Полный текст (329 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَفِي جَمِيع منائر الْمَسْجِد الْحَرَام الْخمس يسحر المؤذنون فِي شهر رَمَضَان الْآن، وَكَلَام الفاكهي كَمَا قدمْنَاهُ يَقْتَضِي أَن الْمُؤَذّن كَانَ يسحر فِي مَنَارَة بَاب الْحَزْوَرَة فَقَط، وَذكر أَيْضا أَنه كَانَ يُؤذن على مَنَارَة كَبِيرَة عمرت فِي رُؤُوس جبال مَكَّة وظاهرها، مِنْهَا فِي أبي قبيس أَربع منارات، وَمِنْهَا فِي الْجَبَل الْأَحْمَر الْمُقَابل لَهُ منارتان، وَمِنْهَا فِي العلق مَنَارَة. وَقد ذكر الفاكهي بأوضح من هَذَا. وَفِي أبي قبيس وَغَيره من الْجبَال الَّتِي ذَكرنَاهَا يسحر بعض النَّاس فِي شهر رَمَضَان وَيُؤذن، وَمِمَّا وضع فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَبني فِيهِ لمصلحته قبَّة كَبِيرَة بَين زَمْزَم وسقاية الْعَبَّاس ﵁ وعمرت فِي زمن النَّاصِر العباسي وَكَانَت مَوْجُودَة من قبل كَمَا ذكره ابْن عبد ربه فِي العقد.
فصل: وَمن ذَلِك المنابر الَّتِي يخْطب عَلَيْهَا
وَأول من خطب على مِنْبَر بِمَكَّة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ﵀ قدم بِهِ من الشَّام سنة حج فِي خِلَافَته، وَهُوَ مِنْبَر صَغِير على ثَلَاث دَرَجَات، وَكَانَت الْخُلَفَاء والولاة قبل ذَلِك يخطبون يَوْم الْجُمُعَة على أَرجُلهم قيَاما فِي وَجه الْكَعْبَة وَفِي الْحجر، وَكَانَ ذَلِك الْمِنْبَر الَّذِي جَاءَ بِهِ مُعَاوِيَة رُبمَا خرب فيعمر وَلَا يُزَاد فِيهِ، وَلم يزل يخْطب عَلَيْهِ حَتَّى حج هَارُون الرشيد فِي خِلَافَته، ومُوسَى بن عِيسَى عَامل لَهُ على مصر فأهذى لَهُ منبراً عَظِيما فِي تسع دَرَجَات مَنْقُوشًا فَكَانَ مِنْبَر مَكَّة، ثمَّ أَخذ مِنْبَر مَكَّة الْقَدِيم فَجعل بِعَرَفَة حَتَّى أَرَادَ الواثق بِاللَّه الْحجَج فَكتب، فَعمل لَهُ ثَلَاثَة مَنَابِر: مِنْبَر بِمَكَّة، ومنبر بمنى، ومنبر بِعَرَفَة. هَذَا مَا ذكره الْأَزْرَقِيّ من خبر المنابر. وَذكر الفاكهي ذَلِك وَزَاد: أَن الْمُنْتَصر بن المتَوَكل العباسي لما حج فِي خلَافَة أَبِيه جعل لَهُ مِنْبَر عَظِيم، فَخَطب عَلَيْهِ بِمَكَّة، ثمَّ خرج وَخَلفه بهَا. انْتهى. ثمَّ جعل بعد ذَلِك عدَّة مَنَابِر لِلْمَسْجِدِ الْحَرَام؛ مِنْهَا: مِنْبَر عمله وَزِير المقتدر العباسي وَكَانَ منبراً عَظِيما استقام بِأَلف دِينَار وَلما وصل إِلَى مَكَّة أحرق؛ لِأَنَّهُ كَانَ بعث بِهِ ليخطب عَلَيْهِ للخليفة المقتدى فَمنع من ذَلِك المصريون، وخطبوا للمنتصر العبيدي صَاحب مصر وأحرقوا الْمِنْبَر الْمَذْكُور، وَمِنْهَا: مِنْبَر عمل فِي دولة الْملك الْأَشْرَف شعْبَان صَاحب مصر فِي سنة سِتّ وَسَبْعمائة، وَمِنْهَا مِنْبَر بعث بِهِ الْملك الظَّاهِر برقوق صَاحب مصر فِي سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَهُوَ بَاقٍ يخْطب عَلَيْهِ الخطباء
стр. 142
إِلَى الْآن، وَأصْلح بعد وُصُوله إِلَى مَكَّة غير مرّة.
فصل: وَمن ذَلِك المقامات الَّتِي هِيَ الْآن بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام
أما صفتهَا فَإِنَّهَا غير مقَام الْحَنَفِيّ إسطوانتان من حِجَارَة، عَلَيْهَا عقد يشرف من أَعْلَاهُ، وَفِيه خَشَبَة مُعْتَرضَة فِيهَا خطاطيف للقناديل، وَمَا بَين الاسطوانتين من مقَام الشَّافِعِي لَا بِنَاء فِيهِ، وَمَا بَينهمَا من مقَام الْمَالِكِي والحنبلي مبْنى بحجارة مبيضة بالنورة، وَفِي وسط هَذَا الْبناء محراب، وَكَانَ عمل هَذِه المقامات على هَذِه الصّفة فِي سنة سبع وَثَمَانمِائَة لتبقى زَمَانا طَويلا. وَأما صفة مقَام الْحَنَفِيّ الْآن: فأربع أساطين من حِجَارَة منحوتة عَلَيْهَا سقف مدهون مزخرف بِالذَّهَب واللازورد، وَأَعْلَى السّقف مِمَّا يَلِي السَّمَاء مدكوك بالآجر مَطْلِي بالنورة، وَبَين الاسطوانتين المتقدمتين بِنَاء فِيهِ محراب مرخم، وَكَانَ ابْتِدَاء عمله على هَذِه الصّفة فِي شَوَّال أَو فِي ذِي الْقعدَة من سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة، وَفرغ مِنْهُ فِي أَوَائِل سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانمِائَة. وَكَانَ بعض النَّاس أنكر عمله على هَذِه الصّفة، وَأفْتى بهدمه جمَاعَة مِمَّن عاصرناه من عُلَمَاء مصر، وَأفْتى بعض عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة بِجَوَاز بنائِهِ وإبقائه على حَاله وَعدم تَغْيِيره؛ لِأَن ذَلِك من بَاب التَّمْكِين لإِقَامَة الصَّلَاة وَفِيه مصلحَة عَظِيمَة لأهل الْمَسْجِد، يُؤَيّد ذَلِك مَا ذكره قَاضِي خَان فِي الدِّيات فِي فضل مَا يحدث فِي الْمَسْجِد أَن كل مُسلم مَنْدُوب إِلَى عمَارَة الْمَسْجِد، وَإِلَى مَا كَانَ من بَاب التَّمْكِين لإِقَامَة الصَّلَاة. انْتهى. قَالَ الشَّيْخ عز الدّين بن فَهد فِي حَاشِيَته على تَارِيخ الفاسي: رَأَيْت بِخَط وَالِدي مَا صورته: أفتى جمَاعَة من الْحَنَفِيَّة من أهل الْعلم بِجَوَاز بنائِهِ؛ لما فِيهِ من النَّفْع لعامة الْمُسلمين من الاستظلال من الشَّمْس والاستكفاف من الْبرد وَدفع الْمَطَر، وَأَن حكمه كالأروقة والأساطين الكائنة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام، وَقد أخرب سقف مقَام الْحَنَفِيَّة الْأَمِير سودون المحمدي فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وعمره أتقن مِمَّا كَانَ وَوضع عَلَيْهِ من أَعْلَاهُ قبَّة من خشب زوج مبيضة بالجص لَيْسَ لَهَا أثر من دَاخل سقف الْمقَام، وزاده فرشاً بحجارة حمر رخوة تعرف بحجارة المَاء، وَلم يكن هَذَا الْفرش فِيهِ وَلَا فِي غَيره من المقامات فِيمَا تقدم، وَهَذَا
стр. 143
الْفرش مستعل عَن الأَرْض وَله إِزَار مرتخ عَلَيْهِ من الْحِجَارَة الصلبة السود المنحوتة، تَدور على الْمقَام من الجوانب الثَّلَاثَة فَإِن الْجَانِب القبلي فِيهِ جدر الْمِحْرَاب، ثمَّ فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَثَمَانمِائَة كشط نَاظر الْمَسْجِد الْحَرَام الْأَمِير طوعان دهان سقف الْمقَام الْمَذْكُور وزخرفه أحسن من زخرفته الأولى. انْتهى. قَالَ الشَّيْخ الْمَذْكُور: وَالَّذِي أفتى بِجَوَاز بنائِهِ على هَذِه الصّفة قَاضِي مَكَّة الشهَاب ابْن الضياء هَكَذَا أَخْبرنِي وَالِدي ﵀. وَأما موَاضعهَا من الْمَسْجِد الْحَرَام: فَإِن مقَام الشَّافِعِي خلف مقَام إِبْرَاهِيم ﵇ والحنفي بَين الرُّكْن الشَّامي والغربي مِمَّا يَلِي الْحطيم، والمالكي بَين الرُّكْن الغربي واليماني، والحنبلي تجاه الْحجر الْأسود. وَأما كَيْفيَّة الصَّلَاة بِهَذِهِ المقامات فَإِنَّهُم يصلونَ مرَّتَيْنِ الشَّافِعِي ثمَّ الْحَنَفِيّ ثمَّ الْمَالِكِي ثمَّ الْحَنْبَلِيّ. وَكَلَام ابْن جُبَير يَقْتَضِي أَن الْمَالِكِي كَانَ يُصَلِّي قبل الْحَنَفِيّ، ثمَّ تقدم عَلَيْهِ الْحَنَفِيّ من بعد سنة تسعين وَسَبْعمائة، واضطرب كَلَام ابْن جُبَير فِي الْحَنَفِيّ والحنبلي؛ لِأَنَّهُ ذكر مَا يَقْتَضِي أَن كلا مِنْهُمَا يُصَلِّي قبل الآخر. وَهَذَا كُله فِي غير صَلَاة الْمغرب. أما فِيهَا فَإِنَّهُم يصلونها جَمِيعًا فِي وَقت وَاحِد ثمَّ بَطل ذَلِك فِي موسم سنة إِحْدَى عشرَة وَثَمَانمِائَة بِأَمْر الْملك النَّاصِر، وَصَارَ الشَّافِعِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمغرب وَحده، وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى أَن ورد أَمر الْملك الْمُؤَيد أبي النَّصْر شيخ صَاحب مصر بِأَن يُصَلِّي الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة الْمغرب، كَمَا كَانُوا يصلونَ قبل ذَلِك فَفَعَلُوا ذَلِك، وَأول وَقت فعل فِيهِ ذَلِك لَيْلَة السَّادِس من ذِي الْحجَّة سنة " سِتّ عشرَة " وَثَمَانمِائَة، وَكَذَلِكَ تَجْتَمِع الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة غير الشَّافِعِي على صَلَاة الْعشَاء فِي شهر رَمَضَان فِي وَقت وَاحِد، ويجتمع أَيْضا الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة المذكورون وَغَيرهم من الْأَئِمَّة الصغار والكبار بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فِي صَلَاة التَّرَاوِيح فِي حَاشِيَة المطاف وَغَيرهَا من الْمَسْجِد، وَتَعْلُو أصوات الْأَئِمَّة والمكبرين خَلفهم فيتشوش بذلك الطائفون والمصلون،
стр. 144
فَيحصل للمصلين خَلفهم لبس كَبِير بِسَبَب التباس أصوات المبلغين وَاخْتِلَاف حركات الْمُصَلِّين، وَمَعَ ذَلِك يكثر اللَّغط واللغو وَأَحَادِيث الدُّنْيَا من المستمعين غير الْمُصَلِّين، ويجتمعون بذلك أَمَام كل إِمَام حلقا حلقا وأفواجاً مستدبرين الْقبْلَة متوجهين إِلَى الإِمَام، ويختلط الرِّجَال بِالنسَاء متزينات متعطرات فَيَزْدَاد التشويش على الطائفين، وَقل من يحصل لَهُ حُضُور فِي طواف أَو غَيره مَعَ اجْتِمَاع مثل ذَلِك الْجمع الْعَظِيم، ويعظم ذَلِك فِي الْعشْر الآخر من رَمَضَان ليَالِي الْخَتْم فيجتمع فِيهَا الْجمع الْعَظِيم من الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان، ويهرع إِلَيْهَا الْأَعْرَاب وَأهل الْبَوَادِي والأودية من قرى شَتَّى خُصُوصا لَيْلَة الْخَامِس وَالْعِشْرين وَالسَّابِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان، وَبعد الْفَرَاغ من الْخَتْم يصعد صَغِير على مِنْبَر والجم الْغَفِير تَحْتَهُ، ويخطب ويعظهم بِصَوْت عَال، بِحَيْثُ يبلغ الطائفين ويشوش عَلَيْهِم وَيجْلس فِي الْخطْبَة جلسات، وَيقْرَأ الْقُرَّاء الجالسون تَحْتَهُ عقيب كل جلْسَة عشرا من الْقُرْآن بِأَصْوَات عالية وألحان متنوعة، وَيحصل فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الْفِتَن بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء، وكل هَذِه بدع شنيعة ومنكرات قبيحة وفْق الله ولي الْأَمر لإزالتها، وأثاب المتسبب فِي إطفاء رسومها. وَفِي صَلَاة التَّرَاوِيح خلف الصّبيان اخْتِلَاف، قَالَ مشائخ الْعرَاق وَبَعض مشائخ بَلخ: لَا تجوز. وَقَالَ غَيرهم: تجوز. وَعَن نصر بن يحيى أَنه سُئِلَ عَنْهَا قَالَ: تجوز إِذا كَانَ ابْن عشر سِنِين. وَقَالَ السَّرخسِيّ: الصَّحِيح أَنَّهَا لَا تجوز؛ لِأَنَّهُ غير مُخَاطب وَصلَاته لَيست بصحيحة على الْحَقِيقَة، فَلَا تجوز إِمَامَته كإمامة الْمَجْنُون، أما إِذا أمّ الصَّبِي الصّبيان فَإِنَّهُ يجوز؛ لِأَن صَلَاة الإِمَام مثل صَلَاة الْمُقْتَدِي. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: " فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع ". قَالَ الْعلمَاء: يسْتَحبّ أَن ينور الْبَيْت الَّذِي يقْرَأ فِيهِ الْقُرْآن بتعليق الْقَنَادِيل وَنصب الشموع وَيُزَاد فِي شهر رَمَضَان فِي أنوار الْمَسَاجِد. انْتهى. وَأما حكم صَلَاة الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة الْحَنَفِيّ والمالكي والحنبلي فِي المكتوبات على الصّفة الَّتِي ذَكرنَاهَا: فَاجْتمع أَصْحَابنَا على أَن الْمَسْجِد إِذا صلى فِيهِ جمَاعَة بعد جمَاعَة بِغَيْر أَذَان ثَان فَإِنَّهُ يُبَاح كَذَا ذكره شَارِح الْجمع؛ لِأَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَصْحَابنَا: الْمَسْجِد إِذا
стр. 145
كَانَ لَهُ إِمَام مَعْلُوم وَجَمَاعَة معلومون فِي محلّة خَاصَّة، فصلى فِيهِ أَهله جمَاعَة لَا يُبَاح تكْرَار الْجَمَاعَة فِيهِ بِأَذَان ثَان وَإِقَامَة ثَانِيَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: مُبَاح ذَلِك. قَالَ: وَالتَّقْيِيد بِالْمَسْجِدِ الْمُخْتَص بالمحلة احْتِرَاز من الشَّارِع، وَالْأَذَان الثَّانِي احْتِرَاز عَمَّا إِذا صلى فِي مَسْجِد الْمحلة جمَاعَة بِغَيْر أَذَان ثَان حَيْثُ يُبَاح إِجْمَاعًا. انْتهى. وَعَن أبي سعيد أَن رجلا دخل الْمَسْجِد وَقد صلى رَسُول الله ﷺ بِأَصْحَابِهِ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " من يتَصَدَّق على هَذَا فَيصَلي مَعَه؟ " فَقَامَ رجل من الْقَوْم فصلى مَعَه. رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهُوَ قَول غير وَاحِد من أهل الْعلم من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَغَيرهم من التَّابِعين، وَقَالُوا: لَا بَأْس أَن يُصَلِّي الْقَوْم جمَاعَة فِي مَسْجِد قد صلى فِيهِ جمَاعَة وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق. وَأما وَقت حدوثهم فَلم يعرف تَحْقِيقه وَقد ذكر أَن الْحَنَفِيّ والمالكي كَانَا موجودين فِي عَام " سَبْعَة " وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة، وَأما الْحَنْبَلِيّ فَلم يكن مَوْجُودا فِيهَا، وَقد ذكر أَن الْحَنْبَلِيّ كَانَ مَوْجُودا فِي عشر الْأَرْبَعين وَخَمْسمِائة. وَلما حج مرجان خَادِم المقتفي العباسي قلع الْحطيم الَّذِي للحنابلة بِمَكَّة وأبطل إمامتهم بهَا على مَا ذكر سبط ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْمرْآة وَذكر أَنه كَانَ يَقُول: قصدي أَن أقلع مَذْهَب الْحَنَابِلَة.
فصل: ذكر درج الصَّفَا والمروة
قَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَت الصَّفَا والمروة يسْتَند فيهمَا من سعى بَينهمَا، وَلم يكن بَينهمَا بِنَاء وَلَا درج حَتَّى كَانَ عبد الصَّمد بن عَليّ فِي خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور فَبنى درجهما الَّتِي هِيَ الْيَوْم درجهما، فَكَانَ أول من أحدث بناءهما ثمَّ كحل بعد ذَلِك بالنورة فِي خلَافَة الْمَأْمُون.
