Полный текст (329 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
صفحة فارغة
стр. 212
الْفَصْل الثَّالِث: حُرْمَة الْمَدِينَة وغبارها وتمرها وحدود حرمهَا فِي مَا جَاءَ فِي حُرْمَة الْمَدِينَة وغبارها وتمرها ودعائه ﷺ لَهُم بِالْبركَةِ وَمَا يؤول إِلَيْهِ أمرهَا وحدود حرمهَا:
стр. 213
ذكر حُرْمَة الْمَدِينَة المشرفة
روى القَاضِي عِيَاض فِي " الشِّفَاء ": أَن مَالك بن أنس ﵁ كَانَ لَا يركب فِي الْمَدِينَة دَابَّة، وَكَانَ يَقُول: أستحيي من الله أَن أَطَأ تربة فِيهَا رَسُول الله ﷺ بحافر دَابَّتي. وَرُوِيَ أَنه وهب للشَّافِعِيّ ﵀ كُرَاعًا كثيرا كَانَ عِنْده فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِي: أمسك مِنْهَا دَابَّة فَأَجَابَهُ بِمثل هَذَا الْجَواب. وَكَانَ قد أفتى مَالك ﵀ فِيمَن قَالَ: تربة الْمَدِينَة رَدِيئَة. بِضَرْب ثَلَاثِينَ درة وَأمر بحبسه وَكَانَ لَهُ قدر، وَقَالَ: مَا أحوجه إِلَى ضرب عُنُقه تربة دفن فِيهَا رَسُول الله ﷺ يزْعم أَنَّهَا غير طيبَة. وَعَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة رفع الله تَعَالَى الْكَعْبَة الْبَيْت الْحَرَام إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس فتمر بِقَبْر النَّبِي ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَتَقول: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. فَيَقُول ﵇: " وَعَلَيْك السَّلَام يَا كعبة الله مَا حَال أمتِي؟ فَتَقول: يَا مُحَمَّد أما من وَفد إليّ من أمتك فَأَنا الْقَائِمَة بِشَأْنِهِ، وَأما من لم يفد إليّ من أمتك فَأَنت الْقَائِم بِشَأْنِهِ ". رَوَاهُ أَبُو سعيد الْموصِلِي فِي بَاب رفع الْكَعْبَة المشرفة إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس. فَانْظُر لسر زِيَارَة الْبَيْت الْحَرَام للنَّبِي ﵇ وَدخُول الْكَعْبَة المشرفة مَدِينَة خير الْأَنَام وَكفى بِهَذَا الشّرف تَعْظِيمًا. قَالَ الشَّيْخ عبد الله الْمرْجَانِي فِي " بهجة النُّفُوس والأسرار فِي تَارِيخ دَار هِجْرَة الْمُخْتَار ": لما جرى سَابق شرفها فِي الْقدَم أَخذ من تربَتهَا حِين خلق آدم فأوجد الموجد وجودهَا من بعد الْعَدَم. قَالَ أهل السّير: إِن الله تَعَالَى لما خمر طِينَة آدم ﵇ حِين أَرَادَ خلقه أَمر جِبْرِيل أَن يَأْتِيهِ بالقبضة الْبَيْضَاء الَّتِي هِيَ قلب الأَرْض وبهاؤها ونورها؛ ليخلق مِنْهَا مُحَمَّدًا ﷺ فهبط جِبْرِيل فِي مَلَائِكَة الفراديس المقربين وملائكة الصفح الْأَعْلَى، فَقبض قَبْضَة من مَوضِع قبر رَسُول الله ﷺ وَهِي يَوْمئِذٍ بَيْضَاء نقية، فعجنت بِمَاء التسنيم ورعرعت حَتَّى صَارَت كالدرة الْبَيْضَاء ثمَّ غمست فِي أَنهَار الْجنَّة كلهَا، وطيف بهَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض والبحار، فَعرفت الْمَلَائِكَة حِينَئِذٍ مُحَمَّدًا ﷺ وفضله قبل أَن تعرف آدم وفضله، ثمَّ عجنت بطينة آدم بعد ذَلِك، وَلَا يخلق ذَلِك الْجَسَد إِلَّا من أفضل بقاع الأَرْض. حَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ. وَحكى أَبُو عبيد الجرهمي وَكَانَ كَبِير السن عَالما بأخبار الْأُمَم: أَن تبعا الْأَصْغَر وَهُوَ تبع بن حسان بن تبع سَار إِلَى يثرب فَنزل فِي سفح جبل أحد، وَذهب إِلَى الْيَهُود وَقتل مِنْهُم ثَلَاثمِائَة وَخمسين رجلا صبرا وَأَرَادَ إخرابها، فَقَامَ إِلَيْهِ حبر من الْيَهُود
стр. 214
فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك مثلك لَا يقبل على الْغَضَب وَلَا يقبل قَول الزُّور وَأَنت لَا تَسْتَطِيع أَن تخرب هَذِه الْقرْيَة. قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لِأَنَّهَا مهَاجر نَبِي من ولد إِسْمَاعِيل يخرج من هَذِه البنية يَعْنِي الْبَيْت الْحَرَام فَكف تبع وَمضى إِلَى مَكَّة وَمَعَهُ هَذَا الْيَهُودِيّ وَرجل آخر عَالم من الْيَهُود، فكسا الْبَيْت الْحَرَام كسْوَة وَنحر عِنْده سِتَّة آلَاف جزور وَأطْعم النَّاس، وَلم يزل بعد ذَلِك يحوط الْمَدِينَة الشَّرِيفَة ويعظمها. ويروى أَن سُلَيْمَان ﵇ لما حَملته الريخ من اصطخر على مَمَره بوادي النَّمْل سَار إِلَى الْيمن فتوغل فِي الْبَادِيَة فسلك مَدِينَة الرَّسُول ﷺ فَقَالَ سُلَيْمَان ﵇: هَذِه دَار هِجْرَة نَبِي فِي آخر الزَّمَان طُوبَى لمن آمن بِهِ وَاتبعهُ. فَقَالَ لَهُ قوم: كم بَيْننَا وَبَين خُرُوجه؟ قَالَ: زهاء ألف عَام. ووادي النَّمْل هُوَ وَادي السديرة بِأَرْض الطَّائِف من أَرض الْحجاز. قَالَه كَعْب. وَقيل: هُوَ بِالشَّام. وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا قدم من سفر فَنظر إِلَى جدران الْمَدِينَة أوضع رَاحِلَته، وَإِن كَانَ على دَابَّة حركها. وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: يُوشك أَن يضْرب النَّاس أكباد الْإِبِل يطْلبُونَ الْعلم فَلَا يَجدونَ أحدا أعلم من عَالم الْمَدِينَة. قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن. روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: هُوَ مَالك بن أنس ﵁. وَعَن عبد الرَّزَّاق أَنه قَالَ: هُوَ الْعمريّ الزَّاهِد. قَالَ التوربشتي فِي " شرح المصابيح ": وَمَا ذكره ابْن عُيَيْنَة، وَعبد الرَّزَّاق فَهُوَ مَحْمُول مِنْهُمَا على غَلَبَة الظَّن دون الْقطع بِهِ، وَقد كَانَ مَالك ﵀ حَقِيقا بِهَذَا الظَّن فَإِنَّهُ كَانَ إِمَام دَار الْهِجْرَة والمرجوع بهَا إِلَيْهِ فِي علم الْفتيا، وَكَذَا الْعمريّ الزَّاهِد وَهُوَ عبد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب ﵁ وَقد كَانَ الشَّيْخ وَحده وَكَانَ من عباد الله الصَّالِحين الْمَشَّائِينَ فِي عباده وبلاده بِالنَّصِيحَةِ، وَلَقَد بلغنَا أَنه كَانَ يخرج إِلَى الْبَادِيَة؛ ليتفقد أَحْوَال أَهلهَا شَفَقَة مِنْهُ عَلَيْهِم أَو ألحق النَّصِيحَة فيهم فيأمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر، وَكَانَ يَقُول لعلماء الْمَدِينَة: شغلكم طلب الجاه وَحب الرياسة عَن تَوْفِيَة الْعلم حَقه فِي إخْوَانكُمْ من الْمُسلمين، تركتموهم فِي الْبَوَادِي والفلوات يعمهون فِي أَوديَة الْجَهْل ومتيهة الضلال، أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ. قَالَ التوربشتي: وَلَو جَازَ لنا أَن نتجاوز الظَّن فِي مثل هَذِه الْقَضِيَّة لَكَانَ قَوْلنَا إِنَّه
стр. 215
عمر أولى من قَوْله إِنَّه لعمري مَعَ الْقطع بِهِ فقد لبث بِالْمَدِينَةِ أعواماً يجْتَهد فِي تمهيد الشَّرْع وَتبين الْأَحْكَام، وَلَقَد شهد لَهُ أَعْلَام الصَّحَابَة بالتفوق فِي الْعلم حَتَّى قَالَ ابْن مَسْعُود ﵁ يَوْم اسْتشْهد عمر ﵁: لقد دفن بِمَوْتِهِ تِسْعَة أعشار الْعلم. انْتهى. قَالَ الْعَفِيف الْمرْجَانِي: سَمِعت وَالِدي يَقُول: كنت ذَات يَوْم جَالِسا فِي الْبُسْتَان فَإِذا بِمِقْدَار ثَلَاثِينَ أَو أَرْبَعِينَ فَارِسًا لابسين ثيابًا معممين ملثمين جَمِيعهم قَاصِدين الْمَدِينَة، فاتبعتهم فِي أَثَرهم فَلم أجد لَهُم خَبرا، فَسَأَلت عَنْهُم فَلم أجد من يُخْبِرنِي عَنْهُم بِخَبَر وَلم أجد لَهُم أثرا، فَعلمت أَنهم من الْمَلَائِكَة أَو من مؤمني الْجِنّ أَو صالحي الْإِنْس أَتَوا لزيارة النَّبِي ﷺ قَالَ: والبستان الْيَوْم بَاقٍ مَعْرُوف بالمرجانية بِالْقربِ من الْمصلى. قَالَ الْعَفِيف: وسمعته يَقُول: من بركَة أَرض الْمَدِينَة أَنِّي زرعت بالبستان بطيخاً أَخْضَر فَلَمَّا اسْتَوَى أَتَانِي بعض الْفُقَرَاء من أَصْحَابِي فأشاروا إِلَى بطيخة قد انْتَهَت وَقَالُوا: هَذِه لَا تتصرف فِيهَا هِيَ لنا إِلَى الْيَوْم الْفُلَانِيّ. فَلَمَّا خَرجُوا أَتَى من قطعهَا وَلم أعلم فتشوشت من ذَلِك وَنظرت فَإِذا بنوارة قد طلعت مَكَان تِلْكَ البطيخة وعقدت بطيخة فَلم يَأْتِ يَوْم وعد الْفُقَرَاء إِلَّا وَهِي أكبر من الأولى فَأتوا وأكلوها وَلم يشكوا أَنَّهَا الأولى. وَقَالَ الْعَفِيف فِي " تَارِيخه " أَيْضا: سَمِعت وَالِدي يَقُول: سحرت امْرَأَة من أهل الْيمن زَوجهَا وغيرت صورته، وَاتفقَ لَهُم حِكَايَة طَوِيلَة ثمَّ شفع فِيهِ بعض النَّاس فَقَالَت امْرَأَته: لَا بُد أَن أترك فِيهِ عَلامَة فأطلقته بعد أَن نبت لَهُ ذَنْب كذنب الْحمار، فحج وَهُوَ على تِلْكَ الْحَالة فَشَكا ذَلِك إِلَى أبي عبد الله مُحَمَّد بن يحيى الغرناطي فَقِيه كَانَ بِمَكَّة فَأمره بِالسَّفرِ إِلَى الْمَدِينَة، فسافر فِي طَرِيق المشيان إِلَيْهَا قَالَ: فَعِنْدَ وُصُوله إِلَى قبَاء سقط مِنْهُ ذَلِك الذَّنب بِإِذن الله تَعَالَى.
مَا جَاءَ فِي غُبَار الْمَدِينَة الشَّرِيفَة
تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل حَدِيث: " غُبَار الْمَدِينَة شِفَاء من الجذام ". وَعَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ لما دنا من الْمَدِينَة منصرفاً من تَبُوك خرج إِلَيْهِ يتلقاه أهل الْمَدِينَة من الْمَشَايِخ والغلمان، ثار من آثَارهم غبرة فخمر بعض من كَانَ مَعَ رَسُول الله ﷺ أَنفه من الْغُبَار، فَمد رَسُول الله ﷺ يَده فأماطها عَن وَجهه، وَقَالَ: " أما علمت أَن عَجْوَة الْمَدِينَة شِفَاء من السم، وغبارها شِفَاء من الجذام ".
стр. 216
وَعَن إِبْرَاهِيم بن الجهم أَن رَسُول الله ﷺ أَتَى بني الْحَارِث فَإِذا هم وؤباء، فَقَالَ: " مَا لكم يَا بني الْحَارِث وؤبى؟ " قَالُوا: نعم يَا رَسُول الله أصابتنا هَذِه الْحمى. قَالَ: " فَأَيْنَ أَنْتُم عَن صعيب؟ " قَالُوا: يَا رَسُول الله مَا نصْنَع بِهِ؟ قَالَ: " تأخذون من ترابه فتجعلونه فِي مَاء ثمَّ يتفل عَلَيْهِ أحدكُم وَيَقُول: بِسم الله تربة أَرْضنَا، بريق بَعْضنَا، شِفَاء لمريضنا بِإِذن رَبنَا " فَفَعَلُوا فتركتهم الْحمى. قَالَ أَبُو الْقَاسِم طَاهِر بن يحيى الْعلوِي: صعيب وَادي بطحان دون الماجشونية وَفِيه حُفْرَة يَأْخُذ النَّاس مِنْهَا، وَهُوَ الْيَوْم إِذْ أوبأ إِنْسَان يَأْخُذ مِنْهَا. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين بن النجار: رَأَيْت هَذِه الحفرة وَالنَّاس يَأْخُذُونَ مِنْهَا وَذكروا أَنهم قد جربوه فوجدوه صَحِيحا. قَالَ: وَأخذت أَنا مِنْهَا أَيْضا. وبطحان بِضَم الْبَاء وَسُكُون الطَّاء الْمُهْملَة سمي بذلك لسعته وانبساطه من البطح وَهُوَ الْبسط، قَالَه أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام. وَعَن ابْن سلمَان أَن رجلا أُتِي بِهِ رَسُول الله ﷺ وبرجله قرحَة فَرفع رَسُول الله ﷺ طرف الْحَصِير ثمَّ وضع أُصْبُعه الَّتِي تلِي الْإِبْهَام على التُّرَاب بَعْدَمَا مَسهَا بريقه فَقَالَ: " بِسم الله، بريق بَعْضنَا، بتربة أَرْضنَا، يشفي سقيمنا بِإِذن رَبنَا "، ثمَّ وضع أُصْبُعه على القرحة فَكَأَنَّمَا حلّ من عقال.
