← История

История · id 5539

تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف

ابن الضياء

Полный текст (329 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَذكر ابْن مَحْفُوظ أَن إِحْدَاث هَذِه الأساطين الْمَذْكُورَة فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة. وَالله أعلم. فصل: ذكر ذرع الْكَعْبَة من دَاخل وخارج قد تقدم أَن طول الْكَعْبَة فِي السَّمَاء سبع وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، وَقد ذكر الْأَزْرَقِيّ فِي ذرعها من داخلها وخارجها. قَالَ عز الدّين بن جمَاعَة: وحررت أَنا بارتفاعها وَمِقْدَار مَا بَين أَرْكَانهَا وَغير ذَلِك لما كنت مجاوراً بِمَكَّة سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة، فَكَانَ ارتفاعها من أَعلَى الْمُلْتَزم إِلَى أَرض الشاذروان ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا وَنصف ذِرَاع وَثلث ذِرَاع، وَبَين الرُّكْن الَّذِي فِيهِ الْحجر الْأسود وَبَين الرُّكْن الشَّامي وَيُقَال: الْعِرَاقِيّ من دَاخل الْكَعْبَة ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَثلث وَربع وَثمن، وَمن خَارِجهَا ثَلَاثَة وَعشْرين ذِرَاعا وَربع ذِرَاع، وارتفاع بَاب الْكَعْبَة الشَّرِيفَة من داخلها سِتَّة اذرع وقيراطان، وَمن خَارِجهَا خَمْسَة أَذْرع وَثلث وَعرضه من داخلها ثَلَاثَة أَذْرع وَربع ثمن وَمن خَارِجهَا ثَلَاثَة أَذْرع وَربع، وَعرض العتبة نصف ذِرَاع وَربع، وارتفاع الْبَاب الشريف عَن أَرض الشاذروان ثَلَاثَة أَذْرع وَثلث وَثمن، وارتفاع الشاذروان عَن أَرض المطاف ربع وَثمن، وَعرضه فِي هَذِه الْجِهَة نصف وَربع، وذرع الْمُلْتَزم وَهُوَ ابين الرُّكْن وَالْبَاب من دَاخل الْكَعْبَة ذراعان وَمن خَارِجهَا أَرْبَعَة وَسدس، وارتفاع الْحجر الْأسود عَن أَرض المطاف ذراعان وَربع و " سدس "، وَبَين الرُّكْن الشَّامي والغربي من دَاخل الْكَعْبَة خَمْسَة عشر ذِرَاعا وقيراطان، وَمن خَارِجهَا ثَمَانِيَة عشر وَنصف وَربع، وَبَين الغربي واليماني من داخلها ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَثلثا ذِرَاع وَثمن ذِرَاع، وَمن خَارِجهَا ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، وَبَين الْيَمَانِيّ والركن الْأسود من داخلها خَمْسَة عشر ذِرَاعا وَثلث ذِرَاع، وَمن خَارِجهَا تِسْعَة عشر بِتَقْدِيم التَّاء على السِّين وَربع، وذرع دائر الْحجر من دَاخله من الفتحة إِلَى الفتحة أحد وَثَلَاثُونَ وَثلث، وَمن خَارج من الفتحة إِلَى الفتحة سَبْعَة وَثَلَاثُونَ وَنصف وَربع وَثمن، وَمن الفتحة إِلَى الفتحة على الاسْتوَاء سَبْعَة عشر ذِرَاعا، وَمن صدر دائر الْحجر من دَاخله إِلَى جِدَار الْبَيْت تَحت الْمِيزَاب خَمْسَة عشر ذِرَاعا، وَعرض جِدَار الْحجر ذراعان وَثلث ذِرَاع، وارتفاعه عَن أَرض المطاف مِمَّا يَلِي الفتحة الَّتِي من جِهَة الْمقَام ذِرَاع وَثلثا ذِرَاع وَثمن ذِرَاع، وارتفاعه مِمَّا يَلِي الفتحة الْأُخْرَى ذِرَاع وَثلث وَنصف وَثمن، وارتفاعه من وَسطه ذِرَاع

стр. 107

وَثلث ذِرَاع، وسعة مَا بَين جِدَار الْحجر والشاذروان عِنْد الفتحة الَّتِي من جِهَة الْمقَام أَرْبَعَة أَذْرع وَثلث، وَعرض الشاذروان فِي هَذِه الْجِهَة نصف ذِرَاع، وَالْخَارِج من جِدَار الْحجر فِي هَذِه الْجِهَة عَن مسامتة الشاذروان نصف ذِرَاع وَربع ذِرَاع وَثمن، وسعة الفتحة الْأُخْرَى أَرْبَعَة أَذْرع وَنصف، وَعرض الشاذروان فِي هَذِه الْجِهَة ثلثا ذِرَاع، وَالْخَارِج من جِدَار الْحجر فِي هَذِه الْجِهَة عَن مسامتة الشاذروان نصف ذِرَاع وَثلث ذِرَاع. قَالَ عز الدّين: كل ذَلِك حررته بِذِرَاع القماشي الْمُسْتَعْمل فِي زَمَاننَا بِمصْر. انْتهى كَلَامه. قَالَ الْأَزْرَقِيّ وذرع عرض بعد جِدَار الْكَعْبَة ذراعان، والكعبة لَهَا سقفان أَحدهمَا فَوق الآخر، وَكَانَت غير مسقفة فِي عهد إِبْرَاهِيم ﵇ وَفِي سقف الْكَعْبَة أَربع روازن نَافِذَة من السّقف الْأَعْلَى إِلَى السّقف الْأَسْفَل للضوء، وعَلى الروازن رُخَام، وَكَانَ ابْن الزبير أَتَى بِهِ من صنعاء يُقَال لَهُ: البلق وَبَين السقفين فُرْجَة، وذرع التحجير الَّذِي فَوق ظهر سطح الْكَعْبَة ذراعان وَنصف، وذرع عرض جِدَار التحجير كَمَا يَدُور ذِرَاع، وَفِي التحجير ملبن مربع من سَاج فِي جدران سطح الْكَعْبَة، كَمَا يَدُور فِيهِ حلق حَدِيد تشد فِيهَا ثِيَاب الْكَعْبَة، وَكَانَ أَرض سطح الْكَعْبَة بالفسيفساء، ثمَّ كَانَت تتْلف عَلَيْهِم إِذا جَاءَ الْمَطَر فقلعته الحجبة بعد سنة الْمِائَتَيْنِ وشيدوه بالمرمر الْمَطْبُوخ والجص، وميزاب الْكَعْبَة فِي وسط الْجدر الَّذِي يَلِي الْحجر يسْكب فِي بطن الْحجر، وذرع طول الْمِيزَاب أَربع أَذْرع، وسعته ثَمَانِي أَصَابِع فِي ارْتِفَاع مثلهَا، والميزاب ملبس صَفَائِح ذهب دَاخله وخارجه، وَكَانَ الَّذِي جعل عَلَيْهِ الذَّهَب الْوَلِيد بن عبد الْملك، وذرع مسيل المَاء فِي الْجدر ذِرَاع وَسَبْعَة عشر إصبعاً. فصل: ذكر مَا يَدُور بِالْحجرِ الْأسود من الْفضة وَكَانَ ابْن الزبير أول من ربط الرُّكْن الْأسود بِالْفِضَّةِ لما أَصَابَهُ الْحَرِيق، ثمَّ كَانَت الْفضة قد رقت ونزعت حول الْحجر الْأسود حَتَّى خَافُوا على الرُّكْن أَن ينْقض، فَلَمَّا اعْتَمر

стр. 108

أَمِير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد وجاور فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة أَمر بِالْحِجَارَةِ الَّتِي بَينهَا الْحجر الْأسود فثقبت بالماس من فَوْقهَا وتحتها ثمَّ أفرغ فِيهَا الْفضة. وَذكر المسبحي: أَن فِي سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة قلع الحجبة الْحجر الْأسود وَكَانَ " بضه مِنْبَر " وجعلوه فِي الْكَعْبَة خوفًا عَلَيْهِ، وأحبوا أَن يجْعَلُوا لَهُ طوقاً من فضَّة يشد بِهِ كَمَا كَانَ قَدِيما فِي عهد ابْن الزبير، فأصلحه صائغان حاذقان وَعَملا لَهُ طوقاً من فضَّة وأحكماه، قَالَ: وَعَن مُحَمَّد بن نَافِع الْخُزَاعِيّ: أَن مبلغ مَا على الْحجر الْأسود من الطوق وَغَيره ثَلَاثَة آلَاف وَتِسْعَة وَتسْعُونَ درهما على مَا قيل. انْتهى. قيل: والحلية الَّتِي على الْحجر الْأسود الْآن غير الْحِلْية الْمُتَقَدّمَة؛ لِأَن دَاوُد بن عِيسَى بن فليتة الحسني أَمِير مَكَّة أَخذ طوق الْحجر الْأسود قبيل عَزله من مَكَّة فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة أَو فِي الَّتِي بعْدهَا على مَا ذكر غير وَاحِد من أهل التواريخ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون قلع الْحجر الْأسود ليعْمَل لَهُ طوق يصونه. فصل: مَا جَاءَ فِي مقَام إِبْرَاهِيم ﵇ الْمقَام فِي اللُّغَة: مَوضِع قدم الْقَائِم. ومقام إِبْرَاهِيم: هُوَ الْحجر الَّذِي وقف عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم. وَاخْتلفُوا فِي المُرَاد من الْمقَام فِي قَوْله تَعَالَى: " فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم ". فَقَالَ الْجُمْهُور: هُوَ الْحجر الْمَعْرُوف. وَقيل: الْبَيْت كُله مقَام إِبْرَاهِيم؛ لِأَنَّهُ بناه وَقَامَ فِي جَمِيع أقطاره. وَقيل: مَكَّة كلهَا. وَقيل: الْحرم كُله. وَالصَّحِيح قَول الْجُمْهُور. وَفِي سَبَب وُقُوفه عَلَيْهِ أَقْوَال؛ أَحدهَا: إِنَّه وقف عَلَيْهِ لبِنَاء الْبَيْت قَالَه سعيد بن جُبَير. الثَّانِي: إِنَّه جَاءَ من الشَّام فَطلب ابْنه إِسْمَاعِيل فَلم يجده فَقَالَت لَهُ زَوجته: انْزِلْ فَأبى. فَقَالَت: دَعْنِي أغسل رَأسك، فَأَتَتْهُ بِحجر فَوضع رجله عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكب فغسلت شقَّه، ثمَّ رفعته وَقد غَابَتْ رجله فِيهِ، فَوَضَعته تَحت الشق الآخر وغسلته فغابت رجله فِيهِ،

стр. 109

فَجعله الله تَعَالَى من الشعائر، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس ﵃. الثَّالِث: إِنَّه وقف عَلَيْهِ فَأذن فِي النَّاس بِالْحَجِّ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: لما فرغ من التأذين أَمر بالْمقَام فَجعله قبْلَة، فَكَانَ يُصَلِّي إِلَيْهِ مُسْتَقْبل الْبَاب ثمَّ كَانَ إِسْمَاعِيل بعد يُصَلِّي إِلَيْهِ إِلَى بَاب الْكَعْبَة. وَعَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: رَأَيْت الْمقَام فِيهِ أَصَابِعه وأخمص قَدَمَيْهِ والعقب غير أَنه أذهبه مسح النَّاس بِأَيْدِيهِم. وَعَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: " وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى ". قَالَ: إِنَّمَا أمروا أَن يصلوا عِنْده وَلم يؤمروا بمسحه، وَلَقَد تكلفت هَذِه الْأمة شَيْئا مَا تكلفته الْأُمَم قبلهَا، وَلَقَد ذكر لنا بعض من رأى أَثَره وأصابعه فَمَا زَالَت هَذِه الْأمة تمسحه حَتَّى اخلولق وانماح. وَعَن نَوْفَل بن مُعَاوِيَة الديلِي قَالَ: رَأَيْت الْمقَام فِي عهد عبد الْمطلب مثل المهاة، والمهاة: خرزة بَيْضَاء. فصل: مَا جَاءَ فِي مَوضِع الْمقَام وَكَيف رده عمر إِلَى مَوْضِعه هَذَا اخْتلفُوا هَل كَانَ فِي عهد النَّبِي ﷺ مُلْصقًا بِالْبَيْتِ، أَو فِي مَوْضِعه الْآن؟ وَالصَّحِيح أَنه كَانَ فِي عهد النَّبِي ﷺ مُلْصقًا بِالْبَيْتِ. روى الْأَزْرَقِيّ عَن الْمطلب بن أبي ودَاعَة السَّهْمِي قَالَ: كَانَت السُّيُول تدخل الْمَسْجِد الْحَرَام من بَاب بني شيبَة قبل أَن يردم عمر بن الْخطاب الرَّدْم الْأَعْلَى، وَكَانَ يُقَال لهَذَا الْبَاب: بَاب السَّيْل، وَكَانَت السُّيُول رُبمَا رفعت الْمقَام عَن مَوْضِعه وَإِلَى وَجه الْكَعْبَة. حَتَّى جَاءَ سيل فِي خلَافَة عمر بن الْخطاب يُقَال لَهُ: سيل أم نهشل، وَسمي بذلك؛ لِأَنَّهُ ذهب بِأم نهشل ابْنة عُبَيْدَة ابْن أبي حجيجة فَمَاتَتْ فِيهِ، فَاحْتمل الْمقَام من مَوْضِعه هَذَا فَذهب بِهِ حَتَّى وجد بِأَسْفَل مَكَّة، فَأتى بِهِ فَربط فِي أَسْتَار الْكَعْبَة فِي وَجههَا، وَكتب فِي ذَلِك إِلَى عمر ﵁ فَأقبل عمر فَزعًا، فَدخل بِعُمْرَة فِي شهر رَمَضَان وَقد عُفيَ مَوْضِعه وعفاه السَّيْل، فَدَعَا عمر بِالنَّاسِ فَقَالَ: أنْشد الله عبدا عِنْده علم فِي هَذَا الْمقَام أَيْن مَوْضِعه؟ فَقَالَ الْمطلب بن أبي ودَاعَة: عِنْدِي ذَلِك فقد كنت أخْشَى عَلَيْهِ

стр. 110

هَذَا، فَأخذت قدره فِي مَوْضِعه إِلَى الرُّكْن، وَمن مَوْضِعه إِلَى بَاب الْحجر وَمن مَوْضِعه إِلَى زَمْزَم بميقاط وَهُوَ عِنْدِي فِي الْبَيْت. فَقَالَ لَهُ عمر: فاجلس عِنْدِي وَأرْسل إِلَيْهَا. فَأتى بهَا فَمدَّهَا فَوَجَدَهَا مستوية إِلَى مَوْضِعه هَذَا، فَسَأَلَ النَّاس وشاورهم فَقَالُوا: نعم هَذَا مَوْضِعه. فَلَمَّا استثبت ذَلِك عمر وَحقّ عِنْده أَمر بِهِ فَاعْلَم بِبِنَاء ربضه تَحت الْمقَام ثمَّ حوله فَهُوَ فِي مَكَانَهُ هَذَا إِلَى الْيَوْم. وروى الْأَزْرَقِيّ أَيْضا عَن ابْن أبي مليكَة أَنه قَالَ: مَوضِع الْمقَام هُوَ الَّذِي بِهِ الْيَوْم، وَهُوَ مَوْضِعه فِي الْجَاهِلِيَّة وَفِي عهد النَّبِي ﷺ وَأبي بكر وَعمر ﵄ إِلَّا أَن السَّيْل ذهب بِهِ فِي خلَافَة عمر فَجعل فِي وَجه الْكَعْبَة حَتَّى قدم عمر ﵁ فَرده بِمحضر من النَّاس. وَنقل الْأَزْرَقِيّ عَن عُرْوَة بن الزبير أَن الْمقَام كَانَ عِنْد صقع الْبَيْت فَأَما مَوْضِعه الَّذِي هُوَ مَوْضِعه فموضعه الْآن، وَأما مَا يَقُول النَّاس: إِنَّه كَانَ هُنَالك مَوْضِعه فَلَا. انْتهى كَلَام الْأَزْرَقِيّ. وَقَالَ مَالك فِي الْمُدَوَّنَة: كَانَ الْمقَام فِي عهد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ فِي مَكَانَهُ الْيَوْم، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة ألصقوه بِالْبَيْتِ خيفة السَّيْل وَكَانَ ذَلِك فِي عهد النَّبِي ﷺ وعهد أبي بكر، فَلَمَّا ولي عمر ﵁ رده بعد أَن قَاس مَوْضِعه بخيوط قديمَة قيس بهَا حِين أَخْبرُوهُ. وَحكى سَنَد عَن أَشهب عَن مَالك: أَن الَّذِي حمل عمر على ذَلِك وَالله أعلم مَا كلن النَّبِي ﷺ يذكرهُ من كَرَاهِيَة تَغْيِير مراسيم إِبْرَاهِيم ﵇ وَمِنْه قَوْله ﷺ لعَائِشَة: " لَوْلَا حدثان قَوْمك بِكفْر لنقضت الْكَعْبَة ". فَرَأى عمر أَن ذَلِك لَيْسَ فِيهِ تَغْيِير لمَكَان مَا رَآهُ من مراسيم إِبْرَاهِيم ﵇ انْتهى. وَفِي هَذَا مناقضة ظَاهِرَة لما ذكره الْأَزْرَقِيّ عَن ابْن أبي مليكَة، وَأما مَا ذكره الْمطلب