стр. 146
فصل: ذكر آيَات الْبَيْت الْحَرَام زَاده الله تَشْرِيفًا وتعظيما
ً تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل ذكر أَشْيَاء من آيَات الْكَعْبَة الشَّرِيفَة مجملة وَنَذْكُر جملَة الْآيَات هُنَا مفصلة. فَنَقُول: من آياتها: الْحجر الْأسود وَمَا روى فِيهِ " أَنه من الْجنَّة "، وَمَا أشربت قُلُوب الْعَالم من تَعْظِيمه قبل الْإِسْلَام. وَمِنْهَا: بَقَاء بنائها الْمَوْجُود الْآن وَلَا يبْقى هَذِه الْمدَّة غَيرهَا من الْبُنيان على مَا يذكرهُ المهندسون، وَإِنَّمَا بَقَاؤُهَا آيَة من آيَات الله تَعَالَى وَهَذَا مَعْلُوم ضَرُورَة؛ لِأَن الرِّيَاح والأمطار إِذا تَوَاتَرَتْ على مَكَان خرب، والكعبة المعظمة مَا زَالَت الرِّيَاح الْعَاصِفَة والأمطار الْعَظِيمَة تتوالى عَلَيْهَا مُنْذُ بنيت إِلَى تَارِيخه وَذَلِكَ سَبْعمِائة سنة وَتِسْعَة وَأَرْبَعُونَ سنة، وَلم يحدث فِيهَا بِحَمْد الله تَعَالَى تغير فِي بنائها وَلَا خلل، وَغَايَة مَا حدث فِيهَا انكسار فلقَة من الرُّكْن الْيَمَانِيّ وتحرك الْبَيْت مرَارًا وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة، كَمَا ذكره أَبُو شامة فِي " الذيل " وَذكر ابْن الْأَثِير والمؤيد صَاحب حماه فِي أَخْبَار سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة: أَن الرُّكْن الْيَمَانِيّ تضعضع فِيهَا. وَذكر صَاحب " الْمرْآة " أَن فِي سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة شعب الْبَيْت الْحَرَام. وَذكر أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: أَن فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة انْكَسَرت من الرُّكْن الْيَمَانِيّ فلقَة قدر إِصْبَع. وَلَا تزَال الْكَعْبَة الشَّرِيفَة بَاقِيَة إِلَى أَن يَأْتِي أَمر الله وقضاؤه بتخريب الحبشي لَهَا فِي آخر الزَّمَان. وَمِنْهَا: على مَا قَالَه الجاحظ: إِنَّه لَا يرى الْبَيْت الْحَرَام أحد مِمَّن لم يكن رَآهُ إِلَّا ضحك أَو بَكَى. وَمِنْهَا: وَقع هيبتها فِي الْقُلُوب. وَمِنْهَا: كف الْجَبَابِرَة عَنْهَا مدى الدَّهْر. وَمِنْهَا: إذعان نفوس الْعَرَب وَغَيرهم قاطبة لتوقير هَذِه الْبقْعَة دون ناه وَلَا زاجر ذكره ابْن عَطِيَّة. وَمِنْهَا: كَونهَا بواد غير ذِي زرع، والأرزاق من كل قطر تجئ إِلَيْهَا عَن قرب وَعَن بعد. وَمِنْهَا: الأمنة الثَّابِتَة فِيهَا على قديم الدَّهْر، وَأَن الْعَرَب كَانَت يُغير بَعْضهَا على بعض وَيُتَخَطَّف النَّاس بِالْقَتْلِ وَأخذ الْأَمْوَال وأنواع الظُّلم إِلَّا فِي الْحرم، وابتنى على هَذَا أَمن الْحَيَوَان فِيهِ وسلامة الشّجر، وَذَلِكَ كُله للبركة الَّتِي خصها الله بهَا وللدعوة من الْخَلِيل ﵇ فِي قَوْله: " اجْعَل هَذَا بَلَدا آمنا ". وَالْعرب تَقول: آمن من حمام مَكَّة. تضرب الْمثل بهَا فِي الْأَمْن؛ لِأَنَّهَا لَا تهاج
стр. 147
وَلَا تضَاد. وَحكى النقاش عَن بعض الْعباد قَالَ: كنت أَطُوف حول الْكَعْبَة لَيْلًا فَقلت: يَا رب إِنَّك قلت: " وَمن دخله كَانَ آمنا ". فمما ذَا هُوَ آمن يَا رب؟ فَسمِعت ملكا يكلمني وَهُوَ يَقُول: من النَّار. فَنَظَرت وتأملت فَمَا كَانَ فِي الْمَكَان أحد. وَمِنْهَا: حجر الْمقَام وَذَلِكَ أَنه قَامَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم ﵇ وَقت رَفعه الْقَوَاعِد من الْبَيْت لما طَال الْبناء، فَكلما علا الْجِدَار ارْتَفع الْحجر بِهِ فِي الْهوى، فَمَا زَالَ يَبْنِي وَهُوَ قَائِم عَلَيْهِ وَإِسْمَاعِيل يناوله الْحِجَارَة والطين حَتَّى أكمل الْجِدَار، ثمَّ إِن الله تَعَالَى لما أَرَادَ إبْقَاء ذَلِك آيَة للْعَالمين لين الْحجر فغرقت فِيهِ قدما إِبْرَاهِيم ﵇ كَأَنَّهَا فِي طين، فَذَلِك الْأَثر الْعَظِيم بَاقٍ فِي الْحجر إِلَى الْيَوْم، وَقد نقلت كَافَّة الْعَرَب ذَلِك فِي الْجَاهِلِيَّة على مُرُور الْأَعْصَار كَذَا قَالَه ابْن عَطِيَّة. وَقَالَ أَبُو طَالب: وموطئ إِبْرَاهِيم فِي الصخر، " وَطئه " على قَدَمَيْهِ حافياً غير ناعل. وَمَا حفظ أَن أحدا من النَّاس نَازع فِي هَذَا القَوْل. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى: " فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم ": إِن فِي مقَام إِبْرَاهِيم آيَات كَثِيرَة وَهِي أثر قَدَمَيْهِ الشَّرِيفَة فِي الصَّخْرَة الصماء وإبداؤه دون سَائِر آيَات الْأَنْبِيَاء ﵈ وَحفظه مَعَ كَثْرَة أعدائه من الْمُشْركين أُلُوف سنة. انْتهى. وَمِنْهَا: أَن الْفرْقَة من الطير من الْحمام وَغَيره يقبل حَتَّى إِذا كَادَت أَن تبلغ الْكَعْبَة انفرقت فرْقَتَيْن، فَلم يعل ظهرهَا شَيْء مِنْهَا. ذكره الجاحظ وَأَبُو عبيد الْبكْرِيّ. وَذكر مكي أَن الطير لَا يعلوه وَإِن علاهُ طير فَإِنَّمَا ذَلِك لمَرض بِهِ فَهُوَ يستشفى بِالْبَيْتِ. انْتهى. وَأنْشد فِي ذَلِك: وَالطير لَا يَعْلُو على أَرْكَانهَا ... إِلَّا إِذا أضحى بهَا متألماً وَقَالَ ابْن عَطِيَّة: وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيف، وَالطير يعاين أَنَّهَا تعلوه، وَقد علاهُ الْعقَاب
стр. 148
الَّذِي أَخذ الْحَيَّة المشرفة على جِدَاره وَتلك كَانَت من آيَاته. انْتهى. قَالَ التوربشتي فِي " شرح المصابيح ": وَلَقَد شاهدت من كَرَامَة الْبَيْت الْمُبَارك أَيَّام مجاورتي بِمَكَّة أَن الطير كَانَ لَا يمر فَوْقه، وَكنت كثيرا أتدبر تحليق الطير فِي ذَلِك الجو، فأجدها مجتنبة عَن محاذاة الْبَيْت، وَرُبمَا انْقَضتْ من الجو حَتَّى تدانت فطافت بِهِ مرَارًا ثمَّ ارْتَفَعت، ثمَّ قَالَ: وَمن آيَات الله الْبَيِّنَة فِي كَرَامَة الْبَيْت أَن حمامات الْحرم إِذا نهضت للطيران طافت حوله مرَارًا من غير أَن تعلوه، فَإِذا وقفت عَن الطيران وَقعت على شرفات الْمَسْجِد أَو على بعض الأسطحة الَّتِي حول الْمَسْجِد، وَلَا تقع على ظهر الْبَيْت مَعَ خلوها عَمَّا ينفرها، وَقد كُنَّا نرى الْحَمَامَة إِذا مَرضت وتساقط ريشها وتناثر ترْتَفع من الأَرْض حَتَّى إِذا دنت من ظهر الْبَيْت أَلْقَت بِنَفسِهَا على الْمِيزَاب أَو على طرف ركن من الْأَركان فَتبقى بِهِ زَمَانا طَويلا حائمة كَهَيئَةِ المتخشع لَا حراك فِيهَا ثمَّ تَنْصَرِف مِنْهَا بعد حِين من غير أَن تعلو شَيْئا من سقف الْبَيْت. قَالَ بعض حجابه: قد تدبرتها كرة بعد أُخْرَى فَلم تخْتَلف فِيهِ كَمَا قَالَ سواهُ: كَانَت الطير مَمْنُوعَة عَن استعلاء الْبَيْت بالطبع، فَلَا غرو أَن يكون الْإِنْسَان مَمْنُوعًا عَنهُ بِالشَّرْعِ كَرَامَة للبيت. انْتهى كَلَامه. وَمِنْهَا: أَن مِفْتَاح الْكَعْبَة إِذا وضع فِي فَم الصَّغِير الَّذِي ثقل لِسَانه عَن الْكَلَام يتَكَلَّم سَرِيعا بقدرة الله تَعَالَى ذكر ذَلِك الفاكهي، وَذكر أَن المكيين يَفْعَلُونَهُ. انْتهى. وَهُوَ يفعل فِي عصرنا هَذَا. وَمِنْهَا: أَنه لايجئ سيل من الْجَبَل فَيدْخل الْحرم، وَإِنَّمَا يخرج من الْحرم إِلَى الْحل، وَإِذا انْتهى سيل الْحل إِلَى الْحرم وقف وَلم يدْخل فِيهِ، وَلَا يدْخل الْحرم إِلَّا سيل الْحرم. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَلَا يسيل وَاد من الْحل فِي الْحرم إِلَّا من مَوضِع وَاحِد عِنْد التَّنْعِيم عِنْد بيُوت غفار.
стр. 149
وَمن آيَات الْبَيْت وَالْحرم: ائتلاف الظباء وَالسِّبَاع فِيهِ حَتَّى أَن الظبي يجْتَمع مَعَ الْكَلْب فِي الْحرم فَإِذا خرجا مِنْهُ تنافراً. وَيتبع الْجَارِح للصَّيْد فِي الْحل فَإِذا دخل الْحرم تَركه ذكره الْقُرْطُبِيّ وَغَيره. وَقد تقدم فِي الْفَضَائِل أَن الْحيتَان الْكِبَار لم تَأْكُل الصغار زمن الطوفان فِي الْحرم تَعْظِيمًا لَهُ. وَمِنْهَا: فِيمَا ذكر النَّاس قَدِيما وحديثاً أَن الْمَطَر إِذا كَانَ نَاحيَة الرُّكْن الْيَمَانِيّ كَانَ الخصب بِالْيمن، وَإِذا كَانَ نَاحيَة الرُّكْن الشَّامي كَانَ الخصب بِالشَّام، وَإِذا هَبَط الْمَطَر من جوانبه الْأَرْبَع فِي الْعَام الْوَاحِد أخصبت آفَاق الأَرْض، وَإِن لم يصب جانباً مِنْهُ لم يخصب ذَلِك الْأُفق الَّذِي يَلِيهِ فِي ذَلِك الْعَام ذكر ذَلِك الْقُرْطُبِيّ وَابْن عَطِيَّة وَغَيرهمَا. وَمِنْهَا: تَعْجِيل الانتقام لمن عتى فِيهِ. من ذَلِك قصَّة الرجل الَّذِي كَانَ فِي الطّواف فبرز لَهُ ساعد امْرَأَة، فَوضع ساعده على ساعدها متلذذاً بِهِ فلصق ساعداهما، وقصة إساف لما فجر بنائلة فِي الْبَيْت فمسخا حجرين. وقصة الْمَرْأَة الَّتِي جَاءَت إِلَى الْبَيْت تعوذ بِهِ من ظَالِم فَمد يَده إِلَيْهَا فَصَارَ أشل. وقصة الرجل الَّذِي سَالَتْ عينه على خُذْهُ من نظره إِلَى شخص فِي الطّواف استحسنه. وَقد تقدم كل ذَلِك فِي الرَّقَائِق، وَمن أعظم ذَلِك أَمر تبع. وَمَا جرى لأَصْحَاب الْفِيل وَرمى طير الله عَنهُ بحجارة السجيل، وَذَلِكَ أَمر لم يخْتَلف كَافَّة الْعَرَب فِي نَقله وَصِحَّته إِلَى أَن أنزلهُ الله فِي كِتَابه. وَمِنْهَا: أَن الْكَعْبَة تفتح بِحَضْرَة الجم الْغَفِير من النَّاس، فيدخلها الْجَمِيع متزاحمين فيسعهم بقدرة الله تَعَالَى، وَلم يعلم أَن أحدا مَاتَ فِيهَا من الزحام إِلَّا سنة إِحْدَى
стр. 150
وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة مَاتَ فِيهَا أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ نَفرا. قَالَ ابْن النقاش: والكعبة تسع ألف إِنْسَان وَإِذا انْفَتح الْبَاب فِي أَيَّام الْمَوْسِم دَخلهَا آلَاف كَثِيرَة. انْتهى. فعلى هَذَا الْكَعْبَة تتسع كَمَا ورد أَن منى تتسع كاتساع الرَّحِم وَهِي إِحْدَى آياتها الْمُتَقَدّمَة فِي بَاب الْفَضَائِل. وَالثَّانيَِة: إمحاق حَصى الْجمار على كَثْرَة الرَّمْي وَطول الزَّمَان. وَالثَّالِثَة: امْتنَاع تخطي الطير الدّور المشرفة بمنى على الجدران وَغَيرهَا وَهِي محروسة بحراسة الْقَادِر المقتدر. وَالرَّابِعَة: امْتنَاع وُقُوع الذُّبَاب على الطَّعَام فِي أَيَّام منى " على كل الزبل " وَنَحْوه مِمَّا يجمع الذُّبَاب فيحوم عَلَيْهِ فِي السَّمَاء وَلَا يَقع فِيهِ وَقد تقدم ذَلِك كُله فِي الْفَضَائِل وَمِنْهَا: أَن المَاء لم يعلها زمن الطوفان وَلكنه أَقَامَ حولهَا. وَمِنْهَا: طواف سفينة نوح بِالْبَيْتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَمَا ذكر ابْن الْجَوْزِيّ، وأطاف بِالْبَيْتِ أسبوعاً كَمَا ذكر الْقُرْطُبِيّ. وَذكر الثَّعْلَبِيّ فِي " العرائس ": أَنَّهَا طافت بِالْحرم أسبوعاً كَمَا تقدم ذَلِك فِي الْفَضَائِل. وَمِنْهَا: أَن جبال مَكَّة متماثلة برؤوسها كالسجود للكعبة يرى هَذَا من يسير قَالَه ابْن النقاش. قَالَ: وفوقها جبال من ذهب وَفِضة وكنوز وجواهر وَرُبمَا يكْشف عَن بَعْضهَا. وَمِنْهَا: على مَا قَالَ ابْن النقاش أَيْضا: إِن الْكَعْبَة تزاد فِي طولهَا فِي أَوْقَات الصَّلَوَات وَنصف اللَّيْل وليالي الأعياد، وَيَوْم عَرَفَة يعْطى النَّاس نور، قَالَ: ويخيل للْوَاحِد إِذا كَانَ فَوْقهَا كَأَنَّهُ فَوق الْعَالم كُله وَأَنه قريب من السَّمَاء، قَالَ: وَتَحْت الْقَوَاعِد مجمرة من النُّور كشف عَنْهَا مرّة فسطع النُّور فِي الْحرم، قَالَ: وَتَحْت الْحرم مجوف، قَالَ: وَالطّيب بِمَكَّة أطيب مِنْهُ فِي سَائِر الْآفَاق، وظلال مَكَّة أطيب من سَائِر الظلال، والبركات فِيهَا أَعم وَأشيع وتجئ إِلَيْهَا ثَمَرَات كل شَيْء، قَالَ: والبدر لَيْلَة أَرْبَعَة عشر
стр. 151