مَا جَاءَ فِي تمر الْمَدِينَة وثمارها ودعائه ﷺ لَهَا بِالْبركَةِ
أول من غرس النّخل فِي الأَرْض أنوس بن شِيث، وَأول من غرس بِالْمَدِينَةِ بَنو قُرَيْظَة وَبَنُو النَّضِير. حدث الْعَوْفِيّ عَن الْكَلْبِيّ فِي " تَارِيخ مُلُوك الأَرْض ": أَن شرية الْخَثْعَمِي عمّر ثَلَاثمِائَة سنة وَأدْركَ زمَان عمر بن الْخطاب فَقَالَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: لقد رَأَيْت هَذَا الْوَادي الَّذِي أَنْتُم وَمَا بِهِ نخالة وَلَا شَجَرَة مِمَّا ترَوْنَ، وَلَقَد سَمِعت أخريات قومِي يشْهدُونَ بِمثل شهادتكم هَذِه يَعْنِي لَا إِلَه إِلَّا الله وَمِمَّنْ عمّر مثل هَذَا جمَاعَة مِنْهُم: سلمَان الْفَارِسِي والمستوغر بن ربيعَة. وَتقدم فِي الْفَضَائِل: " من تصبح بِسبع تمرات عَجْوَة لم يضرّهُ فِي ذَلِك الْيَوْم سم
стр. 217
وَلَا سحر ". وَفِي صَحِيح مُسلم: " من أكل سبع تمرات من بَين لابتيها حِين يصبح لم يضرّهُ سم حَتَّى يُمْسِي ". واللابة: الْحرَّة حِجَارَة سود من الجبلين. فَقَوله: " من بَين لابتيها " أَي حرّيتها. وَعَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُؤْتى بِأول الثَّمر فَيَقُول: " اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي مدينتنا، وَفِي ثمارنا، وَفِي كدنا وَفِي صاعنا، بركَة مَعَ بركَة، ثمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَر من يحضرهُ من الْولدَان ". وَفِي رِوَايَة ابْن السّني عَن أبي هُرَيْرَة: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ إِذا أُتِي بباكورة وَضعهَا على عَيْنَيْهِ ثمَّ على شَفَتَيْه وَقَالَ: " اللَّهُمَّ كَمَا أريتنا أَوله فأرنا آخِره ثمَّ يُعْطِيهِ من يكون عِنْده من الصّبيان ". وَعَن عَليّ قَالَ: خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ حَتَّى إِذا كُنَّا بالسقيا الَّتِي كَانَت لسعد بن أبي وَقاص فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " ائْتُونِي بِوضُوء "، فَلَمَّا تَوَضَّأ قَامَ فَاسْتقْبل الْقبْلَة ثمَّ كبر ثمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم كَانَ عَبدك وخليلك دعَاك لأهل مَكَّة بِالْبركَةِ، وَأَنا مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك أَدْعُوك أَن تبَارك لَهُم فِي مدهم مثل مَا باركت لأهل مَكَّة، وَمَعَ الْبركَة بركتين ".
ذكر مَا يؤول إِلَيْهِ أَمر الْمَدِينَة الشَّرِيفَة
عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " لتتركن الْمَدِينَة على خير مَا كَانَت مدللة، ثمَّ أرها لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العوافي يُرِيد عوافي الطير وَالسِّبَاع وَآخر من يحْشر مِنْهَا راعيان من مزينة يُريدَان الْمَدِينَة، ينعقان بغنمهما فيجدانها وحشاً حَتَّى إِذا
стр. 218
بلغا ثنية الْوَدَاع خرا على وُجُوههمَا ". رَوَاهُ البُخَارِيّ. وَعنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لتتركن الْمَدِينَة على أحسن مَا كَانَت حَتَّى يدْخل الْكَلْب أَو الذِّئْب فيغذى على بعض سواري الْمَسْجِد أَو على الْمِنْبَر ". فَقَالُوا: يَا رَسُول الله فَلِمَنْ تكون الثِّمَار فِي ذَلِك الزَّمن. فَقَالَ: " للعوافي الطير وَالسِّبَاع ". رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ.
مَا جَاءَ فِي تَحْدِيد حُدُود حرم الْمَدِينَة الشَّرِيفَة
فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَليّ ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " الْمَدِينَة حرم مَا بَين عير إِلَى ثَوْر، فَمن أحدث فِيهَا حَدثا، أَو آوى مُحدثا، فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ، لَا يقبل الله مِنْهُ يَوْم الْقِيَامَة صرفا وَلَا عدلا " وَأَرَادَ بِالْحَدَثِ: الْبِدْعَة وَذَلِكَ مَا لم تجر بِهِ سنة وَلم يتَقَدَّم بِهِ عمل، وبالمحدث: المبتدع. قَالَ التوربشتي: وروى بَعضهم الْمُحدث بِفَتْح الدَّال وَلَيْسَ بِشَيْء؛ لِأَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِكَسْر الدَّال وَفِيه من طريف الْمَعْنى وَهن وَهُوَ أَن اللَّفْظَيْنِ يرجعان حِينَئِذٍ إِلَى شَيْء وَاحِد، فَإِن إِحْدَاث الْبِدْعَة وإيواءها سَوَاء، والإيواء قَلما يسْتَعْمل فِي الإحداث وَإِنَّمَا الْمَشْهُور اسْتِعْمَاله فِي الْأَعْيَان الَّتِي تنضم إِلَى المساوئ. انْتهى. وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ: مَا عندنَا شَيْء إِلَّا كتاب الله وَهَذِه الصَّحِيفَة عَن النَّبِي ﷺ : " الْمَدِينَة حرم مَا بَين عَابِر إِلَى كَذَا " رَوَاهُ البُخَارِيّ مطولا وَهَذَا لَفظه، وَرَوَاهُ مُسلم فَقَالَ: " مَا بَين عير إِلَى ثَوْر ". وَهَذَا هُوَ حد الْحرم فِي الطول. وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه كَانَ يَقُول: لَو رَأَيْت الظباء ترتع بِالْمَدِينَةِ مَا ذعرتها، قَالَ رَسُول الله ﷺ : " مَا بَين لابتيها حرَام ". مُتَّفق عَلَيْهِ. وَهَذَا حد الْحرم فِي الْعرض. وَعنهُ قَالَ: حرم رَسُول الله ﷺ مَا بَين لابتي الْمَدِينَة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَلَو وجدت الظباء مَا بَين لابتيها مَا ذعرتها، وَجعل اثنى
стр. 219
عشر ميلًا حمى رَوَاهُ مُسلم. قَالَ الْمَازِني: نقل بعض أهل الْعلم أَن ذكر ثَوْر هُنَا وهم من الرَّاوِي؛ لِأَن ثوراً بِمَكَّة، وَالصَّحِيح مَا بَين ثَوْر إِلَى أحد. وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام: إِن عيرًا جبل مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ، وَأَن ثوراً لَا يعرف بهَا وَإِنَّمَا يعرف بِمَكَّة. قَالَ: فَإِذا نرى أَن أصل الحَدِيث مَا بَين عير إِلَى أحد. وَكَذَلِكَ قَالَ غَيره. وَقَالَ أَبُو بكر الْحَازِمِي: حرم رَسُول الله ﷺ مَا بَين عير إِلَى أحد قَالَ: هَذِه الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وَقيل: إِلَى ثَوْر. فَلَيْسَ لَهُ معنى. انْتهى. قَالُوا أَو يكون رَسُول الله ﷺ سمي أحدا ثوراً تَشْبِيها بثور مَكَّة، لوُقُوعه فِي مُقَابلَة جبل يُسمى عيرًا. وَقيل: أَرَادَ بهما مأزمي الْمَدِينَة؛ لما ورد فِي حَدِيث أبي سعيد: " حرمت مَا بَين مأزميها ". وَقيل: أَرَادَ الحرتين شبه إِحْدَى الحرتين بعير لنتوء وَسطه ونشوزه، وَالْآخر بثور لامتناعه تَشْبِيها بثور الْوَحْش. وَقيل: إِن مَا بَين عير مَكَّة إِلَى ثورها من الْمَدِينَة مثله حرَام. وَإِنَّمَا قيل: هَذِه التأويلات لما لم يعرف بِالْمَدِينَةِ جبل يُسمى ثوراً. قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: وَقد أَخْبرنِي الثِّقَة الصدوق الْحَافِظ الْعَالم المجاور بحرم رَسُول الله ﷺ أَبُو مُحَمَّد عبد السَّلَام الْبَصْرِيّ أَن حذاء أحد عَن يسَاره جانحاً إِلَى وَرَائه جبل صَغِير يُقَال لَهُ: ثَوْر، وَأخْبر أَنه تكَرر سُؤَاله عَنهُ لطوائف من الْعَرَب العارفين بِتِلْكَ الأَرْض وَمَا فِيهَا من الْجبَال فَكل أخبر أَن ذَلِك الْجَبَل اسْمه ثَوْر، فَعلمنَا بذلك أَن مَا تضمنه الْخَبَر صَحِيح، وَعدم علم أكَابِر الْعلمَاء بِهِ لعدم شهرته وَعدم سُؤَالهمْ وبحثهم عَنهُ. انْتهى. وَقَالَ جمال الدّين المطري وَغَيره: قد ثَبت بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة عَن أَهلهَا القدماء الساكنين بالعمرية والغابة أَنهم يعْرفُونَ عَن آبَائِهِم وأجدادهم أَن وَرَاء أحد جبلا يُقَال لَهُ: ثَوْر مَعْرُوف. قَالَ: وشاهدنا الْجَبَل وَلم يخْتَلف فِي ذَلِك أحد، وَعَسَى أَن يكون أشكل على من تقدم لقلَّة سكناهم بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: وَهُوَ خلف جبل أحد من شماليه تَحْتَهُ وَهُوَ جبل صَغِير مدور وهما حد الْحرم كَمَا نقل، قَالَ: وَلَعَلَّ هَذَا الِاسْم لم يبلغ أَبَا عبيد وَلَا الْمَازِني.
стр. 220
انْتهى. وَأما عير فَهُوَ الْجَبَل الْكَبِير الَّذِي من جِهَة قبْلَة الْمَدِينَة. وَاخْتلف فِي صيد حرم الْمَدِينَة وشجره ومذهبنا أَنه لَا يحرم، وَتقدم آخر الْبَاب التَّاسِع الْجَواب عَن حَدِيث سعد بن أبي وَقاص وَعَن قَوْله ﷺ : " إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة وَإِنِّي حرمت الْمَدِينَة ". وَعَن حَدِيث سعد بن أبي وَقاص أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِنِّي أحرم مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أَن يقطع عضاهها ". الحَدِيث. قَالَ التوربشتي فِي " شرح المصابيح ": وَكَانَ سعد وَزيد بن ثَابت يريان فِي ذَلِك الْجَزَاء. وَأجَاب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ نسخ فَلم يشعرا بِهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا ذهب للنسخ من ذهب للأحاديث الَّتِي تدل على خلاف ذَلِك، وَلِهَذَا لم يَأْخُذ بحديثهما أحد من فُقَهَاء الْأَمْصَار، وَسُئِلَ مَالك عَن النَّهْي فِي قطع سدر الْمَدِينَة فَقَالَ: إِنَّمَا نهى عَنهُ لِئَلَّا يتوحش وليتقي بِهِ شَجَرهَا فيستأنس بذلك من هَاجر إِلَيْهَا ويستظل بهَا. انْتهى. وَأجَاب أَيْضا عَن حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِن إِبْرَاهِيم حرم مَكَّة فَجَعلهَا حرما ". الحَدِيث. وَفِيه " لَا ينفر صيدها ". وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث جَابر: " لَا يصاد صيدها ". قَالَ: والسبيل فِي ذَلِك أَن يحمل النَّهْي على مَا قَالَه مَالك وَغَيره من الْعلمَاء أَنه أحب أَن تكون الْمَدِينَة مأهولة مستأنسة، فَإِن صيدها وَإِن رأى تَحْرِيمه نفر يسير من الصَّحَابَة فَإِن الْجُمْهُور مِنْهُم لم ينكروا اصطياد الطُّيُور بِالْمَدِينَةِ، وَلم يبلغنَا فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ نهى من طَرِيق يعْتَمد عَلَيْهِ، وَلَو كَانَ حَرَامًا لم يسكت عَنهُ فِي مَوضِع الْحَاجة، ثمَّ لم يبلغنَا عَن أحد من الصَّحَابَة أَنه رأى الْجَزَاء فِي صيد الْمَدِينَة، وَلم يذهب أَيْضا إِلَى ذَلِك أحد من فُقَهَاء الْأَمْصَار الَّذين يَدُور عَلَيْهِم علم الْفتيا فِي بِلَاد الْإِسْلَام انْتهى.
стр. 221
وَأجَاب التوربشتي أَيْضا عَن حَدِيث سعد ﵁ أَنه وجد عبدا يقطع شَجرا أَو يخبطه فسلبه ثِيَابه. قَالَ: وَالْوَجْه فِي ذَلِك النّسخ فِي ذَلِك على مَا ذكرنَا وَقد كَانَت الْعُقُوبَات فِي أول الْإِسْلَام جَارِيَة فِي الْأَمْوَال. انْتهى.
стр. 222
الْفَصْل الرَّابِع: ذكر أَوديَة الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وآبارها المنسوبة إِلَى النَّبِي ﷺ وعينها وَذكر جبل أحد وَالشُّهَدَاء عِنْده .
