← История

История · id 5539

تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف

ابن الضياء

Полный текст (329 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الْيَوْم فَلم أر مَا يدل على ذَلِك، وَقد اخْتلفت الْأَحَادِيث فِي مَوضِع انْشِقَاق الْقَمَر، فَفِي مُسْند عبد حميد وَالتِّرْمِذِيّ عَن أنس أَنه وَقع بِمَكَّة. وَفِي صَحِيح مُسلم حَدِيث ابْن مَسْعُود أَنه وَقع بمنى. وَفِي تَفْسِير ابْن عَطِيَّة: قَالَ ابْن مَسْعُود: رَأَيْته انْشَقَّ فَذهب فرقة وَرَاء جبل حراء. وَقد تقدم فِي الْأَمَاكِن المستجاب فِيهَا الدُّعَاء أَن الدُّعَاء يُسْتَجَاب فِي أبي قبيس، وَمن عجائبه مَا ذكر الْقزْوِينِي فِي كِتَابه " عجائب الْمَخْلُوقَات ": من أَنه يزْعم النَّاس أَن من أكل عَلَيْهِ الرَّأْس المشوي يَأْمَن أوجاع الرَّأْس، قَالَ: وَكثير من النَّاس يفعل ذَلِك. انْتهى. قَالَ قوام الدّين فِي " التَّبْيِين " شرح الأخسبكتي فِي بَاب حُرُوف الْمعَانِي: لما ذكر عَن الشَّافِعِي ﵁ أَن الْوَاو للتَّرْتِيب، وَقَالَ: قد أنكر عَلَيْهِ أَصْحَابه فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَول لم يقل بِهِ أحد لمُخَالفَته لموضوع اللُّغَة، ثمَّ قَالَ قوام الدّين: وَالْعجب من الْغَزالِيّ حَيْثُ قرع صِفَات الْحسن الْبَصْرِيّ وَطعن على مَالك وشنع على أبي حنيفَة فِي آخر منخوله فَقَالَ: وَأما أَبُو حنيفَة فَلم يكن مُجْتَهدا، لِأَنَّهُ لَا يعرف اللُّغَة وَعَلِيهِ يدل قَوْله: لَو رَمَاه بأبو قبيس. ثمَّ غفل عَن سَهْو إِمَامه وَلَقَد صدقُوا فِي قَوْلهم: حبك للشَّيْء يعمى ويصم. وَالْجَوَاب عَنهُ من وُجُوه: أَحدهَا: إِنَّا نقُول: لَا نسلم أَن أَبَا حنيفَة تكلم بِهَذِهِ الْكَلِمَة أصلا وَمَا ذَاك إِلَّا افتراء عَلَيْهِ، فَأَي مَسْأَلَة تعلّقت بهَا وَأي كتاب من كتب أَصْحَابه حواها، وَأي دَلِيل دلّ عَلَيْهَا، وَالله وَالله إِن بعض الظَّن إِثْم. وَالثَّانِي: فَرضنَا أَنه تكلم بِمثل هَذِه الْكَلِمَة لَكِن لَا نسلم أَنه أَخطَأ؛ لِأَنَّهُ يجوز بطرِيق الْحِكَايَة مثل هَذَا لقَوْله: وجدنَا فِي كتاب بني تَمِيم ... أَحَق الْخَيل بالركض المعار

стр. 177

بِرَفْع الْقَاف وَالرَّاء. وكقولهم: قَرَأت " سُورَة أنزلناها ". بِضَم سُورَة. وَقَوْلهمْ: بدأت بِالْحَمْد لله. بِضَم الدَّال، وَلَا تنكر الْحِكَايَة، وَهُوَ أَن ينْقل القَوْل على مَا كَانَ إِلَّا من لَا يمس بِعلم الْإِعْرَاب أَو من لَهُ مس من الْجُنُون، وَالْجُنُون فنون. وَالثَّالِث: فَرضنَا أَنه أَخطَأ كَمَا زعم هَذَا الْقَائِل، لَكِن لَا نسلم أَن الشَّخْص لَا يكون مُجْتَهدا إِذا أَخطَأ فِي شَيْء؛ لِأَن القَوْل بِإِصَابَة كل مُجْتَهد لَيْسَ بِمذهب الْمُسلمين، بل الْمُجْتَهد يجوز لَهُ الْخَطَأ وَالصَّوَاب؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بمعصوم، ثمَّ نقُول: هلا أورد الْغَزالِيّ فِي كِتَابه مَا أَخذ أهل اللُّغَة على إِمَامه فِي أَشْيَاء من الْغَلَط.! الأول: قَوْله فِي " أَحْكَام الْقُرْآن ": " ذَلِك أدنى أَن لَا تعولُوا ". أَي: لَا تكْثر عيالكم، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَا تميلوا، وَالثَّانِي: قَوْله فِي كِتَابه هَذَا: إِن الْوَاو للتَّرْتِيب، وَإِنَّمَا هِيَ لمُطلق الْجمع. وَالثَّالِث: قَوْله فِي كِتَابه: مَاء مالح، وَإِنَّمَا هُوَ مَاء ملح؛ لقَوْله تَعَالَى: " ملح أجاج ". وَالرَّابِع قَوْله: إِذا أشلى كَلْبه يُرِيد بِهِ أغراه وَإِنَّمَا يُقَال: أشلاه إِذا استدعاه. وَالْخَامِس: الْغرم الْهَلَاك، وَإِنَّمَا الْغرم اللُّزُوم إِلَى غير ذَلِك. ثمَّ الْغَزالِيّ شنع فِي كِتَابه " المنخول " فِي أَشْيَاء من غير حجَّة على دَعْوَاهُ وَلَا دَلِيل على مَا خيل لَهُ، وَالله إِنَّا كُنَّا نعتقده غَايَة الإعتقاد لأجل مَا جمع فِي " إحيائه " من كَلِمَات الْمَشَايِخ بِالنّظرِ إِلَى الظَّاهِر، ثمَّ لما رَأينَا طعنه على الْكِبَار بِلَا إِقَامَة برهَان حصل بِنَا مِنْهُ مَا حصل، وَلَقَد صدقُوا فِي قَوْلهم: تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ. اللَّهُمَّ ارزقنا الصدْق وَالْوَفَاء وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلاً للَّذين آمنُوا وهيئ لنا من أمرنَا رشدا. انْتهى كَلَام قوام الدّين وَهَذَا لَفظه. وَمِنْهَا: جبل حراء بِأَعْلَى مَكَّة وَهُوَ مَمْدُود، وَمِنْهُم من يذهب فِيهِ إِلَى التَّذْكِير فيصرفه، وَمِنْهُم من يذهب فِيهِ إِلَى التَّأْنِيث فيمنعه الصّرْف. وَهَذَا الْجَبَل من مَكَّة على ثَلَاثَة أَمْيَال كَمَا ذكره صَاحب الْمطَالع وَغَيره، وَهُوَ مُقَابل لثبير والوادي بَينهمَا، وهما على يسَار السالك إِلَى منى، وحراء قبلي ثبير مِمَّا يَلِي شمال الشَّمْس، وَأما ثَوْر فَمن جِهَة

стр. 178

الْجنُوب من على يَمِين الشَّمْس، و " يُسَمِّي هَذَا الْجَبَل بَعضهم جبل النُّور "، ولعمري إِنَّه كَذَلِك لِكَثْرَة مجاورة النَّبِي ﷺ وتعبده فِيهِ، وَمَا خصّه الله فِيهِ من الْكَرَامَة بالرسالة إِلَيْهِ ونزول الْوَحْي فِيهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي غَار فِي أَعْلَاهُ مَشْهُور يأثره الْخلف عَن السّلف ﵏ ويقصدونه بالزيارة، وَأما مَا ذكر الْأَزْرَقِيّ فِي تَارِيخه فِي ذكر الْجبَال: من أَن النَّبِي ﷺ أَتَى هَذَا الْجَبَل واختبئ فِيهِ من الْمُشْركين فِي غَار فِي رَأسه مشرف مِمَّا يَلِي الْقبْلَة. فَقَالَ بعض من عاصرناه: إِن هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوف، وَالْمَعْرُوف أَن النَّبِي ﷺ لم يختبئ من الْمُشْركين إِلَّا فِي غَار ثَوْر بِأَسْفَل مَكَّة. انْتهى. وَيُؤَيّد مَا ذكره الْأَزْرَقِيّ مَا قَالَه القَاضِي عِيَاض ثمَّ الشهيلي فِي " الرَّوْض الْأنف "، أَن قُريْشًا حِين طلبُوا رَسُول الله ﷺ كَانَ على ثبير فَقَالَ لَهُ ثبير وَهُوَ على ظَهره: اهبط عني يَا رَسُول الله، فَإِنِّي أَخَاف أَن تقتل على ظَهْري فيعذبني الله، فناداه حراء إليّ يَا رَسُول الله. فَيحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ اختبئ فِيهِ من الْمُشْركين فِي وَاقعَة ثمَّ اختفى فِي ثَوْر فِي وَاقعَة أُخْرَى وَهِي خبر الْهِجْرَة. وَقَالَ السُّهيْلي فِي حَدِيث الْهِجْرَة: وأحسب فِي الحَدِيث أَن ثوراً ناداه أَيْضا لما قَالَ لَهُ ثبير: اهبط عني. وَهَذَا الْغَار الَّذِي فِي الْجَبَل مَشْهُور بِالْخَيرِ وَالْبركَة؛ لحَدِيث بَدْء الْوَحْي الثَّابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأورد ابْن أبي جَمْرَة سؤالاً وَهُوَ: أَنه لم اخْتصَّ ﷺ بِغَار حراء فَكَانَ يَخْلُو فِيهِ ويتحنث دون غَيره من الْمَوَاضِع وَلم يُبدلهُ فِي طول تحنثه؟ وَأجَاب عَن ذَلِك بِأَن هَذَا الْغَار لَهُ فضل زَائِد على غَيره من قبل أَن يكون فِيهِ منزوياً مجموعاً لتحنثه وَهُوَ يبصر بَيت ربه وَالنَّظَر إِلَى الْبَيْت عبَادَة، فَكَانَ لَهُ اجْتِمَاع ثَلَاث عبادات وَهِي الْخلْوَة والتحنث وَالنَّظَر إِلَى الْبَيْت، وَجمع هَذِه الثَّلَاث أولى من الِاقْتِصَار على بَعْضهَا دون بعض، وَغَيره من الْأَمَاكِن لَيْسَ فِيهِ ذَلِك الْمَعْنى، فَجمع لَهُ ﷺ فِي المبادي كل حسن بَادِي. انْتهى. وَعَن ابْن أبي مليكَة قَالَ: جَاءَت خَدِيجَة إِلَى النَّبِي ﷺ بحيس وَهُوَ بحراء فَجَاءَهُ جِبْرِيل فَقَالَ: يَا مُحَمَّد هَذِه خَدِيجَة قد جاءتك تحمل حَيْسًا مَعهَا وَالله يَأْمُرك أَن تقرئها السَّلَام وتبشرها بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب، فَلَمَّا أَن رقت

стр. 179

خَدِيجَة قَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ : " يَا خَدِيجَة إِن جِبْرِيل جَاءَنِي وَالله يُقْرِئك السَّلَام، ويبشرك بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب ". فَقَالَت خَدِيجَة: الله السَّلَام وَمن الله السَّلَام وعَلى جِبْرِيل السَّلَام. رَوَاهُ الْأَزْرَقِيّ. وَذكر الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس " عَجِيبَة قَالَ: خرجت فِي بعض الْأَيَّام إِلَى زِيَارَة حراء وَكَانَ يَوْم السبت الثَّانِي من جُمَادَى الأولى سنة ثَلَاث وَخمسين وَسَبْعمائة، وَكَانَ يَوْم غيم فَلَمَّا كَانَ بعد الظّهْر سَمِعت لبَعض تِلْكَ الحجار فِيهِ أصواتاً عَجِيبَة فَرفعت حجرين مِنْهَا فِي كل كف حجر، فَكنت أجد رعدة الْحجر فِي يَدي وَهُوَ يَصِيح، ثمَّ إِنِّي رفعت يَدي فصاحت كل وَاحِدَة من أصابعي أَيْضا وَكَانَ مَحل الصياح قامة من الأَرْض فَمَا كَانَ على سمتها صَاح وَمَا كَانَ أرفع من ذَلِك أَو أَخفض لم يتَكَلَّم فَعلمت أَن ذَلِك تَسْبِيح فدعوت الله تَعَالَى بِمَا تيَسّر فَلَمَّا طلعت الشَّمْس سكت فقست الشَّمْس فَوجدت ظلّ كل شَيْء مثله وَمثل ربعه فقدرته بعد ذَلِك بالإسطرلان فَكَانَت تِلْكَ هِيَ السَّاعَة الْعَاشِرَة وَكَانَ صَوت الْحجر يسمع من مدى مائَة خطْوَة قَالَ: فَذكرت مَا رَأَيْته لوالدي ﵀ فَقَالَ: وَأَنا جرى لي بحراء شبه ذَلِك وَذَلِكَ أَنا كُنَّا جمَاعَة بائتين بِهِ وَكَانَت لَيْلَة غيم فَقُمْت فِي أثْنَاء اللَّيْل وَإِذا بإبريق للْفُقَرَاء وَشبه النَّار خَارج مِنْهُ وَقد أَضَاء الْمَكَان من ذَلِك قَالَ: فأيقظت الْجَمَاعَة وَكنت أفتح كفي فَيبقى على رَأس كل إِصْبَع شعلة نَار مثل الشمع قَالَ: فَوضعت عمامتي على عكاز ورفعته فَأشْعلَ كالشعل فَذَكرنَا ذَلِك لبَعض الصَّالِحين فَقَالَ: مرت بكم سَحَابَة السّكُون. قَالَ الْمرْجَانِي: والصفتان وَاحِدَة إِلَّا أَنِّي رَأَيْت ذَلِك نَهَارا فَكَانَ ضوءاً وهم رَأَوْهُ لَيْلًا فَكَانَ نورا قَالَ: ثمَّ إِنِّي صعدت الْجَبَل أَيْضا يَوْم السبت الثَّامِن عشر من شَوَّال سنة أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة وَكَانَ معي جمَاعَة مِنْهُم " بِهِ " فاتفق لي مثل ذَلِك وَرَآهُ الْجَمَاعَة. قَالَ الْمرْجَانِي: وحَدثني وَالِدي عَن بعض من أدْركهُ من كبراء وقته أَنه كَانَ يصعد مَعَه إِلَى حراء فِي كل عَام مرّة فيلتقط ذَلِك الشَّخْص من بعض الْحِجَارَة قَالَ: فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ: أخرج مِنْهَا نفقتي " بِهِ " الْعَام ذَهَبا إبريزاً. انْتهى كَلَام الْمرْجَانِي وَله شعر أنْشدهُ فِي فَضَائِل حراء وَمَا اخْتصَّ بِهِ من الكرامات وَهُوَ: تَأمل حراء فِي جمال محياه ... فكم من أنَاس فِي حلا حسنه تاهوا

