ جمع أسرى قَالَ أهل الْبَصْرَة لما فصل بَين الِاسْم وَالْفِعْل بفاصل ذكر الْفِعْل لِأَن الْفَاصِل صَار كالعوض

стр. 237

قَرَأَ أَبُو عَمْرو يَا أَيهَا النَّبِي قل لمن فِي أَيْدِيكُم من الْأُسَارَى بِالْألف قَالَ أَبُو عَمْرو إِذا كَانَ عِنْد الْقِتَال فَأسر الْقَوْم عدوهم فهم الأسرى فَإِذا ذهبت زحمة الْقِتَال فصاروا فِي أَيْديهم فهم الْأُسَارَى وَقَالَ أَيْضا مَا كَانَ فِي الْأَيْدِي وَفِي السجْن فَإِنَّهَا أُسَارَى وَمَا لم يكن فِي الْأَيْدِي وَلَا فِي السجْن فَقل مَا شِئْت أسرى وأسارى وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿من الأسرى﴾ بِغَيْر ألف وحجتهم أَن الْعَرَب جمعت على فعلى من كَانَت بِهِ دمامة أَو مرض يمنعهُ من النهوض فَقَالُوا فِي صريع صرعى وجريح جرحى وَلما كَانَ الْأسر آفَة تدخل على الْإِنْسَان فتمنعه من النهوض أجري مجْرى ذَوي العاهات فَقَالُوا أَسِير وَأسرى ﴿مَا لكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا﴾ قَرَأَ حَمْزَة ﴿مَا لكم من ولايتهم﴾ بِكَسْر الْوَاو وَهِي مصدر وليت الشَّيْء ولَايَة ووال حسن الْولَايَة قَالَ الْفراء ﴿مَا لكم من ولايتهم﴾ يُرِيد من ميراثهم وَكسر الْوَاو فِي الْولَايَة أعجب إِلَيّ من فتحهَا لِأَنَّهَا إِنَّمَا يفتح أَكثر ذَلِك إِذا كَانَت فِي معنى نصْرَة قَالَ فَكَانَ الْكسَائي يفتحها وَيذْهب بهَا إِلَى النُّصْرَة وَلَا اراه علم التَّفْسِير ويختارون فِي وليته ولَايَة الْكسر وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿من ولايتهم﴾ بِفَتْح الْوَاو أَي من نَصرهم وَالْعرب تَقول نَحن لكم على بني فلَان ولَايَة أَي أنصار

стр. 238

٩ - سُورَة التَّوْبَة ﴿فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر إِنَّهُم لَا أَيْمَان لَهُم لَعَلَّهُم ينتهون﴾ قَرَأَ ابْن عَامر وَأهل الْكُوفَة ﴿فَقَاتلُوا أَئِمَّة الْكفْر﴾ بهمزتين الْهمزَة الأولى ألف الْجمع وَالثَّانيَِة أَصْلِيَّة لِأَنَّهَا جمع إِمَام وَالْأَصْل أأممة أَفعلهُ مثل حمَار وأحمرة وَلَكِن الميمين لما اجْتمعَا نقلوا كسرة الْمِيم إِلَى الْهمزَة فأدغموا الْمِيم فِي الْمِيم فَصَارَت أَئِمَّة بهمزتين قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو / أيمة / بِغَيْر مد بِهَمْزَة وَاحِدَة كَأَنَّهُمْ كَرهُوا الْجمع بَين همزتين فِي بنية وَاحِدَة وَلَا اعْتِبَار بِكَوْن الأولى زَائِدَة كَمَا لم يكن بهَا اعْتِبَار فِي آدم قَرَأَ ابْن عَامر ﴿إِنَّهُم لَا أَيْمَان لَهُم﴾ بِكَسْر الْألف أَي لَا إِسْلَام وَلَا دين لَهُم وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَاهُ لَا أَمَان لَهُم مصدر آمنته أومنه إِيمَانًا الْمَعْنى إِذْ كُنْتُم أَنْتُم آمنتموهم فنقضوا هم عَهدهم فقد بَطل الْأمان الَّذِي أعطيتموهم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لَا أَيْمَان لَهُم﴾ بِالْفَتْح جمع يَمِين وحجتهم قَوْله ﴿اتَّخذُوا أَيْمَانهم جنَّة﴾ وَهُوَ الِاخْتِيَار لِأَنَّهُ فِي التَّفْسِير لَا عهود لَهُم وَلَا مِيثَاق وَلَا حلف فقد وَصفهم بالنكث فِي العهود ﴿مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسَاجِد الله﴾ ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ ١٧ و ١٨

