← История

История · id 5539

تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف

ابن الضياء

Полный текст (329 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ذكر ابْتِدَاء بِنَاء مَسْجِد رَسُول الله ﷺ لما قدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة نزل على أم كُلْثُوم بن الْهدم فِي بني عَمْرو بن سَالم ابْن عَوْف، فَمَكثَ عِنْدهم الِاثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس، وَكَانَ كُلْثُوم بن الْهدم أسلم قبل قدوم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة وَتُوفِّي فِي السّنة الأولى، وروى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه: أَن النَّبِي ﷺ مكث فِي بني عَمْرو بن عَوْف بضع عشرَة لَيْلَة، وَعَن مُسلم: أَقَامَ فِيهِ أَربع عشرَة لَيْلَة، وَأخذ مربد كُلْثُوم بن الْهدم وَعَمله مَسْجِدا وأسسه وَصلى فِيهِ إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَخرج من عِنْدهم يَوْم الْجُمُعَة عِنْد ارْتِفَاع النَّهَار فَركب نَاقَته الْقَصْوَاء، وجد الْمُسلمُونَ ولبسوا السِّلَاح عَن يَمِينه وشماله وَخَلفه وَكَانَ لَا يمر بدار من دور الْأَنْصَار إِلَّا قَالُوا: هَلُمَّ يَا رَسُول الله إِلَى الْقُوَّة والمنعة والثروة فَيَقُول لَهُم خيرا، وَيَقُول عَن نَاقَته: " إِنَّهَا مأمورة خلوا سَبِيلهَا "، فَمر ببني سَالم بن عَوْف فَأتى مَسْجِدهمْ الَّذِي فِي وَادي رَانُونَاء وأدركته صَلَاة الْجُمُعَة فصلى بهم هُنَالك وَكَانُوا مائَة رجل، وَقيل: أَرْبَعُونَ، وَكَانَت أول جُمُعَة صلاهَا بِالْمَدِينَةِ، ثمَّ ركب رَاحِلَته وأرخى لَهَا زمامها وَمَا يحركها وَهِي تنظر يَمِينا وَشمَالًا حَتَّى انْتَهَت بِهِ إِلَى زقاق الْحسنى من بني النجار فبركت على بَاب دَار أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ، وَقيل: بَركت أَولا على بَاب مَسْجده ﷺ ثمَّ ثارت وَهُوَ عَلَيْهَا فبركت على بَاب أبي أَيُّوب، ثمَّ الْتفت وثارت وبركت فِي مبركها الأول، وَأَلْقَتْ جِرَانهَا فِي الأَرْض وزرمت فَنزل عَنْهَا رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ: هَذَا الْمنزل يَا رَسُول الله فَاحْتمل

стр. 247

أَبُو أَيُّوب رَحْله وَأدْخلهُ بَيته، فَأَقَامَ رَسُول الله ﷺ فِي بَيت أبي أَيُّوب سَبْعَة ايام ثمَّ بنى مَسْجده، ثمَّ لم يزل فِي بَيت أبي أَيُّوب ينزل عَلَيْهِ من الْوَحْي حَتَّى ابتنى مَسْجده ومساكنه، وَكَانَ ابْتِدَاء بُنْيَانه ﷺ مَسْجده فِي شهر ربيع الأول من السّنة الأولى، وَكَانَت إِقَامَته فِي دَار أبي أَيُّوب سَبْعَة أشهر. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَدَار أبي أَيُّوب مُقَابلَة لدار عُثْمَان ﵁ من جِهَة الْقبْلَة وَالطَّرِيق بَينهمَا، وَهِي الْيَوْم مدرسة للمذاهب الْأَرْبَعَة اشْترى عرصتها الْملك المظفر شهَاب الدّين غَازِي بن الْملك الْعَادِل سيف الدّين أبي بكر بن ايوب بن شادي وبناها، وأوقفها على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وأوقف عَلَيْهَا وَقفا بميافارقين وَهِي دَار ملكه وَلها بِدِمَشْق وقف أَيْضا، ويليها من جِهَة الْقبْلَة عَرصَة كَبِيرَة تحاذيها من الْقبْلَة كَانَت دَارا لجَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق، وفيهَا الْآن قبْلَة مَسْجده وفيهَا اثر المحاريب، وَهِي الْيَوْم ملك للأشراف المنايفة، وللمدرسة قاعتان كبرى وصغرى، وَفِي إيوَان الصُّغْرَى الغربي خزانَة صَغِيرَة مِمَّا يَلِي الْقبْلَة فِيهَا محراب يُقَال إِنَّه مبرك نَاقَة رَسُول الله ﷺ ، ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: وَاعْلَم أَن الْمَسْجِد الشريف فِي دَار بني غنم بن مَالك بن النجار وَكَانَ مربداً للتمر لسهل وَسُهيْل بني رَافع بن مَالك بن النجار وَكَانَا غلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مَسْجِدا فَقَالَا: بل نهبه لَك يَا رَسُول الله، فَأبى رَسُول الله ﷺ أَن يقبله مِنْهُمَا هبة حَتَّى ابتاعه مِنْهُمَا وبناه، وَقيل: لم يَأْخُذ لَهُ ثمنا، وَقيل: اشْتَرَاهُ من بني عفراء بِعشْرَة دَنَانِير دَفعهَا عَنهُ أَبُو بكر ﵁، وَكَانَت دَار بني النجار أَوسط دور الْأَنْصَار وأفضلها، وَبَنُو النجار أخوال عبد الْمطلب بن هَاشم جد رَسُول الله ﷺ ، والنجار تيم اللات بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن الْخَزْرَج وهم بطُون كَثِيرَة، سمي بالنجار؛ لِأَنَّهُ اختتن بالقدوم، وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " خير دور الْأَنْصَار دور بني النجار ". وَعَن أنس أَن النَّبِي ﷺ لما أَخذ المربد من بني

стр. 248

النجار كَانَ فِيهِ نخل وقبور الْمُشْركين وَخرب، فَأمر النَّبِي ﷺ بالنخيل فَقطع وبقبور الْمُشْركين فنبشت وبالخرب فسويت، قَالَ: فصفوا النّخل قبْلَة لَهُ وَجعلُوا عضادتيه حِجَارَة، وطفق رَسُول الله ﷺ ينْقل مَعَهم اللَّبن فِي بُنْيَانه، وَبنى ﷺ مَسْجده مربعًا وَجعل قبلته إِلَى بَيت الْمَسْجِد، وَطوله سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي عرض شبر أَو أَزِيد، وَجعل لَهُ ثَلَاثَة أَبْوَاب وَجعلُوا ساريتي الْمَسْجِد من الْحِجَارَة وبنوا بَاقِيه من اللَّبن، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: كَانَ جِدَار الْمَسْجِد مَا كَادَت الشَّاة تجوزه. وَعَن عَائِشَة ﵂: كَانَ طول جِدَار الْمَسْجِد بسطة، وَكَانَ عرض الْحَائِط لبنة لبنة، ثمَّ إِن الْمُسلمين كَثُرُوا فبنوه لبنة وَنصفا، ثمَّ قَالُوا: يَا رَسُول الله لَو أمرت بِالْمَسْجِدِ فظلل، قَالَ: نعم، فأقيم لَهُ سوار من جُذُوع النّخل شقة شقة ثمَّ طرحت عَلَيْهَا الْعَوَارِض والخصف والإذخر، وَجعل وَسطه رحبة فَأَصَابَتْهُمْ الأمطار فَجعل الْمَسْجِد يكف بهم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله لَو أمرت بِالْمَسْجِدِ فطين، فَقَالَ لَهُم: " عَرِيش كعريش مُوسَى ثمام وخشيبات يعم فَيعْمل وَالْأَمر أعجل من ذَلِك "، فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى قبض رَسُول الله ﷺ ، وَيُقَال: إِن عَرِيش مُوسَى ﵇ كَانَ إِذا قَامَ بِهِ اصاب رَأسه السّقف. قَالَ أهل السّير: وَبنى رَسُول الله ﷺ مَسْجده مرَّتَيْنِ، بناه حِين قدم أقل من مائَة فِي مائَة، فَلَمَّا فتح الله تَعَالَى عَلَيْهِ خَيْبَر بناه فَزَاد فِي الدّور مثله.

стр. 249

ذكر مَا جَاءَ فِي قبْلَة مَسْجِد رَسُول الله ﷺ اعْلَم أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي مَسْجده مُتَوَجها إِلَى بَيت الْمُقَدّس سَبْعَة عشر شهرا، وَقيل: سِتَّة عشر، ثمَّ أَمر بالتحول إِلَى الْكَعْبَة فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة فِي صَلَاة الظّهْر يم الثُّلَاثَاء النّصْف من شعْبَان، وَقيل: فِي رَجَب، فَأَقَامَ رَسُول الله ﷺ رهطاً على زَوَايَا الْمَسْجِد ليعدل الْقبْلَة، فَأَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ: يَا رَسُول الله ضع الْقبْلَة وَأَنت تنظر إِلَى الْكَعْبَة ثمَّ قَالَ: بِيَدِهِ هَكَذَا، فأمات كل جبل بَينه وَبَين الْكَعْبَة لَا يحول دون نظره شَيْء فَلَمَّا فرغ، قَالَ جِبْرِيل: هَكَذَا فَأَعَادَ الْجبَال وَالشَّجر والأشياء على حَالهَا وَصَارَت قبلته إِلَى الْمِيزَاب من الْبَيْت، فَهِيَ الْمَقْطُوع بِصِحَّتِهَا. وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: كَانَت قبْلَة النَّبِي ﷺ إِلَى الشَّام، وَكَانَ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ للنَّاس من الشَّام من مَسْجده أَن تضع الإسطوانة المحلقة الْيَوْم خلف ظهرك ثمَّ تمشي مُسْتَقْبل الشَّام وَهِي خلف ظهرك حَتَّى إِذا كنت محاذياً لباب عُثْمَان الْمَعْرُوف الْيَوْم بِبَاب جِبْرِيل ﵇ وَالْبَاب عَن منكبك الْأَيْمن وَأَنت فِي صحن الْمَسْجِد كَانَت قبلته فِي ذَلِك الْموضع، وَأَنت وَاقِف فِي مُصَلَّاهُ ﷺ وَسَيَأْتِي ذكر الاسطوانة فِي مَحَله. يرْوى أَن أول مَا نسخ من أُمُور الشَّرْع أَمر الْقبْلَة، وَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل فضل مَسْجِد رَسُول الله ﷺ ، وَأَن الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى هُوَ مَسْجده ﷺ . ذكر حجر أَزوَاج النَّبِي ﷺ لما بنى رَسُول الله ﷺ مَسْجده بنى بَيْتَيْنِ لزوجتيه عَائِشَة وَسَوْدَة ﵄ على نعت بِنَاء الْمَسْجِد من لبن وجريد، وَكَانَ لبيت عَائِشَة ﵂ مصراع وَاحِد من عرعر أوساج، وَلما تزوج النَّبِي ﷺ نِسَاءَهُ بنى لَهُنَّ حجرات وَهِي تِسْعَة أَبْيَات، وَهِي مَا بَين بَيت عَائِشَة ﵂ إِلَى الْبَاب الَّذِي يَلِي بَاب النَّبِي ﷺ . قَالَ أهل السّير: ضرب رَسُول الله ﷺ الحجرات مَا بَينه وَبَين الْقبْلَة والشرق إِلَى الشَّام، وَلم يضْربهَا فِي غربيّه، وَكَانَت خَارِجَة من الْمَسْجِد مديرة بِهِ إِلَى جِهَة الْمغرب، وَكَانَت أَبْوَابهَا شارعة فِي الْمَسْجِد. قَالَ عمرَان بن أبي أنس: كَانَت مِنْهَا أَرْبَعَة أَبْيَات

стр. 250

بِلَبن لَهَا حجر من جريد، وَكَانَت خَمْسَة أَبْيَات من جريد مطينة لَا حجر لَهَا، على أَبْوَابهَا مسوح الشّعْر. قَالَ النجار: وذرعت السّتْر فَوَجَدته ثَلَاثَة أَذْرع فِي ذِرَاع، وَكَانَ النَّاس يدْخلُونَ حجر أَزوَاج النَّبِي ﷺ بعد وَفَاته يصلونَ فِيهَا يَوْم الْجُمُعَة حَكَاهُ مَالك، وَقَالَ: كَانَ الْمَسْجِد يضيق على أَهله، وحجرات أَزوَاج النَّبِي ﷺ لَيست من الْمَسْجِد وَلَكِن أَبْوَابهَا شارعة فِيهِ. وَقَالَت عَائِشَة ﵂: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اعْتكف يدني إِلَى رَأسه فأرجله، وَكَانَ لَا يدْخل الْبَيْت إِلَّا لحَاجَة الْإِنْسَان. وَعَن عبد الله بن يزِيد الْهُذلِيّ قَالَ: رَأَيْت بيُوت أَزوَاج النَّبِي ﷺ حِين هدمها عمر بن عبد الْعَزِيز كَانَت بُيُوتًا بِاللَّبنِ وَلها حجر من جريد، وَرَأَيْت بَيت أم سَلمَة وحجرتها من لبن فَسَأَلت ابْن ابْنهَا، فَقَالَ: لما غزا رَسُول الله ﷺ دومة الجندل بنت أم سَلمَة بَابهَا وحجرتها بِلَبن، فَلَمَّا قدم رَسُول الله ﷺ نظر إِلَى اللَّبن فَقَالَ: " مَا هَذَا الْبناء "؟ فَقَالَت: أردْت أَن أكف أبصار النَّاس. فَقَالَ لي: " يَا أم سَلمَة شَرّ مَا ذهب فِيهِ مَال الْمُسلمين الْبُنيان ". وَقَالَ عَطاء الخرساني: أدْركْت حجر أَزوَاج النَّبِي ﷺ من جريد النّخل على أَبْوَابهَا المسوح من شعر أسود فَحَضَرت كتاب الْوَلِيد يقْرَأ يَأْمر بإدخالهم فِي الْمَسْجِد، فَمَا رَأَيْت باكياً أَكثر من ذَلِك الْيَوْم. وَسمعت سعيد بن الْمسيب يَقُول يَوْمئِذٍ: وَالله لَوَدِدْت أَنهم يتركونها على حَالهَا ينشأ نَاس من أهل الْمَدِينَة فَيقدم القادم من الْآفَاق فَيرى مَا اكْتفى بِهِ رَسُول الله ﷺ فِي حَيَاته، فَيكون ذَلِك مِمَّا يزهد النَّاس فِي التكاثر وَالْفَخْر. وَقَالَ يزِيد بن أُمَامَة: ليتها تركت حَتَّى يقصر النَّاس من الْبُنيان، ويروا مَا رَضِي الله لنَبيه ﷺ ومفاتيح الدُّنْيَا عِنْده. وَأما بَيت فَاطِمَة ﵂ فَإِنَّهُ كَانَ خلف بَيت النَّبِي ﷺ عَن يسَار الْمصلى إِلَى الْقبْلَة، وَكَانَ فِيهِ خوخة إِلَى بَيت النَّبِي ﷺ ، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا

стр. 251

قَامَ من اللَّيْل إِلَى الْمخْرج اطلع مِنْهُ يعلم خبرهم، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْتِي بَابهَا كل صباح فَيَأْخُذ بعضادتيه وَيَقُول: " الصَّلَاة الصَّلَاة، إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا ". قَالَ الْحَافِظ محب الدّين بن النجار: وبيتها الْيَوْم حوله مَقْصُورَة، وَفِيه محراب وَهُوَ خلف حجرَة النَّبِي ﷺ . قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَهُوَ الْيَوْم أَيْضا بَاقٍ على ذَلِك. ذكر مصلى رَسُول الله ﷺ من اللَّيْل وروى عِيسَى بن عبد الله عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يطْرَح حَصِيرا كل لَيْلَة إِذا انكفت النَّاس وَرَاء بَيت عليّ ﵁ ثمَّ يُصَلِّي صَلَاة اللَّيْل، قَالَ: وَذَلِكَ مَوضِع الاسطوان الَّذِي مِمَّا يَلِي الدويرة على طَرِيق النَّبِي ﷺ . وَعَن سعيد بن عبد الله بن فضل قَالَ: مر بِي مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وَأَنا أُصَلِّي إِلَيْهَا فَقَالَ لي: أَرَاك تلْزم هَذِه الاسطوانة هَل جَاءَك فِيهَا أثر؟ قلت: لَا. قَالَ: فالزمها فَإِنَّهَا كَانَت مصلى رَسُول الله ﷺ من اللَّيْل، ثمَّ قَالَ: قلت: هَذِه الاسطوانة؟ قَالَ: نعم. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهَذِه الاسطوانة خلف بَيت فَاطِمَة ﵂ فالواقف الْمصلى إِلَيْهَا يكون بَاب جِبْرِيل الْمَعْرُوف قَدِيما بِبَاب عُثْمَان على يسَاره، وحول الدرابزين الدابر على حجرَة النَّبِي ﷺ ، وَقد كتب فِيهَا بالرخام هَذَا متهجد النَّبِي ﷺ . قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَبَيت فَاطِمَة ﵂ من جِهَة الشمَال، وَفِيه محراب إِذا توجه الْمُصَلِّي إِلَيْهِ كَانَت يسَاره إِلَى بَاب عُثْمَان ﵁. ذكر قصَّة الْجذع عَن أنس ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة إِلَى جنب خَشَبَة مُسْندًا ظَهره إِلَيْهَا فَلَمَّا كثر النَّاس قَالُوا: ابْنُوا لَهُ منبراً، فبنوا لَهُ منبراً لَهُ عتبتان فَلَمَّا قَامَ على الْمِنْبَر يخْطب حنت الْخَشَبَة إِلَى رَسُول الله ﷺ قَالَ أنس: وَأَنا فِي الْمَسْجِد فَسمِعت الْخَشَبَة تحن حنين الواله، فَمَا زَالَت تحن حَتَّى نزل إِلَيْهَا فاحتضنها فسكنت وَكَانَ الْحسن إِذا حدث

стр. 252

بِهَذَا الحَدِيث بَكَى، وَقَالَ: يَا عباد الله الْخَشَبَة تحن إِلَى رَسُول الله ﷺ شوقاً إِلَيْهِ لمكانه من الله ، فَأنْتم أَحَق أَن تشتاقوا إِلَى لِقَائِه. وَعَن جَابر بن عبد الله كَانَ الْمَسْجِد مسقوفاً على جُذُوع نخل فَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا خطب يقوم إِلَى جذع مِنْهَا فَلَمَّا صنع الْمِنْبَر سمعنَا لذَلِك الْجذع صَوتا كصوت العشار. وَفِي رِوَايَة أنس حَتَّى ارتج الْمِنْبَر لخواره، روى بجواره بِالْجِيم، وَفِي رِوَايَة سهل: وَكثر بكاء النَّاس لما رَأَوْا بِهِ، وَفِي رِوَايَة الْمطلب: حَتَّى تصدع وَانْشَقَّ حَتَّى جَاءَ النَّبِي ﷺ فَوضع يَده عَلَيْهِ فَسكت، زَاد غَيره فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " إِن هَذَا بَكَى لما فقد من الذّكر "، وَزَاد غَيره: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو لم ألتزمه لم يزل هَكَذَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة تحزناً على رَسُول الله ﷺ "، فَأمر بِهِ النَّبِي ﷺ فَدفن تَحت الْمِنْبَر. كَذَا فِي حَدِيث الْمطلب، وَسَهل بن سعد، وَإِسْحَاق عَن أنس، وَفِي بعض الرِّوَايَات جعل فِي السّقف. قيل: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى صلى إِلَيْهِ فَلَمَّا هدم الْمَسْجِد أَخذه أبيّ وَكَانَ عِنْده إِلَى أَن أَكلته الأَرْض. وَعَن الإسفرائيني: أَن النَّبِي ﷺ دَعَاهُ إِلَى نَفسه فَجَاءَهُ يهرق الأَرْض، فَالْتَزمهُ ثمَّ أمره فَعَاد إِلَى مَكَانَهُ. وَفِي حَدِيث أبي بُرَيْدَة قَالَ: يَعْنِي النَّبِي ﷺ : " إِن شِئْت أردك إِلَى الْحَائِط الَّذِي كنت فِيهِ تنْبت لَك عروقك، ويكمل لَك خلقك ويجدد لَك خوص وَثَمَرَة، وَإِن شِئْت أغرسك فِي الْجنَّة فيأكل أَوْلِيَاء الله من ثمرك ". ثمَّ أصغى لَهُ النَّبِي ﷺ يسمع مَا يَقُول فَقَالَ: بل تغرسني فِي الْجنَّة يَأْكُل مني أَوْلِيَاء الله، وأكون فِي مَكَان لَا ابلى فِيهِ فَسَمعهُ من يَلِيهِ. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : " قد فعلت ". ثمَّ قَالَ: " اخْتَار دَار الْبَقَاء على دَار الفناء ". قَالَت عَائِشَة ﵂:

стр. 253

لما قَالَ النَّبِي ﷺ ذَلِك غَار الْجذع فَذهب. وقصة الْجذع نَظِير إحْيَاء الْمَوْتَى لعيسى ﵇ وأكبر. وَقَالَ ابْن أبي الزِّنَاد: وَلم يزل الْجذع على حَاله زمَان رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وَعمر ﵃ فَلَمَّا هدم عُثْمَان ﵁ الْمَسْجِد اخْتلف فِي الْجذع، فَمنهمْ من قَالَ: أَخذه أبيّ بن كَعْب، وَمِنْهُم من قَالَ: دفن فِي مَوْضِعه. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَكَانَ الْجذع فِي مَوضِع الاسطوانة المحلقة عَن يَمِين الْمِحْرَاب محراب النَّبِي ﷺ عِنْد الصندوق. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: إِنَّه كَانَ لاصقاً بجدار الْمَسْجِد القبلي فِي مَوضِع كرْسِي الشمعة الْيُمْنَى الَّتِي عَن يَمِين الْمصلى فِي مقَام النَّبِي ﷺ ، والاسطوانة الَّتِي قبل الْكُرْسِيّ مُتَقَدّمَة عَن مَوضِع الْجذع، فَلَا يعْتَمد على قَول من جعلهَا مَوضِع الْجذع، وَفِي الاسطوانة خَشَبَة ظَاهِرَة مثبتة بالرصاص بِموضع كَانَ فِي حجر من حِجَارَة الاسطوانة مَفْتُوح قد حوط عَلَيْهِ بالبياض والخشبة ظَاهِرَة تَقول الْعَامَّة هَذَا الْجذع، وَلَيْسَ كَذَلِك بل هُوَ من جملَة الْبدع الَّتِي يجب إِزَالَتهَا؛ لِئَلَّا يفتتن بهَا كَمَا أزيلت الْجَذعَة الَّتِي فِي الْمِحْرَاب القبلي، فَإِن الشَّيْخ أَبَا حَامِد ﵀ ذكر مصلى رَسُول الله ﷺ حَقَّقَهُ بقوله: إِذا وقف الْمُصَلِّي فِي مقَام النَّبِي ﷺ اكون رمانة الْمِنْبَر الشريف حَذْو مَنْكِبه الْأَيْمن، وَيجْعَل الْجَذعَة الَّتِي فِي الْقبْلَة بَين يَدي عَيْنَيْهِ، فَيكون وَاقِفًا فِي مصلى رَسُول الله ﷺ . قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَذَلِكَ قبل احتراق الْمَسْجِد الشريف، وَقبل أَن يَجْعَل هَذَا اللَّوْح الْقَائِم فِي قبْلَة مصلى رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا جعل بعد حريق الْمَسْجِد وَكَانَ يحصل بِتِلْكَ الْجَذعَة تشويش كثير، وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: هَذِه خرزة فَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَت عالية فَيتَعَلَّق النِّسَاء وَالرِّجَال إِلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَت سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة جاور الصاحب زين أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن حنا فَأمر بقلعها فَقلعت، وَهِي الْيَوْم فِي حَاصِل الْحرم الشريف ثمَّ توجه إِلَى مَكَّة فِي أثْنَاء السّنة فَرَأى أَيْضا مَا يَقع من الْفِتْنَة عِنْد دُخُول الْبَيْت الْحَرَام من الرِّجَال وَالنِّسَاء لاستمساك العروة الوثقى فِي

стр. 254

زعمهم فَأمر بقلع ذَلِك الْمِثَال أَيْضا، وَالْحَمْد لله، وَأما الْعود الَّذِي فِي الاسطوانة الَّتِي عَن يَمِين مصلى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الْجذع الْمُتَقَدّم ذكره. فَقَالَ الْحَافِظ محب الدّين: روى عَن مُصعب بن ثَابت قَالَ: طلبنا علم الْعود الَّذِي فِي مقَام النَّبِي ﷺ فَلم نقدر على أحد يذكر لنا فِيهِ شَيْئا حَتَّى أَخْبرنِي مُحَمَّد بن مُسلم بن السَّائِب صَاحب الْمَقْصُورَة أَنه جلس إِلَى جنبه أنس بن مَالك فَقَالَ: تَدْرِي لم صنع هَذَا الْعود؟ وَلم اسأله فَقلت: مَا أَدْرِي. قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يضع عَلَيْهِ يَمِينه ثمَّ يلْتَفت إِلَيْنَا، فَيَقُول: " اسْتَووا وَعدلُوا صفوفكم ". فَلَمَّا توفّي رَسُول الله ﷺ سرق الْعود فَطَلَبه أَبُو بكر فَلم يجده، ثمَّ وجده عمر عِنْد رجل من الْأَنْصَار بقباء قد دَفنه فِي الأَرْض فأكلته الأَرْض، فَأخذ لَهُ عوداً فشقه وَأدْخلهُ فِيهِ ثمَّ شعبه ورده إِلَى الْجِدَار، وَهُوَ الْعود الَّذِي وَضعه عمر بن عبد الْعَزِيز فِي الْقبْلَة، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمِحْرَاب الْيَوْم بَاقٍ. قَالَ مُسلم بن حَيَّان: كَانَ ذَلِك الْعود من طرفاء الغابة. وَقيل: بل كَانَ من الْجذع الْمَذْكُور. قَالَ الْمرْجَانِي: قلت وَالله أعلم: إِن هَذَا الْجذع الَّذِي ذكره ابْن النجار إِنَّه فِي الْقبْلَة بَاقٍ إِلَى الْيَوْم، لَعَلَّه الَّذِي قَاس بِهِ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وقلعه ابْن حنا. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَكَانَ ذَلِك قبل حريق الْمَسْجِد الشريف. ذكر مِنْبَر النَّبِي ﷺ وروضته الشَّرِيفَة عَن أبي حَازِم أَن نَفرا جَاءُوا إِلَى سهل بن سعد وَقد تماروا فِي الْمِنْبَر من أَي عود هُوَ؟ فَقَالَ: أما وَالله إِنِّي لأعرف من أَي عود هُوَ، وَمن عمله، وَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ أول يَوْم جلس عَلَيْهِ. فَقلت لَهُ: فحدثنا فَقَالَ: أرسل رَسُول الله ﷺ إِلَى امْرَأَة " انظري غلامك النجار يعْمل لي أعواداً أحكم للنَّاس عَلَيْهَا " فَعمل هَذِه الثَّلَاث دَرَجَات، ثمَّ أَمر بهَا رَسُول الله ﷺ فَوضعت هَذَا الْموضع، وَهِي من طرفاء الغابة والطرفاء شجر يشبه الأثل إِلَّا أَن الأثل أعظم مِنْهُ. وَعَن جَابر بن عبد الله أَن امْرَأَة من الْأَنْصَار قَالَت لرَسُول الله ﷺ : يَا رَسُول الله أَلا أجعَل لَك شَيْئا تقعد عَلَيْهِ فَإِن لي غُلَاما نجاراً. فَقَالَ: إِن شِئْت. فَعمل لَهُ الْمِنْبَر.

