Полный текст (700 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
قَرَأَ أَبُو بكر ﴿قدرناها﴾ بِالتَّخْفِيفِ كَقَوْلِه ﴿فقدرنا فَنعم القادرون﴾ وَلَو كَانَ قَدرنَا لقَالَ فَنعم المقدرون وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿قَدرنَا﴾ بِالتَّشْدِيدِ وَالْعرب تَقول قدرت وقدرت لُغَتَانِ
﴿آللَّهُ خير أما يشركُونَ﴾ ٥٩
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَعَاصِم ﴿آللَّهُ خير أما يشركُونَ﴾ بِالْيَاءِ جعلا الْكَلَام خَبرا عَن أهل الشّرك وهم غيب فَجرى الْكَلَام على لفظ الْخَبَر عَنْهُم لغيبتهم
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ وحجتهم أَن الْكَلَام أَتَى عقيب المخاطبة فأجروا الْكَلَام على لفظ مَا تقدمه وَذَلِكَ قَوْله ﴿قل الْحَمد لله وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى﴾ ثمَّ قَالَ آللَّهُ خير أم مَا تشركون إِذْ كَانَ أمره أَن يَقُول لَهُم مُخَاطبا لَهُم
﴿أإله مَعَ الله﴾ ٦٠ ٦٤
قَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو / آيله مَعَ الله / بِهَمْزَة وَاحِدَة مُطَوَّلَة وأصل الْكَلِمَة إِلَه ثمَّ دخلت هممة الِاسْتِفْهَام فَصَارَ أإله فاستثقل الْجمع بَين الهمزتين أَدخل بَينهمَا ألف ليبعد هَذِه من هَذِه ثمَّ لين الثَّانِيَة
وَقَرَأَ ورش وَابْن كثير / أيله / بِهَمْزَة وَاحِدَة من غير مد وَهُوَ أَن تحقق الأولى وتخفف الثَّانِيَة وَلم تدخل بَينهمَا ألفا
стр. 457
وَقَرَأَ هِشَام عَن ابْن عَامر آإله بهمزتين بَينهمَا مُدَّة وَهُوَ أَن تزاد الْألف بَين الهمزتين ليبعد الْمثل عَن الْمثل وَيَزُول الِاجْتِمَاع فيخف اللَّفْظ بالهمزتين مَعَ الْحَائِل بَينهمَا
وَقَرَأَ أهل الشَّام والكوفة ﴿أإله﴾ بهمزتين وَقد ذكرت حجتهم فِي سُورَة الْبَقَرَة
﴿ويجعلكم خلفاء الأَرْض أإله مَعَ الله قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَهِشَام / قَلِيلا مَا يذكرُونَ / بِالْيَاءِ وحجتهما مَا تقدم من رُؤُوس الْآيَات من قَوْله ﴿بل هم قوم يعدلُونَ﴾ ﴿بل أَكْثَرهم لَا يعلمُونَ﴾ فَلَمَّا جَاءَت خَاتِمَة هَذِه الْآيَة فِي سياقهن أجْرى بلفظهن ليأتلف الْكَلَام على نظام وَاحِد وَأَرَادَ التوفقة بَين رُؤُوس الْآيَات
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ بِالتَّاءِ وحجتهم أَنَّهَا قريب من المخاطبة فِي قَوْله ﴿ويجعلكم خلفاء الأَرْض﴾ فأجروا بِلَفْظ المخاطبة إِذْ كَانَت أقرب إِلَيْهَا من قَوْله ﴿يعدلُونَ﴾ و ﴿لَا يعلمُونَ﴾
﴿وَمن يُرْسل الرِّيَاح بشرا بَين يَدي رَحمته﴾ ٦٣
قَرَأَ ابْن كثير وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ / وَمن يُرْسل الرّيح / بِغَيْر ألف وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْألف وَقد ذكرت الْحجَّة فِي سُورَة الْبَقَرَة قَوْله ﴿نشرا﴾ وَقد ذكرنَا أَيْضا فِي سُورَة الْأَعْرَاف
стр. 458
﴿بل ادارك علمهمْ فِي الْآخِرَة بل هم فِي شكّ مِنْهَا﴾ ٦٦
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو / بل اِدَّرَكَ علمهمْ / بِقطع الْألف وَسُكُون الدَّال بِمَعْنى هَل أدْرك علمهمْ علم الْآخِرَة كَذَا قَالَ الْفراء ﴿وَهل﴾ بِمَعْنى الْجحْد أَي لم يعلمُوا حدوثها وَكَونهَا وَدلّ على ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿بل هم فِي شكّ مِنْهَا﴾ وَقَالُوا ﴿فِي﴾ فِي قَوْله ﴿فِي الْآخِرَة﴾ بِمَعْنى الْبَاء وَتَأْويل الْكَلَام لم يدْرك علمهمْ بِالآخِرَة وَيُقَوِّي هَذَا قِرَاءَة من قرا / بل أدْرك علمهمْ / على لفظ الِاسْتِفْهَام بِمَعْنى النَّفْي وَكَانَ قَتَادَة يَقُول / بل أدْرك / أَي لم يدْرك بعد
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿بل ادارك علمهمْ فِي الْآخِرَة﴾ أَي بل تَكَامل علمه يَوْم الْقِيَامَة بِأَنَّهُم مبعوثون وَأَن كل مَا وعدوا بِهِ حق قَالَ ابْن عَبَّاس ﴿بل ادارك علمهمْ فِي الْآخِرَة﴾ أَي مَا جهلوا فِي الدُّنْيَا علموه فِي الأخرة وحجتهم قِرَاءَة أبي بل تدارك علمهمْ فأدغموا التَّاء فِي الدَّال لمقاربتها لَهَا فَلَمَّا سكنت التَّاء للإدغام اجتلبت لَهُ ألف الْوَصْل كَمَا اجتلبت فِي نَحْو ﴿فادارأتم﴾ وَفِي التَّنْزِيل حَتَّى ﴿إِذا اداركوا فِيهَا﴾
﴿وَقَالَ الَّذين كفرُوا أئذا كُنَّا تُرَابا وآباؤنا أئنا لمخرجون﴾ ٦٧
قَرَأَ نَافِع / وَقَالَ الَّذِي كفرُوا إِذا كُنَّا / بِكَسْر الْألف ﴿أئنا﴾ بالاستفهام وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو جَمِيعًا بالاستفهامين
قَرَأَ ابْن عَامر وَالْكسَائِيّ / أإذا / بهمزتين ﴿إننا﴾ بنونين
стр. 459
قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة ﴿أئذا﴾ بهمزتين ﴿أئنا﴾ بهمزتين وَقد ذكرت الْحجَّة فِي سُورَة الرَّعْد
﴿وَلَا تكن فِي ضيق مِمَّا يمكرون﴾
قَرَأَ ابْن كثير ﴿وَلَا تكن فِي ضيق﴾ بِكَسْر الضَّاد وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿فِي ضيق﴾ بِالْفَتْح الضّيق بِالْكَسْرِ الِاسْم والضيق بِالْفَتْح الْمصدر وَقَالَ الْفراء الضّيق مَا ضَاقَ عَنهُ صدرك والضيق مَا يكون فِي الشَّيْء الَّذِي يَتَّسِع ويضيق مثل الدَّار وَالثَّوْب وَقَالَ أَبُو عَمْرو الضّيق بِالْفَتْح الْغم والضيق بِالْكَسْرِ الشدَّة
﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء إِذا ولوا مُدبرين﴾
قَرَأَ ابْن كثير ﴿وَلَا يسمع﴾ بِالْيَاءِ وَفتحهَا ﴿الصم﴾ بِالرَّفْع جعلهم الفاعلين أَي لَا ينقادون للحق لعنادهم كَمَا لَا يسمع الْأَصَم مَا يُقَال لَهُ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لَا تسمع﴾ بِالتَّاءِ وَضمّهَا ﴿الصم﴾ نصب خطاب لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وحجتهم أَنه أشبه بِمَا قبله أَلا ترى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ فأسند الْفِعْل إِلَى الْمُخَاطب فَكَذَلِك تسند إِلَيْهِ فِي قَوْله ﴿وَلَا تسمع الصم﴾ وَيدل على ذَلِك قَوْله وَلَو علم الله فِيهِ خيرا لأسمعهم وَلَو أسمعهم لتولوا فَيكون الْمَعْنى إِنَّك
стр. 460
لَا تسمعهم كَمَا لم يسمعهم الله فَالْمَعْنى أَنهم لفرط إعراضهم عَمَّا يدعونَ إِلَيْهِ من التَّوْحِيد كالميت الَّذِي لَا سَبِيل إِلَى إسماعه وإعلامه شَيْئا كالصم
﴿وَمَا أَنْت بهادي الْعمي عَن ضلالتهم﴾ ٨١
قَرَأَ حَمْزَة / وَمَا أَنْت تهدي الْعمي / بِالتَّاءِ و ﴿الْعمي﴾ بِالنّصب وحجته قَوْله ﴿أفأنت تهدي الْعمي﴾ وَالْمعْنَى أَنَّك لَا تهديهم لشدَّة عنادهم وفرط إعراضهم فَأَما ﴿أَنْت﴾ فِي قَوْله / وَمَا أَنْت تهدي / فعلى قَول أهل الْحجاز وَهُوَ لُغَة التَّنْزِيل يرْتَفع ب ﴿مَا﴾ ﴿وتهدي﴾ فِي مَوضِع نصب بِأَنَّهُ الْخَبَر
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَمَا أَنْت بهادي الْعمي﴾ مُضَافا وَفِي الرّوم مثله ﴿بهادي﴾ اسْم الْفَاعِل وَهُوَ فِي مَوضِع جر بِالْبَاء وَهُوَ خبر ﴿مَا﴾ كَمَا تَقول مَا أَنْت بقائم وَلَو أسقطت الْبَاء لَقلت مَا أَنْت قَائِما وَكتب ﴿بهادي﴾ فِي هَذِه السُّورَة بِالْيَاءِ على الأَصْل وَكتب فِي الرّوم / بهاد / بِغَيْر يَاء على نِيَّة الْوَصْل وَالِاخْتِيَار أَن تقف هَا هُنَا
стр. 461
بِالْيَاءِ وَفِي الرّوم بِغَيْر يَاء
﴿أخرجنَا لَهُم دَابَّة من الأَرْض تكلمهم أَن النَّاس كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يوقنون﴾ ٨٢
قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿إِن النَّاس﴾ بِفَتْح الْألف وَاحْتَجُّوا بِقِرَاءَة ابْن مَسْعُود / تكلمهم بِأَن النَّاس / بِالْبَاء فَلَمَّا سَقَطت الْبَاء حكم عَلَيْهَا بِالنّصب