стр. 239

قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو / مَا كَانَ للْمُشْرِكين أَن يعمروا مَسْجِد الله / على التَّوْحِيد يَعْنِي الْمَسْجِد الْحَرَام وحجتهما قَوْله ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ قَالَ أَبُو عَمْرو وتصديقها قَول ﴿أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ قَالَ وَالثَّانيَِة ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله﴾ على الْجمع فِي كل مَكَان ﴿من آمن بِاللَّه﴾ على هَذَا الْمَعْنى وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَن يعمروا مَسَاجِد الله﴾ بِالْألف وحجتهم إِجْمَاع الْجَمِيع على قَوْله ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله﴾ على الْجمع فَرد مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَأُخْرَى وَهِي أَنه إِذا قرئَ على الْجمع دخل الْمَسْجِد الْحَرَام فِيهِ وَغير الْمَسْجِد الْحَرَام وَإِذا قرئَ على التَّوْحِيد لم يدْخل فِيهِ غير الْمَسْجِد الْحَرَام وَإِنَّمَا عني بِهِ الْمَسْجِد الْحَرَام فَحسب ﴿وأزواجكم وعشيرتكم﴾ قَرَأَ أَبُو بكر / وعشيراتكم / بِالْألف وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وعشيرتكم﴾ بِغَيْر ألف كَمَا تَقول قرابتكم وقراباتكم ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله﴾ قَرَأَ عَاصِم وَالْكسَائِيّ ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله﴾ بِالتَّنْوِينِ وحجته أَنه اسْم خَفِيف فوجهه الصّرْف تخفته وَإِن كَانَ أعجميا وَقَالَ قوم يجوز أَن تعجله عَرَبيا لِأَنَّهُ على مِثَال المصغرات من الْأَسْمَاء الْعَرَبيَّة

стр. 240

وَهُوَ يشبه فِي التصغير نَصِيرًا أَو بكيرا فأجري وَإِن كَانَ فِي الأَصْل أعجميا وَأُخْرَى أَن الْكَلَام عِنْد السُّكُوت على عُزَيْر بن الله نَاقص وَأَن قَوْله ﴿ابْن﴾ خبر عَن عُزَيْر فنون من أجل حَاجَة الْكَلَام إِلَيْهِ كَقَوْلِك زيد ابْن عمنَا فَلَمَّا كَانَت الْفَائِدَة فِي ابْن أوقعت التَّنْوِين وَإِذا تركت التَّنْوِين كَانَ الابْن نعتا وَكَانَت الْفَائِدَة بعد النَّعْت كَقَوْلِك زيد ابْن عمنَا ظريف وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿عُزَيْر ابْن الله﴾ بِغَيْر تَنْوِين وحجتهم أَن التَّنْوِين حرف الْإِعْرَاب مشبه للواو وَالْيَاء وَالْألف فَكَمَا يسقطن إِذا سكن وَسكن مَا بعدهن كَذَلِك يسْقط التَّنْوِين إِذا سكن وأتى بعده سَاكن فكأنهم ذَهَبُوا إِلَى أَنه مَصْرُوف وَأَن التَّنْوِين سقط الساكنين أنْشد الْفراء ... إِذا غطيف السّلمِيّ فرا ... فأسقط التَّنْوِين من غطيف وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا القَوْل أَن هَارُون قَالَ سَأَلت أَبَا عَمْرو عَن عُزَيْر فَقَالَ أَنا أصرف