стр. 255

وَعَن عبد الله بن عمر أَن رَسُول الله ﷺ لما بدن قَالَ لَهُ تَمِيم الدَّارِيّ: أَلا أَتَّخِذ لَك منبراً يَا رَسُول الله يجمع أَو يحمل عظامك. قَالَ: بلَى. قَالَ: فَاتخذ لَهُ منبراً مرقاتين. وَعَن أبي الزِّنَاد أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخْطب فِي يَوْم الْجُمُعَة إِلَى جذع فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: إِن الْقيام قد يشق عَليّ وشكا ضعفا فِي رجلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ تَمِيم الدَّارِيّ وَكَانَ من أهل فلسطين: يَا رَسُول الله أَنا أعمل لَك منبراً كَمَا رَأَيْت يصنع بِالشَّام. قَالَ: فَلَمَّا اجْتمع رَسُول الله ﷺ وذوا الرَّأْي من أَصْحَابه على اتِّخَاذه، قَالَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب: إِن لي غُلَاما يُقَال لَهُ فلَان أعمل النَّاس، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ : فمره يعْمل، فَأرْسل إِلَى اثلة بِالْغَابَةِ فقطعها ثمَّ عَملهَا دَرَجَتَيْنِ ومجلساً، ثمَّ جَاءَ بالمنبر فَوَضعه فِي مَوْضِعه الْيَوْم ثمَّ رَاح رَسُول الله ﷺ يَوْم الْجُمُعَة، فَلَمَّا جَاوز الْجذع يُرِيد الْمِنْبَر حن الْجذع ثَلَاث مَرَّات كَأَنَّهُ خوار بقرة حَتَّى ارتاع النَّاس وَقَامَ بَعضهم على رجلَيْهِ، وَأَقْبل رَسُول الله حَتَّى مَسّه بِيَدِهِ فسكن، فَمَا سمع لَهُ صَوت بعد ذَلِك، ثمَّ رَجَعَ رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمِنْبَر فَقَامَ عَلَيْهِ. وَقد رُوِيَ أَن هَذَا الْغُلَام الَّذِي صنع الْمِنْبَر اسْمه مينا بياء سَاكِنة مثناة من أَسْفَل بعْدهَا نون. وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز: عمله صباح غُلَام الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب. قَالَ الْوَاقِدِيّ: وَذَلِكَ فِي السّنة الثَّامِنَة من الْهِجْرَة اتَّخذهُ دَرَجَتَيْنِ ومقعدة. قَالَ ابْن أبي الزِّنَاد: كَانَ رَسُول الله ﷺ يجلس على الْمِنْبَر وَيَضَع رجلَيْهِ على الدرجَة الثَّانِيَة، فَلَمَّا ولي أَبُو بكر ﵁ قَامَ على الدرجَة الثَّانِيَة وَوضع رجلَيْهِ على الدرجَة الثَّالِثَة السُّفْلى، فَلَمَّا ولي عمر ﵁ قَامَ على الدرجَة السُّفْلى كَمَا فعل عمر ﵁ سِتّ سِنِين، ثمَّ علا فَجَلَسَ مَوضِع النَّبِي ﷺ وكسا الْمِنْبَر قبطية. ذكر الشَّيْخ محب الدّين عَن مُحَمَّد بن الْحسن بن زبالة قَالَ: كَانَ طول الْمِنْبَر مِنْبَر النَّبِي ﷺ الأول فِي السَّمَاء ذراعين وشبراً وَثَلَاثَة أَصَابِع، وَعرضه ذِرَاع رَاجِح، وَطول صَدره وَهُوَ مُسْند إِلَى النَّبِي ﷺ ذِرَاع، وَطول رمانتي الْمِنْبَر اللَّتَيْنِ كَانَ يمسكهما ﷺ إِذا جلس يخْطب شبر وأصبعان، وَعرضه ذِرَاع فِي ذِرَاع وتربيعه سَوَاء، وَعدد دَرَجه ثَلَاث بالمقعد، وَفِيه خَمْسَة أَعْوَاد فِي جوانبه الثَّلَاث قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: هَذَا مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ وَفِي خلَافَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان ﵃، فَلَمَّا حج

стр. 256

مُعَاوِيَة ﵁ فِي خِلَافَته كَسَاه قبطية ثمَّ كتب إِلَى مَرْوَان بن عبد الحكم وَهُوَ عَامله على الْمَدِينَة أَن ارْفَعْ الْمِنْبَر عَن الأَرْض، فَدَعَا لَهُ النجارين ورفعوه عَن الأَرْض وَزَادُوا من أَسْفَله سِتّ دَرَجَات، وَصَارَ الْمِنْبَر بِسبع دَرَجَات بِالْمَجْلِسِ. قَالَ ابْن زبالة: لم يزدْ فِيهِ أحد قبله وَلَا بعده. وَقَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: هَذَا فِي زمَان مُحَمَّد بن زبالة، وروى أَيْضا عَن ابْن زبالة أَن طول مِنْبَر النَّبِي ﷺ بِمَا زيد فِيهِ أَرْبَعَة أَذْرع وَمن أَسْفَله عتبَة، وَذكر ابْن زبالة أَيْضا أَن الْمهْدي بن الْمَنْصُور لما حج سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة قَالَ للْإِمَام مَالك بن أنس ﵀: أُرِيد أَن أُعِيد مِنْبَر النَّبِي ﷺ على حَاله الأول، فَقَالَ لَهُ مَالك: إِنَّمَا هُوَ من طرفاء وَقد شدّ إِلَى هَذِه العيدان وَسمر فَهِيَ ببركته حفت أَن تتهافت فَلَا أرى تَغْيِيره، فَتَركه الْمهْدي على حَاله، قيل: إِن الْمهْدي فرق فِي هَذِه الْحجَّة ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَمِائَة ألف وَخمسين ألف ثوب، وَحمل إِلَيْهِ الثَّلج من بَغْدَاد إِلَى مَكَّة وكسا الْبَيْت ثَلَاث كساوي بَيْضَاء وحمراء وسوداء توفّي بِمَاء سندان بِموضع يُقَال لَهُ الرَّد، فِي الْمحرم سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَذكر لي يَعْقُوب بن أبي بكر بن أوحد من أَوْلَاد المجاورين بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة وَكَانَ أَبوهُ أَبُو بكر فراشا من قوام الْمَسْجِد الشريف، وَهُوَ الَّذِي كَانَ حريق الْمَسْجِد على يَدَيْهِ وَاحْتَرَقَ هُوَ أَيْضا فِي حَاصِل الْحرم، إِن هَذَا الْمِنْبَر الَّذِي زَاده مُعَاوِيَة وَرفع مِنْبَر النَّبِي ﷺ وجد قد تهافت على طول الزَّمَان وَإِن بعض خلفاء بني الْعَبَّاس جدده وَاتَّخذُوا من بقايا أَعْوَاد مِنْبَر النَّبِي ﷺ أمشاطاً للتبرك بهَا، والمنبر الَّذِي ذكره ابْن النجار هُوَ الْمَذْكُور أَولا فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَارِيخه: وَطول الْمِنْبَر الْيَوْم ثَلَاثَة أَذْرع وشبر وَثَلَاثَة أَصَابِع، والدكة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا من رُخَام طولهَا شبر وَعقد، وَمن رَأسه إِلَى عتبته خَمْسَة أَذْرع وشبر وَأَرْبع أَصَابِع، وَقد زيد فِيهِ الْيَوْم عتبتان وَجعل عَلَيْهِ بَاب يفتح يَوْم الْجُمُعَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: فَدلَّ ذَلِك على أَن الْمِنْبَر الَّذِي احْتَرَقَ غير الْمِنْبَر الأول الَّذِي عمله مُعَاوِيَة وَرفع مِنْبَر النَّبِي ﷺ فَوْقه. قَالَ الْفَقِيه يَعْقُوب بن أبي بكر: سَمِعت ذَلِك مِمَّن أدْركْت بِأَن بعض الْخُلَفَاء جدد الْمِنْبَر وَاتخذ من بقايا أعواده أمشاطاً، وَإِن الْمِنْبَر المحترق هُوَ الَّذِي جدده الْخَلِيفَة الْمَذْكُور، وَهُوَ الَّذِي أدْركهُ الشَّيْخ محب الدّين قبل احتراق الْمَسْجِد الشريف، فَإِن الْحَافِظ محب الدّين كتب التَّارِيخ فِي سنة ثَلَاث

стр. 257

وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة، وَكَانَ احتراق الْمَسْجِد لَيْلَة الْجُمُعَة أول رَمَضَان سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة كَمَا سَيَأْتِي. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: ثمَّ إِن الْملك المظفر عمل منبراً وأرسله فِي سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة، وَنصب فِي مَوضِع مِنْبَر النَّبِي ﷺ رمانتاه من الصندل، وَلم يزل إِلَى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة عشر سِنِين يخْطب عَلَيْهِ، ثمَّ إِن الْملك الظَّاهِر أرسل هَذَا الْمِنْبَر الْمَوْجُود الْيَوْم فَحمل مِنْبَر صَاحب الْيمن إِلَى حَاصِل الْحرم وَهُوَ بَاقٍ فِيهِ وَنصب هَذَا مَكَانَهُ، وَطوله أَرْبَعَة أَذْرع، وَمن رَأسه إِلَى عتبته سَبْعَة أَذْرع يزِيد قَلِيلا، وَعدد درجاته سبع بالمقعد، وَالْمَنْقُول أَن مَا بَين الْمِنْبَر ومصلى رَسُول الله ﷺ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ إِلَى أَن توفّي ﷺ أَرْبَعَة عشر ذِرَاعا. وَأما الرَّوْضَة الشَّرِيفَة فَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل قَوْله ﷺ : " مَا بَين قَبْرِي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة ". وَتقدم معنى الحَدِيث. وَفِي حَدِيث آخر: " مَا بَين حُجْرَتي ومنبري رَوْضَة من رياض الْجنَّة ". وَفِي رِوَايَة: " مَا بَين بَيْتِي ومنبري ". قَالَ القَاضِي عِيَاض: قَالَ الطَّبَرِيّ: فِيهِ مَعْنيانِ؛ أَحدهمَا: أَن المُرَاد بِالْبَيْتِ بَيت سكناهُ على الظَّاهِر مَعَ أَنه روى مَا يُبينهُ " مَا بَين حُجْرَتي ومنبري ". وَالثَّانِي: أَن الْبَيْت هَاهُنَا الْقَبْر، وَهُوَ قَول زيد بن أسلم فِي هَذَا الحَدِيث، كَمَا روى " مَا بَين قَبْرِي ومنبري " قَالَ الطَّبَرِيّ: وَإِذا كَانَ قَبره فِي بَيته اتّفقت مَعَاني الرِّوَايَات وَلم يكن بَينهَا خلاف؛ لِأَن قَبره ﷺ فِي حجرته وَهُوَ بَيته.

стр. 258

ذكر سد الْأَبْوَاب الشوارع فِي الْمَسْجِد عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: خطب النَّبِي ﷺ فَقَالَ: " إِن الله خير عبدا بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده فَاخْتَارَ مَا عِنْد الله ". فَبكى أَبُو بكر، فَقلت فِي نَفسِي: مَا يبكي هَذَا الشَّيْخ أَن يكون عبدا خَيره الله بَين الدُّنْيَا وَبَين مَا عِنْده فَاخْتَارَ مَا عِنْد الله، فَكَانَ رَسُول الله ﷺ هُوَ العَبْد، وَكَانَ أَبُو بكر أعلمنَا، فَقَالَ: يَا أَبَا بكر لَا تبك إِن آمن النَّاس عليّ فِي صحبته وَمَاله أَبُو بكر، وَلَو كنت متخذاً من أمتِي خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر، وَلَكِن أخوة الْإِسْلَام ومودته، لَا يبْقين فِي الْمَسْجِد بَاب إِلَّا سد، إِلَّا بَاب أبي بكر. وَكَانَ بَاب أبي بكر ﵁ فِي غربي الْمَسْجِد. وروى ابْن عَبَّاس ﵄ أَن النَّبِي ﷺ أَمر بالأبواب كلهَا فَسدتْ إِلَّا بَاب عَليّ ﵁. ذكر تجمير الْمَسْجِد الشريف وتخليقه ذكر أهل السّير: أَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَتَى بسفط من عود فَقَالَ: أجمروا بِهِ الْمَسْجِد لينْتَفع بِهِ الْمُسلمُونَ. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: فَبَقيت سنة فِي الْخُلَفَاء إِلَى الْيَوْم يُؤْتى فِي كل عَام بسفط من عود يجمر بِهِ الْمَسْجِد لَيْلَة الْجُمُعَة وَيَوْم الْجُمُعَة عِنْد مِنْبَر النَّبِي ﷺ من خَلفه إِذا كَانَ الإِمَام يخْطب، قَالُوا: وأتى عمر ﵁ بمجمرة من فضَّة فِيهَا تماثيل من الشَّام فَكَانَ يجمر بهَا الْمَسْجِد ثمَّ تُوضَع بَين يَدَيْهِ، فَلَمَّا قدم إِبْرَاهِيم بن يحيى والياً على الْمَدِينَة غَيرهَا وَجعلهَا ساجاً. فَقَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَهِي فِي يَوْمنَا هَذَا منقوشة. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَكَذَلِكَ هِيَ مستمرة إِلَى يَوْمنَا هَذَا. وَأما تخليقه: فَروِيَ أَن عُثْمَان بن مَظْعُون ﵁ تفل فِي الْمَسْجِد فَأصْبح كئيباً فَقَالَت لَهُ امْرَأَته: مَا لي أَرَاك كئيباً؟ فَقَالَ: مَا شَيْء إِلَّا أَنِّي تفلت فِي الْمَسْجِد وَأَنا أُصَلِّي فعمدت إِلَى الْقبْلَة فغسلتها ثمَّ خلقتها، فَكَانَ أول من خلق الْقبْلَة. وَعَن جَابر بن عبد الله أول من خلق الْقبْلَة عُثْمَان بن عَفَّان ﵁. ثمَّ لما حجت الخيزران أم مُوسَى وَهَارُون الرشيد فِي سنة سبعين وَمِائَة أمرت بِالْمَسْجِدِ الشريف أَن يخلق، فَتَوَلّى تخليقه جاريتها مؤنسة فخلقته جَمِيعه وخلقت الْحُجْرَة الشَّرِيفَة جَمِيعهَا.

стр. 259

ذكر مَوضِع تأذين بِلَال ﵁ روى ابْن إِسْحَاق: أَن امْرَأَة من بني النجار قَالَت: كَانَ بَيْتِي من أطول بَيت حول الْمَسْجِد، وَكَانَ بِلَال يُؤذن عَلَيْهِ الْفجْر كل غَدَاة، فَيَأْتِي بِسحر فيجلس على الْبَيْت ينْتَظر عَلَيْهِ الْفجْر فَإِذا رَآهُ تمطى، قَالَ: اللَّهُمَّ أحمدك وأستعينك على قُرَيْش أَن يقيموا دينك، قَالَت: ثمَّ يُؤذن. وَذكر أهل السّير: أَن بِلَالًا كَانَ يُؤذن على إسطوان فِي قبْلَة الْمَسْجِد يرقى إِلَيْهَا بأقباب وَهِي قَائِمَة إِلَى الْآن فِي منزل عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵁. وَعَن ابْن عمر ﵄ كَانَ بِلَال يُؤذن على مَنَارَة فِي دَار حَفْصَة بنت عمر الَّتِي فِي الْمَسْجِد قَالَ: وَكَانَ يرقى على أقباب فِيهَا، وَكَانَت خَارِجَة من مَسْجِد رَسُول الله ﷺ لم تكن فِيهِ وَلَيْسَت فِيهِ الْيَوْم، وَكَانَ يُؤذن بعد بِلَال. وَقيل: مَعَه عبد الله بن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، وَأذن بعدهمَا سعد بن عَابِد مولى عمار بن يَاسر وَهُوَ سعد القرط، وَسمي سعد القرط؛ لِأَنَّهُ كَانَ إِذا أتجر فِي شَيْء وضع فِيهِ فاتجر فِي القرط فربح فَلَزِمَ التِّجَارَة فِيهِ، جعله رَسُول الله ﷺ مُؤذنًا بقباء فَلَمَّا مَاتَ رَسُول الله ﷺ وَترك بِلَال الْأَذَان، نقل أَبُو بكر ﵁ سَعْدا هَذَا إِلَى مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَلم يزل يُؤذن فِيهِ إِلَى أَن مَاتَ، وتوارث عَنهُ بنوه الْأَذَان فِيهِ إِلَى زمن مَالك ﵀ وَبعده أَيْضا، وَقيل: إِن الَّذِي نَقله إِلَى الْمَدِينَة للأذان عمر بن الْخطاب ﵁، وَقيل: إِنَّه كَانَ يُؤذن للنَّبِي ﷺ واستخلفه على الْأَذَان فِي خلَافَة عمر ﵁ حِين خرج بِلَال إِلَى الشَّام. وَقَالَ خَليفَة بن خياط: أذن لأبي بكر ﵁ سعد القرط مولى عمار بن يَاسر إِلَى أَن مَاتَ أَبُو بكر، وَأذن بعده لعمر ﵁. حَكَاهُ ابْن عبد الْبر. ذكر أهل الصّفة روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه أَن أهل الصّفة كَانُوا فُقَرَاء. وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: لقد رَأَيْت سبعين من أهل الصّفة مَا مِنْهُم رجل عَلَيْهِم رِدَاء، إِمَّا إِزَار وَإِمَّا كسَاء وَقد ربطوه فِي أَعْنَاقهم، فَمِنْهَا مَا يبلغ نصف السَّاقَيْن، وَمِنْهَا مَا يبلغ الْكَعْبَيْنِ فَيجمع يَده، كَرَاهِيَة أَن ترى عَوْرَته. وروى أهل السّير: أَن مُحَمَّد بن مسلمة رأى أضيافاً عِنْد رَسُول الله ﷺ فِي الْمَسْجِد