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿إِن النَّاس﴾ بِالْكَسْرِ على الِاسْتِئْنَاف جعلُوا الْكَلَام عِنْد قَوْله تكلمهم تَاما
﴿وَيَوْم ينْفخ فِي الصُّور فَفَزعَ من فِي السَّمَاوَات وَمن فِي الأَرْض إِلَّا من شَاءَ الله وكل أَتَوْهُ داخرين﴾ ٨٧
قَرَأَ حَمْزَة وَحَفْص ﴿وكل أَتَوْهُ﴾ مَقْصُورَة مَفْتُوحَة التَّاء جعلاه فعلا مَاضِيا أَي جاؤوه على تَأْوِيل إِذا كَانَ ذَلِك أَتَوْهُ كَقَوْلِه ﴿ونادى أَصْحَاب الْجنَّة﴾ وَإِنَّمَا هُوَ إِذا كَانَ ذَلِك وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا﴾ أَي إِذا وَقع كَانَ شَره مُسْتَطِيرا وَهُوَ مَرْدُود على قَوْله ﴿فَفَزعَ﴾ كَأَنَّهُمْ وجهوا معنى الْكَلَام إِلَى قَوْله وَيَوْم ينْفخ فِي الصُّور فَفَزعَ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَكلهمْ أَتَوْهُ داخرين وَالْأَصْل أتيوه فاستثقلوا الضمة على الْيَاء فحذفوها وحذفوا الْيَاء لسكونها وَسُكُون وَاو الْجمع
стр. 462
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وكل أَتَوْهُ﴾ بِالْمدِّ مَضْمُومَة على الِاسْتِقْبَال وحجتهم قَوْله تَعَالَى ﴿وَكلهمْ آتيه يَوْم الْقِيَامَة﴾ فَكَذَلِك الْجمع ﴿آتوه﴾ وَالْأَصْل آتيونه فَذَهَبت الْيَاء لما أعلمتك وَالنُّون للإضافة وَإِنَّمَا جَازَ فِي كل أَن تَقول آتيه وآتوه لِأَن لَفظهَا لفظ الْوَاحِد وَمَعْنَاهُ الْجمع فَمن جمع رده إِلَى مَعْنَاهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كل لَهُ قانتون﴾ ﴿وكل أَتَوْهُ داخرين﴾ وَمن وحد رده إِلَى لَفظهَا كَمَا قَالَ وَكلهمْ ﴿آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا﴾ فَوحد ردا إِلَى اللَّفْظ
﴿وَترى الْجبَال تحسبها جامدة﴾ ﴿إِنَّه خَبِير بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ ٨٨
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامر / إِنَّه خَبِير بِمَا يَفْعَلُونَ / بِالْيَاءِ ردُّوهُ على الْخَبَر عَن الْغَيْب فِي قَوْله ﴿وكل أَتَوْهُ داخرين﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿إِنَّه خَبِير بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ بِالتَّاءِ أَي أَنْتُم وهم وحجتهم فِي ذَلِك أَنه قرب من المخاطبة فِي قَوْله ﴿وَترى الْجبَال تحسبها جامدة﴾ فَهَذَا خطاب للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَأمته داخلون مَعَه فِي الْخطاب كَمَا قَالَ ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا﴾ ثمَّ قَالَ ﴿منيبين إِلَيْهِ﴾ فَجعل الْحَال من أمته فَدلَّ على أَنه خاطبه وَأمته وَأسْندَ الْخطاب إِلَيْهِ وَالْمعْنَى هُوَ وَأمته فَكَذَلِك قَوْله ﴿وَترى الْجبَال تحسبها جامدة﴾ الْخطاب لَهُ ولأمته فختم الْكَلَام بِمثل معنى مَا تقدمه من الْخطاب ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ خير مِنْهَا وهم من فزع يَوْمئِذٍ آمنون﴾
стр. 463
قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وهم من فزع﴾ منون ﴿يَوْمئِذٍ﴾ نصب
وَقَرَأَ ابو عَمْرو وَابْن كثير وَابْن عَامر وَإِسْمَاعِيل ﴿من فزع يَوْمئِذٍ﴾ بِكَسْر الْمِيم غير منون جَعَلُوهُ مُضَافا
وَقَرَأَ نَافِع ﴿من فزع﴾ غير منون ﴿يَوْمئِذٍ﴾ بِفَتْح الْمِيم قَالَ الْفراء الْإِضَافَة أعجب إِلَيّ لِأَنَّهُ فزع يَوْم مَعْلُوم وَإِذا نون صَار فَزعًا دون فزع وحجتهم قَوْله ﴿لَا يحزنهم الْفَزع الْأَكْبَر﴾ فَجعله معرفَة فَكَانَ تَأْوِيله وهم من فزع يَوْم الْقِيَامَة كُله آمنون وَحجَّة من نون هِيَ أَن النكرَة أَعم من الْمعرفَة لِأَن ذَلِك يَقع على فزع وَهُوَ أَعم وَأكْثر لِأَنَّك إِذْ قلت رَأَيْت رجلا وَقع على كل رجل وَكَذَا إِذا قلت رايت غُلَاما فَإِذا قلت رايت غلامك حصرت الرُّؤْيَة على شخص وَاحِد
قَالَ بعض النَّحْوِيين يجوز إِذا نون أَن يَعْنِي بِهِ فزع وَاحِد وَيجوز أَن يعْنى بِهِ كَثْرَة لِأَنَّهُ مصدر والمصادر تدل على الْكَثْرَة وَإِن كَانَت مُفْردَة قَالَ وينتصب يَوْمئِذٍ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون منتصبا بِالْمَصْدَرِ كَأَنَّهُ قَالَ وهم من أَن يفزعوا يَوْمئِذٍ وَيجوز أَن الْيَوْم صفة لفزع لِأَن أَسمَاء الْأَحْدَاث تُوصَف بأسماء الزَّمَان كَمَا يخبر عَنْهَا بهَا وَفِيه ذكر الْمَوْصُوف وَتَقْدِيره فِي هَذَا الْوَجْه أَن يتَعَلَّق بِمَحْذُوف كَأَنَّهُ من فزع يحدث يَوْمئِذٍ وَالثَّانِي أَن يتَعَلَّق
стр. 464
باسم الْفَاعِل كَأَنَّهُ قَالَ آمنون يَوْمئِذٍ من فزع وَمن لم ينون وَفتح الْمِيم فَإِنَّهُ جعل يَوْم مَعَ إِذْ كالاسم الْوَاحِد فَبنى الْكَلَام وَجعل الإسمين اسْما وَاحِد كَقَوْلِك خَمْسَة عشر وحجته فِي ذَلِك أَن إِضَافَة يَوْم إِلَى إِذْ غير مَحْضَة لِأَن الْحُرُوف لَا يُضَاف إِلَيْهَا وَلَا إِلَى الْأَفْعَال لَا يُقَال هَذَا غُلَام يقوم وَلَا يُقَال هَذ غُلَام إِذْ وَإِنَّمَا تَقول هَذَا غُلَام زيد فَأَما من كسر فقد أضَاف الْيَوْم وَهُوَ مُعرب فِي نَفسه فَأعْطَاهُ حَقه من الْإِعْرَاب كَمَا كَانَ يجب لَهُ فِي غير هَذَا الْموضع وَلم يلْتَفت إِلَى مَا بعده
﴿وَقل الْحَمد لله سيريكم آيَاته فتعرفونها وَمَا رَبك بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٩٣
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَحَفْص ﴿وَمَا رَبك بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بِالتَّاءِ على الْخطاب وحجتهم مَا تقدم وَهُوَ قَوْله ﴿سيريكم آيَاته﴾ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ وحجتهم أَن الْكَلَام انْقَطع عِنْد قَوْله ﴿وَقل الْحَمد لله سيريكم آيَاته﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَمَا رَبك بغافل عَمَّا يعْملُونَ﴾ أَي عَمَّا يعْمل هَؤُلَاءِ الْمُشْركُونَ
٢٨ - سُورَة الْقَصَص
﴿ونريد أَن نمن على الَّذين استضعفوا فِي الأَرْض ونجعلهم أَئِمَّة ونجعلهم الْوَارِثين ونمكن لَهُم فِي الأَرْض ونري فِرْعَوْن وهامان وجنودهما مِنْهُم مَا كَانُوا يحذرون﴾ ٥ و ٦
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وَيرى﴾ بِالْيَاءِ ﴿فِرْعَوْن وهامان وجنودهما﴾
стр. 465
كُله بِالرَّفْع
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿ونري﴾ بالنُّون وَفتح الْيَاء ﴿فِرْعَوْن وهامان وجنودهما﴾ بِالنّصب أَي نَحن نري فِرْعَوْن وهامان وحجتهم أَن مَا قبله للمتكلم فَيَنْبَغِي أَن يكون مَا بعده أَيْضا كَذَلِك ليَكُون الْكَلَام من وَجه وَالَّذِي قبله ﴿ونريد أَن نمن على الَّذين استضعفوا فِي الأَرْض ونجعلهم أَئِمَّة ونجعلهم الْوَارِثين ونمكن لَهُم﴾ فأجروا على لفظ مَا تقدم ليأتلف الْكَلَام
وَمن قَرَأَ ﴿يرى﴾ بِالْيَاءِ ﴿فِرْعَوْن وهامان وجنودهما﴾ فَالْمَعْنى هم يعاينون وَالْفِعْل لَهُم وحجتهم أَن الْمَعْنيين يتداخلان لِأَن فِرْعَوْن وَمن ذكر مَعَه إِذا أَرَاهُم الله من الْمُسْتَضْعَفِينَ مَا كَانُوا يحذرون رَأَوْا ذَلِك وَإِذا رَأَوْهُ فَلَا شكّ أَن الله جلّ وَعز أراهموه وَهُوَ مثل قَوْله ﴿يدْخلُونَ﴾ و ﴿يدْخلُونَ﴾
﴿فالتقطه آل فِرْعَوْن ليَكُون لَهُم عدوا وحزنا إِن فِرْعَوْن وهامان وجنودهما كَانُوا خاطئين﴾ ٨