стр. 241

عُزَيْرًا وَلَكِنِّي أَقُول هَذَا الْحَرْف ﴿عُزَيْر ابْن الله﴾ فَدلَّ قَوْله أَنا أصرف عُزَيْرًا على أَنه عِنْده مَصْرُوف وَأَنه حذف التَّنْوِين عِنْده لغير ترك صرفه بل هُوَ لما أَخْبَرتك بِهِ من حذفه للساكنين وَيجوز أَن نقُول إِن عُزَيْر اسْم أعجمي غير مَصْرُوف قَالَ الزّجاج يجوز حذف التَّنْوِين لإلتقاء الساكنين وَقد رُوِيَ ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد﴾ فَحذف التَّنْوِين لسكونه وَسُكُون اللَّام فَكَذَلِك حذف التَّنْوِين من ﴿عُزَيْر ابْن الله﴾ لسكونه وَسُكُون الْبَاء وَفِيه وَجه آخر أَن يكون الْخَبَر محذوفا فَيكون مَعْنَاهُ عُزَيْر ابْن الله معبودنا فَيكون ابْن نعتا وَلَا اخْتِلَاف بَين النَّحْوِيين أَن إِثْبَات التَّنْوِين أَجود قَالَ وَالْوَجْه إِثْبَات التَّنْوِين لِأَن ابْن خبر وَإِنَّمَا يحذف التَّنْوِين فِي الصّفة نَحْو قَوْلك جَاءَنِي زيد بن عَمْرو فيحذف التَّنْوِين لالتقاء الساكنين وَلِأَن ابْن مُضَاف إِلَى علم وَأَن النَّعْت والمنعوت كالشيء الْوَاحِد وَإِذا كَانَ خَبرا فالتنوين ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر يضل بِهِ الَّذين كفرُوا يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما﴾ ﴿زين لَهُم سوء أَعْمَالهم﴾ ٣٧ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر يضل﴾ بِضَم الْيَاء وَفتح الضَّاد على مَا لم يسم فَاعله إِن الْكَافرين يضلون وحجتهم أَن الْكَلَام أَتَى عقيب ذَلِك بترك تَسْمِيَة الْفَاعِل وَهُوَ قَوْله ﴿زين لَهُم سوء أَعْمَالهم﴾ فَدلَّ على أَن مَا تقدمه من الْفِعْل جرى بِلَفْظِهِ إِذا كَانَ التزيين إضلالا فِي الْحَقِيقَة فَجعل مَا قبل التزيين

стр. 242

مشاكلا للفظه ليأتلف الْكَلَام على نظام وَاحِد وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يضل﴾ بِفَتْح الْيَاء وَكسر الضَّاد أَي هم يضلون لايهتدون وحجتهم قَوْله ﴿يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما﴾ فَجعل الْفِعْل لَهُم فَكَذَلِك ﴿يضل بِهِ الَّذين كفرُوا﴾ وَكَانُوا يؤخرون شهر الْحَج ويقدمون فضلوا هم بتأخيرهم شهرا وبتقديمهم شهرا ﴿قل أَنْفقُوا طَوْعًا أَو كرها لن يتَقَبَّل مِنْكُم إِنَّكُم كُنْتُم قوما فاسقين وَمَا مَنعهم أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿قل أَنْفقُوا طَوْعًا أَو كرها﴾ بِضَم الْكَاف وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنّصب وَقد ذكرنَا الْحجَّة فِي سُورَة النِّسَاء قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / وَمَا مَنعهم أَن يقبل مِنْهُم نفقاتهم / بِالْيَاءِ لِأَن النَّفَقَات فِي معنى الْإِنْفَاق فَالْكَلَام مَحْمُول على الْمَعْنى وَهُوَ الْمصدر وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم﴾ بِالتَّاءِ وحجتهم أَن النَّفَقَات مُؤَنّثَة فأنث فعلهَا ليُوَافق اللَّفْظ الْمَعْنى ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أذن قل أذن خير لكم يُؤمن بِاللَّه ويؤمن للْمُؤْمِنين وَرَحْمَة للَّذين آمنُوا مِنْكُم﴾ قَرَأَ نَافِع / قل هُوَ أذن / بِإِسْكَان الذَّال فِي كل الْقُرْآن كَأَنَّهُ استثقل ثَلَاث ضمات فسكن وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الذَّال على أصل الْكَلِمَة قَرَأَ أَبُو بكر فِي رِوَايَة الْأَعْشَى / قل هُوَ أذن / منون ﴿خير لكم﴾