стр. 111

ابْن أبي ودَاعَة فَيحْتَمل أَمريْن؛ أَحدهمَا: أَن يكون قَول عمر: أنْشد الله عبدا عِنْده علم فِي هَذَا الْمقَام أَيْن مَوْضِعه؟ أَي: الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فِي عهد النُّبُوَّة وَهُوَ الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم؛ لِأَنَّهُ كَانَ بحاثاً عَن السّنة وقافاً عِنْدهَا، وَكَذَلِكَ فهمه ابْن أبي مليكَة فَأثْبت لذَلِك أَن مَوْضِعه الْيَوْم هُوَ الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ فِي عهد النُّبُوَّة، وَأَن إلصاقه بِالْبَيْتِ إِنَّمَا كَانَ لعَارض السَّيْل. الِاحْتِمَال الثَّانِي: أَن يكون عمر سَأَلَ عَن مَوْضِعه فِي زمن إِبْرَاهِيم ﵇ ليَرُدهُ إِلَيْهِ لعلمه أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُؤثر مراسيم إِبْرَاهِيم ﵇ وَيكرهُ تغييرها، وَيكون سَبيله ﷺ فِي تَقْرِير الْمقَام مُلْصقًا بِالْبَيْتِ إِلَى أَن توفّي ﷺ سَبيله فِي تَقْرِير مَا كَانَ من الْكَعْبَة فِي الْحجر تأليفاً لقريش فِي عدم تَغْيِير مراسيمهم، فَلذَلِك سَأَلَ عمر عَن مَكَان الْمقَام فِي زمن إِبْرَاهِيم ﵇ ليَرُدهُ إِلَيْهِ. وعَلى هَذَا التَّأْوِيل فَلَا مناقضة بَين مَا رَوَاهُ الْمطلب وَالْإِمَام مَالك فَيكون الْجمع بَينهمَا أولى من ترك أَحدهمَا وَيكون ابْن أبي مليكَة قَالَ مَا قَالَه فهما من سِيَاق مَا رَوَاهُ الْمطلب وَالْإِمَام مَالك أثبت مَا أثْبته جَازِمًا بِهِ، فَلَا يكون ذَلِك إِلَّا عَن تَوْقِيف فَكَانَ الْجمع أولى قَالَه الْمُحب الطَّبَرِيّ. ويروى أَن رجلا يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا كَانَ بِمَكَّة فَأسلم يُقَال لَهُ: جريج ففقد الْمقَام ذَات لَيْلَة فَوجدَ عِنْده أَرَادَ أَن يُخرجهُ إِلَى ملك الرّوم فَأخذ مِنْهُ وَضربت عُنُقه. وَعَن عبد الله بن السَّائِب وَكَانَ يُصَلِّي بِأَهْل مَكَّة قَالَ: أَنا أول من صلى خلف الْمقَام حِين رد فِي مَوْضِعه هَذَا، ثمَّ دخل عمر ﵁ وَأَنا فِي الصَّلَاة فصلى خَلْفي صَلَاة الْمغرب. فصل: مَا جَاءَ فِي الذَّهَب الَّذِي على الْمقَام وَمن جعله عَلَيْهِ أول مَا حلي الْمقَام فِي خلَافَة الْمهْدي العباسي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة كَمَا ذكره الفاكهي. وروى الْأَزْرَقِيّ عَن عبد الله بن شُعَيْب قَالَ: ذهبت أرفع الْمقَام فِي خلَافَة الْمهْدي فانثلم قَالَ: وَهُوَ من حجر رخو يشبه السنان فَخَشِينَا أَن يتفتت، فكتبنا فِي ذَلِك إِلَى الْمهْدي فَبعث إِلَيْنَا بِأَلف دِينَار فضببنا بهَا الْمقَام أَسْفَله وَأَعلاهُ، وَلم يزل ذَلِك الذَّهَب عَلَيْهِ حَتَّى ولى أَمِير الْمُؤمنِينَ جَعْفَر المتَوَكل على الله فَجعل عَلَيْهِ ذَهَبا فَوق ذَلِك الذَّهَب

стр. 112

أحسن من ذَلِك الْعَمَل فِي مصدر الْحَاج سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثمَّ إِن الذَّهَب الَّذِي حلّي بِهِ الْمقَام فِي خلَافَة المتَوَكل لم يزل عَلَيْهِ إِلَى أَن أَخذه جَعْفَر بن الْفضل وَمُحَمّد بن حَاتِم فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَتَيْنِ، وضرباه دَنَانِير وأنفقاه على حَرْب إِسْمَاعِيل الْعلوِي فِيمَا ذكرُوا، وَبَقِي الذَّهَب الَّذِي عمل فِي خلَافَة الْمهْدي إِلَى سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ قلع وَضم إِلَيْهِ ذهب آخر وحلي الْمقَام بذلك كُله، وَكَانَ فِي الْمقَام حلية من فضَّة مَعَ الذَّهَب فَزَاد فِيهَا فِي هَذَا التَّارِيخ أَمِير مَكَّة عَليّ بن الْحُسَيْن الْهَاشِمِي العباسي، وَكَانَ سَبَب ذَلِك أَن الحجبة ذكرُوا لعَلي بن الْحُسَيْن الْمَذْكُور أَن الْمقَام قد وهى وَيخَاف عَلَيْهِ، وسألوه أَن يجدد عَلَيْهِ ويضببه حَتَّى يشْتَد، فأجابهم إِلَى مَا سَأَلُوهُ وَقلع مَا على الْمقَام من الذَّهَب وَالْفِضَّة، فَإِذا هُوَ سبع قطع ملصقة وَزَالَ عَنْهَا الإلصاق فألزم إلصاقه بالعقاقير وَركب عَلَيْهِ من حلية الذَّهَب وَالْفِضَّة مَا يزِيدهُ شدَّة ويستحسنه النَّاظر فِيهِ، وَكَانَ ابْتِدَاء عمل ذَلِك فِي الْمحرم سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ والفراغ مِنْهُ فِي ربيع الأول مِنْهَا، وَكَانَ جملَة مَا فِي الطوقين اللَّذين عملا فِي الْمقَام باللحوم الَّتِي فيهمَا ألفي مِثْقَال ذَهَبا إِلَّا ثَمَانِيَة مَثَاقِيل. انْتهى كَلَام الفاكهي مُخْتَصرا. قَالَ الشَّيْخ سعد الدّين الإسفرائيني فِي كتاب " زبدة الْأَعْمَال وخلاصة الْأَفْعَال ": وَفِي سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة فِي زمَان القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن محب الدّين الطَّبَرِيّ قَاضِي مَكَّة سرق الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَعمل عَلَيْهِ الْفضة وَهِي عَلَيْهِ إِلَى الْآن. انْتهى. فصل ذكر ذرع الْمقَام ذكر الْأَزْرَقِيّ: أَن ذرع الْمقَام ذِرَاع، وَأَن الْقَدَمَيْنِ داخلان فِيهِ سبع أَصَابِع. وَقَالَ عز الدّين ابْن جمَاعَة: وحررت لما كنت بِمَكَّة سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة مِقْدَار ارتفاعه من الأَرْض فَكَانَ نصف ذِرَاع وَربع ذِرَاع وَثمن ذِرَاع بالذراع الْمُسْتَعْمل فِي زَمَاننَا بِمصْر فِي القماش، وَأَعْلَى الْمقَام مربع من كل جِهَة نصف ذِرَاع وَربع ذِرَاع، وَمَوْضِع " عرض " الْقَدَمَيْنِ فِي الْمقَام ملبّس بِفِضَّة، وعمقه من فَوق الْفضة سبع قراريط وَنصف قِيرَاط من

стр. 113

ذِرَاع القماش، وَالْمقَام الْيَوْم فِي صندوق من حَدِيد حوله شباك من حَدِيد، عرض الشباك عَن يَمِين الْمُصَلِّي ويساره خَمْسَة أَذْرع وَثمن ذِرَاع، وَطوله إِلَى جِهَة الْكَعْبَة خَمْسَة أَذْرع إِلَّا قيراطين، وَخلف الشباك الْمُصَلِّي وَهُوَ محوز بعمودين من حِجَارَة وحجرين من جَانِبي الْمُصَلِّي، وَطول الْمُصَلِّي خَمْسَة اذرع وَسدس ذِرَاع، وَمن صدر الشباك الَّذِي دَاخله الْمقَام إِلَى شاذروان الْكَعْبَة عشرُون ذِرَاعا وَثلثا ذِرَاع وَثمن ذِرَاع، كل ذَلِك بالذراع الْمُتَقَدّم ذكره. انْتهى كَلَام ابْن جمَاعَة. فصل: مَا جَاءَ فِي إِخْرَاج جِبْرِيل زَمْزَم لأم إِسْمَاعِيل " ويروى لَهَا " لما كَانَ بَين هَاجر أم إِسْمَاعِيل وَبَين سارة امْرَأَة إِبْرَاهِيم مَا كَانَ أقبل إِبْرَاهِيم ﵇ بهاجر وَابْنهَا إِسْمَاعِيل وَهُوَ صَغِير يرضعها حَتَّى قدم بهما مَكَّة، وَمَعَ أم إِسْمَاعِيل شنة فِيهَا مَاء تشرب مِنْهُ وتدر على ابْنهَا وَلَيْسَ مَعهَا زَاد وَفِي رِوَايَة: وَمَعَهَا جراب فِيهِ تمر وسقاء فِيهِ مَاء وَلَيْسَ بِمَكَّة أحد وَلَيْسَ لَهَا مَاء فَعمد بهما إِبْرَاهِيم إِلَى دوحة فَوق زَمْزَم فوضعهما عِنْدهَا، ثمَّ توجه إِبْرَاهِيم خَارِجا على دَابَّته فتبعته أم إِسْمَاعِيل حَتَّى وافى إِبْرَاهِيم بكدا، فَقَالَت لَهُ أم إِسْمَاعِيل: إِلَى من تتركها وَوَلدهَا؟ قَالَ: إِلَى الله قَالَت: رضيت بِاللَّه وَفِي رِوَايَة: قَالَت لَهُ: أَيْن تذْهب وتتركنا بِهَذَا الْوَادي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أنيس وَلَا شَيْء؟ فَقَالَت لَهُ ذَلِك مرَارًا وَجعل لَا يلْتَفت إِلَيْهَا فَقَالَت: آللَّهُ أَمرك بِهَذَا؟ قَالَ: نعم. قَالَت: إِذن لَا يضيعنا ثمَّ رجعت تحمل ابْنهَا فَانْطَلق إِبْرَاهِيم حَتَّى إِذا كَانَ عِنْد الثَّنية حِين لَا يرونه اسْتقْبل بِوَجْهِهِ الْبَيْت ثمَّ دَعَا بهؤلاء الدَّعْوَات وَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ: " رَبنَا إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي ذرع حَتَّى بلغ يشكرون ". وَجعلت أم إِسْمَاعِيل ترْضع إِسْمَاعِيل حَتَّى فنى مَاء شنها فَانْقَطع درها، فجاع ابْنهَا فَاشْتَدَّ جوعه حَتَّى نظرت إِلَيْهِ أمه يَتَشَحَّط فَخَشِيت أم إِسْمَاعِيل أَن يَمُوت، فَقَالَت: لَو تغيبت عَنهُ حَتَّى يَمُوت وَلَا أَدْرِي بِمَوْتِهِ. فَوجدت الصَّفَا أقرب جبل فِي الأَرْض يَليهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ، فاستقبلت الْوَادي تنظر هَل ترى أحدا فَلم تَرَ أحدا، فَهَبَطت

стр. 114

من الصَّفَا وَقَالَت: لَو مشيت بَين هذَيْن الجبلين تعللت حَتَّى يَمُوت الصَّبِي وَلَا أرَاهُ. فمشت بَينهمَا أم إِسْمَاعِيل حَتَّى إِذا بلغت الْوَادي رفعت طرف درعها، ثمَّ سعت سعي الْإِنْسَان المجهود حَتَّى جَاوَزت الْوَادي، ثمَّ أَتَت الْمَرْوَة فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنظرت فَلم تَرَ أحدا فَفعلت ذَلِك سبع مَرَّات، فَلذَلِك شرع السَّعْي بَينهمَا سبعا، فَلَمَّا أشرقت على الْمَرْوَة سَمِعت صَوتا فَقَالَت: صه تُرِيدُ نَفسهَا ثمَّ تسمعت فَسمِعت أَيْضا فَقَالَت: قد أسمعت إِن كَانَ عنْدك غواث، فَخرج لَهَا جِبْرِيل فاتبعته حَتَّى وصل عِنْد زَمْزَم فبحث بعقبه أَو بجناحه حَتَّى ظهر المَاء، وَتقول بِيَدِهَا هَكَذَا وتغرف من المَاء فِي سقائها وَهُوَ يفور بعد مَا تغرف فَشَرِبت وأرضعت وَلَدهَا، وَقَالَ لَهَا جِبْرِيل ﵇: لَا تخافي الضَّيْعَة فَإِن هَا هُنَا بَيت الله يبنيه هَذَا الْغُلَام وَأَبوهُ، وَإِن الله تَعَالَى لَا يضيع أَهله. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " يرحم الله أم إِسْمَاعِيل لَو تركت زَمْزَم أَو قَالَ: لَو لم تغرف من المَاء لكَانَتْ عينا معينا ". قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره: لَا يجوز لأحد أَن يتَعَلَّق بِهَذَا فِي طرح وَلَده وَعِيَاله بِأَرْض مضيعة، اتكالاً على الْعَزِيز الرَّحِيم، واقتداء بِفعل إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، كَمَا فعله غلاة الصُّوفِيَّة فِي حَقِيقَة التَّوَكُّل، قَالَ: إِبْرَاهِيم فعل ذَلِك بِأَمْر الله تَعَالَى؛ لقَوْله فِي الحَدِيث: آللَّهُ أَمرك بِهَذَا؟ قَالَ: نعم. وَقد رُوِيَ أَن سارة لما غارت من هَاجر بعد أَن ولدت إِسْمَاعِيل خرج بهَا إِبْرَاهِيم ﵇ إِلَى مَكَّة فَروِيَ أَنه ركب الْبراق هُوَ وَهَاجَر والطفل فجَاء فِي يَوْم وَاحِد من الشَّام إِلَى مَكَّة، وَأنزل ابْنه وَأمه هُنَاكَ وَركب منصرفاً من يَوْمه، وَكَانَ ذَلِك كُله بِوَحْي من الله فَلَمَّا ولّى دَعَا. انْتهى كَلَامه. فَبَيْنَمَا هَاجر وَابْنهَا كَذَلِك إِذْ مر ركب من جرهم قافلين من الشَّام فِي الطَّرِيق السفلي، فَرَأى الركب الطير على المَاء فَقَالَ بَعضهم: مَا كَانَ بِهَذَا الْوَادي من مَاء وَلَا أنيس فأرسلوا جريين لَهُم حَتَّى أَتَيَا أم إِسْمَاعِيل فكلماها، ثمَّ رجعا إِلَى ركبهما فأخبراهم بمكانها، فَرجع الركب كلهم حَتَّى حيوها فَردَّتْ عَلَيْهِم، وَقَالُوا: لمن هَذَا لماء؟ قَالَت أم إِسْمَاعِيل: هُوَ لي. قَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لنا أَن نسكن مَعَك؟ قَالَت: نعم. قَالَ النَّبِي