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وحزنا﴾ بِضَم الْحَاء وَجزم الزَّاي وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح الْحَاء وَالزَّاي وهما لُغَتَانِ مثل الْبُخْل الْبُخْل والعجم والعجم وَفِي التَّنْزِيل ﴿وابيضت عَيناهُ﴾ ﴿من الْحزن﴾ وَقَالَ ﴿الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن﴾ وَقَالَ الْفراء كَأَن الْحزن الِاسْم والحزن الْمصدر تَقول حزن حزنا
стр. 466
﴿قَالَتَا لَا نسقي حَتَّى يصدر الرعاء﴾
قَرَأَ أبوع عَمْرو وَابْن عَامر ﴿حَتَّى يصدر الرعاء﴾ بِفَتْح الْيَاء وَرفع الدَّال أَي حَتَّى يرجِعوا من سقيهم وَفِي التَّنْزِيل ﴿يصدر النَّاس أشتاتا﴾ قَالَ أَبُو عَمْرو وَالْمرَاد من ذَلِك حَتَّى ينْصَرف الرعاء عَن المَاء وَلَو كَانَ ﴿يصدر﴾ كَانَ الْوَجْه أَن يذكر المعفول فَيَقُول حَتَّى يصدر الرعاء ماشيتهم فَلَمَّا لم يذكر مَعَ الْفِعْل الْمَفْعُول علم أَنه غير وَاقع وَأَنه ﴿يصدر الرعاء﴾ بِمَعْنى يَنْصَرِفُونَ عَن المَاء و ﴿الرعاء﴾ جمع رَاع مثل صَاحب وصحاب
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يصدر﴾ بِضَم الْيَاء وَكسر الدَّال أَي حَتَّى يصدر الرعاء غَنمهمْ عَن لماء فالمفعول مَحْذُوف وَحذف الْمَفْعُول كثير قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلكم فِيهَا جمال حِين تريحون وَحين تسرحون﴾ وَلم يذكر مَعَ الإراحة والسرح مَفْعُولا لدلَالَة الْكَلَام على الْمَفْعُول لِأَن الْمَعْنى حِين تريحون إبلكم وتسرحون إبلكم فَكَذَلِك ﴿يصدر الرعاء﴾ استغني بالإصدار عَن الْمَفْعُول
﴿لعَلي آتيكم مِنْهَا بِخَبَر أَو جذوة من النَّار لَعَلَّكُمْ تصطلون﴾ ٢٩
قَرَأَ عَاصِم ﴿جذوة من النَّار﴾ بِالْفَتْح وَقَرَأَ حَمْزَة ﴿جذوة﴾ بِالضَّمِّ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿جذوة﴾ بِالْكَسْرِ ثَلَاث لُغَات مثل ربوة
стр. 467
ربوة ربوة وَسمعت الشَّيْخ أَبَا الْحُسَيْن يَقُول سمعنَا قَدِيما بعض أهل الْعلم يَقُول جذوة قِطْعَة وجذوة جَمْرَة وجذوة شعلة
﴿واضمم إِلَيْك جناحك من الرهب فذانك برهانان من رَبك﴾ ٣٢
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿من الرهب﴾ بِفَتْح الرَّاء وَالْهَاء وَقَرَأَ حَفْص الرهب بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الْهَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿من الرهب﴾ بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهَاء والرهب والرهب لُغَتَانِ مثل الْحزن والحزن والسقم والسقم وَمن سكن الْهَاء مَعَ فتح الرَّاء فَإِنَّهُ ذهب إِلَى التَّخْفِيف مثل شعر وَشعر ونهر ونهر
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿فذانك﴾ بِالتَّشْدِيدِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ
قَالَ الزّجاج كَأَن / ذَانك / بِالتَّشْدِيدِ تَثْنِيَة ذَلِك وذانك بِالتَّخْفِيفِ تَثْنِيَة ذَاك يكون بدل اللَّام فِي ذَلِك تَشْدِيد النُّون فِي ذَانك
وَقَالَ بعض النَّحْوِيين إِنَّمَا شددت النُّون فِي الِاثْنَيْنِ للتَّأْكِيد لأَنهم زادوا على نون الِاثْنَيْنِ نونا كَمَا زادوا قبل كَاف الْمشَار إِلَيْهِ لاما للتَّأْكِيد
стр. 468
فَقَالُوا فِي ذَاك ذَلِك فَلَمَّا زادوا فِي ذَاك لاما زادوا فِي ذَانك نونا أُخْرَى فَقَالُوا ذَانك وَقَالَ آخَرُونَ إِن الأَصْل فِي ذَانك ذَا انك بِأَلفَيْنِ فحذفت الْألف وَجعل التَّشْدِيد عوضا من الْألف المحذوفة الَّتِي كَانَت فِي ذَا وَمن الْعَرَب من إِذا حذف عوض وَمِنْهُم من إِذا حذف لم يعوض من عوض آثر تَمام الْكَلِمَة وَمن لم يعوض آثر التَّخْفِيف وَمثل ذَلِك فِي تَصْغِير مغتسل مِنْهُم من يَقُول مغيسل فَلَا يعوض وَمِنْهُم من يَقُول مغيسيل فيعوض من التَّاء يَاء
﴿فَأرْسلهُ معي ردْءًا يصدقني إِنِّي أَخَاف أَن يكذبُون﴾
قَرَأَ نَافِع ردا بِغَيْر همز الأَصْل ردْءًا خفف الْهمزَة وَنقل حَرَكَة الْهمزَة إِلَى مَا قبلهَا فَصَارَ ردا بتحريك الدَّال
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿ردْءًا﴾ بِالْهَمْز
قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة ﴿يصدقني﴾ بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء أَي هُوَ يصدقني
стр. 469
قَالَ أهل الْبَصْرَة من رفع لم يَجعله جَوَابا لِلْأَمْرِ وَلَكِن جعله حَالا وَصفَة للنكرة وَالتَّقْدِير ردْءًا مُصدقا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يصدقني﴾ بِالْجَزْمِ جَوَابا للمسألة أَي أرْسلهُ يصدقني
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أعلم بِمن جَاءَ بِالْهدى من عِنْده وَمن تكون لَهُ عَاقِبَة الدَّار﴾ ٣٧
قَرَأَ ابْن كثير / قَالَ مُوسَى رَبِّي / بِغَيْر وَاو كَذَلِك فِي مصحف أهل مَكَّة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَقَالَ﴾ بِالْوَاو
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / من يكون لَهُ عَاقِبَة / بِالْيَاءِ لِأَن تَأْنِيث الْعَاقِبَة غير حَقِيقِيّ وَالثَّانِي أَنه قد حجز بَين الِاسْم وَالْفِعْل حاجز فَصَارَ كالعوض من التَّأْنِيث
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لتأنيث الْعَاقِبَة ذَهَبُوا إِلَى اللَّفْظ لَا إِلَى الْمَعْنى
﴿وظنوا أَنهم إِلَيْنَا لَا يرجعُونَ﴾
قَرَأَ نَافِع وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وظنوا أَنهم إِلَيْنَا لَا يرجعُونَ﴾ بِفَتْح الْيَاء أَي لَا يصيرون
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لَا يرجعُونَ﴾ أَي لَا يردون وحجتهم قَوْله ثمَّ ردوا إِلَى الله وَحجَّة الْفَتْح قَوْله ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾
﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مثل مَا أُوتِيَ مُوسَى أَو لم يكفروا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى من قبل قَالُوا سحران تظاهرا﴾
стр. 470
قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿قَالُوا سحران﴾ بِغَيْر ألف وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / ساحران / بِالْألف وحجتهم ذكرهَا اليزيدي فَقَالَ السحران كَيفَ يتظاهران إِنَّمَا يَعْنِي مُوسَى وَهَارُون وَقيل عنوا مُوسَى وَعِيسَى وَقيل عنوا مُوسَى ومحمدا صلى الله عَلَيْهَا وَسلم وَمن قَرَأَ ﴿سحران﴾ يَعْنِي الْكِتَابَيْنِ فالكتابان كَيفَ يتظاهران إِنَّمَا يَعْنِي الرجلَيْن فَكَانَ تَأْوِيل قَوْله إِن التظاهر بِالنَّاسِ وأفعالهم اشبه مِنْهُ بالكتب كَمَا قَالَ ﴿وَإِن تظاهرا عَلَيْهِ﴾ ﴿وظاهروا على إخراجكم﴾ فأسند التظاهر إِلَى النَّاس فَكَذَلِك أسندوه هَا هُنَا إِلَى الرجلَيْن وَحجَّة من قَرَأَ ﴿سحران﴾ مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة أَنهم تأولوا ذَلِك بِمَعْنى الْكِتَابَيْنِ التَّوْرَاة وَالْقُرْآن وَإِنَّمَا نسب المعاونة إِلَى السحرين على الاتساع كَأَن الْمَعْنى أَن كل سحر مِنْهُمَا يُقَوي الآخر
وَقَول أهل الْكُوفَة أولى بِالصَّوَابِ لِأَن الْكَلَام جرى عقيب ذكر الْكتاب فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مثل مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ فجرت الْقِصَّة بعد ذَلِك بِذكر الْكتاب وَهُوَ قَوْله ﴿فَأتوا بِكِتَاب من عِنْد الله هُوَ أهْدى مِنْهُمَا﴾ فَهَذَا على الْكِتَابَيْنِ اللَّذين قَالُوا فيهمَا ﴿سحران﴾ فَلِأَن يكون مَا بَينهمَا دَاخِلا فِي قصتهما أولى بِهِ
стр. 471
﴿أَو لم نمكن لَهُم حرما آمنا يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَات كل شَيْء﴾ ٥٧