стр. 223
ذكر وَادي العقيق وفضله
تقدم حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ بوادي العقيق يَقُول: " أَتَانِي اللَّيْلَة آتٍ من رَبِّي. . " الحَدِيث. وَكَانَ عبد الله بن عمر ينيخ بالوادي يتحَرَّى معرس رَسُول الله ﷺ وَيَقُول: هُوَ أَسْفَل من الْمَسْجِد الَّذِي بِبَطن الْوَادي بَينه وَبَين الطَّرِيق وسط من ذَلِك. وَعَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص قَالَ: ركب رَسُول الله ﷺ إِلَى العقيق ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: " يَا عَائِشَة جِئْنَا من هَذَا العقيق فَمَا أَلين موطئِهِ وَمَا أعذب مَاءَهُ ". قَالَت: أَفلا تنْتَقل إِلَيْهِ " قَالَ: " كَيفَ وَقد ابتنى النَّاس ". قَالَ أهل السّير: وجد قبر آدَمِيّ عِنْد جما أم خَالِد بالعقيق مَكْتُوب فِيهِ: أَنا عبد الله رَسُول رَسُول الله سُلَيْمَان بن دَاوُد إِلَى أهل يثرب، وَوجد حجر آخر على قبر آدَمِيّ أَيْضا عَلَيْهِ مَكْتُوب: أَنا سود بن سوَادَة رَسُول رَسُول الله عِيسَى ابْن مَرْيَم إِلَى أهل هَذِه الْقرْيَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين المطري: والجماوات أَرْبَعَة أجبل غربي وَادي العقيق. وابتنى النَّاس بالعقيق من خلَافَة عُثْمَان ﵁ ونزلوه وحفروا بِهِ الْآبَار وغرسوا فِيهِ النخيل وَالْأَشْجَار من جَمِيع نواحيه على جَنْبي وَادي العقيق إِلَى هَذِه الجماوات، وَسميت كل جما مِنْهَا باسم من بنى فِيهَا، وَنزل فِيهِ جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ مِنْهُم أَبُو هُرَيْرَة وَسَعِيد بن الْعَاصِ بن سعيد بن الْعَاصِ وَسعد بن أبي وَقاص وَسَعِيد بن زيد، وماتوا جَمِيعهم بِهِ وحملوا إِلَى الْمَدِينَة ودفنوا فِي البقيع وَكَذَلِكَ سكنه جمَاعَة من التَّابِعين وَمن بعدهمْ، وَكَانَت فِيهِ الْقُصُور المشيدة والآبار العذبة، ولأهلها أَخْبَار مستحسنة وأشعار رائقة، وَلما بنى عُرْوَة بن الزبير قصره بالعقيق ونزله، قيل لَهُ جفوت عَن مَسْجِد رَسُول
стр. 224
الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت مَسَاجِدهمْ لاهية، واسواقهم لاغية، والفاحشة فِي فجاجهم عالية، فَكَانَ فِيمَا هُنَالك عَمَّا هُوَ فِيهَا عَافِيَة، وَولى رَسُول الله ﷺ العقيق لرجل اسْمه هيضم الْمُزنِيّ، وَلم تزل الْوُلَاة على الْمَدِينَة الشَّرِيفَة يولون عَلَيْهِ والياً حَتَّى كَانَ دَاوُد بن عِيسَى فَتَركه فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة. فال ابْن النجار: ووادي العقيق الْيَوْم لَيْسَ فِيهِ سَاكن، وَفِيه بقايا بُنيان خراب وآثار تَجِد النَّفس برؤيتها أنسا. قَالَ الشَّيْخ منتخب الدّين: وبالمدينة عقيقان الْأَصْغَر فِيهِ بِئْر رومة، والأكبر فِيهِ بِئْر عُرْوَة، سميا بذلك لِأَنَّهُمَا عقا عَن حرَّة الْمَدِينَة أَي قطعا. قَالَ الْجمال المطري: وَرمل مَسْجِد رَسُول الله ﷺ من الْعَرَصَة الَّتِي تسيل من الجما الشمالية إِلَى الْوَادي فَيحمل مِنْهُ وَلَيْسَ فِي الْوَادي رمل أَحْمَر غير مَا يسيل من الْجَبَل.
ذكر الْآبَار المنسوبة إِلَى النَّبِي ﷺ
قد نقل أهل السّير أَسمَاء آبار بِالْمَدِينَةِ شرب مِنْهَا رَسُول الله ﷺ وبصق فِيهَا إِلَّا أَن أَكْثَرهَا لَا يعرف الْيَوْم، فَلَا حلاجة إِلَى ذكره، وَنَذْكُر الْآبَار الَّتِي هِيَ مَوْجُودَة الْيَوْم مَعْرُوفَة على مَا يذكر أهل الْمَدِينَة والعهدة عَلَيْهِم. الأولى: بِئْر حا. قَالَ ابْن النجار: وَهَذِه الْبِئْر الْيَوْم وسط حديقة صَغِيرَة جدا فِيهَا نخيلات وبزر حولهَا وَعِنْدهَا بَيت مَبْنِيّ على علو من الأَرْض، وَهِي قريبَة من البقيع وَمن سور الْمَدِينَة وَهِي ملك لبَعض أهل الْمَدِينَة، وماؤها عذب حُلْو، قَالَ: وذرعتها فَكَانَ طولهَا عشْرين ذِرَاعا مِنْهَا أحد عشر ذِرَاعا وَنصف مَاء وَالْبَاقِي بُنيان، وعرضها ثَلَاثَة أَذْرع ويسير، وَهِي مُقَابلَة الْمَسْجِد كَمَا ورد فِي الصَّحِيح.
стр. 225
وَقَالَ المطري: وَهِي شمَالي سور الْمَدِينَة، بَينهَا وَبَين السُّور الطَّرِيق، وتعرف الْيَوْم بالنويرية اشْتَرَاهَا ووقفها على الْفُقَرَاء وَغَيرهم. الثَّانِيَة: بِئْر أريس وَهِي الْبِئْر الَّتِي جلس رَسُول الله ﷺ عَلَيْهَا وتوسط قفها وكشف عَن سَاقيه ودلاهما فِي الْبِئْر، وَكَانَ بَابهَا من جريد، فَدخل عَلَيْهِ أَبُو بكر ﵁ فبشره بِالْجنَّةِ وَجلسَ عَن يَمِين رَسُول الله ﷺ مَعَه فِي القف ودلى رجلَيْهِ فِي الْبِئْر وكشف عَن سَاقيه، ثمَّ دخل عمر ﵁ وَبشر بِالْجنَّةِ وَجلسَ عَن يسَاره وصنع كَمَا صنع أَبُو بكر، ثمَّ دخل عُثْمَان بن عَفَّان وبشره بِالْجنَّةِ مَعَ بلوى تصيبه فَوجدَ القف قد ملئ فَجَلَسَ وجاههم من الشق الآخر. ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَكَانَ البواب أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ. قَالَ سعيد بن الْمسيب: فَأَوَّلتهَا قُبُورهم. قَالَ ابْن النجار: وَهَذِه الْبِئْر مُقَابلَة مَسْجِد قبَاء، وَعِنْدهَا مزارع ويستسقى مِنْهَا مَاؤُهَا عذب، قَالَ: وذرعتها فَكَانَ طولهَا أَرْبَعَة عشر ذِرَاعا وشبراً، مِنْهَا ذراعان وَنصف مَاء وعرضها خَمْسَة أَذْرع، وَطول قفها الَّذِي جلس عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ وصاحباه ثَلَاثَة اذرع تشف كفا، والبئر تَحت أَطَم عَال خراب من حِجَارَة. قَالَ المطري: الْبِئْر غربي مَسْجِد قبَاء فِي حديقة الْأَشْرَاف الكبراء من بني الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب، والأطم الْمَذْكُور من جِهَة الْقبْلَة وَقد بنى فِي أَعْلَاهُ مسكن يسكنهُ من يقوم بالحديقة ويخدم " الْمَسْجِد الشريف " وحولها دور الْأَنْصَار وآثارهم ﵃ وَقد جدد لَهَا الشَّيْخ صفي الدّين أَبُو بكر أَحْمد السلَامِي ﵀ درجاً ينزل إِلَيْهَا مِنْهُ، وعَلى الدرج قبو وَذَلِكَ فِي سنة أَربع عشرَة وَسَبْعمائة. الثَّالِثَة: بِئْر بضَاعَة. وَقد تقدم فِي الْفَضَائِل أَن النَّبِي ﷺ بَصق فِيهَا ودعا لَهَا
стр. 226
وَهَذِه الْبِئْر كَانَت لبني سَاعِدَة وهم قوم من الْخَزْرَج. قَالَ الْمرْجَانِي فِي تَارِيخه: وَالظَّاهِر أَن بضَاعَة رجل أَو امْرَأَة تنْسب إِلَيْهِ الْبِئْر، وَكَانَ موضعهَا ممر السُّيُول فتكمح الأقذار من الطّرق إِلَيْهَا لَكِن المَاء لكثرته لَا يُؤثر ذَلِك فِيهِ. قَالَ أَبُو دَاوُد فِي السّنَن: سَالَتْ قيم بِئْر بضَاعَة عَن عمقها فَقلت: أَكثر مَا يكون فِيهَا المَاء؟ قَالَ: إِلَى الْعَانَة. قلت: فَإِذا نقص. قَالَ: دون الْعَوْرَة. قَالَ أَبُو دَاوُد: قد ذرعت بِئْر بضَاعَة برداء مددته عَلَيْهَا ثمَّ ذرعته فَهَذَا عرضه سِتَّة أَذْرع، وَسَأَلت الَّذِي فتح بَاب الْبُسْتَان فَأَدْخلنِي إِلَيْهِ هَل غير بناؤها عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَا. وَرَأَيْت فِيهَا مَاء متغير اللَّوْن. قَالَ: ابْن الْعَرَبِيّ: وَهِي فِي وسط السبخة فماؤها يكون متغيراً من قَرَارهَا. قَالَ الْمُحب بن النجار: وماؤها عذب طيب، صَاف أَبيض، وريحه كَذَلِك، ويستقى مِنْهَا كثيرا، قَالَ: وذرعتها فَكَانَ طولهَا أحد عشر ذِرَاعا وشبراً، مِنْهَا ذراعان راجحة مَاء وَالْبَاقِي بِنَاء، وعرضها سِتَّة اذرع كَمَا ذكر أَبُو دَاوُد. قَالَ الْجمال المطري: وَهِي الْيَوْم فِي نَاحيَة حديقة شمَالي سور الْمَدِينَة وَغَرْبِيٌّ بِئْر حا إِلَى جِهَة الشمَال، يستقى مِنْهَا أهل الحديقة، والحديقة فِي قبْلَة الْبِئْر ويستقى مِنْهَا أهل حديقة أُخْرَى شمَالي الْبِئْر، والبئر وسط بَينهمَا. وَهَذِه الْآبَار الْمَذْكُورَة تقدم فَضلهَا فِي الْفَضَائِل. الرَّابِعَة: بِئْر غرس عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن رُقَيْش قَالَ: جَاءَنَا أنس بن مَالك بقباء فَقَالَ: أَيْن بئركم هَذِه؟ يَعْنِي بِئْر غرس فدللناه عَلَيْهَا قَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ جاءها وَإِنَّهَا لتسنى على حمَار بِسحر فَدَعَا النَّبِي ﷺ بِدَلْو من مَائِهَا فَتَوَضَّأ مِنْهُ ثمَّ سكبه فِيهَا فَمَا نزفت بعده. وَعَن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن مجمع قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " رَأَيْت اللَّيْلَة أَنِّي أَصبَحت على بِئْر من الْجنَّة "، فَأصْبح على بِئْر غرس فَتَوَضَّأ مِنْهَا وبصق
стр. 227
فِيهَا، وَغسل مِنْهَا حِين مَاتَ ﷺ وَكَانَ يشرب مِنْهَا. قَالَ الْمُحب بن النجار: وَهَذِه الْبِئْر بَينهَا وَبَين مَسْجِد قبَاء نَحْو نصف ميل، وَهِي فِي وسط الصَّحرَاء، وَقد خربها السَّيْل وطمها، وَفِيه مَاء أَخْضَر إِلَّا أَنه عذب طيب، وريحه الْغَالِب عَلَيْهِ الأجون، قَالَ: وذرعتها فَكَانَ طولهَا سَبْعَة أَذْرع شافة، مِنْهَا ذراعان مَاء، وعرضها عشرَة أَذْرع. قَالَ المطري: هِيَ شَرْقي قبَاء إِلَى جِهَة الشمَال وَهِي بَين النخيل، وَيعرف مَكَانهَا الْيَوْم وَمَا حولهَا بالغرس، وَهِي ملك بعض أهل الْمَدِينَة وجدت بعد السبعمائة، وَهِي كَثِيرَة المَاء، وعرضها عشرَة أَذْرع وطولها يزِيد على ذَلِك. الْخَامِسَة: بِئْر البصة. عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْتِي الشُّهَدَاء وأبناءهم ويتعاهد عِيَالهمْ، قَالَ: فجَاء يَوْمًا أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ فَقَالَ: " هَل عنْدك من سدر أغسل بِهِ رَأْسِي فَإِن الْيَوْم الْجُمُعَة؟ " قَالَ: نعم فَأخْرج لَهُ سدراً وَخرج مَعَه إِلَى البصة فَغسل رَسُول الله ﷺ رَأسه وصب غسالة رَأسه ومراقة شعره فِي البصة ". قَالَ ابْن النجار: وَهَذِه الْبِئْر قريبَة من البقيع على يسَار الْمَاضِي إِلَى قبَاء، وَهِي بَين نخل، وَقد هدمها السَّيْل وطمها، وفيهَا مَاء أَخْضَر، ووقفت على قفها وذرعت طولهَا فَكَانَ أحد عشر ذِرَاعا، مِنْهَا ذراعان مَاء وعرضها تِسْعَة اذرع، وَهِي مَبْنِيَّة بِالْحِجَارَةِ، ولون مَائِهَا إِذا انْفَصل مِنْهَا أَبيض، وطعمه حُلْو إِلَّا أَن الأجون غَالب عَلَيْهِ، قَالَ: وَذكر لي الثِّقَة أَن أهل الْمَدِينَة كَانُوا يستقون مِنْهَا قبل أَن يطمها السَّيْل.