стр. 115

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " ألفى ذَلِك أم إِسْمَاعِيل، وَقد أحبت الْأنس " فنزلوا وبعثوا إِلَى أَهْليهمْ، فقدموا وَسَكنُوا تَحت الدوح واعترشوا عَلَيْهَا الْعَرْش، فَكَانَت مَعَهم هِيَ وَابْنهَا. قَالَ بعض أهل الْعلم: كَانَت جرهم تشرب من مَاء زَمْزَم فَمَكثت بذلك مَا شَاءَ الله أَن تمكث، فَلَمَّا استخفت جرهم بِالْحرم وتهاونت بِحرْمَة الْبَيْت، وأكلوا مَال الْكَعْبَة الَّذِي يهدى لَهَا سرا وَعَلَانِيَة وارتكبوا مَعَ ذَلِك أموراً عظاماً، نضب مَاء زَمْزَم وَانْقطع فَلم يزل مَوْضِعه يدرس ويتقادم وتمر عَلَيْهِ السُّيُول عصراً بعد عصر حَتَّى عفى مَكَانَهُ، وسلط الله خُزَاعَة على جرهم فأخرجتهم من الْحرم وَوليت عَلَيْهِم الْكَعْبَة وَالْحكم بِمَكَّة، وَمَوْضِع زَمْزَم فِي ذَلِك داثر لَا يعرف؛ لتقادم الزَّمَان حَتَّى بوأه الله لعبد الْمطلب بن هَاشم لما أَرَادَ الله تَعَالَى من ذَلِك فخصه بِهِ من بَين قُرَيْش. وَقيل: إِن جرهماً دفنت زَمْزَم حِين ظعنوا من مَكَّة وَاسْتولى عَلَيْهَا غَيرهم. قَالَ السُّهيْلي: وَلما أحدثت جرهم فِي الْحرم واستخفوا بالمناسك وَالْحرم، وبغى بَعضهم على بعض واجترم، تغوّر مَاء زَمْزَم واكتتم، فَلَمَّا أخرج الله جرهم من مَكَّة بالأسباب الَّتِي ذَكرنَاهَا، عمد الْحَارِث بن مضاض الْأَصْغَر إِلَى مَا كَانَ عِنْده من مَال الْكَعْبَة وَفِيه غزالان من ذهب وأسياف قلعية كَانَ أهداها ساسان ملك الْفرس، وَقيل: سَابُور، وَذكروا أَن الْأَوَائِل من مُلُوك الْفرس كَانَت تحج الْكَعْبَة إِلَى عهد ساسان أَو سَابُور، فَلَمَّا علم ابْن مضاض أَنه مخرج مِنْهَا جَاءَ فِي اللَّيْل حَتَّى دفن ذَلِك فِي زَمْزَم وغطى عَلَيْهَا، وَلم تزل دارسة عافياً اثرها حَتَّى آن مولد الْمُبَارك الَّذِي كَانَ يستسقى بِوَجْهِهِ غيث السَّمَاء، وتتفجر من بنانه ينابيع المَاء صَاحب الْكَوْثَر والحوض الرّواء، فَلَمَّا آن ظُهُوره أذن الله لسقيا أَبِيه أَن تظهر وَلما اندفن من مَائِهَا أَن يجْهر، فَكَانَ ﷺ قد سقت النَّاس بركته قبل أَن يُولد وَسقوا بدعوته وَهُوَ طِفْل حِين أجدب بهم الْبَلَد، وَذَلِكَ حِين خرج بِهِ جده مستسقياً لقريش، وسقيت الخليقة غيوث السَّمَاء فِي حَيَاته الفينة بعد الفينة والمرة بعد الْمرة، تَارَة بدعائه وَتارَة ببنانه وَتارَة بإلقاء سَهْمه، ثمَّ بعد مَوته ﷺ استشفع عمر بِعَمِّهِ إِلَى الله تَعَالَى إِلَى عَام الرَّمَادَة وَأقسم عَلَيْهِ بِهِ وبنبيه، فَلم يبرح حَتَّى قلصوا

стр. 116

المأزر واعتلقوا الْحذاء وخلصوا الغدران، وَسمعت الرفاق الْمُقبلَة إِلَى الْمَدِينَة فِي ذَلِك الْيَوْم صائحاً يَصِيح فِي السَّحَاب: أَتَاك الْغَوْث أَبَا حَفْص أَتَاك الْغَوْث أَبَا حَفْص، كل ذَلِك ببركة المبتعث بالرحمتين الدَّاعِي إِلَى الحياتين الْمَوْعُود بهما على يَدَيْهِ فِي الدَّاريْنِ. انْتهى كَلَام السُّهيْلي. وَقَالَ فِي تفجير زَمْزَم جِبْرِيل بالعقب دون أَن يفجرها بِالْيَدِ أَو غَيرهَا: إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا لعقبه وراثة وَهُوَ مُحَمَّد وَأمته كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبه ". أَي: فِي أمة مُحَمَّد. انْتهى. فصل: مَا جَاءَ فِي حفر عبد الْمطلب بن هَاشم زَمْزَم عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: أول مَا ذكر من أَمر عبد الْمطلب بن هَاشم جد رَسُول الله ﷺ أَن قُريْشًا خرجت فارة من أَصْحَاب الْفِيل وَهُوَ غُلَام شَاب، فَقَالَ: وَالله لَا أخرج من حرم الله أَبْتَغِي الْعِزّ فِي غَيره فَجَلَسَ عِنْد الْبَيْت، وأجلت عَنهُ قُرَيْش فَلم يزل ثَابتا فِي الْحرم حَتَّى أهلك الله الْفِيل وَأَصْحَابه، وَرجعت قُرَيْش وَقد عظم فِيهَا بصبره وتعظيمه محارم الله تَعَالَى، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي ذَلِك وَقد ولد لَهُ أكبر بنيه وَهُوَ الْحَارِث بن عبد الْمطلب فَأدْرك، فَأتى عبد الْمطلب فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَم خبئة الشَّيْخ الْأَعْظَم فَاسْتَيْقَظَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَين لي. فَأتي فِي الْمَنَام مرّة أُخْرَى فَقيل لَهُ: لحفرتكم بَين الفرث وَالدَّم فِي مَبْحَث الْغُرَاب فِي قَرْيَة النَّمْل مُسْتَقْبلَة الأنصاب الْحمر. فَقَامَ عبد الْمطلب فَمشى حَتَّى جلس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ينْتَظر مَا سمي لَهُ من الْآيَات، فنحرت بقرة بالحزورة، فجزرت تِلْكَ الْبَقَرَة فِي مَكَانهَا حَتَّى احْتمل لَحمهَا، فَأقبل غراب يهوي حَتَّى وَقع فِي الفرث فبحث عِنْد قَرْيَة النَّمْل، فَقَامَ عبد الْمطلب فحفر هُنَالك فَجَاءَتْهُ قُرَيْش فَقَالَت لعبد الْمطلب: مَا هَذَا الصنع؟ إِنَّا لم نَكُنْ نريك بِالْجَهْلِ لم تحفر فِي مَسْجِدنَا؟ فَقَالَ عبد الْمطلب: إِنِّي لحافر هَذِه الْبِئْر وَمُجاهد من صدني عَنْهَا. فَطَفِقَ هُوَ وَابْنه الْحَارِث يحفران وَلَيْسَ لَهُ ولد يَوْمئِذٍ غَيره، فسفه عَلَيْهِمَا نَاس من قُرَيْش فنازعوهما وقاتلوهما، وتناهى عَنهُ

стр. 117

نَاس من قُرَيْش لما يعلمُونَ من علو نسبه وَصدقه واجتهاده فِي دينهم، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَذَى نذر إِن وفى لَهُ عشرَة من الْوَلَد أَن ينْحَر أحدهم، ثمَّ حفر حَتَّى أدْرك سيوفاً دفنت فِي زَمْزَم حِين دفنت، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش أَنه قد أدْرك السيوف قَالُوا: يَا عبد الْمطلب أجزنا مِمَّا وجدت. فَقَالَ عبد الْمطلب: هَذِه السيوف لبيت الله الْحَرَام. فحفر ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى انبط المَاء فِي الْقَرار ثمَّ بحرها حَتَّى لَا ينزف ثمَّ بنى عَلَيْهَا حوضاً، فَطَفِقَ هُوَ وَابْنه ينزعان فيملآن ذَلِك الْحَوْض فيشرب مِنْهُ الْحَاج، فيكسره نَاس من حسدة قُرَيْش بِاللَّيْلِ فَيُصْلِحهُ عبد الْمطلب حِين يصبح، فَلَمَّا أَكْثرُوا فَسَاده دَعَا عبد الْمطلب ربه فأري فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ: قل اللَّهُمَّ لَا أحلهَا لمغتسل، وَلَكِن هِيَ للشارب حل وبل ثمَّ كفيتهم، فَقَامَ عبد الْمطلب، فَنَادَى بِالَّذِي أرِي ثمَّ انْصَرف، فَلم يكن يفْسد حَوْضه ذَلِك عَلَيْهِ أحد من قُرَيْش إِلَّا رمي فِي جسده بداء حَتَّى تركُوا حَوْضه، ثمَّ تزوج عبد الْمطلب النِّسَاء فَولدت لَهُ عشرَة رَهْط، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي كنت نذرت لَك نحر أحدهم، وَإِنِّي أَقرع بَينهم فأصب بذلك من شِئْت فأقرع بَينهم فطارت الْقرعَة على عبد الله بن عبد الْمطلب وَكَانَ أحب وَلَده إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ عبد الله أحب إِلَيْك أم مائَة من الْإِبِل، ثمَّ أَقرع بَينه وَبَين الْمِائَة الْإِبِل فَكَانَت الْقرعَة على الْمِائَة من الْإِبِل فنحرها عبد الْمطلب. وَعَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: قَالَ عبد الْمطلب: إِنِّي لنائم فِي الْحجر أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: احْفِرْ طيبَة. قَالَ: قلت: وَمَا طيبَة؟ قَالَ: ثمَّ ذهب عني فَرَجَعت إِلَى مضجعي فَنمت فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ برة. قَالَ: قلت: وَمَا برة؟ ثمَّ ذهب عني فَلَمَّا كَانَ من الْغَد رجعت إِلَى مضجعي فَنمت فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ زَمْزَم. قَالَ: قلت: وَمَا زَمْزَم؟ قَالَ: لَا تنزف وَلَا تذم تَسْقِي الحجيج الْأَعْظَم، وَهِي بَين الفرث وَالدَّم عِنْد نقرة الْغُرَاب الأعصم عِنْد قَرْيَة النَّمْل. قَالَ: فَلَمَّا أبان لَهُ شَأْنهَا وَدلّ على موضعهَا وَعرف أَنه قد صدق، غَدا بمعوله وَمَعَهُ ابْنه الْحَارِث بن عبد الْمطلب لَيْسَ لَهُ يَوْمئِذٍ غَيره، فحفر فَلَمَّا بدا لعبد الْمطلب الطي كبّر، فَعرفت قُرَيْش أَنه قد أدْرك حَاجته، فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا عبد الْمطلب إِنَّهَا بِئْر إِسْمَاعِيل وَإِن لنا فِيهَا حَقًا، فأشركنا مَعَك فِيهَا. فَقَالَ عبد الْمطلب: مَا أَنا بفاعل إِن هَذَا إِلَّا خصصت بِهِ دونكم وأعطيته من بَيْنكُم. قَالُوا: فأنصفنا فَإنَّا غير تاركيك حَتَّى نحاكمك. قَالَ: فاجعلوا بيني وَبَيْنكُم من شِئْتُم أحاكمكم إِلَيْهِ. قَالُوا: كاهنة بني سعد بن هذيم. قَالَ:

стр. 118

نعم، وَكَانَت بأشراف الشَّام فَركب عبد الْمطلب وَمَعَهُ نفر من بني عبد منَاف وَركب من كل قَبيلَة من قُرَيْش نفر، قَالَ: وَالْأَرْض إِذْ ذَاك مفاوز فَخَرجُوا حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض المفاوز بَين الْحجاز وَالشَّام فنى مَاء عبد الْمطلب وَأَصْحَابه فظمئوا حَتَّى أيقنوا بالهلكة، واستسقوا من مَعَهم من قبائل قُرَيْش فَأَبَوا عَلَيْهِم وَقَالُوا: إِنَّا فِي مفازة تخشى فِيهَا على أَنْفُسنَا مثل مَا أَصَابَكُم، فَلَمَّا رأى عبد الْمطلب مَا صنع الْقَوْم وَمَا يتخوف على نَفسه وَأَصْحَابه قَالَ: مَاذَا ترَوْنَ؟ قَالُوا: مَا رَأينَا إِلَّا تبع لرأيك فمرنا بِمَا شِئْت. قَالَ: فَإِنِّي أرى أَن يحْفر كل رجل مِنْكُم لنَفسِهِ لما بكم الْآن من الْقُوَّة، فَكلما مَاتَ رجل دَفعه أَصْحَابه فِي حفرته، ثمَّ واروه حَتَّى يكون آخِره رجلا فضيعة رجل وَاحِد أيسر من ضَيْعَة ركب جَمِيعًا. قَالُوا: نعم مَا أمرت بِهِ. فَقَامَ كل رجل مِنْهُم يحْفر حفرته ثمَّ قعدوا ينتظرون الْمَوْت عطشاً، ثمَّ إِن عبد الْمطلب قَالَ لأَصْحَابه: إِن إلقاءنا بِأَيْدِينَا هلك للْمَوْت لعجز أَلا نضرب فِي الأَرْض، فَعَسَى الله أَن يرزقنا مَاء بِبَعْض الْبِلَاد فارتحلوا، فارتحلوا حَتَّى إِذا فرغوا وَمن مَعَهم من قُرَيْش ينظرُونَ إِلَيْهِم وَمَا هم فاعلون، تقدم عبد الْمطلب إِلَى رَاحِلَته فركبها فَلَمَّا انبعثت انفجرت تَحت خفها عين مَاء عذب فَكبر عبد الْمطلب وكبّر أَصْحَابه، ثمَّ نزل فَشرب وَشَرِبُوا وأسقوا حَتَّى ملأوا أسقيتهم ثمَّ دعى الْقَبَائِل الَّتِي مَعَه من قُرَيْش، فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى المَاء فقد سقانا الله تَعَالَى فَاشْرَبُوا وأسقوا. فَشَرِبُوا وَسقوا فَقَالَت الْقَبَائِل الَّتِي نازعته: قد وَالله قضى الله تَعَالَى لَك علينا يَا عبد الْمطلب، وَالله لَا نخاصمك فِي زَمْزَم أبدا، الَّذِي سقاك هَذَا المَاء بِهَذِهِ الفلاة هُوَ الَّذِي سقاك زَمْزَم، فَارْجِع إِلَى سقايتك راشداً. فَرجع وَرَجَعُوا مَعَه وَلم يمضوا إِلَى الكاهنة وخلوا بَينه وَبَين زَمْزَم. ابه فِي حفرته، ثمَّ واروه حَتَّى يكون آخِره رجلا فضيعة رجل وَاحِد أيسر من ضَيْعَة ركب جَمِيعًا. قَالُوا: نعم مَا أمرت بِهِ. فَقَامَ كل رجل مِنْهُم يحْفر حفرته ثمَّ قعدوا ينتظرون الْمَوْت عطشاً، ثمَّ إِن عبد الْمطلب قَالَ لأَصْحَابه: إِن إلقاءنا بِأَيْدِينَا هلك للْمَوْت لعجز أَلا نضرب فِي الأَرْض، فَعَسَى الله أَن يرزقنا مَاء بِبَعْض الْبِلَاد فارتحلوا، فارتحلوا حَتَّى إِذا فرغوا وَمن مَعَهم من قُرَيْش ينظرُونَ إِلَيْهِم وَمَا هم فاعلون، تقدم عبد الْمطلب إِلَى رَاحِلَته فركبها فَلَمَّا انبعثت انفجرت تَحت خفها عين مَاء عذب فَكبر عبد الْمطلب وكبّر أَصْحَابه، ثمَّ نزل فَشرب وَشَرِبُوا وأسقوا حَتَّى ملأوا أسقيتهم ثمَّ دعى الْقَبَائِل الَّتِي مَعَه من قُرَيْش، فَقَالَ: هَلُمَّ إِلَى المَاء فقد سقانا الله تَعَالَى فَاشْرَبُوا وأسقوا. فَشَرِبُوا وَسقوا فَقَالَت الْقَبَائِل الَّتِي نازعته: قد وَالله قضى الله تَعَالَى لَك علينا يَا عبد الْمطلب، وَالله لَا نخاصمك فِي زَمْزَم أبدا، الَّذِي سقاك هَذَا المَاء بِهَذِهِ الفلاة هُوَ الَّذِي سقاك زَمْزَم، فَارْجِع إِلَى سقايتك راشداً. فَرجع وَرَجَعُوا مَعَه وَلم يمضوا إِلَى الكاهنة وخلوا بَينه وَبَين زَمْزَم. قَالَ ابْن إِسْحَاق: هَذَا الَّذِي بَلغنِي من حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب فِي زَمْزَم، وَقد سَمِعت من يحدث عَن عبد الْمطلب أَنه قيل لَهُ حِين أَمر بِحَفر زَمْزَم:

стр. 119

ادْع بِالْمَاءِ الروي غير الكدر ... لتسقي حجيج الله فِي كل مبر لَيْسَ يخَاف عَنهُ شَيْء مَا عمر فَخرج عبد الْمطلب حِين قيل لَهُ ذَلِك إِلَى قُرَيْش، فَقَالَ: اعلموا أَنِّي قد أمرت أَن أحفر زَمْزَم. قَالُوا: فَهَل بَين لَك أَيْن هِيَ؟ قَالَ: لَا. قَالُوا: فَارْجِع إِلَى مضجعك الَّذِي رَأَيْت فِيهِ مَا رَأَيْت، فَإِن يَك حَقًا من الله يبين لَك، وَإِن يكن من الشَّيْطَان فَلَنْ يعود إِلَيْك. فَرجع عبد الْمطلب إِلَى مضجعه فَنَامَ فِيهِ فَأتي، فَقيل لَهُ: احْفِرْ زَمْزَم إِنَّك إِن حفرتها لن تندم، وَهِي تراث من أَبِيك الْأَعْظَم، لَا تنزف أبدا وَلَا تذم، تَسْقِي الحجيج الْأَعْظَم مثل نعام جافل لم يقسم ينذر ناذر لمنعم، تكون مِيرَاثا وعقداً مُحكم، لَيست كبعض مَا قد تعلم، وَهِي بَين الفرث وَالدَّم. قَالَ ابْن هِشَام: هَذَا الْكَلَام وَالَّذِي قبله فِي حَدِيث عَليّ فِي حَدِيث حفر زَمْزَم عِنْد سجع وَلَيْسَ بِشعر. قَالَ ابْن إِسْحَاق: فزعموا أَنه حِين قيل لَهُ ذَلِك قَالَ: وَأَيْنَ هِيَ؟ قيل لَهُ: عِنْد قَرْيَة النَّمْل حَيْثُ ينقر الْغُرَاب غَدا. فغدا عبد الْمطلب وَمَعَهُ ابْنه الْحَارِث فَوجدَ قَرْيَة النَّمْل وَوجد الْغُرَاب ينقر عِنْدهَا بَين الوثنين إساف ونائلة اللَّذين كَانَت قُرَيْش تذبح عِنْدهمَا، فجَاء بِالْمِعْوَلِ فحفر فَلَمَّا تَمَادى بِهِ الْحفر، فَوجدَ فِيهَا غزالين من ذهب وهما الغزالان اللَّذَان دفنتهما جرهم فِيهَا حِين خرجت من مَكَّة، وَوجد فِيهَا اسيافاً قلعية وأدراعاً، فَقَالَت لَهُ قُرَيْش: يَا عبد الْمطلب فِي هَذَا شرك وَحقّ. قَالَ: لَا، وَلَكِن هلموا إِلَى أَمر ينصف بيني وَبَيْنكُم. فَضرب عَلَيْهَا بِالْقداحِ قَالُوا: وَكَيف نصْنَع؟ قَالَ:

стр. 120

أجعَل للكعبة قدحين ولي قدحين، وَلكم قدحين فَمن خرج قدحاه على شَيْء كَانَ لَهُ، وَمن تخلف قدحاه فَلَا شَيْء لَهُ. قَالُوا: أنصفت. فَجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد الْمطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثمَّ أعْطوا القداح الَّذِي يضْرب بهَا عِنْد هُبل، وَقَامَ عبد الْمطلب يَدْعُو الله وَضرب صَاحب القداح فَخرج الأصفران على الغزالين، وَخرج الأسودان على الأسياف والأدراع لعبد الْمطلب، وتخلف قدحا قُرَيْش، فَضرب عبد الْمطلب الأسياف بَابا للكعبة، وَضرب فِي الْبَاب الغزالين فَكَانَت أول حلية حليته الْكَعْبَة. قَالَ السُّهيْلي: دلّ على زَمْزَم بعلامات ثَلَاث: بنقرة الْغُرَاب الأعصم، وَأَنَّهَا بَين الفرث وَالدَّم، عِنْد قَرْيَة النَّمْل، ويروى أَنه لما قَامَ ليحفرها رأى مَا رسم لَهُ من قَرْيَة النَّمْل ونقرة الْغُرَاب وَلم ير الفرث وَالدَّم، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك ندّت بقرة لجازرها فَلم يُدْرِكهَا حَتَّى دخلت الْمَسْجِد الْحَرَام ونحرها فِي الْموضع الَّذِي رسم لعبد الْمطلب فَسَالَ هُنَاكَ الفرث وَالدَّم، فحفر عبد الْمطلب حَيْثُ رسم لَهُ، وَلم تخص هَذِه العلامات الثَّلَاث بِأَن تكون دَلِيلا عَلَيْهَا إِلَّا لحكمة إلهية، وَفَائِدَة مشاكلة فِي علم التَّعْبِير والتوسم الصَّادِق يَعْنِي زَمْزَم وماءها. أما الفرث وَالدَّم: فَإِن ماءها طَعَام طعم وشفاء سقم وَهِي لما شربت لَهُ، وَقد تقوّت من مَائِهَا أَبُو ذَر ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَيْلَة فسمن حَتَّى تكثرت عكنه، فَهِيَ إِذا كَمَا قَالَ ﷺ فِي اللَّبن: " إِذا شرب أحدكُم اللَّبن فَلْيقل: اللَّهُمَّ بَارك لنا فِيهِ وزدنا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْء يسد مسد الطَّعَام وَالشرَاب إِلَّا اللَّبن ". وَقَالَ تَعَالَى فِي اللَّبن: " من بَين فرث

стр. 121

وَدم لَبَنًا خَالِصا سائغاً للشاربين ". فظهرت هَذِه السقيا الْمُبَارَكَة بَين الفرث وَالدَّم وَكَانَت تِلْكَ من دلائلها المشاكلة لمعناها. وَأما قَوْله: الْغُرَاب الأعصم: قَالَ القتبي: الأعصم من الْغرْبَان الَّذِي فِي جناحيه بَيَاض. وَاعْترض على أبي عبيد لقَوْله فِي شرح الحَدِيث: الأعصم الَّذِي فِي يَدَيْهِ بَيَاض. وَقَالَ: كَيفَ يكون للغراب يدان؟ وَأجَاب عَنهُ السُّهيْلي وَقَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ أَبُو عبيد أَن هَذَا الْوَصْف لذوات الْأَرْبَع وَلذَلِك قَالَ: إِن هَذَا الْوَصْف فِي الْغرْبَان عَزِيز، وَكَأَنَّهُ ذهب إِلَى الَّذِي أَرَادَ ابْن قُتَيْبَة من بَيَاض الجناحين وَلَوْلَا ذَلِك لقَالَ: إِنَّه فِي الْغرْبَان محَال لَا يتَصَوَّر. قَالَ السُّهيْلي: وَفِي مُسْند ابْن أبي شيبَة من طَرِيق أبي أُمَامَة عَن النَّبِي ﷺ مَا يُغني عَن قَوْلهمَا وَفِيه الشِّفَاء، وَذَلِكَ أَنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " الْمَرْأَة الصَّالِحَة فِي النِّسَاء كالغراب الأعصم ". قيل: يَا رَسُول الله وَمَا الْغُرَاب الأعصم؟ قَالَ: الَّذِي إِحْدَى رجلَيْهِ بَيْضَاء ". قَالَ السُّهيْلي: فالغراب فِي التَّأْوِيل فَاسق وَهُوَ أسود، فدلت نقرته عِنْد الْكَعْبَة على نقرة الْأسود الحبشي بمعوله فِي أساس الْكَعْبَة يَهْدِمهَا فِي آخر الزَّمَان فَكَانَ نقر الْغُرَاب فِي ذَلِك الْمَكَان يُؤذن بِمَا يَفْعَله الْفَاسِق الْأسود فِي آخر الزَّمَان بقبلة الرَّحْمَن وسقيا أهل الْإِيمَان، وَذَلِكَ عِنْدَمَا يرفع الْقُرْآن وتحيا عبَادَة الْأَوْثَان، وَفِي الصَّحِيح: فِي صفة الَّذِي يخرب الْكَعْبَة أَنه أفحج. وَهَذَا ينظر إِلَى كَون الْغُرَاب أعصم إِذا تفحج تبَاعد فِي الرجلَيْن، كَمَا أَن العصم اخْتِلَاف فيهمَا وَالِاخْتِلَاف تبَاعد، وَقد عرف بِذِي السويقتين كَمَا نعت الْغُرَاب بِصفة فِي سَاقيه فَتَأَمّله، فَهَذَا من خَفِي علم التَّعْبِير؛ لِأَنَّهَا كَانَت رُؤْيا وَإِن شِئْت كَانَت من بَاب الزّجر والتوسم الصَّادِق وَالِاعْتِبَار والفكر فِي معالم حِكْمَة الله، فَهَذَا سعيد بن الْمسيب حِين حدث بِحَدِيث الْبِئْر فِي الْبُسْتَان، وَأَن رَسُول الله ﷺ قعد على قفها، ودلى رجلَيْهِ فِيهَا، ثمَّ جَاءَ أَبُو بكر فَفعل مثل ذَلِك، ثمَّ جَاءَ عمر فَفعل مثل ذَلِك ثمَّ جَاءَ عُثْمَان فانتبذ مِنْهُم نَاحيَة وَقعد حجرَة قَالَ سعيد بن الْمسيب: فأولت ذَلِك قُبُورهم اجْتمعت قُبُور الثَّلَاثَة وَانْفَرَدَ قبر عُثْمَان، وَالله تَعَالَى يَقُول: " إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين ". فَهَذَا من التوسم والفراسة الصادقة. وَأما قَرْيَة النَّمْل: فَفِيهَا من المشاكلة والمناسبة أَيْضا أَن زَمْزَم هِيَ عين مَكَّة الَّتِي

стр. 122

يردهَا الحجيج والعمار من كل جَانب فيحملون إِلَيْهَا الْبر وَالشعِير وَغير ذَلِك، وَهِي لَا تحرث وَلَا تزرع؛ لقَوْل إِبْرَاهِيم: " إِنِّي أسكنت من ذريتي بواد غير ذِي زرع ". إِلَى قَوْله: " وارزقهم من الثمرات ". وقرية النَّمْل كَذَلِك لِأَن النَّمْل لَا يحرث وَلَا يبذر وتجلب الْحُبُوب إِلَى قريتها من كل جَانب، وَفِي مَكَّة قَالَ تَعَالَى: " قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغداً من كل مَكَان ". مَعَ أَن لفظ قَرْيَة مَأْخُوذ من قَرَيْتُ المَاء فِي الْحَوْض إِذا جمعته. والرؤيا تعبر على اللَّفْظ تَارَة وعَلى الْمَعْنى أُخْرَى، فقد اجْتمع اللَّفْظ وَالْمعْنَى فِي هَذَا التَّأْوِيل، وَقيل: لعبد الْمطلب فِي صفة زَمْزَم: لَا تنزف أبدا وَلَا تذم. وَهَذَا برهَان عَظِيم لِأَنَّهَا لم تنزف من ذَلِك الْوَقْت إِلَى يَوْمنَا قطّ، وَقد وَقع فِيهَا حبشِي فَنُزِحَتْ من أَجله فوجدوا ماءها يثور من ثَلَاث أعين أقواها وأكثرها مَاء عين من نَاحيَة الْحجر الْأسود، روى هَذَا الحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ. وَقَوله: وَلَا تذم أَي لَا تعاب وَلَا تلفى مذمومة من قَوْلك: أذممته إِذا وجدته مذموماً. وَقيل: لَا يُوجد مَاؤُهَا قَلِيلا من قَوْلهم: بِئْر ذمَّة إِذا كَانَت قَليلَة المَاء. وَمِنْه حَدِيث الْبَراء فأتينا على بِئْر ذمَّة فنزلنا فِيهَا أَي قَليلَة المَاء كَذَا قَالَه ابْن الْأَثِير. وَضعف السُّهيْلي الْوَجْه الأول وَقَالَ: قَوْله: وَلَا تذم فِيهِ نظر وَلَيْسَ هُوَ على مَا يَبْدُو من ظَاهر اللَّفْظ من أَنَّهَا لَا يذمها أحد، فَلَو كَانَ من الذَّم لَكَانَ مَاؤُهَا أعذب الْمِيَاه ولتضلع مِنْهَا كل من يشربه، وَقد تقدم فِي الحَدِيث أَنه لَا يتضلع مِنْهَا الْمُنَافِق فماؤها إِذا مَذْمُوم عِنْدهم، وَقد كَانَ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي أَمِير الْعرَاق يذمها ويسميها أم جعلان، واحتفر بِئْرا خَارج مَكَّة باسم الْوَلِيد بن عبد الْملك، وَجعل يفضلها على زَمْزَم وَيحمل النَّاس على التَّبَرُّك بهَا دون زَمْزَم، جَرَاءَة مِنْهُ على الله تَعَالَى وَقلة حَيَاء مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يفصح ويعلن بلعن عَليّ ﵁ على الْمِنْبَر. قَالَ السُّهيْلي: وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا ليعلم أَنَّهَا قد ذمت قَالَ: فَقَوله إِذا: لَا تذم من قَوْلهم بِئْر ذمَّة أَي قَليلَة المَاء، فَهُوَ من أذممت الْبِئْر إِذا وَجدتهَا ذمَّة كَقَوْلِك: أكذبت الرجل إِذا وجدته كَاذِبًا، قَالَ تَعَالَى:

стр. 123

" فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك ". قَالَ: فَهَذَا أولى مَا حمل عَلَيْهِ معنى قَوْله: " لَا تذم. انْتهى كَلَام السُّهيْلي وَهَذَا لَفظه. وَقَوله: ادعوا بِالْمَاءِ الروي غير الكدر، يُقَال: مَاء روى بِالْقصرِ، ورواء بِالْفَتْح وَالْمدّ. وَقَوله: يسقى حجيج الله فِي كل مبر: هُوَ مفعل من الْبر يُرِيد فِي مَنَاسِك الْحَج ومواضع الطَّاعَة. وَقَوله: مثل نعام جافل لم يقسم: الجافل من جفلت الْغنم إِذا انقلعت بحملها، وَلم تقسم أَي لم تتوزع وَلم تتفرق. وَقَوله: لَيْسَ يخَاف مِنْهُ شَيْء مَا عمر: أَي مَا عمر هَذَا المَاء فَإِنَّهُ لَا يُؤْذِي وَلَا يخَاف مِنْهُ مَا يخَاف من الْمِيَاه إِذا أفرط فِي شربهَا بل هُوَ بركَة على كل حَال. قَالَ السُّهيْلي: فعلى هَذَا يجوز أَن يحمل قَوْله: لَا تنزف وَلَا تذم أَي لَا تذم عَاقِبَة شربهَا وَهَذَا تَأْوِيل سَائِغ أَيْضا إِلَى مَا قدمنَا من التَّأْوِيل وَكِلَاهُمَا صَحِيح فِي صفتهَا. انْتهى. وَكَانَ حفر عبد الْمطلب لَهَا قبل مولد النَّبِي ﷺ على مَا ذكره ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة عَن عَليّ، وَفِي تَارِيخ الْأَزْرَقِيّ أَن حفر عبد الْمطلب لزمزم كَانَ بعد قصَّة أَصْحَاب الْفِيل، فعلى هَذَا يكون حفر عبد الْمطلب لَهَا بعد مولد النَّبِي ﷺ وَالله أعلم. ويروى أَن أَبَا طَالب عَم النَّبِي ﷺ عالج زَمْزَم، وَكَانَ النَّبِي ﷺ ينْقل فِي علاجه الْحِجَارَة وَهُوَ غُلَام رَوَاهُ الْبَزَّار فِي مُسْنده بِإِسْنَاد ضَعِيف. فصل: ذكر علاج زَمْزَم فِي الْإِسْلَام قَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَ قد قل مَاؤُهَا جدا حَتَّى كَانَت تجم فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين

стр. 124

وَأَرْبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، فَضرب فِيهَا تسع أَذْرع سَحا فِي الأَرْض فِي تقوير جَانبهَا، ثمَّ جَاءَ الله بالأمطار والسيول فِي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ فَكثر مَاؤُهَا، وَكَانَ سَالم بن الْجراح قد ضرب فِيهَا فِي خلَافَة هَارُون الرشيد اذرعاً وَضرب فِيهَا فِي خلَافَة الْمهْدي، وَكَانَ عمر بن ماهان قد ضرب فِيهَا، وَكَانَ مَاؤُهَا قد قل حَتَّى كَانَ رجل يُقَال لَهُ: مُحَمَّد بن مشير من أهل الطَّائِف يعْمل فِيهَا فَقَالَ: أَنا صليت فِي قعرها. انْتهى كَلَامه. وَأما الْعُيُون الَّتِي فِي قعرها فَثَلَاث كَمَا تقدم؛ عيح حذاء الرُّكْن الْأسود، وَعين حذاء الصَّفَا وَأبي قبيس، وَعين حذاء الْمَرْوَة. فصل: ذكر فضل زَمْزَم وخواصها قد تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي فضائلها مِنْهَا: أَن ماءها لما شرب لَهُ كَمَا ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَقد شربه جمَاعَة من الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ لمقاصد جليلة وحوائج جزيلة فنالوها، من ذَلِك أَن الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ شربه للْعلم فَكَانَ فِيهِ غَايَة وللرمي فَكَانَ يُصِيب الْعشْرَة من الْعشْرَة والتسعة من الْعشْرَة، وَمن ذَلِك مَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ التِّرْمِذِيّ عَن أَبِيه

стр. 125

قَالَ: دخلت الطّواف فِي لَيْلَة مظْلمَة فأخذني التبول فاشغلني فَجعلت اعتصر حَتَّى آذَانِي، وَخفت إِن خرجت من الْمَسْجِد أَن أَطَأ بعض تِلْكَ الأقذار وَذَلِكَ أَيَّام الْحَج، فَذكرت الحَدِيث وَهُوَ أَن لما شرب لَهُ فذخلت زَمْزَم فتضلعت مِنْهُ فَذهب عني إِلَى الصَّباح وَمن ذَلِك أَن رجلا شرب سويقاً فِيهِ إبرة وَهُوَ لَا يشْعر بهَا، فاعترضت فِي حلقه وَصَارَ لَا يقدر يطبق فَمه وَكَاد يَمُوت، فَأمره بعض النَّاس بِشرب مَاء زَمْزَم وَأَن يسْأَل الله تَعَالَى فِيهِ الشِّفَاء، فَشرب مِنْهُ شَيْئا بِجهْد وَجلسَ عِنْد اسطوانة من الْمَسْجِد الْحَرَام فغلبته عَيناهُ فَنَامَ وانتبه وَهُوَ لَا يحس من الإبرة شَيْئا وَلَيْسَ بِهِ بَأْس. هَذَا ملخص مَا ذكره الفاكهي فِي فَضَائِل مَكَّة. وَمن ذَلِك أَن أَحْمد بن عبد الله الشريفي الْفراش بِالْحرم الشريف الْمَكِّيّ شربه للشفاء من الْعَمى فشفى. وَلَا الْتِفَات إِلَى مَا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات وَأَن حَدِيث: " مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ ". مَوْضُوع بل قد صَحَّ من طرق لما قد ذَكرْنَاهُ فِي بَاب الْفَضَائِل، وَأما حَدِيث " الباذنجان لما أكل لَهُ ". فَهُوَ حَدِيث مَوْضُوع كَمَا ذكره ابْن قيم الجوزية. وَمن فضائله: أَنه لَا يتضلع مِنْهُ المُنَافِقُونَ. " وَأَن آيَة مَا بَيْننَا وَبينهمْ هُوَ التضلع ". وَمِنْهَا: أَن من شرب مِنْهُ حرم الله جسده على النَّار. وَمِنْهَا: أَن الله تَعَالَى يرفع الْمِيَاه العذبة قبل يَوْم الْقِيَامَة غير زَمْزَم وتغور الْمِيَاه غير زَمْزَم قَالَه الضَّحَّاك بن مُزَاحم. وَمِنْهَا: أَن النّظر إِلَيْهَا عبَادَة. وَمِنْهَا: أَنَّهَا طَعَام طعم وشفاء سقم، يُؤَيّدهُ قَضِيَّة