لَيْسَ فِيهِ سَواد أحسن مَا يكون وَفِيه كِتَابَة ببياض، وَالشَّمْس يَوْم عَرَفَة من جدد النّظر إِلَيْهَا رأى لَهَا نورا آخر وفيهَا كِتَابَة بَيْضَاء. انْتهى كَلَامه. وَيذكر أَن الشَّمْس مَكْتُوب فِيهَا وَلَا يظْلمُونَ وَفِي الْقَمَر فتيلاً، أما مَا هُوَ مَكْتُوب فِي الْقَمَر فمشاهد محسوس لمن تَأمله. وَمِنْهَا على مَا ذكره ابْن عَطِيَّة: زَمْزَم فِي نبعها لهاجر بهمز جِبْرِيل ﵇ بعقبه، وَفِي حفر عبد الْمطلب لَهَا آخرا بِعَدَد ثورها بِتِلْكَ الرُّؤْيَا الْمَشْهُورَة وَمَا نبع من المَاء تَحت خف نَاقَته فِي سَفَره إِلَى مناقرة قُرَيْش ومخاصمتها فِي أَمر زَمْزَم، كَمَا ذكره ابْن إِسْحَاق مستوعباً وقدمناه. وَمِنْهَا: على مَا ذكره ابْن عَطِيَّة أَيْضا: نفع مَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ، وَأَنه يعظم مَاؤُهَا فِي الْمَوْسِم وَيكثر كَثْرَة خارقة لعادة الْآبَار. وَمن الْآيَات مَا رُوِيَ: أَن الْحجَّاج بن يُوسُف نصب المنجنيق على جبل أبي قبيس بِالْحِجَارَةِ والنيران فاشتعلت أَسْتَار الْكَعْبَة بالنَّار فَجَاءَت سَحَابَة من نَحْو جدة يسمع فِيهَا الرَّعْد وَيرى الْبَرْق، فمطرت فجاوز مطرها الْكَعْبَة والمطاف، فأطفأت النَّار وَأرْسل الله عَلَيْهِم صَاعِقَة فأحرقت منجنيقهم فتداركوه. قَالَ عِكْرِمَة: وأحسب أَنَّهَا أحرقت تَحْتَهُ أَرْبَعَة رجال. فَقَالَ الْحجَّاج: لَا يهولنكم هَذَا فَإِنَّهَا أَرض صواعق. فَأرْسل الله صَاعِقَة أُخْرَى فأحرقت المنجنيق وأحرقت مَعَه أَرْبَعِينَ رجلا وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَسبعين فِي أَيَّام عبد الْملك بن مَرْوَان، وَفِي هَذِه السّنة الْمَذْكُورَة دَامَ الْقِتَال أشهر إِلَى أَن قتل عبد الله بن الزبير بن الْعَوام أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي جنادى الأولى وطيف بِرَأْسِهِ فِي مصر وَغَيرهَا وَقتل مَعَه جمَاعَة، وَتوفيت أَسمَاء بنت أبي بكر الصّديق ذَات النطاقين أم ابْن الزبير بعد مصابه بِيَسِير، وفيهَا استوثق الْأَمر لعبد الْملك بن مَرْوَان، وَولى الْحجَّاج أَمر الْحجاز فنقض بعض الْكَعْبَة وأعادها إِلَى بنائها فِي زمن النَّبِي ﷺ وَكَانَت قد تشعبت من المنجنيق، وأصي الْحجر الْأسود وأصلحوه ورفعوه، وَتُوفِّي الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي فِي لَيْلَة مباركة على الْأمة لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان وَله خمس وَخَمْسُونَ أَو دونهَا، وَكَانَ شجاعاً مقداماً مهيباً ذَا هَيْبَة، فصيحاً بليغاً، سفاكاً للدماء، ولى الْحجاز وَالْعراق عشْرين سنة. وَفِي " جَامع الْأُصُول " قَالَ هِشَام بن حسان: أحصى من قتل الْحجَّاج صبرا فَوجدَ مائَة ألف وَعشْرين ألفا. أخرجه
стр. 152
التِّرْمِذِيّ. وَمِنْهَا: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن أَبَا طَالب قَالَ فِي الْجَاهِلِيَّة لقرشي قتل هاشمياً خطأ وَأنكر قَتله: اختر منا إِحْدَى ثَلَاث؛ إِن شِئْت أَن تُؤدِّي مائَة من الْإِبِل، وَإِن شِئْت حلف خَمْسُونَ من قَوْمك أَنَّك لم تقتله، فَإِن أَبيت قتلناك بِهِ. قَالَ: فَأَتَاهُ قومه فَذكر لَهُم ذَلِك فَقَالُوا: نحلف. فَأَتَتْهُ امْرَأَة من بني هَاشم كَانَت تَحت رجل مِنْهُم قد ولدت لَهُ فَقَالَت: يَا أَبَا طَالب أحب أَن أتخير ابْني هَذَا وَلَا تصير يَمِينه، حَيْثُ تصير الْأَيْمَان يَعْنِي الْموضع الَّذِي كَانُوا يحلفُونَ فِيهِ، وَهُوَ حطيم الْكَعْبَة مَا بَين الرُّكْن وَالْمقَام وزمزم وَالْحجر؛ لِأَن النَّاس كَانُوا يحطمون هُنَاكَ بالأيمان ويستجاب فِيهِ الدُّعَاء على الظَّالِم للمظلوم، فَقل من دَعَا هُنَالك على ظَالِم إِلَّا أهلك، وَقل من حلف هُنَالك إِثْمًا إِلَّا عجلت لَهُ الْعقُوبَة. فَكَانَ ذَلِك يحجز النَّاس عَن الظُّلم ويتهيب النَّاس الْأَيْمَان هُنَاكَ، فَلم يزل ذَلِك كَذَلِك حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ فَأخر الله ذَلِك؛ لما أَرَادَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَفعل أَبُو طَالب ذَلِك وَأَتَاهُ رجل مِنْهُم فَقَالَ: يَا أَبَا طَالب هَذَانِ بعيران فاقبلهما عني، وَلَا تصير يَمِيني حَيْثُ تصير الْأَيْمَان فقبلهما وجاءه ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ رجلا فَحَلَفُوا. قَالَ ابْن عَبَّاس: فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ مَا حَال الْحول وَمن الثَّمَانِية وَالْأَرْبَعِينَ عين تطرف. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِن ذَلِك أول قسَامَة فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَت. وَيُقَال: أول من بغى من قُرَيْش بِمَكَّة فأهلكهم الْبَغي بَنو الشيبان بن عدي بن قصي. ويروى أَن خمسين رجلا من بني عَامر بن لؤَي حلفوا فِي الْجَاهِلِيَّة عِنْد الْبَيْت على قسَامَة وحلفوا على بَاطِل ثمَّ خَرجُوا حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض الطَّرِيق نزلُوا تَحت صَخْرَة، فَبَيْنَمَا هم قَائِلُونَ إِذْ أَقبلت الصَّخْرَة عَلَيْهِم فَخَرجُوا من تحتهَا يَشْتَدُّونَ، فانفلقت خمسين فلقَة فأدركت كل فلقَة رجلا فَقتلته. ويروى أَن عمر بن الْخطاب ﵁ سَأَلَ رجلا من بني سليم عَن ذهَاب بَصَره فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كُنَّا بني ضبعاء عشرَة وَكَانَ لنا ابْن عَم فَكُنَّا نظلمه ونضطهده، فَكَانَ يذكرنَا بِاللَّه وَالرحم أَن لَا نظلمه، وَكُنَّا أهل جَاهِلِيَّة نركب كل الْأُمُور فَلَمَّا رآنا ابْن عمنَا لَا نكف عَنهُ وَلَا نرد ظلامته أمْهل حَتَّى إِذا دخلت الْأَشْهر الْحرم انْتهى إِلَى الْحرم، فَجعل يرفع يَدَيْهِ إِلَى الله سُبْحَانَهُ وَيَقُول: لَا هم أَدْعُوك دُعَاء جاهداً ... اقْتُل بني الضبعاء إِلَّا وَاحِدًا
стр. 153
ثمَّ اضْرِب الرجل فارمه قَاعِدا ... أعمى إِذا مَا قيد عني القائدا فَمَاتَ إخْوَة لي تِسْعَة فِي تِسْعَة أشهر فِي كل شهر وَاحِد، فَبَقيت أَنا فعميت وَلَيْسَ يلائمني قَائِد وَرمى الله فِي رجْلي. فَقَالَ عمر: سُبْحَانَ الله إِن هَذَا هُوَ الْعجب. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: سَمِعت عمر يسْأَل ابْن عمهم الَّذِي دَعَا عَلَيْهِم قَالَ: دَعَوْت عَلَيْهِم ليَالِي رَجَب الشَّهْر كُله بِهَذَا الدُّعَاء فأهلكوا فِي تِسْعَة اشهر وَأصَاب الْبَاقِي مَا أَصَابَهُ. وروى عَن حويطب بن عبد الْعُزَّى أَنه قَالَ: كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فِي الْكَعْبَة حلق أَمْثَال لجم البهم يدْخل الْخَائِف يَده فِيهَا فَلَا يرِيبهُ أحد، فَلَمَّا كَانَ ذَات يَوْم ذهب خَائِف ليدْخل يَده فِيهَا فاجتذبه رجل فشلت يَمِينه فأدركه الْإِسْلَام وَإنَّهُ لأشل. وَعَن عبد الْمطلب بن ربيعَة بن الْحَارِث قَالَ: عدا رجل من بني كنَانَة من هُذَيْل فِي الْجَاهِلِيَّة على ابْن عَم لَهُ بمظلمة واضطهده، فَنَاشَدَهُ بِاللَّه وبالرحم فَعظم عَلَيْهِ فَأبى إِلَّا ظلمه، فَقَالَ: وَالله لألحقن بحرم الله والشهر الْحَرَام فلأدعون الله عَلَيْك، فَقَالَ لَهُ بِزَعْمِهِ مستهزءاً بِهِ: هَذِه نَاقَتي فُلَانَة فَأَنا أقعدك على ظهرهَا فَاذْهَبْ فاجتهد. قَالَ: فَأعْطَاهُ نَاقَته وَخرج حَتَّى جَاءَ الْحرم فِي الشَّهْر الْحَرَام فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُوك جَاهد مُضْطَر على فلَان ابْن عمي لترميه بداء لَا دَوَاء لَهُ. قَالَ: ثمَّ انْصَرف فَوجدَ ابْن عَمه قد رمي فِي بَطْنه فَصَارَ مثل الزق فَمَا زَالَ ينتفخ حَتَّى انْشَقَّ. قَالَ عبد الْمطلب: فَحدثت هَذَا الحَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄ فَقَالَ: أَنا رَأَيْت رجلا دَعَا على ابْن عَمه بالعمى فرأيته يُقَاد أعمى. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: دَعَا رجل على ابْن عَم لَهُ استاق ذوداً لَهُ فَخرج فَطَلَبه حَتَّى أَصَابَهُ فِي الْحرم، فَقَالَ: ذودي. فَقَالَ اللص: كذبت لَيْسَ الذود لَك. فَقيل لَهُ: لَا سَبِيل لَك عَلَيْهِ. فَقَامَ رب الذود بَين الرُّكْن وَالْمقَام باسطاً يَدَيْهِ يَدْعُو على صَاحبه، فَمَا برح من مقَامه يَدْعُو عَلَيْهِ حَتَّى دله، فَذهب عقله وَجعل يَصِيح بِمَكَّة مَالِي وللذود مَالِي
стр. 154
وَلفُلَان رب الذود، فَبلغ ذَلِك عبد الْمطلب فَجمع ذوده وَدفعهَا إِلَى الْمَظْلُوم فَخرج بهَا وَبَقِي الآخر مدلهاً حَتَّى وَقع من جبل فتردى فأكلته السبَاع. وروى الْوَاقِدِيّ عَن أَيُّوب بن مُوسَى: أَن امْرَأَة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة مَعهَا ابْن عَم لَهَا صَغِير فَكَانَت تخرج فتكسب عَلَيْهِ ثمَّ تَأتي فتطعمه من كسبها، فَقَالَت لَهُ: يَا بني إِنِّي أغيب عَنْك وَإِنِّي أَخَاف أَن يظلمك ظَالِم، فَإِن جَاءَك ظَالِم بعدِي فَإِن لله تَعَالَى بِمَكَّة بَيْتا لَا يشبه شَيْئا من الْبيُوت وَلَا يُقَارِبه مُفسد وَعَلِيهِ ثِيَاب، فَإِن ظلمك ظَالِم يَوْمًا فعذ بِهِ فَإِن لَهُ رَبًّا سيمنعك. قَالَ: فَجَاءَهُ رجل فَذهب بِهِ فاسترقه قَالَ: وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يعمرون أنعامهم فأعمر سَيّده ظَهره، فَلَمَّا رأى الْغُلَام الْبَيْت عرف الصّفة، فَنزل يشْتَد حَتَّى تعلق بِالْبَيْتِ، وَجَاء سَيّده فَمد يَده إِلَيْهِ فيبست، فاستفتى فِي الْجَاهِلِيَّة فَأفْتى بِأَن ينْحَر عَن كل وَاحِدَة من يَدَيْهِ بَدَنَة فَفعل فأطلقت لَهُ يَدَاهُ، وَنزل الْغُلَام وخلى سَبيله. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ عمر بن الْخطاب وَذكر مَا كَانَ يُعَاقب بِهِ من حلف على ظلم فَقَالَ: إِن النَّاس الْيَوْم ليركبون مَا هُوَ أعظم من هَذَا، وَلَا تعجل لَهُم الْعقُوبَة مثل مَا كَانَت لأولئك فَمَا ترَوْنَ ذَلِك، فَقَالُوا: أَنْت أعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: إِن الله جعل فِي الْجَاهِلِيَّة إِذْ لَا دين حُرْمَة حرمهَا وعظمها وشرفها، وَعجل الْعقُوبَة لمن اسْتحلَّ شَيْئا مِمَّا حرم لِيَنْتَهُوا عَن الظُّلم مَخَافَة تَعْجِيل الْعقُوبَة، فَلَمَّا بعث الله تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ توعدهم فِيمَا انتهكوا مِمَّا حرم بالساعة فَقَالَ: " والساعة أدهى وَأمر ". فَأخر الْعقَاب إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَعَن طَاوُوس قَالَ: كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يصنعون فِي الْحرم شَيْئا إِلَّا عجل لَهُم ثمَّ قد كَانَ من أَمر قد رَأَيْتُمْ يُوشك أَن لَا يُصِيب أحد مِنْهُم شَيْئا إِلَّا عجل لَهُ حَتَّى لَو عَادَتْ بِهِ أمه سَوْدَاء لم يعرض لَهَا أحد. وَمن الْآيَات مَا روى عَن عبد الْأَعْلَى بن عبد الله بن عَامر بن كرز: أَنه قدم مَعَ جدته أم عبد الله بن عَامر معتمرة فَدخلت عَلَيْهَا صَفِيَّة بنت شيبَة فأكرمتها وأجازتها، فَقَالَت صَفِيَّة: مَا أدرى مَا أكْرم بِهِ هَذِه الْمَرْأَة أما دنياهم فعظيمة، فَنَظَرت حَصَاة مِمَّا كَانَ
стр. 155
ينْقد من الرُّكْن الْأسود حِين أَصَابَهُ الْحَرِيق فجعلتها لَهَا فِي حق ثمَّ قَالَ لَهَا: انظري هَذِه الْحَصَاة فَإِنَّهَا حَصَاة من الرُّكْن الْأسود فاغليها للمرضى، فَإِنِّي أَرْجُو أَن يَجْعَل الله سُبْحَانَهُ لَهُم فِيهَا الشِّفَاء فَخرجت فِي أَصْحَابهَا، فَلَمَّا خرجت من الْحرم وَنزلت فِي بعض الْمنَازل صرع أَصْحَابهَا فَلم يبْق مِنْهُم أحد إِلَّا أَخَذته الْحمى، فَقَامَتْ وصلت ودعت رَبهَا ثمَّ التفتت إِلَيْهِم، وَقَالَت: وَيحكم انْظُرُوا مَاذَا خَرجْتُمْ بِهِ من الْحرم؟ فَمَاذَا الَّذِي أَصَابَكُم إِلَّا بذنب؟ قَالُوا: مَا نعلم خرجنَا من الْحرم بِشَيْء. قَالَ: قَالَت لَهُم: أَنا صَاحِبَة الذَّنب انْظُرُوا أمثلكم حَيَاة وحركة. قَالَ: فَقَالُوا: لَا نعلم أحدا منا أمثل من عبد الْأَعْلَى. قَالَت: فشدوا لَهُ رَحْله. فَفَعَلُوا ثمَّ دَعَتْهُ فَقَالَت: خُذ هَذِه الْحَصَاة الَّتِي فِي هَذَا الْحق، فَاذْهَبْ بهَا إِلَى أُخْتِي صَفِيَّة بنت شيبَة فَقل لَهَا: إِن الله ﵎ وضع فِي حرمه وأمنه أمرا لم يكن لأحد أَن يُخرجهُ من حَيْثُ وَضعه، فخرجنا بِهَذِهِ الْحَصَاة فأصابتنا فِيهَا بلية عَظِيمَة فصرع أَصْحَابنَا كلهم، فإياك أَن تخرجيها من حرم الله . قَالَ عبد الْأَعْلَى: فَمَا هُوَ إِلَّا أَن دخلت الْحرم فَجعلنَا نبعث رجلا رجلا. وَمِنْهَا: أَن الْكَعْبَة مُنْذُ خلقهَا الله تَعَالَى مَا خلت من الطَّائِف يطوف بهَا من جن أَو إنس أَو ملك أَو طَائِر كَمَا تقدم فِي الْفَضَائِل، وَتقدم فِيهِ قَضِيَّة الْحَيَّة الَّتِي رئيت طَائِفَة بِالْبَيْتِ، وَكَذَلِكَ الْجمل طَاف بِهِ يَوْم قتل ابْن الزبير. وَعَن أبي الطُّفَيْل قَالَ: كَانَت امْرَأَة من الْجِنّ فِي الْجَاهِلِيَّة تسكن ذَا طوى، وَكَانَ لَهَا ابْن وَلم يكن لَهَا ولد غَيره وَكَانَت تحبه حبا شَدِيدا، وَكَانَ شريفاً فِي قومه، فَتزَوج وأتى زَوجته فَلَمَّا كَانَ يَوْم سابعه قَالَ لأمه: إِنِّي أحب أَن أَطُوف بِالْكَعْبَةِ سبعا نَهَارا. قَالَت لَهُ: أَي بني إِنِّي أَخَاف عَلَيْك سُفَهَاء قُرَيْش. فَقَالَ: أَرْجُو السَّلامَة. فَأَذنت لَهُ فولى فِي صُورَة جَان، فَلَمَّا أدبر جعلت تعوذه وَتقول: أُعِيذهُ بِالْكَعْبَةِ المستورة، ودعوات ابْن أبي مَحْذُورَة، وَمَا تَلا مُحَمَّد من سُورَة، إِنِّي إِلَى حَيَاته فقيرة، وإنني بعيشه مسرورة. فَمضى الجان نَحْو الطّواف فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا وَصلى خلف الْمقَام رَكْعَتَيْنِ ثمَّ أقبل منقلباً حَتَّى إِذا كَانَ بِبَعْض دور بني سهم، عرض لَهُ شَاب من بني سهم أَحْمَر أَزْرَق أَحول أعْسر فَقتله، فثارت بِمَكَّة غبرة حَتَّى لم تَرَ الْجبَال، قَالَ أَبُو الطُّفَيْل: وبلغنا أَنه إِنَّمَا تثور تِلْكَ الغبرة عِنْد موت عَظِيم من الجان قَالَ: فَأصْبح من بني سهم موتى كَثِيرَة من قَتْلَى الْجِنّ فَكَانَ فيهم سَبْعُونَ شَيخا أصلع سوى " الشَّاب ". قَالَ: فَنَهَضت بَنو سهم وحلفاؤها ومواليها وعبيدهم فَرَكبُوا الْجبَال والشعاب بالثنية، فَمَا تركُوا حَيَّة وَلَا عقرباً وَلَا شَيْئا