قَرَأَ نَافِع / تجبى إِلَيْهِ / بِالتَّاءِ لتأنيث الثمرات وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ لِأَن تَأْنِيث الثمرات غير حَقِيقِيّ فَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ بِمَنْزِلَة الْوَعْظ وَالْمَوْعِظَة إِذا ذكرت جَازَ وَكَذَلِكَ إِذا أنثت
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من شَيْء فمتاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينتهَا﴾ ﴿أَفلا تعقلون﴾
قَرَأَ أَبُو عَمْرو ﴿أَفلا يعْقلُونَ﴾ بِالْيَاءِ على أَنه قل لَهُم يَا مُحَمَّد وَمَا أُوتِيتُمْ من شَيْء ثمَّ قَالَ ﴿أَفلا يعْقلُونَ﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أَفلا تعقلون﴾ بِالتَّاءِ لقَوْله ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من شَيْء﴾ ثمَّ قَالَ ﴿أَفلا تعقلون﴾ فأجروا على مَا تقدمه من الْخطاب
﴿ثمَّ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة من المحضرين﴾
قَرَأَ الْحلْوانِي وَإِسْمَاعِيل عَن نَافِع وَالْكسَائِيّ ﴿ثمَّ هُوَ يَوْم الْقِيَامَة﴾ بتَخْفِيف الْهَاء وَقَرَأَ ابو عَمْرو بِضَم الْهَاء وَكَذَلِكَ الْبَاقُونَ وَحجَّة أبي عَمْرو فِي ضم الْهَاء أَن ﴿ثمَّ﴾ تنفصل من الْكِتَابَة وَيحسن الْوَقْف عَلَيْهَا وَكَأن هُوَ مُبتَدأَة فِي الْمَعْنى وَإِذا كَانَت مُبتَدأَة لم يجز فِيهَا غير الضَّم وَحجَّة من سكن الْهَاء أَنَّهَا إِذا اتَّصَلت بفاء أَو وَاو كَانَت فِي قَوْلهم أَجْمَعِينَ سَاكِنة و ﴿ثمَّ﴾ أُخْت الْفَاء وَالْوَاو فجرت مجراهما فِي حكم مَا بعْدهَا
стр. 472
﴿لَوْلَا أَن من الله علينا لخسف بِنَا﴾
قَرَأَ حَفْص ﴿لخسف بِنَا﴾ بِفَتْح الْخَاء وَالسِّين أَي لخسف الله بِنَا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لخسف بِنَا﴾ بِضَم الْخَاء على مَا لم يسم فَاعله
٢٩ - سُورَة العنكبوت
﴿أَو لم يرَوا كَيفَ يبدئ الله الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ إِن ذَلِك على الله يسير قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا كَيفَ بَدَأَ الْخلق ثمَّ الله ينشئ النشأة الْآخِرَة﴾ ١٩ و ٢٠
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَأَبُو بكر / أولم تروا / بِالتَّاءِ على الْخطاب وحجتهم قَوْله قبلهَا ﴿وَإِن تكذبوا فقد كذب أُمَم من قبلكُمْ﴾ ثمَّ قَالَ / أَو لم تروا كَيفَ يبدئ الله الْخلق / وَمَا بعده يدل أَيْضا على الْخطاب وَهُوَ قَوْله ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا﴾ وَأُخْرَى وَهِي أَن الْكَلَام جرى على حِكَايَة مُخَاطبَة إِبْرَاهِيم قومه فِي قَوْله ﴿وَإِبْرَاهِيم إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله واتقوه﴾ ثمَّ جرى الْكَلَام بِلَفْظ خطابه إيَّاهُم إِلَى قَوْله ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ ثمَّ جرى الْخطاب بعد ذَلِك مِنْهُ لَهُم بقيله / أولم تروا كَيفَ يبدئ الله الْخلق /
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿أولم يرَوا﴾ بِالْيَاءِ وحجتهم فِي ذَلِك أَن معنى الْكَلَام أولم ير الَّذين اقتصصنا عَلَيْهِم قصَص سالف الْأُمَم الْمَاضِيَة كَيفَ يبدئ الله الْخلق فينشئه على غير مِثَال
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿ثمَّ الله ينشئ النشأة الْآخِرَة﴾ بِفَتْح الشين فِي كل الْقُرْآن وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿النشأة﴾ بِإِسْكَان الشين
стр. 473
وَحجَّة من فتح الشين هِيَ أَن النشأة اسْم الْمصدر وَالْعرب جعلُوا اسْم الْمصدر فِي مَوضِع الْمصدر فَيَقُولُونَ أَعْطيته عَطاء وكلمته كلَاما وَلَو أخرجُوا الْمصدر فِي صِحَة لقالوا أَعْطيته إِعْطَاء وكلمته تكليما وإنشأته إنْشَاء كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إنْشَاء﴾ وَمن قَرَأَ بِإِسْكَان الشين فَإِنَّهُ جعله مصدرا صدر عَن غير لفظ ينشئ فَكَانَ تَقْرِير الْكَلَام فِي النِّيَّة أَن الله ينشئ يَوْم الْقِيَامَة خلقه الْأَمْوَات فينشؤون النشأة الْآخِرَة وَفِي التَّنْزِيل مَا يُقَوي هَذَا وَهُوَ قَوْله وأنبتها نباتا حسنا
﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم من دون الله أوثانا مَوَدَّة بَيْنكُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو بكر ﴿مَوَدَّة﴾ بِفَتْح الْهَاء من غير تَنْوِين ﴿بَيْنكُم﴾ بِكَسْر النُّون
وَقَرَأَ الْأَعْشَى ﴿مَوَدَّة﴾ بِالرَّفْع والتنوين ﴿بَيْنكُم﴾ بِالنّصب
وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ ﴿مَوَدَّة﴾ بِالرَّفْع غير منون ﴿بَيْنكُم﴾ بالخفض
فَمن رفع فَلهُ مذهبان أَحدهمَا أَن يَجْعَل إِنَّمَا كَلِمَتَيْنِ وَيكون معنى ﴿مَا﴾ بِمَعْنى الَّذِي وَهُوَ اسْم ﴿إِن﴾ و ﴿مَوَدَّة﴾ خبر إِن ومفعول ﴿اتخذتم﴾ مَحْذُوف الْمَعْنى إِن الَّذِي اتخذتموه مَوَدَّة بَيْنكُم وَالثَّانِي أَن ترفعها بِالِابْتِدَاءِ و ﴿فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ خَبَرهَا وَتجْعَل مَا كَافَّة على هَذَا الْوَجْه وَقَالَ الزّجاج وَيجوز أَن ترفع ﴿مَوَدَّة﴾ على إِضْمَار
стр. 474
هِيَ كَأَنَّهُ قَالَ تِلْكَ مَوَدَّة بَيْنكُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا أَي ألفتكم وإجماعكم على الْأَصْنَام مَوَدَّة بَيْنكُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمن نصب جعل ﴿الْمَوَدَّة﴾ مفعول ﴿اتخذتم﴾ وَجعل ﴿مَا﴾ مَعَ ﴿إِن﴾ كَافَّة وَلم يعد إِلَيْهَا ذكرا كَمَا أعَاد فِي الْوَجْه الأول وانتصب ﴿مَوَدَّة﴾ على أَنه مفعول لَهُ أَي اتخذتم الْأَوْثَان للمودة ﴿بَيْنكُم﴾ نصب على الظّرْف وَالْمعْنَى إِنَّمَا اتخذتم من دون الله أوثانا آلِهَة فَحذف كَمَا حذف من قَوْله ﴿إِن الَّذين اتَّخذُوا الْعجل سينالهم﴾ مَعْنَاهُ اتَّخذُوا الْعجل إِلَهًا
وَمن قَرَأَ ﴿مَوَدَّة بَيْنكُم﴾ أضَاف الْمَوَدَّة إِلَى الْبَين وَجعل الْبَين الْوَصْل
﴿لننجينه وَأَهله إِلَّا امْرَأَته﴾ ﴿إِنَّا منجوك وَأهْلك إِلَّا امْرَأَتك﴾ ﴿إِنَّا منزلون على أهل هَذِه الْقرْيَة رجزا﴾ ٣٢ ٣٤
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿لننجينه وَأَهله﴾ و ﴿إِنَّا منجوك﴾ بتَخْفِيف الحرفين وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو عَمْرو وَحَفْص بتَشْديد الحرفين وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو بكر ﴿لننجينه﴾ بِالتَّشْدِيدِ و ﴿إِنَّا منجوك﴾ بِالتَّخْفِيفِ فَمن خففها جَعلهمَا من أنجى يُنجي مثل أَقَامَ يُقيم وحجته قَوْله قبل ﴿فأنجيناه وَأَصْحَاب السَّفِينَة﴾ و ﴿لَئِن أنجيتنا﴾ وَمن شددهما جَعلهمَا من نجى يُنجي وحجته ﴿ونجينا الَّذين آمنُوا﴾ وَقَوله ﴿نجيناهم بِسحر﴾ وهما لُغَتَانِ نطق الْقُرْآن بهما وَمن خفف وَاحِدًا وشدد الآخر جمع بَين اللغتين ليعلم أَنَّهُمَا جائزتان وَالْأَصْل فِي منجوك منجونك فَسَقَطت النُّون للإضافة
стр. 475
قَرَأَ ابْن عَامر ﴿إِنَّا منزلون﴾ بِالتَّشْدِيدِ من نزل ينزل
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ من أنزل وَقد ذكرت
﴿إِن الله يعلم مَا يدعونَ من دونه من شَيْء وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَعَاصِم ﴿إِن الله يعلم مَا يدعونَ﴾ بِالْيَاءِ لقَوْله قبلهَا ﴿لَو كَانُوا يعلمُونَ﴾ ﴿إِن الله يعلم مَا يدعونَ﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿تدعون﴾ بِالتَّاءِ أَي قل لَهُم إِن الله يعلم مَا تدعون لَا يكون إِلَّا على هَذَا لِأَن الْمُسلمين لَا يخاطبون بذلك