стр. 260

فَقَالَ: أَلا تفرق هَذِه الأضياف فِي دور الْأَنْصَار، وَيجْعَل لَك من كل حَائِط قنو ليَكُون لمن يَأْتِيك من هَؤُلَاءِ الأقوام، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " بلَى ". فَكَانَ كل من جذ مَاله جَاءَ بقنو فَجعله فِي الْمَسْجِد بَين ساريتين فَجعل النَّاس يَفْعَلُونَ ذَلِك، وَكَانَ معَاذ يقوم عَلَيْهِم وَكَانَ يَجْعَل حبلاً بَين الساريتين ثمَّ تعلق الأقناء على الْحَبل، وَيجمع الْعشْرين أَو الْأَكْثَر فيهش عَلَيْهِم بعصاه من الأقناء فَيَأْكُلُونَ حَتَّى يشبعون ثمَّ يَنْصَرِفُونَ، وَيَأْتِي غَيرهم فيفعل لَهُم مثل ذَلِك، فَإِذا كَانَ اللَّيْل فعل لَهُم مثل ذَلِك. وَأهل الصّفة هم أهل مَسْجِد رَسُول الله ﷺ ، وَالصّفة بِالْمَدِينَةِ خَارج الْمَسْجِد وبمكة دَاخل الْمَسْجِد، وسدة الْمَسْجِد هِيَ الظلال الَّتِي حول الْمَسْجِد، وَقيل: الْبَاب نَفسه، والسدى مَنْسُوب إِلَيْهِ، وَجَاء فِي الحَدِيث: وَكَانَ يُصَلِّي فِي السدة سدة الْمَسْجِد. وَأما أهل الصّفة فهم: أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح، وَعبد الله بن مَسْعُود، والمقداد، وبلال، وَأَبُو ذَر، وصهيب، وخباب بن الْأَرَت، وعمار بن يَاسر، وَعتبَة بن غَزوَان، وَزيد بن الْخطاب، وَسَالم مولى أبي حُذَيْفَة، وَأَبُو مرْثَد بن مَسْعُود، وَأَبُو الدَّرْدَاء، ومسطح بن إياثة، وعكاشة بن مُحصن، وَطَلْحَة بن عَمْرو، وواثلة بن الْأَسْقَع، ومعاذ بن الْحَارِث، والسائب بن خَلاد، وَصَفوَان بن بَيْضَاء، ومسعود بن الرّبيع، وَأَبُو الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو، وَأَبُو عِيسَى بن حَيّ، وعويمر بن سَاعِدَة، وَأَبُو لبانة، وَسَالم بن عُمَيْر، وخبيب بن يسَاف، وَعبد الله بن أنيس، وَحُذَيْفَة بن الْيَمَان، وَعبد الله بن بدر، وَالْحجاج بن عَمْرو، وَأَبُو هُرَيْرَة، وثوبان مولى رَسُول الله ﷺ ، وَأَبُو عُبَيْدَة مَوْلَاهُ أَيْضا ﷺ ، وثابت بن وَدِيعَة، وَسَالم بن عبيد، وجرهد بن خويلد، وَبشير بن الْخَصَاصَة، وَرَبِيعَة بن كَعْب، وثابت بن الضَّحَّاك، وَأَسْمَاء بنت حَارِثَة، وَسَالم من عُبَيْدَة الْأَشْجَعِيّ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، وحزيم بن فاتك، فَهَؤُلَاءِ أهل الصّفة، وَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل فضل الاسطوانات الْمَشْهُورَة فِي الرَّوْضَة وَالصَّلَاة إِلَيْهَا فَلْينْظر ثمَّ. ذكر زِيَادَة عمر بن الْخطاب فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ يرْوى أَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " إِنِّي أُرِيد أَن أَزِيد فِي الْمَسْجِد مَا زِدْت فِيهِ ". وَعَن سَلمَة بن خباب أَن النَّبِي

стр. 261

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَوْمًا وَهُوَ فِي مُصَلَّاهُ فِي الْمَسْجِد: " لَو زِدْنَا فِي مَسْجِدنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْو الْقبْلَة " فأجلسوا رجلا فِي مَوضِع مصلى النَّبِي ﷺ ثمَّ رفعوا يَد الرجل وحطوها حَتَّى رَأَوْا أَن ذَلِك نَحْو مَا رَأَوْا أَن النَّبِي ﷺ رفع يَده، ثمَّ مدوا ميقاطاً فوضعوا أَطْرَافه بيد الرجل ثمَّ مدوه، فَلم يزَالُوا يقدمونه ويؤخرونه حَتَّى رَأَوْا أَن ذَلِك شَبيه لما أَشَارَ رَسُول الله ﷺ من الزِّيَادَة، فَقدم عمر الْقبْلَة فَكَانَ مَوضِع جِدَار عمر ﵁ فِي مَوضِع عيدَان الْمَقْصُورَة، وَكَانَ صَاحب الْمَقْصُورَة فِي زمَان الصَّحَابَة السَّائِب بن خباب مولى قُرَيْش، وَقيل: مولى فَاطِمَة بنت عتبَة. قَالَ أهل السّير: كَانَ بَين الْمِنْبَر وَبَين الْجِدَار بِقدر مَا تمر شَاة، فَأخذ عمر ﵁ مَوضِع الْمَقْصُورَة وَزَاد فِي يَمِين الْقبْلَة، فَصَارَ طول الْمَسْجِد الشريف أَرْبَعِينَ وَمِائَة ذِرَاع، وَعرضه عشْرين وَمِائَة، وَطول السّقف أحد عشر ذِرَاعا، وسقفه جريد ذراعان، وَبنى فَوق ظهر الْمَسْجِد ستْرَة ثَلَاثَة اذرع، وَبنى أساسه بِالْحِجَارَةِ إِلَى أَن بلغ قامة، وَجعل لَهُ سِتَّة أَبْوَاب؛ بَابَيْنِ عَن يَمِين الْقبْلَة، وبابين عَن يسارها، وَلم يُغير بَاب عَاتِكَة، وَلَا الْبَاب الَّذِي كَانَ يدْخل مِنْهُ النَّبِي ﷺ ، وَفتح بَابا عِنْد دَار مَرْوَان بن الحكم، وبابين فِي مُؤخر الْمَسْجِد. وَرُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " لَو بنى هَذَا الْمَسْجِد إِلَى صنعاء كَانَ مَسْجِدي ". وروى غَيره مَرْفُوعا قَالَ: " هَذَا مَسْجِد وَمَا زيد فِيهِ فَهُوَ مِنْهُ وَلَو بلغ صنعاء كَانَ مَسْجِدي " وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: " لَو زيد فِي هَذَا الْمَسْجِد مَا زيد لَكَانَ الْكل مَسْجِدي ". وَعَن عمر ﵁ لَو مد مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فِي هَذِه الزِّيَادَة دَار الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَهبهَا للْمُسلمين وَاشْترى نصف مَوضِع كَانَ خطه النَّبِي ﷺ فزاده فِي الْمَسْجِد وبناه على بُنْيَانه الَّذِي كَانَ على عهد رَسُول الله ﷺ بِاللَّبنِ والجريد وَأعَاد عمده خشباً. ذكر بطحاء مَسْجِد رَسُول الله ﷺ عَن بشر بن سعيد أَو سُلَيْمَان بن يسَار شكّ الضَّحَّاك أَنه حَدثهُ: أَن الْمَسْجِد كَانَ يرش زمَان النَّبِي ﷺ وزمان أبي بكر وَعَامة زمَان عمر ﵁، وَكَانَ النَّاس يتنخمون فِيهِ ويبصقون حَتَّى عَاد زلقاً حَتَّى قدم أَبُو مَسْعُود الثَّقَفِيّ فَقَالَ لعمر ﵁: الْيَسْ بقربكم وَاد؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: فَمر بحصباء تطرح فِيهِ فَهُوَ ألف للمخاط والنخامة فَأمر عمر ﵁ بهَا، ثمَّ قَالَ: هُوَ أَغفر للنخامة وألين فِي الموطئ. الغفر بالغين الْمُعْجَمَة

стр. 262

التغطية والستر وَمِنْه الْمَغْفِرَة، وَقد حرم التنخم فِي الْمَسْجِد إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَقَالَ: بنجاستها وَتفرد بِهَذَا القَوْل وَلم يتبع فِيهِ، بل كفارتها سترهَا. وَعَن أبي الْوَلِيد قَالَ: سَأَلت ابْن عمر بن الْخطاب ﵄ عَن الْحَصْبَاء الَّتِي كَانَت فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: إِنَّا مُطِرْنَا ذَات لَيْلَة فَأَصْبَحت الأَرْض مبتلة، فَجعل الرجل يَجِيء بالحصباء فِي ثَوْبه فيبسطه تَحْتَهُ، فَلَمَّا قضى رَسُول الله ﷺ صلَاته قَالَ: مَا أجر هَذَا؟ . وَعَن مُحَمَّد بن سعد أَن عمر بن الْخطاب ﵁ ألْقى الْحَصْبَاء فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَكَانَ النَّاس إِذا رفعوا رؤوسهم من السُّجُود يَنْفضونَ أَيْديهم من أَيْديهم فجيء بالحصباء من العقيق من هَذِه الْعَرَصَة فبسطت فِي الْمَسْجِد. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَرمل مَسْجِد رَسُول الله ﷺ يحمل من وَادي العقيق من الْعَرَصَة الَّتِي تسيل من الجما الشمالية إِلَى الْوَادي فَيحمل مِنْهُ، وَلَيْسَ بالوادي رمل أَحْمَر غير مَا يسيل من الجما، والجماوات أَرْبَعَة وَهُوَ رمل أَحْمَر يغربل ثمَّ يبسط فِي الْمَسْجِد. ذكر زِيَادَة عُثْمَان ﵁ فِي صَحِيح البُخَارِيّ كَانَ عُثْمَان ﵁ ولى الْخلَافَة سنة أَربع وَعشْرين، فَلَمَّا بلغت خِلَافَته أَربع سِنِين كَلمه النَّاس فِي الزِّيَادَة وَشَكوا إِلَيْهِ ضيق الْمَسْجِد يَوْم الْجُمُعَة، فَشَاور عُثْمَان ﵁ أهل الرَّأْي من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك وَزَاد فِي الْمَسْجِد زِيَادَة كَثِيرَة وبنة جِدَاره بِالْحِجَارَةِ المنقوشة والقصة، وَجعل عمده من حِجَارَة منقوشة حشوها أعمدة الْحَدِيد والرصاص، وسقفه بالساج، وباشر ذَلِك بِنَفسِهِ، وَكَانَ عمله فِي أول ربيع الآخر سنة تسع وَعشْرين، وَفرغ مِنْهُ حِين دخلت السّنة لهِلَال الْمحرم سنة ثَلَاثِينَ، وَكَانَ عمله عشرَة أشهر، وَزَاد فِي الْقبْلَة إِلَى مَوضِع الْجِدَار الْيَوْم، وَزَاد فِيهِ من الْمغرب إسطواناً بعد المربعة، وَزَاد فِيهِ من الشَّام خمسين ذِرَاعا، وَلم يزدْ من الشرق شَيْئا، وَقدر زيد بن ثَابت أساطينه فَجَعلهَا على قدر النّخل، وَجعل فِيهَا طبقين مِمَّا يَلِي الْمشرق وَالْمغْرب، وَبنى الْمَقْصُورَة بِلَبن وَجعل فِيهَا كوَّة ينظر النَّاس فِيهَا إِلَى الْأَمَام، وَجعل طول الْمَسْجِد الشريف سِتِّينَ وَمِائَة ذِرَاع، وَعرضه خمسين وَمِائَة ذِرَاع، وَجعل أبوابه سِتَّة على مَا كَانَ على عهد رَسُول الله ﷺ ، بَاب عَاتِكَة، وَالْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَبَاب مَرْوَان، وَبَاب

стр. 263

النَّبِي ﷺ ، وبابين فِي آخِره. ذكر زِيَادَة الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَذَلِكَ أَنه لما اسْتعْمل عمر بن عبد العزبز على الْمَدِينَة الشَّرِيفَة أمره بِالزِّيَادَةِ فِي الْمَسْجِد، فَاشْترى عمر مَا حوله من الْمشرق وَالْمغْرب وَالشَّام، وَمن أَبى أَن يَبِيع هدم عَلَيْهِ وَوضع لَهُ الثّمن، فَلَمَّا صَار إِلَى الْقبْلَة قَالَ عبيد الله بن عبد الله بن عمر: لسنا نبيع هَذَا هُوَ فِي حق حَفْصَة، وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يسكنهَا، فَلَمَّا كثر الْكَلَام بَينهمَا قَالَ لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز: أجعَل لكم فِي الْمَسْجِد بَابا وأعطيكم دَار الرِّفْق، وَمَا بَقِي من الدَّرَاهِم فَهِيَ لكم يَعْنِي الَّتِي تفضل من الْعِمَارَة فَفَعَلُوا، فَأخْرج بابهم فِي الْمَسْجِد وَهِي الخوخة الَّتِي تخرج من دَار حَفْصَة ﵂، وَقدم الْجِدَار فِي مَوْضِعه الْيَوْم، وَزَاد من الشرق مَا بَين الاسطوانة المربعة إِلَى جِدَار الْمَسْجِد، وَمَعَهُ عشرَة أساطين من مربعة الْقَبْر الشريف إِلَى الرحبة وَإِلَى الشَّام، وَمد من الْمغرب إسطوانتين، وَأدْخل فِيهِ حجرات أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَبَيت فَاطِمَة ﵂ وَأدْخل فِيهِ دور عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَدَار عبد الله بن مَسْعُود، وَأدْخل فِيهِ من الْمغرب دَار طَلْحَة بن عبد الله، وَدَار سُبْرَة بن أبي رهم، وَدَار عمار بن يَاسر، وَبَعض دَار الْعَبَّاس وَعلم مَا دخل مِنْهَا فَجعل سَائِر سواريها الَّتِي تلِي السّقف أعظم من غَيرهَا من السَّوَارِي، وَبعث الْوَلِيد بن عبد الْملك إِلَى ملك الرّوم إِنَّا نُرِيد أَن نعمل مَسْجِد نَبينَا الْأَعْظَم ﷺ فأعنا فِيهِ بعمال وفسيفساء وَهِي الفصوص المزججة المذهبة فَبعث إِلَيْهِ بِأَرْبَعِينَ من الرّوم، وبأربعين من النبط، وبأربعين ألف مِثْقَال عوناً لَهُ، وبأجمال فسيفساء، وسلاسل الْقَنَادِيل الْيَوْم، وَهدم عمر الْمَسْجِد وأخمد النورة الَّتِي يعْمل مِنْهَا الفسيفساء سنة، وَحمل الْقِصَّة من النّخل، وَعمل الأساس بِالْحِجَارَةِ والجدار بِالْحِجَارَةِ المنقوشة الْمُطَابقَة، وَجعل عمد الْمَسْجِد حِجَارَة حشوها عمد الْحَدِيد والرصاص، وَجعل طوله مِائَتي ذِرَاع، وَعرضه من مقدمه مِائَتي ذِرَاع، وَمن مؤخره مائَة وَثَمَانِينَ ذِرَاعا، وَعَمله بالفسيفساء والمرمر، وسقفه بالساج وَمَاء الذَّهَب، وَأدْخل الحجرات والقبر الْمُقَدّس فِي الْمَسْجِد وَنقل لبن الحجرات فَبنى بِهِ دَاره فِي الْحرَّة. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: فَهُوَ بهَا لليوم لَهُ بَيَاض على اللَّبن. وَقَالَ الَّذين عمِلُوا الفسيفساء: إِنَّمَا عَملنَا على مَا وجدنَا من صور شجر الْجنَّة وقصورها، وَكَانَ عمر بن عبد