стр. 156
يدب من الْهَوَام على وَجه الأَرْض إِلَّا قَتَلُوهُ، فأقاموا على ذَلِك ثَلَاثًا فَسَمِعُوا فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة على أبي قبيس هاتفاً يَهْتِف بِصَوْت جَهورِي يسمع بِهِ من بَين الجبلين: يَا معشر قُرَيْش الله الله فَإِن لكم أحلاماً وعقولاً، اعذرونا من بني سهم فقد قتلوا منا أَضْعَاف مَا قتلنَا مِنْهُم، ادخُلُوا بَيْننَا وَبينهمْ بِالصُّلْحِ، نعطهم ويعطونا الْعَهْد والميثاق أَن لَا يعود بَعْضنَا لبَعض بِسوء أبدا، فَفعلت قُرَيْش ذَلِك واستوثقوا للْبَعْض من الْبَعْض فسميت بَنو سهم " الغياطلة " قتلة الْجِنّ. وَعَن مُحَمَّد بن هِشَام السَّهْمِي قَالَ: كنت بِمَال لي أجد بِهِ نخلا وَبَين يَدي جَارِيَة لي فارهة، فصرعت قدامى فَقلت لبَعض خدمنا: هَل رَأَيْت هَذَا مِنْهَا قبل هَذَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فوقفت عَلَيْهَا فَقلت: يَا معشر الْجِنّ أَنا رجل من بني سهم، وَقد علمْتُم مَا كَانَ بَيْننَا فِي الْجَاهِلِيَّة من الْحَرْب، وَمَا صرنا إِلَيْهِ من الصُّلْح والعهد والميثاق أَن لَا يغدر بَعْضنَا بِبَعْض، فَإِن وفيتم وَفينَا وَإِن غدرتم غدرنا إِلَى مَا تعرفُون. قَالَ: فأفاقت الْجَارِيَة وَرفعت رَأسهَا فَمَا عيد إِلَيْهَا بمكروه حَتَّى مَاتَت. وروى أَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ كَانَ فِي جمَاعَة جالسين بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام بَعْدَمَا ارْتَفع النَّهَار وقلصت الأفياء، وَإِذا هم ببريق أيم دخل من بَاب بني شيبَة فاشرأبت أَعينهم إِلَيْهِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سبعا وَصلى رَكْعَتَيْنِ وَرَاء الْمقَام فقمنا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: أَلا أَيهَا الْمُعْتَمِر قد قضى الله نسكك وَإِن بأرضنا عبيدا وسفهاء وَإِنَّا نخشى عَلَيْك مِنْهُم، فكوم بِرَأْسِهِ كومة بطحاء فَوضع ذَنبه عَلَيْهَا فسما فِي السَّمَاء حَتَّى غَابَ فَمَا يرى. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ: الأيم الْحَيَّة الذّكر. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: جَاءَ طَائِر من نَاحيَة أجياد الصَّغِير لَونه لون الْحبرَة بريشة حَمْرَاء وريشة سَوْدَاء، دَقِيق السَّاقَيْن طويلهما لَهُ عنق طَوِيلَة رَقِيق المنقار طويله، كَأَنَّهُ من طير الْبَحْر يَوْم السبت يَوْم سبع وَعشْرين من ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ حِين طلعت الشَّمْس، وَالنَّاس إِذْ ذَاك فِي الطّواف كثير من الحاد وَغَيرهم، فَوَقع فِي الْمَسْجِد الْحَرَام قَرِيبا من مِصْبَاح زَمْزَم مُقَابل الرُّكْن الْأسود سَاعَة طَوِيلَة، ثمَّ طَار حَتَّى صدم الْكَعْبَة فِي نَحْو صدرها بَين الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَالْأسود وَهُوَ إِلَى الرُّكْن الْأسود أقرب، ثمَّ
стр. 157
وَقع على منْكب رجل محرم من الْحَاج من أهل خُرَاسَان فِي الطّواف عِنْد الرُّكْن الْأسود، فَطَافَ الرجل بِهِ أسابيع وَعَيناهُ تدمعان على خديه، والطائر على مَنْكِبه الْأَيْمن، وَالنَّاس يدنون مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ سَاكن غير متوحش مِنْهُم، ثمَّ طَار من قبل نَفسه حَتَّى وَقع على يَمِين الْمقَام سَاعَة طَوِيلَة وَهُوَ يمد عُنُقه ويقبضها إِلَى جنَاحه، فَأقبل فَتى من الحجبة فَضرب بِيَدِهِ فِيهِ فَأَخذه؛ ليريه رجلا مِنْهُم كَانَ يرْكَع خلف الْمقَام فصاح الطير فِي يَده أَشد الصياح وأوحشه لَا يشبه صَوته أصوات الطير فَفَزعَ مِنْهُ، فَأرْسلهُ من يَده فطار حَتَّى وَقع بَين يَدي دَار الندوة، ثمَّ طَار من قبل نَفسه فَخرج من بَاب الْمَسْجِد الَّذِي بَين دَار الندوة وَبَين دَار العجلة نَحْو قعيقعان. ويروى أَنه أقبل طائران فِي الْجَاهِلِيَّة كَأَنَّهُمَا نعامتان يسيران كل يَوْم ميلًا أَو يزيدان حَتَّى أَتَيَا مَكَّة فوقعا على الْكَعْبَة، فَكَانَت قُرَيْش تطعمهما وتسقيهما فَإِذا خف الطّواف من النَّاس نزلا فدنيا حول الْكَعْبَة حَتَّى إِذا اجْتمع النَّاس طارا فوقعا على الْكَعْبَة فمكثا كَذَلِك شهرا وَنَحْوه ثمَّ ذَهَبا. وَمن آيَات الْحجر الْأسود: أَنه أزيل عَن مَكَانَهُ غير مرّة ثمَّ رده الله إِلَيْهِ، وَوَقع ذَلِك من جرهم وإياد والعماليق وخزاعة والقرامطة كَذَا ذكر عز الدّين بن جمَاعَة، وَلم أر مَا ذكره عَن العماليق، وَآخر من أزاله عَن مَوْضِعه أَبُو طَاهِر سُلَيْمَان بن الْحسن القرمطي يَوْم التَّرويَة سنة سبع عشرَة وثلاثمائة لما سَنذكرُهُ بعده. وَاعْلَم أَن ابْتِدَاء خُرُوج القرامطة كَانَ سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة، وَكَانَ أَبُو طَاهِر سُلَيْمَان بن الْحسن القرمطي رئيسهم فَدخل الْبَصْرَة فِي اللَّيْل فِي ألف وَسَبْعمائة فَارس، نصبوا السلاليم على السُّور ونزلوا فوضعوا السَّيْف فِي الْبَلَد وأحرقوا الْجَامِع، وهرب خلق إِلَى المَاء فَغَرقُوا وَسبوا الْحَرِيم، وَالله الْمُسْتَعَان.
стр. 158
وَفِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة فِي الْمحرم عَارض ركب الْعِرَاقِيّ وَمَعَهُ ألف فَارس وَألف راجل فوضعوا السَّيْف، واستباحوا الحجيج وَسَاقُوا الْجمال بالأموال والحريم، وَهلك النَّاس جوعا وعطشاً، وَنَجَا من نجا بِأَسْوَأ حَال، وَوَقع النوح والبكاء بِبَغْدَاد وَغَيرهَا، وَامْتنع النَّاس من الصَّلَوَات فِي الْمَسَاجِد، وَفِي سنة ثَلَاث عشرَة سَار الركب الْعِرَاقِيّ وَمَعَهُمْ ألف فَارس فاعترضهم القرمطي وناوشهم الْقِتَال فَردُّوا النَّاس، وَلم يحجوا وَنزل القرمطي على الْكُوفَة فقاتلوه فغلب على الْبَلَد فنهبه، وَفِي سنة أَربع عشرَة لم يحجّ أحد من الْعرَاق خوفًا من القرامطة ونزح أهل مَكَّة عَنْهَا خوفًا مِنْهُم. وَفِي سنة سبع عشرَة وثلاثمائة حج بِالنَّاسِ مَنْصُور الديلمي ودخلوا مَكَّة سَالِمين، فوافاهم يَوْم التَّرويَة عَدو الله أَبُو طَاهِر القرمطي فَقتل الْحجَّاج قتلا ذريعاً فِي الْمَسْجِد وَفِي فجاج مَكَّة، وَقتل أَمِير مَكَّة ابْن محَارب، وَقلع بَاب الْكَعْبَة، واقتلع الْحجر الْأسود وَأَخذه إِلَى هجر، وَكَانَ مَعَه تِسْعمائَة نفس فَقتلُوا فِي الْمَسْجِد ألفا وَسَبْعمائة، وَصعد على بَاب الْبَيْت وَصَاح: أَنا بِاللَّه وَبِاللَّهِ أَنا ... يخلق الْخلق وأفنيهم أَنا وَقيل: إِن الَّذِي قتل بفجاج مَكَّة وظاهرها زهاء ثَلَاثِينَ ألفا وسبى من النِّسَاء وَالصبيان نَحْو ذَلِك، وَأقَام بِمَكَّة سِتَّة أَيَّام وَلم يحجّ أحد. وَقَالَ مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ: دخل قرمطي وَهُوَ سَكرَان فصفر لفرسه فَبَال عِنْد الْبَيْت، وَقتل جمَاعَة، وَضرب الْحجر الْأسود بدبوس فَكسر مِنْهُ، ثمَّ قلعه وَبَقِي الْحجر الْأسود بهجر نيفاً وَعشْرين سنة، وَدفع لَهُم فِيهِ خَمْسُونَ ألف دِينَار فَأَبَوا هَكَذَا ذكر الذَّهَبِيّ فِي " العبر ". وَذكر غَيره: أَنه لما دخل مَكَّة فِي هَذِه السّنة سفك الدِّمَاء حَتَّى سَالَ بهَا الْوَادي، ثمَّ رمى بعض الْقَتْلَى فِي زَمْزَم وملأها مِنْهُم، وأصعد رجلا ليقلع الْمِيزَاب فتردى على رَأسه وَمَات، ثمَّ انْصَرف وَمَعَهُ الْحجر الْأسود وعلقه على الاسطوانة السَّابِعَة من جَامع الْكُوفَة، يعْتَقد أَن الْحَج ينْتَقل إِلَيْهَا، وَاشْتَرَاهُ مِنْهُ الْمُطِيع لله أَبُو الْقَاسِم. وَقيل: أَبُو الْعَبَّاس الْفضل بن المقتدر بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار، وأعيد إِلَى مَكَانَهُ سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة، وَبَقِي عِنْدهم اثْنَيْنِ وَعشْرين سنة إِلَّا شهرا. هَكَذَا ذكر عز الدّين بن جمَاعَة
стр. 159
أَن الْمُطِيع اشْتَرَاهُ من أبي طَاهِر القرمطي وَفِيه نظر؛ لِأَن أَبَا طَاهِر مَاتَ قبل خلَافَة الْمُطِيع فِي سنة اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة بهجر من جدري هلكه فَلَا رحم الله مِنْهُ مغرز إبرة على مَا ذكره ابْن الْأَثِير وَغَيره. وَلما أَخذه القرمطي هلك تَحْتَهُ أَرْبَعُونَ جملا وَلما حمل أُعِيد إِلَى مَكَانَهُ حمل على قعُود أعجف فسمن تَحْتَهُ. قَالَ المسبحي: كَانَت مُدَّة كينونة الْحجر الْأسود عِنْد القرمطي وَأَصْحَابه اثْنَيْنِ وَعشْرين سنة إِلَّا أَرْبَعَة أَيَّام. وَفِي كتاب " السّير " من شرح الطَّحَاوِيّ لأبي بكر الرَّازِيّ: اسْتِحْقَاق الْقَتْل لَا يَزُول عَن القرامطة المتسمية بالباطنية لعنهم الله بزعمهم أَنهم مقرون بِكَلِمَة التَّوْحِيد والنبوة؛ لأَنهم ينقضون ذَلِك للْحَال بقَوْلهمْ: إِن للشريعة بَاطِنا مرَادا غير مَا نقلته الْأمة، وَكَذَلِكَ أشباههم من معاير الْمُلْحِدِينَ. انْتهى. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي " العبر " فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبَعمِائَة: تقدم بعض الباطنية من الْبَصرِيين فَضرب الْحجر الْأسود بدبوس فَقَتَلُوهُ فِي الْحَال. قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن الْعلوِي: قَامَ فَضرب الْحجر ثَلَاث ضربات. قَالَ: إِلَى مَتى يعبد الْحجر؟ وَلَا مُحَمَّد وَلَا عَليّ فيمنعني مُحَمَّد مِمَّا أَفعلهُ، فَإِنِّي الْيَوْم أهدم هَذَا الْبَيْت. فالتفاه أَكثر الْحَاضِرين وَكَانَ أَن يفلت، وَكَانَ أَحْمَر أشقر جسيماً طَويلا، وَكَانَ على بَاب الْمَسْجِد عشرَة فوارس ينصرونه فاحتسب رجل ووجأه بخنجر، ثمَّ تكاثروا عَلَيْهِ فَهَلَك وأحرق، وَقتل جمَاعَة مِمَّن اتهمَ بمعاونته واختبط الْوَفْد، وَمَال النَّاس على ركب الْبَصرِيين بالنهب، وتخشن وَجه الْحجر وتساقط مِنْهُ شظايا يسيرَة وتشقق، وَظهر مكسره أسمر يضْرب إِلَى صفرَة محبباً مثل الخشخاش، فَأَقَامَ الْحجر على ذَلِك يَوْمَيْنِ ثمَّ إِن بني شيبَة جمعُوا الفتات وعجنوه بالمسك واللك وحشوا الشقوق وطلوها بطلاء من ذَلِك فَهُوَ بَين لمن تَأمله. وَذكر ابْن الْأَثِير: أَن هَذِه الْحَادِثَة كَانَت فِي سنة أَربع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة. وَذكر المسبحي: أَن نَافِع بن مُحَمَّد الْخُزَاعِيّ دخل الْكَعْبَة فِيمَن دَخلهَا للنَّظَر إِلَى الْحجر الْأسود لما كَانَ فِي الْكَعْبَة بعد رد القرامطة لَهُ، وَأَنه تَأمل الْحجر الْأسود فَإِذا
стр. 160
السوَاد فِي رَأسه، دون سائره وسائره أَبيض، قَالَ: وَكَانَ مِقْدَار طوله فِيمَا حررت مِقْدَار عظم الذِّرَاع، أَو كالذراع المقبوضة الْأَصَابِع، والسواد فِي وَجهه غير مَاض فِي سائره جَمِيعه. انْتهى. وَمَا ذكره الْعلوِي فِي صفة نوى الْحجر يُخَالف هَذَا. وَقيل فِي طوله أَكثر مِمَّا ذكره الْخُزَاعِيّ. وَمن آيَاته: حفظ الله لَهُ من الضّيَاع مُنْذُ أهبط إِلَى الأَرْض مَعَ مَا وَقع من الْأُمُور الْمُقْتَضِيَة لذهابه كالطوفان، وَدفن بني إياد، وكما وَقع من جرهم وَغَيرهم كَمَا قجمناه. وَمِنْهَا: أَنه لما حمل إِلَى هجر هلك تَحْتَهُ أَرْبَعُونَ جملا، فَلَمَّا أُعِيد حمل على قعُود أعجف فسمن كَمَا قدمْنَاهُ. وَقيل: هلك تَحْتَهُ ثَلَاثمِائَة بعير. وَقيل: خَمْسمِائَة. وَمِنْهَا: أَنه يطفو على المَاء إِذا وضع فِيهِ وَلَا يرسخ. وَمِنْهَا: أَنه لَا يسخن من النَّار، ذكر هَاتين الْآيَتَيْنِ ابْن أبي الدَّم فِي " الْفرق الإسلامية " فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ ابْن شَاكر الكتبي المؤرخ، وَنقل ذَلِك عَن بعض الْمُحدثين وَرَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ وَهَذِه صفة الْمَسْجِد الْحَرَام والكعبة المشرفة زَادهَا الله تَعَالَى شرفاً وتعظيماً.