стр. 243

بِالرَّفْع والتنوين الْمَعْنى قل يَا مُحَمَّد فَمن يستمع مِنْكُم وَيكون قَرِيبا مِنْكُم قَابلا للْعُذْر خير لكم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أذن خير﴾ بِالْإِضَافَة وَهُوَ نفي لما قَالُوهُ الْمَعْنى أذن خير لَا أذن شَرّ أَي مستمع خير ثمَّ بَين مِمَّن يقبل فَقَالَ ﴿يُؤمن بِاللَّه ويؤمن للْمُؤْمِنين﴾ أَي يسمع مَا ينزله الله عَلَيْهِ فَيصدق بِهِ وَيصدق الْمُؤمنِينَ فِيمَا يخبرونه وَلَا يصدق الْمُنَافِقين وَالْبَاء وَاللَّام زائدتان الْمَعْنى يصدق الله وَيصدق الْمُؤمنِينَ قَرَأَ حَمْزَة ﴿وَرَحْمَة للَّذين آمنُوا﴾ بالخفض على الْعَطف على ﴿خير﴾ الْمَعْنى أذن خير وَأذن رَحْمَة للْمُؤْمِنين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَرَحْمَة﴾ أَي وَهُوَ رَحْمَة خبر ابْتِدَاء لِأَنَّهُ كَانَ سَبَب الْمُؤمنِينَ فِي إِيمَانهم ﴿إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم نعذب طَائِفَة بِأَنَّهُم كَانُوا مجرمين﴾ قَرَأَ عَاصِم ﴿إِن نعف﴾ بالنُّون الله أخبر عَن نَفسه ﴿نعذب﴾ بالنُّون أَيْضا ﴿طَائِفَة﴾ بَال مفعول بهَا وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / إِن يعف / بِالْيَاءِ وَضمّهَا ﴿تعذب﴾ بِالتَّاءِ ﴿طَائِفَة﴾ رفع على مَا لم يسم فَاعله

стр. 244

﴿وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب ليؤذن لَهُم﴾ قَرَأَ الْكسَائي فِي رِوَايَة قُتَيْبَة / وَجَاء المعذرون / بِالتَّخْفِيفِ أَي الَّذين أعذروا وجاؤوا بِعُذْر وَكَانَ ابْن عَبَّاس يقْرؤهَا كَذَلِك وَيَقُول هم أهل الْعذر أَي جاؤوا معذرين وَلَهُم عذر والمعذر الَّذِي قد بلغ أقْصَى الْعذر وَالْعرب تَقول أعذر من أنذر أَي بَالغ فِي الْعذر وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَجَاء المعذرون﴾ بِالتَّشْدِيدِ أَي المعتذرون إِلَّا أَن التَّاء أدغمت فِي الذَّال لقرب المخرجين قَالَ الزّجاج وَمعنى المعتذرين الَّذين يَعْتَذِرُونَ كَانَ لَهُم عذر أَو لم يكن لَهُم عذر وَهُوَ هَا هُنَا أشبه بِأَن يكون لَهُم عذر وأنشدوا ... إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا ... وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر ... يُرِيد قد أعذر وَقد يكون لَا عذر لَهُ قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم إِذا رجعتم إِلَيْهِم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿لَا تعتذروا﴾ أَي لَا عذر لكم وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول رحم الله المعذرين وَلعن الله المعذرين ذهب إِلَى من يعْتَذر بِغَيْر عذر وَقَالَ آخَرُونَ المعذرون المقصرون أَي الَّذين يوهمون أَن لَهُم عذرا وَلَا عذر لَهُم ﴿عَلَيْهِم دَائِرَة السوء﴾ قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿عَلَيْهِم دَائِرَة السوء﴾ بِضَم السِّين وحجتهما قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسوء على الْكَافرين﴾