стр. 228
قَالَ المطري: وَهِي الْيَوْم " حديقة كَبِيرَة " محوط عَلَيْهَا بحائط، وَعِنْدهَا فِي الحديقة بِئْر صَغِير أَصْغَر مِنْهَا، وَالنَّاس يَخْتَلِفُونَ فيهمَا أَيهمَا بِئْر البصة إِلَّا أَن الشَّيْخ محب الدّين قطع بِأَنَّهَا الْكَبِيرَة الْقبلية، وَقِيَاس الصُّغْرَى كالكبرى، وعرضها سِتَّة أَذْرع وَهِي الَّتِي تلِي أَطَم مَالك بن سِنَان أَبُو أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: وَسمعت بعض من أدْركْت من أكَابِر خدام الْحرم الشريف وَغَيرهم من أهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ: إِنَّهَا الْكُبْرَى الْقبلية. وَأَن الْفَقِيه الصَّالح أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى بن عجيل وَغَيره من صلحاء الْيمن إِذا جاؤها للتبرك إِنَّمَا يقصدون الْكُبْرَى، والحديقة الَّتِي هِيَ فِيهَا الْيَوْم وقف على الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والواردين والصادرين لزيارة سيد الْمُرْسلين، أوقفها الشَّيْخ عَزِيز الدولة ريحَان الندى الشهابي شيخ خدام الْحرم الشريف قبل وَفَاته " بيومين " أَو ثَلَاثَة، وَكَانَت وَفَاته سنة سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة. السَّادِسَة: بِئْر رومة. قَالَ الإِمَام منتخب الدّين أَبُو الْفَتْح الْعجلِيّ: لما قدم الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَة الشَّرِيفَة استنكروا المَاء لملوحته، وَكَانَ لرجل من بني غفار عين يُقَال لَهَا بِئْر رومة يَبِيع مِنْهَا الْقرْبَة بِمد من الطَّعَام، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : " بعنيها بِعَين فِي الْجنَّة ". فَقَالَ لَيْسَ لي غَيرهَا. فَبلغ عُثْمَان ﵁ فاشتراها بِخَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم ثمَّ أَتَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله أَتجْعَلُ لي مثل الَّذِي جعلت لَهُ؟ فَقَالَ: نعم. قَالَ الشَّيْخ: وَهَذِه الْبِئْر فِي العقيق الْأَصْغَر وَفِي العقيق الْأَكْبَر بِئْر عُرْوَة كَمَا قدمنَا. وَعَن مُوسَى بن طَلْحَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " نعم الحفيرة، حفيرة الْمُزنِيّ يَعْنِي رومة " فَلَمَّا سمع بذلك عُثْمَان ﵁ ابْتَاعَ نصفهَا بِمِائَة بكرَة وَتصدق بهَا فَجعل النَّاس يستقون مِنْهَا، فَلَمَّا رأى صَاحبهَا أَن قد امْتنع مِنْهُ مَا كَانَ يُصِيب عَلَيْهَا بَاعَ من عُثْمَان النّصْف الْبَاقِي بِشَيْء يسير فَتصدق بهَا كلهَا. وَذكر ابْن عبد الْبر أَن بِئْر رومة كَانَت ركية ليهودي يَبِيع من مَائِهَا للْمُسلمين، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " من يَشْتَرِي رومة فيجعلها للْمُسلمين يضْرب بدلوه فِي دلائلهم، وَله بهَا مشربَة فِي الْجنَّة ". فَأتى عُثْمَان الْيَهُودِيّ
стр. 229
فساومه بهَا فَأبى أَن يَبِيعهَا كلهَا، فَاشْترى عُثْمَان نصفهَا بِاثْنَيْ عشر ألف دِرْهَم فَجَعلهَا للْمُسلمين، فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: إِن شِئْت جعلت " قرنين "، وَإِن شِئْت فلي يَوْم وَلَك يَوْم فَقَالَ: بل لَك يَوْم ولي يَوْم. فَكَانَ إِذا كَانَ يَوْم عُثْمَان يَسْتَقِي الْمُسلمُونَ مَا يكفيهم يَوْمَيْنِ فَلَمَّا رأى ذَلِك الْيَهُودِيّ قَالَ: أفسدت عليّ ركيتي فَاشْترى النّصْف الآخر بِثمَانِيَة آلَاف دِرْهَم. قَالَ ابْن النجار: وَهَذِه الْبِئْر الْيَوْم بعيدَة عَن الْمَدِينَة جدا، وَعِنْدهَا بِنَاء من حِجَارَة خراب، قيل إِنَّه كَانَ ديراً ليهودية، وحولها مزارع وآبار، وأرضها رَملَة، قد انتفضت خرزتها وأعلامها إِلَّا بِئْر مليحة مَبْنِيَّة بِالْحِجَارَةِ الموجهة، قَالَ: وذرعتها فَكَانَ طولهَا ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا، مِنْهَا ذراعان مَاء وباقيها مطموم بالرمل الَّذِي تسفيه الرِّيَاح فِيهَا، وعرضها ثَمَانِيَة أَذْرع وماؤها صَاف وطعمها حُلْو إِلَّا أَن الأجون قد غلب عَلَيْهِ. قَالَ المطري: وسط وَادي العقيق من أَسْفَله فِي براح وَاسع من الأَرْض، وَقد خربَتْ وَأخذت حجارتها وَلم يبْق إِلَّا آثارها. قَالَ ابْن النجار: وَاعْلَم أَن هَذِه الْآبَار قد يزِيد مَاؤُهَا فِي بعض الزَّمَان، وَقد ينقص وَرُبمَا بَقِي مِنْهَا مَا كَانَ مطموماً. وَقد ذكر المطري أَن الْآبَار الْمَذْكُورَة سِتَّة وَالسَّابِعَة لَا تعرف الْيَوْم إِلَّا مَا يسمع من قَول الْعَامَّة: إِنَّهَا بِئْر جمل وَلم يعلم أَيْن هِيَ وَلَا من ذكرهَا إِلَّا أَنه ورد فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: " أقبل رَسُول الله ﷺ من نَحْو بِئْر جمل ". ثمَّ قَالَ: إِلَّا أَنِّي رَأَيْت حَاشِيَة بِخَط الشَّيْخ محب الدّين بن عَسَاكِر على نُسْخَة من " الدرة الثمينة " لِابْنِ النجار مَا مِثَاله الْعدَد ينقص على الْمَشْهُور بِئْرا وَاحِدَة؛ لِأَن الْمُثبت سِتّ والمأثور الْمَشْهُور سبع. وَالسَّابِعَة: اسْمهَا بِئْر العهن بِالْعَالِيَةِ يزرع عَلَيْهَا الْيَوْم، وَعِنْدهَا سِدْرَة وَلها اسْم آخر مَشْهُورَة بِهِ. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: بِئْر العهن هَذِه مَعْرُوفَة بالعوالي انْتَقَلت بِالشِّرَاءِ إِلَى الشَّهِيد المرحوم عَليّ بن مطرف الْعمريّ، وَهِي بِئْر مليحة منقورة فِي الْجَبَل وَعِنْدهَا سِدْرَة كَمَا ذكر وَلَا تكَاد تنزف أبدا، العوالي وَيُقَال الْعَالِيَة أَيْضا، سميت بِهِ لإشراف موَاضعهَا
стр. 230
وَهِي منَازِل حول الْمَدِينَة. قَالَ مَالك: بَين أبعد العوالي وَالْمَدينَة ثَلَاثَة أَمْيَال) . وَقد ذكر ابْن زبالة فِي تَارِيخه عدَّة آبار بِالْمَدِينَةِ وسماها فِي دور الْأَنْصَار وَنقل أَن النَّبِي ﷺ أَتَاهَا وَتَوَضَّأ من بَعْضهَا وَشرب مِنْهَا، لَا يعرف الْيَوْم مِنْهَا شَيْء. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَمن جملَة مَا ذكر آبار فِي الْحرَّة الغربية فِي آخر منزلَة المنعمي على يسَار السالك الْيَوْم على بِئْر على الْمحرم، وعَلى جَانبهَا الشمالي بِنَاء مستطيل مجصص يُقَال لَهَا السقيا كَانَت لسعد بن أبي وَقاص تقدم ذكرهَا، نقل أَن النَّبِي ﷺ " عوض " جَيش بدر بالسقيا وَصلى فِي مَسْجِدهَا، ودعا فِي هُنَاكَ لأهل الْمَدِينَة أَن يُبَارك لَهُم فِي مدهم وصاعهم وَأَن يَأْتِيهم بالرزق من هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَشرب ﷺ من بِئْرهَا، وَيُقَال لأرضها السفلجان. وَهِي الْيَوْم معطلة خراب وَهِي بِئْر كَبِيرَة مليحة منقورة فِي الْجَبَل، وَنقل أَن السقيا عين من طرف الْحرَّة بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة يَوْمَانِ كَذَا فِي كتاب أبي دَاوُد. وَنقل الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ أَن النَّبِي ﷺ عرض جَيْشه على بِئْر أبي عنبة بِالْحرَّةِ فَوق هَذِه الْبِئْر إِلَى الْمغرب، وَنقل أَنَّهَا على ميل من الْمَدِينَة. وَمِنْهَا بِئْر أُخْرَى إِذا وقفت على هَذِه الْمَذْكُورَة وَأَنت على جادة الطَّرِيق وَهِي على يسارك كَانَت هَذِه على يَمِينك وَلكنهَا بعيدَة عَن الطَّرِيق قَلِيلا، وَهِي فِي سَنَد من الْحرَّة قد حوط حولهَا بِنَاء مجصص وَكَانَ على شفيرها حَوْض من حِجَارَة لم تزل أهل الْمَدِينَة قَدِيما يتبركون بهَا وَيَشْرَبُونَ من مَائِهَا وينقل إِلَى الْآفَاق مِنْهَا كَمَا ينْقل مَاء زَمْزَم، ويسمونها زَمْزَم أَيْضا لبركتها، قَالَ: وَلم أعلم أحدا ذكر مِنْهَا أحدا يعْتَمد عَلَيْهِ وَالله أعلم أَيَّتهمَا هِيَ السُّفْلى الأولى لقربها من الطَّرِيق أم هَذِه لتواتر الْبركَة فِيهَا. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَيُمكن أَن يكون تسميتهم إِيَّاهَا زَمْزَم لِكَثْرَة مَائِهَا يُقَال: مَاء زَمْزَم لِكَثْرَة مَائِهَا أَي كثير. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: أَو لَعَلَّهَا الْبِئْر الَّتِي احتفرتها فَاطِمَة بنت الْحُسَيْن بن عَليّ زَوْجَة الْحسن بن الْحسن بن عَليّ ﵃ حِين أخرجت من بَيت جدَّتهَا
стр. 231
فَاطِمَة الْكُبْرَى أَيَّام الْوَلِيد بن عبد الْملك حِين أَمر بِإِدْخَال حجر أَزوَاج رَسُول الله ﷺ وَبَيت فَاطِمَة ﵅ فِي الْمَسْجِد، فَإِنَّهَا بنت دارها فِي الْحرَّة وَأمرت بِحَفر بِئْر فِيهَا، فطلع لَهُم جبل فَذكرُوا ذَلِك لَهَا، فَتَوَضَّأت وصلت رَكْعَتَيْنِ ودعت ورشت مَوضِع الْبِئْر بِفضل وضوئها، وأمرتهم فَحَفَرُوا فَلم يتَوَقَّف عَلَيْهِم من الْجَبَل شَيْء حَتَّى ظهر المَاء. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَالظَّاهِر أَنَّهَا هَذِه، وَأَن السقيا هِيَ الأولى؛ لِأَنَّهَا على جادة الطَّرِيق وَهُوَ الْأَقْرَب. وَالله أعلم.