فصل: فِي ذكر الْأَمَاكِن الْمُبَارَكَة بِمَكَّة المشرفة وحرمها وقربه الَّتِي يسْتَحبّ زيارتها وَالصَّلَاة وَالدُّعَاء فِيهَا رَجَاء بركتها
وَهَذِه الْأَمَاكِن مَسَاجِد ودور وجبال ومقابر. والمساجد أَكثر من غَيرهَا إِلَّا أَن بعض الْمَسَاجِد اشْتهر باسم المولد، وَبَعضهَا باسم الدَّار، وَسَنذكر كلا مِنْهَا على حِدة، أما مَا اشْتهر باسم الْمَسْجِد فَمن ذَلِك: مَسْجِد بِقرب المجزرة الْكَبِيرَة من أَعْلَاهَا على يَمِين الهابط إِلَى مَكَّة ويسار الصاعد مِنْهَا يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ الْمغرب على مَا هُوَ مَكْتُوب فِي حجرين بِهَذَا الْمَسْجِد؛ أَحدهمَا بِخَط عبد الرَّحْمَن بن أبي حرمى وَفِيه: أَنه عمر فِي رَجَب سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة، وَفِي الآخر: أَنه عمر فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة. وَذكر الْأَزْرَقِيّ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي يسْتَحبّ فِيهَا الصَّلَاة بِمَكَّة مِنْهَا: مَسْجِد بِأَعْلَى مَكَّة عِنْد سوق الْغنم عِنْد قرن " مقلة " قَالَ: ويزعمون أَن عِنْده بَايع النَّبِي رَسُول الله ﷺ النَّاس بِمَكَّة يَوْم الْفَتْح. انْتهى. وَزعم بعض أهل الْعَصْر أَن هَذَا الْمَسْجِد الَّذِي ذكره الْأَزْرَقِيّ هُوَ الَّذِي
стр. 161
ذَكرْنَاهُ، وَإِنَّمَا توهم هَذَا؛ لِأَن الْمَسْجِد الَّذِي ذَكرْنَاهُ هُوَ بلحف جبل وَعِنْده الْآن سوق الْغنم، وَقيل: لَيْسَ هَذَا التَّوَهُّم صَحِيحا؛ لِأَن الْجَبَل الَّذِي عِنْده هَذَا الْمَسْجِد هُوَ المشرف على الْمَرْوَة، وَيُسمى جبل الديلم كَمَا ذكره الْأَزْرَقِيّ، وَهُوَ فِي شقّ معلا مَكَّة الشَّامي، وَأما قرن مقلة الَّذِي ذكره الْأَزْرَقِيّ فقد ذكره فِي شقّ معلا مَكَّة الْيَمَانِيّ. وَالله أعلم. قَالَ الْأَزْرَقِيّ فِي تَعْرِيف قرن مقلة: هُوَ قرن قد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة بِأَعْلَى مَكَّة قَالَ: " ومقلة " رجل كَانَ يسكنهُ فِي الْجَاهِلِيَّة. وَعَن ابْن جريج قَالَ: لما كَانَ يَوْم فتح مَكَّة جلس رَسُول الله ﷺ على قرن " مقلة " فَجَاءَهُ النَّاس يبايعونه بِأَعْلَى مَكَّة عِنْد سوق الْغنم. وَمن ذَلِك مَسْجِد فَوْقه بِأَعْلَى مَكَّة عِنْد الرَّدْم عِنْد بِئْر جُبَير بن مطعم يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ، وَهُوَ يعرف الْيَوْم بِمَسْجِد الرَّايَة كَمَا ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَقد بناه عبد الله بن عبيد الله بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس ﵃ وعمره المعتصم بِاللَّه العباسي فِي شعْبَان سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة، وعمره فِي زَمَاننَا الْأَمِير قطلبك الحامي المنجلي عِمَارَته الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا الْآن فِي أَوَائِل سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة. وَمن ذَلِك مَسْجِد بسوق اللَّيْل بِقرب مولد النَّبِي ﷺ يُقَال لَهُ: المختبى، يزوره النَّاس كثيرا فِي صَبِيحَة الْيَوْم الثَّانِي عشر من شهر ربيع الأول من كل سنة، وَلم أر أحدا تعرض لذكره، وَلَا يعرف شَيْئا من أخباره وَمن ذَلِك مَسْجِد بِأَسْفَل مَكَّة ينْسب لأبي بكر الصّديق، وَيُقَال: إِنَّه من دَاره الَّتِي هَاجر مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَة. وَمن ذَلِك مَسَاجِد خَارج مَكَّة من أَعْلَاهَا من ذَلِك مَسْجِد بِأَعْلَى مَكَّة يُقَال لَهُ:
стр. 162
مَسْجِد الْجِنّ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أهل مَكَّة مَسْجِد الحرس وعرفه الْأَزْرَقِيّ بِأَنَّهُ مُقَابل للحجون بِأَعْلَى مَكَّة وَأَنت مصعد على يَمِينك وَإِنَّمَا سمي مَسْجِد الحرس؛ لِأَن صَاحب الحرس كَانَ يطوف بِمَكَّة حَتَّى إِذا انْتهى إِلَيْهِ وقف عِنْده وَلم يجز حَتَّى يتوافى عِنْده عرفاؤه وحرسه يأتونه من شعب عَامر، وَإِذا توافوا عِنْده رَجَعَ منحدراً إِلَى مَكَّة قَالَ: وَهُوَ فِيمَا يُقَال لَهُ: مَوضِع الْخط الَّذِي خطّ رَسُول الله ﷺ لِابْنِ مَسْعُود لَيْلَة اسْتمع عَلَيْهِ الْجِنّ، قَالَ: وَهُوَ يُسمى مَسْجِد الْبيعَة. يُقَال: إِن الْجِنّ بَايعُوا النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك الْموضع. وَمن ذَلِك مَسْجِد يُقَال لَهُ: مَسْجِد الشَّجَرَة بِأَعْلَى مَكَّة مُقَابل مَسْجِد الْجِنّ. يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ دَعَا شَجَرَة كَانَت فِي مَوْضِعه وَهُوَ فِي مَسْجِد الْجِنّ يسْأَلهَا عَن شَيْء فَأَقْبَلت تخط بأصولها وعروقها الأَرْض حَتَّى وقفت بَين يَدَيْهِ، فَسَأَلَهَا عَمَّا يُرِيد ثمَّ أمرهَا فَرَجَعت حَتَّى انْتَهَت إِلَى موضعهَا. وَمن ذَلِك الْمَسْجِد الَّذِي يُقَال لَهُ: مَسْجِد الْإِجَابَة على يسَار الذَّاهِب إِلَى منى فِي شعب بِقرب ثنية إذاخر، وَهُوَ مَسْجِد مَشْهُور عِنْد أهل مَكَّة. يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ وَهَذَا الْمَسْجِد الْآن منخرب جدا وجدرانه سَاقِطَة إِلَّا القبلى، وَفِيه حجر مَكْتُوب فِيهِ إِنَّه مَسْجِد الْإِجَابَة، وَإنَّهُ عمر فِي سنة عشْرين وَسَبْعمائة. وَمن ذَلِك الْمَسْجِد الَّذِي يُقَال لَهُ: مَسْجِد الْبيعَة. وَهِي الْبيعَة الَّتِي بَايع رَسُول الله ﷺ فِيهِ الْأَنْصَار بِحَضْرَة عَمه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب على مَا ذكره أهل السّير وَهَذَا الْمَسْجِد بِقرب الْعقبَة الَّتِي هِيَ حد منى من جِهَة مَكَّة، وَهُوَ وَرَاء الْعقبَة بِيَسِير إِلَى مَكَّة فِي شعب على يسَار الذَّاهِب إِلَى منى، وَفِيه حجران مَكْتُوب فِي أَحدهمَا إِن الْمَنْصُور العباسي أَمر ببنيان هَذَا الْمَسْجِد مَسْجِد الْبيعَة الَّتِي كَانَت أول بيعَة بَايع بهَا رَسُول الله ﷺ ، وَفِي الآخر ذكر أَنه مَسْجِد الْبيعَة، وَأَنه بنى فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَة، وعمره بعد ذَلِك الْمُسْتَنْصر العباسي فِي سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة، وَهُوَ الْآن منخرب جدا. وَمن ذَلِك مَسْجِد بمنى عِنْد الدَّار الْمَعْرُوفَة بدار النَّحْر بَين الْجَمْرَة الأولى وَالْوُسْطَى على يَمِين الصاعد إِلَى عَرَفَة، يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ الضُّحَى وَنحر هَدْيه على مَا هُوَ مَوْجُود فِي حجر فِيهِ مَكْتُوب ذَلِك، وَفِيه أَن الْملك قطب الدّين أَبَا بكر بن
стр. 163
الْملك الْمَنْصُور صَاحب الْيمن أَمر بعمارته فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة. وَمن ذَلِك الْمَسْجِد الَّذِي يُقَال لَهُ، مَسْجِد الْكَبْش بمنى على يسَار الصاعد إِلَى عَرَفَة " بلحف ثبير "، وَهُوَ مَشْهُور بمنى، والكبش الَّذِي نسب هَذَا الْمَسْجِد إِلَيْهِ هُوَ الْكَبْش الَّذِي فدي بِهِ إِسْمَاعِيل أَو إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم. وَذكر الفاكهي خَبرا عَن عَليّ يَقْتَضِي أَن هَذَا الْكَبْش نحر بَين الْجَمْرَتَيْن بمنى، وَيُؤَيّد هَذَا مَا ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَن إِبْرَاهِيم نحر الْكَبْش فِي المنحر الَّذِي ينْحَر فِيهِ الْخُلَفَاء الْيَوْم. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَذَلِكَ فِي سفح الْجَبَل الْمُقَابل لَهُ يَعْنِي: الْمُقَابل لثبير وَأَشَارَ الْمُحب بذلك إِلَى الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ الْيَوْم دَار النَّحْر بمنى فَإِن أمامها ينْحَر هدى صَاحب الْيمن، وَهُوَ بِقرب الْمَسْجِد الَّذِي تقدم ذكره قبل هَذَا الْمَسْجِد. وَمن ذَلِك مَسْجِد الْخيف وَهُوَ مَسْجِد مَشْهُور عَظِيم الْفضل، تقدّمت فضائله فِي كتاب الْمَنَاسِك، وَتقدم تَعْرِيف مَوضِع مصلى رَسُول الله ﷺ ، وَأَنه الْأَحْجَار الَّتِي بَين يَدي المنارة وَهَذَا الْموضع مَعْرُوف عِنْد النَّاس إِلَى الْآن. وَذكر الْأَزْرَقِيّ صفته وذرعه وَعدد أبوابه. والمنارة الَّتِي فِيهَا الْآن عمرها الْملك المظفر صَاحب الْيمن فِي سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة وفيهَا عمر مَا تشعث من مَسْجِد الْخيف، وَمِمَّنْ عمره وَالِد
стр. 164
الْخَلِيفَة العباسي النَّاصِر واسْمه مَكْتُوب على بَابه الْكَبِير، وعمره من قبل ذَلِك الْجواد وَزِير صَاحب الْموصل، وعمره فِي سنة عشْرين وَسَبْعمائة تَاجر دمشقي يُقَال لَهُ ابْن الْمرْجَانِي بأزيد من عشْرين ألف دِرْهَم وَعمر فِيهِ بعد ذَلِك مَوَاضِع وَهُوَ الْآن كثيرا تشعث. وَمن ذَلِك مَسْجِد عَن يَمِين الْموقف يعرف بِمَسْجِد إِبْرَاهِيم. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَلَيْسَ هُوَ بِمَسْجِد عَرَفَة الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الإِمَام بِعَرَفَة. وَمن ذَلِك مَسْجِد التَّنْعِيم حَيْثُ أَمر رَسُول الله ﷺ عبد الرَّحْمَن يعمر عَائِشَة مِنْهُ، وَتقدم بِعَرَفَة فِي الْبَاب الرَّابِع عشر. وَمن ذَلِك مَسْجِد بِذِي طوى نزل هُنَالك رَسُول الله ﷺ حِين اعْتَمر وَحين حج تَحت سَمُرَة فِي مَوضِع الْمَسْجِد قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي " المثير ": وبنته زبيدة. وَمن ذَلِك مَسْجِد بأجياد، وَفِيه مَوضِع يُقَال لَهُ المتكئ يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ اتكئ هُنَاكَ ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ والأزرقي، وَقَالَ: سَمِعت جدي أَحْمد بن مُحَمَّد ويوسف بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم يسألان عَن المتكئ وَهل صَحَّ عِنْدهمَا أَن النَّبِي ﷺ اتكئ فِيهِ؟ فرأيتهما ينكران ذَلِك، ويقولان: لم نسْمع بِهِ من ثَبت. قَالَ: قَالَ جدي: سَمِعت جمَاعَة من أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن أَمر المتكئ لَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدهم، بل يضعفونه غير أَنهم يثبتون أَن النَّبِي ﷺ صلى بأجياد الصَّغِير لَا يثبت ذَلِك الْموضع وَلَا يُوقف عَلَيْهِ. قَالَ: وَلم أسمع أحدا من أهل مَكَّة يثبت أَمر المتكئ. وَمن ذَلِك مَسْجِد على جبل أبي قبيس يُقَال لَهُ: مَسْجِد إِبْرَاهِيم. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: سَمِعت يُوسُف بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم يسْأَل عَنهُ هَل هُوَ مَسْجِد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇؟ فرأيته يُنكر ذَلِك وَيَقُول: إِنَّمَا قيل هَذَا حَدِيثا من الدَّهْر، وَلم أسمع أحدا من أهل الْعلم يُثبتهُ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَسَأَلت جدي عَنهُ فَقَالَ لي: مَتى بنى هَذَا الْمَسْجِد؟ إِنَّمَا بنى حَدِيثا من الدَّهْر. وَلَقَد سَمِعت بعض أهل الْعلم من أهل مَكَّة يسْأَل عَنهُ
стр. 165
أهل الْمَسْجِد مَسْجِد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن فينكر ذَلِك، وَيَقُول: هَل هُوَ مَسْجِد إِبْرَاهِيم القبيسي إِنْسَان كَانَ فِي جبل أبي قبيس يسْأَل عِنْده. انْتهى. وَمن ذَلِك مَسْجِد بِقرب مَسْجِد الْخيف من جَانِبه يعرف بِمَسْجِد المرسلات، فِيهِ نزل على النَّبِي ﷺ سُورَة المرسلات، وَفِيه غَار وَهُوَ مَشْهُور الْيَوْم بمنى خلف مَسْجِد الْخيف، أَسْفَل الْجَبَل مِمَّا يَلِي الْيمن، كَذَلِك يأثره الْخلف عَن السّلف. وَقد تقدم ذكره فِي الْكتاب الْمَشْهُور. وَمن ذَلِك مَسْجِد الْجِعِرَّانَة أحرم رَسُول الله ﷺ من هُنَالك. وَتقدم ذكره فِي الْبَاب الرَّابِع عشر من الْمَنَاسِك. وَمن ذَلِك مَسْجِد يُقَال لَهُ: مَسْجِد الْفَتْح بِقرب الجموم من وَادي مر يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ، وعمّر هَذَا الْمَسْجِد أَبُو نمى صَاحب مَكَّة على مَا ذكر، ثمَّ السَّيِّد حناش بن رَاجِح، وبيضه فِي عصرنا وَرفع أبوابه السَّيِّد الشريف حسن بن عجلَان صَاحب مَكَّة، وَذكر الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخه مَسَاجِد أخر غير مَعْرُوفَة الْآن فاختصرناها. لَهُ المتكئ يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ اتكئ هُنَاكَ ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ والأزرقي، وَقَالَ: سَمِعت جدي أَحْمد بن مُحَمَّد ويوسف بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم يسألان عَن المتكئ وَهل صَحَّ عِنْدهمَا أَن النَّبِي ﷺ اتكئ فِيهِ؟ فرأيتهما ينكران ذَلِك، ويقولان: لم نسْمع بِهِ من ثَبت. قَالَ: قَالَ جدي: سَمِعت جمَاعَة من أهل الْعلم يَقُولُونَ: إِن أَمر المتكئ لَيْسَ بِالْقَوِيّ عِنْدهم، بل يضعفونه غير أَنهم يثبتون أَن النَّبِي ﷺ صلى بأجياد الصَّغِير لَا يثبت ذَلِك الْموضع وَلَا يُوقف عَلَيْهِ. قَالَ: وَلم أسمع أحدا من أهل مَكَّة يثبت أَمر المتكئ. وَمن ذَلِك مَسْجِد على جبل أبي قبيس يُقَال لَهُ: مَسْجِد إِبْرَاهِيم. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: سَمِعت يُوسُف بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم يسْأَل عَنهُ هَل هُوَ مَسْجِد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن ﵇؟ فرأيته يُنكر ذَلِك وَيَقُول: إِنَّمَا قيل هَذَا حَدِيثا من الدَّهْر، وَلم أسمع أحدا من أهل الْعلم يُثبتهُ. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَسَأَلت جدي عَنهُ فَقَالَ لي: مَتى بنى هَذَا الْمَسْجِد؟ إِنَّمَا بنى حَدِيثا من الدَّهْر. وَلَقَد سَمِعت بعض أهل الْعلم من أهل مَكَّة يسْأَل عَنهُ أهل الْمَسْجِد مَسْجِد إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن فينكر ذَلِك، وَيَقُول: هَل هُوَ مَسْجِد إِبْرَاهِيم القبيسي إِنْسَان كَانَ فِي جبل أبي قبيس يسْأَل عِنْده. انْتهى. وَمن ذَلِك مَسْجِد بِقرب مَسْجِد الْخيف من جَانِبه يعرف بِمَسْجِد المرسلات، فِيهِ نزل على النَّبِي ﷺ سُورَة المرسلات، وَفِيه غَار وَهُوَ مَشْهُور الْيَوْم بمنى خلف مَسْجِد الْخيف، أَسْفَل الْجَبَل مِمَّا يَلِي الْيمن، كَذَلِك يأثره الْخلف عَن السّلف. وَقد تقدم ذكره فِي الْكتاب الْمَشْهُور. وَمن ذَلِك مَسْجِد الْجِعِرَّانَة أحرم رَسُول الله ﷺ من هُنَالك. وَتقدم ذكره فِي الْبَاب الرَّابِع عشر من الْمَنَاسِك. وَمن ذَلِك مَسْجِد يُقَال لَهُ: مَسْجِد الْفَتْح بِقرب الجموم من وَادي مر يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ، وعمّر هَذَا الْمَسْجِد أَبُو نمى صَاحب مَكَّة على مَا ذكر، ثمَّ السَّيِّد حناش بن رَاجِح، وبيضه فِي عصرنا وَرفع أبوابه السَّيِّد الشريف حسن بن عجلَان صَاحب مَكَّة، وَذكر الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخه مَسَاجِد أخر غير مَعْرُوفَة الْآن فاختصرناها. وَأما الْمَوَاضِع الْمُبَارَكَة بِمَكَّة الْمَعْرُوفَة بالمواليد: فَاعْلَم أَن هَذِه الْمَوَاضِع مَسَاجِد لَكِنَّهَا مَشْهُورَة عِنْد النَّاس باسم المواليد فأفردت عَن الْمَسَاجِد بِالذكر لهَذَا الْمَعْنى، وَمِنْهَا: الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ: مولد النَّبِي ﷺ وَهُوَ عِنْد أهل مَكَّة مَشْهُور فِي الْموضع الْمَعْرُوف بسوق اللَّيْل. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: الْبَيْت الَّذِي ولد فِيهِ رَسُول الله ﷺ هُوَ فِي دَار مُحَمَّد بن يُوسُف، كَانَ عقيل بن أبي طَالب أَخذه حِين هَاجر النَّبِي ﷺ وَفِيه فِي غَيره يَقُول النَّبِي ﷺ عَام حجَّة الْوَدَاع " وَهل ترك لنا عقيل من ظلّ؟ " فَلم يزل بِيَدِهِ وبيد وَلَده حَتَّى بَاعه وَلَده من