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَات من ربه﴾ ٥٠
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو عَمْرو وَحَفْص ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أنزل عَلَيْهِ آيَات من ربه﴾ بِالْألف وحجتهم مَا بعْدهَا وَهُوَ قَوْله ﴿إِنَّمَا الْآيَات عِنْد الله﴾ إِنَّمَا جَاءَت بِلَفْظ السُّؤَال وَأُخْرَى وَهِي أَنَّهَا مَكْتُوبَة فِي الْمَصَاحِف بِالتَّاءِ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿آيَة من ربه﴾ وحجتهم قَوْله ﴿فليأتنا بِآيَة﴾ وَقَوله ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نزل عَلَيْهِ آيَة﴾ من ربه قل إِن الله قَادر على أَن ينزل آيَة
стр. 476
﴿وَيَقُول ذوقوا مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامر ﴿ونقول ذوقوا﴾ بالنُّون أَي نَحن نقُول وحجتهم أَن الْكَلَام أَتَى عقيب لفظ الْجمع فِي قَوْلهم ﴿أَو لم يَكفهمْ أَنا أنزلنَا﴾ ٥١ وَبعد ذَلِك ﴿ثمَّ إِلَيْنَا ترجعون﴾ ولنبلونهم ٥٨ فَجعلُوا مَا بَين ذَلِك بِلَفْظ الْجمع ليأتلف الْكَلَام على نظام وَاحِد
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَيَقُول﴾ بِالْيَاءِ أَي يَقُول الْملك الْمُوكل بعذابهم أَو يَقُول الله جلّ وَعز وحجتهم قَوْله ﴿قل كفى بِاللَّه بيني وَبَيْنكُم شَهِيدا﴾ وَقَوله ﴿وَكَفرُوا بِاللَّه﴾ وَهَذَانِ أقرب من لفظ الْجمع فَكَانَ رده على لفظ مَا قرب مِنْهُ أولى من رده على الْأَبْعَد
﴿يَا عبَادي الَّذين آمنُوا إِن أرضي وَاسِعَة﴾ ٥٦
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿يَا عبَادي الَّذين آمنُوا﴾ بِإِسْكَان الْيَاء وحجتهم فِي ذَلِك أَن النداء بَاب الْحَذف كَمَا تَقول يَا رب
وَيَا قوم فتحذف الْيَاء وَإِذا وقفُوا وقفُوا على الْيَاء
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يَا عبَادي﴾ بِفَتْح الْيَاء على أَصْلهَا لِأَن أصل كل
стр. 477
يَاء الْفَتْح وَقد ذكرنَا فِي سُورَة الْبَقَرَة
﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت ثمَّ إِلَيْنَا ترجعون﴾
قَرَأَ أَبُو بكر / ثمَّ إِلَيْنَا يرجعُونَ / بِالْيَاءِ وحجته فِي ذَلِك أَن الَّذِي قبله على لفظ الْغَيْب وَهُوَ قَوْله / كل نفس ذائقة الْمَوْت ثمَّ إِلَيْنَا يرجعُونَ /
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ وانتقلوا من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب مثل قَوْله ﴿إياك نعْبد﴾ بعد قَوْله ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾
﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لنبوئنهم من الْجنَّة غرفا﴾ ٥٨
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / لنثوينهم / بالثاء من أثويت أَي لنقيمنهم يُقَال ثوى الرجل بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ وأثواه غَيره إِذا جعله بذلك الْمَكَان وحجتهما ﴿وَمَا كنت ثاويا﴾ أَي مُقيما
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لنبوئنهم﴾ بِالْبَاء أَي لننزلنهم من بوأت تَقول الْعَرَب بوأت فلَانا منزلا أَي أنزلته قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد بوأنا بني إِسْرَائِيل مبوأ صدق﴾ وَتقول تبوأ فلَان الْمنزل وَقَالَ
стр. 478
الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين تبوؤوا الدَّار وَالْإِيمَان﴾ أَي اتَّخَذُوهَا قَالَ الْفراء بوأته منزلا وأنويته منزلا سَوَاء ﴿ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم وليتمتعوا فَسَوف يعلمُونَ﴾ ٦٦
قَرَأَ ابْن كثير وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وقالون ﴿وليتمتعوا﴾ بِإِسْكَان اللَّام جعلوها لَام الْأَمر فِي معنى الْوَعيد والتهدد لِأَن الله لَا يَأْمُرهُم بالإصرار على الْمعاصِي وَالْكفْر وَهُوَ كَقَوْلِه ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ على الْوَعيد
وَقَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَابْن عَامر ﴿وليتمتعوا﴾ بِكَسْر اللَّام جعلوها لَام كي الْمَعْنى لكَي يكفروا ولكي يتمتعوا وَسُئِلَ أَبُو عَمْرو عَن هَذِه اللَّام فَقَالَ اقْرَأ مَا قبلهَا ﴿ليكفروا بِمَا آتَيْنَاهُم﴾ ﴿وليتمتعوا﴾ مثلهَا وَقَالَ قوم هِيَ لَام الْأَمر بِمَعْنى الْوَعيد كَالْأولِ لَكِن الْعَرَب لَهَا فِي الْأَمر لُغَتَانِ الْكسر على أصل الِابْتِدَاء والإسكان للتَّخْفِيف
стр. 479
٣٠ - سُورَة الرّوم
﴿ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين أساؤوا السوأى أَن كذبُوا بآيَات الله وَكَانُوا بهَا يستهزؤون﴾
قَرَأَ أهل الشَّام والكوفة ﴿ثمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذين﴾ بِالنّصب جعلوها خبر ﴿كَانَ﴾ وَاسم كَانَ السوأى أَي النَّار وَأَن كذبُوا فِي مَوضِع نصب وَالتَّقْدِير ثمَّ كَانَ عاقبتهم النَّار لِأَن كذبُوا بآيَات الله
وَقَرَأَ أهل الْحجاز وَالْبَصْرَة عَاقِبَة بِالرَّفْع جعلوها اسْم كَانَ وَالْخَبَر السوأى وَالْخَبَر وَالِاسْم هَا هُنَا معرفتان وَإِذا اجْتمع اسمان نظرت فَإِن كَانَ أَحدهمَا معرفَة وَالْآخر نكرَة جعلت النكرَة الْخَبَر والمعرفة الِاسْم وَإِن كَانَا معرفتين كنت بِالْخِيَارِ أَيهمَا شِئْت جعلته خَبرا وَأيهمَا شِئْت جعلته اسْما
﴿الله يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ ثمَّ إِلَيْهِ ترجعون﴾
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَأَبُو بكر ﴿ثمَّ إِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ بِالْيَاءِ وحجتهما أَن الْمُتَقَدّم ذكره غيبَة / يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ ثمَّ إِلَيْهِ يرجعُونَ / فَقرب من ذكر ﴿الْخلق﴾ فَجعلَا الْكَلَام خَبرا عَنْهُم إِذْ كَانَ مُتَّصِلا بذكرهم والخلق هم المخلوقون فِي الْمَعْنى وَجَاء فِي قَوْله ﴿ثمَّ يُعِيدهُ﴾ على لفظ
стр. 480
الْخلق وَقَوله ﴿يرجعُونَ﴾ على الْمَعْنى وَإِن لم يرجع على لفظ الْوَاحِد كَمَا كَانَ ﴿يُعِيدهُ﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿ترجعون﴾ بِالتَّاءِ وحجتهم ذَلِك أَن الْكَلَام فِي ابْتِدَائه قد يكون خَبرا ثمَّ يصرف عَنهُ إِلَى خطاب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إياك نعْبد﴾ صَار الْكَلَام من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب
﴿ويحيي الأَرْض بعد مَوتهَا وَكَذَلِكَ تخرجُونَ﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وَكَذَلِكَ تخرجُونَ﴾ بِفَتْح التَّاء وَضم الرَّاء جعلا الْفِعْل لَهُم لِأَن الله تَعَالَى إِذا أخرجهم خَرجُوا هم كَمَا تَقول مَاتَ زيد وَإِن كَانَ الله أَمَاتَهُ وَدخل زيد الْجنَّة وَإِن كَانَ عمله أدخلهُ لِأَن الْمَفْعُول بِهِ فَاعل وحجتهما قَوْله ﴿يخرجُون من الأجداث﴾ وَقَوله ﴿إِلَى رَبهم يَنْسلونَ﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿تخرجُونَ﴾ بِالرَّفْع وحجتهم قَوْله ﴿يَا ويلنا من بعثنَا من مرقدنا هَذَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿نخرج الْمَوْتَى﴾
﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للْعَالمين﴾
قَرَأَ حَفْص ﴿لآيَات للْعَالمين﴾ بِكَسْر اللَّام أَي للْعُلَمَاء وَهُوَ
стр. 481