стр. 126

إِسْلَام أبي ذَر الثَّابِتَة فِي الصَّحِيح وَأَنه أَقَامَ شهرا بِمَكَّة لَا قوت لَهُ إِلَّا مَاء زَمْزَم فسمن حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَن بَطْنه، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَغْدُونَ بعيالهم فيشربون مِنْهَا فَيكون صَبُوحًا لَهُم وَكَانُوا يعدونها عوناً على الْعِيَال وَكَانَت تسمى شباعة. وَعَن عِكْرِمَة بن خَالِد قَالَ: بَيْنَمَا أَنا ذَات لَيْلَة فِي جَوف اللَّيْل عِنْد زَمْزَم إِذا بِنَفر يطوفون عَلَيْهِم ثِيَاب بيض لم أر بَيَاض ثِيَابهمْ لشَيْء قطّ، فَلَمَّا فرغوا صلوا قَرِيبا مني فَالْتَفت بَعضهم فَقَالَ لأَصْحَابه: اذْهَبُوا بِنَا نشرب من شرب الْأَبْرَار. قَالَ: فَقَامُوا فَدَخَلُوا زَمْزَم فَقلت: وَالله لَو دخلت على الْقَوْم فسألتهم، فَقُمْت فَدخلت فَإِذا لَيْسَ فِيهَا أحد من الْبشر. وَعَن رَبَاح مولى لآل الْأَخْنَس أَنه قَالَ: أعتقني أَهلِي فَدخلت من الْبَادِيَة إِلَى مَكَّة فَأَصَابَنِي فِيهَا جوع شَدِيد حَتَّى كنت أكوم الْحَصْبَاء ثمَّ أَضَع كَبِدِي عَلَيْهِ قَالَ: فَقُمْت ذَات لَيْلَة إِلَى زَمْزَم فنزعت فَشَرِبت لَبَنًا كَأَنَّهُ لبن غنم مستوحمة أنفاساً وَفِي رِوَايَة: مكثت ثَلَاثَة أَيَّام لَا أجد شَيْئا آكله فَأتيت زَمْزَم فبركت على ركبتي مَخَافَة أَن أسْقى وَأَنا قَائِم فيرفعني الدَّلْو من الْجهد فَجعلت أنزع قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى أخرجت الدَّلْو فَشَرِبت، فَإِذا أَنا بصريف اللَّبن بَين ثناياي، فَقلت: لعَلي ناعس فَضربت بِالْمَاءِ على وَجْهي وَانْطَلَقت وَأَنا أجد قُوَّة اللَّبن وشبعه. والصريف: اللَّبن سَاعَة يصرف عَن الضَّرع. وَعَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد أَن رَاعيا كَانَ يرْعَى وَكَانَ من الْعباد فَكَانَ إِذا ظمئ وجد فِيهَا لَبَنًا وَإِذا أَرَادَ أَن يتَوَضَّأ وجد فِيهَا مَاء. وَمِنْهَا: " أَن الِاطِّلَاع فِيهَا يحط الأوزار والخطايا ". رَوَاهُ الفاكهي عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا من رِوَايَة مَكْحُول وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: الطّهُور مِنْهَا يحبط الْخَطَايَا. وَمِنْهَا: أَنه خير مَاء على وَجه الأَرْض كَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الْمُتَقَدّم فِي الْفَضَائِل، كَيفَ

стр. 127

وَقد اخْتصَّ بِأَن غسل مِنْهُ بطن سيدنَا رَسُول الله ﷺ على مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيث الْمِعْرَاج بعد الْبعْثَة، وَفِي ذَلِك دَلِيل على فَضِيلَة مَاء زَمْزَم على غَيره من الْمِيَاه إِذْ غسل مِنْهُ هَذَا الْمحل الْجَلِيل فِي هَذَا الموطن الرفيع. قَالَ ابْن أبي جَمْرَة لقَائِل أَن يَقُول: لم لم يغسل بِمَاء الْجنَّة الَّذِي هُوَ أطيب وأبرك؟ وَالْجَوَاب: أَنه لَو غسل بِمَاء الْجنَّة دون استقراره بِالْأَرْضِ لم يبْق لأمته أثر بركته، فَلَمَّا غسل بِمَاء زَمْزَم وَهُوَ مِمَّا اسْتَقر من مَاء السَّمَاء بِالْأَرْضِ على مَا قَالَه ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: " وأنزلنا من السَّمَاء مَاء بِقدر فأسكناه فِي الأَرْض وَإِنَّا على ذهَاب بِهِ لقادرون ". فَقَالَ: كل مَا فِي الأَرْض إِنَّمَا هُوَ مِمَّا ينزل من السَّمَاء. وَقد جَاءَ فِي الْأَثر: أَن مَا من مطر ينزل إِلَّا وَفِيه مزاج من الْجنَّة أَو بعضه مَعَ زَوَائِد. فَوَائِد جمة؛ مِنْهَا: مَا ذَكرْنَاهُ من إبْقَاء الْبركَة للْأمة. وَمِنْهَا: أَنه خص مقره بِهَذِهِ الأَرْض الْمُبَارَكَة. وَمِنْهَا: أَنه خص بِهِ الأَصْل الْمُبَارك وَهُوَ إِسْمَاعِيل ﵇ وَمِنْهَا: أَنه خص بِمَا لم يخص بِهِ غَيره من الْمِيَاه بِأَن جعل فِيهِ لهاجر أم إِسْمَاعِيل ﵊ غذَاء، فَكَانَ يغنيها عَن الطَّعَام وَالشرَاب. وَمِنْهَا: أَن ظُهُوره كَانَ بِوَاسِطَة الْأمين جِبْرِيل ﵇ فَكَانَ أصلا مُبَارَكًا فِي مقرّ مبارك بِوَاسِطَة فعل أَمِين مبارك، فاختص بِهِ هَذَا السَّيِّد الْمُبَارك فَكَانَ ذَلِك زِيَادَة لَهُ فِي التشريف والتعظيم، وَالله تَعَالَى يفضل من يَشَاء من مخلوقاته حَيَوَانا كَانَ أَو جماداً، فجَاء بالحكمة العجيبة فِي الْملَّة الجليلة مِلَّة إِبْرَاهِيم بالمقال، وَفِي المَاء ملك إِسْمَاعِيل بِلِسَان الْحَال. انْتهى كَلَامه. وَهل المُرَاد بالبطن الَّذِي غسل بزمزم الْبَطن نَفسه أَو مَا فِي الْبَطن وَهُوَ الْقلب؟ قَالَ ابْن أبي حَمْزَة: الظَّاهِر أَن المُرَاد الْقلب؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى ذكر الْقلب وَلم يذكر الْبَطن. وَقَالَ: وَيُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَن يُقَال: أخبر ﷺ مرّة بِغسْل الْبَطن وَلم يتَعَرَّض لذكر الْقلب، وَأخْبر مرّة بِغسْل الْقلب وَلم يتَعَرَّض لذكر الْبَطن، فَيكون الْغسْل قد حصل فيهمَا جَمِيعًا مَعًا مُبَالغَة فِي تنظيف الْمحل. انْتهى. وَكَانَ الشَّيْخ سراج الدّين البُلْقِينِيّ فِيمَا يحْكى عَنهُ يُفْتِي بِأَن مَاء زَمْزَم أفضل من مَاء الْكَوْثَر. وَيذكر أَن السُّلْطَان صَلَاح الدّين أَبَا المظفر يُوسُف بن أَيُّوب كَانَ إِذا عَاد من

стр. 128

الْغَزْو نفض ثِيَابه من غُبَار الْغَزْو على نطع وَأمر من يجمعه، وَأَن ذَلِك الْغُبَار عجن بِمَاء زَمْزَم وَجعل لبنة لَطِيفَة وَجعلت تَحت رَأسه فِي قَبره. وَمن خَواص مَاء زَمْزَم أَنَّهَا لم تنزف من ذَلِك الْوَقْت إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَلم يذم. وَمِنْهَا: أَنه يبرد الْحمى كَمَا روينَاهُ عَن النَّبِي ﷺ فِي بَاب الْفَضَائِل وَمِنْهَا: أَنه يذهب بالصداع كَمَا ذكره الضَّحَّاك بن مُزَاحم. وَمِنْهَا: أَنه يفضل مياه الأَرْض كلهَا طِبًّا وَشرعا كَمَا ذكره بدر الدّين الصاحب الْمصْرِيّ فِي تأليفه " نقل الْكِرَام وهديه دَار السَّلَام "، وَأنْشد لنَفسِهِ أبياتاً حَسَنَة فِي مدح مَاء زَمْزَم. وَمِنْهَا: أَن الِاطِّلَاع فِيهَا يجلو الْبَصَر كَمَا ذكره الطَّحَاوِيّ. وَمِنْهَا: أَن ماءها يحلو لَيْلَة النّصْف من شعْبَان ويطيب على مَا ذكره ابْن الْحَاج الْمَالِكِي فِي منسكه. قَالَ الضَّحَّاك بن مُزَاحم: بَلغنِي أَنه سَيَأْتِي عَلَيْهَا زمَان تكون أعذب من النّيل والفرات. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ وَقد رَأينَا ذَلِك فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنه أصَاب مَكَّة أمطار كَثِيرَة فَسَالَ واديها بأسيال عِظَام فِي سنة تسع وَسبعين، وَسنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فَكثر مَاء زَمْزَم وارتفع حَتَّى قَارب رَأسهَا، فَلم يكن بَينه وَبَين شفتها الْعليا إِلَّا سبع أَذْرع أَو نَحْوهَا، وَمَا رَأَيْتهَا قطّ كَذَلِك وَلَا سَمِعت من يذكر أَنه رَآهَا كَذَلِك، وعذبت جدا حَتَّى كَانَ مَاؤُهَا أعذب من مياه مَكَّة الَّتِي يشْربهَا أَهلهَا، وَكنت أَنا وَكثير من أهل مَكَّة نَخْتَار الشّرْب مِنْهَا لعزوبته وَإِنَّا رَأينَا أعزب من مياه الْعُيُون. وَمِنْهَا: أَنه يكثر فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فِي كل سنة بِحَيْثُ إِن الْبِئْر يغص بِالْمَاءِ على مَا قيل، لَكِن لَا يُشَاهد هَذَا إِلَّا الْأَوْلِيَاء، وَمِمَّنْ شَاهد ذَلِك الشَّيْخ الصَّالح أَبُو الْحسن على الْمَعْرُوف بكرباج على مَا نَقله بَعضهم عَن الشَّيْخ فَخر الدّين النوري عَنهُ. وَمِنْهَا: أَن من حثى على رَأسه ثَلَاث حثيات مِنْهَا لم تصبه ذلة أبدا على مَا وجد فِي كتاب

стр. 129

الرّوم كَمَا ذكره الفاكهي بِسَنَدِهِ عَن بعض مُلُوك الرّوم. وَمِنْهَا: أَن ماءها يعظم فِي الْمَوْسِم وَيكثر كَثْرَة خارقة لعادة الْآبَار كَمَا ذكره ابْن عَطِيَّة فِي التَّفْسِير. وَقد تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل وَفِي الْبَاب الْعَاشِر تَمام مَا يتَعَلَّق بزمزم من فضائلها وآداب شربهَا، وَثَبت أَن النَّبِي ﷺ عَام حجَّة الْوَدَاع جَاءَ زَمْزَم فَقَالَ: " ناولوني دلواً. فناولوه فَشرب مِنْهَا ثمَّ مضمض فمج فِي الدَّلْو ثمَّ أَمر بِمَا فِي الدَّلْو فأفرغ فِي الْبِئْر ". قَالَ مسعر: مجّ فِي الدَّلْو مسكاً أَو أطيب من الْمسك. فصل: ذكر ذرع بِئْر زَمْزَم قَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَ ذرع زَمْزَم من أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلهَا سِتِّينَ ذِرَاعا، ثمَّ قل مَاؤُهَا حَتَّى كَانَت تجم، فَضرب فِيهَا تسع أَذْرع سَحا فِي الأَرْض فِي تقوير جوانبها، قَالَ: فغورها من رَأسهَا إِلَى الْجَبَل أَرْبَعُونَ ذِرَاعا ذَلِك كُله بُنيان، وَمَا بَقِي فَهُوَ جبل منقور وَهُوَ تِسْعَة وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، قَالَ: وذرع حنك زَمْزَم فِي السَّمَاء ذراعان وشبر، وذرع تدوير فَم زَمْزَم أحد عشر ذِرَاعا، وسعة فَم زَمْزَم ثَلَاثَة أَذْرع وَثلثا ذِرَاع، وَأول من عمل الرخام على زَمْزَم وعَلى الشباك وفرش أرْضهَا بالرخام أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو جَعْفَر فِي خِلَافَته ثمَّ عَملهَا الْمهْدي فِي خِلَافَته ثمَّ غيرت فِي خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ المعتصم بِاللَّه سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَت مكشوفة قبل ذَلِك إِلَّا قبَّة صَغِيرَة على مَوضِع الْبِئْر. وَذكر الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخه صفة مَا كَانَت عَلَيْهِ زَمْزَم وحجرتها وحوضها قبل أَن تغير فِي خلَافَة المعتصم بِاللَّه مِمَّا كَانَ عمله الْمهْدي فِي خِلَافَته، ثمَّ ذكر مَا غير من عمل زَمْزَم فِي خلَافَة المعتصم بِاللَّه، وذرعها إِلَى أَن غيرت فِي خلَافَة الواثق بِاللَّه فِي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ فَمن أَرَادَ ذَلِك كُله فلينظره ثمَّة. وَمن الْحجر الْأسود إِلَى جِدَار الْحُجْرَة الَّتِي فِيهَا بِئْر زَمْزَم أحد وَثَلَاثُونَ ذِرَاعا بِذِرَاع القماش الْمُتَقَدّم ذكره، وَأما صفة الْحُجْرَة الَّتِي فِيهَا بِئْر زَمْزَم فِي زَمَاننَا هَذَا فَهُوَ بَيت مربع، سقف فِي جدرانه تِسْعَة أحواض للْمَاء تملأ من بِئْر زَمْزَم يتَوَضَّأ

стр. 130

النَّاس مِنْهَا، وَالْخلْوَة الَّتِي إِلَى جَانب هَذِه الْحُجْرَة مِمَّا يَلِي الْيمن عملت على مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْم فِي سنة سبع وَثَمَانمِائَة، وَكَانَت قبل ذَلِك على غير هَذِه الصّفة، وَإِنَّمَا بنيت على هَذَا الْوَضع الْآن؛ ليتوضأ النَّاس من الزبازيب الَّتِي عملت فِي أَسْفَلهَا. فصل: ذكر سِقَايَة الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁ هَذِه السِّقَايَة إِلَى الْآن حجرَة مربعة عَلَيْهَا قبَّة كَبِيرَة ساترة لجميعها، والقبة من آجر مَعْقُود بالنورة، وَفِي أَسْفَل جدرانها خلاء الْجنُوب شبابيك من حَدِيد تشرف على الْمَسْجِد الْحَرَام، فِي كل جِهَة شباكان، وَفِي جَانبهَا الشمالي من خَارِجهَا حوضان من رُخَام مفردين، وَبَاب السِّقَايَة بَينهمَا، وَفِي هَذِه الْحُجْرَة بركَة كَبِيرَة تملأ من بِئْر زَمْزَم يسْكب المَاء من الْبِئْر فِي خَشَبَة طَوِيلَة على صفة الْمِيزَاب مُتَّصِلَة بالجدار الشَّرْقِي فِي حجرَة زَمْزَم، وَيجْرِي المَاء مِنْهَا إِلَى الْجِدَار الْمَذْكُور ثمَّ إِلَى قناة تَحت الأَرْض حَتَّى تخرج فِي الْبركَة من فوارة فِي وَسطهَا، وَآخر وَقت عمرت فِيهِ هَذِه السِّقَايَة سنة سبع وَثَمَانمِائَة، وَسبب عمارتها فِي هَذِه السّنة سُقُوط الْقبَّة الَّتِي كَانَت على هَذِه السِّقَايَة وَكَانَت من عمل الْجواد، وَكَلَام الْأَزْرَقِيّ فِي أصل هَذِه السِّقَايَة مُخَالف مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآن، وَقد ذكر الْأَزْرَقِيّ ذرع مَا بَينهَا وَبَين الْحجر الْأسود وَغير ذَلِك من جَوَانِب الْمَسْجِد. فصل: ذكر حد الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَا يتَعَلَّق بِالنَّوْمِ وَالْوُضُوء فِيهِ وَأول من أدَار الصُّفُوف حول الْكَعْبَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: إِنَّا لنجد فِي كتاب الله تَعَالَى أَن حد الْمَسْجِد الْحَرَام من الْحَزْوَرَة إِلَى الْمَسْعَى. وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: أساس الْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي وَضعه إِبْرَاهِيم ﵊ من الْحَزْوَرَة إِلَى الْمَسْعَى إِلَى مخرج سيل أجياد. قَالَ: وَالْمهْدِي وضع الْمَسْجِد على الْمَسْعَى. وَعَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: الْمَسْجِد الْحَرَام الْحرم كُله. وَأول من أدَار الصُّفُوف حول الْكَعْبَة خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، وَكَانَ النَّاس يقومُونَ قيام شهر رَمَضَان فِي أَعلَى الْمَسْجِد الْحَرَام تركز حَرْبَة خلف الْمقَام