стр. 166
مُحَمَّد بن يُوسُف أَخ الْحجَّاج فَأدْخلهُ فِي دَاره الَّتِي يُقَال لَهَا الْبَيْضَاء ثمَّ تعرف بدار ابْن يُوسُف، فَلم يزل ذَلِك الْبَيْت فِي الدَّار حَتَّى حجت الخيزران أم الخليفتين مُوسَى الْهَادِي وَهَارُون الرشيد فَجَعَلته مَسْجِدا تصلي فِيهِ وأخرجته من الدَّار، وأشرعته فِي الزقاق الَّذِي على أصل تِلْكَ الدَّار يُقَال لَهُ: زقاق المولد. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: سَمِعت جدي ويوسف بن مُحَمَّد يثبتان أَمر المولد وَأَنه ذَلِك الْبَيْت لَا اخْتِلَاف فِيهِ عِنْد أهل مَكَّة، وَعَن سُلَيْمَان بن أبي مرحب مولى بني جشم قَالَ: حَدثنِي نَاس كَانُوا يسكنون ذَلِك الْبَيْت قبل أَن تنزعه الخيزران من الدَّار ثمَّ انتقلوا عَنهُ حِين جعل مَسْجِدا، قَالُوا: لَا وَالله مَا أَصَابَنَا فِيهِ جَائِحَة وَلَا حَاجَة فأخرجنا مِنْهُ فَاشْتَدَّ الزَّمَان علينا. رَوَاهُ الْأَزْرَقِيّ. وَمَوْضِع سقطه ﷺ فِي هَذَا الْمَسْجِد مَعْرُوف حَتَّى الْآن، وَهُوَ مَوضِع مثل التَّنور الصَّغِير. قَالَ السُّهيْلي: ولد بِالشعبِ وَقيل: بِالدَّار الَّتِي عِنْد الصَّفَا، وَكَانَت بعد لمُحَمد بن يُوسُف أَخ الْحجَّاج ثمَّ بنتهَا زبيدة مَسْجِدا حِين حجت. انْتهى. وَهَذَا غَرِيب وَأغْرب من هَذَا مَا قيل: إِن النَّبِي ﷺ ولد بالردم. وَقيل: بعسفان. ذكر هذَيْن الْقَوْلَيْنِ مغلطاي فِي سيرته. وَالْمرَاد بالردم: دور بني جمح بِمَكَّة على مَا ذكر الْبكْرِيّ، وَلَيْسَ المُرَاد مِنْهُ الرَّدْم الَّذِي بِأَعْلَى مَكَّة؛ لِأَن ذَلِك لم يكن إِلَّا فِي خلَافَة عمر ﵁، وَالْمَعْرُوف من مَوضِع مولده ﷺ مَا سبق. وَمِمَّنْ عمّر هَذَا الْبَيْت الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَولا النَّاصِر العباسي سنة سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة، ثمَّ المظفر صَاحب الْيمن فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة، ثمَّ حفيده الْملك الْمُجَاهِد عَليّ بن الْمُؤَيد سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وَبعد ذَلِك غير مرّة. وَمِنْهَا: الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ: مولد عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَهَذَا الْموضع مَشْهُور عِنْد النَّاس بِقرب مولد النَّبِي ﷺ بِأَعْلَى الشّعب الَّذِي فِيهِ المولد وَلم يذكرهُ الْأَزْرَقِيّ، وَذكره ابْن جُبَير. وعَلى بَابه حجر مَكْتُوب فِيهِ هَذَا مولد أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب، وَفِيه ربى رَسُول الله ﷺ ، وَفِي الْحجر مَكْتُوب إِن النَّاصِر العباسي أَمر بِعَمَلِهِ فِي سنة ثَمَان وسِتمِائَة. وَقيل: ولد عَليّ بن أبي طَالب فِي جَوف الْكَعْبَة. وَهَذَا ضَعِيف عِنْد الْعلمَاء
стр. 167
كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي " تَهْذِيب الْأَسْمَاء ". وَالْمَعْرُوف مَا قدمْنَاهُ. وَفِي هَذَا الْبَيْت مَوضِع مثل التَّنور يُقَال: إِنَّه مسْقط رَأس عَليّ بن أبي طَالب. قَالَ سعد الدّين الإسفرائيني فِي كتاب " زبدة الْأَعْمَال ": وَفِي جِدَاره فِي الزاوية حجر مركب يُقَال: كَانَ هَذَا الْحجر يكلم النَّبِي ﷺ وَمِنْهَا: الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ: مَوضِع حَمْزَة بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي ﷺ وَهُوَ بِأَسْفَل مَكَّة بِقرب بَاب الماجن عِنْد عين باذان. وَمِنْهَا: الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ: مولد عمر بن الْخطاب ﵁ فِي الْجَبَل الَّذِي تسميه أهل مَكَّة النوبى بِأَسْفَل مَكَّة. وَمِنْهَا: الْموضع الَّذِي يُقَال لَهُ: مولد جَعْفَر بن أبي طَالب فِي الدَّار الْمَعْرُوفَة بدار أبي سعيد عِنْد دَار العجلة، وعَلى بَابه حجر مَكْتُوب فِيهِ: هَذَا مولد جَعْفَر الصَّادِق ودخله النَّبِي ﷺ ، وَفِيه أَن بعض المجاورين عمره فِي صفر سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة. وَأما الدّور الْمُبَارَكَة بِمَكَّة: فَاعْلَم أَن بِمَكَّة دوراً مباركة مَعْرُوفَة عِنْد النَّاس غالبها مَسَاجِد، وَلكنهَا اشتهرت بالدور عِنْد أهل مَكَّة فَلذَلِك أفردناها بِالذكر عَن الْمَسَاجِد. مِنْهَا: دَار أم الْمُؤمنِينَ خَدِيجَة ﵂ بالزقاق الْمَعْرُوف بزقاق الْحجر، وَيُقَال لَهُ قَدِيما: زقاق العطارين كَمَا ذكره الْأَزْرَقِيّ. وَيُقَال لهَذِهِ الدَّار: مولد فَاطِمَة ﵂ لِأَن فِيهَا ولدت. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَ يسكنهَا رَسُول الله ﷺ وَخَدِيجَة، وفيهَا ابْنَتي بخديجة، وَولدت فِيهَا أَوْلَادهَا جَمِيعًا، وفيهَا توفيت، فَلم يزل النَّبِي ﷺ فِيهَا سَاكِنا حَتَّى خرج إِلَى الْمَدِينَة مُهَاجرا، فَأَخذهَا عقيل بن أبي طَالب، واشتراها مِنْهُ مُعَاوِيَة وَهُوَ خَليفَة فَجَعلهَا مَسْجِدا يصلى فِيهِ وبناها بناءها هَذَا، وَفتح مُعَاوِيَة فِيهَا بَابا من دَار أبي سُفْيَان بن حَرْب وَهُوَ قَائِم إِلَى الْيَوْم وَهِي الدَّار الَّتِي قَالَ فِيهَا رَسُول الله ﷺ : " من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن ". قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَفِي بَيت خَدِيجَة رَضِي الله عَنْهَا
стр. 168
هَذَا صفيحة من حجر مَبْنِيّ عَلَيْهَا فِي الْجدر جدر الْبَيْت الَّذِي يسكنهُ النَّبِي ﷺ قد اتخذ قُدَّام الصفيحة مَسْجِدا، وَهَذِه الصفيحة مُسْتَقلَّة فِي الْجدر من الأَرْض قدر مَا يجلس تحتهَا الرجل، وذرعها ذِرَاع فِي ذِرَاع وشبر. قَالَ الْأَزْرَقِيّ: سَأَلت جدي ويوسف بن مُحَمَّد وَغَيرهمَا من أهل الْعلم من أهل مَكَّة عَن هَذِه الصفيحة وَلم جعلت هُنَاكَ، وَقلت لَهُم: إِنِّي أسمع النَّاس يَقُولُونَ: إِن رَسُول الله ﷺ كَانَ يجلس تَحت تِلْكَ الصفيحة فيستدرى بهَا من الرَّمْي بِالْحِجَارَةِ إِذا جَاءَهُ من دَار أبي لَهب وَدَار عدي بن أبي الْحَمْرَاء الثَّقَفِيّ، فأنكروا ذَلِك وَقَالُوا: لم نسْمع بِهَذَا من ثَبت، وَلَقَد سمعنَا من يذكرهَا من أهل الْعلم فَأصْبح مَا انْتهى إِلَيْنَا من خبر ذَلِك أَن أهل مَكَّة كَانُوا يتخذون فِي بُيُوتهم صَفَائِح من حِجَارَة تكون شبه الرفاف، يوضع عَلَيْهَا الْمَتَاع وَالشَّيْء من الصبى والداجن يكون فِي الْبَيْت، فَقل بَيت يَخْلُو من تِلْكَ الرفاف. انْتهى. وغالب هَذِه الدَّار الْآن على صفة الْمَسْجِد وفيهَا قبَّة يُقَال لَهَا: قبَّة الْوَحْي. قَالَ سعد الدّين الإسفرائيني وَفِي هَذِه الْقبَّة حُفْرَة عِنْد الْبَاب يَقُول: كَانَ يجلس النَّبِي ﷺ فِيهَا وَقت نزُول الْوَحْي جِبْرِيل ﵇ يجلس فِي محراب الْقبَّة. انْتهى. وَإِلَى جنبها مَوضِع يزوره النَّاس مَعهَا يسمونه المختبئ، ويتصل بِهَذِهِ الْقبَّة أَيْضا الْموضع الَّذِي ولدت فِيهِ فَاطِمَة ﵂. قَالَ سعد الدّين الإسفرائيني: وَفِي بَيت من بيُوت هَذِه الدَّار حُفْرَة مثل التَّنور يَقُولُونَ: إِنَّهَا مسْقط رَأس فَاطِمَة ﵂ قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: هَذِه الدَّار أفضل الْأَمَاكِن بعد الْمَسْجِد الْحَرَام. وَمِمَّنْ عمرها النَّاصِر العباسي، وَعمر مِنْهَا شَيْء فِي دولة الْملك الْأَشْرَف شعْبَان صَاحب مصر، وَفِي أول دولة الْملك النَّاصِر فرج صَاحب مصر، وَمِمَّا عمر فِي دولته قبَّة الْوَحْي بعد سُقُوطهَا، وَيذكر أَن الْقبَّة الَّتِي كَانَت قبل هَذِه الْقبَّة من عمَارَة الْملك المظفر صَاحب الْيمن، وَفِي الرواق الْمُقدم من هَذِه الدَّار مَكْتُوب: إِن المقتدر العباسي أَمر بِعَمَلِهِ، وَإِلَى جَانب هَذِه الدَّار حوش كَبِير عمره النَّاصِر العباسي، وَوَقفه على مصَالح دَار خَدِيجَة ﵂ على مَا هُوَ مَوْجُود فِي حجر مَكْتُوب فِيهِ ذَلِك على بَاب الحوش، وَفِيه أَيْضا إِن هَذَا الْموضع مربد فَاطِمَة ﵂. وَمِنْهَا: دَار أبي بكر الصّديق بزقاق الْحجر وَيُقَال لَهُ: زقاق الْمرْفق أَيْضا، وَهَذِه الدَّار مَعْرُوفَة مَشْهُورَة، وعَلى
стр. 169
بَابهَا حجر مَكْتُوب فِيهِ: إِنَّهَا دَار أبي بكر الصّديق ﵁ وَإِنَّهَا عمرت بِأَمْر الْأَمِير الْكَبِير نور الدّين عمر بن عَليّ بن رَسُول الْملك المَسْعُودِيّ فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة، ويقابل هَذِه الدَّار حجر فِي جِدَار يُقَال: إِنَّه الَّذِي كلم النَّبِي ﷺ على مَا ذكره ابْن رشيد بِضَم الرَّاء فِي رحلته نقلا عَن الْعلم أَحْمد بن أبي بكر بن خَلِيل الْعَسْقَلَانِي، عَن عَمه سُلَيْمَان بن خَلِيل، عَن ابْن أبي الصَّيف عَن الميانشي عَن كل من لقِيه بِمَكَّة، وَذكر ذَلِك ابْن جُبَير وَالنَّاس يتبركون بمسح هَذَا الْحجر إِلَى الْآن. وَذكر سعد الدّين الإسفرائيني فِي كتاب " زبدة الْأَعْمَال ": أَن أهل مَكَّة يَمْشُونَ فِي المواليد من دَار خَدِيجَة إِلَى مَسْجِد يَقُولُونَ: إِنَّه كَانَ دكان أبي بكر الصّديق ﵁ كَانَ يَبِيع فِيهِ الْخَزّ، وَأسلم فِيهِ على يَد عُثْمَان بن عَفَّان وَطَلْحَة بن الزبير وَغَيرهم من الصَّحَابَة قَالَ وَفِي جِدَار هَذَا الدّكان أثر مرفق رَسُول الله ﷺ يرْوى: أَنه جَاءَ دكان أبي بكر ذَات يَوْم واتكئ على هَذَا الْجِدَار ونادى بِأبي بكر مرَّتَيْنِ. قَالَ: وَفِي هَذَا الزقاق حجر مركب على جِدَار يزوره النَّاس وَيَقُولُونَ: هَذَا الْحجر سلم على رَسُول الله ﷺ ليَالِي بعث. انْتهى. وروى التِّرْمِذِيّ وَمُسلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن ينزل على ". قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: وَفِي بعض المسندات زِيَادَة أَن هَذَا الْحجر الَّذِي كَانَ يسلم عَلَيْهِ هُوَ الْحجر الْأسود. قَالَ: وَهَذَا التَّسْلِيم الْأَظْهر فِيهِ أَن يكون حَقِيقَة، وَأَن يكون الله أنطقه إنطاقاً كَمَا خلق الحنين فِي الْجذع، وَلَيْسَ من شَرط الْكَلَام الَّذِي هُوَ حرف وَصَوت الْحَيَاة وَالْعلم والإرادة؛ لِأَنَّهُ صَوت كَسَائِر الْأَصْوَات، وَالصَّوْت عرض فِي قَول الْأَكْثَرين، وَلم يُخَالف فِيهِ إِلَّا النظام فَإِنَّهُ زعم أَنه جسم وَجعله الْأَشْعَرِيّ اصطكاكاً فِي الْجَوَاهِر بَعْضهَا لبَعض فَهُوَ عِنْده من الأكوان وَقَالَ أَبُو بكر بن الطّيب: لَيْسَ الصَّوْت نفس الاصطكاك وَلكنه معنى زَائِد عَلَيْهِ. قَالَ السُّهيْلي: وَلَو قَدرنَا الْكَلَام صفة قَائِمَة بِنَفس الْحجر، وَالصَّوْت عبارَة عَنهُ، لم يكن بُد من اشْتِرَاط الْحَيَاة وَالْعلم مَعَ الْكَلَام، وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ، أَكَانَ كلَاما مَقْرُونا بحياة وَعلم، فَيكون الْحجر بِهِ مُؤمنا، أم كَانَ صَوتا
стр. 170
مُجَردا غير مقرون بحياة؟ وَفِي كلا الْوَجْهَيْنِ هُوَ علم من أَعْلَام النُّبُوَّة. وَأما حنين الْجذع فقد سمي حنيناً، وَحَقِيقَة الحنين تَقْتَضِي شَرط الْحَيَاة، وَيحْتَمل تَسْلِيم الْحِجَارَة أَن يكون مُضَافا فِي الْحَقِيقَة إِلَى مَلَائِكَة يسكنون تِلْكَ الْأَمَاكِن ويعمرونها فَيكون مجَازًا من بَاب قَوْله: " واسأل الْقرْيَة ". وَالْأول أظهر. انْتهى كَلَامه. الزقاق حجر مركب على جِدَار يزوره النَّاس وَيَقُولُونَ: هَذَا الْحجر سلم على رَسُول الله ﷺ ليَالِي بعث. انْتهى. وروى التِّرْمِذِيّ وَمُسلم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عَليّ قبل أَن ينزل على ". قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف: وَفِي بعض المسندات زِيَادَة أَن هَذَا الْحجر الَّذِي كَانَ يسلم عَلَيْهِ هُوَ الْحجر الْأسود. قَالَ: وَهَذَا التَّسْلِيم الْأَظْهر فِيهِ أَن يكون حَقِيقَة، وَأَن يكون الله أنطقه إنطاقاً كَمَا خلق الحنين فِي الْجذع، وَلَيْسَ من شَرط الْكَلَام الَّذِي هُوَ حرف وَصَوت الْحَيَاة وَالْعلم والإرادة؛ لِأَنَّهُ صَوت كَسَائِر الْأَصْوَات، وَالصَّوْت عرض فِي قَول الْأَكْثَرين، وَلم يُخَالف فِيهِ إِلَّا النظام فَإِنَّهُ زعم أَنه جسم وَجعله الْأَشْعَرِيّ اصطكاكاً فِي الْجَوَاهِر بَعْضهَا لبَعض فَهُوَ عِنْده من الأكوان وَقَالَ أَبُو بكر بن الطّيب: لَيْسَ الصَّوْت نفس الاصطكاك وَلكنه معنى زَائِد عَلَيْهِ. قَالَ السُّهيْلي: وَلَو قَدرنَا الْكَلَام صفة قَائِمَة بِنَفس الْحجر، وَالصَّوْت عبارَة عَنهُ، لم يكن بُد من اشْتِرَاط الْحَيَاة وَالْعلم مَعَ الْكَلَام، وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ، أَكَانَ كلَاما مَقْرُونا بحياة وَعلم، فَيكون الْحجر بِهِ مُؤمنا، أم كَانَ صَوتا مُجَردا غير مقرون بحياة؟ وَفِي كلا الْوَجْهَيْنِ هُوَ علم من أَعْلَام النُّبُوَّة. وَأما حنين الْجذع فقد سمي حنيناً، وَحَقِيقَة الحنين تَقْتَضِي شَرط الْحَيَاة، وَيحْتَمل تَسْلِيم الْحِجَارَة أَن يكون مُضَافا فِي الْحَقِيقَة إِلَى مَلَائِكَة يسكنون تِلْكَ الْأَمَاكِن ويعمرونها فَيكون مجَازًا من بَاب قَوْله: " واسأل الْقرْيَة ". وَالْأول أظهر. انْتهى كَلَامه. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه فِي ذكر تَسْلِيم الْحجر وَالشَّجر عَلَيْهِ ﷺ عَن جَابر بن سَمُرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِنِّي لأعرف حجرا بِمَكَّة كَانَ يسلم عليّ قبل أَن أبْعث، وَإِنِّي لأعرفه الْآن ". أخرجه مُسلم وَأَبُو حَاتِم، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: " كَانَ يسلم عليّ ليَالِي بعثت ". وَقَالَ: حسن غَرِيب. وَقَالَ عِيَاض: قيل: إِنَّه الْحجر الْأسود. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَالظَّاهِر أَنه غَيره، فَإِن شَأْن الْحجر الْأسود عَظِيم، وَلَو كَانَ إِيَّاه لذكر وَلما أنكرهُ، قَالَ: وَالْيَوْم بِمَكَّة حجر عِنْد أبنية تعرف بدكان أبي بكر، أخبرنَا شَيخنَا أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن خَلِيل أَن أكَابِر أَشْيَاخ أهل مَكَّة أخبروا أَنه الْحجر الَّذِي كَانَ يسلم عَلَيْهِ ﷺ . انْتهى كَلَام الطَّبَرِيّ. وَقَالَ الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس ": قيل: هُوَ الْحجر الْأسود. وَقيل: الْحجر المستطيل بِبَاب دَار أبي سُفْيَان بزقاق الْحجر. قَالَ: وَهَذَا الْحجر على الدَّار بَاقٍ إِلَى الْيَوْم. انْتهى. وَهُوَ كَذَلِك بَاقٍ إِلَى الْآن. وَمِنْهَا: دَار الأرقم بن أبي الأرقم المَخْزُومِي الْمَعْرُوفَة بدار الخيزران الَّتِي عِنْد الصَّفَا، وَالْمَقْصُود من زيارتها مَسْجِد مَشْهُور فِيهَا. ذكره الْأَزْرَقِيّ وَذكر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ مختفياً فِيهِ، وَأَن فِيهِ أسلم عمر بن الْخطاب. وَقَالَ غَيره: كَانَ ﷺ مستتراً فِيهِ فِي بَدْء الْإِسْلَام، وَكَانَ بِهِ اجْتِمَاع من أسلم من الصَّحَابَة، وَبِه أسلم عمر بن الْخطاب وَحَمْزَة وَغَيرهمَا، وَمِنْه ظهر الْإِسْلَام وَله أَيْضا فضل كثير، قَالَ " الأرقم " الْمرْجَانِي: وأرقم بن أبي الأرقم اشْترى الْمهْدي دَاره بسبعة عشر ألف دِرْهَم، ووهبها للخيزران أم الخليفتين الْهَادِي والرشيد.