ذكر عين النَّبِي ﷺ
عَن طَلْحَة بن خرَاش قَالَ: كَانُوا أَيَّام الخَنْدَق يحفرون مَعَ رَسُول الله ﷺ وَيَخَافُونَ عَلَيْهِ فَيدْخلُونَ بِهِ كَهْف بني حزَام فيبيت فِيهِ حَتَّى إِذا أصبح هَبَط، قَالَ: ونقر رَسُول الله ﷺ العيينة الَّتِي عِنْد الْكَهْف فَلم تزل تجْرِي حَتَّى الْيَوْم. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَهَذِه الْعين فِي ظَاهر الْمَدِينَة وَعَلَيْهَا بِنَاء، وَهِي مُقَابلَة الْمصلى. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: أما الْكَهْف الَّذِي ذكره ابْن النجار فمعروف على غربي جبل يبلغ عَن يَمِين إِلَى سَاحل الْفَتْح من الطَّرِيق الْقبلية، وعَلى يسَار السالك إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة إِذا زار الْمَسْجِد وسلك الْمَدِينَة مُسْتَقْبل الْقبْلَة يُقَابله حديقة نخل تعرف بِالْغَنِيمَةِ فِي بطن وَادي بطحان غربي جبل سلع، وَفِي هَذَا الْوَادي عين تَأتي من عوالي الْمَدِينَة تَسْقِي مَا حول الْمَسَاجِد من الْمزَارِع والنخيل تعرف بِعَين الْخيف خيف شَامي، وتعرف تِلْكَ النَّاحِيَة بالسيح بِالسِّين الْمُهْملَة بعْدهَا يَاء مثناة من أَسْفَل وحاء مُهْملَة، وَأما الْعين الَّتِي ذكر الشَّيْخ محب الدّين الْمُقَابلَة للْمُصَلِّي فَهِيَ عين الْأَزْرَق وَهُوَ مَرْوَان بن الحكم، الَّتِي " خرجها " بِأَمْر مُعَاوِيَة ﵁ وَهُوَ واليه على الْمَدِينَة، وَأَصلهَا من قبَاء من بِئْر كَبِيرَة غربي مَسْجِد قبَاء فِي حديقة " نخل "، والقبة مقسومة نِصْفَيْنِ يخرج المَاء مِنْهَا من وَجْهَيْن مدرجين، وَجه قبلي وَالْآخر شمَالي
стр. 232
يغْتَسل فيهمَا وَينْتَفع بهما، وَتخرج الْعين من " الْقبْلَة " من جِهَة الْمشرق ثمَّ تَأْخُذ إِلَى جِهَة الشمَال، وَأخذ الْأَمِير سيف الدّين الْحُسَيْن بن أبي الهيجاء فِي حُدُود السِّتين وَخَمْسمِائة مِنْهَا شُعْبَة من عِنْد مخرجها من الْقبْلَة، فساقها إِلَى بَاب الْمَدِينَة الشَّرِيفَة بَاب الْمصلى، ثمَّ أوصلها إِلَى الرحبة الَّتِي عِنْد مَسْجِد رَسُول الله ﷺ من جِهَة بَاب السَّلَام الْمَعْرُوف قَدِيما بِبَاب مَرْوَان، وَبنى لَهَا منهلاً بدرج من تَحت الدّور يستقى مِنْهُ أهل الْمَدِينَة، وَذَلِكَ الْموضع مَوضِع سوق الْمَدِينَة الْآن، ثمَّ جعل لَهَا " مصرفين " تَحت الأَرْض تشق وسط الْمَدِينَة على البلاط ثمَّ تخرج على ظَاهر الْمَدِينَة من جِهَة الشمَال شَرْقي حصن أَمِير الْمَدِينَة، وَجعل مها شُعْبَة صَغِيرَة تدخل إِلَى صحن الْمَسْجِد الشريف أزيلت كَمَا سَيَأْتِي ذكره فِي الْفَصْل السَّادِس إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَاعْلَم أَن الْعين إِذا خرجت من الْقبَّة الَّتِي فِي الْمصلى سَارَتْ إِلَى جِهَة الشمَال حَتَّى تصل إِلَى سور الْمَدِينَة فَتدخل من تَحْتَهُ إِلَى منهل آخر بِوَجْهَيْنِ مدرجين، ثمَّ تخرج إِلَى خَارج الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فتصل إِلَى منهل آخر بِوَجْهَيْنِ عِنْد قبر النَّفس الزكية، ثمَّ تخرج من هُنَاكَ وتجتمع هِيَ وَمَا يتَحَصَّل من فَضلهَا فِي قناة وَاحِدَة إِلَى الْبركَة الَّتِي ينزلها الْحجَّاج، ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: وَأما عين النَّبِي ﷺ الَّتِي ذكر ابْن النجار فَلَيْسَتْ تعرف الْيَوْم، وَإِن كَانَت كَمَا ذكر قَالَ: عِنْد الْكَهْف الْمَذْكُور فقد دثرت وَعَفا أَثَرهَا. ذكر جبل أحد وَالشُّهَدَاء عِنْده تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل ذكر فضل جبل أحد وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذَلِك، وَتقدم معنى قَوْله فِي الحَدِيث فِي " أحد يحبنا ونحبه "، وَتقدم أَيْضا حَدِيث: " أثبت أحد فَإِنَّمَا عَلَيْك نَبِي وصديق وشهيدان ". قيل: إِن قَوْله ﷺ هَذَا إِشَارَة عَمَّا أحدثه قوم
стр. 233
مُوسَى ﵇ لما اخْتَار السّبْعين للميقات وَوَقع فِي نُفُوسهم مَا وَقع تزلزل الْجَبَل بِهِ، فَكَأَنَّهُ ﷺ أَشَارَ أَنه لَيْسَ عَلَيْك مِمَّن يشك كقوم مُوسَى. وَعَن جَابر بن عتِيك عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " خرج مُوسَى وَهَارُون ﵉ حاجين أَو معتمرين فَلَمَّا كَانَا بِالْمَدِينَةِ مرض هَارُون ﵇ فثقل، فخاف عَلَيْهِ مُوسَى ﵇ الْيَهُود، فَدخل أحدا فَمَاتَ فدفنه فِيهِ ". وَقيل: مَاتَ مُوسَى وَهَارُون ﵉ فِي التيه، وقبر مُوسَى مَعْرُوف بالقدس فِي أول التيه يزار. وَعَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " لما تجلى الله لجبل طور سيناء فَصَارَ لِعَظَمَة الله تَعَالَى سِتَّة أجبل، فَوَقَعت ثَلَاثَة بِالْمَدِينَةِ: أحد وورقان ورضوى وَوَقعت ثَلَاثَة بِمَكَّة ثَوْر وثبير وحراء ". قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: فأحد مَعْرُوف وَهُوَ شمَالي الْمَدِينَة وَأقرب الْجبَال إِلَيْهَا وَهُوَ على نَحْو فرسخين مِنْهَا، وَقيل: على نَحْو أَرْبَعَة أَمْيَال. وعير مُقَابِله فِي قبْلَة الْمَدِينَة وَالْمَدينَة بَينهمَا، وورقان قبل شعب عليّ، مَا بَين الشّعب والروحاء إِلَى الْقبْلَة، وَاسْتشْهدَ بِأحد سَبْعُونَ رجلا أَرْبَعَة من الْمُهَاجِرين وهم حَمْزَة بن عبد الْمطلب، وَعبد الله بن جحش، وَمصْعَب بن عُمَيْر، وشماس بن عُثْمَان، وَالْبَاقُونَ كلهم أنصار، وَقتل حَمْزَة يَوْم أحد وحشى بن حَرْب الحبشي مولى جُبَير بن مطعم وَذَلِكَ فِي النّصْف من شَوَّال يَوْم السبت على رَأس اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة، وَكَانَ يُقَاتل بَين يَدي النَّبِي ﷺ بسيفين فعثر فَوَقع فانكشف الدرْع عَن بَطْنه فطعن، قَالَ رَسُول الله ﷺ حِين رَآهُ وَقد مثل بِهِ: " جَاءَنِي جِبْرِيل فَأَخْبرنِي أَن حَمْزَة مَكْتُوب فِي أهل السَّمَاوَات السَّبع حَمْزَة بن عبد الْمطلب أَسد الله وَأسد رَسُوله ". وَكبر رَسُول الله
стр. 234
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جنَازَته سبعين تَكْبِيرَة. وَقيل: كبر عَلَيْهِ سبعا. وَدفن هُوَ وَابْن أُخْته عبد الله بن حجر فِي قبر وَاحِد. وَالشُّهَدَاء يَوْم أحد سَبْعُونَ: الأول: حَمْزَة بن عبد الْمطلب أحد أعمام النَّبِي ﷺ وَأَخُوهُ من الرضَاعَة. الثَّانِي: عبد الله بن جحش الْأَسدي من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين أُخْته زَيْنَب بنت جحش زوج النَّبِي ﷺ وَهُوَ الَّذِي انْقَطع سَيْفه يَوْم أحد فَأعْطَاهُ النَّبِي ﷺ عرجون نَخْلَة فَصَارَ فِي يَده سَيْفا، وَلم يزل ينْتَقل حَتَّى بيع من بغا التركي بِمِائَتي دِينَار وَدفن مَعَ حَمْزَة. الثَّالِث: مُصعب بن عُمَيْر الْعَبدَرِي وَهُوَ أول من هَاجر إِلَى الْمَدِينَة وَأول من جمع فِي الْإِسْلَام يَوْم الْجُمُعَة، وَكَانَ لِوَاء رَسُول الله ﷺ الْأَعْظَم لِوَاء الْمُهَاجِرين يَوْم بدر مَعَه وَيَوْم أحد، وَضرب ابْن قمئة يَد مُصعب فقطعها، وَمصْعَب يَقُول: " وَمَا مُحَمَّد إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل ". وَأخذ اللِّوَاء بِيَدِهِ الْيُسْرَى فضربها ابْن قمئة فقطعها فَجَثَا على اللِّوَاء فضمه بَين عضديه إِلَى صَدره ثمَّ حمل عَلَيْهِ الثَّالِثَة فأنفذه وَوَقع مُصعب وَسقط اللِّوَاء، وَذكر ابْن سعد أَن مصعباً حِين قتل أَخذ الرَّايَة ملك على صورته فَكَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول: " تقدم يَا مُصعب ". فَقَالَ الْملك لست بمصعب فَعلم أَنه ملك. الرَّابِع: شماس بن عُثْمَان الشريد الْقرشِي حمل من بَين الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَة وَبِه رَمق ثمَّ مَاتَ عِنْد أم سَلمَة، فَأمر رَسُول الله ﷺ أَن يرد إِلَى أحد فيدفن كَمَا هُوَ فِي ثِيَابه الَّتِي مَاتَ فِيهَا بعد أَن مكث يَوْمًا وَلَيْلَة إِلَّا أَنه لم يَأْكُل وَلم يشرب، وَلم يصل عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَلم يغسلهُ. الْخَامِس: عمار بن زِيَاد بن السكن لما أثخن وسد رَسُول الله ﷺ قدمه فَمَاتَ. السَّادِس: عَمْرو بن ثَابت بن وقش كَانَ يَأْبَى الْإِسْلَام فَلم يسلم إِلَّا يَوْم أحد وَأسلم وَقَاتل حَتَّى قتل فذكروه لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " إِنَّه لمن أهل الْجنَّة ". السَّابِع وَالثَّامِن: ثَابت بن وقش أَبُو عَمْرو الْمَذْكُور، واليمان أَبُو حُذَيْفَة كَانَا شيخين ارتفعا فِي الْآطَام مَعَ النِّسَاء وَالصبيان وَلما خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى
стр. 235
أحد فَقَالَ أَحدهمَا للْآخر: مَا تنْتَظر وخرجا فَقَاتلا حَتَّى قتلا. التَّاسِع: حَنْظَلَة بن أبي عَامر الأوسي قَتله أَبُو سُفْيَان، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ حِين قتل: " إِن صَاحبكُم لتغسله الْمَلَائِكَة ". فَسُئِلت صاحبته عَنهُ فَقَالَت: خرج وَهُوَ جنب حِين سمع النداء. فَكَانَ يعرف بغسيل الْمَلَائِكَة ". الْعَاشِر: أنس بن النَّضر بن ضَمْضَم عَم أنس بن مَالك وجد فِيهِ بضعَة وَثَمَانُونَ طعنة وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُول الله ﷺ : " إِن من عباد الله من لَو أقسم على الله لَأَبَره " ويروى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " من رجل ينظر إِلَى مَا فعل سعد بن الرّبيع فِي الْأَحْيَاء هُوَ أم فِي الْأَمْوَات؟ " فَنظر رجل من الْأَنْصَار، قيل: هُوَ أبي بن كَعْب، فَوَجَدَهُ جريحاً فِي الْقَتْلَى فِيهِ رَمق قَالَ: فَقلت لَهُ: إِن رَسُول الله ﷺ أَمرنِي أَن أنظر فِي الْأَحْيَاء أَنْت أم فِي الْأَمْوَات. فَقَالَ: أَنا فِي الْأَمْوَات فأبلغ رَسُول الله ﷺ مني السَّلَام، وَقل لَهُ: إِن سعد بن الرّبيع يَقُول لَك: جَزَاك الله عَنَّا خير مَا جزي نَبيا عَن أمته، وأبلغ قَوْمك مني السَّلَام وَقل لَهُم إِن سعد بن الرّبيع يَقُول لكم: إِنَّه لَا عذر لكم عِنْد الله إِن خلص إِلَى نَبِيكُم وَفِيكُمْ عين تطرف، قَالَ: ثمَّ لم ابرح حَتَّى مَاتَ فَجئْت رَسُول الله ﷺ فَأَخْبَرته. الثَّانِي عشر: عبد الله بن عَمْرو بن حرَام وَهُوَ أول من قتل يم أحد، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِي ﷺ لِابْنِهِ جَابر: " لَا تبكه مَا زَالَت الْمَلَائِكَة تظله بأجنحتها حَتَّى رفعتموه ". الثَّالِث عشر: عَمْرو بن الجموح أحد نقباء الْأَنْصَار وَكَانَ أعرج، وَكَانَ لَهُ بنُون أَرْبَعَة فأراجوا حَبسه فَامْتنعَ، وَقَالَ النَّبِي ﷺ لِبَنِيهِ: " مَا عَلَيْكُم أَلا تمنعوه لَعَلَّ الله يرزقه الشَّهَادَة: فَخرج مَعَه. قيل: يُؤْخَذ من هَذَا أَن أَصْحَاب الْأَعْذَار إِذا خَرجُوا نالوا دَرَجَة الشَّهَادَة.