стр. 180

فمما حوى من هجا لعلياه زيراً ... يفرج عَنهُ الْهم فِي حَال مرقاه بِهِ خلْوَة الْهَادِي الشَّفِيع مُحَمَّد ... وَفِيه لَهُ غَار لَهُ كَانَ يرقاه وقبلته للقدس كَانَت بغاره ... وَفِيه أَتَاهُ الْوَحْي فِي حَال مبداه وَفِيه تجلى الرّوح بالموقف الَّذِي ... بِهِ الله فِي وَقت البداءه سواهُ وَتَحْت تخوم الأَرْض فِي السَّبع أَصله ... وَمن بعد هَذَا اهتز بالسفل أَعْلَاهُ وَلما تجلى الله قدس ذكره ... لطور تشظى فَهُوَ إِحْدَى شظاياه وَمِنْهَا ثيبر ثمَّ ثَوْر بِمَكَّة ... كَذَا قد أَتَى فِي نقل تَارِيخ مبداه وَفِي طيبَة أَيْضا ثَلَاثًا نعدها ... فعيراً وورقاناً وأحداً روينَاهُ وَيقبل فِيهِ سَاعَة الظّهْر من دَعَا ... بِهِ وينادي من دَعَانَا أجبناه وَفِي أحد الْأَقْوَال فِي عقبت حرا ... أَتَى ثمَّ قابيل لهابيل غشاه وَمِمَّا حوى سرا حوته صخوره ... من التبر إكسيراً يُقَام سمعنها سَمِعت بِهِ تسبيحها غير مرّة ... وأسمعته جمعا فَقَالُوا سمعناه بِهِ مَرْكَز النُّور الإلهي مثبتاً ... فَللَّه مَا أحلى مقَاما بأعلاه قيل: كَانَ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ إِلَى الْقُدس وَقيل: إِنَّمَا كَانَ يُصَلِّي ذَلِك الْوَقْت إِلَى الْكَعْبَة ثمَّ انْتقل إِلَى بَيت الْمُقَدّس ثمَّ بعد ذَلِك تحول إِلَى الْكَعْبَة قَالُوا: وَفِي حراء رأى النَّبِي ﷺ جِبْرِيل فِي الْخلقَة الأولى لَهُ سِتّمائَة جنَاح قد سد الْأُفق. وَمِنْهَا جبل ثَوْر بِأَسْفَل مَكَّة وَسَماهُ البكرى أَبَا ثَوْر وَالْمَعْرُوف فِيهِ ثَوْر كَمَا ذكره الْأَزْرَقِيّ والمحب الطَّبَرِيّ وَهُوَ من مَكَّة على ثَلَاثَة أَمْيَال كَمَا ذكره ابْن الْحَاج وَابْن جُبَير وَقَالَ الْبكْرِيّ: إِنَّه على ميلين من مَكَّة وَإِن ارتفاعه نَحْو ميل. قَالَ الْمرْجَانِي: وسمى الْجَبَل ثوراً وَإِنَّمَا اسْمه الْمحل سمي بثور بن مَنَاة بن طائخة؛ لِأَنَّهُ كَانَ ينزله. وَصَحَّ أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر الصّديق اختليا فِيهِ فِي غَار بِهِ وَهُوَ مَشْهُور يأثره الْخلف عَن السّلف، وَهُوَ الَّذِي ذكره الله سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن فِي قَوْله: ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار " وَفِي حَدِيث الْهِجْرَة أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر لَحقا بِغَار فِي جبل ثَوْر بِأَسْفَل مَكَّة فدخلاه وَأمر أَبُو بكر ﵁ ابْنه عبد الله أَن يتسمع لَهما مَا يَقُول

стр. 181

النَّاس فيهمَا نَهَاره ثمَّ يأتيهما إِذا أَمْسَى بِمَا يكون فِي ذَلِك الْيَوْم من الْخَبَر وَأمر عَامر ابْن فهَيْرَة مَوْلَاهُ أَن يرْعَى غنمه نَهَاره ثمَّ يريحها عَلَيْهِمَا إِذا أَمْسَى فِي الْغَار وَكَانَت أَسمَاء بنت أبي بكر تأتيهما من الطَّعَام بِمَا يصلبهما فَأَقَامَ رَسُول الله ﷺ فِي الْغَار ثَلَاثًا وَمَعَهُ أَبُو بكر وَجعلت قُرَيْش فِيهِ حِين فقدوه مائَة نَاقَة لمن رده عَلَيْهِم وَكَانَ عبد الله بن أبي بكر يكون فِي قُرَيْش وَمَعَهُمْ يتسمع مَا يَقُولُونَ فِي شَأْن رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر ثمَّ يأتيهما إِذا أَمْسَى ويخبرهما الْخَبَر وَكَانَ عَامر ابْن فهَيْرَة مولى أبي بكر يرْعَى فِي رعيان أهل مَكَّة فَإِذا أَمْسَى أراح عَلَيْهِمَا غنم أبي بكر فاحتلبا وذبحا فَإِذا غَدا عبد الله بن أبي بكر من عِنْدهمَا إِلَى مَكَّة اتبع عَامر ابْن فهَيْرَة أَثَره بالغنم حَتَّى يعمى عَلَيْهِم حَتَّى إِذا مَضَت الثَّلَاث وَسكن عَنْهُم النَّاس أتاهما صَاحبهمَا الَّذِي استأجراه بعيرهما وأتتهما أَسمَاء بنت أبي بكر بسفرتهما وارتجلا الحَدِيث بِطُولِهِ، وَفِي رِوَايَة: لما دخلا غَار ثَوْر أَمر الله العنكبوت فَنسجَتْ على بَابه والراءة فَنَبَتَتْ وحمامتين وَحْشِيَّتَيْنِ فغشيتا على بَابه فأقاما فِي الْغَار بضعَة عشر يَوْمًا ثمَّ خرج مِنْهُ لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لأَرْبَع لَيَال خلون من شهر ربيع الأول على نَاقَته الجذعاء. قَالَت أَسمَاء: فَمَكثْنَا ثَلَاثًا لَا نَدْرِي أَيْن وَجه النَّبِي ﷺ حَتَّى أنْشد رجل من الْجِنّ من أَسْفَل مَكَّة أبياتاً من الشّعْر وَأَن النَّاس يتبعونه يسمعُونَ صَوته وَمَا يرونه حَتَّى خرج من أَعلَى مَكَّة. ويروى أَن أَبَا بكر لما خرج مَعَ رَسُول الله ﷺ مُتَوَجها إِلَى الْغَار جعل يمشي طوراً أَمَامه وطوراً خَلفه وطوراً عَن يَمِينه وطوراً عَن شِمَاله قَالَ: " مَا هَذَا يَا أَبَا بكر؟ " قَالَ: يَا رَسُول الله بِأبي أَنْت وَأمي أذكر الرصد فَأحب أَن أكون أمامك وأتخوف الطّلب فَأحب أَن أكون خَلفك وأحفظ الطَّرِيق يَمِينا وَشمَالًا فَقَالَ: " لَا بَأْس عَلَيْك يَا أَبَا بكر إِن الله مَعنا " قَالَ: وَكَانَ رَسُول الله ﷺ غير مخصر الْقدَم يطَأ بِجَمِيعِ قدمه الأَرْض وَكَانَ حافياً فحفى رَسُول الله ﷺ فَحمل رَسُول الله أَبُو بكر على كَاهِله حَتَّى انْتهى إِلَى الْغَار فَلَمَّا وَضعه ذهب النَّبِي ﷺ ليدْخل فَقَالَ أَبُو بكر: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَا تدخل حَتَّى أَدخل فأسبره قبلك فَدخل ﵁ فَجعل يلْتَمس بِيَدِهِ فِي ظلمَة اللَّيْل الْغَار مَخَافَة أَن يكون فِيهِ شَيْء يُؤْذِي رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا لم ير شَيْئا دخل رَسُول الله ﷺ فَكَانَا فِيهِ، فَلَمَّا

стр. 182

اسْتَقر بعض الْإِسْفَار رأى أَبُو بكر خرقاً فِي الْغَار فألقمه قدمه حَتَّى الصَّباح مَخَافَة أَن يخرج مِنْهُ هَامة أَو مَا يُؤْذِي رَسُول الله ﷺ . وَعَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ أَبُو بكر ﵁ مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي الْغَار فعطش أَبُو بكر عطشاً شَدِيدا فَشكى إِلَى رَسُول الله ﷺ ذَلِك فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : " اذْهَبْ إِلَى صدر الْغَار فَاشْرَبْ ": فَانْطَلَقت إِلَى صدر الْغَار فَشَرِبت مَاء أحلى من الْعَسَل وأبيض من اللَّبن وأزكى رَائِحَة من الْمسك ثمَّ عدت إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: شربت؟ فَقلت: شربت يَا رَسُول الله فَقَالَ: " أَلا أُبَشِّرك؟ " فَقلت: بلَى فدَاك أبي وَأمي يَا رَسُول الله قَالَ ﷺ : " إِن الله أَمر الْملك الْمُوكل بأنهار الْجنان أَن أخرق نَهرا من جنَّة الفردوس إِلَى صدر الْغَار ليشْرب أَبُو بكر " قَالَ أَبُو بكر ﵁: ولى عِنْد الله هَذِه الْمنزلَة؟ قَالَ ﷺ : " نعم وَأفضل وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبيا لَا يدْخل الْجنَّة مبغضك وَلَو كَانَ لَهُ عمل سبعين نَبيا ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالتِّرْمِذِيّ عَن أبي بكر ﵁ قَالَ: نظرت إِلَى أَقْدَام الْمُشْركين وَنحن فِي الْغَار وَهُوَ على رؤوسنا فَقلت: يَا رَسُول الله لَو أَن أحدهم نظر إِلَى قدمه أبصرنا تَحت قَدَمَيْهِ فَقَالَ: " يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما " وَعَن طَلْحَة الْبَصْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " لَبِثت مَعَ صَاحِبي يَعْنِي أَبَا بكر ﵁ فِي الْغَار بضعَة عشر يَوْمًا

стр. 183

وَمَا لنا طَعَام إِلَّا ثَمَر البرير " قَالَ أَبُو دَاوُد: البرير الْأَرَاك. وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَنَّهُمَا مكثا فِي الْغَار ثَلَاثًا وَهَذَا القَوْل هُوَ الرَّاجِح لإِجْمَاع أهل التَّارِيخ عَلَيْهِ وَيحْتَمل أَن يكون كلا الْقَوْلَيْنِ صَحِيحا وَوجه الْجمع أَنَّهُمَا مكثا فِي الْغَار ثَلَاثًا وَيكون معنى الحَدِيث: مكثت مَعَ صَاحِبي مختفيين من الْمُشْركين فِي الطَّرِيق والغار بضعَة عشر يَوْمًا ويروى أَن الله تَعَالَى أَمر شَجَرَة لَيْلَة الْغَار فثبتت فِي وَجه النَّبِي ﷺ فَسترته وَأمر الله تَعَالَى حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَعَتَا بِفَم الْغَار وَأَقْبل فتيَان قُرَيْش من كل بطن رجل بِعِصِيِّهِمْ " وهراوتهم " وَسُيُوفهمْ حَتَّى إِذا كَانُوا من النَّبِي ﷺ بِقدر أَرْبَعِينَ ذِرَاعا تعجل رجل مِنْهُم لينْظر فِي الْغَار فَرَأى الحمامتين بِفَم الْغَار فَرجع إِلَى أَصْحَابه فَقَالُوا لَهُ: لم تنظر فِي الْغَار؟ فَقَالَ: رَأَيْت حَمَامَتَيْنِ بِفَم الْغَار فَعلمت أَنه لَيْسَ فِيهِ أحد فَسمع النَّبِي ﷺ مَا قَالَ فَعلم أَن الله تَعَالَى قد دَرْء عَنهُ بهما فَدَعَا لَهما وسمت عَلَيْهِمَا وَفرض أجزاءهما وانحدرا فِي الْحرم رَوَاهُ أَبُو مُصعب الْمَكِّيّ. وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: اسْتَأْجر الْمُشْركُونَ رجلا يُقَال لَهُ: كرز بن عَلْقَمَة الْخُزَاعِيّ فقفا لَهُم الْأَثر حَتَّى أَتَى بهم إِلَى ثَوْر وَهُوَ بِأَسْفَل مَكَّة فَقَالَ: انْتهى إِلَى هَاهُنَا أَثَره فَمَا أَدْرِي أَخذ يَمِينا أم شمالاً أم صعد الْجَبَل

стр. 184

فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى فَم الْغَار قَالَ قَائِل مِنْهُم: ادخُلُوا الْغَار فَقَالَ أُميَّة بن خلف: مَا أربكم إِلَى الْغَار إِن عَلَيْهِ لعنكبوتاً كَانَ قبل مِيلَاد مُحَمَّد ﷺ ثمَّ جَاءَ فَبَال فِي صدر الْغَار حَتَّى سَالَ بَوْله بَين يَدي النَّبِي ﷺ وَأبي بكر، فَنهى النَّبِي ﷺ عَن قتل العنكبوت وَقَالَ: " إِنَّهَا لخيل من جنود الله تَعَالَى " رَوَاهُ عبد الْملك بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي فِي كتاب " شرف الْمُصْطَفى ". وَعَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ قَالَ: لما دخل النَّبِي ﷺ الْغَار دَعَا شَجَرَة كَانَت على بَاب الْغَار فَقَالَ لَهَا: ائْتِنِي فَأَقْبَلت حَتَّى وقفت على بَاب الْغَار قَالَ: وَكَانَ الَّذِي بَال مُسْتَقْبل الْغَار عَطِيَّة بن أبي معيط. وَفِي كتاب " الدَّلَائِل " للسيرقسطي: لما دخل رَسُول الله ﷺ الْغَار أنبت الله تَعَالَى على بَابه وَهِي شَجَرَة مَعْرُوفَة قَالَ أَبُو حنيفَة: هِيَ من أغلاف الشَّجَرَة وَتَكون مثل قامة الْإِنْسَان وَلها زهر أَبيض يحشى مِنْهُ المخاد وَقيل: هِيَ شَجَرَة أم غيلَان وَفِي مُسْند الْبَزَّار أَن الله تَعَالَى أرسل حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فَوَقَعَتَا على وَجه الْغَار وَأَن نسل حمام الْحرم من نسل تِلْكَ الحمامتين. ذكره السُّهيْلي. وَفِي حَدِيث الْهِجْرَة وَقَوله ﷺ : " يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما ". فَوَائِد مِنْهَا: بَيَان فضل أبي بكر الصّديق حَيْثُ قرنه النَّبِي ﷺ بِنَفسِهِ وَقَالَ: " مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما " مَعْنَاهُ ثالثهما بِالْحِفْظِ والعصمة والنصر والمعونة والتسدسد وَهُوَ دَاخل فِي قَوْله تَعَالَى: " إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون " وَقيل: هُوَ معنى قَوْله: " إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا " وَمِنْهَا عظم قدر النَّبِي ﷺ وارتفاع شَأْنه وَتَعَالَى رتبته ومكانه عَن التأثر بنوائب الدُّنْيَا والتغير بمصائبها ومتاعبها حَيْثُ اهتم أَبُو بكر بوصولهم إِلَى بَاب الْغَار متبعين لأثرهما وَخَافَ من اطلاعهم عَلَيْهِمَا وَلم يهتم وَلم يبال بأمرهم رَسُول الله ﷺ وَثَبت جأش أبي بكر وأزال روعه وطمأن نَفسه على أَن الْمُفَسّرين ذكرُوا أَن كَثْرَة خوف أبي بكر ﵁ إِنَّمَا كَانَت لرَسُول الله ﷺ لَا لنَفسِهِ، ويروى أَنه قَالَ لما خَافَ الطّلب: يَا رَسُول الله إِن قتلت فَأَنا رجل وَاحِد وَإِن أصبت