стр. 264

الْعَزِيز إِذا عمل الْعَامِل الشَّجَرَة الْكَبِيرَة من الفسيفساء وَأحسن عَملهَا نفله ثَلَاثِينَ درهما، وَكَانَت زِيَادَة الْوَلِيد من الْمشرق سِتَّة أساطين، وَزَاد من الشَّام الاسطوانة المربعة الَّتِي فِي الْقَبْر الشريف أَرْبَعَة عشر إسطواناً، مِنْهَا عشرَة فِي الرحبة، وَأَرْبَعَة فِي السقايف الأولى الَّتِي كَانَت قبل، وَزَاد فِي الإسطوانة الَّتِي دون المربعة إِلَى الْمشرق أَربع أساطين، وَأدْخل بَيت النَّبِي ﷺ فِي الْمَسْجِد، وَبَقِي ثَلَاثَة أساطين فِي السقايف، وَجعل لِلْمَسْجِدِ فِي أَربع زواياه أَربع منارات، وَكَانَت الرَّابِعَة مطلة على دَار مَرْوَان، فَلَمَّا حج سُلَيْمَان بن عبد الْملك أذن الْمُؤَذّن فأطل عَلَيْهِ فَأمر بهَا فهدمت، وَأمر عمر بن عبد الْعَزِيز حِين بنى الْمَسْجِد بِأَسْفَل الأساطين فَجعل قدر ستْرَة اثْنَيْنِ يصليان إيها، وَقدر مجْلِس اثْنَيْنِ يستندان إِلَيْهَا، وَلما صَار إِلَى جِدَار الْقبْلَة دَعَا مشايخه من أهل الْمَدِينَة من قُرَيْش وَالْأَنْصَار وَالْعرب والموالي فَقَالَ: احضروا بُنيان قبلتكم، لَا تَقولُوا غير عمر قبلتنا فَجعل لَا ينْزع حجرا إِلَّا وضع حجرا. وَهُوَ أول من أحدث الشرافات والمحراب وَعمل بالميازيب من رصاص، وَلم يبْق مِنْهَا إِلَّا مِيزَابَانِ، أَحدهمَا فِي مَوضِع الْجَنَائِز، وَالْآخر على الْبَاب الَّذِي يدْخل مِنْهُ أهل السُّوق يَعْنِي بَاب عَاتِكَة، وَعمل الْمَقْصُورَة من سَاج، وَجعل لِلْمَسْجِدِ عشْرين بَابا وَكَانَ هَدمه لِلْمَسْجِدِ فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمكث فِي بُنْيَانه ثَلَاث سِنِين، فَلَمَّا قدم الْوَلِيد بن عبد الْملك حَاجا جعل ينظر إِلَى الْبُنيان فَقَالَ حِين رأى سقف الْمَقْصُورَة: أَلا عملت السّقف مثل هَذَا؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذا تعظم النَّفَقَة جدا فَقَالَ: وَإِن كَانَ، وَكَانَت النَّفَقَة فِي ذَلِك أَرْبَعِينَ ألف مِثْقَال، وَلما استنفد الْوَلِيد النّظر إِلَى الْمَسْجِد الْتفت إِلَى أبان بن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ فَقَالَ: أَيْن بنياننا من بنيانكم؟ فَقَالَ: إِنَّا بنيناه بِنَاء الْمَسَاجِد وبنيتموه بِنَاء الْكَنَائِس. وَقَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وخلا فِي بعض الْأَيَّام الْمَسْجِد فَقَالَ بعض الرّوم: لأبولن على قبر نَبِيّهم، فَنَهَاهُ أَصْحَابه فَلم يقبل فَلَمَّا هم اقتلع حجر فألقي على رَأسه فانتثر دماغه، فَأسلم بعض أُولَئِكَ النَّصَارَى، وَعمل أحدهم على رَأس خمس طاقات من جِدَار الْقبْلَة فِي صحن الْمَسْجِد صُورَة خِنْزِير فَظهر عَلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز فَأمر بِهِ فَضربت عُنُقه، وَكَانَ عمل القبط مقدم الْمَسْجِد، وَالروم مَا خرج من الصقف من جوانبه ومؤخره، وَأَرَادَ عمر بن عبد الْعَزِيز أَن يعْمل على كل بَاب سلسلة تمنع الدَّوَابّ، فَعمل وَاحِدَة فِي بَاب مَرْوَان، ثمَّ بدا لَهُ عَن الْبَوَاقِي، واقام الحرس فِيهِ يمْنَعُونَ النَّاس من الصَّلَاة

стр. 265

على الْجَنَائِز فِيهِ. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَالسّنة فِي الْجَنَائِز بَاقِيَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا إِلَّا فِي حق العلويين والأمراء وَغَيرهم من الْأَعْيَان، وَالْبَاقُونَ يصلى عَلَيْهِم خلف الْحَائِط الشَّرْقِي، إِذا وقف الإِمَام على الْجِنَازَة كَانَ النَّبِي ﷺ على يَمِينه. وَقَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَكَذَلِكَ الْأَمر بَاقٍ إِلَى هَذَا التَّارِيخ، والوليد بن عبد الْملك هُوَ الَّذِي بنى مَسْجِد مَكَّة وَمَسْجِد الْمَدِينَة وَمَسْجِد دمشق وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى وقبة الصَّخْرَة، وَأنْفق على مَسْجِد دمشق أحد عشر ألف ألف مِثْقَال ونيفاً، وَقيل: أنْفق عَلَيْهِ خراج الدُّنْيَا ثَلَاث دفعات، وَهُوَ أول من نقل إِلَى مَكَّة أساطين الرخام مُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَتِسْعَة أشهر، وَتُوفِّي بدير مَرْوَان وَحمل إِلَى دمشق فَدفن فِي مَقْبرَة الفراديس، وَكَانَ مَسْجِد دمشق للصابئين، ثمَّ صَار لليونانيين، ثمَّ صَار للْيَهُود، وَفِي ذَلِك الزَّمَان قتل يحيى بن زَكَرِيَّا وَنصب رَأسه على بَاب حيرون، وَعَلِيهِ نصب رَأس الْحُسَيْن، ثمَّ غلبت عَلَيْهِ النَّصَارَى ثمَّ غلبت عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ. ذكر زِيَادَة الْمهْدي وَذَلِكَ أَنه لما ولي الْخلَافَة آخر ذِي الْحجَّة من سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة شرع فِي بِنَاء الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد الْمَدِينَة المشرفة على مَا هما عَلَيْهِ الْيَوْم، وَبنى بَيت الْمُقَدّس وَقد كَانَ هدمته الزلازل، وَحج فِي سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وَاسْتعْمل فِي هَذِه السّنة على الْمَدِينَة جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن عَبَّاس وَأمره بِالزِّيَادَةِ فِي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ، وولاه بناءه هُوَ وَعَاصِم بن عمر بن عبد الْعَزِيز، وَعبد الْملك بن شبيب الغساني فزادوا فِي الْمَسْجِد من جِهَة الشَّام إِلَى منتهاه الْيَوْم، فَكَانَت زِيَادَته مائَة ذِرَاع، وَلم يزدْ فِيهِ من الشرق والغرب شَيْئا، ثمَّ سد على آل عمر خوختهم الَّتِي فِي دَار حَفْصَة، فَكثر كَلَامهم، فَصَالحهُمْ على أَن يخْفض الْمَقْصُورَة ذراعين، وَزَاد فِي الْمَسْجِد لتِلْك الخوخة ثَلَاث دَرَجَات، وحفر الخوخة حَتَّى صَارَت تَحت الْمَقْصُورَة وَجعل عَلَيْهَا فِي جِدَار الْقبْلَة شباك حَدِيد فَهُوَ عَلَيْهَا الْيَوْم، وَكَانَ الَّذِي دخل فِي الْمَسْجِد من الدّور؛ دَار عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَدَار شُرَحْبِيل، وَبَقِيَّة دَار عبد الله بن مَسْعُود، وَدَار الْمسور بن مخرمَة، وَفرغ من بُنْيَانه سنة خمس وَسِتِّينَ

стр. 266

وَمِائَة، وَكَانَ ابتداؤه سنة اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَعرض منقبته مِمَّا يَلِي الْمشرق ذراعان وَأَرْبع أَصَابِع وَهُوَ أعرضها؛ لِأَنَّهُ من نَاحيَة السَّيْل. ذكر بلاعات الْمَسْجِد وستائر صحنه والسقايات الَّتِي كَانَت فِيهِ قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَفِي صحن الْمَسْجِد أَربع وَسِتُّونَ بلاعة، عَلَيْهَا أرحاء لَهَا صمائم من حِجَارَة، وَكَانَ أَبُو البحتري وهب بن وهب القَاضِي والياً على الْمَدِينَة لهارون الرشيد وكشف سقف الْمَسْجِد فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة فَوجدَ فِيهِ سبعين خَشَبَة فأصلحها، وَكَانَ مَاء الْمَطَر إِذا كثر فِي صحن الْمَسْجِد يغشى قبْلَة الْمَسْجِد، فَجعل بَين الْقبْلَة والصحن " لاصقاً حجاراً من المربعة " الَّتِي فِي غربي الْمَسْجِد إِلَى المربعة الَّتِي فِي شرقيه الَّتِي تلِي الْقَبْر الْمُقَدّس تمنع المَاء والحصب. وَأما الستائر الَّتِي كَانَت فِي صحن الْمَسْجِد: فَذَلِك أَنه لما قدم أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة أَمر بستور فَستر بهَا صحن الْمَسْجِد، على عمد لَهَا رُؤُوس كقريات الفساطيط، وَجعلت فِي الطيقان، فَكَانَت لَا تزَال الْعمد تسْقط على النَّاس، فغيرها وَأمر بستور أكثف من تِلْكَ الستور، وحبال تَأتي من جدة تسمى القنبار وَجعلت مشتبكة، فَكَانَت تجْعَل على النَّاس كل جُمُعَة، فَلم تزل حَتَّى خرج مُحَمَّد بن عبد الله بن حسن يَوْم الْأَرْبَعَاء لليلتين بَقِيَتَا من جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة، فَأمر بهَا فَقطعت ذراريع لمن كَانَ يُقَاتل مَعَه، فَتركت حَتَّى كَانَ زمَان هَارُون فَأخذت هَذِه الأستار الْيَوْم، وَلم يكن يستر بهَا فِي زمَان بني أُميَّة. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: ثمَّ إِنَّهَا تركت لما جدد الْملك النَّاصِر الرواقين. وَعَن حسن بن مُصعب قَالَ: أدْركْت كسْوَة الْكَعْبَة يُؤْتى بهَا الْمَدِينَة قبل مَكَّة فتنشر على الرضراض فِي مُؤخر الْمَسْجِد ثمَّ يخرج بهَا إِلَى مَكَّة، وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ أَو اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. انْتهى وَأما الْآن فَلَا يُؤْتى بهَا إِلَى الْمَدِينَة وَإِنَّمَا يُؤْتى بهَا صُحْبَة الركب الْمصْرِيّ. وَأما السقايات: فَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن بن زبالة: كَانَ فِي صحن الْمَسْجِد تسع عشرَة سِقَايَة إِلَى أَن كتبنَا كتَابنَا هَذَا فِي صفر سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة، مِنْهَا ثَلَاث عشرَة

стр. 267

أحدثتها خَالِصَة وَهِي أول من أحدث ذَلِك، وَثَلَاث لزيد الْبَرْبَرِي مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ، وسقاية لأبي البحتري وهب بن وهب، وسقاية لسحر أم ولد هَارُون الرشيد، وسقاية لسلسبيل أم ولد جَعْفَر بن أبي جَعْفَر. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَأما الْآن فَلَيْسَ بِهِ سِقَايَة إِلَّا أَن فِي وَسطه بركَة كَبِيرَة مَبْنِيَّة بالآجر والجص والخشب، بهَا درج أَربع فِي جوانبها، وَالْمَاء يَنْبع من فوارة فِي وَسطهَا تَأتي من الْعين الزَّرْقَاء، وَلَا يكون فِيهَا المَاء إِلَّا فِي المواسم، بناها بعض أُمَرَاء الشَّام تسمى شامة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَكَانَ يحصل بِهَذِهِ الْبركَة انتهاك لحُرْمَة الْمَسْجِد فَسدتْ لذَلِك. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وعملت الْجِهَة أم الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله فِي مُؤخر الْمَسْجِد سنة تسعين وَخَمْسمِائة سِقَايَة فِيهَا عدَّة من الْبيُوت، وحفرت لَهَا بِئْرا، وَفتحت لَهَا بَابا إِلَى الْمَسْجِد فِي الْحَائِط الَّذِي يَلِي الشَّام وَهِي تفتح فِي الْمَوْسِم. ذكر احتراق الْمَسْجِد الشريف وَاحْتَرَقَ مَسْجِد رَسُول الله ﷺ لَيْلَة الْجُمُعَة أول شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَخمسين وسِتمِائَة، بعد خُرُوج نَار الْحرَّة الْآتِي ذكرهَا فِي السّنة نَفسهَا، فَكتب بذلك إِلَى الْخَلِيفَة المستعصم بِاللَّه أبي أَحْمد عبد الله بن الْمُسْتَنْصر فِي الشَّهْر الْمَذْكُور، فواصل الصَّاع والآله فِي صُحْبَة حجاج الْعرَاق وابتدئ فِيهِ بالعمارة من أول سنة خمس وَخمسين وسِتمِائَة، وَاسْتولى الْحَرِيق على جَمِيع سقوفه حَتَّى لم يبْق فِيهِ خَشَبَة وَاحِدَة، وَبقيت السَّوَارِي قَائِمَة وذاب رصاص بَعْضهَا فَسَقَطت، وَاحْتَرَقَ سقف الْحُجْرَة المقدسة، وَأنْشد بَعضهم فِي ذَلِك: لم يَحْتَرِق حرم النَّبِي لحادث ... يخْشَى عَلَيْهِ وَلَا دهاه الْعَار لَكِنَّهَا أَيدي الروافض لامست ... ذَاك الجناب فطهرته النَّار وقصة هَذِه النَّازِلَة على مَا نَقله ابْن أبي شامة والمطري وَغَيرهمَا: وَذَلِكَ أَنه لما كَانَت اللَّيْلَة لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة ظهر بِالْمَدِينَةِ دوِي عَظِيم، ثمَّ زلازل رجفت مِنْهَا الْمَدِينَة والحيطان سَاعَة بعد سَاعَة، وَكَانَ بَين الْيَوْم وَاللَّيْلَة أَرْبَعَة عشر زَلْزَلَة، واضطرب الْمِنْبَر إِلَى أَن سمع مِنْهُ صَوت الْحَدِيد، واضطربت