стр. 236
الْحَارِث بن أَوْس بن معَاذ بن النُّعْمَان، واسعد بن سُوَيْد بن قيس من بني حدرة، الْحَارِث بن أنس بن رَافع، عَمْرو بن معَاذ بن النُّعْمَان، أسلمة بن ثَابت بن وقش، رِفَاعَة بن وقش، صفي بن قيظي، حباب بن قيظي، غباد بن سهل، إِيَاس بن أَوْس بن عتِيك، عبيد بن التيهَان وَيُقَال: عتِيك، حبيب بن زيد بن تيم البياضي، يزِيد بن حَاطِب بن عَمْرو الأشْهَلِي، أَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن قيس البياضي، أنيس بن قَتَادَة، أَبُو حَيَّة بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة من تَحت وَيُقَال: بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَخُو سعد بن خَيْثَمَة لأمه وَقيل أَبُو حنة بالنُّون لِأَنَّهُ شهد بَدْرًا وَلَيْسَ فِيمَن شهد بَدْرًا أحد يُقَال لَهُ أَبُو حَبَّة بِالْبَاء الْمُوَحدَة، عبد الله بن جُبَير بن النُّعْمَان، خَيْثَمَة أَبُو سعيد بن خَيْثَمَة، عبد الله بن سَلمَة، يسبع بن حلوان بن الْحَارِث، وَقيل: سبيع بن حَاطِب بن الْحَارِث، عَمْرو بن قيس بن زيد، ابْن قيس، ثَابت بن عَمْرو بن زيد، عَامر بن مخلد، أَبُو هُبَيْرَة بن الْحَارِث، وَيُقَال: أَبُو أسيرة، وَيُقَال: إِن أَبَا أسيرة أَخُوهُ، عَمْرو بن مطرف بن عَلْقَمَة، أَوْس بن ثَابت بن الْمُنْذر أَخُو حسان بن ثَابت، قيس بن مخلد، كيسَان عبد أبي قَارون بن النجار، سليم بن الْحَارِث، نعْمَان بن عَمْرو خَارِجَة بن زيد، أَوْس بن الأرقم بن زيد، مَالك بن سِنَان أَبُو أبي سعيد الْخُدْرِيّ، عتبَة بن ربيع بن رَافع، ثَعْلَبَة بن سعد بن مَالك، ثقف بن فَرْوَة بن الندى، عبد الله بن عَمْرو بن وهب، ضَمرَة حَلِيف لبني طريف من جُهَيْنَة، نَوْفَل بن عبد الله، عَبَّاس بن عبَادَة، نعْمَان بن مَالك بن ثَعْلَبَة، المجذر بن زِيَاد، عبَادَة بن الخشخاش، رِفَاعَة بن عَمْرو وَقيل: رِفَاعَة بن رَافع بن يزِيد بن عَمْرو، خَلاد بن عَمْرو بن الجموح، أَبُو أَيمن مولى خَلاد بن عَمْرو الْمَذْكُور، سليم وَقيل: سُلَيْمَان وَالْأول أصح وَقيل: سَالم بن عَامر وَقيل: ابْن عَمْرو بن حَدِيدَة، مَوْلَاهُ عنزة وَيُقَال: عنيزة أَو عنترة، سهل بن قيس بن أبي بن كَعْب، ذكْوَان بن عبد قيس بن خَالِد بن مخلد الزرقي، عبيد بن الْمُعَلَّى بن لوذان، مَالك بن نميلَة، الْحَارِث بن عدي بن خَرشَة، مَالك بن أياس، إِيَاس بن عدي، عَمْرو بن إِيَاس، وَعَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي قَتْلَى أحد: " هَؤُلَاءِ شُهَدَاء فأتوهم وسلموا
стр. 237
عَلَيْهِم وَلنْ يسلم عَلَيْهِم أحد مَا قَامَت السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا ردوا عَلَيْهِ ". وروى جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق عَن أَبِيه عَن جده أَن فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ كَانَت تخْتَلف بَين الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة إِلَى قُبُور الشُّهَدَاء بِأحد فَتُصَلِّي هُنَاكَ وَتَدْعُو وتبكي حَتَّى مَاتَت. وروى العطاف بن خَالِد قَالَ: حَدَّثتنِي خَالَة لي وَكَانَت من العابدات قَالَت: ركبت يَوْمًا حَتَّى جِئْت قبر حَمْزَة فَصليت مَا شَاءَ الله وَلَا وَالله مَا فِي الْوَادي من دَاع وَلَا مُجيب وَغُلَامِي أَخذ بِرَأْس دَابَّتي فَلَمَّا فرغت من صَلَاتي قلت: السَّلَام عَلَيْكُم واشرت بيَدي فَسمِعت رد السَّلَام على من تَحت الأَرْض أعرفهُ كَمَا أعرف أَن الله سُبْحَانَهُ خلقني فاقشعرت كل شَعْرَة مني فدعوت الْغُلَام وَركبت. وَقد وَردت آثَار كَثِيرَة فِي أَن أجساد الشُّهَدَاء لَا تبلى وَقد شوهد ذَلِك، وشوهد ايضاً بَقَاء أجساد شُهَدَاء الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة، ومصداق ذَلِك قَوْله تَعَالَى: " وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة والانجيل وَالْقُرْآن ". فالآية عَامَّة فِي سَائِر مؤمني الْأُمَم، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا تبلى أَجْسَادهم، وَقد حرم الله على الأَرْض أَن تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء، وَقد وجدت أجساد الْمُلُوك والحكماء المدبرين مَعَ طراوة أَجْسَادهم بالحيلة بعد وفاتهم بمئين من الأعوام بل بعض حكماء الْأُمَم الْمُتَقَدّمَة وملوكها يوجدون إِلَى هَذَا الزَّمن أطرياء لم يتَغَيَّر مِنْهُم شَيْء وَذَلِكَ أَنهم وبروا أدهاناً ادهنوا بهَا عِنْد مَوْتهمْ فمنعتهم من الْبلَاء قَالَ هرمس: وَقد أمرت من يفعل بِي ذَلِك إِذا أَنا مت وَأَشَارَ إِلَى أَن يطلى بالشمس وَالْقَمَر مرموزاً وَهُوَ الزئبق وَالْملح بالرمز الثَّانِي. ويروى: أَنه مَتى شدّ جَمِيع الشَّخْص بِالذَّهَب لَا يبْلى مَا بَقِي الذَّهَب، وَقد وجد شخص مكفن بِالذَّهَب فِي ورقة من ذهب فَقلعت فَإِذا فِيهَا سَبْعُونَ درهما. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَفِي قبْلَة جبل أحد قُبُور الشُّهَدَاء وَلَا يعلم مِنْهَا الْآن إِلَّا قبر حَمْزَة ﵁ وَمَعَهُ فِي الْقَبْر ابْن أُخْته كَمَا تقدم، وَعَلِيهِ قبَّة عالية ومشهد بنته أم الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المستضئ سنة تسعين وَخَمْسمِائة وعَلى المشهد بَاب من حَدِيد يفتح كل خَمِيس وشمالي الْمَسْجِد أرام من حِجَارَة يُقَال إِنَّهَا من قُبُور الشُّهَدَاء وَكَذَلِكَ من غربته أَيْضا، وَقد ورد أَن هَذِه قُبُور أنَاس مَاتُوا عَام الرَّمَادَة فِي خلَافَة عمر ﵁، وَلَا شكّ أَن قُبُور الشُّهَدَاء حول حَمْزَة ﵁ إِذْ لَا ضَرُورَة أَن يبعدوا عَنهُ، وَعند رجل حَمْزَة قبر رجل تركي كَانَ مُتَوَلِّيًا عمَارَة المشهد الشريف يُقَال لَهُ: سنقر،
стр. 238
وَكَذَلِكَ فِي صحن الْمَسْجِد الشريف قبر دفن فِيهِ بعض الْأَشْرَاف من أُمَرَاء الْمَدِينَة. وَتَحْت جبل أحد من جِهَة الْقبْلَة لاصقاً بِالْمَسْجِدِ مَسْجِد شرِيف صَغِير قد تهدم يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ الظّهْر وَالْعصر بعد انْفِصَال الْقِتَال، وَفِي جِهَة الْقبْلَة من هَذَا الْمَسْجِد مَوضِع منقور فِي الْحجر على قدر رَأس الْإِنْسَان يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ جلس على الصَّخْرَة الَّتِي تَحْتَهُ وَأدْخل رَأسه فِيهِ، وَكَذَلِكَ شمَالي الْمَسْجِد غَار فِي الْجَبَل يُقَال: إِن النَّبِي ﷺ دخله. وَلم يرد بذلك نقل صَحِيح. وقبلي المشهد جبل صَغِير يُسمى عنين بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَكسر النُّون الأولى والوادي بَينهمَا كَانَ علية الرُّمَاة يَوْم أحد وَعِنْده مسجدان أَحدهمَا مَعَ ركنة الشَّرْقِي يُقَال: إِنَّه الْموضع الَّذِي طعن فِيهِ حَمْزَة وَالْمَسْجِد الآخر شمَالي هَذَا الْمَسْجِد على شَفير هَذَا الْوَادي يُقَال: إِنَّه مصرع حَمْزَة وَإنَّهُ مَشى بطعنته إِلَى هُنَاكَ ثمَّ صرع ﵁، وَبَين المشهد وَالْمَدينَة ثَلَاثَة أَمْيَال وَنصف وَإِلَى أحد مَا يُقَارب أَرْبَعَة أَمْيَال. وَكَانَت غزَاة أحد فِي السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: جَاءَت قُرَيْش من مَكَّة لِحَرْب رَسُول الله ﷺ ولاقوه يَوْم السبت النّصْف من شَوَّال سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة عِنْد جبل أحد. وَقيل: كَانَ نزُول قُرَيْش يَوْم أحد بِالْمَدِينَةِ بِالْجمعَةِ وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: يَوْم الْأَرْبَعَاء فنزلوا بِالْمَدِينَةِ برومة من وَادي العقيق وَصلى رَسُول الله ﷺ الْجُمُعَة بِالْمَدِينَةِ ثمَّ لبس لامته وَخرج هُوَ وَأَصْحَابه على الْحرَّة الشرقية حرَّة واقم وَبَاكٍ بالسيحين مَوضِع بِالْمَدِينَةِ وَأحد مَعَ الْحرَّة إِلَى جبل أحد وغزا صبح يَوْم السبت إِلَى أحد فَفِيهِ كَانَت وقْعَة أحد، قيل: خرج رَسُول الله ﷺ يَوْم السبت لسبع لَيَال خلون من شَوَّال على رَأس اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ شهرا من الْهِجْرَة وَكَانَ دَلِيل رَسُول الله ﷺ لَيْلَة أحد سهل بن أبي حثْمَة. وَعَن قَتَادَة: لما قدم أَبُو سُفْيَان بالمشركين رأى النَّبِي ﷺ رُؤْيا فِي النّوم فتأولها قتلا فِي أَصْحَابه، وَرَأى سَيْفه ذَا الفقار انفصم فَكَانَ قتل حَمْزَة، وَرَأى كَبْشًا أغبر قتل فَكَانَ صَاحب لِوَاء الْمُشْركين عُثْمَان بن أبي طَلْحَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ لأَصْحَابه بعد الرُّؤْيَا: " إِنِّي فِي جنَّة حَصِينَة يَعْنِي الْمَدِينَة فدعوهم يدْخلُونَ نقاتلهم " فَقَالَ نَاس من الْأَنْصَار: يَا رَسُول الله إِنَّا نكره أَن نقْتل فِي طرف الْمَدِينَة فابرز بِنَا إِلَى الْقَوْم فَلبس النَّبِي ﷺ لامته وَنَدم الْقَوْم فِيمَا أشاروا بِهِ وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ فَقَالَ: " إِنَّه لَيْسَ لنَبِيّ إِذا لبس لامته أَن يَضَعهَا حَتَّى يُقَاتل سَتَكُون فِيكُم مُصِيبَة " قَالُوا: يَا رَسُول الله خَاصَّة أم عَامَّة. قَالَ مكي: فقتادة يذهب إِلَى أَن الذَّنب الَّذِي عدده الله فِي قَوْله: " أَو لما أَصَابَتْكُم مُصِيبَة قد أصبْتُم
стр. 239
مثليها قُلْتُمْ أَنى هَذَا قل هُوَ من عِنْد أَنفسكُم ". هُوَ مَا أشاروا بِهِ. وَقيل فِيهِ غير ذَلِك، وَكَانَ ﷺ يَوْم أحد فِي ألف، وَالْمُشْرِكُونَ فِي ثَلَاثَة آلَاف، وَكَانَ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ﵉ عَن يَمِين رَسُول الله ﷺ وَعَن يسَاره يقاتلان لشدَّة الْقِتَال. وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد أَن النَّبِي ﷺ دَعَا يَوْم أحد فَقَالَ: " يَا صريخ المكروبين ومجيب الْمُضْطَرين وَكَاشف الكرب الْعَظِيم اكشف كربي وهمي وغمي فَإنَّك ترى حَالي وَحَال أَصْحَابِي ". قَالَ: فصرف الله عدوه وغزا ﷺ أحدا على فرسه السكب كَانَ اشْتَرَاهُ من أَعْرَابِي من بني فَزَارَة بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ اسْمه عِنْد الْأَعرَابِي المضرس، وَهُوَ أول فرس ملكه رَسُول الله ﷺ وَأول غزَاة غزا عَلَيْهِ أحدا، وَكَانَ طلق الْيَمين لَهُ سبْحَة وسابق عَلَيْهِ فَسبق فعرج بِهِ رَسُول الله ﷺ ، يُقَال: فرس سكب أَي كثير الجري، ثمَّ إِن النَّبِي ﷺ قَاتل الْمُشْركين يَوْم أحد وَالْمُسْلِمين وخلص الْعَدو إِلَى رَسُول الله ﷺ فذب بِالْحِجَارَةِ حَتَّى وَقع بشقه فَانْكَسَرت رباعيته وشج فِي وَجهه وَكلمت شفته وَكَانَ ذَلِك كَرَامَة لَهُ ﷺ ولأصحابه الَّذين اسْتشْهدُوا بَين يَدَيْهِ وَكَانُوا سبعين رجلا كَمَا تقدم.
стр. 240
الْفَصْل الْخَامِس: ذكر جلاء بني النَّضِير من الْمَدِينَة وحفر الخَنْدَق وَقتل بني قُرَيْظَة بِالْمَدِينَةِ .
стр. 241
ذكر جلاء بني النَّضِير من الْمَدِينَة
اعْلَم أَن النَّبِي ﷺ قد عقد حلفا بَين بني النَّضِير من الْيَهُود وَبَين بني عَامر، فَعدا عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي من بني النَّضِير على رجلَيْنِ من بني عَامر فَقَتَلَهُمَا، فَأتى النَّبِي ﷺ بني قُرَيْظَة يَسْتَعِينهُمْ فِي دِيَة الْقَتِيلين، فَقَالُوا: نعم. ثمَّ خلا بَعضهم بِبَعْض فَقَالُوا: إِنَّكُم لن تَجدوا الرجل على مثل حَاله هَذَا، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قَاعِدا إِلَى جنب جِدَار من بُيُوتهم، فَمن رجل يعلوا على هَذَا الْبَيْت فيلقي عَلَيْهِ صَخْرَة، فَصَعدَ أحدهم لذَلِك، فَأتى رَسُول الله ﷺ الْخَبَر من السَّمَاء فَقَامَ وَرجع إِلَى الْمَدِينَة، وَأخْبر أَصْحَابه الَّذين مَعَه مِنْهُم أَبُو بكر وَعمر وَعلي ﵃ وَأمرهمْ بالتهيؤ لحربهم، وَسَار حَتَّى نزل بهم فِي شهر ربيع الآخر سنة أَربع من الْهِجْرَة فَتَحَصَّنُوا فِي الْحُصُون، فَأمر النَّبِي ﷺ بِقطع نخيلهم وَتَحْرِيقهَا، وَقذف الله فِي قُلُوبهم الرعب، فسألوا رَسُول الله ﷺ أَن يخليهم ويكف عَن دِمَائِهِمْ على أَن لَهُم مَا حملت الْإِبِل من أَمْوَالهم إِلَّا السِّلَاح فَفعل، فَخَرجُوا إِلَى خَيْبَر وَمِنْهُم من سَار إِلَى الشَّام، وخلوا الْأَمْوَال فَقَسمهَا رَسُول الله ﷺ على الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين دون الْأَنْصَار إِلَّا أَن سهل بن حنيف وَأَبا دُجَانَة سماك بن خَرشَة ذكرا فقرا فَأَعْطَاهُمْ رَسُول الله ﷺ ، وَلم يسلم من بني النَّضِير إِلَّا رجلَانِ يَامِين بن عُمَيْر وَأَبُو سعيد بن وهب، أسلما على أَمْوَالهم فأحرزاهما، وَأنزل الله تَعَالَى فِي بني النَّضِير سُورَة الْحَشْر بأسرها، وَكَانَت نخيل بني النَّضِير تسمى نُوَيْرَة، وَقيل: بويرة، اسْم بَلْدَة أَو مَوضِع من مَوَاضِع بني النَّضِير.