стр. 185

هَلَكت الْأمة وَفِيه بَيَان عظم توكل النَّبِي ﷺ حَتَّى فِي هَذَا الْمقَام. قَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه فَضِيلَة لأبي بكر وَهِي أجل مناقبه من أوجه أَحدهَا: هَذَا اللَّفْظ الْمُعْطى تكريمه وتعظيمه. وَثَانِيها: بذل نَفسه ومفارقته أَهله وَمَاله ورياسته فِي طَاعَة الله وَرَسُوله وملازمة النَّبِي ﷺ ومعاداة النَّاس فِيهِ. وَثَالِثهَا: جعل نَفسه وقاية عَنهُ انْتهى كَلَامه قيل: وَرَابِعهَا تَخْصِيص الله تَعَالَى إِيَّاه فِي أَمر نبيه ﷺ باستصحابه دون غَيره من سَائِر النَّاس وَمن فَوَائِد الحَدِيث بَيَان كَرَاهَة الْمكْث بَين الْكفَّار والفجار والفساق الَّذين لَا يتدينون بِالْحَقِّ وَلَا يُمكن حملهمْ عَلَيْهِ وَمِنْهَا جَوَاز التحصن بالقلاع عِنْد الْخَوْف من الْعَدو وَمِنْهَا: أَن تعهد الْأَسْبَاب فِي الحاجيات لَا يقْدَح فِي التَّوَكُّل والاعتماد على الله تَعَالَى وَمِنْهَا: أَنه يجوز الْأَخْذ بالحزم وَإِظْهَار ظن السوء المتوقع من الْعَدو، وَلَيْسَ ذَلِك من الظَّن الْمنْهِي عَنهُ لِأَن أَبَا بكر ﵁ قَالَ: لَأَبْصَرنَا تَحت قَدَمَيْهِ وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ وَمِنْهَا أَنه يجوز المسافرة بالرفيق الْوَاحِد عِنْد الْحَاجة بِلَا كَرَاهَة وَإِن ورد خير الرفقاء أَرْبَعَة فَإِنَّهُ ﷺ لم يستصحب سوى أبي بكر وَمِنْهَا أَنه يجوز لأحد الْفَرِيقَيْنِ أَن يظْهر لصَاحبه خَوفه مِمَّا يخَاف مِنْهُ ليخفف عَن نَفسه ببث الشكوى وليكون صَاحبه وَاقِفًا على الْحَال مستعداً لما عساه أَن يعرض. وَمِنْهَا: أَنه يَنْبَغِي للمشكو إِلَيْهِ أَن يسكن جأش الشاكي ويعده الْجَمِيل من الله تَعَالَى ويحثه على حسن الظَّن بِهِ وَمِنْهَا: اسْتِعْمَال الْأَدَب فِي المخاطبات بِذكر الْإِنْسَان بكنيته وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يتَضَمَّن الْإِكْرَام لقَوْله ﷺ : يَا أَبَا بكر. وَمِنْهَا: جَوَاز التكنية بِأبي فلَان وَإِن لم يكن للمكنى ابْن مُسَمّى بذلك إِذْ لم يكن لأبي بكر ابْن يُسمى بكرا. وَعَن غَالب بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده أَنه قَالَ: شهِدت مَعَ رَسُول الله ﷺ قَالَ لحسان بن ثَابت: " قلت فِي أبي بكر شَيْئا قل: حَتَّى أسمع " قَالَ: قلت: وَثَانِي اثْنَيْنِ فِي الْغَار المنيف وَقد ... طَاف الْعَدو بِهِ إِذْ صاعد الجبلا وَكَانَ حب رَسُول الله قد علمُوا ... من الْخَلَائق لم يعدل بِهِ بَدَلا فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ وَفِي الحَدِيث: بَيَان فضل جبل ثَوْر بِمَا خصّه الله بِهَذِهِ المزية الْكَرِيمَة والمنقبة الْعَظِيمَة من بَين سَائِر الأطواد والأعلام حَيْثُ جعله متحصن خير الْأَنَام وقلعة رَسُول الله وحبيبه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَفِيه: بَين فَضِيلَة هَذَا الْغَار الشريف على سَائِر المغائر حَيْثُ كَانَ صدفاً لأشرف الْجَوَاهِر، وكهفاً لكهف الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وكنفاً لكنف الْخَلَائق من الْأَوَّلين والآخرين وَأنْشد للرافعي: فَخص بِذكر الله خير مغار ... وَلَا تتغافل عَن هجوم مغار وَكن حذرا من غيرَة الله واستقم ... لَدَيْهِ لِئَلَّا تبتلى بصغار

стр. 186

وَقلت فِي " تَخْلِيص الزبدة فِي تخميس الْبردَة " عِنْد قَوْله: وَمَا حوى الْغَار من خير وَمن كرم. . الأبيات: فَهُوَ الَّذِي رِيقه يشفي من السقم ... بتفله حلت الْآبَار فِي الطّعْم فاعجب لتغريد كالدر مُنْتَظم ... وَمَا حوى الْغَار من جود وَمن كرم وكل طرف من الْكفَّار عَنهُ عمى ... لما رَأَوْا غَار ثَوْر كلهم عميا ... وَصَارَ بدر الدجى باللطف مختفيا وَقَالَ يَا صَاح لَا تحزن فَلَنْ يريَا ... فالصدق فِي الْغَار وَالصديق لم يريَا وهم يَقُولُونَ مَا بِالْغَارِ من أَدَم ... باض الْحمام بِهِ والعشب قد لمندلا ... وَالْعَنْكَبُوت أجادت نسجها حللا وشجرة الرَّاء رمت فِي قلبهم عللا ... ظنُّوا الْحمام وظنوا العنكبوت على خير الْبَريَّة لم تنسج وَلم يحم ... فكم أسود بِنَار الْحَرْب عارفة ... وَفِي مثاقفة بل فِي مسابقة وَفِي الدروع مَعَ التجفاف خائفة ... وقاية الله أغنت عَن مضاعفة من الدروع وَعَن عَال من الأطم ... قَالَ الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس ": وَذكر بعض الحمالين أَنه عرف رجلا كَانَ لَهُ جمَاعَة بَنِينَ وأموال كَثِيرَة وَأَنه أُصِيب فِي ذَلِك كُله فَلم يحزن على شَيْء من ذَلِك لقُوَّة صبره، قَالَ: فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنَّه روى أَن من دخل غَار ثَوْر الَّذِي آوى إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر ﵁ وَسَأَلَ الله تَعَالَى أَن يذهب عَنهُ الْحزن لم يحزن على شَيْء من مصائب الدُّنْيَا وَقد فعلت ذَلِك فَمَا ترى مِنْهُ. قَالَ الْمرْجَانِي: والخاصة فِي ذَلِك من قَوْله تَعَالَى: " ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا ". قَالَ: وَرَأَيْت بِهَذَا الْجَبَل حَيَوَانا يُسمى الْحُلْقُوم لَهُ ألف كرَاع فِي مِائَتي رجل، ورأيته أَيْضا بِأَرْض الطَّائِف ونخله بالقدس من أَرض فلسطين. انْتهى. وَالنَّاس يدْخلُونَ غَار جبل ثَوْر من بَابه الضّيق وَمن بَابه المتسع وَبَعض النَّاس يتَجَنَّب دُخُوله من بَابه الضّيق وَيَقُولُونَ: من لم يدْخل مِنْهُ لَيْسَ لِأَبِيهِ. وَقد وسع الْبَاب الضّيق فِي زَمَاننَا لِأَن بعض النَّاس انحبس فِيهِ لما ولج فَلم يقدر أَن يخرج وَلَا يدْخل وَمكث على ذَلِك قَرِيبا من لَيْلَة فراح عَلَيْهِ المجاورون ووسعوا لَهُ وَقَطعُوا عَنهُ الْحجر

стр. 187

من الجوانب فانفتح حَتَّى اتَّسع الْموضع. وَمِنْهَا: جبل ثبير وَهُوَ جبل الْمزْدَلِفَة الَّذِي على يسَار الذَّاهِب كَمَا عرفه الْأَزْرَقِيّ وَغَيره وَقد تقدم فِي أول الْبَاب الْحَادِي عشر ضَبطه وتعريفه وَهُوَ جبل مَشْهُور عِنْد أهل مَكَّة. قَالَ الْقزْوِينِي: إِنَّه جبل مبارك يَقْصِدهُ الزوار وَتقدم النَّقْل عَن ابْن النقاش أَنه يُسْتَجَاب الدُّعَاء بِهِ وَتقدم أَيْضا قبيل هَذَا أَنه تَعَالَى لما تجلى للجبل تشظى مِنْهُ شظايا فَوَقَعت بِمَكَّة ثَلَاثًا مِنْهَا ثبير قَالَ السُّهيْلي: ذكرُوا أَن ثبيراً كَانَ رجلا من هُذَيْل مَاتَ فِي ذَلِك الْجَبَل فَعرف الْجَبَل فِيهِ. وَمِنْهَا: الْجَبَل الَّذِي يلْحقهُ مَسْجِد الْخيف وَفِيه غَار المرسلات ياثره الْخلف عَن السّلف كَمَا ذكره الْمُحب الطَّبَرِيّ وعَلى ذَلِك أدركنا النَّاس فِي عصرنا يَقُولُونَ فِي أمره وَيدل لَهُ الحَدِيث الثَّابِت فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: بَيْنَمَا نَحن مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غَار بمنى إِذْ نزلت عَلَيْهِ: " والمرسلات عرفا " الحَدِيث. وَقد تقدم ذكره فِي الْفَضَائِل أول هَذَا الْفَصْل. فصل: ذكر السقايات بِمَكَّة المشرفة وحرمها وبمكة المشرفة عدَّة سقايات وَيُقَال لَهَا السبل مِنْهَا سَبِيل عَطِيَّة بن ظهيرة وسبيل قَاسم الزانكي عِنْد مَسْجِد الرَّايَة، وسبيل أم الْحُسَيْن بنت القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بالمسعى وسبيل ابْن بفلحة عِنْد عين بازان بالمسعى، وسبيل السَّيِّد حسن بن عجلَان برباطه، وَمِنْهَا: خَارج مَكَّة من أَعْلَاهَا سَبِيل أم سُلَيْمَان المتصوفة، وسبيل عَطِيَّة المطيبين فِي طرف الْمقْبرَة من أَعْلَاهَا وسبيل الْقَائِد سعد الدّين جبروه فِي بستانه وسبيل إِمَامه السَّيِّد

стр. 188

حسن بن عجلَان وسبيل السِّت بطرِيق منى وَيُقَال لَهُ: سَبِيل ابْن مزنة باسم رجل كَانَ فِيهِ، والست الْمَنْسُوب إِلَيْهَا هَذَا السَّبِيل هِيَ أُخْت الْملك النَّاصِر حسن صَاحب مصر، وتاريخ عِمَارَته لَهَا سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة، وبمنى عدَّة سبل وَفِيمَا بَين منى وعرفة عدَّة سبل أَيْضا إِلَّا أَنَّهَا منخربة جدا وبأسفل مَكَّة مِمَّا يَلِي التَّنْعِيم عدَّة سقايات مِنْهَا سَبِيل الزنجبيلي وَيُقَال لَهُ: سَبِيل أبي رائد لتجديده لَهُ وسبيل المكين لتجديده لَهُ أَيْضا وَمِنْهَا سَبِيل السيدة زَيْنَب بنت القَاضِي أَحْمد الطَّبَرِيّ وَهُوَ الْآن منخرب معطل لخرابه وَوجد فِي حجر مَكْتُوب ملقى فِيهِ أَن الْمُقْتَدِي العباسي ووالدته أمرا بعمارة هَذِه السِّقَايَة والآبار الَّتِي وَرَاءَهَا وتصدقا بهَا فِي سنة اثْنَيْنِ وثلاثمائة وسبيل دون هَذَا السَّبِيل إِلَى مَكَّة عمره الشهَاب المكين فِي سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة وَإِلَى جَانب ذَلِك حَوْض للبهائم وَكَانَ بِمَكَّة سقايات أَكثر مِمَّا ذكرنَا قَالَ الفاكهي لما ذكر السقايات: وبمكة فِي فجاجها وشعابها من بَاب الْمَسْجِد إِلَى منى ونواحيها وَمَسْجِد التَّنْعِيم نَحْو من مائَة سِقَايَة انْتهى. فصل: ذكر البرك بِمَكَّة وحرمها فِيهَا عدَّة برك: مِنْهَا بركتان عِنْد بَاب الْمُعَلَّى متلاصقان على يسَار الْخَارِج من مَكَّة إِلَى الْمُعَلَّى جددتا فِي دولة الْملك النَّاصِر حسن صَاحب مصر سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَمِنْهَا بركتان متلاصقتان على يَمِين الْخَارِج إِلَى الْمُعَلَّى إِحْدَاهمَا بلصق سور بَاب الْمُعَلَّى ببستان الصارم، وكانتا معطلتين فعمرت إِحْدَاهمَا فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَثَمَانمِائَة وملئت من عين بازان، وَمِنْهَا بركتان عِنْد مولد النَّبِي ﷺ بسوق اللَّيْل ببستان المسلماني على مَا ذكر، وَمِنْهَا بِأَسْفَل مَكَّة بركَة يُقَال لَهَا: بركَة الماجن وبحرم مَكَّة مِمَّا يَلِي منى وعرفة عدَّة برك مِنْهَا الْبركَة الْمَعْرُوفَة ببركة السّلم وَلم يعرف من أَنْشَأَهَا وجددها الْأَمِير الْمَعْرُوف بالمك نَائِب السلطنة بِمصْر وَعمر الْعين الَّتِي تصل إِلَيْهَا المَاء من منى وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وبطرف منى مِمَّا يَلِي الْمزْدَلِفَة وَفِي طَرِيق عَرَفَة عدَّة برك أخر معطلة أَيْضا لخرابها وبعرفة عدَّة برك وغالبها الْآن ممتلئ بِالتُّرَابِ حَتَّى صَار ذَلِك مُسَاوِيا للْأَرْض وَبَعضهَا من عمَارَة الْعَجُوز وَالِدَة الْمُقْتَدِي وَذَلِكَ خمس برك وتاريخ عمارتها سنة خمس عشرَة وثلاثمائة وَبَعضهَا عمره المظفر صَاحب إربل فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَفِيمَا بعْدهَا وَبَعضهَا عمره أقبال الرابي المستنصري العباسي فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَاسم أقبال بَاقٍ فِي بعض البرك الَّتِي حول جبل الرَّحْمَة وَعمر بَعْضهَا الْملك نَائِب السلطنة بِمصْر فِي دولة الْملك الْأَشْرَف شعْبَان صَاحب مصر.