стр. 245

وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْح وحجتهم قَوْله ﴿وظننتم ظن السوء﴾ السوء بِالضَّمِّ الِاسْم مثل الْبُؤْس والشؤم وَالسوء بِالْفَتْح الْمصدر كَذَا قَالَ الْفراء سؤته سوءا أَو مساءة وَقَالَ آخَرُونَ السوء بِالضَّمِّ الشَّرّ وَالْعَذَاب وَالسوء بِالْفَتْح الْفساد والهلاك قَالَ الْخَلِيل قَوْله ﴿عَلَيْهِم دَائِرَة السوء﴾ الْفساد والهلاك وَقَالَ آخَرُونَ هما لُغَتَانِ مثل الضّر والضر ﴿أَلا إِنَّهَا قربَة لَهُم﴾ قَرَأَ نَافِع فِي رِوَايَة ورش وَإِسْمَاعِيل ﴿أَلا إِنَّهَا قربَة﴾ بِرَفْع الرَّاء مثل الرعب والسحت وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿قربَة لَهُم﴾ بِإِسْكَان الرَّاء مثل جرعة ﴿وَأعد لَهُم جنَّات تجْرِي تحتهَا الْأَنْهَار﴾ قَرَأَ ابْن كثير / وَأعد لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار / بِزِيَادَة من وَكَذَلِكَ فِي مصاحفهم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿تحتهَا﴾ من غير من وَهَكَذَا فِي مصاحفهم ﴿وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص ﴿إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ على التَّوْحِيد وَكَذَلِكَ فِي هود وحجتهم فِي ذَلِك إِجْمَاع الْجَمِيع على

стр. 246

التَّوْحِيد فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن صَلَاتي ونسكي﴾ فَردُّوا مَا اخْتلفُوا فِيهِ إِلَى مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / إِن صلواتك / على الْجمع وحجتهم إِجْمَاع الْجَمِيع على الْجمع فِي قَوْله قبلهَا ﴿وصلوات الرَّسُول﴾ فَلَا فرق فِي شَيْء من ذَلِك فِي وَجه من الْوُجُوه ﴿وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله﴾ قَرَأَ نَافِع وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص وَآخَرُونَ ﴿مرجون﴾ بِغَيْر همز وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْز وهما لُغَتَانِ يُقَال أرجأت الْأَمر إِذا أَخَّرته وأرجيته أَيْضا ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر / الَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا / بِغَيْر وَاو وَكَذَلِكَ فِي مصاحفهم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَالَّذين﴾ بِالْوَاو وَهَكَذَا فِي مصاحفهم ﴿أَفَمَن أسس بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار﴾ قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر ﴿أَفَمَن أسس﴾ بِضَم الْألف وَكسر السِّين ﴿بُنْيَانه﴾ بِرَفْع النُّون وَكَذَلِكَ ﴿أم من أسس بُنْيَانه﴾ على مَا لم يسم فَاعله وحجتهما قَوْله قبلهَا ﴿لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى﴾ قَالُوا وَإِنَّمَا كَانَ يحسن تَسْمِيَة الْفَاعِل لَو كَانَ للْفَاعِل ذكر فَأَما