стр. 268

قناديل الْمَسْجِد، وَسمع لسقف الْمَسْجِد صرير، وتمت الزلازل إِلَى يَوْم الْجُمُعَة ضحى ثمَّ انبجست الأَرْض بِنَار عَظِيمَة فِي وَاد يُقَال لَهُ: أخيلين بَينه وَبَين الْمَدِينَة نصف يَوْم، ثمَّ انبجست من رَأسه فِي الْحرَّة الشرقية من وَرَاء قُرَيْظَة على طَرِيق الشوارقية بالمقاعد، ثمَّ ظهر لَهَا دُخان عَظِيم فِي السَّمَاء ينْعَقد حَتَّى يبْقى كالسحاب الْأَبْيَض، وللنار ألسن محمرة صاعدة فِي الْهَوَاء، وَبَقِي النَّاس فِي مثل ضور الْقَمَر، وَصَارَت النَّار قدر الْمَدِينَة الْعَظِيمَة، وَمَا ظَهرت إِلَّا لَيْلَة السبت، وَكَانَ اشتعالها أَكثر من ثَلَاث منائر وَهِي ترمي بشرر كالقصر، وشررها صَخْر كالجمال، وسال من هَذِه النَّار وَاد يكون مِقْدَاره خَمْسَة فراسخ، وَعرضه أَرْبَعَة أَمْيَال، وعمقه قامة وَنصف، وَهُوَ يجْرِي على وَجه الأَرْض، وَيخرج مِنْهُ أمهاد وحبال يسير على وَجه الأَرْض، وَهُوَ صَخْر يذوب حَتَّى يصير كالآنك، فَإِذا جمد صَار أسود وَقبل الجمود لَونه أَحْمَر، وسال مِنْهَا وَاد من نَار حَتَّى حَاذَى جبل أحد، وسالت من أخيلين نَار تنحدر مَعَ الْوَادي إِلَى الشظاة، وَالْحِجَارَة تسير مَعهَا حَتَّى عَادَتْ تقَارب حرَّة العريض، ثمَّ وَقعت أَيَّامًا تخرج من النَّار ألسن ترمي بحجارة خلفهَا وأمامها حَتَّى نبت لَهَا جبل، وَلها كل يَوْم صَوت من آخر النَّهَار ورؤي ضوء هَذِه النَّار من مَكَّة وَمن الينبع، وَلَا يرى الشَّمْس وَالْقَمَر من يَوْم ظُهُور النَّار إِلَّا كاسفين. قَالَ ابْن أبي شامة: ظهر عندنَا بِدِمَشْق أثر الْكُسُوف من ضعف نور الشَّمْس على الْحِيطَان، وكلنَا حيارى من ذَلِك مَا هُوَ حَتَّى أَتَى خبر النَّار. قَالَ المطري: سَارَتْ النَّار من مخرجها الأول إِلَى جِهَة الشمَال ثَلَاثَة أشهر تدب كدبيب النَّمْل، تَأْكُل كلما دبت عَلَيْهِ من جبل أَو حجر وَلَا تَأْكُل الشّجر، فتثير كل مَا مرت عَلَيْهِ فَيصير سداً لَا مَسْلَك فِيهِ لإِنْسَان إِلَى مُنْتَهى الْحرَّة من جِهَة الشمَال، فَقطعت فِي وسط وَادي الشظاة إِلَى جبل وَغَيره، فَسدتْ الْوَادي الْمَذْكُور بسد عَظِيم بِالْحجرِ المسبوك بالنَّار، وَلَا كسد ذِي القرنين، لَا يصفه إِلَّا من رَآهُ طولا وعرضاً وارتفاعاً وَانْقطع وَادي الشظاة بِسَبَبِهِ، وَصَارَ السَّيْل منحبس خلف السد وَهُوَ وَاد عَظِيم، فيجتمع خَلفه الْمِيَاه حَتَّى يصير بحراً كنيل مصر عِنْد زِيَادَته قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: شاهدته كَذَلِك فِي شهر رَجَب من سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة، قَالَ: وَأَخْبرنِي علم الدّين سحر المغربي، من عُتَقَاء الْأَمِير عز الدّين منيف بن شيحة بن الْقَاسِم بن مهنا الْحُسَيْنِي أَمِير الْمَدِينَة، قَالَ: أَرْسلنِي مولَايَ الْأَمِير الْمَذْكُور بعد ظُهُور النَّار بأيام وَمَعِي شخص من الْعَرَب يُسمى خطيب بن منان وَقَالَ لنا: اقربا من هَذِه النَّار وانظرا هَل يقدر أحد على الْقرب مِنْهَا؟ فخرجنا إِلَى أَن قربنا مِنْهَا فَلم نجد لَهَا حرا، فَنزلت عَن فرسي

стр. 269

وسرت إِلَى أَن وصلت إِلَيْهَا وَهِي تَأْكُل الصخر، ومددت يَدي إِلَيْهَا بِسَهْم فغرق النصل وَلم يَحْتَرِق وَاحْتَرَقَ الريش. انْتهى. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: انْظُر إِلَى عظم لطف الْبَارِي تَعَالَى بعباده إِذْ سخرها بِلَا حرارة، إِذْ لَو كَانَت كنارنا لأحرقت من مدى الْبعد، فناهيك بقربها وعظمها، وَلكنهَا لَيست بِأول مكارمه ﷺ وامتنان خَالِقهَا إِذْ خمد حرهَا، وَجعل سَيرهَا تهويداً لَا تنفيثاً، حفظا لنَبيه ﷺ ولأمته، ورفقاً بعباده ولطفاً بهم: " أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير ". وَقد ظهر بظهورها معجزات بَان بهَا آيَات وأسرار بديعة وعنايات ربانية منيعة، فَفِي انطماس نورها فكرة، وَسَببه عدم حرهَا، وَفِي عدم حرهَا عِبْرَة، وَسَببه خفَّة سَيرهَا، وَفِي استرسال دبيبها قدرَة وَسَببه عدم أكلهَا، وَفِي عدم أكلهَا حُرْمَة، وَسَببه لَا يعضد نبتها. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وأخبرتني بعض من أدركتنا من النِّسَاء إنَّهُنَّ كن يغزلن على ضوئها بِاللَّيْلِ على أسطحة الْبيُوت. قَالَ ﵀: وَظهر بظهورها معْجزَة من معجزات رَسُول الله ﷺ ، وَهِي مَا ورد فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تظهر نَار بالحجاز تضيء لَهَا أَعْنَاق الْإِبِل ببصرى ". فَكَانَت هِيَ إِذا لم يظْهر قبلهَا وَلَا بعْدهَا، ثمَّ قَالَ ﵀: وَظهر لي أَنه فِي معنى أَنَّهَا كَانَت تَأْكُل الْحجر وَلَا تَأْكُل الشّجر، إِن ذَلِك لتَحْرِيم سيدنَا رَسُول الله ﷺ شجر الْمَدِينَة فمنعت من أكله؛ لوُجُوب طَاعَته، وَهَذَا من أوضح معجزاته ﷺ ، وَقدم إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فِي جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة نجابة من الْعرَاق، وأخبروا أَن بَغْدَاد أَصَابَهَا غرق عَظِيم حَتَّى دخل المَاء من أسوارها إِلَى الْبَلَد، وغرق كثير من الْبَلَد وَدخل المَاء دَار الْخَلِيفَة، وانهدمت دَار الْوَزير وثلثمائة وَثَمَانُونَ دَارا، وانهدم مخزن الْخَلِيفَة وَهلك من السِّلَاح شَيْء كثير، واشرف النَّاس على الْهَلَاك وتخرقت أَزِقَّة بَغْدَاد، وَدخلت السفن وسط الْبلدَانِ، وَفِي تِلْكَ السّنة احْتَرَقَ مَسْجِد رَسُول الله ﷺ ، وَكَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة أول لَيْلَة من رَمَضَان الْمُعظم. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وانخرق السد من تَحْتَهُ فِي سنة تسعين وسِتمِائَة؛ لتكاثر

стр. 270

المَاء من خَلفه، فَجرى فِي الْوَادي الْمَذْكُور سنة كَامِلَة سيلاً يمْلَأ مَا بَين جَانِبي الْوَادي، ثمَّ سنة أُخْرَى دون ذَلِك، ثمَّ انخرق فِي الْعشْر الأول بعد السبعمائة فَجرى سنة أَو أَزِيد، ثمَّ انخرق فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة بعد تَوَاتر أمطار عَظِيمَة، وَعلا المَاء من جَانِبي السد من دونه مِمَّا يَلِي جبل أَو غَيره، فجَاء السَّيْل طام لَا يُوصف، وَمَجْرَاهُ على مشْهد حَمْزَة ﵁ وحفروا وَاديا آخر قبلي الْوَادي ومشهد حَمْزَة وقبلي جبل عنين، وَبَقِي المشهد وجبل عنين فِي وسط السَّيْل أَرْبَعَة أشهر، وَلَو زَاد المَاء مِقْدَار ذِرَاع وصل إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة. قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى: وَكُنَّا نقف خَارج بَاب البقيع على التل الَّذِي هُنَاكَ فنراه ونسمع خريره، ثمَّ اسْتَقر فِي الْوَادي بَين القبلي الَّذِي أحدثته النَّار والشمالي قَرِيبا من سنة، وكشف عَن عين قديمَة قبل الْوَادي، فجددها الْأَمِير ودي بن جماز أَمِير الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فِي ولَايَته. انْتهى. رَجعْنَا إِلَى الْمَقْصُود قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَلما ابتدأوا بالعمارة قصدُوا إِزَالَة مَا وَقع من السقوف على الْقُبُور المقدسة فَلم يجسروا، وَرَأَوا من الرَّأْي أَن يطالعوا الإِمَام المستعصم فِي ذَلِك، وَكَتَبُوا لَهُ فَلم يصل إِلَيْهِم حول، وَحصل للخليفة الْمَذْكُور شغل باستيلاء التتار على بِلَادهمْ تِلْكَ السّنة، فتركوا الرَّدْم وأعادوا سقفاً فَوْقه على رُؤُوس السَّوَارِي الَّتِي حول الْحُجْرَة الشَّرِيفَة، فَإِن الْحَائِط الَّذِي بناه عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ حول بَيت النَّبِي ﷺ بَين هَذِه السَّوَارِي الَّتِي حول بَيت النَّبِي ﷺ لم يبلغ بِهِ السّقف الْأَعْلَى، بل جعلُوا فَوق الحوائط وَبَين السَّوَارِي إِلَى السّقف شباكاً من خشب يظْهر لمن تَأمله من تَحت الْكسْوَة على دوران الْحَائِط جَمِيعه؛ لِأَنَّهُ أُعِيد بعد الاحتراق على مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل ذَلِك، وسقفوا فِي هَذِه السّنة وَهِي سنة خمس وَخمسين الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَمَا حولهَا إِلَى الْحَائِط الشَّرْقِي إِلَى بَاب جِبْرِيل ﵇ وَمن جِهَة الغرب الرَّوْضَة الشَّرِيفَة جَمِيعهَا إِلَى الْمِنْبَر المنيف، ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة فَكَانَ فِي الْمحرم وَمِنْهَا وَاقعَة بَغْدَاد وَقتل الْخَلِيفَة الْمَذْكُور، ووصلت الْآلَة من مصر، وَكَانَ المتولى لَهَا تِلْكَ السّنة الْملك الْمَنْصُور عَليّ بن الْملك الْعَزِيز بن أَبِيك الصَّالِحِي، فَأرْسل الآلت والأخشاب فعملوا إِلَى بَاب السَّلَام، ثمَّ عزل صَاحب مصر الْمَذْكُور، وَتَوَلَّى مَكَانَهُ مَمْلُوك أَبِيه الْملك المظفر سيف الدّين قطز المعزي، واسْمه الْحَقِيقِيّ مُحَمَّد بن مَمْدُود، وَأمه أُخْت السُّلْطَان جلال الدّين خوارزم شاه، وَأَبوهُ ابْن عَمه، وَقع عَلَيْهِ السَّبي عِنْد غَلَبَة التتار فَبيع بِدِمَشْق ثمَّ انْتقل بِالْبيعِ إِلَى مصر وتملك فِي سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة، وَفِي شهر رَمَضَان من السّنة