стр. 189

فصل: ذكر الْآبَار بِمَكَّة وحرمها ذكر الْأَزْرَقِيّ ﵀ شَيْئا من خبر الْآبَار الْجَاهِلِيَّة والإسلامية بِمَكَّة وحرمها بِعَرَفَة، وَلَيْسَ يعرف الْآن مِمَّا ذكره إِلَّا النَّادِر، وَجُمْلَة مَا احتوى عَلَيْهِ سور مَكَّة من الْآبَار ثَمَانِيَة وَخَمْسُونَ بِئْرا، وَكلهَا مسيلة إِلَّا الْبِئْر الَّتِي فِي بَيت المطيبين بِأَعْلَى مَكَّة والبئر الَّتِي فِي بَيت الْقَائِد زين الدّين شكر مولى الشريف حسن بن عجلَان والبئر الَّتِي فِي بَيت أَحْمد بن عبد الله الدوري الْفراش بِالْحرم الشريف الْمَكِّيّ والبئر الَّتِي فِي الْبَيْت الْمَعْرُوف بِبَيْت السَّقْي بِقرب بَيت الدوري وَلم يذكر فِي ذَلِك الْآبَار الَّتِي لَا مَاء فِيهَا. وَمن الْآبَار الْمَعْرُوفَة بِمَكَّة مِمَّا ذكره الْأَزْرَقِيّ الْبِئْر الَّتِي برباط السِّدْرَة وتعرف بسجلة حفرهَا هَاشم بن عبد منَاف وَقيل: قصي قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَهِي الْبِئْر الَّتِي يُقَال لَهَا: بِئْر جُبَير بن مطعم دخلت فِي دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ بَين الصَّفَا والمروة فِي أصل الْمَسْجِد الْحَرَام الَّتِي يُقَال لَهَا: دَار الْقَوَارِير أدخلها حَمَّاد الْبَرْبَرِي حِين بنى الدَّار لأمير الْمُؤمنِينَ هَارُون الرشيد وَكَانَت الْبِئْر شارعة فِي الْمَسْعَى يُقَال: إِن جبيراً ابتاعها من ولد هَاشم وَقَالَ بعض المكيين: وَهبهَا لَهُ أَسد حِين ظَهرت زَمْزَم وَيُقَال: وَهبهَا عبد الْمطلب حِين حفر زَمْزَم وَاسْتغْنى عَنْهَا لمطعم بن عدي وَأذن لَهُ أَن يضع حوضاً من أَدَم عِنْد زَمْزَم يَسْتَقِي فِيهِ مِنْهَا ويسقي الْحَاج قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَهُوَ اثْبتْ الْأَقَاوِيل عندنَا انْتهى كَلَامه. وَأما الْآبَار الَّتِي بَين بَاب المعلا وَمنى فستة عشر بِئْرا فِيهَا المَاء: مِنْهَا الْبِئْر الْمَعْرُوفَة ببئر مَيْمُون بن الْحَضْرَمِيّ أَخ الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ وَهِي الْبِئْر الَّتِي فِي السَّبِيل الْمَعْرُوف بسبيل السِّت على مَا ذكره عبد الرَّحْمَن بن أبي حرمي فِي حجر مَكْتُوب بِخَطِّهِ فِي هَذَا الْبِئْر يتَضَمَّن أَن المظفر صَاحب أربل عمرها سنة أَربع وسِتمِائَة. وَقَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَكَانَت آخر بِئْر حفرت فِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ: وَعَن مُجَاهِد وَعَطَاء وَغَيرهمَا من أهل الْعلم فِي قَوْله تَعَالَى: " فَمن يأتيكم بِمَاء معِين ". قَالُوا: زَمْزَم وبئر مَيْمُون ابْن الْحَضْرَمِيّ. وَذكر بعض النَّاس أَن بِئْر مَيْمُون بطرِيق وَادي مر الظهْرَان قيل: وَفِيه نظر وَمِنْهَا الْبِئْر الْمَعْرُوفَة بصلاصل قَالَ الْأَزْرَقِيّ: وَهِي الْبِئْر الَّتِي بِفَم شعب الْبيعَة عِنْد

стр. 190

عقبَة منى وَالنَّاس يسمون الْبِئْر الَّتِي بِفَم هَذَا الشّعب ببركة مهير ويسمون بصلاصل بِئْرا فِي الْجَانِب الَّذِي يكون على عين الذَّاهِب إِلَى منى وَهِي بِئْر مَشْهُورَة عِنْد النَّاس بِقرب هَذِه الْبِئْر وَذكر الْأَزْرَقِيّ أَنَّهَا من الْآبَار الإسلامية وَسميت صلاصل بصلصل بن أَوْس بن محَاسِن بن مُعَاوِيَة بن شرِيف من بني عَمْرو بن تَمِيم قَالَه الفاكهي. وَأما الْآبَار الَّتِي بِمُزْدَلِفَة فَهِيَ ثَلَاثَة وَأما الْآبَار الَّتِي بِعَرَفَة فَهِيَ آبار كَثِيرَة وَالَّتِي فِيهَا المَاء الْآن ثَلَاثَة آبار وَبَعض الْآبَار الَّتِي لَا مَاء فِيهَا من عمَارَة المظفر صَاحب إربل وَبَين عَرَفَة ومزدلفة بِئْر يُقَال لَهَا: السقيا على يسَار الذّهاب إِلَى عَرَفَة. وَأما الْآبَار الَّتِي بِظَاهِر مَكَّة من أَعْلَاهَا فِيمَا بَين بِئْر مَيْمُون بن الْحَضْرَمِيّ والأعلام الَّتِي هِيَ حد الْحرم فِي طَرِيق وَادي نَخْلَة فَهِيَ خَمْسَة عشر بِئْرا مِنْهَا أَرْبَعَة آبار تعرف بآبار الْعسيلَة وَفِي رَأس طي بَعْضهَا مَا يَقْتَضِي أَن الْمُقْتَدِي العباسي أَمر بِحَفر بئرين مِنْهَا وَفِي طي بَعْضهَا مَا يَقْتَضِي أَن الْعَجُوز وَالِدَة الْمُقْتَدِي عمرتها مَعَ سقايات هُنَاكَ والبئر الرَّابِعَة من آبار الْعسيلَة جددها بِعَدَد ثورها بعض الْأُمَرَاء المصريين فِي سنة اثْنَيْنِ وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَبَقِيَّة الْآبَار لَا مَاء فِيهَا إِلَّا بِئْر لأبي بكر الْحصار وَهِي تلِي آبار الْعسيلَة وَأما الْآبَار الَّتِي بِأَسْفَل مَكَّة فِي جِهَة التَّنْعِيم فَهِيَ ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ بِئْرا بجادة الطَّرِيق مِنْهَا بِئْر الْملك الْمَنْصُور صَاحب الْيمن عِنْد سَبيله تعرف بالزاكية وَمِنْهَا الْآبَار الْمَعْرُوفَة بآبار الزَّاهِر الْكَبِير وَبَعض هَذِه الْآبَار من عمَارَة الْمُقْتَدِي العباسي، وبقرب الشبيكة آبار أخر يُقَال لَهَا: آبار الزَّاهِر الصَّغِير وَهِي ثَلَاثَة آبار مِنْهَا وَاحِدَة لَا مَاء فِيهَا وَلها قرنان فِي أَحدهمَا حجر مَكْتُوب فِيهِ تَارِيخ عمارتها وتعرف هَذِه الْآبَار بِبَطن ذِي طوى على مَا ذكره الْأَزْرَقِيّ فِي تَعْرِيف ذِي طوى وبأسفل مَكَّة أَيْضا بِئْر يُقَال لَهَا: الطنبداوية وبأسفل مَكَّة مِمَّا يَلِي بَاب الماجن عدَّة آبار مِنْهَا بِئْر بِقُرْبِهِ من خَارجه وبئر بِالشعبِ الَّذِي يُقَال لَهُ: خم بخاء مُعْجمَة مَضْمُومَة وَهُوَ غير خم الَّذِي يرْوى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: عِنْدِي غديره " من كنت مَوْلَاهُ فعليّ مَوْلَاهُ ". لِأَن خماً هَذَا عِنْد الْجحْفَة وَذكرهَا الْأَزْرَقِيّ فِي الْآبَار الَّتِي

стр. 191

بِمَكَّة قبل زَمْزَم قَالَ: وحفرها كلاب بن مرّة. قَالَ السُّهيْلي: وَهِي من خممت الْبَيْت إِذا كنسته وَيُقَال: فلَان مخموم الْقلب أَي نقيه فَكَأَنَّهَا سميت بذلك لنقائها قَالَ: وَأما غَدِير خم الَّذِي عِنْد الْجحْفَة فَسُمي بِهِ لغيضة عِنْده يُقَال لَهَا: خم فِيمَا ذكرُوا انْتهى. فصل: ذكر عُيُون مَكَّة قَالَ الْأَزْرَقِيّ: كَانَ مُعَاوِيَة قد أجْرى فِي الْحرم عيُونا وَاتخذ لَهَا أخيافاً، فَكَانَت حَوَائِط وفيهَا النّخل وَالزَّرْع ثمَّ سردها الْأَزْرَقِيّ وَذكر أَنَّهَا عشر عُيُون ثمَّ قَالَ: وَكَانَ عُيُون مُعَاوِيَة قد انْقَطَعت وَذَهَبت فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ الرشيد بعيون مِنْهَا فَعمِلت وأحييت وصرفت فِي عين وَاحِدَة ثمَّ انْقَطَعت هَذِه الْعُيُون فَكَانَ النَّاس بعد انقطاعها فِي شدَّة من المَاء وَكَانَ أهل مَكَّة والحاج يلقون من ذَلِك الْمَشَقَّة حَتَّى أَن الراوية لتبلغ فِي الْمَوْسِم عشرَة دَرَاهِم وَأكْثر وَأَقل فَبلغ ذَلِك أم جَعْفَر بنت أبي الْفضل جَعْفَر بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور فَأمر فِي سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة بِعَمَل بركتها الَّتِي بِمَكَّة فأجرت لَهَا عينا من الْحرم فجرت بِمَاء قَلِيل فَلم يكن فِيهِ ري لأهل مَكَّة وَقد غرمت فِي ذَلِك غرماً عَظِيما فبلغها فَأمرت المهندسين أَن يجروا لَهَا عيُونا من الْحل وَكَانَ النَّاس يَقُولُونَ: إِن مَاء الْحل لَا يدْخل الْحرم لِأَنَّهُ يمر على عِقَاب وجبال فَأرْسلت بأموال عِظَام ثمَّ أمرت من يزن عينهَا الأولى فَوجدَ فِيهَا فَسَادًا فأنشأت عينا أُخْرَى إِلَى جنبها وأبطلت تِلْكَ الْعُيُون فَعمِلت عينهَا هَذِه بِأَحْكَم مَا يكون الْعَمَل وعظمت فِي ذَلِك رغبتها وَحسنت نِيَّتهَا، فَلم تزل تعْمل فِيهَا حَتَّى بلغت ثنية جبل فَإِذا المَاء لَا يظْهر فِي ذَلِك الْجَبَل فَأمرت بِالْجَبَلِ فَضرب فِيهِ وأنفقت فِي ذَلِك من الْأَمْوَال مَا لم تكن تطيب بِهِ نفس أحد حَتَّى أجراها الله تَعَالَى لَهَا وأجرت فِيهَا عيُونا من الْحل مِنْهَا عين المشاش واتخذت لَهَا بركاً تكون السُّيُول إِذا جَاءَت تَجْتَمِع فِيهَا ثمَّ أجرت لَهَا عيُونا من حنين فَصَارَت لَهَا مكرمَة لم تكن لأحد قبلهَا وَطَابَتْ نَفسهَا بِأَن أنفقت فِيهَا مَا لم تكن تطيب بِهِ نفس أحد، فَأهل مَكَّة والحاج إِنَّمَا يعيشون بهَا بقدرة الله تَعَالَى ثمَّ

стр. 192

أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون صَالح بن الْعَبَّاس فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ أَن يتَّخذ لَهُ برك خمس فِي السُّوق لِئَلَّا يتعنى أهل أَسْفَل مَكَّة والثنية وأجيادين إِلَى بركَة أم جَعْفَر وأجرى عينا من بركَة أم جَعْفَر من فضل ماءها فِي عين تسكب فِي بركَة الْبَطْحَاء ثمَّ تمْضِي إِلَى بركَة عِنْد الصَّفَا ثمَّ تمْضِي إِلَى بركَة عِنْد الحناطين ثمَّ تمْضِي إِلَى بركَة بفوهة سكَّة الثَّنية دون دَار أويس ثمَّ تمْضِي إِلَى بركَة عِنْد سوق الْحَطب بِأَسْفَل مَكَّة ثمَّ تمْضِي فِي سرب ذَلِك إِلَى " ماجن " أبي صلابة، ثمَّ إِلَى الماجنين اللَّذين فِي حَائِط ابْن طَارق وبأسفل مَكَّة وَكَانَ صَالح بن الْعَبَّاس لما فرغ مِنْهَا ركب بِوُجُوه النَّاس إِلَيْهَا فَوقف عَلَيْهَا حِين جرى فِيهَا المَاء وَنحر عِنْد كل بركَة جزوراً وَقسم لَحمهَا على النَّاس انْتهى كَلَام الْأَزْرَقِيّ. وَذكر المَسْعُودِيّ فِي تَارِيخه مِقْدَار مَا صرفت زبيدة وَهِي أم جَعْفَر بنت أبي الْفضل الْمَذْكُورَة فِي عمَارَة هَذِه الْعين، وَذكر فِيمَا ذكر وأحصى ألف ألف وَسَبْعمائة ألف دِينَار نقل ذَلِك المَسْعُودِيّ عَن مُحَمَّد بن عَليّ الْمصْرِيّ الْخُرَاسَانِي الأخباري وَالظَّاهِر أَن هَذِه هِيَ عين مَكَّة الْمَعْرُوفَة اليون بِعَين بازان بباء مُوَحدَة وألفين بَينهمَا زَاي لِأَنَّهَا فِي هَذِه الْجِهَة الَّتِي ذكرهَا الْأَزْرَقِيّ. وَالله أعلم. وَقد عمر هَذِه الْعين جمَاعَة من الْخُلَفَاء والملوك، مِنْهُم الْمُسْتَنْصر العباسي فِي سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة وَفِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَمِنْهُم الْأَمِير جوبان نَائِب السلطنة بالعراقين عَن السُّلْطَان أبي سعيد بن خربيدا ملك التتر وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة ووصلت إِلَى مَكَّة فِي الْعشْر الْأَخير من جُمَادَى الأولى من هَذِه السّنة وَعم نَفعهَا وَعظم، وَكَانَ جريانها هَذَا رَحْمَة من الله تَعَالَى لأمة نبيه ﷺ فَإِنَّهُم كَانُوا فِي جهد عَظِيم بِسَبَب قلَّة المَاء بِمَكَّة وعمرت مَرَّات كَثِيرَة فِي عصرنا وَفِيمَا قبله وَمِمَّنْ أحسن أمرهَا فِي عصرنا وَقَامَ بعمارتها وَصرف عَلَيْهَا الْأَمْوَال الجزيلة الشهَاب بركوت المكين لِأَنَّهُ الَّذِي يقوم بأمرها من سنة ثَلَاث عشرَة إِلَى تَارِيخه وَهُوَ سبع عشرَة، وَمن الْعُيُون الَّتِي أجريت بِمَكَّة عين أجراها الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون صَاحب مصر سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة فِي مجْرى عين بازان وتعرف هَذِه الْعين بِعَين جبل ثقبة وَجُمْلَة المصروف عَلَيْهَا خَمْسَة آلَاف دِرْهَم وَذَلِكَ على يَد ابْن هِلَال الدولة مشيد الْعِمَارَة وَمِنْهَا عين أجراها الْأَمِير الْمَعْرُوف بِالْملكِ نَائِب السلطنة بِمصْر فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة من منى إِلَى بركَة السّلم بطرِيق منى.