стр. 247

إِذا لم يكن للْفَاعِل ذكر وَقد تقدمه ﴿لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى﴾ على ترك تَسْمِيَة الْفَاعِل فَترك التَّسْمِيَة أَيْضا فِي هَذَا أقرب وَأولى على أَن الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى هُوَ الْمَسْجِد الَّذِي بُنْيَانه على تقوى من الله وَهُوَ مَسْجِد الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أسس﴾ بِفَتْح الْهَمْز وَنصب ﴿بُنْيَانه﴾ فِي الحرفين وحجتهم فِي ذَلِك أَن صدر هَذِه الْقِصَّة هُوَ مَبْنِيّ على تَسْمِيَة الْفَاعِل وَهُوَ قَوْله ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا﴾ فَجعل الاتخاذ لَهُم فَكَذَلِك التأسيس يَجْعَل لَهُم ليَكُون الْكَلَام وَاحِدًا ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك ﴿لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بنوا رِيبَة﴾ وَالَّذين بنوا رِيبَة هم الَّذين أسسوا فَلذَلِك آثروا تَسْمِيَة الْفَاعِل قَرَأَ ابْن عَامر وَحَمْزَة وَأَبُو بكر ﴿على شفا جرف﴾ سَاكِنة الرَّاء كَأَنَّهُمْ استثقلوا ضمتين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿جرف﴾ بِالرَّفْع وَإِنَّمَا يستثقل ثَلَاث ضمات فَأَما اثْنَتَانِ فَلَا يستثقل ﴿لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بنوا رِيبَة فِي قُلُوبهم إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم﴾ قَرَأَ ابْن عَامر وَحَفْص ﴿إِلَّا أَن تقطع﴾ بِفَتْح التَّاء أَي إِلَّا أَن تتقطع قُلُوبهم ندما وأسفا على تفريطهم والقلوب رفع بِفِعْلِهَا وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿إِلَّا أَن تقطع﴾ بِضَم التَّاء على مَا لم يسم فَاعله أَي إِلَّا أَن يفعل ذَلِك بهَا وهما فِي الْمَعْنى شَيْء وَاحِد

стр. 248

﴿بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ﴾ قَرَأَ حمز ٤ ة وَالْكسَائِيّ ﴿فيقتلون﴾ بِضَم الْيَاء ﴿وَيقْتلُونَ﴾ بِفَتْح الْيَاء يبدآن بالمفعولين قبل الفاعلين قَالَ أَحْمد بن يحيي هَذَا مدح لأَنهم يقتلُون بعد أَن يقتل مِنْهُم وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿فيقتلون﴾ بِالْفَتْح ﴿وَيقْتلُونَ﴾ بِضَم الْيَاء يبدؤون بالفاعلين قبل المفعولين وحجتهم فِي ذَلِك أَن الله وَصفهم بِأَنَّهُم قَاتلُوا أَحيَاء ثمَّ قتلوا بعد أَن قَاتلُوا وَإِذا أخبر عَنْهُم وَبَدَأَ بِأَنَّهُم قد قتلوا فمحال أَن يقتلُوا بعد هلاكهم هَذَا مَا يُوجِبهُ ظَاهر الْكَلَام ﴿الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم﴾ قَرَأَ حَمْزَة وَحَفْص ﴿من بعد مَا كَاد يزِيغ﴾ بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ اعْلَم أَن فعل جمَاعَة يتَقَدَّم لمذكر أَو مؤنث إِن شِئْت أنثت فعله إِذا قَدمته وَإِن شِئْت ذكرته كَمَا قَالَ جلّ وَعز ﴿لن ينَال الله لحومها وَلَا دماؤها﴾ و ﴿لَا يحل لَك النِّسَاء﴾ فَإِذا أنثت أردْت جمَاعَة وَإِذا ذكرت أردْت جمعا وَمن قَرَأَ ﴿يزِيغ﴾ بِالْيَاءِ جعل فِي كَاد اسْما وترتفع الْقُلُوب ب ﴿يزِيغ﴾ وَالتَّقْدِير كَاد الْأَمر يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم وَإِنَّمَا قَدرنَا هَذَا التَّقْدِير لِأَن كَاد فعل ويزيغ فعل وَالْفِعْل لَا يَلِي الْفِعْل وعَلى هَذِه الْقِرَاءَة لَا يجوز أَن يرْتَفع الْقُلُوب ب كَاد وَمن قَرَأَ بِالتَّاءِ ارْتَفَعت الْقُلُوب ب كَاد