стр. 131

بِرَبْوَةٍ فَيصَلي الإِمَام خلف الحربة وَالنَّاس وَرَاءه، فَمن أَرَادَ صلى مَعَ الإِمَام وَمن أَرَادَ طَاف وَركع خلف الْمقَام، فَلَمَّا ولى خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي مَكَّة لعبد الْملك بن مَرْوَان وَحضر شهر رَمَضَان أَمر خَالِد الْقُرَّاء أَن يتقدموا فيصلوا خلف الْمقَام وأدار الصُّفُوف حول الْكَعْبَة، وَذَلِكَ أَن النَّاس ضَاقَ عَلَيْهِم أَعلَى الْمَسْجِد فأدارهم حول الْكَعْبَة فَقيل لَهُ: يقطع الطّواف لغير الْمَكْتُوبَة. قَالَ: فَأَنا آمُرهُم يطوفون بَين كل ترويحتين بِسبع. فَقيل لَهُ: إِنَّه يكون فِي مُؤخر الْكَعْبَة وجوانبها من لَا يعلم بِانْقِضَاء طواف الطَّائِف من مصل وَغَيره فيتهيأ للصَّلَاة. فَأمر عبيد الْكَعْبَة أَن يكبروا حول لكعبة يَقُولُونَ: الْحَمد لله وَالله أكبر فَإِذا بلغُوا الرُّكْن الْأسود فِي الطّواف السَّادِس سكتوا بَين الرُّكْنَيْنِ سكتة حَتَّى يتهيأ النَّاس مِمَّن فِي الْحجر وَمن جَوَانِب الْمَسْجِد من مصل أَو غَيره فيعرفون ذَلِك بِانْقِطَاع التَّكْبِير، وَيُصلي ويخفف الْمُصَلِّي صلَاته ثمَّ يعودون إِلَى التَّكْبِير حَتَّى يفرغوا من السَّبع، وَيقوم مسمع فينادي الصَّلَاة رحمكم الله. وَكَانَ عَطاء وَعَمْرو بن دِينَار ونظراؤهم من الْعلمَاء يرَوْنَ ذَلِك وَلَا ينكرونه. وَعَن ابْن جريج قَالَ: قلت لعطاء: إِذا قل النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أحب إِلَيْك أَن يصلوا خلف الْمقَام أَو يَكُونُوا صفا وَاحِدًا حول الْكَعْبَة؟ قَالَ: أَن يَكُونُوا صفا وَاحِدًا حول الْكَعْبَة. وتلا: " وَترى الْمَلَائِكَة حافين من حول الْعَرْش ". وَعنهُ قَالَ: قلت لعطاء: أتكره النّوم فِي الْمَسْجِد الْحَرَام؟ قَالَ: بل أحبه. وَعَن عَطاء أَنه كَانَ يتَوَضَّأ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام. روى ذَلِك كُله الْأَزْرَقِيّ. فصل: ذكر مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَسْجِد الْحَرَام وسعته وعمارته إِلَى أَن صَار على مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآن لما اسْتخْلف عمر بن الْخطاب وَكثر النَّاس، وسع الْمَسْجِد وَاشْترى دوراً وَاتخذ لِلْمَسْجِدِ جداراً قَصِيرا دون الْقَامَة وَكَانَت المصابيح تُوضَع عَلَيْهِ، ثمَّ اشْترى عُثْمَان فِي خِلَافَته دوراً وهدمها ووسعه بهَا وَبنى الْمَسْجِد والأروقة، ثمَّ زَاد فِيهِ ابْن الزبير زِيَادَة

стр. 132

كَبِيرَة ثمَّ عمره عبد الْملك بن مَرْوَان وَلم يزدْ فِيهِ لَكِن رفع جِدَاره وسقفه بالساج وعمره عمَارَة حَسَنَة، ثمَّ زَاد فِيهِ الْوَلِيد بن عبد الْملك وَحمل إِلَيْهِ أعمدة الرخام، ثمَّ زَاد فِيهِ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور، ثمَّ زَاد فِيهِ الْمهْدي بعده مرَّتَيْنِ الزِّيَادَة الأولى سنة سِتِّينَ وَمِائَة وَالثَّانيَِة سنة سبع وَسِتِّينَ إِلَى سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وفيهَا مَاتَ الْمهْدي، وَكَانَت الْكَعْبَة فِي جَانب فَأحب أَن تكون متوسطة فَاشْترى من النَّاس الدّور ووسطها وَاسْتقر الْحَال على ذَلِك إِلَى وقتنا هَذَا. فصل: ذكر عمل عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان ﵄ عَن ابْن جريج قَالَ: كَانَ الْمَسْجِد الْحَرَام لَيْسَ عَلَيْهِ جدران مُحِيطَة، إِنَّمَا كَانَت الدّور محدقة بِهِ من كل جَانب غير أَن بَين الدّور أبواباً يدْخل مِنْهَا النَّاس من كل نواحيه، فَضَاقَ على النَّاس فَاشْترى عمر بن الْخطاب ﵁ دوراً فَهَدمهَا وَهدم على قرب من الْمَسْجِد، وأبى بَعضهم أَن يَأْخُذ الثّمن وتمنع من البيع، فَوضعت أثمانها فِي خزانَة الْكَعْبَة حَتَّى أخذوها بعد، ثمَّ أحَاط عَلَيْهِ جداراً قَصِيرا، ثمَّ كثر النَّاس فِي زمَان عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فَوسعَ الْمَسْجِد فَاشْترى من قوم وأبى آخَرُونَ أَن يبيعوا فهدم عَلَيْهِم فصيحوا بِهِ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: إِنَّمَا جرأكم عليّ حلمي عَنْكُم فقد فعل بكم عمر هَذَا فَلم يَصح بِهِ أحد، فأحدثت على مِثَاله فصحتم بِي. ثمَّ أَمر بهم إِلَى الْحَبْس حَتَّى كَلمه فيهم عبد الله بن خَالِد بن أسيد. فصل: ذكر بُنيان ابْن الزبير وَعبد الْملك بن مَرْوَان قَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَ الْمَسْجِد الْحَرَام محاطاً بجدار قصير غير مسقف، إِنَّمَا يجلس النَّاس حول الْمَسْجِد بِالْغَدَاةِ والعشي يتبعُون الأفياء فَإِذا قلص الظل قَامَت الْمجَالِس، فَزَاد ابْن الزبير فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَاشْترى من النَّاس دوراً وأدخلها فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ قد انْتهى بِالْمَسْجِدِ إِلَى أَن أشرعه على الْوَادي مِمَّا يَلِي الصَّفَا والوادى يَوْمئِذٍ فِي مَوضِع الْمَسْجِد الْيَوْم،

стр. 133

ووسع الْمَسْجِد من جَمِيع نواحيه، وَكَانَت دَار الندوة يَوْمئِذٍ دَاخِلَة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وبابها فِي وسط الصحن، وَلم يزل بَاب دَار الندوة فِي مَوْضِعه حَتَّى زَاد أَبُو جَعْفَر فِي الْمَسْجِد فَأَخَّرَهُ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْم. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَسمعت من يذكر أَن ابْن الزبير كَانَ سقفه فَلَا أَدْرِي كُله أم بعضه، ثمَّ عمره عبد الْملك بن مَرْوَان وَلم يزدْ فِيهِ وَلكنه رفع جدرانه وسقفه بالساج وعمره عمَارَة حَسَنَة، كَمَا ذكرنَا، وَجعل فِي رُؤُوس الأساطين خمسين مِثْقَالا من ذهب فِي رَأس كل اسطوانة. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَذَلِكَ زمَان ابْن الزبير. فصل: ذكر عمل الْوَلِيد بن عبد الْملك عمر الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْمَسْجِد الْحَرَام وَكَانَ إِذا عمل الْمَسَاجِد زخرفها فنقض عمل عبد الْملك وَعمل عملا محكماً، وَهُوَ أول من نقل إِلَيْهِ الأساطين الرخام وسقفه بالساج المزخرف، وعَلى رُؤُوس الأساطين الذَّهَب على صَفَائِح الشّبَه من الصفر، وأزر الْمَسْجِد بالرخام من دَاخله وَجعل فِي وَجه الطيقان فِي أَعْلَاهُ الفسيفساء، وَهُوَ أول من عمله فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَجعل لِلْمَسْجِدِ شرافات، وَكَانَت هَذِه عمَارَة الْوَلِيد بن عبد الْملك. فصل: عمل أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي جَعْفَر الْمَنْصُور لم يعمر الْمَسْجِد الْحَرَام بعد الْوَلِيد بن عبد الْملك أحد من الْخُلَفَاء وَلم يزدْ فِيهِ شَيْئا حَتَّى كَانَ أَبُو جَعْفَر أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَزَاد فِي شقَّه الشَّامي الَّذِي فِيهِ دَار النَّخْلَة وَدَار الندوة فِي أَسْفَله، وَلم يزدْ عَلَيْهِ فِي أَعْلَاهُ وَلَا فِي شقَّه الَّذِي على الْوَادي، فَاشْترى من النَّاس دُورهمْ الملاصقة بِالْمَسْجِدِ من أَسْفَله حَتَّى وَضعه على منتهاه الْيَوْم.

стр. 134

فصل: ذكر زِيَادَة الْمهْدي الأولى حج الْمهْدي أَمِير الْمُؤمنِينَ سنة سِتِّينَ وَمِائَة فَجرد الْكَعْبَة مِمَّا كَانَ عَلَيْهَا من الثِّيَاب، وَأمر بعمارة الْمَسْجِد الْحَرَام وَأمر أَن يُزَاد فِي أَعْلَاهُ، وَاشْترى مَا كَانَ فِي ذَلِك الْموضع من الدّور وَأمر بأساطين الرخام فنقلت فِي السفن من الشَّام حَتَّى أنزلت بجدة ثمَّ جرت على الْعجل من جدة إِلَى مَكَّة وَجعلت أساطين، وَلما وَضعهَا حفر لَهَا أرباضاً على كل صف من الأساطين جداراً مُسْتَقِيمًا. فصل: ذكر زِيَادَة الْمهْدي الثَّانِيَة وَلما بنى الْمهْدي الْمَسْجِد الْحَرَام وَزَاد الزِّيَادَة الأولى اتَّسع أَعْلَاهُ وأسفله وَشقه الَّذِي يَلِي دَار الندوة، وضاق شقَّه الْيَمَانِيّ الَّذِي يَلِي الصَّفَا فَكَانَت الْكَعْبَة فِي شقّ الْمَسْجِد، وَذَلِكَ أَن الْوَادي كَانَ دَاخِلا لاصقاً بِالْمَسْجِدِ فِي بطن الْمَسْجِد الْيَوْم، وَكَانَت الدّور وبيوت من وَرَائه فِي مَوضِع الْوَادي الْيَوْم، وَإِنَّمَا كَانَ يسْلك من الْمَسْجِد إِلَى الصَّفَا فِي بطن الْوَادي ثمَّ يسْلك فِي زقاق ضيق حَتَّى يخرج إِلَى الصَّفَا من التفاف الْبيُوت فِيهَا بَين الْوَادي والصفا، وَكَانَ الْمَسْعَى فِي مَوضِع الْمَسْجِد الْحَرَام الْيَوْم، فَلَمَّا حج الْمهْدي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَرَأى الْكَعْبَة فِي شقّ الْمَسْجِد كره ذَلِك وَأحب أَن تكون متوسطة فِي الْمَسْجِد، فدعى المهندسين فشاورهم فِي ذَلِك فقدروا فِي ذَلِك فَإِذا هُوَ لَا يَسْتَوِي لَهُم من أجل الْوَادي والسيل وَقَالُوا: إِن وَادي مَكَّة لَهُ سيول جارفة وَهُوَ وَادي حدور، وَنحن نَخَاف إِن حولنا الْوَادي عَن مَكَانَهُ أَن لَا ينْصَرف لنا على مَا نُرِيد؛ لِأَن وَرَاءه من الدّور والمساكن مَا تكْثر فِيهِ المئونة وَلَعَلَّه أَن لَا يتم. فَقَالَ الْمهْدي: لَا بُد لي أَن أوسعه حَتَّى أَوسط الْكَعْبَة فِي الْمَسْجِد على كل حَال، وَلَو أنفقت فِيهِ مَا فِي بيُوت الْأَمْوَال وعظمت فِي ذَلِك نِيَّته واشتدت رغبته فقدروا ذَلِك وَهُوَ حَاضر، وَنصب الرماح على الدّور من أول مَوضِع الْوَادي إِلَى آخِره، ثمَّ ذرعه من فَوق الرماح حَتَّى عرفُوا مَا يدْخل فِي الْمَسْجِد من ذَلِك وَمَا يكون للوادي فِيهِ فَلَمَّا نصبوا الرماح على جنبتي الْوَادي على مَا يدْخل فِي الْمَسْجِد من ذَلِك وزنوه مرّة بعد مرّة وقرروا ذَلِك، ثمَّ خرج الْمهْدي إِلَى الْعرَاق وخلفوا الْأَمْوَال فاشتروا من النَّاس دُورهمْ وَأرْسل إِلَى الشَّام وَإِلَى مصر فنقلت أساطين الرخام فِي السفن حَتَّى أنزلت

стр. 135

بجدة ثمَّ نقلت على الْعجل من جدة إِلَى مَكَّة، وَوَضَعُوا أَيْديهم فهدموا الدّور، وبنوا الْمَسْجِد منحدراً حَتَّى دخل دَار أم هَانِئ بنت أبي طَالب وَكَانَ عِنْدهَا بِئْر جَاهِلِيَّة كَانَ قصي حفرهَا فَدخلت تِلْكَ الْبِئْر فِي الْمَسْجِد، فحفر الْمهْدي عوضا عَنْهَا الْبِئْر الَّتِي على بَاب البقالين الَّتِي فِي حدّ ركن الْمَسْجِد الْحَرَام الْيَوْم وتعرف هَذِه الْبِئْر الْيَوْم ببئر حزورة ثمَّ مضوا فِي نائه بأساطين الرخام وسقفه بالساج الْمَذْهَب المنقوش حَتَّى توفّي الْمهْدي سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَقد انْتهى إِلَى آخر مُنْتَهى أساطين الرخام من أَسْفَل الْمَسْجِد، فاستخلف مُوسَى أَمِير الْمُؤمنِينَ فبادروا الْيَوْم بإتمام الْمَسْجِد وأسرعوا فِي ذَلِك، وبنوا أساطينه بحجارة ثمَّ طليت بالجص وَعمل سقفه عملا دون عمل الْمهْدي فِي الإحكام وَالْحسن، فَهَذَا جَمِيع مَا عمر فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وأحدث فِيهِ إِلَى الْيَوْم. فصل: ذكر ذرع الْمَسْجِد الْحَرَام قَالَ الْأَزْرَقِيّ: ذرع الْمَسْجِد الْحَرَام مكسراً مائَة ألف ذِرَاع، وَعِشْرُونَ ألف ذِرَاع، وذرع الْمَسْجِد طولا من بَاب بنى جمح إِلَى بَاب بني هَاشم الَّذِي عِنْده الْعلم الْأَخْضَر مُقَابل دَار الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَرْبَعمِائَة ذِرَاع وَأَرْبَعَة أَذْرع، وَعرضه من بَاب دَار الندوة إِلَى الْجدر الَّذِي يَلِي الْوَادي عِنْد بَاب الصَّفَا ثَلَاثمِائَة ذِرَاع وَأَرْبَعمِائَة ذِرَاع. انْتهى كَلَامه. قَالَ عز الدّين بن جمَاعَة: ومساحة الْمَسْجِد الْحَرَام سِتَّة أفدنة وَنصف وَربع، والفدان عشرَة آلَاف ذِرَاع بِذِرَاع الْعَمَل الْمُسْتَعْمل فِي الْبُنيان بِمصْر وَهُوَ ثَلَاثَة أشبار تَقْرِيبًا. فصل: ذكر عدد أساطين الْمَسْجِد الْحَرَام الَّتِي بالرواقات غير الزيادتين وَغير الأساطين الَّتِي بِصَحْنِ الْمَسْجِد فِي الْمَسْجِد الْحَرَام الْآن غير الزيادتين وَغير أساطين المطاف الشريف أَرْبَعمِائَة اسطوانة وَتِسْعَة وَسِتُّونَ اسطوانة فِي جوانبه الْأَرْبَعَة، وعَلى أَبْوَاب الْمَسْجِد من دَاخله وخارجه سَبْعَة وَعِشْرُونَ اسطوانة، فَيصير الْجَمِيع أَرْبَعمِائَة اسطوانة وَسِتَّة