стр. 193

فصل: ذكر الْمَطَاهِر الَّتِي تمكن بِمَكَّة المشرفة مطاهر مِنْهَا: مطهرة الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون صَاحب مصر عِنْد بَاب بني شيبَة، وتاريخ عمارتها سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة وفيهَا وقفت، وَمِنْهَا مطعرة الْأَمِير الْمَعْرُوف بِالْملكِ نَائِب السلطنة بِمصْر عِنْد بَاب الْحَزْوَرَة وَلَعَلَّ عِمَارَته لَهَا كَانَت فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة، وَهِي الْآن معطلة، وَمِنْهَا مطهرة الْأَمِير ضرغمش الناصري أحد كبار الْأُمَرَاء فِي دولة الْملك النَّاصِر حسن صَاحب مصر وَهِي فِيمَا بَين البيمارستان المستنصري ورباط أم الْخَلِيفَة وتاريخ عِمَارَته لَهَا سنة تسع وَخمسين ثمَّ عمرت بعد ذَلِك غير مرّة، وَمِنْهَا مطهرة الْملك الشّرف شعْبَان صَاحب مصر بالمسعى قبالة بَاب على أحد أَبْوَاب الْمَسْجِد الْحَرَام وَكَانَت عمارتها فِي سنة سِتّ وَسبعين وَسَبْعمائة وَالْمُتوَلِّيّ لأمر عمارتها الْأَمِير أَبُو بكر بن سنقر الجبالي وللإشراف عَلَيْهَا وقف بِمَكَّة ريع فَوْقهَا ودكاكين ووقف بضواحي الْقَاهِرَة، وتخربت ثمَّ عمرها فِي سنة سبع عشرَة وَثَمَانمِائَة، وَمِنْهَا مطهرة خلفهَا عمرتها أم سُلَيْمَان المتصوفة صَاحِبَة الزاوية بسوق اللَّيْل وَفرغ من عمارتها فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَسَبْعمائة، وَمِنْهَا مطهرة الْأَمِير زين الدّين بركَة العثماني رَأس نوبَة النوب بِالْقَاهِرَةِ وَأحد مديري المملكة بهَا وَهِي المطهرة الَّتِي بسوق العطارين بِقرب بَاب بني شيبَة على يسَار الْخَارِج من الْبَاب وبابها مُقَابل بَاب المطهرة الناصرية الْمَذْكُورَة، وَمِنْهَا مطهرة تنْسب للأمير طنبغا الطَّوِيل أحد الْأُمَرَاء المقدمين بالديار المصرية عمرت فِي أَوَائِل عشر السّبْعين وَسَبْعمائة وَهِي بِأَسْفَل مَكَّة عِنْد بَاب الْعمرَة الْآن، والآن هِيَ معطلة، وَمِنْهَا: مطهرة عِنْد بَاب الْحَزْوَرَة يُقَال لَهَا: نطهرة الوَاسِطِيّ، وَلم يعرف المنسوبة إِلَيْهِ وَلَا مَتى وقفت، وَالله تَعَالَى أعلم.

стр. 194

الْبَاب الثَّانِي تَارِيخ الْمَدِينَة وَمَا يتَعَلَّق بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ الشريف والحجرة المقدسة والمنبر الشريف وزيارة النَّبِي ﷺ ومزارات الْمَدِينَة والجوار بهَا وآداب الرُّجُوع. وَفِيه عشرَة فُصُول .

стр. 195

الْفَصْل الأول: فِي أول سَاكِني الْمَدِينَة وسكنى الْيَهُود الْحجاز ثمَّ نزُول الْأَوْس والخزرج بِالْمَدِينَةِ .

стр. 196

ذكر أول من نزل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة قَالَ أهل السّير: أول من نزل الْمَدِينَة بعد الطوفان قوم يُقَال لَهُم صعل وفالح، فغزاهم دَاوُد ﵇ فَأخذ مِنْهُم مائَة ألف عذراء، ثمَّ سلط الله عَلَيْهِم الدُّود فِي أَعْنَاقهم فهلكوا، فقبورهم هَذِه الَّتِي فِي السهل والجبل، وَدَاوُد ﵇ هُوَ من ولد يهوذا بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، بَينه وَبَين يهوذا عشرَة آبَاء، عَاشَ مائَة سنة، وَقيل: مائَة وَأَرْبَعين، وَقيل: سبعين، وَكَانَ يَدْعُو إِلَى شَرِيعَة مُوسَى ﵇ لِأَن الزبُور لم يكن فِيهِ أَحْكَام فَكَانَ خمسين وَمِائَة سُورَة: فِي خمسين ذكر مَا يلقون من بخْتنصر وَأهل بابل، وَفِي خمسين ذكر مَا يلقون من أهل إيرون، وَفِي خمسين مواعظ وَحكم، وَكَانَ يقرأه بسبعين لحناً. وكل كتاب يكون غليظ الْكِتَابَة يُقَال لَهُ: زبور. وَقيل: الزبُور: كل كتاب يصعب الْوُقُوف عَلَيْهِ من الْكتب الإلهية. وَقيل: الزبُور: الْكتاب الْمَقْصُور على الْحِكْمَة الإلهية الْعَقْلِيَّة دون الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة. وَنزل عَلَيْهِ الزبُور بالعبرانية، وَكَانَ مُدَّة ملكه أَرْبَعِينَ سنة، كَانَ يَبِيع الدرْع بأَرْبعَة آلَاف وَهُوَ أول من عمل الدرْع، قَالَ الله تَعَالَى: " وألنا لَهُ الْحَدِيد ". الْآيَة. قَالَ أهل السّير: وَكَانَ سُكْنى العماليق غَزَّة وعسقلان وساحل بَحر الرّوم وَمَا بَين مصر وفلسطين ثمَّ سكنوا مَكَّة وَالْمَدينَة والحجاز كُله وعتوا، فَبعث إِلَيْهِم مُوسَى جنداً من بني إِسْرَائِيل فَقَتَلُوهُمْ. وَعَن زيد بن أسلم قَالَ: بَلغنِي أَن ضبعاً رئيت وَأَوْلَادهَا رابضة فِي حجاج عير رجل من العماليق قَالَ: وَلَقَد كَانَ يمْضِي فِي ذَلِك الزَّمَان أَرْبَعمِائَة سنة وَمَا يسمع بِجنَازَة، وَكَانَ جالوت من العماليق وَكَانَ عوج وَأمه عنَاق من العماليق اللَّذين كَانُوا بأريحا.

стр. 197

عَن ابْن عمر قَالَ: كَانَ طول عوج ثَلَاثَة وَعشْرين ألف ذِرَاع وثلاثمائة وَثَلَاثِينَ ذِرَاعا وثلثي ذِرَاع بِذِرَاع الْملك، وعاش ثَلَاثَة آلَاف سنة، وَأخذ إِحْدَى بَنَات آدم لصلبه، وَهِي أول من تغنى على وَجه الأَرْض فَهَلَكت، كَانَ كل إِصْبَع من أصابعها ثَلَاثَة أَذْرع فِي ذراعين، ولدت حَوَّاء على أَثَرهَا قابيل ثمَّ هابيل. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي " تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث ": وَمن الْعجب أَن عوجا كَانَ فِي زمن مُوسَى ﵇ وَله هَذَا الطول، وَفرْعَوْن ضِدّه فِي الْقصر على مَا ذكره الْحسن قَالَ: مَا كَانَ طول فِرْعَوْن إِلَّا ذِرَاعا وَكَانَت الْحَيَّة ذِرَاعا. وَقيل: كَانَ طوله ذراعين، وَكَانَ لفرعون مُوسَى من فسطاط مصر إِلَى أَرض الْحَبَشَة جبال، فِيهَا معادن الذَّهَب وَالْفِضَّة والزبرجد والياقوت، طمس الله عَلَيْهَا فَصَارَت حِجَارَة؛ لقَوْل مُوسَى: " رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم ". وَفرْعَوْن أول من خضب بِالسَّوَادِ. ذكر سُكْنى الْيَهُود الْحجاز بعد العماليق اعْلَم أَن مُوسَى ﵊ لما أهلك فِرْعَوْن وطئ الشَّام وَأهْلك من بهَا، وَبعث بعثاً من الْيَهُود إِلَى الْحجاز وَأمرهمْ أَن لَا يستبقوا من العماليق أحدا بلغ الْحل، فقدموا فَقَتَلُوهُمْ وَقتلُوا ملكهم وَكَانَ يُقَال لَهُ: الأرقم بن أبي الأرقم، واستجبوا ابْنا لَهُ شَابًّا وَقدمُوا بِهِ فَقبض مُوسَى ﵇ قبل قدومهم، فتلقتهم بَنو إِسْرَائِيل فوجدوا الْغُلَام مَعَهم، فَقَالُوا لَهُم: إِن هَذِه لمعصية مِنْكُم لما خالفتكم من أَمر نَبِيكُم، وَالله لَا تدْخلُوا علينا بِلَادنَا وحالوا بَينهم وَبَين الشَّام فَرَجَعُوا فسكنوا الْحجاز، وَكَانَت الْحجاز إِذْ ذَاك أشجر بِلَاد الله وأطهرها، قَالُوا: وَكَانَ هَذَا أول سُكْنى الْيَهُود الْحجاز بعد العماليق، وَكَانَ جَمِيعهم بزهرة بَين الْحرَّة والسافلة مِمَّا يَلِي القف، وَكَانَت لَهُم الْأَمْوَال بالسافلة، وَنزل جُمْهُور بمَكَان يُقَال لَهُ يثرب بمجتمع السُّيُول سيل بطحان والعقيق وسيل قناة مِمَّا يَلِي زغابة، وَخرجت قُرَيْظَة وإخوتهم بَنو هذل وهم بَنو الْخَزْرَج وَالنضير بن النحام ابْن الْخَزْرَج وَقيل: قُرَيْظَة وَالنضير أَخَوان وهما بَنو أَبنَاء الْخَزْرَج بن الصَّرِيخ فَخَرجُوا بعد هَؤُلَاءِ فتتبعوا آثَارهم فنزلوا بِالْعَالِيَةِ على واديين يُقَال لَهما: مذينب ومهرور، فَنزلت بَنو النَّضِير على مذينب وَاتَّخذُوا عَلَيْهِ الْأَمْوَال، وَنزلت قُرَيْظَة وهذل على مهرور وَاتَّخذُوا عَلَيْهِ الْأَمْوَال، وَكَانُوا أول من احتفر بهَا البنار واغترس الْأَمْوَال وابتنى الْآطَام والنازل، فَكَانَ جَمِيع مَا ابتنى الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ من الْآطَام تسعا وَخمسين أطماً، والآطام: الْحُصُون وَاحِدهَا

стр. 198

أَطَم. قَالَ الْخطابِيّ: هُوَ بِنَاء من الْحِجَارَة، وَمثله الآجام والعياص. ثمَّ نزل أَحيَاء من الْعَرَب على يهود وَذَلِكَ أَنه كَانَ بِالْمَدِينَةِ قرى وأسواق من يهود بني إِسْرَائِيل وَكَانَ قد نزلها عَلَيْهِم أَحيَاء من الْعَرَب وابتنوا مَعَهم الأطام والمنازل قبل نزُول الْأَوْس والخزرج وهم بَنو أنيف حَيّ من بلَى، وَيُقَال: إِنَّهُم لمن بَقِيَّة العماليق وَبَنُو مرْثَد حَيّ من بلَى، وَبَنُو مُعَاوِيَة بن الْحَارِث بن بهية من بني قيس بن عيلان، وَبَنُو الجذمي حَيّ من الْيمن، وَكَانَ جَمِيع مَا ابتنى الْعَرَب من الْآطَام بِالْمَدِينَةِ ثَلَاثَة عشر أطماً. ذكر نزُول الْأَوْس والخزرج الْمَدِينَة لم تزل الْيَهُود الْغَالِبَة على الْمَدِينَة حَتَّى جَاءَ سيل العرم، وَكَانَ مِنْهُ مَا كَانَ وَمَا قصّ الله فِي كِتَابه، وَذَلِكَ أَن أهل مأرب وَهِي أَرض سبأ كَانُوا آمِنين فِي بِلَادهمْ تخرج الْمَرْأَة بمغزلها لَا تتزود شَيْئا تبيت فِي قَرْيَة وتقيل فِي أُخْرَى حَتَّى تَأتي الشَّام، وَلم يكن فِي أَرضهم حَيَّة وَلَا عقرب وَلَا مَا يُؤْذِي، فَبعث الله إِلَيْهِم ثَلَاثَة عشر نَبيا فكذبوهم وَقَالُوا: " رَبنَا باعد بَين أسفارنا " فَسلط الله عَلَيْهِم سيل العرم وَهُوَ السَّبِيل الشَّديد الَّذِي لَا يُطَاق وَقيل: العرم اسْم الْوَادي. وَقيل: اسْم الْمِيَاه. وَذَلِكَ أَن الله بعث عَلَيْهِم جرذاً يُسمى الْخلد والخلد هُوَ الفأر الْأَعْمَى فَنقبَ السد من أَسْفَله حَتَّى دخل السَّيْل عَلَيْهِم فغرقت أَرضهم. وَقيل: أرسل عَلَيْهِم مَاء أَحْمَر فخرب السد وتمزق من سلم مِنْهُم فِي الْبِلَاد، وَكَانَ السد فرسخاً فِي فَرسَخ بناه لُقْمَان الْأَكْبَر العادي للدهر على زَعمه، وَكَانَ يجْتَمع إِلَيْهِ مياه الْيمن من مسيرَة شهر، وَتقدم فِي الْبَاب قبل هَذَا قَضِيَّة طريفة الكاهنة وَمَا قَالَت لقومها وَأَنَّهَا قَالَت لَهُم: من كَانَ مِنْكُم يُرِيد الراسيات فِي الوحل المطعمات فِي الْمحل فليلحق بِيَثْرِب ذَات النّخل. فلحق بهَا الْأَوْس والخزرج فوجدوا الْآطَام وَالْأَمْوَال وَالْقُوَّة للْيَهُود فعاملوهم زَمَانا فَصَارَ لَهُم مَالا وعدداً، فَمَكثَ الْأَوْس والخزرج مَعَهم مَا شَاءَ الله ثمَّ سألوهم أَن يعقدوا بَينهم وَبينهمْ جواراً وحلفاً يَأْمَن بِهِ بَعضهم من بعض، ويمتنعون بِهِ مِمَّن سواهُم، فتعاقدوا وتحالفوا واشتركوا وتعاملوا، فَلم يزَالُوا على ذَلِك زَمَانا طَويلا حَتَّى قويت الْأَوْس والخزرج وَصَارَ لَهُم مَال وَعدد فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْظَة وَالنضير حَالهم خافوهم أَن يغلبوهم على دُورهمْ وَأَمْوَالهمْ فتنمروا لَهُم حَتَّى قطعُوا الْحلف الَّذِي كَانَ بَينهم، وَكَانَت قُرَيْظَة وَالنضير أعز وَأكْثر فأقامت الْأَوْس والخزرج فِي مَنَازِلهمْ