جمع عَالم لِأَن الْعَالم بالشَّيْء يكون أحسن اعتقادا من الْجَاهِل كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ﴾ وحجته مَا تقدم وَمَا تَأَخّر فَأَما مَا تقدم فَقَوله ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون﴾ وَأما مَا تَأَخّر فَقَوله ﴿لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ وَإِن كَانَت الْآيَة لكافة النَّاس عالمهم وجاهلهم لِأَن الْعَالم لما تدبر وَاسْتدلَّ بِمَا شَاهد على مَا لم يسْتَدلّ عَلَيْهِ غَيره صَار لَيْسَ كَغَيْر الْعَالم لذهابه عَنْهَا وَتَركه الِاعْتِبَار بهَا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لآيَات للْعَالمين﴾ بِفَتْح اللَّام أَي للنَّاس أَجْمَعِينَ من الْجِنّ وَالْإِنْس
﴿وَمَا آتيتم من رَبًّا ليربو فِي أَمْوَال النَّاس فَلَا يَرْبُو عِنْد الله﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَمَا أتيتم من رَبًّا من غير مد أَي مَا جئْتُمْ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿وَمَا آتيتم من رَبًّا﴾ أَي مَا أعطيتم من قَوْله ﴿فآتاهم الله ثَوَاب الدُّنْيَا﴾ أَي اعطاهم
وَأما قصر ابْن كثير فَإِنَّهُ يؤول فِي الْمَعْنى إِلَى قَول من مد إِلَّا أَن أتيتم على لفظ جئْتُمْ فَكَانهُ مَا جئْتُمْ من رَبًّا ومجيئهم لذَلِك
стр. 482
إِنَّمَا هُوَ على وَجه الْإِعْطَاء لَهُ وَمعنى الْآيَة وَمَا أعطيتم من هَدِيَّة أهديتموها لتعوضوا مَا هُوَ أَكثر مِنْهَا فَلَا يَرْبُو عِنْد الله لأنكم إِنَّمَا قصدتم إِلَى زِيَادَة الْعِوَض وَلم تَبْتَغُوا بذلك وَجه الله
قَالَ عِكْرِمَة هما ربوان أَحدهمَا حَلَال وَالْآخر حرَام فَأَما الْحَلَال فالرجل يُعْطي أَخَاهُ هَدِيَّة ليكافئه المهدى إِلَيْهِ بأضعافه لَا أَنه يهدي إِلَيْهِ ابْتِغَاء وَجه الله فَهَذَا حَلَال علينا وَحرَام على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَأما الْحَرَام فَهُوَ أَن يُعْطي الرجل دِينَارا على أَن يَأْخُذ أَزِيد مِنْهُ
قَرَأَ نَافِع / لتربوا فِي أَمْوَال النَّاس / بِضَم التَّاء وَسُكُون الْوَاو فالتاء هَا هُنَا للمخاطبين وَالْوَاو وَاو الْجمع وَالْوَاو الَّتِي هِيَ لَام الْفِعْل سَاقِطَة لسكونها وَسُكُون هَذِه فَالْأَصْل لتربوون فَانْقَلَبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا فَصَارَ لتربيون ثمَّ حذفنا حَرَكَة الْيَاء فَاجْتمع ساكنان الْيَاء وَالْوَاو فحذفت الْيَاء لسكونها وَسُكُون الْوَاو وَسَقَطت النُّون عَلامَة للنصب وفاعل الرِّبَا الْقَوْم الَّذين خوطبوا الْمَعْنى لتربوا أَنْتُم أَي تعطون الْعَطِيَّة لتزدادوا بهَا أَنْتُم وحجته أَنَّهَا كتبت فِي الْمَصَاحِف بِأَلف بعد الْوَاو
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / ليربو / بِالْيَاءِ وَفتح الْوَاو وَيكون فَاعل يَرْبُو الرِّبَا الْمَعْنى ليربو الرِّبَا وعلامة النصب فتح الْوَاو وحجتهم الَّذِي بعده وَهُوَ قَوْله ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْد الله﴾ وَلم يقل فَلَا تربون
﴿الله الَّذِي خَلقكُم ثمَّ رزقكم﴾ ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ﴾ ٤٠
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ / سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا تشركون / بِالتَّاءِ وحجتهما فِي ذَلِك أَن ذَلِك أَتَى عقيب الْخطاب فِي قَوْله ﴿الله الَّذِي خَلقكُم ثمَّ رزقكم﴾
стр. 483
فَجرى مَا بعد ذَلِك على لفظ مَا تقدمه من الْخطاب
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ جعلُوا الْكَلَام خَبرا عَن أهل الشّرك
﴿ظهر الْفساد فِي الْبر وَالْبَحْر بِمَا كسبت أَيدي النَّاس ليذيقهم بعض الَّذِي عمِلُوا﴾
قَرَأَ ابْن كثير فِي رِوَايَة القواس / لنذيقهم بعض الَّذِي / بالنُّون الله يخبر عَن نَفسه
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ إِخْبَارًا عَنْهُم أَي ليذيقهم الله
﴿الله الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح فتثير سحابا فيبسطه فِي السَّمَاء كَيفَ يَشَاء ويجعله كسفا﴾ ٤٨
قَرَأَ ابْن عَامر ويجعله كسفا سَاكِنة السِّين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْح السِّين جمع كسفة مثل قِطْعَة وَقطع وكسرة وَكسر وسدرة وَسدر
وَمن قَرَأَ كسفا سَاكِنة السِّين فَهِيَ جمع كسفة مثل سِدْرَة وَسدر
قَرَأَ ابْن كثير وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ / الله الَّذِي يُرْسل الرّيح / بِغَيْر ألف وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْألف وَقد ذكرت الْحجَّة فِي سُورَة الْبَقَرَة
стр. 484
﴿فَانْظُر إِلَى آثَار رَحْمَة الله﴾ ٥٠
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَأَبُو بكر / فَانْظُر إِلَى أثر رَحْمَة الله / بِغَيْر ألف على التَّوْحِيد وحجتهم أَن الْوَاحِد يَنُوب على الْجَمِيع كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿هم أولاء على أثري﴾ وَلم يقل آثاري وَيجوز التَّوْحِيد فِي أثر لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى مُفْرد وَجَاز الْجمع لِأَن رَحْمَة الله يجوز أَن يُرَاد بهَا الْكَثْرَة كَمَا قَالَ جلّ وَعز ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿آثَار رَحْمَة الله﴾ أَي آثَار الْمَطَر الَّذِي هُوَ رَحْمَة من الله
﴿فَإنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى وَلَا تسمع الصم الدُّعَاء إِذا ولوا مُدبرين وَمَا أَنْت بهادي الْعمي عَن ضلالتهم﴾ ٥١ و ٥٢
قَرَأَ ابْن كثير ﴿وَلَا يسمع﴾ بِالْيَاءِ وَفتحهَا ﴿الصم﴾ رفع أَي لَا ينقادون للحق لعنادهم كَمَا لَا يسمع الْأَصَم مَا يُقَال لَهُ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لَا تسمع﴾ بِالتَّاءِ ﴿الصم﴾ نصب خطاب لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وحجتهم مَا ذكره فِي أول الاية وَهُوَ قَوْله ﴿فَإنَّك لَا تسمع الْمَوْتَى﴾ فأسند الْفِعْل إِلَى الْمُخَاطب فَكَذَلِك تسند إِلَيْهِ مَا بعده ليَكُون الْكَلَام على نظام وَاحِد
قَرَأَ حَمْزَة / وَمَا أَنْت تهدي / بِالتَّاءِ ﴿الْعمي﴾ نصب
стр. 485
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿بهادي﴾ بِالْبَاء وَالْألف و ﴿الْعمي﴾ جر وَقد ذكرت فِي ﴿طس﴾ و ﴿بهادي﴾ أثبتها الْكسَائي فِي الْوَقْف
قَالَ سِيبَوَيْهٍ حذف الْيَاء من هادي لالتقائها مَعَ التَّنْوِين فَلَمَّا وقف حذف التَّنْوِين فِي الْوَقْف فَلَمَّا حذف التَّنْوِين عَادَتْ الْيَاء وَكَانَت حذفت لالتقائها سَاكِنة مَعَ التَّنْوِين فَيَقُول هادي أَو يكون أُرِيد ب هادي الْإِضَافَة وَلم ينون فَلَمَّا لم ينون لم يلْزم أَن تحذف الْيَاء كَمَا تحذف إِذا نون لسكونها وَسُكُون الْيَاء
﴿الله الَّذِي خَلقكُم من ضعف ثمَّ جعل من بعد ضعف قُوَّة ثمَّ جعل من بعد قُوَّة ضعفا وَشَيْبَة﴾
قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة ﴿من ضعف﴾ بِفَتْح الضَّاد وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْع وهما لُغَتَانِ مثل الْقرح والقرح
﴿فَيَوْمئِذٍ لَا ينفع الَّذين ظلمُوا معذرتهم﴾
قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿فَيَوْمئِذٍ لَا ينفع الَّذين﴾ بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لتأنيث المعذرة وَمن قَرَأَ بِالْيَاءِ قَالَ إِن المعذرة بِمَعْنى الْعذر كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَمن جَاءَهُ موعظة من ربه﴾ بالتذكير لِأَن الموعظة بِمَعْنى الْوَعْظ
стр. 486
٣١ - سُورَة لُقْمَان
﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب الْحَكِيم هدى وَرَحْمَة للمحسنين﴾ ٢ و ٣