стр. 136

وَتِسْعين اسطوانة بِتَقْدِيم التَّاء على السِّين وَمَا ذَكرْنَاهُ يزِيد على مَا ذكره الْأَزْرَقِيّ فِي أساطين الْمَسْجِد الْحَرَام بِعشْرَة أساطين، وكل هَذِه الأساطين رُخَام مَا عدا مائَة اسطوانة وَتِسْعَة وَعشْرين اسطوانة فَإِنَّهَا حِجَارَة منحوتة غالبها، وَمِنْهَا ثَلَاثَة أساطين آجر مجصص، وَتقدم ذكر عدد الأساطين الَّتِي بِصَحْنِ الْمَسْجِد الْحَرَام، وَأما عدد أساطين زِيَادَة دَار الندوة فستة وَسِتُّونَ اسطوانة فِي جوانبها الْأَرْبَعَة وَكلهَا حِجَارَة منحوتة، وَأما عدد أساطين زِيَادَة بَاب إِبْرَاهِيم فسبعة وَعِشْرُونَ اسطوانة حِجَارَة منحوتة أَيْضا، وَأما عدد طاقات الْمَسْجِد الْحَرَام وَهِي الْعُقُود الَّتِي على الأساطين بجوانبه الْأَرْبَعَة غير الزيادتين فأربعمائة طاق وَأَرْبَعَة وَثَمَانُونَ طاقاً، وَهَذَا يُخَالف مَا ذكره الْأَزْرَقِيّ فِي عدد طاقات الْمَسْجِد الْحَرَام، وَكَلَامه يَقْتَضِي أَنَّهَا تزيد على مَا ذَكرْنَاهُ أَرْبَعَة عشر طاقاً، وَأما عدد طاقات زِيَادَة دَار الندوة فثمانية وَسِتُّونَ طاقاً، وَأما عدد طاقات زِيَادَة بَاب إِبْرَاهِيم فستة وَثَلَاثُونَ طاقاً، وَأما عدد شرافات الْمَسْجِد الْحَرَام الَّتِي تلِي بطن الْمَسْجِد فَهِيَ أَرْبَعمِائَة وَثَلَاثَة عشر شرافة، وَأما عدد قناديل الْمَسْجِد الْحَرَام الْآن الْمرتبَة فِيهِ غالياً فَثَلَاثَة وَتسْعُونَ قِنْدِيلًا بِتَقْدِيم التَّاء على السِّين وَيُزَاد فِي الْقَنَادِيل فِي شهر رَمَضَان خُصُوصا فِي الْعشْر الآخر مِنْهُ وَفِي الْمَوْسِم، وَعدد قناديل الْمَسْجِد الْحَرَام الْآن وسلاسله تنقص كثيرا عَمَّا ذكره الْأَزْرَقِيّ فِي قناديل الْمَسْجِد؛ لِأَنَّهُ ذكر أَن فِيهِ من الْقَنَادِيل أَرْبَعمِائَة قنديل وَخَمْسَة وَسِتِّينَ قِنْدِيلًا. انْتهى. فصل: ذكر عدد أَبْوَاب الْمَسْجِد وأسمائها وصفتها عدد أبوابه الْيَوْم تِسْعَة عشر بَابا بِتَقْدِيم التَّاء على السِّين تنفتح على ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ طاقاً الأول: بَاب بني شيبَة وَيُقَال لَهُ: بَاب السَّلَام. وَهُوَ بَاب بني عبد شمس بن عبد منَاف وبهم كَانَ يعرف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام عِنْد أهل مَكَّة فِيهِ ثَلَاث طاقات. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَهُوَ الَّذِي يدْخل مِنْهُ الْخُلَفَاء، قَالَ: وَفِي عتبَة هَذَا الْبَاب حِجَارَة طوال مفروش بهَا العتبة. قَالَ: سَأَلت جدي عَنْهَا فَقلت: أبلغك أَن هَذِه الْحِجَارَة الطوَال كَانَت أوثاناً فِي الْجَاهِلِيَّة تعبد؟ فَضَحِك. وَقَالَ: لَا، لعمري مَا كَانَت بأوثان مَا يَقُول هَذَا

стр. 137

إِلَّا من لَا علم لَهُ، إِنَّمَا هِيَ حِجَارَة كَانَت فضلت مِمَّا قلع القسرى لبركته الَّتِي يُقَال لَهَا بركَة البردي بِفَم الثقبة، وأصل ثبير كَانَت حول الْبركَة مطروحة حَتَّى نقلت حِين بنى الْمهْدي الْمَسْجِد فَوضعت حَيْثُ رَأَيْت. انْتهى. الثَّانِي: بَاب النَّبِي ﷺ وَيعرف الْيَوْم بِبَاب الْجَنَائِز، وَإِنَّمَا قيل لَهُ بَاب النَّبِي ﷺ ، لِأَنَّهُ كَانَ يخرج مِنْهُ إِلَى بَيت خَدِيجَة ﵂ وَفِيه طاقان. الثَّالِث: بَاب الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَعِنْده علم الْمَسْعَى من خَارج، وَفِيه ثَلَاث طاقات، وَسَماهُ صَاحب النِّهَايَة وَابْن الْحَاج فِي منسكه بَاب الْجَنَائِز، وَلَعَلَّه كَانَت الْجَنَائِز يصلى عَلَيْهَا فِيهِ، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا ذكر الفاكهي أَنه يُصَلِّي على الْجَنَائِز فِي بَاب بني شيبَة وَبَاب الْعَبَّاس وَبَاب الصَّفَا قَالَ: وَكَانَ النَّاس فِيمَا مضى يصلونَ على الرجل الْمَذْكُور فِي الْمَسْجِد الْحَرَام. انْتهى. وَأَرَادَ بالمذكور الْمَشْهُور الْمَعْرُوف. وَأما فِي زَمَاننَا هَذَا فيصلى على الْمَوْتَى جَمِيعهم دَاخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَبَعض عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة جاور بِمَكَّة المشرفة وَأوصى أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ عِنْد بَاب الْجَنَائِز خَارج الْمَسْجِد فصلى عَلَيْهِ فِيهِ، وَالْمَشْهُور من النَّاس الْيَوْم يصلى عَلَيْهِ عِنْد بَاب الْكَعْبَة الشَّرِيفَة، ويحكى أَنهم كَانُوا يصلونَ عِنْد بَاب الْكَعْبَة على الْأَشْرَاف وقريش، ورأيناهم فِي زَمَاننَا يصلونَ عِنْد بَاب الْكَعْبَة على غَيرهم من الْأَعْيَان، وَبَعض النَّاس نَازع فِي ذَلِك وَزعم أَنه لَا يُصَلِّي عِنْد بَاب الْكَعْبَة على غير الْأَشْرَاف وقريش وَأَنه لَا يخرج غَيرهم، وَإِن كَانَ من الْعلمَاء والأعيان من بَاب بني شيبَة، وَهَذَا شَيْء لم يرد بِهِ أثر. وَلَو قيل: بأولوية إِخْرَاج الْمَيِّت من بَاب الْجَنَائِز لَكَانَ لَهُ وَجه؛ لكَونه بَاب النَّبِي ﷺ وَطَرِيقه إِلَى بَاب زَوجته خَدِيجَة ﵂ وَأما مَا يَفْعَله الْأَشْرَاف فِي زَمَاننَا هَذَا من الطّواف بِالْمَيتِ حول الْكَعْبَة الشَّرِيفَة أسبوعا فبدعة شنيعة قبيحة، لم ينْقل عَن السّلف الصَّالح فعلهَا، وَيجب على ولي الْأَمر وَفقه الله تَعَالَى إِزَالَتهَا؛ لِأَنَّهُ يكره إِدْخَال الْمَيِّت الْمَسْجِد وَالصَّلَاة عَلَيْهِ فِيهِ، بل يُصَلِّي عَلَيْهِ خَارجه، فضلا عَن الطّواف بِهِ، وَأما الصَّلَاة على الْمَوْتَى عِنْد بَاب الْكَعْبَة فَكَلَام الفاكهي يَقْتَضِي أَن آدم ﵊ صلي عَلَيْهِ عِنْد بَاب الْكَعْبَة. انْتهى. وَمن لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْيَوْم عِنْد بَاب الْكَعْبَة يُصَلِّي عَلَيْهِ خلف مقَام إِبْرَاهِيم عِنْد مقَام الشَّافِعِي، والفقراء الطرحى يصلى عَلَيْهِم عِنْد بَاب الْحَزْوَرَة دَاخل الْمَسْجِد الْحَرَام أَمَام الرواق تجاه الرُّكْن

стр. 138

الْيَمَانِيّ، وَالظَّاهِر أَن ذَلِك لكَونه بِقرب الْموضع الَّذِي يغسلون فِيهِ وَكَونه أقرب إِلَى مَوضِع دفنهم. وَالله أعلم. الرَّابِع: بَاب عليّ وَفِيه ثَلَاث طاقات. وَهَذِه الْأَبْوَاب الْأَرْبَعَة فِي الشق الَّذِي يَلِي الْمَسْعَى وَهُوَ الشَّرْقِي. الْخَامِس: بَاب بني عائذة. وَيُقَال لَهُ الْيَوْم: بَاب بازان وَفِيه طاقان. السَّادِس: بَاب بني سُفْيَان بن عبد الْأسد. وَيُقَال لَهُ الْيَوْم: بَاب البغلة وَفِيه طاقان، وَسَماهُ صَاحب النِّهَايَة بَاب الحناطين. السَّابِع: بَاب الصَّفَا. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَكَانَ يُقَال لَهُ بَاب بني عدي بن كَعْب، كَانَت دور بني عدي مَا بَين الصَّفَا إِلَى الْمَسْجِد فتحولت بَنو عدي إِلَى دور بني سهم وَبَاعُوا رباعهم ومنازلهم هُنَاكَ. وَيُقَال لَهُ الْيَوْم: بَاب بني مَخْزُوم. انْتهى. وَفِيه خمس طاقات. الثَّامِن: بَاب أجياد الصَّغِير، وَفِيه طاقان. التَّاسِع: بَاب المجاهدية، وَفِيه طاقان. وَيُقَال لَهُ: بَاب الرَّحْمَة وَهُوَ من أَبْوَاب بني مَخْزُوم، وَكَذَا بَاب أجياد الصَّغِير كَمَا ذكره الْأَزْرَقِيّ عَنْهُمَا. الْعَاشِر: بَاب مدرسة الشريف عجلَان بن رميثة، وَفِيه طاقان. وَيُقَال لَهُ: بَاب بني تَمِيم. وَسَماهُ صَاحب النِّهَايَة: بَاب العلافين. الْحَادِي عشر: بَاب أم هَانِئ بنت أبي طَالب، وَفِيه طاقان. وَهَذَا الْبَاب مِمَّا يَلِي دور بني عبد شمس وَبني مَخْزُوم. وَيُقَال لهَذَا الْبَاب: بَاب الْمُلَاعنَة. وَيُقَال لَهُ: بَاب

стр. 139

الْفرج على مَا وجد بِخَط الأقشهري. وَسَماهُ صَاحب النِّهَايَة: بَاب أبي جهل. وَهَذِه الْأَبْوَاب السَّبْعَة فِي الشق الَّذِي يَلِي الْوَادي وَهُوَ الْجَانِب الْيَمَانِيّ. الثَّانِي عشر: بَاب الْحَزْوَرَة وَهُوَ الَّذِي تلِي المنارة الَّتِي تلِي أجياد الْكَبِير، وَعَامة مَكَّة يسمونه بَاب عزورة بِالْعينِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَفِيه طاقان. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَهُوَ يُقَال لَهُ: بَاب حَكِيم بن حزَام وَبني الزبير بن الْعَوام، وَالْغَالِب عَلَيْهِ بَاب الحزامية؛ لِأَنَّهُ يَلِي خطّ الْحزَامِي. الثَّالِث عشر: بَاب إِبْرَاهِيم، وَفِيه طاقان وَاحِد كَبِير. وَذكر أَبُو عبيد الْبكْرِيّ أَن إِبْرَاهِيم الْمَنْسُوب إِلَيْهِ هَذَا الْبَاب هُوَ خياط كَانَ عِنْده على مَا قيل. وَنسبه سعد الدّين الإسفرائيني فِي كتاب " زبدة الْأَعْمَال " فَقَالَ: إِبْرَاهِيم الْأَصْبَهَانِيّ. وَبَعْضهمْ نسبه إِلَى إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇. وَلَا وَجه لخصوصيته دون الْأَبْوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَالله أعلم. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَيُقَال لَهُ: بَاب الخياطين. الرَّابِع عشر: بَاب بني سهم وَيعرف الْيَوْم بِبَاب الْعمرَة، وَفِيه طاق وَاحِد. وَهَذِه الْأَبْوَاب الثَّلَاثَة فِي الْجَانِب الغربي مِمَّا يَلِي خلف الْكَعْبَة. الْخَامِس عشر: بَاب السدة. وَقَالَ صَاحب النِّهَايَة: بَاب سدة الرهوط. انْتهى. وَيُقَال لَهُ: بَاب عَمْرو بن الْعَاصِ، وَفِيه طاقان وَاحِد صَغِير. السَّادِس عشر: بَاب دَار العجلة، وَفِيه طاق وَاحِد صَغِير. السَّابِع عشر: بَاب دَار الندوة، وَفِيه طاق وَاحِد. الثَّامِن عشر: بَاب زِيَادَة دَار الندوة. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَهُوَ بَاب دَار شيبَة بن عُثْمَان

стр. 140

يسْلك مِنْهُ إِلَى السويقة، وَفِيه طاقان. التَّاسِع عشر: بَاب الدريبة، وَفِيه طاق وَاحِد صَغِير. وَهَذِه الْأَبْوَاب الْخَمْسَة فِي الْجَانِب الشَّامي مِمَّا يَلِي الْحطيم فَهَذِهِ جملَة أَبْوَاب الْحرم الْآن، وأسماؤها وصفاتها. فصل: ذكر منارات الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَا وضع فِيهِ لمصْلحَة الْمَسْجِد الْحَرَام الْآن خمس منائر مِنْهَا أَرْبَعَة فِي أَرْكَانه، وَوَاحِدَة فِي زِيَادَة دَار الندوة. وَقَالَ ابْن جُبَير: إِنَّه كَانَ لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام سبع منائر عد مِنْهَا هَذِه الْخمس، ثمَّ قَالَ: وَأُخْرَى على بَاب الصَّفَا وَهِي أصغرها وَهِي علم لباب الصَّفَا وَلَيْسَ يصعد إِلَيْهَا لضيقها، قَالَ: وعَلى بَاب إِبْرَاهِيم صومعة. انْتهى. وَهَذِه الصومعة بَاقِيَة إِلَى الْآن لَكِن أَعْلَاهَا منهدم، وعمّر أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور من منائر الْمَسْجِد الْحَرَام مَنَارَة بَاب الْعمرَة، وعمّر ابْنه الْمهْدي المنارة الَّتِي على بَاب بني شيبَة وَالَّتِي على بَاب عليّ وَالَّتِي على بَاب الْحَزْوَرَة، وعمّر الْوَزير الْجواد مَنَارَة بَاب الْعمرَة فِي سنةإحدى وَخمسين وَخَمْسمِائة، وَيذكر أَنه عمر منائر الْمَسْجِد الْحَرَام، وعمرت مَنَارَة الْحَزْوَرَة فِي دولة الْملك الْأَشْرَف شعْبَان صَاحب مصر بعد سُقُوطهَا فِي سنة إِحْدَى وَسبعين، وَفرغ من عمارتها فِي الْمحرم سنة اثْنَيْنِ وَسبعين وَسَبْعمائة. وعمرت مَنَارَة بَاب بني شيبَة فِي دولة الْملك النَّاصِر فرج صَاحب مصر بعد سُقُوطهَا فِي سنة تسع وَثَمَانمِائَة وعمرت فِي سنة عشر وَفِي الَّتِي بعْدهَا، وَجَاءَت عمارتها حَسَنَة الْبناء. وَذكر الفاكهي منائر الْمَسْجِد الْحَرَام الْأَرْبَع الَّتِي بأركانه الْأَرْبَع وَبَدَأَ فِي ذكرهَا بمنارة بَاب بني سهم، قَالَ: وفيهَا يُؤذن صَاحب الْوَقْت بِمَكَّة، وثنى بمنارة بَاب الْحَزْوَرَة قَالَ: وفيهَا يسحر الْمُؤَذّن فِي شهر رَمَضَان، وَثلث بمنارة بَاب عليّ، وَختم بمنارة بني شيبَة. انْتهى. وَهِي الْآن مَنَارَة صَاحب الْوَقْت خلافًا لما ذكره الفاكهي،