стр. 199

وهم خائفون أَن تجليهم يهود حَتَّى نجم مِنْهُم مَالك بن العجلان أَخُو بني سَالم بن عَوْف بن الْخَزْرَج. ذكر من قتل الْيَهُود واستيلاء الْأَوْس والخزرج على الْمَدِينَة لما نجم مَالك بن العجلان سَوْدَة الْجنان عَلَيْهِمَا فَبعث هُوَ وَجَمَاعَة قومه إِلَى من وَقع بِالشَّام من قَومهمْ يخبرونهم حَالهم، ويشكون إِلَيْهِم غَلَبَة الْيَهُود لَهُم، وَكَانَ رسولهم الرمق بن زيد بن امْرِئ الْقَيْس أحد بني سَالم بن عَوْف بن الْخَزْرَج، وَكَانَ قبيحاً ذَمِيمًا، شَاعِرًا بليغاً، فَمضى حَتَّى قدم الشَّام على ملك من مُلُوك غَسَّان الَّذين سَارُوا من يثرب إِلَى الشَّام يُقَال لَهُ أَبُو حبيلة من ولد حفْنَة بن عَمْرو بن عَامر. وَقيل: أحد بني جشم بن الْخَزْرَج، وَكَانَ قد اصاب ملكا بِالشَّام وشرفاً، فَشَكا إِلَيْهِم الرمق حَالهم وَغَلَبَة الْيَهُود لَهُم وَمَا يتخوفون مِنْهُم وَأَنَّهُمْ يَخْشونَ أَن يخرجوهم، فَأقبل أَبُو حبيلة فِي جمع كثير لنصرة الْأَوْس والخزرج، وَعَاهد الله أَن لَا يبرح حَتَّى يخرج من بهَا من الْيَهُود ويذلهم أَو يصيرهم تَحت أَيدي الْأَوْس والخزرج، فَسَار وَأظْهر أَنه يُرِيد الْيمن حَتَّى قدم الْمَدِينَة وَهِي يَوْمئِذٍ يثرب فَلَقِيَهُ الْأَوْس والخزرج وأعلمهم مَا جَاءَ بِهِ فَقَالُوا: إِن علم الْقَوْم مَا تُرِيدُ تحَصَّنُوا فِي آطامهم فَلم نقدر عَلَيْهِم، وَلَكِن ندعوهم للقائك وتلطفهم حَتَّى يأمنوك ويطمئنوا فنتمكن مِنْهُم، فَصنعَ لَهُم طَعَاما وَأرْسل إِلَى وُجُوههم وَرُؤَسَائِهِمْ فَلم يبْق من وُجُوههم أحد إِلَّا أَتَاهُ، وَجعل الرجل مِنْهُم يَأْتِي بحاشيته وحشمه رَجَاء أَن يحبوهم الْملك، وَكَانَ قد بنى لَهُم حيزاً وَجعل فِيهَا قوما وَأمرهمْ من دخل عَلَيْهِم مِنْهُم أَن يقتلوه حَتَّى أَتَى على وُجُوههم وَرُؤَسَائِهِمْ، فَلَمَّا فعل ذَلِك عزت الْأَوْس والخزرج بِالْمَدِينَةِ، وَاتَّخذُوا الديار وَالْأَمْوَال وَانْصَرف أَبُو حبيلة وَتَفَرَّقَتْ الْأَوْس والخزرج فِي عالية الْمَدِينَة وسافلها، وَكَانَ مِنْهُم من جَاءَ إِلَى عفاء من الأَرْض لَا سَاكن فِيهِ فنزله، وَمِنْهُم من لَجأ إِلَى قَرْيَة من قراها وَاتخذ الْأَمْوَال والآطام، وَكَانَ مَا ابْتَنَوْا من الْآطَام مائَة وَسَبْعَة وَعشْرين أطماً، وَأَقَامُوا كلمتهم وَاحِدَة وَأمرهمْ مُجْتَمع، ثمَّ دخلت بَينهم حروب عِظَام وَكَانَت لَهُم أَيَّام ومواطن وأشعار، فَلم تزل تِلْكَ الحروب بَينهم حَتَّى بعث الله تَعَالَى رَسُوله ﷺ فأكرمهم الله باتباعه، والأوس والخزرج حَيَّان ينسبان إِلَى قحطان، لِأَن من قحطان افْتَرَقت سبع وَعِشْرُونَ قَبيلَة مِنْهُم الْأَوْس والخزرج، وهما الْأَنْصَار وَهُوَ جمع نصير، وَسموا أنصاراً حِين

стр. 200

آووا رَسُول الله ﷺ ونصروه، وَعنهُ ﷺ : " أسلمت الْمَلَائِكَة طَوْعًا، والأوس والخزرج طَوْعًا، وَجَمِيع الْعَرَب كرها ".

стр. 201

الْفَصْل الثَّانِي: ذكر فتح الْمَدِينَة وهجرة النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه إِلَيْهَا .

стр. 202

ذكر مَا جَاءَ فِي فتحهَا قَالَت عَائِشَة ﵂: كل الْبِلَاد افتتحت بِالسَّيْفِ، وافتتحت الْمَدِينَة بِالْقُرْآنِ. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين بن النجار فِي تَارِيخه: فالمدينة الشَّرِيفَة لم تفتح بِقِتَال إِنَّمَا كَانَ رَسُول الله ﷺ يعرض نَفسه فِي كل موسم على قبائل الْعَرَب وَيَقُول: " أَلا رجل يحملني إِلَى قومه فَإِن قُريْشًا قد مَنَعُونِي أَن أبلغ كَلَام رَبِّي ". فيأبونه وَيَقُولُونَ لَهُ: قوم الرجل أعلم بِهِ. حَتَّى لَقِي فِي بعض السنين عِنْد الْعقبَة نَفرا من الْأَوْس والخزرج قدمُوا فِي المنافرة الَّتِي كَانَت بَينهم فَقَالَ لَهُم: " من أَنْتُم؟ ". قَالُوا: نفر من الْخَزْرَج. قَالَ: " أَمن موَالِي يهود؟ ". قَالُوا: نعم. قَالَ: " أَفلا تجلسون كلكُمْ؟ " قَالُوا: بلَى. فجلسوا مَعَه فَدَعَاهُمْ إِلَى الله وَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام وتلا عَلَيْهِم الْقُرْآن وَكَانُوا أهل شرك أَصْحَاب أوثان، وَكَانُوا إِذا كَانَ بَينهم وَبَين الْيَهُود الَّذين مَعَهم بِالْمَدِينَةِ شَيْء قَالَت الْيَهُود لَهُم وَكَانُوا أَصْحَاب كتاب وَعلم: إِن النَّبِي مَبْعُوث الْآن وَقد أظل زَمَانه فنتبعه فنقتلكم مَعَه قتل عَاد وإرم. فَلَمَّا كلم رَسُول الله ﷺ أُولَئِكَ النَّفر ودعاهم إِلَى الله، قَالَ بَعضهم لبَعض: يَا قوم تعلمُونَ وَالله أَنه النَّبِي الَّذِي توعدكم بِهِ يهود فَلَا سبقتكم إِلَيْهِ فاغتنموه وآمنوا بِهِ، فَأَجَابُوهُ فِيمَا دعاهم إِلَيْهِ وَصَدقُوهُ وقبلوا مِنْهُ مَا عرض عَلَيْهِم من الْإِسْلَام، وَقَالُوا: لقد تركنَا قَومنَا وَبينهمْ من الْعَدَاوَة وَالشَّر مَا بَينهم، وَعَسَى أَن يجمعهُمْ الله بك، فسنقدم عَلَيْهِم وندعوهم إِلَى أَمرك ونعرض عَلَيْهِم الَّذِي أجبناك إِلَيْهِ من هَذَا الدّين، فَإِن يجمعهُمْ الله عَلَيْهِ فَلَا رجل أعز مِنْك. قُم انصرفوا عَن رَسُول الله ﷺ رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ قد آمنُوا وَصَدقُوا وَكَانُوا سِتَّة: سعد بن زُرَارَة وَهُوَ جد النُّقَبَاء فِي الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة، وعَوْف بن عفراء وَهِي أمه وَأَبوهُ الْحَارِث

стр. 203

ابْن رِفَاعَة، وَرَافِع بن مَالك بن العجلان، وَقُطْبَة بن عَامر بن حَدِيدَة، وَعقبَة بن عَامر بن نابي، وَجَابِر بن عبد الله بن رِئَاب، فَلَمَّا قدمُوا الْمَدِينَة إِلَى قَومهمْ ذكرُوا لَهُم رَسُول الله ﷺ وَمَا جرى لَهُم ودعوهم إِلَى الْإِسْلَام فَفَشَا فيهم حَتَّى لم يبْق دَار من دور الْإِسْلَام إِلَّا ولرسول الله ﷺ فِيهَا ذكر، فَلَمَّا كَانَ الْعَام الْمقبل وافى الْمَوْسِم مِنْهُم اثْنَا عشر رجلا فَلَقوا رَسُول الله ﷺ بِالْعقبَةِ وَهِي الْعقبَة الأولى فَبَايعُوهُ، فَلَمَّا انصرفوا بعث رَسُول الله ﷺ مَعَهم مُصعب بن عُمَيْر إِلَى الْمَدِينَة وَأمره أَن يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن، وَيُعلمهُم الْإِسْلَام ويفقههم فِي الدّين، وَكَانَ منزله على سعد بن زُرَارَة، ولقيه فِي الْمَوْسِم الآخر سَبْعُونَ رجلا من الْأَنْصَار مِنْهُم امْرَأَتَانِ فَبَايعُوهُ، وَأرْسل رَسُول الله ﷺ أَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ خرج إِلَى الْغَار بعد ذَلِك ثمَّ توجه هُوَ وَأَبُو بكر ﵁ إِلَى الْمَدِينَة. ذكر هِجْرَة النَّبِي إِلَى الْمَدِينَة ﷺ وَأَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة اعْلَم أَن هِجْرَة النَّبِي ﷺ إِلَى الْمَدِينَة هِيَ من بعض معرفَة دَلَائِل صِفَات نعوته فِي الْكتب الإلهية، وَقد نطقت الْأَخْبَار بِأَن الْمَدِينَة دَار هِجْرَة نَبِي يخرج فِي آخر الزَّمَان. ذكر صَاحب " الدّرّ المنظم " والشهرستاني فِي كِتَابه " أَعْلَام النُّبُوَّة " فِي قصَّة يلخصها: أَن سيف بن ذِي يزن الْحِمْيَرِي لما ظفر بِالْحَبَشَةِ وَذَلِكَ بعد مولد النَّبِي ﷺ قصدته وُفُود الْعَرَب بالهنية، وَخرج إِلَيْهِ وَفد قُرَيْش وَفِيهِمْ عبد الْمطلب إِلَى صنعاء وَهُوَ فِي قصره الْمَعْرُوف بغمدان، فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ وَأنْفق مَا أنْفق قَالَ سيف لعبد الْمطلب: إِنِّي وجدت فِي الْكتاب الْمكنون وَالْعلم المخزون الَّذِي اخترناه لأنفسنا دون غَيرنَا خَبرا جسيماً، وخطراً عَظِيما فِيهِ شرف الْحَيَاة وفضيلة الْوَفَاة، وَهُوَ للنَّاس عَامَّة ولرهطك كَافَّة وَلَك خَاصَّة، ثمَّ قَالَ لَهُ: إِذا ولد بتهامة غُلَام بِهِ عَلامَة كَانَت لَهُ الْإِمَامَة، وَلكم بِهِ الزعامة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَلَوْلَا أَن الْمَوْت يجتاحني قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حَتَّى أصير بِيَثْرِب دَار ملكي، فَإِنِّي أجد فِي الْكتاب النَّاطِق وَالْعلم السَّابِق أَن يثرب استحكام ملكه وَأهل نصرته وَمَوْضِع قَبره، وَلَوْلَا أَنِّي أقيه الْآفَات وَأحذر عَلَيْهِ العاهات لأوطأته الْعَرَب، وَلَكِنِّي صَارف إِلَيْك ذَلِك عَن غير يقيني بِمن مَعَك ثمَّ أَمر لكل وَاحِد من قومه بجائزة وَأَجَازَ