قَرَأَ حَمْزَة ﴿هدى وَرَحْمَة﴾ بِالرَّفْع جعلهَا ابْتِدَاء وخبرا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ هدى وَرَحْمَة بِالنّصب على الْحَال الْمَعْنى تِلْكَ آيَات الْكتاب فِي حَال الْهِدَايَة وَالرَّفْع على مَعْنيين أَحدهمَا على إِضْمَار هُوَ هدى وَرَحْمَة وَالثَّانِي تِلْكَ هدى وَرَحْمَة للمحسنين
﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث ليضل عَن سَبِيل الله بِغَيْر علم ويتخذها هزوا﴾ ٦
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَحَفْص ﴿ويتخذها﴾ بِفَتْح الذَّال بالنسق على قَوْله ﴿ليضل﴾ و ﴿ويتخذها﴾
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْع بالنسق على قَوْله ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث﴾ ﴿ويتخذها﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿ليضل﴾ بِفَتْح الْيَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْع مَعْنَاهُ ليضل غَيره فَإِذا اضل غَيره فقد ضل هُوَ أَيْضا وَمن قَرَأَ ﴿ليضل﴾ فَمَعْنَاه ليصير أمره إِلَى الضلال فَكَأَنَّهُ وَإِن لم يكن يقدر أَنه يضل فَإِنَّهُ سيصير أمره إِلَى أَن يضل
стр. 487
﴿يَا بني لَا تشرك بِاللَّه﴾
قَرَأَ ابْن كثير ﴿يَا بني لَا تشرك بِاللَّه﴾ بِإِسْكَان الْيَاء خَفِيفَة لِأَنَّهُ صغر الابْن وَلم يضفه إِلَى نَفسه فَحذف يَاء وَهِي الَّتِي كَانَت لَام الْفِعْل وَهَذِه الْيَاء المبقاة هِيَ يَاء التصغير وَلَو أَتَى بِهِ على الأَصْل لقَالَ يَا بني لِأَنَّهُ نِدَاء مُفْرد وَلَو كَانَ أرادالإضافة يَا بني لكسر الْيَاء وَإِنَّمَا حذف الْيَاء لِأَن بَاب النداء بَاب الْحَذف وَالتَّخْفِيف أَلا ترى أَنَّك تَقول يَا زيد فتحذف مِنْهُ التَّنْوِين وَتقول يَا قوم فتحذف مِنْهُ الْيَاء فَكَذَلِك حذفت الْيَاء من ﴿يَا بني﴾
قَرَأَ حَفْص يَا بني بِفَتْح الْيَاء فِي جَمِيع الْقُرْآن أَرَادَ يَا بنياه فرخم قد ذكرت فِي سُورَة هود
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يَا بني﴾ بِكَسْر الْيَاء لأَنهم أَرَادوا يَا بنييي بِثَلَاث ياءات الأولى للتصغير وَالثَّانيَِة أَصْلِيَّة لَام الْفِعْل وَالثَّالِثَة يَاء الْإِضَافَة إِلَى النَّفس فحذفت الْأَخِيرَة اجتزاء بِالْكَسْرِ وتخفيفا وأدغمت يَاء التصغير فِي يَاء الْفِعْل فالتشديد من أجل ذَلِك
قَرَأَ ابْن كثير فِي رِوَايَة قنبل ﴿يَا بني أقِم الصَّلَاة﴾ بِالتَّخْفِيفِ مثل الأول وَفتح البزي وَحَفْص وَكسر الْبَاقُونَ وَقد ذكرت الْحجَّة
стр. 488
﴿يَا بني إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل﴾
وَقَرَأَ نَافِع ﴿يَا بني إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَال حَبَّة﴾ بِالرَّفْع جعل ﴿كَانَ﴾ بِمَعْنى حدث وَوَقع أَي إِن وَقع مِثْقَال حَبَّة كَقَوْلِه ﴿وَإِن كَانَ ذُو عسرة﴾ فَإِن قيل لم قلت ﴿تَكُ﴾ بِالتَّاءِ والمثقال مُذَكّر قيل فِي ذَلِك إِن مِثْقَالا هُوَ السَّيئَة أَو الْحَسَنَة فأنث على الْمَعْنى وَقَالَ الْفراء جَازَ تَأْنِيث ﴿تَكُ﴾ والمثقال مُذَكّر لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى الْحبَّة وَالْمعْنَى للحبة فَذهب التَّأْنِيث إِلَيْهَا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ إِن تَكُ مِثْقَال نصب فاسم كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون الْمظْلمَة أَو الْحَسَنَة الْمَعْنى إِن تكن الْمظْلمَة أَو الْحَسَنَة مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل
﴿وَلَا تصعر خدك للنَّاس﴾
قَرَأَ ابْن كثير وَعَاصِم وَابْن عَامر ﴿وَلَا تصعر خدك﴾ بِالتَّشْدِيدِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ / تصاعر /
قَالَ سِيبَوَيْهٍ صعر وصاعر بِمَعْنى وَاحِد كَمَا تَقول ضعف وضاعف
﴿وأسبغ عَلَيْكُم نعمه ظَاهِرَة وباطنة﴾ ٢٠
قَرَأَ نَافِع وَأَبُو عَمْرو وَحَفْص ﴿وأسبغ عَلَيْكُم نعمه﴾ بِفَتْح الْعين جمع نعْمَة كَمَا تَقول سِدْرَة وَسدر وحجتهم أَن النعم الظَّاهِرَة غير النعم الْبَاطِنَة فَهِيَ حِينَئِذٍ جمَاعَة إِذْ كَانَت منوعة وَقد قَالَ جلّ وَعز شاكرا لأنعمه فَلم يكتف بالواحدة من الْجَمِيع فَلَمَّا كَانَت
стр. 489
نعم الله مُخْتَلفَة بَعْضهَا فِي الدّين وَبَعضهَا فِي الأرزاق وَبَعضه فِي العوافي وَغير ذَلِك من الْأَحْوَال قرؤوا بِلَفْظ الْجمع لكثرته وَاخْتِلَاف الْأَحْوَال بهَا
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿نعْمَة﴾ وحجتهم صِحَة الْخَبَر عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ هِيَ الْإِسْلَام وَذَلِكَ أَن نعْمَة الْإِسْلَام تجمع كل خير وَعنهُ أَيْضا قَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله باطنة فِي الْقلب ظَاهِرَة فِي اللِّسَان وَقَالُوا أَيْضا الظَّاهِرَة شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله والباطنة طمأنينة الْقلب على مَا عبر لِسَانه وَأحسن مَا قيل فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أَن النِّعْمَة الظَّاهِرَة نعْمَة الْإِسْلَام والباطنة ستر الذُّنُوب وَيجوز أَن يعْنى بهَا جمَاعَة النعم فتؤدي الْوَاحِدَة عَن معنى الْجمع بِدلَالَة قَوْله ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾
﴿وَلَو أَنما فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام وَالْبَحْر يمده من بعده سَبْعَة أبحر مَا نفدت كَلِمَات الله﴾ ٢٧
قَرَأَ أَبُو عَمْرو ﴿وَالْبَحْر يمده﴾ بِفَتْح الرَّاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْع
فَأَما النصب فعطف على ﴿مَا﴾ وَالْمعْنَى وَلَو أَن مَا فِي الأَرْض وَلَو أَن الْبَحْر فَإِن سَأَلَ سَائل إِن من اخْتِيَار أبي عَمْرو أَن يرفع الْمَعْطُوف بعد الْخَبَر كَقَوْلِه ﴿إِن وعد الله حق والساعة لَا ريب فِيهَا﴾ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن الْكَلَام فِي ﴿إِن وعد الله حق﴾ تَمام ثمَّ يسْتَأْنف ﴿والساعة لَا ريب فِيهَا﴾ وَالْكَلَام عِنْد قَوْله ﴿وَلَو أَنما فِي الأَرْض من شَجَرَة أَقْلَام﴾
стр. 490
غير تَامّ فَأشبه الْمَعْطُوف قبل الْخَبَر وَهَذَا من حذق أبي عَمْرو إِنَّمَا لم يتم الْكَلَام لِأَن ﴿لَو﴾ يحْتَاج إِلَى جَوَاب
وَالرَّفْع على وَجْهَيْن أَحدهمَا على الِاسْتِئْنَاف فَجعل الْوَاو وَاو الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ وَالْبَحْر هَذِه حَاله وَيجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على مَوضِع ﴿إِن﴾ مَعَ مَا بعْدهَا
﴿ذَلِك بِأَن الله هُوَ الْحق وَأَن مَا يدعونَ من دونه هُوَ الْبَاطِل﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَابْن عَامر وَأَبُو بكر / وَأَن مَا تدعون / بِالتَّاءِ أَي يَا معشر الْعَرَب من الشُّرَكَاء
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ وَالْقِرَاءَة فِي مثل هَذَا الْحَرْف بِالْيَاءِ لِأَنَّهُ لم يعم النَّاس بِأَنَّهُم كلهم كَانُوا يدعونَ من دون الله وَلَكِن على الْخَواص
﴿إِن الله عِنْده علم السَّاعَة وَينزل الْغَيْث﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَعَاصِم ﴿ينزل الْغَيْث﴾ بِالتَّشْدِيدِ
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وَقد ذكرت الْحجَّة فِي سُورَة الْبَقَرَة
٣٢ - سُورَة السَّجْدَة
﴿الَّذِي أحسن كل شَيْء خلقه وَبَدَأَ خلق الْإِنْسَان من طين﴾ ٧
قَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَابْن عَامر ﴿أحسن كل شَيْء خلقه﴾ بِسُكُون اللَّام قَالَ الزّجاج قَوْله ﴿خلقه﴾ مَنْصُوب على أَنه مصدر