стр. 249

فَلَا يجوز حِينَئِذٍ إِلَّا تزِيغ بِالتَّاءِ لِأَن فِيهِ إضمارا للقلوب وَمَعْنَاهُ التَّأْخِير وَالتَّقْدِير من بَعْدَمَا كَاد قُلُوب فريق مِنْهُم تزِيغ وَمن رفع الْقُلُوب ب تزِيغ أضمر فِي كَاد الْأَمر كَمَا ذكرنَا فِي قِرَاءَة حَمْزَة وَحجَّة التَّاء قَوْله ﴿وتطمئن قُلُوبنَا﴾ وَلم يقْرَأ أحد بِالْيَاءِ فِي هَذَا الْموضع مَسْأَلَة فَإِن قيل لم أنث تزِيغ وَلم تؤنث كَاد وهما فعلان الْجَواب قَالَ الْفراء ﴿كَاد﴾ فعل و / تزِيغ / فعل فلك أَن تذكرهما جَمِيعًا وَلَك أَن تؤنثهما جَمِيعًا فَلَمَّا كَانَ لَك الْوَجْهَانِ ذكرت الأول لِأَن بعده فعلا آخر مُلْتَزما بالقلوب فَذكرت الأول لِأَنَّهُ تبَاعد من الْقُلُوب وأنثت الَّذِي بِجنب الْقُلُوب وَقَالَ آخَرُونَ ﴿كَاد﴾ لَيْسَ بِفعل متصرف وَلَا يكادون يَقُولُونَ مِنْهُ فَاعِلا وَلَا مَفْعُولا بِهِ فَذَكرته وأنثت / تزِيغ / لِأَنَّهُ فعل مُسْتَقْبل متصرف ﴿أَو لَا يرَوْنَ أَنهم يفتنون﴾ قِرَاءَة حَمْزَة / أَولا ترَوْنَ / بِالتَّاءِ أَي أَنْتُم معشر الْمُؤمنِينَ أَنهم يفتنون يَعْنِي الْمُنَافِقين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَو لَا يرَوْنَ﴾ بِالْيَاءِ أَي أَولا يرى المُنَافِقُونَ أَنهم يفتنون أَي يمْتَحنُونَ بِالْمرضِ من كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ

стр. 250

١٠ - سُورَة يُونُس ﵇ قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَحَفْص ﴿الر﴾ بِفَتْح الرَّاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْر الرَّاء وهما لُغَتَانِ أهل الْحجاز يَقُولُونَ وباء وثاء وَرَاء وطاء وَغَيرهم يَقُولُونَ بَاء وتاء وَرَاء وطاء ﴿أَكَانَ للنَّاس عجبا أَن أَوْحَينَا إِلَى رجل مِنْهُم﴾ ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِن هَذَا لساحر مُبين﴾ قَرَأَ ابْن كثير وَأهل الْكُوفَة ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِن هَذَا لساحر مُبين﴾ بِالْألف قَوْله ﴿إِن هَذَا﴾ إِشَارَة إِلَى الْمُرْسل وحجتهم قَوْله ﴿أَن أَوْحَينَا إِلَى رجل مِنْهُم أَن أنذر النَّاس﴾ ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِن هَذَا﴾ يَعْنِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ ﴿لساحر مُبين﴾ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿سحر مُبين﴾ بِغَيْر ألف يعنون الْقُرْآن وحجتهم أَن السحر يدل على السَّاحر لِأَن الْفِعْل لَا يكون إِلَّا من فَاعل والساحر قد يُوجد وَلَا يُوجد مَعَه السحر ﴿هُوَ الَّذِي جعل الشَّمْس ضِيَاء﴾ ﴿مَا خلق الله ذَلِك إِلَّا بِالْحَقِّ يفصل الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾
следующие страницы →