стр. 204

عبد الْمطلب بأضعافها، ثمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِخَبَرِهِ وَمَا يكون من أمره على رَأس الْحول، فَمَاتَ سيف قبل أَن يحول عَلَيْهِ الْحول. وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث: أخبرنَا رَسُول الله ﷺ عَن صفته فِي التَّوْرَاة: " عَبدِي أَحْمد الْمُخْتَار، مولده بِمَكَّة، وَمُهَاجره بِالْمَدِينَةِ. أَو قَالَ: طيبَة، أمته الْحَمَّادُونَ لله على كل حَال ". وَقيل: معنى قَوْله تَعَالَى: " ووجدك ضَالًّا فهدى ". أَي ضَالًّا عَن الْهِجْرَة فهداك إِلَيْهَا. وَقيل: وَجدك ضَالًّا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فهداك إِلَى الْمَدِينَة. وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى: " التائبون العابدون الحامدون السائحون ". إِن السائحين الْمُهَاجِرين. وَقيل: لم يُهَاجر ﷺ حَتَّى طلب الْهِجْرَة؛ لقَوْله تَعَالَى: " رَبنَا أخرجنَا من هَذِه الْقرْيَة الظَّالِم أَهلهَا وَاجعَل لنا من لَدُنْك وليا وَاجعَل لنا من لَدُنْك نَصِيرًا ". فالداعي مُحَمَّد ﷺ والرقة مَكَّة، وَالْوَلِيّ والنصير الْأَنْصَار. وَعَن عَليّ ﵁ عَنهُ ﷺ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيل ﵇ فَقلت لَهُ: " يَا جِبْرِيل من يُهَاجر معي؟ " قَالَ: أَبُو بكر وَهُوَ يَلِي أمتك من بعْدك وَهُوَ أفضل أمتك ". وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث الْهِجْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ للْمُسلمين: " إِنِّي رَأَيْت دَار هجرتكم ذَات نخل بَين لابتين وهما الحرتان ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " رَأَيْت فِي الْمَنَام أَنِّي أُهَاجِر من مَكَّة إِلَى أَرض بهَا نخل فَذهب وهلى إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَة أَو هجر، فَإِذا هِيَ الْمَدِينَة يثرب ". فَلَمَّا ذكر النَّبِي ﷺ هَذَا الْمَنَام لأَصْحَابه هَاجر من هَاجر مِنْهُم قبل الْمَدِينَة، وَرجع عَامَّة من كَانَ هَاجر بِأَرْض الْحَبَشَة إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانَ أول من هَاجر إِلَى الْحَبَشَة حَاطِب بن عَمْرو، وَقيل: عبد الله بن عبد الْأسد بن هِلَال. وَأول مَوْلُود ولد فِي الْإِسْلَام بِأَرْض الْحَبَشَة

стр. 205

عبد الله بن جَعْفَر بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁. وتجهز أَبُو بكر ﵁ قبل الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ " على رسلك فَإِنِّي أَرْجُو أَن يُؤذن لي " فَقَالَ أَبُو بكر: وَهل ترجو ذَلِك بِأبي أَنْت وَأمي؟ قَالَ: نعم. فحبس أَبُو بكر نَفسه على رَسُول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين كَانَتَا عِنْده الْخبط أَرْبَعَة أشهر ". قَالَت عَائِشَة ﵂: بَيْنَمَا نَحن يَوْمًا جُلُوس فِي بَيت أبي بكر فِي نَحْو الظهيرة قَالَ قَائِل لأبي بكر: هَذَا رَسُول الله ﷺ متقنعاً فِي سَاعَة لم يكن يأتينا فِيهَا قَالَ أَبُو بكر: فدَاء لَهُ أبي وَأمي، وَالله مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِه السَّاعَة إِلَّا أَمر قَالَ: فجَاء رَسُول الله ﷺ فَاسْتَأْذن فَأذن لَهُ، فَدخل فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لبي بكر: " اخْرُج من عنْدك " فَقَالَ أَبُو بكر: إِنَّمَا هم أهلك بِأبي أَنْت. قَالَ: " فَإِنِّي قد أذن لي فِي الْخُرُوج ". فَقَالَ أَبُو بكر: الصُّحْبَة يَا رَسُول الله؟ قَالَ رَسُول الله ﷺ : " نعم ". قَالَ أَبُو بكر: فَخذ بِأبي أَنْت يَا رَسُول الله إِحْدَى رَاحِلَتي هَاتين. قَالَ رَسُول الله: " بِالثّمن ". قَالَت عَائِشَة ﵂ فجهزناهما أحث الجهاز، ووضعنا لَهما سفرة فِي جراب والسفرة طَعَام يَتَّخِذهُ الْمُسَافِر وَكَانَ أَكثر مَا يحمل فِي جلد مستدير فَنقل اسْم الطَّعَام إِلَى الْجلد، كالراوية اسْم للبعير ونقلت إِلَى المزادة قَالَه الْخَلِيل قَالَت عَائِشَة: فَقطعت أَسمَاء بنت أبي بكر قِطْعَة من نطاقها فَربطت بِهِ على فَم الجراب، فبذلك سميت ذَات النطاقين. والنطاق: أَن تَأْخُذ الْمَرْأَة الثَّوْب فتشتمل بِهِ ثمَّ تشد وَسطهَا بخيط ثمَّ ترسل الْأَعْلَى على الْأَسْفَل قَالَت: ثمَّ لحق رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر بِغَار جبل ثَوْر فمكثا فِيهِ ثَلَاثًا، يبيت عِنْدهمَا عبد الله بن أبي بكر، وَهُوَ غُلَام شَاب لقن، فيدلج من عِنْدهمَا بِسحر فَيُصْبِح مَعَ قُرَيْش بِمَكَّة كبائت، فَلَا يسمع أمرا بِهِ يكادان إِلَّا وعاه حَتَّى يأتيهما بخر ذَلِك حِين يخْتَلط

стр. 206

الظلام، ويرعى عَلَيْهِمَا عَامر بن فهَيْرَة مولى أبي بكر منحة من لبن فيريحها عَلَيْهِمَا حَتَّى تذْهب سَاعَة من الْعشَاء، فيبيتان فِي رسل حَتَّى ينعق بهما عَامر بِغَلَس فَفعل ذَلِك فِي كل لَيْلَة من تِلْكَ اللَّيَالِي، واستأجر رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر رجلا من بني الديل هادياً ماهراً بالهداية وَهُوَ على دين كفار قُرَيْش فأمناه فدفعا إِلَيْهِ راحلتيهما، وواعده غَار ثَوْر بعد ثَلَاث براحلتيهما، وَانْطَلق مَعَهُمَا عَامر بن فهَيْرَة وَالدَّلِيل فَأخذ بهم طَرِيق السواحل، وَكَانَ اسْم دليلهم عبد الله بن أريقط اللَّيْثِيّ، وَلم يعرف لَهُ إِسْلَام بعد ذَلِك، وَكَانَت هجرته ﷺ يَوْم الِاثْنَيْنِ لثمان خلون من شهر ربيع الأول. وَقيل: كَانَت آخر لَيْلَة من صفر، وعمره إِذْ ذَاك ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة وَتِسْعَة أشهر بعد الْمِعْرَاج بِسنة وشهرين وَيَوْم وَاحِد، فَكَانَ بَين الْبَعْث وَالْهجْرَة اثْنَا عشر سنة وَتِسْعَة أشهر وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَقيل: كَانَت إِقَامَته بِمَكَّة بعد النُّبُوَّة ثَلَاث عشرَة سنة. ومروا على خَيْمَتي أم معبد الْخُزَاعِيَّة فِي قديد، وَكَانَت امْرَأَة بَرزَة جلدَة تَحْتَبِيَ وتجلس بِفنَاء الْخَيْمَة أَو الْقبَّة ثمَّ تَسْقِي وَتطعم، فَسَأَلُوهَا تَمرا وَلَحْمًا لِيَشْتَرُوهُ فَلم يُصِيبُوا عِنْدهَا شَيْئا من ذَلِك وَإِذا الْقَوْم مرملون مسنتون فَقَالَت: لَو كَانَ عندنَا شَيْء مَا أعوزكم الْقرى. فَنظر النَّبِي ﷺ إِلَى شَاة فِي كرّ خيمتها فَقَالَ: " مَا هَذِه الشَّاة يَا أم معبد؟ " فَقَالَت: شَاة خلفهَا الْجهد عَن الْغنم فَقَالَ: " هَل بهَا من لبن؟ " فَقَالَت: هِيَ أجهد من ذَلِك. قَالَ ﷺ : " أفتأذنين لي أَن أَحْلَبَهَا؟ " قَالَت: نعم بِأبي أَنْت وَأمي إِن رَأَيْت بهَا حَلبًا فاحلبها. فَدَعَا النَّبِي ﷺ بِالشَّاة فَمسح ضرْعهَا، وَذكر اسْم الله

стр. 207

تَعَالَى، وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارك لَهَا فِي شَاتِهَا " فتفاجت وَدرت واجترت، فَدَعَا النَّبِي ﷺ بِإِنَاء يربض الرَّهْط فَحلبَ فِيهَا ثَجًّا، حَتَّى علاهُ الْبَهَاء. ويروي الثمال، فَسَقَاهَا فَشَرِبت حَتَّى رويت، وَسَقَى أَصْحَابه حَتَّى رووا وَشرب آخِرهم وَقَالَ: " ساقي الْقَوْم آخِرهم شرباً ". فَشَرِبُوا جَمِيعًا عللاً بعد نهل حَتَّى أراضوا، ثمَّ حلب فِيهِ ثَانِيًا عوداً على بَدْء ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا ثمَّ ارتحلوا عَنْهَا بعد أَن بَايَعَهَا، فقلما لَبِثت أَن جَاءَ زَوجهَا أَبُو معبد أَكْثَم بن أبي الجون يَسُوق أغنماً عِجَافًا تشاركن هزلي ويروي عَازِب جبال وَلَا حَلُوب فِي الْبَيْت، قَالَت: لَا وَالله إِلَّا أَنه مر بِنَا رجل مبارك كَانَ من حَدِيثه كَيْت وَكَيْت. قَالَ: صَفيه لي يَا أم معبد. قَالَت: رَأَيْت رجلا ظَاهر الْوَضَاءَة، أَبْلَج الْوَجْه أَو مبتلج الْوَجْه، لم تَعبه ثجلة، وَلم تزر لَهُ صقلة أَو صعلة، ويروى لم تَعبه نحلة، وسيماً قسيماً، فِي عَيْنَيْهِ دعجٌ، وَفِي أَشْفَاره وَطف أَو عطف أَو غطف، وَفِي صورته صَحِلَ، وَفِي عُنُقه سَطَعَ، وَفِي لحيته كَثَافَة، أَزجّ،

стр. 208

أقرن، إِذا صمت فَعَلَيهِ الْوَقار، وَإِن تكلم سما وعلاه الْبَهَاء، أجمل النَّاس وابهاه من بعيد، وَأحسنه وأجمله من قريب، حُلْو الْمنطق أَو المنظر، فصل، لَا نزر وَلَا هذر، كَأَن مَنْطِقه خَرَزَات نظم يتحدرن، ربعَة، لَا يبأس من طول، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عين من قصر، غُصْن بَين غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَة منْظرًا، وَأَحْسَنهمْ قدرا، لَهُ رُفَقَاء يحفونَ بِهِ، إِن قَالَ أَنْصتُوا لقَوْله، وَإِن أَمر تبَادرُوا إِلَى أمره، مَحْفُودٌ محشود، لَا عَابس، وَلَا مُفند. قَالَ أَبُو معبد: هَذَا وَالله صَاحب قُرَيْش الَّذِي ذكر لنا من أمره مَا ذكر بِمَكَّة، لقد هَمَمْت أَن أَصْحَبهُ وَلَأَفْعَلَن إِن وجدت إِلَى ذَلِك سَبِيلا. وَأصْبح صَوت بِمَكَّة عَالِيا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض يسمعونه وَلَا يرَوْنَ قَائِله: جزى الله رب النَّاس خير جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حلاّ خَيْمَتي أم معبد. . الأبيات قَالَ: فَأصْبح النَّاس قد فقدوا نَبِيّهم ﷺ فَأخذُوا على خَيْمَتي أم معبد حَتَّى لَحِقُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ . قَالَ ابْن إِسْحَاق: بَلغنِي أَنه لما خرج قَالَ أهل السّير: وَلَقي رَسُول الله ﷺ الزبير فِي ركب من الْمُسلمين، كَانُوا تجارًا قافلين من الشَّام، فكسا الزبير رَسُول الله ﷺ وَأَبا بكر ثِيَاب بَيَاض، وَسمع الْمُسلمُونَ بِالْمَدِينَةِ بمخرج رَسُول الله ﷺ من مَكَّة فَكَانُوا يَغْدُونَ كل غَدَاة إِلَى ثنية الْوَدَاع ينتظرون قدوم رَسُول الله ﷺ فحين قدم قَالَ قَائِلهمْ: طلع الْبَدْر علينا ... من ثنيات الْوَدَاع وَجب الشُّكْر علينا ... مَا دَعَا لله دَاع أَنْت مُرْسل حَقًا ... جِئْت من أَمر مُطَاع جئتنا تمشي رويدا ... نحونا يَا خير دَاع

стр. 209

وأضيفت الثَّنية إِلَى الْوَدَاع؛ لِأَنَّهَا مَوضِع التوديع، وَهُوَ اسْم قديم جاهلي، وَهَذِه الثَّنية خَارج الْمَدِينَة وَأَقْبل رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَ مردفاً لأبي بكر وَأَبُو بكر شيخ يعرف وَالنَّبِيّ ﷺ شَاب لَا يعرف، فَيلقى الرجل أَبَا بكر فَيَقُول: يَا أَبَا بكر من هَذَا الرجل الَّذِي بَين يَديك؟ فَيَقُول: هَذَا الرجل الَّذِي يهديني السَّبِيل. فيحسب الحاسب أَنه يَعْنِي الطَّرِيق وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيل الْخَيْر، وَقدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة حِين اشْتَدَّ الضُّحَى من يَوْم الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول وَهُوَ الْأَصَح، وتلقى الْمُسلمُونَ رَسُول الله ﷺ بِظهْر الْحرَّة، فَعدل بهم ذَات الْيَمين حَتَّى نزل بهم فِي بني عمر بن عَوْف، فَقَامَ أَبُو بكر للنَّاس وَجلسَ رَسُول الله ﷺ صامتاً، وطفق من جَاءَ من الْأَنْصَار مِمَّن لم ير رَسُول الله ﷺ يحيي أَبَا بكر حَتَّى أَصَابَت الشَّمْس رَسُول الله ﷺ فَأقبل أَبُو بكر حَتَّى ظلل عَلَيْهِ بردائه، فَعرف النَّاس رَسُول الله ﷺ عِنْد ذَلِك، وَنزل رَسُول الله ﷺ على كُلْثُوم بن الْهدم، وَفِي هَذِه الْحرَّة قِطْعَة تسمى أَحْجَار الزَّيْت سميت بِهِ لسواد أحجارها؛ كَأَنَّهَا طليت بالزيت، وَهُوَ مَوضِع كَانَ يسْتَقرّ فِيهِ رَسُول الله ﷺ ، وَبَعْضهمْ يَقُول: أَحْجَار الْبَيْت وَذَلِكَ خطأ. قَالَ الْبَراء بن عَازِب: أول من قدم علينا الْمَدِينَة مُصعب بن عُمَيْر وَابْن أم مَكْتُوم وَكَانَا يقرئان النَّاس، ثمَّ قدم عمار بن يَاسر وبلال ثمَّ عمر بن الْخطاب فِي عشْرين من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ، ثمَّ قدم النَّبِي ﷺ فَمَا رَأَيْت أهل الْمَدِينَة فرحوا بِشَيْء فَرَحهمْ برَسُول الله ﷺ حَتَّى جعل الْإِمَاء يقلن: قدم رَسُول الله ﷺ . قَالَت عَائِشَة: لما قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة وعك أَبُو بكر وبلال قَالَت: فَدخلت عَلَيْهِمَا فَقلت: يَا ابت كَيفَ تجدك؟ وَيَا بِلَال كَيفَ تجدك؟ قَالَت: فَكَانَ أَبُو بكر إِذا أَخَذته الْحمى يَقُول:

стр. 210

كل امْرِئ مصبح فِي أَهله ... وَالْمَوْت أدنى من شِرَاك نَعله وَذكر أَبُو عبد الله المرزباني: أَن هَذَا الْبَيْت لحكيم بن الْحَارِث بن نهيك النَّهْشَلِي وَكَانَ جاهلياً، قيل: يَوْم الوقيظ وَهُوَ يَوْم كَانَ لبني قيس بن ثَعْلَبَة على بني تَمِيم وَكَانَ حَكِيم ينشده فِي ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ يُقَاتل وَكَانَ بِلَال إِذا أقلع عَنهُ الْحمى يرفع عقيرته فَيَقُول: أَلا لَيْت شعري هَل أبيتن لَيْلَة ... بواد وحولي إذخر وجليل وَهل أردن يَوْمًا مياه مجنة ... وَهل يبدون لي شامة وطفيل قَالَت عَائِشَة: فَجئْت رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرته فَقَالَ: " اللَّهُمَّ حبب إِلَيْنَا الْمَدِينَة كحبنا مَكَّة أَو أَشد، وصححها، وَبَارك لنا فِي صاعها ومدها، وانقل حماها وَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ ". قَالَ أهل السّير: وَأقَام عَليّ بن أبي طَالب ﵁ بِمَكَّة ثَلَاث لَيَال وأيامها حَتَّى أدّى عَن رَسُول الله ﷺ الودائع الَّتِي كَانَت عِنْده للنَّاس حَتَّى إِذا فرغ مِنْهَا لحق برَسُول الله ﷺ ، فَنزل مَعَه على كُلْثُوم بن الْهدم، وَلم يبْق بِمَكَّة إِلَّا من حَبسه أَهله أَو فتنوه. وَعَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه فِي قَوْله : " وَقل رب أدخلني مدْخل صدق وأخرجني مخرج صدق وَاجعَل لي من لَدُنْك سُلْطَانا نَصِيرًا ". قَالَ: جعل الله مدْخل صدق الْمَدِينَة، ومخرج صدق مَكَّة، وسلطاناً نَصِيرًا الْأَنْصَار. وَقيل: أدخلني يَعْنِي غَار ثَوْر مدْخل صدق، وأخرجني يَعْنِي مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَة مخرج صدق وَقيل: غير ذَلِك. وَالله أعلم.

стр. 211

صفحة فارغة

стр. 212

الْفَصْل الثَّالِث: حُرْمَة الْمَدِينَة وغبارها وتمرها وحدود حرمهَا فِي مَا جَاءَ فِي حُرْمَة الْمَدِينَة وغبارها وتمرها ودعائه ﷺ لَهُم بِالْبركَةِ وَمَا يؤول إِلَيْهِ أمرهَا وحدود حرمهَا:

стр. 213

ذكر حُرْمَة الْمَدِينَة المشرفة روى القَاضِي عِيَاض فِي " الشِّفَاء ": أَن مَالك بن أنس ﵁ كَانَ لَا يركب فِي الْمَدِينَة دَابَّة، وَكَانَ يَقُول: أستحيي من الله أَن أَطَأ تربة فِيهَا رَسُول الله ﷺ بحافر دَابَّتي. وَرُوِيَ أَنه وهب للشَّافِعِيّ ﵀ كُرَاعًا كثيرا كَانَ عِنْده فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي: أمسك مِنْهَا دَابَّة فَأَجَابَهُ بِمثل هَذَا الْجَواب. وَكَانَ قد أفتى مَالك ﵀ فِيمَن قَالَ: تربة الْمَدِينَة رَدِيئَة. بِضَرْب ثَلَاثِينَ درة وَأمر بحبسه وَكَانَ لَهُ قدر، وَقَالَ: مَا أحوجه إِلَى ضرب عُنُقه تربة دفن فِيهَا رَسُول الله ﷺ يزْعم أَنَّهَا غير طيبَة. وَعَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة رفع الله تَعَالَى الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس فتمر بِقَبْر النَّبِي ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَتَقول: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. فَيَقُول ﵇: " وَعَلَيْك السَّلَام يَا كعبة الله مَا حَال أمتِي؟ فَتَقول: يَا مُحَمَّد أما من وَفد إليّ من أمتك فَأَنا الْقَائِمَة بِشَأْنِهِ، وَأما من لم يفد إليّ من أمتك فَأَنت الْقَائِم بِشَأْنِهِ ". رَوَاهُ أَبُو سعيد الْموصِلِي فِي بَاب رفع الْكَعْبَة المشرفة إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس. فَانْظُر لسر زِيَارَة الْبَيْت الْحَرَام للنَّبِي ﵇ وَدخُول الْكَعْبَة المشرفة مَدِينَة خير الْأَنَام وَكفى بِهَذَا الشّرف تَعْظِيمًا. قَالَ الشَّيْخ عبد الله الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس والأسرار فِي تَارِيخ دَار هِجْرَة الْمُخْتَار ": لما جرى سَابق شرفها فِي الْقدَم أَخذ من تربَتهَا حِين خلق آدم فأوجد الموجد وجودهَا من بعد الْعَدَم. قَالَ أهل السّير: إِن الله تَعَالَى لما خمر طِينَة آدم ﵇ حِين أَرَادَ خلقه أَمر جِبْرِيل أَن يَأْتِيهِ بالقبضة الْبَيْضَاء الَّتِي هِيَ قلب الأَرْض وبهاؤها ونورها؛ ليخلق مِنْهَا مُحَمَّدًا ﷺ فهبط جِبْرِيل فِي مَلَائِكَة الفراديس المقربين وملائكة الصفح الْأَعْلَى، فَقبض قَبْضَة من مَوضِع قبر رَسُول الله ﷺ وَهِي يَوْمئِذٍ بَيْضَاء نقية، فعجنت بِمَاء التسنيم ورعرعت حَتَّى صَارَت كالدرة الْبَيْضَاء ثمَّ غمست فِي أَنهَار الْجنَّة كلهَا، وطيف بهَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض والبحار، فَعرفت الْمَلَائِكَة حِينَئِذٍ مُحَمَّدًا ﷺ وفضله قبل أَن تعرف آدم وفضله، ثمَّ عجنت بطينة آدم بعد ذَلِك، وَلَا يخلق ذَلِك الْجَسَد إِلَّا من أفضل بقاع الأَرْض. حَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ. وَحكى أَبُو عبيد الجرهمي وَكَانَ كَبِير السن عَالما بأخبار الْأُمَم: أَن تبعا الْأَصْغَر وَهُوَ تبع بن حسان بن تبع سَار إِلَى يثرب فَنزل فِي سفح جبل أحد، وَذهب إِلَى الْيَهُود وَقتل مِنْهُم ثَلَاثمِائَة وَخمسين رجلا صبرا وَأَرَادَ إخرابها، فَقَامَ إِلَيْهِ حبر من الْيَهُود

стр. 214

فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك مثلك لَا يقبل على الْغَضَب وَلَا يقبل قَول الزُّور وَأَنت لَا تَسْتَطِيع أَن تخرب هَذِه الْقرْيَة. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَنَّهَا مهَاجر نَبِي من ولد إِسْمَاعِيل يخرج من هَذِه البنية يَعْنِي الْبَيْت الْحَرَام فَكف تبع وَمضى إِلَى مَكَّة وَمَعَهُ هَذَا الْيَهُودِيّ وَرجل آخر عَالم من الْيَهُود، فكسا الْبَيْت الْحَرَام كسْوَة وَنحر عِنْده سِتَّة آلَاف جزور وَأطْعم النَّاس، وَلم يزل بعد ذَلِك يحوط الْمَدِينَة الشَّرِيفَة ويعظمها. ويروى أَن سُلَيْمَان ﵇ لما حَملته الريخ من اصطخر على مَمَره بوادي النَّمْل سَار إِلَى الْيمن فتوغل فِي الْبَادِيَة فسلك مَدِينَة الرَّسُول ﷺ فَقَالَ سُلَيْمَان ﵇: هَذِه دَار هِجْرَة نَبِي فِي آخر الزَّمَان طُوبَى لمن آمن بِهِ وَاتبعهُ. فَقَالَ لَهُ قوم: كم بَيْننَا وَبَين خُرُوجه؟ قَالَ: زهاء ألف عَام. ووادي النَّمْل هُوَ وَادي السديرة بِأَرْض الطَّائِف من أَرض الْحجاز. قَالَه كَعْب. وَقيل: هُوَ بِالشَّام. وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا قدم من سفر فَنظر إِلَى جدران الْمَدِينَة أوضع رَاحِلَته، وَإِن كَانَ على دَابَّة حركها. وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: يُوشك أَن يضْرب النَّاس أكباد الْإِبِل يطْلبُونَ الْعلم فَلَا يَجدونَ أحدا أعلم من عَالم الْمَدِينَة. قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: هُوَ مَالك بن أنس ﵁. وَعَن عبد الرَّزَّاق أَنه قَالَ: هُوَ الْعمريّ الزَّاهِد. قَالَ التوربشتي فِي " شرح المصابيح ": وَمَا ذكره ابْن عُيَيْنَة، وَعبد الرَّزَّاق فَهُوَ مَحْمُول مِنْهُمَا على غَلَبَة الظَّن دون الْقطع بِهِ، وَقد كَانَ مَالك ﵀ حَقِيقا بِهَذَا الظَّن فَإِنَّهُ كَانَ إِمَام دَار الْهِجْرَة والمرجوع بهَا إِلَيْهِ فِي علم الْفتيا، وَكَذَا الْعمريّ الزَّاهِد وَهُوَ عبد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ﵁ وَقد كَانَ الشَّيْخ وَحده وَكَانَ من عباد الله الصَّالِحين الْمَشَّائِينَ فِي عباده وبلاده بِالنَّصِيحَةِ، وَلَقَد بلغنَا أَنه كَانَ يخرج إِلَى الْبَادِيَة؛ ليتفقد أَحْوَال أَهلهَا شَفَقَة مِنْهُ عَلَيْهِم أَو ألحق النَّصِيحَة فيهم فيأمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر، وَكَانَ يَقُول لعلماء الْمَدِينَة: شغلكم طلب الجاه وَحب الرياسة عَن تَوْفِيَة الْعلم حَقه فِي إخْوَانكُمْ من الْمُسلمين، تركتموهم فِي الْبَوَادِي والفلوات يعمهون فِي أَوديَة الْجَهْل ومتيهة الضلال، أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ. قَالَ التوربشتي: وَلَو جَازَ لنا أَن نتجاوز الظَّن فِي مثل هَذِه الْقَضِيَّة لَكَانَ قَوْلنَا إِنَّه

стр. 215

عمر أولى من قَوْله إِنَّه لعمري مَعَ الْقطع بِهِ فقد لبث بِالْمَدِينَةِ أعواماً يجْتَهد فِي تمهيد الشَّرْع وَتبين الْأَحْكَام، وَلَقَد شهد لَهُ أَعْلَام الصَّحَابَة بالتفوق فِي الْعلم حَتَّى قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ يَوْم اسْتشْهد عمر ﵁: لقد دفن بِمَوْتِهِ تِسْعَة أعشار الْعلم. انْتهى. قَالَ الْعَفِيف الْمرْجَانِي: سَمِعت وَالِدي يَقُول: كنت ذَات يَوْم جَالِسا فِي الْبُسْتَان فَإِذا بِمِقْدَار ثَلَاثِينَ أَو أَرْبَعِينَ فَارِسًا لابسين ثيابًا معممين ملثمين جَمِيعهم قَاصِدين الْمَدِينَة، فاتبعتهم فِي أَثَرهم فَلم أجد لَهُم خَبرا، فَسَأَلت عَنْهُم فَلم أجد من يُخْبِرنِي عَنْهُم بِخَبَر وَلم أجد لَهُم أثرا، فَعلمت أَنهم من الْمَلَائِكَة أَو من مؤمني الْجِنّ أَو صالحي الْإِنْس أَتَوا لزيارة النَّبِي ﷺ قَالَ: والبستان الْيَوْم بَاقٍ مَعْرُوف بالمرجانية بِالْقربِ من الْمصلى. قَالَ الْعَفِيف: وسمعته يَقُول: من بركَة أَرض الْمَدِينَة أَنِّي زرعت بالبستان بطيخاً أَخْضَر فَلَمَّا اسْتَوَى أَتَانِي بعض الْفُقَرَاء من أَصْحَابِي فأشاروا إِلَى بطيخة قد انْتَهَت وَقَالُوا: هَذِه لَا تتصرف فِيهَا هِيَ لنا إِلَى الْيَوْم الْفُلَانِيّ. فَلَمَّا خَرجُوا أَتَى من قطعهَا وَلم أعلم فتشوشت من ذَلِك وَنظرت فَإِذا بنوارة قد طلعت مَكَان تِلْكَ البطيخة وعقدت بطيخة فَلم يَأْتِ يَوْم وعد الْفُقَرَاء إِلَّا وَهِي أكبر من الأولى فَأتوا وأكلوها وَلم يشكوا أَنَّهَا الأولى. وَقَالَ الْعَفِيف فِي " تَارِيخه " أَيْضا: سَمِعت وَالِدي يَقُول: سحرت امْرَأَة من أهل الْيمن زَوجهَا وغيرت صورته، وَاتفقَ لَهُم حِكَايَة طَوِيلَة ثمَّ شفع فِيهِ بعض النَّاس فَقَالَت امْرَأَته: لَا بُد أَن أترك فِيهِ عَلامَة فأطلقته بعد أَن نبت لَهُ ذَنْب كذنب الْحمار، فحج وَهُوَ على تِلْكَ الْحَالة فَشَكا ذَلِك إِلَى أبي عبد الله مُحَمَّد بن يحيى الغرناطي فَقِيه كَانَ بِمَكَّة فَأمره بِالسَّفرِ إِلَى الْمَدِينَة، فسافر فِي طَرِيق المشيان إِلَيْهَا قَالَ: فَعِنْدَ وُصُوله إِلَى قبَاء سقط مِنْهُ ذَلِك الذَّنب بِإِذن الله تَعَالَى. مَا جَاءَ فِي غُبَار الْمَدِينَة الشَّرِيفَة تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل حَدِيث: " غُبَار الْمَدِينَة شِفَاء من الجذام ". وَعَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ لما دنا من الْمَدِينَة منصرفاً من تَبُوك خرج إِلَيْهِ يتلقاه أهل الْمَدِينَة من الْمَشَايِخ والغلمان، ثار من آثَارهم غبرة فخمر بعض من كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ أَنفه من الْغُبَار، فَمد رَسُول الله ﷺ يَده فأماطها عَن وَجهه، وَقَالَ: " أما علمت أَن عَجْوَة الْمَدِينَة شِفَاء من السم، وغبارها شِفَاء من الجذام ".
следующие страницы →