ذكر حفر الخَنْدَق
حفر رَسُول الله ﷺ الخَنْدَق يَوْم الْأَحْزَاب، وَذَلِكَ أَن نَفرا من بني النَّضِير الَّذين أجلاهم رَسُول الله ﷺ وَكَانُوا بِخَيْبَر وَكَانَ رئيسهم حييّ بن أَخطب قدم هُوَ ورؤساء قومه إِلَى مَكَّة على قُرَيْش، فدعوهم لِحَرْب رَسُول الله ﷺ فأطاعتهم قُرَيْش وغَطَفَان بِمن جمعُوا، فَلَمَّا سمع النَّبِي ﷺ ضرب الخَنْدَق على الْمَدِينَة، وَكَانَ ﷺ ينْقل التُّرَاب يَوْم الخَنْدَق حَتَّى
стр. 242
اغبر بَطْنه كَمَا ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ، واشتدت عَلَيْهِم صَخْرَة فِي الخَنْدَق فشكوها إِلَى رَسُول الله ﷺ ، فَدَعَا بِإِنَاء من مَاء فتفل فِيهِ ثمَّ دَعَا بِمَا شَاءَ الله أَن يدعوا بِهِ ثمَّ نضح ذَلِك المَاء على تِلْكَ الصَّخْرَة، فانهالت حَتَّى عَادَتْ كالكثيب لَا ترد فأساً وَلَا مسحاة، وَلم يزل الْمُسلمُونَ يعْملُونَ فِيهِ حَتَّى أتموه، وحفره ﷺ طولا من أَعلَى وَادي بطحان غربي الْوَادي مَعَ الْحرَّة إِلَى غربي الْمُصَلِّي مصلى الْعِيد، ثمَّ إِلَى مَسْجِد الْفَتْح ثمَّ إِلَى الجبلين الصغيرن اللَّذين فِي غربي الْوَادي، يُقَال لأَحَدهمَا: رابح وَللْآخر جبل بني عبيد، وَأَقْبَلت قُرَيْش وكنانة وَمن تبعها من الأجاييش فِي عشرَة آلَاف حَتَّى نزلُوا بمجتمع السُّيُول من رومة وَادي العقيق وَقَائِدهمْ أَبُو سُفْيَان، وَأَقْبَلت غطفان وبنوا أَسد وَمن تبعها من أهل نجد حَتَّى نزلُوا بذنب نقميىعلى جَانب أحد مَا بَين طرفِي وَادي النقمي وَقَائِدهمْ عُيَيْنَة بن حصن، وأتى الْحَارِث بن بن عَوْف فِي بني مرّة ومسعود بن رحيلة فِي أَشْجَع، وَخرج رَسُول الله ﷺ والمسلمون فِي ثَلَاثَة آلَاف حَتَّى جعلُوا ظُهُورهمْ إِلَى جبل سلع، وَضرب رَسُول الله ﷺ قُبَّته على الْقرن الَّذِي فِي غربي جبل سلع مَوضِع مَسْجده الْيَوْم، ثمَّ سعى حييّ بن أَخطب حَتَّى قطع الْحلف الَّذِي كَانَ بَين بني قُرَيْظَة وَبَين النَّبِي ﷺ ، وَخَافَ لِحَرْب رَسُول الله ﷺ ، فَاشْتَدَّ الْخَوْف، وَاشْتَدَّ الْحصار على الْمُسلمين وَكَانَ فِي ذَلِك مَا قصّ الله تَعَالَى بقوله: " إِذْ جاؤكم من فَوْقكُم وَمن أَسْفَل مِنْكُم. . الْآيَات ". فَأَقَامَ رَسُول الله ﷺ وَالْمُشْرِكُونَ بضعاً وَعشْرين لَيْلَة لم يكن لَهُم حَرْب إِلَّا الرَّمْي بِالنَّبلِ إِلَّا الفوارس من قُرَيْش فَإِنَّهُم قَاتلُوا فَقتلُوا وَقتلُوا، وَأصَاب سعد بن معَاذ سهم فحسم رَسُول الله ﷺ جرحه فانتفخت يَده ونزف الدَّم، فَلَمَّا رأى ذَلِك قَالَ: اللَّهُمَّ إِن كنت أبقيت من حَرْب قُرَيْش شَيْئا فأبقني لَهَا، اللَّهُمَّ إِن كنت وضعت الْحَرْب بَيْننَا وَبينهمْ فاجعله لي شَهَادَة، وَلَا تمتني حَتَّى تقر عَيْني فِي بني قُرَيْظَة، وَكَانَ راميه حبّان بن العرقة رَمَاه بِسَهْم فِي عضده أصَاب أكحله فَانْقَطع، فَأمر رَسُول الله ﷺ بِضَرْب فسطاط فِي الْمَسْجِد لسعد فَكَانَ يعودهُ فِي كل يَوْم، وَاسْتشْهدَ يَوْمئِذٍ من الْمُسلمين سِتَّة من الْأَنْصَار، وَلم يزل رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه على مَا هم عَلَيْهِ من الْخَوْف والشدة حَتَّى هذى الله تَعَالَى نعيم بن مَسْعُود دَاخل غطفان لِلْإِسْلَامِ، وَلم يعلم أَصْحَابه، وخدع بَين بني قُرَيْظَة وقريش وغَطَفَان وَرمى بَينهم الْفِتَن، وَبعث الله تَعَالَى عَلَيْهِم الرّيح فِي لَيَال بَارِدَة فَجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادهمْ، وَكَانَ مجيئهم وذهابهم فِي
стр. 243
شَوَّال سنة خمس من الْهِجْرَة، يرْوى أَنهم لما وقفُوا على الخَنْدَق قَالُوا: إِن هَذِه لمكيدة مَا كَانَت الْعَرَب تكيدها، وَيُقَال: إِن سلمَان الْفَارِسِي أَشَارَ بِهِ على رَسُول الله ﷺ . قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَالْخَنْدَق الْيَوْم بَاقٍ وَفِيه قناة تَأتي من عين بقباء إِلَى النّخل الَّذِي بِأَسْفَل الْمَدِينَة الْمَعْرُوف بالسيح حول مَسْجِد الْفَتْح، وَقد انطم أَثَره وتهدمت حيطانه. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين المطري: وَأما الْيَوْم فقد عَفا أثر الخَنْدَق وَلم يبْق مِنْهُ شَيْء يعرف إِلَّا ناحيته؛ لِأَن وَادي بطحان استولى على مَوضِع الخَنْدَق فَصَارَ مسيله فِي مَوضِع الخَنْدَق. وَقَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَفِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة أَرَانِي وَالِدي ﵀ بَاقِي جِدَار مِنْهُ.
ذكر قتل بني قُرَيْظَة بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَلما انْصَرف رَسُول الله ﷺ من الخَنْدَق رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة والمسلمون وَوَضَعُوا السِّلَاح، فَأتى جِبْرِيل ﵇ رَسُول الله ﷺ معتجراً بعمامة من إستبرق على بغلة عَلَيْهَا قطيفة من ديباج فَقَالَ: لقد وضعت السِّلَاح يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ: نعم. قَالَ: مَا وضعت الْمَلَائِكَة بعد السِّلَاح، وَمَا رجعت الْآن إِلَّا من طلب الْقَوْم، إِن الله يَأْمُرك بالسير إِلَى بني قُرَيْظَة فَإِنِّي عَامِد إِلَيْهِم فَمُزَلْزِل بهم. فأذّن رَسُول الله ﷺ فِي النَّاس: " من كَانَ سَامِعًا مُطيعًا فَلَا يصلين الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة ". فَنزل رَسُول الله ﷺ فَحَاصَرَهُمْ خمْسا وَعشْرين لَيْلَة، وَقذف الله تَعَالَى فِي قُلُوبهم الرعب حَتَّى نزلُوا على حكم رَسُول الله ﷺ ، فتواثبت الْأَوْس وَقَالُوا: يَا رَسُول الله إِنَّهُم موالينا دون الْخَزْرَج فهم لنا، فَقَالَ: " أَلا ترْضونَ يَا معشر الْأَوْس أَن نحكم فيهم رجلا مِنْكُم ". قَالُوا: بلَى، قَالَ: " فَذَلِك إِلَى سعد بن معَاذ ". وَكَانَ سعد فِي خيمته يداوي جرحه، وَكَانَ حَارِثَة بن كلدة هُوَ الَّذِي يداويه وَكَانَ طَبِيب الْعَرَب وَهُوَ مولى أبي بكرَة مسروح، فَأَتَت الْأَوْس سعد بن معَاذ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ: " احكم فِي بني قُرَيْظَة " فَقَالَ: إِنِّي أحكم فيهم أَن تقتل الرجل وتقسم الْأَمْوَال وتسبى
стр. 244
الذرارى. فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ : " لقد حكمت فيهم بِحكم الله من فَوق سَبْعَة أَرقعَة " أَي من فَوق سبع سماوات، وَكَانَ الَّذين نزلُوا على حكمه ﷺ أَرْبَعمِائَة، واستنزلوا بني قُرَيْظَة من حصونهم فحبسوا بِالْمَدِينَةِ فِي دَار امْرَأَة من بني النجار، ثمَّ خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى سوق الْمَدِينَة فَخَنْدَق فِيهَا خنادق ثمَّ بعث إِلَيْهِم فجيء بهم فَضرب أَعْنَاقهم فِي تِلْكَ الْخَنَادِق، وَكَانُوا سَبْعمِائة وَفِيهِمْ حييّ بن أَخطب الَّذين حرضهم على نقض الْعَهْد، فَقتل مِنْهُم ﷺ كل من أنبت، واستحيى من لم ينْبت، وَقتل مِنْهُم امْرَأَة كَانَت طرحت رحى على خَلاد بن سُوَيْد من الْحصن فَقتلته يَوْم قتال بني قُرَيْظَة فَقَتلهَا بِهِ النَّبِي ﷺ ، وَأخْبر ﷺ أَن لخلاد أجر شهيدين، ثمَّ قسم رَسُول الله ﷺ أَمْوَالهم ونساءهم وأبناءهم على الْمُسلمين، وَأنزل الله تَعَالَى فِي بني قُرَيْظَة وَالْخَنْدَق من قَوْله تَعَالَى: " يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم " إِلَى قَوْله: " وأورثكم أَرضهم وديارهم وَأَمْوَالهمْ وأرضاً لم تطؤها " قيل: هِيَ نِسَاؤُهُم. ثمَّ انفتق على سعد بن معَاذ جرحه فَمَاتَ مِنْهُ شَهِيدا، وَذَلِكَ بعد أَن أَصَابَهُ السهْم بِشَهْر فِي شَوَّال سنة خمس، وَكَانَ رجلا طوَالًا ضخماً، وَلم تزل بقايا الْيَهُود بِالْمَدِينَةِ إِلَى خلَافَة عمر ﵁، وَرُوِيَ عَن ابْن شهَاب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لَا يجْتَمع دينان فِي جَزِيرَة الْعَرَب " قَالَ ابْن شهَاب: ففحص عَن ذَلِك عمر بن الْخطاب ﵁ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " لَا يجْتَمع دينان فِي جَزِيرَة الْعَرَب ". فَأجلى يهود خَيْبَر وَأجلى يهود نَجْرَان وفدك. انْتهى.
стр. 245
الْفَصْل السَّادِس
: ذكر ابْتِدَاء بِنَاء مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَمَا زيد فِيهِ أَو نقص مِنْهُ إِلَى هَذَا التَّارِيخ وَفِيه ذكر مَا جَاءَ فِي قبْلَة مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَذكر حجر أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَذكر مصلى رَسُول الله ﷺ من اللَّيْل وَذكر قصَّة الْجذع وَذكر مِنْبَر النَّبِي ﷺ وَالرَّوْضَة الشَّرِيفَة وَذكر سد الْأَبْوَاب الشوارع فِي الْمَسْجِد الشريف وَذكر تجمير الْمَسْجِد الشريف وتخليقه وَذكر مَوضِع تأذين بِلَال ﵁ وَذكر أهل الصّفة وَذكر زِيَادَة عمر بن الْخطاب ﵁ فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَذكر بطحاء مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَذكر زِيَادَة عُثْمَان ﵁ وَذكر زِيَادَة الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَذكر زِيَادَة الْمهْدي وَذكر بلاعات الْمَسْجِد وَسَائِر صحنه والسقايات الَّتِي كَانَت فِيهِ وَذكر احتراق الْمَسْجِد الشريف وَذكر الخوخ والأبواب الَّتِي كَانَت فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَذكر ذرع الْمَسْجِد الْيَوْم وَعدد أساطينه وطيقانه وحدود الْمَسْجِد الْقَدِيم وَذكر أسوار الْمَدِينَة الشَّرِيفَة.