стр. 271

الْمَذْكُورَة كَانَت وقْعَة عين جالوت على يَده، ثمَّ قتل بعد الْوَقْعَة بِشَهْر وَهُوَ دَاخل إِلَى مصر، وَكَانَ الْعَمَل فِي الْمَسْجِد الشريف تِلْكَ السّنة من بَاب السَّلَام إِلَى بَاب الرَّحْمَة الْمَعْرُوف قَدِيما بِبَاب عَاتِكَة بنت عبد الله بن يزِيد بن مُعَاوِيَة، كَانَت لَهَا دَار تقَابل الْبَاب فنسب لَهَا كَمَا نسب بَاب عُثْمَان وَبَاب مَرْوَان، وَمن بَاب جِبْرِيل إِلَى بَاب النِّسَاء الْمَعْرُوف قَدِيما بِبَاب ريطة بنت أبي الْعَبَّاس السفاح، وَتَوَلَّى مصر آخر تِلْكَ السّنة الْملك الظَّاهِر ركن الدّين بيبرس الصَّالِحِي الْمَعْرُوف بالبندقداري، فَعمل فِي أَيَّامه بَاقِي الْمَسْجِد الشريف من بَاب الرَّحْمَة إِلَى شمَالي الْمَسْجِد ثمَّ إِلَى بَاب النِّسَاء، وكمل سقف الْمَسْجِد كَمَا كَانَ قبل الْحَرِيق سقفاً فَوق سقف، وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى جددوا السّقف الشَّرْقِي والسقف الغربي فِي سنتي خمس وست وَسَبْعمائة فِي أول دولة السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون، فَجعلَا سقفاً وَاحِدًا يشبه السّقف الشمالي فَإِنَّهُ جعل فِي عمَارَة الْملك الظَّاهِر كَذَلِك. فِي أَيَّامه بَاقِي الْمَسْجِد الشريف من بَاب الرَّحْمَة إِلَى شمَالي الْمَسْجِد ثمَّ إِلَى بَاب النِّسَاء، وكمل سقف الْمَسْجِد كَمَا كَانَ قبل الْحَرِيق سقفاً فَوق سقف، وَلم يزل على ذَلِك حَتَّى جددوا السّقف الشَّرْقِي والسقف الغربي فِي سنتي خمس وست وَسَبْعمائة فِي أول دولة السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون، فَجعلَا سقفاً وَاحِدًا يشبه السّقف الشمالي فَإِنَّهُ جعل فِي عمَارَة الْملك الظَّاهِر كَذَلِك. ذكر الخوخ والأبواب الَّتِي كَانَت فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: اعْلَم أَن الخوخة الَّتِي تَحت الأَرْض وَلها شباك فِي الْقبْلَة وطابق مقفل يفتح أَيَّام الْحَاج، وَهِي طَرِيق آل عبد الله بن عمر ﵃ إِلَى دَارهم الَّتِي تسمى الْيَوْم دَار الْعشْرَة، وَإِنَّمَا هِيَ دَار آل عبد الله بن عمر، وَكَانَ بَيت حَفْصَة ﵂ قد صَار إِلَى آل عبد الله بن عمر ﵃ أَجْمَعِينَ، فَلَمَّا أَدخل عمر بن عبد الْعَزِيز بَيت حَفْصَة فِي الْمَسْجِد جعل لَهُم طَرِيقا فِي الْمَسْجِد وَفتح لَهُم حَائِطا فِي الْحَائِط القبلي، يدْخلُونَ مِنْهُ إِلَى الْمَسْجِد وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى عمل الْمهْدي بن الْمَنْصُور الْمَقْصُورَة على الرواقين، فسد الْبَاب وَجعل لَهُم شباكاً حديداً، وحفر لَهُم من تَحت الأَرْض طَرِيقا يخرج إِلَى خَارج الْمَقْصُورَة، فَهِيَ هَذِه الْمَوْجُودَة الْيَوْم وَهِي إِلَى الْآن بيد آل عبد الله بن عمر ﵃ وَأما خوخة أبي بكر ﵁ فَإِن بَاب أبي بكر كَانَ فِي غربي الْمَسْجِد، وَنقل أَيْضا أَنه كَانَ قَرِيبا من الْمِنْبَر، وَلما زَاد فِي الْمَسْجِد إِلَى عمده من الْمغرب نقلوا الخوخة، وجعلوها فِي مثل مَكَانهَا الأول، كَمَا نقل بَاب عُثْمَان ﵁ إِلَى مَوْضِعه الْيَوْم. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَبَاب خوخة أبي بكر ﵁ الْيَوْم هُوَ بَاب خزانَة لبَعض حواصل الْمَسْجِد، إِذا دخلت من بَاب السَّلَام كَانَت على يسارك قَرِيبا من الْبَاب.

стр. 272

وَأما أَبْوَاب مَسْجِد رَسُول الله ﷺ : فَذَلِك أَنه لما بنى رَسُول الله ﷺ مَسْجده أَولا جعل لَهُ ثَلَاثَة أَبْوَاب: بَاب فِي مؤخره، وَبَاب عَاتِكَة، وَبَاب الرَّحْمَة، وَالْبَاب الَّذِي كَانَ يدْخل مِنْهُ ﷺ وَهُوَ بَاب عُثْمَان ﵁ الْمَعْرُوف الْيَوْم بِبَاب جِبْرِيل ﵇. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: روى عَن ربيعَة بن عُثْمَان قَالَ: لم يبْق من الْأَبْوَاب الَّتِي كَانَ رَسُول الله ﷺ يدْخل مِنْهَا إِلَّا بَاب عُثْمَان ﵁. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: فَلَمَّا بنى الْوَلِيد بن عبد الْملك الْمَسْجِد جعل لَهُ عشْرين بَابا ثَمَانِيَة فِي جِهَة الشرق فِي الْحَائِط القبلي: الأول: بَاب النَّبِي ﷺ . سمي بذلك لمقابلته بَيت النَّبِي ﷺ لَا لِأَنَّهُ دخل مِنْهُ ﵇، وَقد سد عِنْد تَجْدِيد الْحَائِط، وَجعل مِنْهُ شباك يقف الْإِنْسَان عَلَيْهِ من خَارج الْمَسْجِد، فَيرى حجرَة النَّبِي ﷺ . الثَّانِي: بَاب عليّ ﵁ كَانَ يُقَابل بَيته خلف بَيت النَّبِي ﷺ ، وَقد سد أَيْضا عِنْد تَجْدِيد الْحَائِط. الثَّالِث: بَاب عُثْمَان ﵁ نقل عِنْد بِنَاء الْحَائِط الشَّرْقِي قبالة الْبَاب الأول الَّذِي كَانَ يدْخل مِنْهُ النَّبِي ﷺ وَهُوَ بَاب جِبْرِيل، وَهُوَ مُقَابل لدار عُثْمَان ﵁، ثمَّ اشْترى عُثْمَان ﵁ دَارا حولهَا إِلَى الْقبْلَة والشرق، وشمالها الطَّرِيق إِلَى بَاب جِبْرِيل إِلَى بَاب الْمَدِينَة الأول من عمل جمال الدّين الْأَصْبَهَانِيّ، وَمِنْه يخرج إِلَى البقيع فَالَّذِي يُقَابل بَاب جِبْرِيل ﵇ مِنْهَا الْيَوْم رِبَاط أنشأه جمال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن مَنْصُور الْأَصْبَهَانِيّ وَزِير بني زنكي وَوَقفه على فُقَرَاء الْعَجم، وَجعل لَهُ فِيهِ مشهداً دفن فِيهِ، وَكَانَ قد جدد أَمَاكِن كَثِيرَة بِمَكَّة وَالْمَدينَة، مِنْهَا بَاب إِبْرَاهِيم بِمَكَّة وزيادته واسْمه مَكْتُوب على الْبَاب، وتاريخه من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، وَمِنْهَا المنابر بِمَكَّة وَعَلَيْهَا اسْمه، وَكَانَ أَولا قد جدد بَاب الْكَعْبَة وَأخذ الْبَاب الْعَتِيق وَحمله إِلَى بَلَده، وَعمل مِنْهُ تابوتاً حمل فِيهِ بعد مَوته إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة، وَمَات مسجوناً بقلعة الْموصل سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة وَحمل إِلَى مَكَّة ثمَّ إِلَى الْمَدِينَة وَأنْشد فِي ذَلِك: سرى نعشه فَوق الركاب وطالما ... سرى جوده فَوق الركاب ونائله يمر على الْوَادي فتثنى رماله ... عَلَيْهِ وبالبادي فتثنى أرامله وَهُوَ الَّذِي بنى سور الْمَدِينَة الثَّانِي بعد السُّور الأول الْقَدِيم، وَعمل لَهَا أبواباً من حَدِيد وَلكنه كَانَ على مَا حول الْمَسْجِد، فَلَمَّا كثر النَّاس بِالْمَدِينَةِ وَوصل السُّلْطَان الْملك الْعَادِل

стр. 273

نور الدّين الشَّهِيد مَحْمُود بن زنكي ملك الشَّام إِلَى الْمَدِينَة لأمر حدث بهَا يَأْتِي ذكره فِي آخر هَذَا الْفَصْل، أَمر بِبِنَاء هَذَا السُّور الْمَوْجُود الْيَوْم، وَفِي قبْلَة الرِّبَاط الْمَذْكُور من دَار عُثْمَان تربة اشْترى عرصتها أَسد الدّين شيركوه بن شادي عَم السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف، وعملها تربة نقل إِلَيْهَا هُوَ وَأَخُوهُ نجم الدّين أَيُّوب بعد مَوْتهمَا ودفنا بهَا، وَتُوفِّي أَسد الدّين شَهِيدا بخانوق كَانَ يَعْتَرِيه سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بِالْقَاهِرَةِ. الرَّابِع: بَاب ريطة وَيعرف بِبَاب النِّسَاء، وَفِي أَعْلَاهُ من خَارج لوح من الفسيفساء مَكْتُوب فِيهِ آيه الْكُرْسِيّ من بَقِيَّة الْبُنيان الْقَدِيم الَّذِي بناه عمر بن عبد الْعَزِيز، وَدَار ريطة الْمُقَابلَة لَهُ كَانَت دَارا لأبي بكر الصّديق ﵁، وَنقل أَنه توفّي بهَا وَهِي الْآن مدرسة للحنفية بناها ياركوج أحد أُمَرَاء الشَّام وَيعرف بالياركوجية، وَعمل لَهُ فِيهَا مشهداً نقل إِلَيْهِ من الشَّام بعد مَوته، وَالطَّرِيق إِلَى البقيع بَينهَا وَبَين دَار عُثْمَان ﵁، وَالطَّرِيق سَبْعَة أَذْرع قَالَه ابْن زبالة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهِي الْيَوْم قريب من هَذَا. الْخَامِس: بَاب يُقَابل بَاب أَسمَاء ابْنة الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله بن الْعَبَّاس كَانَت لجبلة بن عَمْرو السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ، ثمَّ صَارَت لسَعِيد بن خَالِد بن عَمْرو بن عُثْمَان، ثمَّ صَارَت لأسماء، وَقد سد عِنْد تَجْدِيد الْحَائِط الشَّرْقِي فِي أَيَّام النَّاصِر لدين الله سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة، وَدَار أَسمَاء الْمَذْكُورَة هِيَ الْيَوْم رِبَاط للنِّسَاء. السَّادِس: بَاب يُقَابل دَار خَالِد بن الْوَلِيد وَقد دخل فِي بِنَاء الْحَائِط الْمَذْكُور، وَدَار خَالِد الْآن رِبَاط للرِّجَال، وَمَعَهَا من جِهَة الشمَال دَار عَمْرو بن الْعَاصِ، والرباطان الْمَذْكُورَان بناهما قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن الْقَاسِم الشهرزوري. السَّابِع: بَاب يُقَابل زقاق المناصع بَين دَار عَمْرو بن الْعَاصِ وَدَار مُوسَى بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي ربيعَة المَخْزُومِي، والزقاق الْيَوْم ينفذ إِلَى دَار الْحسن بن عَليّ العسكري رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ الزقاق نَافِذا إِلَى المناصع خَارِجا عَن الْمَدِينَة، وَهُوَ متبرز النِّسَاء بِاللَّيْلِ على عهد رَسُول الله ﷺ ، وَدَار مُوسَى بن إِبْرَاهِيم الْيَوْم رِبَاط للرِّجَال أنشأه محيي الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ بن الْحُسَيْن اللَّخْمِيّ التباني ثمَّ الْعَسْقَلَانِي، وَدخل هَذَا الْبَاب فِي الْحَائِط أَيْضا. الثَّامِن: بَاب كَانَ يُقَابل أَبْيَات الصوافي، دوراً كَانَت بَين مُوسَى بن إِبْرَاهِيم وَبَين عبد الله بن الْحُسَيْن الْأَصْغَر بن عَليّ بن زين العابدين بن الْحُسَيْن بن عَليّ، دخل فِي الْحَائِط أَيْضا وموضه هَذِه الدّور الْيَوْم دَار اشْتَرَاهَا صفي الدّين أَبُو بكر بن أَحْمد السلَامِي

стр. 274

ووقفها على قرَابَته السلاميين، وَفِي شمَالي الْمَسْجِد الشريف أَرْبَعَة أَبْوَاب سدت أَيْضا عِنْد تَجْدِيد الْحَائِط الشمالي، وَلَيْسَ فِي شمَالي الْمَسْجِد الْيَوْم إِلَّا بَاب سِقَايَة عمرتها أم الإِمَام النَّاصِر لدين الله للْوُضُوء فِي سنة تسعين وَخَمْسمِائة كَمَا تقدم، وَمِمَّا يَلِي الْمغرب ثَمَانِيَة أَبْوَاب، بَابَانِ مسدودان، وَبَقِيَّة بَاب ثَالِث سد وَبقيت مِنْهُ قِطْعَة وَدخل بَاقِيه عِنْد تَجْدِيد الْحَائِط، ثمَّ بَاب عَاتِكَة إِلَيْهِ ثمَّ بَاب عَاتِكَة بنت عبد الله بن يزِيد وَهُوَ بَاب الرَّحْمَة وَكَانَ يُقَابل دَار عَاتِكَة، ثمَّ صَارَت الدَّار ليحيى بن خَالِد بن برمك وَزِير الرشيد، وبابان سدا أَيْضا عِنْد تَجْدِيد الْحَائِط مَا بَين بَاب عَاتِكَة هَذَا وخوخة أبي بكر ﵁، ثمَّ خوخة أبي بكر وَقد تقدم ذكرهَا، ثمَّ الْبَاب الثَّامِن بَاب مَرْوَان بن عبد الحكم، وَكَانَت دَاره تقابله من الْمغرب وَمن الْقبْلَة، وَيعرف الْآن بِبَاب السَّلَام وَبَاب الْخُشُوع، وَلم يكن فِي الْقبْلَة وَلَا إِلَى الْيَوْم بَاب إِلَّا خوخة آل عمر الْمُتَقَدّم ذكرهَا، وخوخة كَانَت لمروان عِنْد دَاره فِي ركن الْمَسْجِد الغربي. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: شاهدناها عِنْد بِنَاء المنارة الْكَبِيرَة المستجدة فِي سنة سِتّ وَسَبْعمائة، أَمر بإنشائها الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون، وَكَانَ بَابهَا عَلَيْهَا وَهُوَ من سَاج، فَلم يبل إِلَى هَذَا التَّارِيخ وَقد استدت بحائط المنارة المغربي. ذكر ذرع الْمَسْجِد الْيَوْم وَعدد أساطينه وطيقانه وَذكر حُدُود الْمَسْجِد الْقَدِيم : قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: اعْلَم أَن طول الْمَسْجِد الْيَوْم بعد الزِّيَادَات كلهَا من قبلته إِلَى الشَّام مِائَتَا ذِرَاع وَأَرْبع وَخَمْسُونَ ذِرَاعا وَأَرْبع أَصَابِع وَعرضه من مقدمه من الْمشرق إِلَى الْمغرب مِائَتَا ذِرَاع وَسَبْعُونَ ذِرَاعا شافة، وَعرضه من مؤخره مائَة ذِرَاع وَخَمْسَة وَثَلَاثُونَ ذِرَاعا، وَطول رحبته من الْقبْلَة إِلَى الشَّام مائَة ذِرَاع وتسع وَخَمْسُونَ ذِرَاعا وَثَلَاث أَصَابِع، وَذَلِكَ قبل زِيَادَة الرواقين، وَمن شرقيه إِلَى غربيه سبع وَتسْعُونَ ذِرَاعا راجحة، وَطول الْمَسْجِد فِي السَّمَاء خَمْسَة وَعِشْرُونَ. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: هَذَا مَا ذرعته أَنا بخيط. وَذكر الشَّيْخ جمال الدّين أَن ابْن زبالة ذكر مثل ذَلِك وَمَا يُقَارِبه. وَذكر ابْن زبالة: أَن طول منائره خمس وَخَمْسُونَ ذِرَاعا، وعرضهن ثَمَانِيَة أَذْرع فِي ثَمَانِيَة. وَأما الطيقان فَفِي الْقبْلَة ثَمَان وَسِتُّونَ: مِنْهَا فِي الْقَبْر الْمُقَدّس أَرْبَعَة، وَفِي الشَّام