стр. 171
قَالَ سعد الدّين الإسفرائيني: وَالْمَسْجِد الَّذِي فِي هَذِه الدَّار بنته جَارِيَة الْمهْدي، وَمِمَّنْ عمر هَذَا الْمَسْجِد الْوَزير الْجواد ثمَّ الْمُسْتَنْصر العباسي، وَعمر فِي آخر الْقرن الثَّامِن بعض المجاورات. وَمِنْهَا: دَار الْعَبَّاس ﵁ عَم النَّبِي ﷺ الَّتِي بالمسعى الْمُعظم، وَهِي الْآن رِبَاط يسكنهُ الْفُقَرَاء. وَمن الدّور الْمُبَارَكَة بِمَكَّة رِبَاط الْمُوفق بِأَسْفَل مَكَّة. وَتقدم فِي كتاب الْمَنَاسِك فِي ذكر الْأَمَاكِن المستجاب فِيهَا الدُّعَاء أَنه يُسْتَجَاب فِيهِ الدُّعَاء. وَمِنْهَا: معبد الْجُنَيْد بلحف الْجَبَل الَّذِي يُقَال لَهُ: الْأَحْمَر أحد أخشبي مَكَّة، وَهُوَ مَشْهُور عِنْد النَّاس. وَقَالَ سعد الدّين الإسفرائيني: إِنَّه معبد الْجُنَيْد ومعبد إِبْرَاهِيم بن أدهم. وَأما الْجبَال الْمُبَارَكَة بِمَكَّة وحرمها: فَمِنْهَا: الْجَبَل الْمَعْرُوف بِأبي قبيس، وَهُوَ الْجَبَل المشرف على الصَّفَا وَهُوَ أحد أخشبي مَكَّة، وَالْآخر الْأَحْمَر، وَإِنَّمَا سمي أَبَا قبيس لثَلَاثَة أوجه؛ أَحدهمَا: أَنه سمي بِرَجُل من إياد يُقَال لَهُ: أَبُو قبيس بنى فِيهِ فَلَمَّا صعد الْبناء فِيهِ سمي جبل أبي قبيس كَذَا ذكر الْأَزْرَقِيّ، وَقيل: إِن هَذَا الْجَبَل من مذْحج ذكره ابْن الْجَوْزِيّ. وَالثَّانِي: أَن الْحجر الْأسود استودع فِيهِ عَام الطوفان، فَلَمَّا بنى الْخَلِيل الْكَعْبَة نَادَى أَبُو قبيس: الرُّكْن منى بمَكَان كَذَا وَكَذَا كَمَا قدمْنَاهُ. وَالثَّالِث: سمي بقبيس ابْن سالح رجل من جرهم كَانَ قد وشى بَين عَمْرو بن مضاض وَبَين ابْنة عَمه ميّة، فنذرت أَن لَا تكَلمه وَكَانَ شَدِيد الكلف بهَا، فحلق ليقْتلن قبيساً فهرب مِنْهُ فِي الْجَبَل الْمَعْرُوف بِهِ وَانْقطع خَبره، فإمَّا مَاتَ فِيهِ وَإِمَّا تردى مِنْهُ، وَهُوَ خبر طَوِيل ذكره ابْن هِشَام فِي عبر السِّيرَة. وَصحح النَّوَوِيّ فِي " التَّهْذِيب " الْوَجْه الأول، وَقَالَ: إِن الْوَجْه الثَّانِي ضَعِيف أَو غلط. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: الأول أشهر عِنْد أهل مَكَّة وَكَانَ يُسمى فِي الْجَاهِلِيَّة الْأمين؛ للمعنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي الْوَجْه الثَّانِي وَهَذَا مِمَّا يقويه ويرجحه على الْوَجْهَيْنِ الْأَخيرينِ.
стр. 172
وَالله أعلم. وَعَن مُجَاهِد قَالَ: أول جبل وَضعه الله على الأَرْض حِين مادت أَبُو قبيس ثمَّ حدثت مِنْهُ الْجبَال ذكره الْأَزْرَقِيّ والواحدي، وقبر آدم فِيهِ على مَا قَالَ وهب بن مُنَبّه فِي غَار يُقَال لَهُ: غَار الْكَنْز وَهُوَ غير مَعْرُوف الْآن. وَقيل: إِن قَبره بِمَسْجِد الْخيف بعد أَن صلى عَلَيْهِ جِبْرِيل عِنْد بَاب الْكَعْبَة حَكَاهُ الفاكهي عَن عُرْوَة بن الزبير، وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي " درياق الْقُلُوب " وَقَالَ " دَفَنته الْمَلَائِكَة بِهِ. وَقيل: عِنْد مَسْجِد الْخيف ذكره الذَّهَبِيّ، وَفِي منسك الْفَارِسِي. وَقيل: عِنْد مَنَارَة مَسْجده، وَقيل: قَبره فِي الْهِنْد فِي الْموضع الَّذِي أهبط إِلَيْهِ من الْجنَّة وَصَححهُ الْحَافِظ ابْن كثير. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: إِن قبر آدم وَإِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب ويوسف فِي بَيت الْمُقَدّس. وَقد تقدّمت هَذِه الْأَقْوَال مَعَ زِيَادَة فَوَائِد فِي أَوَائِل هَذَا الْبَاب. وَفِي أبي قبيس على مَا قيل: قبر شِيث بن آدم وَأمه حَوَّاء كَذَا ذكر الذَّهَبِيّ فِي جُزْء أَلفه فِي تَارِيخ مُدَّة آدم وبنيه؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَدفن شِيث مَعَ أَبَوَيْهِ فِي غَار أبي قبيس. وَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل وَغَيره حَدِيث الْكتاب الْمَوْجُود فِي الرُّكْن وَفِيه: أَن مَكَّة لَا تَزُول حَتَّى يَزُول أخشباها. وَتقدم فِي أول الْبَاب أَن إِبْرَاهِيم ﵇ أذّن فِي النَّاس بِالْحَجِّ على أبي قبيس على أحد الْأَقْوَال. وَقَالَ ابْن النقاش فِي: فهم الْمَنَاسِك ": من صعد فِي كل جُمُعَة إِلَى أبي قبيس رأى الْحرم مثل الطير يزهر، وَإِن صعد إِلَى ثَوْر أَو حراء أَو ثبير كَانَ أثبت لنظره ومشاهدته، وخصوصاً ليَالِي رَجَب وَشَعْبَان ورمضان وليالي الأعياد. وجبال مَكَّة تسمى جبال فاران كَذَا وجد فِي الْفَصْل الْعشْرين من السّفر الْخَامِس عَن مُوسَى ﵇ أَن الرب جَاءَ من طور سيناء وأشرق من ساعين واستعلن من جبال فاران فمجئ الله من طور سيناء هُوَ إنزاله التَّوْرَاة على مُوسَى، وإشراقه من " ساعين " إنزاله الْإِنْجِيل على عِيسَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ يسكن فِي " ساعين " أَرض الْخَلِيل فِي قَرْيَة ناصرة، واستعلانه من جبال فاران إنزاله الْقُرْآن على مُحَمَّد ﷺ ، وفاران هِيَ جبال مَكَّة فِي قَول الْجَمِيع.
стр. 173
قَالَ عُلَمَاء التَّارِيخ: جَمِيع مَا عرف فِي الأَرْض من الْجبَال مائَة وَثَمَانِية وَتسْعُونَ جبلا، من أعجبها سرنديب، وَهُوَ أقرب ذرا الأَرْض إِلَى السَّمَاء. وَقيل: صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس أقرب ذرا الأَرْض من السَّمَاء بِثمَانِيَة عشر ميلًا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ. وَطول جبل سرنديب مِائَتَان ونيف وَسِتُّونَ ميلًا، فِيهِ أثر قدم آدم وَعَلِيهِ شبه الْبَرْق، لَا يذهب شتاء وَلَا صيفاً، وَحَوله الْيَاقُوت وَفِي واديه الماس، وَفِيه الْعود والفلفل ودابة الْمسك وهر الزباد، ووادي سرنديب مُتَّصِل إِلَى قرب سيلان. وجبل الرَّدْم الَّذِي فِيهِ السد طوله سَبْعمِائة فَرسَخ، وَيَنْتَهِي إِلَى الْبَحْر المظلم. وجبل قَاف من زمردة خضراء مُحِيط بالسموات وَالْأَرْض، وَمِنْه اخضرت السَّمَاء، دائر بِالْأَرْضِ من وَرَاء الْبَحْر الْمُحِيط وَالسَّمَاء عَلَيْهِ مقببة، وَمَا أصَاب النَّاس من زمرد كَانَ مِمَّا تساقط من ذَلِك الْجَبَل. وَقَالَ وهب: أشرف ذُو القرنين على جبل فَرَأى تَحْتَهُ جبالاً صغَارًا فَقَالَ لَهُ: مَا أَنْت؟ قَالَ: أَنا قَاف. قَالَ: فَمَا هَذِه الْجبَال حولك؟ قَالَ: هِيَ عروقي وَمَا من مَدِينَة إِلَّا وفيهَا عرق من عروقي، فَإِذا أَرَادَ الله أَن يزلزل مَدِينَة أَمرنِي فحركت عرقي ذَلِك فتزلزل تِلْكَ الأَرْض. فَقَالَ: يَا قَاف أَخْبرنِي بِشَيْء من عَظمَة الله تَعَالَى. قَالَ: إِن شَأْن رَبنَا لعَظيم، وَإِن ورائي أَيْضا مسيرَة خَمْسمِائَة عَام فِي خَمْسمِائَة عَام من جبال ثلج، يحطم بَعْضهَا بَعْضًا لَوْلَا هِيَ لاحترقت من حر جَهَنَّم. قَالَ الْمرْجَانِي: وَاسم جبل قَاف عيلهون قَالَ: وَلأَجل هَذَا الِاسْم منع اسْتِعْمَال تِلْكَ الحفيظة حَكَاهُ الْمَازرِيّ، قَالَ: ووراء قَاف أَرض بَيْضَاء كافورية مثل الدُّنْيَا سبع مَرَّات، وَمن خلفهَا السَّبْعَة الأبحر: أَولهَا: يبطس، الثَّانِي: قيس، الثَّالِث: الْأَصَم، الرَّابِع: المظلم، الْخَامِس: مايس، السَّادِس: السَّاكِن، السَّابِع: الباكي وَهِي مُحِيطَة بَعْضهَا بِبَعْض حَكَاهُ الْكسَائي. قَالَ وهب: خلقهَا الله فِي الْيَوْم الثَّالِث. وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " لما تجلى الله لجبل طور سيناء تشظى مِنْهُ شظايا، فَنزلت بِمَكَّة ثَلَاثَة؛ حراء وقديد وثور، وبالمدينة أحد وعير وورقان ". وَعنهُ أَيْضا قَالَ: " صَار لِعَظَمَة الله سِتَّة أجبل، فَوَقَعت ثَلَاثَة بِالْمَدِينَةِ: أحد وورقان ورضوى، وَوَقعت ثَلَاثَة بِمَكَّة ثَوْر وثبير وحراء ". وَقيل: نزلت بِمَكَّة أَرْبَعَة حراء وثبير وثور وقديد. انْتهى.
стр. 174
قَالَ الْمرْجَانِي: وَلم نعلم أَن بحرم مَكَّة جبلا يُقَال لَهُ: قديداً، إِنَّمَا قديد بَينهَا وَبَينه مِقْدَار أَرْبَعَة أَيَّام أَو خَمْسَة. وَالطور اسْم الْجَبَل الَّذِي كلم الله عَلَيْهِ مُوسَى، وَهُوَ أحد جبال الْجنَّة، وَعَن عَمْرو بن عَوْف قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " أَرْبَعَة جبال من جبال، أَو أَرْبَعَة أَنهَار من أَنهَار الْجنَّة، وَأَرْبَعَة ملاحم من ملاحم الْجنَّة ". قيل: فَمَا الأجبل؟ قَالَ: " أحد جبل يحبنا ونحبه، وَالطور من جبال الْجنَّة، ولبنان من جبال الْجنَّة وخصيب من جبال الْجنَّة وَهُوَ بِالرَّوْحَاءِ والأنهار: النّيل والفرات وسيحان وجيحان، والملاحم: بدر وَأحد وَالْخَنْدَق وخيبر ". قَالَ: التوربشتى شَارِح المصابيح وَفِي قَوْله ﷺ : " أَرْبَعَة أَنهَار من أَنهَار الْجنَّة ". الحَدِيث وَجْهَان؛ أَحدهمَا: أَن نقُول: إِنَّمَا جعل الْأَنْهَار الْأَرْبَعَة من أَنهَار الْجنَّة؛ لما فِيهَا من السلاسلة والعذوبة والهضم وتضمنها الْبركَة الإلهية وتشرفها بورود الْأَنْبِيَاء إِلَيْهَا وشربهم مِنْهَا، وَذَلِكَ مثل قَوْله ﷺ فِي عَجْوَة الْمَدِينَة: " إِنَّهَا من ثمار الْجنَّة ". وَالْآخر أَن نقُول: يحْتَمل أَنه سمى الْأَنْهَار الَّتِي هِيَ أصُول أَنهَار الْجنَّة بِتِلْكَ الْأَسَامِي؛ ليعلم أَنَّهَا فِي الْجنَّة بِمَثَابَة الْأَنْهَار الْأَرْبَعَة فِي الدُّنْيَا، أَو لِأَنَّهَا مسميات بِتِلْكَ المسميات فَوَقع الِاشْتِرَاك فِيهَا. انْتهى. وَالطور هُوَ الَّذِي أقسم الله تَعَالَى بِهِ بقوله: " وَالطور وَكتاب مسطور ". لفضله على الْجبَال إِذْ روى أَن الله أوحى إِلَى الْجبَال أَنِّي مهبط على أحدكُم أَمْرِي يُرِيد رِسَالَة مُوسَى فتطاولت كلهَا إِلَّا الطّور فَإِنَّهُ استكان لأمر الله وَقَالَ: حسبي الله. فأهبط الله الْأَمر عَلَيْهِ ذكره ابْن عَطِيَّة. وَرُوِيَ أَن
стр. 175
الله تَعَالَى أوحى إِلَى الْجبَال أَن السَّفِينَة أَي سفينة نوح ترسو على وَاحِد مِنْهَا فتطاولت، وَبَقِي الجودي لم يَتَطَاوَل تواضعاً لله تَعَالَى فاستوت السَّفِينَة عَلَيْهِ وَبقيت عَلَيْهِ أعواده. وَقَالَ مُجَاهِد: تشامخت الْجبَال وتطاولت لِئَلَّا ينالها الْغَرق، فعلا المَاء فَوْقهَا خَمْسَة عشر ذِرَاعا، وتواضع الجودي فَلم يغرق ورست السَّفِينَة عَلَيْهِ. وَيُقَال: إِن الجودي من جبال الْجنَّة فَلهَذَا اسْتَوَت عَلَيْهِ. وَيُقَال أكْرم الله ثَلَاثَة جبال بِثَلَاثَة نفر: الجودي بِنوح، وطور سيناء بمُوسَى، وحراء بِمُحَمد ﷺ ذكره الْقُرْطُبِيّ. وَقَالَ: لما تواضع الجودي وخضع عز، وَلما ارْتَفع غَيره واستعلا ذل، وَهَذِه سنة الله فِي خلقه يرفع من يخشع وَيَضَع من ترفع. وَلَقَد أحسن الْقَائِل: وَإِذا تذللت الرّقاب تخضعاً ... منا إِلَيْك فعزها فِي ذلها وَمن ذَلِك قصَّة " الْقَصْوَاء " نَاقَة النَّبِي ﷺ الَّتِي كَانَت لَا تسبق فسبقها قعُود لأعرابي يَوْمًا، فَقَالَ ﷺ : " إِن حَقًا على الله أَن لَا يرفع شَيْئا فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه ". انْتهى. وبحرم مَكَّة اثْنَا عشر ألف جبل ذكره الْأَزْرَقِيّ فِي الْجبَال، وَفِي أبي قبيس انْشَقَّ الْقَمَر للنَّبِي ﷺ كَمَا ذكره الْحَافِظ قطب الدّين الْحلَبِي؛ لِأَنَّهُ قَالَ: كَانَ يرى نصفه على قعيقعان وَنصفه الآخر على أبي قبيس. وَذكر القطب أَن أَبَا نعيم الْحَافِظ روى بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس أَن ذَلِك يَعْنِي انْشِقَاق الْقَمَر لَيْلَة أَربع عشرَة فانشق الْقَمَر نِصْفَيْنِ نصفا على الصَّفَا وَنصفا على الْمَرْوَة. انْتهى. والصفا مَحْسُوب من أبي قبيس على مَا ذكره الْعلمَاء فَلَا يضاد مَا ذكره القطب من أَن نصف الْقَمَر على أبي قبيس. وَذكر الْقُرْطُبِيّ فِي ذَلِك خَبرا وَقَالَ: اجْتمع الْمُشْركُونَ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقَالُوا: إِن كنت صَادِقا فاشقق لنا الْقَمَر فرْقَتَيْن؛ نصف على أبي قبيس وَنصف على قعيقعان. فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ : " إِن فعلت تؤمنون بِي ". قَالُوا: نعم. وَكَانَت تِلْكَ لَيْلَة بدر فَسَأَلَ رَسُول الله ﷺ ربه أَن يُعْطِيهِ مَا قَالُوا: فانشق الْقَمَر فرْقَتَيْن وَرَسُول الله ﷺ يُنَادي الْمُشْركين: " يَا فلَان يَا فلَان، اشْهَدُوا ". وَأما كَون الانشقاق وَقع فِي أبي قبيس فِي الْموضع الَّذِي يَقُوله النَّاس
стр. 176