стр. 491
دلّ عَلَيْهِ مَا تقدم من قَوْله ﴿أحسن كل شَيْء﴾ الْمَعْنى الَّذِي خلق كل شَيْء خلقه وابتدأه ابْتِدَاء وَيجوز أَن يَجْعَل ﴿خلقه﴾ بَدَلا من ﴿كل شَيْء﴾ التَّقْدِير الَّذِي أحسن خلق كل شَيْء وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَجَاء فِي التَّفْسِير أَن تَأْوِيلهَا ألهم خلقه كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ أعلمهم كل مَا يَحْتَاجُونَ إِلَى علمه فَأَما الضَّمِير الَّذِي أضيف إِلَيْهِ ﴿خلق﴾ فَلَا يَخْلُو من أَن يكون ضمير اسْم الله أَو يكون كِنَايَة عَن الْمَفْعُول بِهِ فَالَّذِي يدل عَلَيْهِ نَظَائِره أَن الضَّمِير لاسم الله نَحْو قَوْله ﴿صنع الله﴾ و ﴿وعد الله﴾ فَكَمَا أضيفت هَذَا المصادر إِلَى الْفَاعِل فَكَذَلِك يكون ﴿خلقه﴾ مُضَافا إِلَى ضمير الْفَاعِل لِأَن قَوْله ﴿أحسن كل شَيْء﴾ يدل على خلق كل شَيْء
قَرَأَ نَافِع وَأهل الْكُوفَة ﴿خلقه﴾ بِفَتْح اللَّام جَعَلُوهُ فعلا مَاضِيا أَي أحسن كل شَيْء فخلقه قَالَ أهل التَّأْوِيل ﴿أحسن﴾ أَي أحكم كَمَا أَرَادَ لَا كمن يُرِيد أَن يَأْتِي بالشَّيْء حسنا فَيَقَع قبيحا كالخط وَالصُّورَة مِمَّا يُعلمهُ الْإِنْسَان وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول القرد لَيْسَ بِحسن وَلكنه أحكم خلقه وَقيل إِن الْحسن مَوْجُود فِي كل مَا خلق الله من جَمِيع الْحَيَوَان وَهُوَ أَن أثر صنع الله وَالدّلَالَة على وحدانيته مَوْجُودَة فِيهِ وَشَاهد هَذَا القَوْل قَوْله ﴿إِنَّا جعلنَا مَا على الأَرْض زِينَة لَهَا﴾ وعَلى الأَرْض حيات وعقارب وقردة وَلَيْسَت من الزِّينَة وَلَكِن الْمَعْنى انها مخلوقات الله وفيهَا آثَار صنع الله وَقَالَ آخَرُونَ ﴿إِنَّا جعلنَا مَا على الأَرْض زِينَة لَهَا﴾ يَعْنِي الرِّجَال فالهاء فِي قَوْله ﴿خلقه﴾ ضمير الْخلق
стр. 492
﴿فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين﴾
قَرَأَ حَمْزَة ﴿مَا أُخْفِي لَهُم﴾ سَاكِنة الْيَاء وَجعله فعلا مُسْتَقْبلا الله جلّ وَعز يخبر عَن نَفسه أَي مَا أُخْفِي لَهُم وحجته مَا يتَّصل بالحرف وَهُوَ قَوْله قبله ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ﴾ وَيُقَوِّي هَذَا قِرَاءَة عبد الله بن مَسْعُود / مَا نخفي لَهُم / بالنُّون
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿مَا أُخْفِي﴾ بِفَتْح الْيَاء جَعَلُوهُ فعلا مَاضِيا على مَا لم يسم فَاعله وَيُقَوِّي بِنَاء الْفِعْل للْمَفْعُول بِهِ قَوْله ﴿فَلهم جنَّات المأوى﴾ فأبهم ذَلِك كَمَا أبهم قَوْله ﴿أُخْفِي لَهُم﴾ وَلم يسند إِلَى فَاعل بِعَيْنِه وَلَو كَانَ ﴿أُخْفِي﴾ كَمَا قَرَأَهُ حَمْزَة لَكَانَ أعطيهم جنَّات المأوى ليُوَافق أعطي ﴿أُخْفِي﴾ فِي ذكر فَاعل الْفِعْل
﴿وَجَعَلنَا مِنْهُم أَئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا﴾
قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ لما صَبَرُوا بِكَسْر اللَّام وَتَخْفِيف الْمِيم الْمَعْنى / جعلناهم أَئِمَّة لصبرهم /
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿لما صَبَرُوا﴾ بِالتَّشْدِيدِ قَالَ الزّجاج من قَرَأَ ﴿لما صَبَرُوا﴾ فَالْمَعْنى معنى حِكَايَة المجازاة لما صَبَرُوا جعلناهم أَئِمَّة وأصل الْجَزَاء فِي هَذَا كَأَنَّهُ قَالَ إِن صَبَرْتُمْ جَعَلْنَاكُمْ أَئِمَّة فَلَمَّا صَبَرُوا جعلُوا أَئِمَّة
стр. 493
٣٣ - سُورَة الْأَحْزَاب
﴿وَلَا تُطِع الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ﴿إِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ ﴿إِذْ جاءتكم جنود فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرًا﴾ ٢ و ٩
قَرَأَ أَبُو عَمْرو / إِن الله كَانَ بِمَا يعْملُونَ خَبِيرا / و / بِمَا يعْملُونَ بَصيرًا / بِالْيَاءِ جَمِيعًا وحجته أَنه قرب من ذكر الْكَافرين وَالْمُنَافِقِينَ فِي الْحَرْف الأول فختم الْآيَة بالْخبر عَنْهُم إِذْ كَانَ ذَلِك فِي سِيَاقه عَنْهُم وحجته فِي الْحَرْف الثَّانِي أَنه قرب من ذكر الْجنُود فِي قَوْله ﴿إِذْ جاءتكم جنود فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم﴾ فختم بالْخبر عَنْهُم إِذْ كَانَ فِي سِيَاقه
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ جَمِيعًا وحجتهم فِي الْحَرْف الأول أَن افْتِتَاح الْآيَة جرى بِلَفْظ المخاطبة للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَلَا شكّ أَن من بِحَضْرَتِهِ من الْمُسلمين داخلون مَعَه فِيمَا أَمر بِهِ من أَمر الله وَنهي عَنهُ فِي هَذِه فهم حِينَئِذٍ مخاطبون مَعَه بِمَا خُوطِبَ بِهِ من أَمر الله وَنَهْيه نظيرا قَوْله ﴿فأقم وَجهك للدّين حَنِيفا﴾ فخاطب خاصته فِي الظَّاهِر ثمَّ قَالَ منيبين إِلَيْهِ فَأخْرج الْحَال عَنهُ وَعَمن هُوَ على شَرِيعَته فَكَذَلِك خاطبه فِي أول هَذِه الْآيَة خَاصَّة ثمَّ خَتمهَا بمخاطبته ومخاطبة من هُوَ على سَبيله إِذْ كَانُوا يشركُونَ فِي الْأَمر وَالنَّهْي وحجتهم فِي الْحَرْف الثَّانِي أَن افْتِتَاح الْآيَة جرى بالمخاطبة للْمُؤْمِنين فَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ جاءتكم جنود﴾
стр. 494
فختموا الْآيَة بِمَا افْتتح فِي أول الاية ليأتلف الْكَلَام على سِيَاق وَاحِد
﴿وَمَا جعل أزواجكم اللائي تظاهرون مِنْهُنَّ أُمَّهَاتكُم﴾ ٤
قَرَأَ أَبُو عَمْرو وورش عَن نَافِع والبزي عَن ابْن كثير / اللاي / بِغَيْر مد وَلَا همز فِي كل الْقُرْآن وَقَرَأَ نَافِع والقواس عَن ابْن كثير اللاء مهموزا مَقْصُورا وَقَرَأَ أهل الشَّام / اللاء / والكوفة ﴿اللائي﴾ بِهَمْزَة بعْدهَا يَاء ووزنها فَاعل
وَاعْلَم أَن هَذِه الْوُجُوه كلهَا جمع الَّتِي وَالْعرب تجمع الَّتِي على اللَّاتِي واللائي ثمَّ يجمعُونَ الْجمع فَيَقُولُونَ اللواتي قَالَ الراجز
من اللواتي وَالَّتِي واللاتي ... زعمن أَنِّي كَبرت لداتي
فَمن قَرَأَ ﴿اللائي﴾ على وزن اللاعي فَهُوَ الْقيَاس على الأَصْل وَهُوَ جمع الَّتِي على غير اللَّفْظ وَمن قَرَأَ / اللاء / على وزن اللاع فَإِنَّهُ اكْتفى بالكسرة على الْيَاء لِأَن الكسرة تنوب عَن الْيَاء قَالَ الشَّاعِر
من اللاء لم يحججن يبغين حسبَة
وَلَكِن ليقْتلن البريء المغفلا
стр. 495
وَمن ترك الْهَمْز فَإِنَّمَا تَركه للتَّخْفِيف وَهَذِه لُغَات للْعَرَب
قَرَأَ نَافِع وَابْن كثير وَأَبُو عَمْرو ﴿تظْهرُونَ﴾ بِغَيْر ألف وَتَشْديد الظَّاء وَقَرَأَ حَمْزَة الْكسَائي ﴿تظْهرُونَ﴾ بِفَتْح التَّاء وَتَخْفِيف الظَّاء وَقَرَأَ ابْن عَامر تظاهرون بِالْألف وَالتَّشْدِيد
وَالْمعْنَى فِي تظْهرُونَ وتظاهرون وتظاهرون وَاحِد أَصله كُله من الظّهْر لِأَن الَّذِي يتظهر من امْرَأَته إِنَّمَا قَالَ لَهَا أَنْت عَليّ كَظهر أُمِّي فَمن قَرَأَ ﴿تظْهرُونَ﴾ فَالْأَصْل تتظهرون فأدغم التَّاء فِي الظَّاء وَإِدْخَال الْألف وإخراجها سَوَاء وَالْعرب تَقول ضعفت وضاعفت وعقبت وعاقبت
وَقَرَأَ عَاصِم ﴿تظاهرون﴾ بِالْألف مَضْمُومَة التَّاء مثل تقاتلون جعله فعلا من اثْنَيْنِ من ظَاهر من امْرَأَته مُظَاهرَة وظهارا وحجتهم قَوْله فِي مصدر ظَاهر الظِّهَار
﴿وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر وتظنون بِاللَّه الظنونا﴾
قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو بكر ﴿وتظنون بِاللَّه الظنونا﴾ و ﴿الرسولا﴾ و ﴿السبيلا﴾ بِالْألف فِي الْوَقْف والوصل
следующие страницы →