стр. 246
ذكر ابْتِدَاء بِنَاء مَسْجِد رَسُول الله ﷺ
لما قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة نزل على أم كُلْثُوم بن الْهدم فِي بني عَمْرو بن سَالم ابْن عَوْف، فَمَكثَ عِنْدهم الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس، وَكَانَ كُلْثُوم بن الْهدم أسلم قبل قدوم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة وَتُوفِّي فِي السّنة الأولى، وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه: أَن النَّبِي ﷺ مكث فِي بني عَمْرو بن عَوْف بضع عشرَة لَيْلَة، وَعَن مُسلم: أَقَامَ فِيهِ أَربع عشرَة لَيْلَة، وَأخذ مربد كُلْثُوم بن الْهدم وَعَمله مَسْجِدا وأسسه وَصلى فِيهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَخرج من عِنْدهم يَوْم الْجُمُعَة عِنْد ارْتِفَاع النَّهَار فَركب نَاقَته الْقَصْوَاء، وجد الْمُسلمُونَ ولبسوا السِّلَاح عَن يَمِينه وشماله وَخَلفه وَكَانَ لَا يمر بدار من دور الْأَنْصَار إِلَّا قَالُوا: هَلُمَّ يَا رَسُول الله إِلَى الْقُوَّة والمنعة والثروة فَيَقُول لَهُم خيرا، وَيَقُول عَن نَاقَته: " إِنَّهَا مأمورة خلوا سَبِيلهَا "، فَمر ببني سَالم بن عَوْف فَأتى مَسْجِدهمْ الَّذِي فِي وَادي رَانُونَاء وأدركته صَلَاة الْجُمُعَة فصلى بهم هُنَالك وَكَانُوا مائَة رجل، وَقيل: أَرْبَعُونَ، وَكَانَت أول جُمُعَة صلاهَا بِالْمَدِينَةِ، ثمَّ ركب رَاحِلَته وأرخى لَهَا زمامها وَمَا يحركها وَهِي تنظر يَمِينا وَشمَالًا حَتَّى انْتَهَت بِهِ إِلَى زقاق الْحسنى من بني النجار فبركت على بَاب دَار أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، وَقيل: بَركت أَولا على بَاب مَسْجده ﷺ ثمَّ ثارت وَهُوَ عَلَيْهَا فبركت على بَاب أبي أَيُّوب، ثمَّ الْتفت وثارت وبركت فِي مبركها الأول، وَأَلْقَتْ جِرَانهَا فِي الأَرْض وزرمت فَنزل عَنْهَا رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ: هَذَا الْمنزل يَا رَسُول الله فَاحْتمل
стр. 247
أَبُو أَيُّوب رَحْله وَأدْخلهُ بَيته، فَأَقَامَ رَسُول الله ﷺ فِي بَيت أبي أَيُّوب سَبْعَة ايام ثمَّ بنى مَسْجده، ثمَّ لم يزل فِي بَيت أبي أَيُّوب ينزل عَلَيْهِ من الْوَحْي حَتَّى ابتنى مَسْجده ومساكنه، وَكَانَ ابْتِدَاء بُنْيَانه ﷺ مَسْجده فِي شهر ربيع الأول من السّنة الأولى، وَكَانَت إِقَامَته فِي دَار أبي أَيُّوب سَبْعَة أشهر. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَدَار أبي أَيُّوب مُقَابلَة لدار عُثْمَان ﵁ من جِهَة الْقبْلَة وَالطَّرِيق بَينهمَا، وَهِي الْيَوْم مدرسة للمذاهب الْأَرْبَعَة اشْترى عرصتها الْملك المظفر شهَاب الدّين غَازِي بن الْملك الْعَادِل سيف الدّين أبي بكر بن ايوب بن شادي وبناها، وأوقفها على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وأوقف عَلَيْهَا وَقفا بميافارقين وَهِي دَار ملكه وَلها بِدِمَشْق وقف أَيْضا، ويليها من جِهَة الْقبْلَة عَرصَة كَبِيرَة تحاذيها من الْقبْلَة كَانَت دَارا لجَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق، وفيهَا الْآن قبْلَة مَسْجده وفيهَا اثر المحاريب، وَهِي الْيَوْم ملك للأشراف المنايفة، وللمدرسة قاعتان كبرى وصغرى، وَفِي إيوَان الصُّغْرَى الغربي خزانَة صَغِيرَة مِمَّا يَلِي الْقبْلَة فِيهَا محراب يُقَال إِنَّه مبرك نَاقَة رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: وَاعْلَم أَن الْمَسْجِد الشريف فِي دَار بني غنم بن مَالك بن النجار وَكَانَ مربداً للتمر لسهل وَسُهيْل بني رَافع بن مَالك بن النجار وَكَانَا غلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مَسْجِدا فَقَالَا: بل نهبه لَك يَا رَسُول الله، فَأبى رَسُول الله ﷺ أَن يقبله مِنْهُمَا هبة حَتَّى ابتاعه مِنْهُمَا وبناه، وَقيل: لم يَأْخُذ لَهُ ثمنا، وَقيل: اشْتَرَاهُ من بني عفراء بِعشْرَة دَنَانِير دَفعهَا عَنهُ أَبُو بكر ﵁، وَكَانَت دَار بني النجار أَوسط دور الْأَنْصَار وأفضلها، وَبَنُو النجار أخوال عبد الْمطلب بن هَاشم جد رَسُول الله ﷺ ، والنجار تيم اللات بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج وهم بطُون كَثِيرَة، سمي بالنجار؛ لِأَنَّهُ اختتن بالقدوم، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " خير دور الْأَنْصَار دور بني النجار ". وَعَن أنس أَن النَّبِي ﷺ لما أَخذ المربد من بني
стр. 248
النجار كَانَ فِيهِ نخل وقبور الْمُشْركين وَخرب، فَأمر النَّبِي ﷺ بالنخيل فَقطع وبقبور الْمُشْركين فنبشت وبالخرب فسويت، قَالَ: فصفوا النّخل قبْلَة لَهُ وَجعلُوا عضادتيه حِجَارَة، وطفق رَسُول الله ﷺ ينْقل مَعَهم اللَّبن فِي بُنْيَانه، وَبنى ﷺ مَسْجده مربعًا وَجعل قبلته إِلَى بَيت الْمَسْجِد، وَطوله سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي عرض شبر أَو أَزِيد، وَجعل لَهُ ثَلَاثَة أَبْوَاب وَجعلُوا ساريتي الْمَسْجِد من الْحِجَارَة وبنوا بَاقِيه من اللَّبن، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: كَانَ جِدَار الْمَسْجِد مَا كَادَت الشَّاة تجوزه. وَعَن عَائِشَة ﵂: كَانَ طول جِدَار الْمَسْجِد بسطة، وَكَانَ عرض الْحَائِط لبنة لبنة، ثمَّ إِن الْمُسلمين كَثُرُوا فبنوه لبنة وَنصفا، ثمَّ قَالُوا: يَا رَسُول الله لَو أمرت بِالْمَسْجِدِ فظلل، قَالَ: نعم، فأقيم لَهُ سوار من جُذُوع النّخل شقة شقة ثمَّ طرحت عَلَيْهَا الْعَوَارِض والخصف والإذخر، وَجعل وَسطه رحبة فَأَصَابَتْهُمْ الأمطار فَجعل الْمَسْجِد يكف بهم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله لَو أمرت بِالْمَسْجِدِ فطين، فَقَالَ لَهُم: " عَرِيش كعريش مُوسَى ثمام وخشيبات يعم فَيعْمل وَالْأَمر أعجل من ذَلِك "، فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى قبض رَسُول الله ﷺ ، وَيُقَال: إِن عَرِيش مُوسَى ﵇ كَانَ إِذا قَامَ بِهِ اصاب رَأسه السّقف. قَالَ أهل السّير: وَبنى رَسُول الله ﷺ مَسْجده مرَّتَيْنِ، بناه حِين قدم أقل من مائَة فِي مائَة، فَلَمَّا فتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ خَيْبَر بناه فَزَاد فِي الدّور مثله.
стр. 249
ذكر مَا جَاءَ فِي قبْلَة مَسْجِد رَسُول الله ﷺ
اعْلَم أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي مَسْجده مُتَوَجها إِلَى بَيت الْمُقَدّس سَبْعَة عشر شهرا، وَقيل: سِتَّة عشر، ثمَّ أَمر بالتحول إِلَى الْكَعْبَة فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة فِي صَلَاة الظّهْر يم الثُّلَاثَاء النّصْف من شعْبَان، وَقيل: فِي رَجَب، فَأَقَامَ رَسُول الله ﷺ رهطاً على زَوَايَا الْمَسْجِد ليعدل الْقبْلَة، فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ: يَا رَسُول الله ضع الْقبْلَة وَأَنت تنظر إِلَى الْكَعْبَة ثمَّ قَالَ: بِيَدِهِ هَكَذَا، فأمات كل جبل بَينه وَبَين الْكَعْبَة لَا يحول دون نظره شَيْء فَلَمَّا فرغ، قَالَ جِبْرِيل: هَكَذَا فَأَعَادَ الْجبَال وَالشَّجر والأشياء على حَالهَا وَصَارَت قبلته إِلَى الْمِيزَاب من الْبَيْت، فَهِيَ الْمَقْطُوع بِصِحَّتِهَا. وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: كَانَت قبْلَة النَّبِي ﷺ إِلَى الشَّام، وَكَانَ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ للنَّاس من الشَّام من مَسْجده أَن تضع الإسطوانة المحلقة الْيَوْم خلف ظهرك ثمَّ تمشي مُسْتَقْبل الشَّام وَهِي خلف ظهرك حَتَّى إِذا كنت محاذياً لباب عُثْمَان الْمَعْرُوف الْيَوْم بِبَاب جِبْرِيل ﵇ وَالْبَاب عَن منكبك الْأَيْمن وَأَنت فِي صحن الْمَسْجِد كَانَت قبلته فِي ذَلِك الْموضع، وَأَنت وَاقِف فِي مُصَلَّاهُ ﷺ وَسَيَأْتِي ذكر الاسطوانة فِي مَحَله. يرْوى أَن أول مَا نسخ من أُمُور الشَّرْع أَمر الْقبْلَة، وَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل فضل مَسْجِد رَسُول الله ﷺ ، وَأَن الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى هُوَ مَسْجده ﷺ .
ذكر حجر أَزوَاج النَّبِي ﷺ
لما بنى رَسُول الله ﷺ مَسْجده بنى بَيْتَيْنِ لزوجتيه عَائِشَة وَسَوْدَة ﵄ على نعت بِنَاء الْمَسْجِد من لبن وجريد، وَكَانَ لبيت عَائِشَة ﵂ مصراع وَاحِد من عرعر أوساج، وَلما تزوج النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ بنى لَهُنَّ حجرات وَهِي تِسْعَة أَبْيَات، وَهِي مَا بَين بَيت عَائِشَة ﵂ إِلَى الْبَاب الَّذِي يَلِي بَاب النَّبِي ﷺ . قَالَ أهل السّير: ضرب رَسُول الله ﷺ الحجرات مَا بَينه وَبَين الْقبْلَة والشرق إِلَى الشَّام، وَلم يضْربهَا فِي غربيّه، وَكَانَت خَارِجَة من الْمَسْجِد مديرة بِهِ إِلَى جِهَة الْمغرب، وَكَانَت أَبْوَابهَا شارعة فِي الْمَسْجِد. قَالَ عمرَان بن أبي أنس: كَانَت مِنْهَا أَرْبَعَة أَبْيَات
стр. 250
بِلَبن لَهَا حجر من جريد، وَكَانَت خَمْسَة أَبْيَات من جريد مطينة لَا حجر لَهَا، على أَبْوَابهَا مسوح الشّعْر. قَالَ النجار: وذرعت السّتْر فَوَجَدته ثَلَاثَة أَذْرع فِي ذِرَاع، وَكَانَ النَّاس يدْخلُونَ حجر أَزوَاج النَّبِي ﷺ بعد وَفَاته يصلونَ فِيهَا يَوْم الْجُمُعَة حَكَاهُ مَالك، وَقَالَ: كَانَ الْمَسْجِد يضيق على أَهله، وحجرات أَزوَاج النَّبِي ﷺ لَيست من الْمَسْجِد وَلَكِن أَبْوَابهَا شارعة فِيهِ. وَقَالَت عَائِشَة ﵂: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اعْتكف يدني إِلَى رَأسه فأرجله، وَكَانَ لَا يدْخل الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة الْإِنْسَان. وَعَن عبد الله بن يزِيد الْهُذلِيّ قَالَ: رَأَيْت بيُوت أَزوَاج النَّبِي ﷺ حِين هدمها عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَت بُيُوتًا بِاللَّبنِ وَلها حجر من جريد، وَرَأَيْت بَيت أم سَلمَة وحجرتها من لبن فَسَأَلت ابْن ابْنهَا، فَقَالَ: لما غزا رَسُول الله ﷺ دومة الجندل بنت أم سَلمَة بَابهَا وحجرتها بِلَبن، فَلَمَّا قدم رَسُول الله ﷺ نظر إِلَى اللَّبن فَقَالَ: " مَا هَذَا الْبناء "؟ فَقَالَت: أردْت أَن أكف أبصار النَّاس. فَقَالَ لي: " يَا أم سَلمَة شَرّ مَا ذهب فِيهِ مَال الْمُسلمين الْبُنيان ". وَقَالَ عَطاء الخرساني: أدْركْت حجر أَزوَاج النَّبِي ﷺ من جريد النّخل على أَبْوَابهَا المسوح من شعر أسود فَحَضَرت كتاب الْوَلِيد يقْرَأ يَأْمر بإدخالهم فِي الْمَسْجِد، فَمَا رَأَيْت باكياً أَكثر من ذَلِك الْيَوْم. وَسمعت سعيد بن الْمسيب يَقُول يَوْمئِذٍ: وَالله لَوَدِدْت أَنهم يتركونها على حَالهَا ينشأ نَاس من أهل الْمَدِينَة فَيقدم القادم من الْآفَاق فَيرى مَا اكْتفى بِهِ رَسُول الله ﷺ فِي حَيَاته، فَيكون ذَلِك مِمَّا يزهد النَّاس فِي التكاثر وَالْفَخْر. وَقَالَ يزِيد بن أُمَامَة: ليتها تركت حَتَّى يقصر النَّاس من الْبُنيان، ويروا مَا رَضِي الله لنَبيه ﷺ ومفاتيح الدُّنْيَا عِنْده. وَأما بَيت فَاطِمَة ﵂ فَإِنَّهُ كَانَ خلف بَيت النَّبِي ﷺ عَن يسَار الْمصلى إِلَى الْقبْلَة، وَكَانَ فِيهِ خوخة إِلَى بَيت النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا
следующие страницы →