الْيَوْم فَلم أر مَا يدل على ذَلِك، وَقد اخْتلفت الْأَحَادِيث فِي مَوضِع انْشِقَاق الْقَمَر، فَفِي مُسْند عبد حميد وَالتِّرْمِذِيّ عَن أنس أَنه وَقع بِمَكَّة. وَفِي صَحِيح مُسلم حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه وَقع بمنى. وَفِي تَفْسِير ابْن عَطِيَّة: قَالَ ابْن مَسْعُود: رَأَيْته انْشَقَّ فَذهب فرقة وَرَاء جبل حراء. وَقد تقدم فِي الْأَمَاكِن المستجاب فِيهَا الدُّعَاء أَن الدُّعَاء يُسْتَجَاب فِي أبي قبيس، وَمن عجائبه مَا ذكر الْقزْوِينِي فِي كِتَابه " عجائب الْمَخْلُوقَات ": من أَنه يزْعم النَّاس أَن من أكل عَلَيْهِ الرَّأْس المشوي يَأْمَن أوجاع الرَّأْس، قَالَ: وَكثير من النَّاس يفعل ذَلِك. انْتهى. قَالَ قوام الدّين فِي " التَّبْيِين " شرح الأخسبكتي فِي بَاب حُرُوف الْمعَانِي: لما ذكر عَن الشَّافِعِي ﵁ أَن الْوَاو للتَّرْتِيب، وَقَالَ: قد أنكر عَلَيْهِ أَصْحَابه فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَول لم يقل بِهِ أحد لمُخَالفَته لموضوع اللُّغَة، ثمَّ قَالَ قوام الدّين: وَالْعجب من الْغَزالِيّ حَيْثُ قرع صِفَات الْحسن الْبَصْرِيّ وَطعن على مَالك وشنع على أبي حنيفَة فِي آخر منخوله فَقَالَ: وَأما أَبُو حنيفَة فَلم يكن مُجْتَهدا، لِأَنَّهُ لَا يعرف اللُّغَة وَعَلِيهِ يدل قَوْله: لَو رَمَاه بأبو قبيس. ثمَّ غفل عَن سَهْو إِمَامه وَلَقَد صدقُوا فِي قَوْلهم: حبك للشَّيْء يعمى ويصم. وَالْجَوَاب عَنهُ من وُجُوه: أَحدهَا: إِنَّا نقُول: لَا نسلم أَن أَبَا حنيفَة تكلم بِهَذِهِ الْكَلِمَة أصلا وَمَا ذَاك إِلَّا افتراء عَلَيْهِ، فَأَي مَسْأَلَة تعلّقت بهَا وَأي كتاب من كتب أَصْحَابه حواها، وَأي دَلِيل دلّ عَلَيْهَا، وَالله وَالله إِن بعض الظَّن إِثْم. وَالثَّانِي: فَرضنَا أَنه تكلم بِمثل هَذِه الْكَلِمَة لَكِن لَا نسلم أَنه أَخطَأ؛ لِأَنَّهُ يجوز بطرِيق الْحِكَايَة مثل هَذَا لقَوْله: وجدنَا فِي كتاب بني تَمِيم ... أَحَق الْخَيل بالركض المعار
стр. 177
بِرَفْع الْقَاف وَالرَّاء. وكقولهم: قَرَأت " سُورَة أنزلناها ". بِضَم سُورَة. وَقَوْلهمْ: بدأت بِالْحَمْد لله. بِضَم الدَّال، وَلَا تنكر الْحِكَايَة، وَهُوَ أَن ينْقل القَوْل على مَا كَانَ إِلَّا من لَا يمس بِعلم الْإِعْرَاب أَو من لَهُ مس من الْجُنُون، وَالْجُنُون فنون. وَالثَّالِث: فَرضنَا أَنه أَخطَأ كَمَا زعم هَذَا الْقَائِل، لَكِن لَا نسلم أَن الشَّخْص لَا يكون مُجْتَهدا إِذا أَخطَأ فِي شَيْء؛ لِأَن القَوْل بِإِصَابَة كل مُجْتَهد لَيْسَ بِمذهب الْمُسلمين، بل الْمُجْتَهد يجوز لَهُ الْخَطَأ وَالصَّوَاب؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بمعصوم، ثمَّ نقُول: هلا أورد الْغَزالِيّ فِي كِتَابه مَا أَخذ أهل اللُّغَة على إِمَامه فِي أَشْيَاء من الْغَلَط.! الأول: قَوْله فِي " أَحْكَام الْقُرْآن ": " ذَلِك أدنى أَن لَا تعولُوا ". أَي: لَا تكْثر عيالكم، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا تميلوا، وَالثَّانِي: قَوْله فِي كِتَابه هَذَا: إِن الْوَاو للتَّرْتِيب، وَإِنَّمَا هِيَ لمُطلق الْجمع. وَالثَّالِث: قَوْله فِي كِتَابه: مَاء مالح، وَإِنَّمَا هُوَ مَاء ملح؛ لقَوْله تَعَالَى: " ملح أجاج ". وَالرَّابِع قَوْله: إِذا أشلى كَلْبه يُرِيد بِهِ أغراه وَإِنَّمَا يُقَال: أشلاه إِذا استدعاه. وَالْخَامِس: الْغرم الْهَلَاك، وَإِنَّمَا الْغرم اللُّزُوم إِلَى غير ذَلِك. ثمَّ الْغَزالِيّ شنع فِي كِتَابه " المنخول " فِي أَشْيَاء من غير حجَّة على دَعْوَاهُ وَلَا دَلِيل على مَا خيل لَهُ، وَالله إِنَّا كُنَّا نعتقده غَايَة الإعتقاد لأجل مَا جمع فِي " إحيائه " من كَلِمَات الْمَشَايِخ بِالنّظرِ إِلَى الظَّاهِر، ثمَّ لما رَأينَا طعنه على الْكِبَار بِلَا إِقَامَة برهَان حصل بِنَا مِنْهُ مَا حصل، وَلَقَد صدقُوا فِي قَوْلهم: تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ. اللَّهُمَّ ارزقنا الصدْق وَالْوَفَاء وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلاً للَّذين آمنُوا وهيئ لنا من أمرنَا رشدا. انْتهى كَلَام قوام الدّين وَهَذَا لَفظه. وَمِنْهَا: جبل حراء بِأَعْلَى مَكَّة وَهُوَ مَمْدُود، وَمِنْهُم من يذهب فِيهِ إِلَى التَّذْكِير فيصرفه، وَمِنْهُم من يذهب فِيهِ إِلَى التَّأْنِيث فيمنعه الصّرْف. وَهَذَا الْجَبَل من مَكَّة على ثَلَاثَة أَمْيَال كَمَا ذكره صَاحب الْمطَالع وَغَيره، وَهُوَ مُقَابل لثبير والوادي بَينهمَا، وهما على يسَار السالك إِلَى منى، وحراء قبلي ثبير مِمَّا يَلِي شمال الشَّمْس، وَأما ثَوْر فَمن جِهَة
стр. 178
الْجنُوب من على يَمِين الشَّمْس، و " يُسَمِّي هَذَا الْجَبَل بَعضهم جبل النُّور "، ولعمري إِنَّه كَذَلِك لِكَثْرَة مجاورة النَّبِي ﷺ وتعبده فِيهِ، وَمَا خصّه الله فِيهِ من الْكَرَامَة بالرسالة إِلَيْهِ ونزول الْوَحْي فِيهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي غَار فِي أَعْلَاهُ مَشْهُور يأثره الْخلف عَن السّلف ﵏ ويقصدونه بالزيارة، وَأما مَا ذكر الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخه فِي ذكر الْجبَال: من أَن النَّبِي ﷺ أَتَى هَذَا الْجَبَل واختبئ فِيهِ من الْمُشْركين فِي غَار فِي رَأسه مشرف مِمَّا يَلِي الْقبْلَة. فَقَالَ بعض من عاصرناه: إِن هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَالْمَعْرُوف أَن النَّبِي ﷺ لم يختبئ من الْمُشْركين إِلَّا فِي غَار ثَوْر بِأَسْفَل مَكَّة. انْتهى. وَيُؤَيّد مَا ذكره الْأَزْرَقِيّ مَا قَالَه القَاضِي عِيَاض ثمَّ الشهيلي فِي " الرَّوْض الْأنف "، أَن قُريْشًا حِين طلبُوا رَسُول الله ﷺ كَانَ على ثبير فَقَالَ لَهُ ثبير وَهُوَ على ظَهره: اهبط عني يَا رَسُول الله، فَإِنِّي أَخَاف أَن تقتل على ظَهْري فيعذبني الله، فناداه حراء إليّ يَا رَسُول الله. فَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ اختبئ فِيهِ من الْمُشْركين فِي وَاقعَة ثمَّ اختفى فِي ثَوْر فِي وَاقعَة أُخْرَى وَهِي خبر الْهِجْرَة. وَقَالَ السُّهيْلي فِي حَدِيث الْهِجْرَة: وأحسب فِي الحَدِيث أَن ثوراً ناداه أَيْضا لما قَالَ لَهُ ثبير: اهبط عني. وَهَذَا الْغَار الَّذِي فِي الْجَبَل مَشْهُور بِالْخَيرِ وَالْبركَة؛ لحَدِيث بَدْء الْوَحْي الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأورد ابْن أبي جَمْرَة سؤالاً وَهُوَ: أَنه لم اخْتصَّ ﷺ بِغَار حراء فَكَانَ يَخْلُو فِيهِ ويتحنث دون غَيره من الْمَوَاضِع وَلم يُبدلهُ فِي طول تحنثه؟ وَأجَاب عَن ذَلِك بِأَن هَذَا الْغَار لَهُ فضل زَائِد على غَيره من قبل أَن يكون فِيهِ منزوياً مجموعاً لتحنثه وَهُوَ يبصر بَيت ربه وَالنَّظَر إِلَى الْبَيْت عبَادَة، فَكَانَ لَهُ اجْتِمَاع ثَلَاث عبادات وَهِي الْخلْوَة والتحنث وَالنَّظَر إِلَى الْبَيْت، وَجمع هَذِه الثَّلَاث أولى من الِاقْتِصَار على بَعْضهَا دون بعض، وَغَيره من الْأَمَاكِن لَيْسَ فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى، فَجمع لَهُ ﷺ فِي المبادي كل حسن بَادِي. انْتهى. وَعَن ابْن أبي مليكَة قَالَ: جَاءَت خَدِيجَة إِلَى النَّبِي ﷺ بحيس وَهُوَ بحراء فَجَاءَهُ جِبْرِيل فَقَالَ: يَا مُحَمَّد هَذِه خَدِيجَة قد جاءتك تحمل حَيْسًا مَعهَا وَالله يَأْمُرك أَن تقرئها السَّلَام وتبشرها بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب، فَلَمَّا أَن رقت
стр. 179
خَدِيجَة قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : " يَا خَدِيجَة إِن جِبْرِيل جَاءَنِي وَالله يُقْرِئك السَّلَام، ويبشرك بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب ". فَقَالَت خَدِيجَة: الله السَّلَام وَمن الله السَّلَام وعَلى جِبْرِيل السَّلَام. رَوَاهُ الْأَزْرَقِيّ. وَذكر الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس " عَجِيبَة قَالَ: خرجت فِي بعض الْأَيَّام إِلَى زِيَارَة حراء وَكَانَ يَوْم السبت الثَّانِي من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة، وَكَانَ يَوْم غيم فَلَمَّا كَانَ بعد الظّهْر سَمِعت لبَعض تِلْكَ الحجار فِيهِ أصواتاً عَجِيبَة فَرفعت حجرين مِنْهَا فِي كل كف حجر، فَكنت أجد رعدة الْحجر فِي يَدي وَهُوَ يَصِيح، ثمَّ إِنِّي رفعت يَدي فصاحت كل وَاحِدَة من أصابعي أَيْضا وَكَانَ مَحل الصياح قامة من الأَرْض فَمَا كَانَ على سمتها صَاح وَمَا كَانَ أرفع من ذَلِك أَو أَخفض لم يتَكَلَّم فَعلمت أَن ذَلِك تَسْبِيح فدعوت الله تَعَالَى بِمَا تيَسّر فَلَمَّا طلعت الشَّمْس سكت فقست الشَّمْس فَوجدت ظلّ كل شَيْء مثله وَمثل ربعه فقدرته بعد ذَلِك بالإسطرلان فَكَانَت تِلْكَ هِيَ السَّاعَة الْعَاشِرَة وَكَانَ صَوت الْحجر يسمع من مدى مائَة خطْوَة قَالَ: فَذكرت مَا رَأَيْته لوالدي ﵀ فَقَالَ: وَأَنا جرى لي بحراء شبه ذَلِك وَذَلِكَ أَنا كُنَّا جمَاعَة بائتين بِهِ وَكَانَت لَيْلَة غيم فَقُمْت فِي أثْنَاء اللَّيْل وَإِذا بإبريق للْفُقَرَاء وَشبه النَّار خَارج مِنْهُ وَقد أَضَاء الْمَكَان من ذَلِك قَالَ: فأيقظت الْجَمَاعَة وَكنت أفتح كفي فَيبقى على رَأس كل إِصْبَع شعلة نَار مثل الشمع قَالَ: فَوضعت عمامتي على عكاز ورفعته فَأشْعلَ كالشعل فَذَكرنَا ذَلِك لبَعض الصَّالِحين فَقَالَ: مرت بكم سَحَابَة السّكُون. قَالَ الْمرْجَانِي: والصفتان وَاحِدَة إِلَّا أَنِّي رَأَيْت ذَلِك نَهَارا فَكَانَ ضوءاً وهم رَأَوْهُ لَيْلًا فَكَانَ نورا قَالَ: ثمَّ إِنِّي صعدت الْجَبَل أَيْضا يَوْم السبت الثَّامِن عشر من شَوَّال سنة أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة وَكَانَ معي جمَاعَة مِنْهُم " بِهِ " فاتفق لي مثل ذَلِك وَرَآهُ الْجَمَاعَة. قَالَ الْمرْجَانِي: وحَدثني وَالِدي عَن بعض من أدْركهُ من كبراء وقته أَنه كَانَ يصعد مَعَه إِلَى حراء فِي كل عَام مرّة فيلتقط ذَلِك الشَّخْص من بعض الْحِجَارَة قَالَ: فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ: أخرج مِنْهَا نفقتي " بِهِ " الْعَام ذَهَبا إبريزاً. انْتهى كَلَام الْمرْجَانِي وَله شعر أنْشدهُ فِي فَضَائِل حراء وَمَا اخْتصَّ بِهِ من الكرامات وَهُوَ: تَأمل حراء فِي جمال محياه ... فكم من أنَاس فِي حلا حسنه تاهوا
стр. 180
فمما حوى من هجا لعلياه زيراً ... يفرج عَنهُ الْهم فِي حَال مرقاه بِهِ خلْوَة الْهَادِي الشَّفِيع مُحَمَّد ... وَفِيه لَهُ غَار لَهُ كَانَ يرقاه وقبلته للقدس كَانَت بغاره ... وَفِيه أَتَاهُ الْوَحْي فِي حَال مبداه وَفِيه تجلى الرّوح بالموقف الَّذِي ... بِهِ الله فِي وَقت البداءه سواهُ وَتَحْت تخوم الأَرْض فِي السَّبع أَصله ... وَمن بعد هَذَا اهتز بالسفل أَعْلَاهُ وَلما تجلى الله قدس ذكره ... لطور تشظى فَهُوَ إِحْدَى شظاياه وَمِنْهَا ثيبر ثمَّ ثَوْر بِمَكَّة ... كَذَا قد أَتَى فِي نقل تَارِيخ مبداه وَفِي طيبَة أَيْضا ثَلَاثًا نعدها ... فعيراً وورقاناً وأحداً روينَاهُ وَيقبل فِيهِ سَاعَة الظّهْر من دَعَا ... بِهِ وينادي من دَعَانَا أجبناه وَفِي أحد الْأَقْوَال فِي عقبت حرا ... أَتَى ثمَّ قابيل لهابيل غشاه وَمِمَّا حوى سرا حوته صخوره ... من التبر إكسيراً يُقَام سمعنها سَمِعت بِهِ تسبيحها غير مرّة ... وأسمعته جمعا فَقَالُوا سمعناه بِهِ مَرْكَز النُّور الإلهي مثبتاً ... فَللَّه مَا أحلى مقَاما بأعلاه قيل: كَانَ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ إِلَى الْقُدس وَقيل: إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي ذَلِك الْوَقْت إِلَى الْكَعْبَة ثمَّ انْتقل إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ بعد ذَلِك تحول إِلَى الْكَعْبَة قَالُوا: وَفِي حراء رأى النَّبِي ﷺ جِبْرِيل فِي الْخلقَة الأولى لَهُ سِتّمائَة جنَاح قد سد الْأُفق. وَمِنْهَا جبل ثَوْر بِأَسْفَل مَكَّة وَسَماهُ البكرى أَبَا ثَوْر وَالْمَعْرُوف فِيهِ ثَوْر كَمَا ذكره الْأَزْرَقِيّ والمحب الطَّبَرِيّ وَهُوَ من مَكَّة على ثَلَاثَة أَمْيَال كَمَا ذكره ابْن الْحَاج وَابْن جُبَير وَقَالَ الْبكْرِيّ: إِنَّه على ميلين من مَكَّة وَإِن ارتفاعه نَحْو ميل. قَالَ الْمرْجَانِي: وسمى الْجَبَل ثوراً وَإِنَّمَا اسْمه الْمحل سمي بثور بن مَنَاة بن طائخة؛ لِأَنَّهُ كَانَ ينزله. وَصَحَّ أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر الصّديق اختليا فِيهِ فِي غَار بِهِ وَهُوَ مَشْهُور يأثره الْخلف عَن السّلف، وَهُوَ الَّذِي ذكره الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن فِي قَوْله: ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار " وَفِي حَدِيث الْهِجْرَة أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر لَحقا بِغَار فِي جبل ثَوْر بِأَسْفَل مَكَّة فدخلاه وَأمر أَبُو بكر ﵁ ابْنه عبد الله أَن يتسمع لَهما مَا يَقُول
следующие страницы →