стр. 141

وَفِي جَمِيع منائر الْمَسْجِد الْحَرَام الْخمس يسحر المؤذنون فِي شهر رَمَضَان الْآن، وَكَلَام الفاكهي كَمَا قدمْنَاهُ يَقْتَضِي أَن الْمُؤَذّن كَانَ يسحر فِي مَنَارَة بَاب الْحَزْوَرَة فَقَط، وَذكر أَيْضا أَنه كَانَ يُؤذن على مَنَارَة كَبِيرَة عمرت فِي رُؤُوس جبال مَكَّة وظاهرها، مِنْهَا فِي أبي قبيس أَربع منارات، وَمِنْهَا فِي الْجَبَل الْأَحْمَر الْمُقَابل لَهُ منارتان، وَمِنْهَا فِي العلق مَنَارَة. وَقد ذكر الفاكهي بأوضح من هَذَا. وَفِي أبي قبيس وَغَيره من الْجبَال الَّتِي ذَكرنَاهَا يسحر بعض النَّاس فِي شهر رَمَضَان وَيُؤذن، وَمِمَّا وضع فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَبني فِيهِ لمصلحته قبَّة كَبِيرَة بَين زَمْزَم وسقاية الْعَبَّاس ﵁ وعمرت فِي زمن النَّاصِر العباسي وَكَانَت مَوْجُودَة من قبل كَمَا ذكره ابْن عبد ربه فِي العقد. فصل: وَمن ذَلِك المنابر الَّتِي يخْطب عَلَيْهَا وَأول من خطب على مِنْبَر بِمَكَّة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵀ قدم بِهِ من الشَّام سنة حج فِي خِلَافَته، وَهُوَ مِنْبَر صَغِير على ثَلَاث دَرَجَات، وَكَانَت الْخُلَفَاء والولاة قبل ذَلِك يخطبون يَوْم الْجُمُعَة على أَرجُلهم قيَاما فِي وَجه الْكَعْبَة وَفِي الْحجر، وَكَانَ ذَلِك الْمِنْبَر الَّذِي جَاءَ بِهِ مُعَاوِيَة رُبمَا خرب فيعمر وَلَا يُزَاد فِيهِ، وَلم يزل يخْطب عَلَيْهِ حَتَّى حج هَارُون الرشيد فِي خِلَافَته، ومُوسَى بن عِيسَى عَامل لَهُ على مصر فأهذى لَهُ منبراً عَظِيما فِي تسع دَرَجَات مَنْقُوشًا فَكَانَ مِنْبَر مَكَّة، ثمَّ أَخذ مِنْبَر مَكَّة الْقَدِيم فَجعل بِعَرَفَة حَتَّى أَرَادَ الواثق بِاللَّه الْحجَج فَكتب، فَعمل لَهُ ثَلَاثَة مَنَابِر: مِنْبَر بِمَكَّة، ومنبر بمنى، ومنبر بِعَرَفَة. هَذَا مَا ذكره الْأَزْرَقِيّ من خبر المنابر. وَذكر الفاكهي ذَلِك وَزَاد: أَن الْمُنْتَصر بن المتَوَكل العباسي لما حج فِي خلَافَة أَبِيه جعل لَهُ مِنْبَر عَظِيم، فَخَطب عَلَيْهِ بِمَكَّة، ثمَّ خرج وَخَلفه بهَا. انْتهى. ثمَّ جعل بعد ذَلِك عدَّة مَنَابِر لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام؛ مِنْهَا: مِنْبَر عمله وَزِير المقتدر العباسي وَكَانَ منبراً عَظِيما استقام بِأَلف دِينَار وَلما وصل إِلَى مَكَّة أحرق؛ لِأَنَّهُ كَانَ بعث بِهِ ليخطب عَلَيْهِ للخليفة المقتدى فَمنع من ذَلِك المصريون، وخطبوا للمنتصر العبيدي صَاحب مصر وأحرقوا الْمِنْبَر الْمَذْكُور، وَمِنْهَا: مِنْبَر عمل فِي دولة الْملك الْأَشْرَف شعْبَان صَاحب مصر فِي سنة سِتّ وَسَبْعمائة، وَمِنْهَا مِنْبَر بعث بِهِ الْملك الظَّاهِر برقوق صَاحب مصر فِي سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَهُوَ بَاقٍ يخْطب عَلَيْهِ الخطباء

стр. 142

إِلَى الْآن، وَأصْلح بعد وُصُوله إِلَى مَكَّة غير مرّة. فصل: وَمن ذَلِك المقامات الَّتِي هِيَ الْآن بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام أما صفتهَا فَإِنَّهَا غير مقَام الْحَنَفِيّ إسطوانتان من حِجَارَة، عَلَيْهَا عقد يشرف من أَعْلَاهُ، وَفِيه خَشَبَة مُعْتَرضَة فِيهَا خطاطيف للقناديل، وَمَا بَين الاسطوانتين من مقَام الشَّافِعِي لَا بِنَاء فِيهِ، وَمَا بَينهمَا من مقَام الْمَالِكِي والحنبلي مبْنى بحجارة مبيضة بالنورة، وَفِي وسط هَذَا الْبناء محراب، وَكَانَ عمل هَذِه المقامات على هَذِه الصّفة فِي سنة سبع وَثَمَانمِائَة لتبقى زَمَانا طَويلا. وَأما صفة مقَام الْحَنَفِيّ الْآن: فأربع أساطين من حِجَارَة منحوتة عَلَيْهَا سقف مدهون مزخرف بِالذَّهَب واللازورد، وَأَعْلَى السّقف مِمَّا يَلِي السَّمَاء مدكوك بالآجر مَطْلِي بالنورة، وَبَين الاسطوانتين المتقدمتين بِنَاء فِيهِ محراب مرخم، وَكَانَ ابْتِدَاء عمله على هَذِه الصّفة فِي شَوَّال أَو فِي ذِي الْقعدَة من سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة، وَفرغ مِنْهُ فِي أَوَائِل سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانمِائَة. وَكَانَ بعض النَّاس أنكر عمله على هَذِه الصّفة، وَأفْتى بهدمه جمَاعَة مِمَّن عاصرناه من عُلَمَاء مصر، وَأفْتى بعض عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة بِجَوَاز بنائِهِ وإبقائه على حَاله وَعدم تَغْيِيره؛ لِأَن ذَلِك من بَاب التَّمْكِين لإِقَامَة الصَّلَاة وَفِيه مصلحَة عَظِيمَة لأهل الْمَسْجِد، يُؤَيّد ذَلِك مَا ذكره قَاضِي خَان فِي الدِّيات فِي فضل مَا يحدث فِي الْمَسْجِد أَن كل مُسلم مَنْدُوب إِلَى عمَارَة الْمَسْجِد، وَإِلَى مَا كَانَ من بَاب التَّمْكِين لإِقَامَة الصَّلَاة. انْتهى. قَالَ الشَّيْخ عز الدّين بن فَهد فِي حَاشِيَته على تَارِيخ الفاسي: رَأَيْت بِخَط وَالِدي مَا صورته: أفتى جمَاعَة من الْحَنَفِيَّة من أهل الْعلم بِجَوَاز بنائِهِ؛ لما فِيهِ من النَّفْع لعامة الْمُسلمين من الاستظلال من الشَّمْس والاستكفاف من الْبرد وَدفع الْمَطَر، وَأَن حكمه كالأروقة والأساطين الكائنة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام، وَقد أخرب سقف مقَام الْحَنَفِيَّة الْأَمِير سودون المحمدي فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وعمره أتقن مِمَّا كَانَ وَوضع عَلَيْهِ من أَعْلَاهُ قبَّة من خشب زوج مبيضة بالجص لَيْسَ لَهَا أثر من دَاخل سقف الْمقَام، وزاده فرشاً بحجارة حمر رخوة تعرف بحجارة المَاء، وَلم يكن هَذَا الْفرش فِيهِ وَلَا فِي غَيره من المقامات فِيمَا تقدم، وَهَذَا

стр. 143

الْفرش مستعل عَن الأَرْض وَله إِزَار مرتخ عَلَيْهِ من الْحِجَارَة الصلبة السود المنحوتة، تَدور على الْمقَام من الجوانب الثَّلَاثَة فَإِن الْجَانِب القبلي فِيهِ جدر الْمِحْرَاب، ثمَّ فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَثَمَانمِائَة كشط نَاظر الْمَسْجِد الْحَرَام الْأَمِير طوعان دهان سقف الْمقَام الْمَذْكُور وزخرفه أحسن من زخرفته الأولى. انْتهى. قَالَ الشَّيْخ الْمَذْكُور: وَالَّذِي أفتى بِجَوَاز بنائِهِ على هَذِه الصّفة قَاضِي مَكَّة الشهَاب ابْن الضياء هَكَذَا أَخْبرنِي وَالِدي ﵀. وَأما موَاضعهَا من الْمَسْجِد الْحَرَام: فَإِن مقَام الشَّافِعِي خلف مقَام إِبْرَاهِيم ﵇ والحنفي بَين الرُّكْن الشَّامي والغربي مِمَّا يَلِي الْحطيم، والمالكي بَين الرُّكْن الغربي واليماني، والحنبلي تجاه الْحجر الْأسود. وَأما كَيْفيَّة الصَّلَاة بِهَذِهِ المقامات فَإِنَّهُم يصلونَ مرَّتَيْنِ الشَّافِعِي ثمَّ الْحَنَفِيّ ثمَّ الْمَالِكِي ثمَّ الْحَنْبَلِيّ. وَكَلَام ابْن جُبَير يَقْتَضِي أَن الْمَالِكِي كَانَ يُصَلِّي قبل الْحَنَفِيّ، ثمَّ تقدم عَلَيْهِ الْحَنَفِيّ من بعد سنة تسعين وَسَبْعمائة، واضطرب كَلَام ابْن جُبَير فِي الْحَنَفِيّ والحنبلي؛ لِأَنَّهُ ذكر مَا يَقْتَضِي أَن كلا مِنْهُمَا يُصَلِّي قبل الآخر. وَهَذَا كُله فِي غير صَلَاة الْمغرب. أما فِيهَا فَإِنَّهُم يصلونها جَمِيعًا فِي وَقت وَاحِد ثمَّ بَطل ذَلِك فِي موسم سنة إِحْدَى عشرَة وَثَمَانمِائَة بِأَمْر الْملك النَّاصِر، وَصَارَ الشَّافِعِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمغرب وَحده، وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى أَن ورد أَمر الْملك الْمُؤَيد أبي النَّصْر شيخ صَاحب مصر بِأَن يُصَلِّي الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة الْمغرب، كَمَا كَانُوا يصلونَ قبل ذَلِك فَفَعَلُوا ذَلِك، وَأول وَقت فعل فِيهِ ذَلِك لَيْلَة السَّادِس من ذِي الْحجَّة سنة " سِتّ عشرَة " وَثَمَانمِائَة، وَكَذَلِكَ تَجْتَمِع الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة غير الشَّافِعِي على صَلَاة الْعشَاء فِي شهر رَمَضَان فِي وَقت وَاحِد، ويجتمع أَيْضا الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة المذكورون وَغَيرهم من الْأَئِمَّة الصغار والكبار بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فِي صَلَاة التَّرَاوِيح فِي حَاشِيَة المطاف وَغَيرهَا من الْمَسْجِد، وَتَعْلُو أصوات الْأَئِمَّة والمكبرين خَلفهم فيتشوش بذلك الطائفون والمصلون،

стр. 144

فَيحصل للمصلين خَلفهم لبس كَبِير بِسَبَب التباس أصوات المبلغين وَاخْتِلَاف حركات الْمُصَلِّين، وَمَعَ ذَلِك يكثر اللَّغط واللغو وَأَحَادِيث الدُّنْيَا من المستمعين غير الْمُصَلِّين، ويجتمعون بذلك أَمَام كل إِمَام حلقا حلقا وأفواجاً مستدبرين الْقبْلَة متوجهين إِلَى الإِمَام، ويختلط الرِّجَال بِالنسَاء متزينات متعطرات فَيَزْدَاد التشويش على الطائفين، وَقل من يحصل لَهُ حُضُور فِي طواف أَو غَيره مَعَ اجْتِمَاع مثل ذَلِك الْجمع الْعَظِيم، ويعظم ذَلِك فِي الْعشْر الآخر من رَمَضَان ليَالِي الْخَتْم فيجتمع فِيهَا الْجمع الْعَظِيم من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان، ويهرع إِلَيْهَا الْأَعْرَاب وَأهل الْبَوَادِي والأودية من قرى شَتَّى خُصُوصا لَيْلَة الْخَامِس وَالْعِشْرين وَالسَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان، وَبعد الْفَرَاغ من الْخَتْم يصعد صَغِير على مِنْبَر والجم الْغَفِير تَحْتَهُ، ويخطب ويعظهم بِصَوْت عَال، بِحَيْثُ يبلغ الطائفين ويشوش عَلَيْهِم وَيجْلس فِي الْخطْبَة جلسات، وَيقْرَأ الْقُرَّاء الجالسون تَحْتَهُ عقيب كل جلْسَة عشرا من الْقُرْآن بِأَصْوَات عالية وألحان متنوعة، وَيحصل فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الْفِتَن بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء، وكل هَذِه بدع شنيعة ومنكرات قبيحة وفْق الله ولي الْأَمر لإزالتها، وأثاب المتسبب فِي إطفاء رسومها. وَفِي صَلَاة التَّرَاوِيح خلف الصّبيان اخْتِلَاف، قَالَ مشائخ الْعرَاق وَبَعض مشائخ بَلخ: لَا تجوز. وَقَالَ غَيرهم: تجوز. وَعَن نصر بن يحيى أَنه سُئِلَ عَنْهَا قَالَ: تجوز إِذا كَانَ ابْن عشر سِنِين. وَقَالَ السَّرخسِيّ: الصَّحِيح أَنَّهَا لَا تجوز؛ لِأَنَّهُ غير مُخَاطب وَصلَاته لَيست بصحيحة على الْحَقِيقَة، فَلَا تجوز إِمَامَته كإمامة الْمَجْنُون، أما إِذا أمّ الصَّبِي الصّبيان فَإِنَّهُ يجوز؛ لِأَن صَلَاة الإِمَام مثل صَلَاة الْمُقْتَدِي. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: " فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع ". قَالَ الْعلمَاء: يسْتَحبّ أَن ينور الْبَيْت الَّذِي يقْرَأ فِيهِ الْقُرْآن بتعليق الْقَنَادِيل وَنصب الشموع وَيُزَاد فِي شهر رَمَضَان فِي أنوار الْمَسَاجِد. انْتهى. وَأما حكم صَلَاة الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة الْحَنَفِيّ والمالكي والحنبلي فِي المكتوبات على الصّفة الَّتِي ذَكرنَاهَا: فَاجْتمع أَصْحَابنَا على أَن الْمَسْجِد إِذا صلى فِيهِ جمَاعَة بعد جمَاعَة بِغَيْر أَذَان ثَان فَإِنَّهُ يُبَاح كَذَا ذكره شَارِح الْجمع؛ لِأَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَصْحَابنَا: الْمَسْجِد إِذا

стр. 145

كَانَ لَهُ إِمَام مَعْلُوم وَجَمَاعَة معلومون فِي محلّة خَاصَّة، فصلى فِيهِ أَهله جمَاعَة لَا يُبَاح تكْرَار الْجَمَاعَة فِيهِ بِأَذَان ثَان وَإِقَامَة ثَانِيَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: مُبَاح ذَلِك. قَالَ: وَالتَّقْيِيد بِالْمَسْجِدِ الْمُخْتَص بالمحلة احْتِرَاز من الشَّارِع، وَالْأَذَان الثَّانِي احْتِرَاز عَمَّا إِذا صلى فِي مَسْجِد الْمحلة جمَاعَة بِغَيْر أَذَان ثَان حَيْثُ يُبَاح إِجْمَاعًا. انْتهى. وَعَن أبي سعيد أَن رجلا دخل الْمَسْجِد وَقد صلى رَسُول الله ﷺ بِأَصْحَابِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " من يتَصَدَّق على هَذَا فَيصَلي مَعَه؟ " فَقَامَ رجل من الْقَوْم فصلى مَعَه. رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهُوَ قَول غير وَاحِد من أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم من التَّابِعين، وَقَالُوا: لَا بَأْس أَن يُصَلِّي الْقَوْم جمَاعَة فِي مَسْجِد قد صلى فِيهِ جمَاعَة وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق. وَأما وَقت حدوثهم فَلم يعرف تَحْقِيقه وَقد ذكر أَن الْحَنَفِيّ والمالكي كَانَا موجودين فِي عَام " سَبْعَة " وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة، وَأما الْحَنْبَلِيّ فَلم يكن مَوْجُودا فِيهَا، وَقد ذكر أَن الْحَنْبَلِيّ كَانَ مَوْجُودا فِي عشر الْأَرْبَعين وَخَمْسمِائة. وَلما حج مرجان خَادِم المقتفي العباسي قلع الْحطيم الَّذِي للحنابلة بِمَكَّة وأبطل إمامتهم بهَا على مَا ذكر سبط ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمرْآة وَذكر أَنه كَانَ يَقُول: قصدي أَن أقلع مَذْهَب الْحَنَابِلَة. فصل: ذكر درج الصَّفَا والمروة قَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَت الصَّفَا والمروة يسْتَند فيهمَا من سعى بَينهمَا، وَلم يكن بَينهمَا بِنَاء وَلَا درج حَتَّى كَانَ عبد الصَّمد بن عَليّ فِي خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فَبنى درجهما الَّتِي هِيَ الْيَوْم درجهما، فَكَانَ أول من أحدث بناءهما ثمَّ كحل بعد ذَلِك بالنورة فِي خلَافَة الْمَأْمُون.
следующие страницы →