стр. 275

مثلهَا، وَفِي الْمشرق أَرْبَعُونَ مِنْهَا اثْنَتَانِ فِي الْحُجْرَة المعظمة، وَفِي الْمغرب سِتُّونَ وَبَين كل اسطوانتين تِسْعَة أَذْرع، وَذَلِكَ قبل زِيَادَة الرواقين وَلَيْسَ على رُؤُوس السَّوَارِي أقواس بل عوارض غير الدائر بالرحبة، والرواقين اللَّذين زيدا فِي دولة الْملك النَّاصِر. وَأما حُدُود مَسْجِد الرَّسُول ﷺ الْقَدِيم الْمشَار إِلَيْهِ أَولا فَذكر الْحَافِظ محب الدّين أَن حَده من الْقبْلَة الدرابزينات الَّتِي بَين الأساطين الَّتِي فِي قبَّة الرَّوْضَة الشَّرِيفَة، وَمن الشَّام الخشبتان المغروزتان فِي صحن الْمَسْجِد هَذَا طوله، أما عرضه من الْمشرق إِلَى الْمغرب فَهُوَ من حجرَة النَّبِي ﷺ إِلَى الاسطوان الَّذِي بعد الْمِنْبَر الشريف وَهُوَ آخر البلاط. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: أما الدرابزينات الَّتِي ذكرت فِي جِهَة الْقبْلَة فَهِيَ مُتَقَدّمَة عَن مَوضِع الْحَائِط القبلي الَّذِي كَانَ محاذياً لمصلى رَسُول الله ﷺ ، لما ورد أَن الْوَاقِف فِي مصلى رَسُول الله ﷺ تكون رمانة الْمِنْبَر الرفيع حَذْو مَنْكِبه الْأَيْمن، فمقام النَّبِي ﷺ لم يُغير بِاتِّفَاق، وَكَذَلِكَ الْمِنْبَر الشَّامي لم يُؤَخر عَن منصبه الأول، وَإِنَّمَا جعل هَذَا الصندوق الَّذِي فِي قبْلَة مصلى رَسُول الله ﷺ ستْرَة بَين الْمقَام وَبَين الاسطوانات، وَورد أَيْضا أَنه كَانَ بَين الْحَائِط القبلي وَبَين الْمِنْبَر ممر الشَّاة، وَبَين الْمِنْبَر والدرابزين الْيَوْم مِقْدَار أَرْبَعَة أَذْرع وَربع، ثمَّ قَالَ: ﵀: وَفِي صحن الْمَسْجِد الْيَوْم حجران، يذكر أَنَّهُمَا حد مَسْجِد رَسُول الله ﷺ من الشَّام وَالْمغْرب ولكنهما ليسَا على سمت الْمِنْبَر الشريف، بل هما داخلان إِلَى جِهَة الْمشرق مِقْدَار أَرْبَعَة أَذْرع أَو أقل، وَكَذَلِكَ هما متقدمان إِلَى الْقبْلَة بِمثل ذَلِك لِأَنِّي اعْتبرت ذَلِك بالذراع فوجدتهما ليسَا على حد ذرع الْمَسْجِد الأول. وَالله أعلم. قَالَ الْحَارِث بن اسد المحاسبي: حد الْمَسْجِد الأول سِتَّة اساطين فِي عرضه عَن يَمِين الْمِنْبَر إِلَى الْقَنَادِيل الَّتِي حذاء الخوخة، وَثَلَاث سواري عَن يسَاره من نَاحيَة المنحرف، ومنتهى طوله من قبلته إِلَى مؤخره حذاء تَمام الرَّابِع من طيقان الْمَسْجِد الْيَوْم، فَمَا زَاد على ذَلِك فَهُوَ خَارج عَن الْمَسْجِد الأول، قَالَ: وروى عَن مَالك أَنه قَالَ: مُؤخر الْمَسْجِد بحذاء عضادة الْبَاب الثَّانِي الَّذِي يُقَابل بَاب عُثْمَان، وَهُوَ بَاب النَّبِي ﷺ أَعنِي العضادة الْآخِرَة السُّفْلى، وَهُوَ أَرْبَعَة طيقان من الْمَسْجِد مَا قصر حَتَّى يصير فِي الرَّوْضَة، وَالرَّوْضَة مَا بَين

стр. 276

الْقَبْر والمنبر فَمَا كَانَ مِنْهَا من الإسطوانة السَّادِسَة الَّتِي حدثت لَك عَن يَمِين الْمِنْبَر فَلَيْسَ من الْمَسْجِد الأول، إِنَّمَا كَانَ من حجرَة عَائِشَة ﵂ فَوسعَ بِهِ الْمَسْجِد وَهُوَ من الرَّوْضَة وتدنو من نَاحيَة الْمِنْبَر على يَمِينك حذاء الصندوق الْمَوْضُوع هُنَاكَ إِلَى الْمِنْبَر، يرْوى أَنه من وقف حذاء ذَلِك الصندوق وَجعل عَمُود الْمِنْبَر حذاء مَنْكِبه الْأَيْمن، فقد وقف موقف رَسُول الله ﷺ الَّذِي كَانَ يقوم فِيهِ. قَالَ قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين بن جمَاعَة فِي " مَنَاسِكه الْكُبْرَى ": وَقد حررت ذرع مَا حول مَا بِهِ الْمَسْجِد فِي زَمَنه ﷺ ، فَكَانَ مَا بَين الْجِدَار الَّذِي دَاخله الْحُجْرَة المقدسة وَبَين السارية السَّابِعَة اثْنَان وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعا وَثلثا ذِرَاع، وَمَا بَين الدرابزين والحجرتين سِتَّة وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعا وَثلثا ذِرَاع، وذرعت مَا بَين الْجِدَار الَّذِي حول الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَبَين الْمِنْبَر فَكَانَ أَرْبَعَة وَثَلَاثِينَ ذِرَاعا وقيراطاً وَذَلِكَ طول الرَّوْضَة الشَّرِيفَة، قَالَ: وَلم يتحرر لي عرضهَا وَمَا سامت بَين النَّبِي ﷺ ، أَو الْمِنْبَر فَهُوَ من الرَّوْضَة بِلَا شكّ، وَبَين الْمِنْبَر والدرجة الَّتِي ننزل مِنْهَا إِلَى الحضرة الَّتِي هِيَ مصلى رَسُول الله ﷺ عَن يَمِين الإِمَام تِسْعَة أَذْرع وقيراط، وَعرض الدرجَة سدس ذِرَاع وَثمن ذِرَاع، وسعة الحضرة ذِرَاع وَثلث ذِرَاع وَربع ذِرَاع وَثمن ذِرَاع فِي مثله، كل ذَلِك بِذِرَاع الْعَمَل بِمصْر المحروسة. انْتهى كَلَام ابْن جمَاعَة. ورحبة الْمَسْجِد مِقْدَار ثَلَاثَة عشر، وعَلى جَانبهَا بِئْر، وعَلى جَانبهَا الغربي قبَّة حَاصِل الْمَسْجِد الشريف أنشأ لَهَا السُّلْطَان الْملك النَّاصِر، وبهذه الْقبَّة الْمُصحف العثماني، وَأول من جمع الْقُرْآن بَين اللَّوْحَيْنِ أَبُو بكر ﵁ ثمَّ إِنَّه أَمر زيد بن ثَابت بِجمع الْقُرْآن وَذَلِكَ بعد أَيَّام الْيَمَامَة، فَلَمَّا جمعه زيد كَانَ عِنْد حَفْصَة، فَأرْسل عُثْمَان إِلَى حَفْصَة: أرسلي إِلَيْنَا بالمصحف فننسخها بالمصاحف، ثمَّ جمع زيدا وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ وَابْن عَبَّاس وَعبد الله بن الزبير وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام وَأمرهمْ بنسخها فِي مصحف فَفَعَلُوا، ثمَّ رد عُثْمَان الْمُصحف إِلَى حَفْصَة، وَقيل: أحرقها، وَقيل: جعل مِنْهَا أَربع نسخ فَبعث أحدهن إِلَى الْكُوفَة، وَإِلَى الْبَصْرَة أُخْرَى، وَإِلَى الشَّام الثَّالِثَة، وَأمْسك عِنْد نَفسه وَاحِدَة فَهِيَ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ، وَقيل: جعل سبع نسخ، وَوجه من ذَلِك أَيْضا نُسْخَة إِلَى مَكَّة، ونسخة إِلَى الْيمن، ونسخة إِلَى الْبَحْرين، وَالْأول أصح. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وبمكة الْآن مِنْهُنَّ نُسْخَة، وَذكروا أَنَّهَا كَانَت عَلَيْهَا شبكة من اللُّؤْلُؤ فِيمَا تقدم، وَكَانَ أهل مَكَّة يستسقون بهَا وَكَانَت فِي جَوف الْكَعْبَة، وَهِي فِي مِقْدَار قطع ذِرَاع فِي ذِرَاع. انْتهى كَلَامه.

стр. 277

ذكر أسوار الْمَدِينَة الشَّرِيفَة السُّور الأول: نقل قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين بن خلكان: أَن هَذَا السُّور الْقَدِيم بناه عضد الدولة ابْن نوبَة الْمُسَمّى بالْحسنِ بن مُوسَى بعد السِّتين وثلاثمائة فِي خلَافَة الإِمَام الطائع لله بن الْمُطِيع، ثمَّ تهدم على طول الزَّمَان وَلم يبْق إِلَّا آثاره وَهِي بَاقِيَة إِلَى الْآن. السُّور الثَّانِي: هُوَ الَّذِي بناه جمال الدّين الْأَصْبَهَانِيّ على رَأس الْأَرْبَعين وَخَمْسمِائة. السُّور الثَّالِث: بناه السُّلْطَان الْملك الْعَادِل، وَذَلِكَ أَن الْمَدِينَة الشَّرِيفَة ضَاقَتْ بِأَهْلِهَا فَلَمَّا قدم السُّلْطَان الْمَذْكُور فِي سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة إِلَى الْمَدِينَة بِسَبَب رُؤْيا رَآهَا، اسْتَغَاثَ بِهِ أهل الْمَدِينَة وطلبوا أَن يَبْنِي عَلَيْهِم سوراً يحفظهم ويحفظ مَوَاشِيهمْ، فَأمر بِبِنَاء هَذَا السُّور الْمَوْجُود الْيَوْم، فَبنى فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة، وَكتب اسْمه على بَاب البقيع وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْيَوْم، وقصة الرُّؤْيَا على مَا حَكَاهُ الطَّبَرِيّ وَغَيره: أَن السُّلْطَان مَحْمُودًا رأى النَّبِي ﷺ ثَلَاث مَرَّات فِي لَيْلَة وَاحِدَة، وَهُوَ يَقُول لَهُ فِي كل وَاحِدَة مِنْهَا: يَا مَحْمُود أنقذني من هذَيْن الشخصين الأشقرين فحلفه، فَاسْتَحْضر وزيره قبل الصُّبْح فَذكر لَهُ ذَلِك فَقَالَ: هَذَا أَمر حدث بِالْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُ غَيْرك، فتجهز وَخرج على عجل بِمِقْدَار ألف رَاحِلَة وَمَا يتبعهَا من خيل وَغير ذَلِك حَتَّى دخل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة على غَفلَة من أَهلهَا، وزار وَجلسَ فِي الْمَسْجِد لَا يدْرِي مَا يصنع، فَقَالَ لَهُ وزيره: أتعرف الشخصين إِذا رأيتهما؟ قَالَ: نعم، فَأمره بِالصَّدَقَةِ وَطلب النَّاس عَامَّة وَفرق عَلَيْهِم ذَهَبا وَفِضة، وَقَالَ: لَا يبْقين أحد بِالْمَدِينَةِ إِلَّا جَاءَ، فَلم يبْق إِلَّا رجلَيْنِ مُهَاجِرين من أهل الأندلس نازلين فِي النَّاحِيَة الَّتِي تلِي قبْلَة حجرَة النَّبِي ﷺ من خَارج الْمَسْجِد عِنْد دَار آل عمر بن الْخطاب ﵁ فطلبهما للصدقة فامتنعا، فجد فِي طلبهما فجيء بهما فَلَمَّا رآهما، قَالَ: هما هَذَانِ فَسَأَلَهُمَا عَن حَالهمَا، فَقَالَا: جِئْنَا للمجاورة، فَقَالَ: اصدقاني، وتكرر السُّؤَال حَتَّى أفْضى إِلَى معاقبتهما، فأقرا أَنَّهُمَا من النَّصَارَى وأنهما وصلا لكَي ينقلا من فِي هَذِه الْحُجْرَة المقدسة بِاتِّفَاق من ملوكهما، ووجدوهما قد حفرا نقباً من تَحت الأَرْض من تَحت حَائِط الْمَسْجِد القبلي، وهما قاصدان إِلَى جِهَة الْحُجْرَة الشَّرِيفَة، ويجعلان التُّرَاب فِي بِئْر عِنْدهمَا فِي الْبَيْت الَّذِي هما فِيهِ، فَضرب أعناقهما عِنْد الشباك الَّذِي فِي شَرْقي حجرَة النَّبِي ﷺ خَارج الْمَسْجِد، ثمَّ أحرقا آخر النَّهَار، وَركب وَتوجه إِلَى الشَّام. انْتهى. وَالله أعلم.

стр. 278

الْفَصْل السَّابِع : ذكر الْمَسَاجِد الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي ﷺ الْمَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ وَغَيرهَا وَفِيه ذكر الْمَسَاجِد الْمَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ المشرفة وَذكر مَسَاجِد بِالْمَدِينَةِ صلى فِيهَا لَا تعرف الْيَوْم وَذكر الْمَسَاجِد الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي ﷺ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَذكر الْمَسَاجِد الْمَشْهُورَة فِي الْغَزَوَات وَغَيرهَا الَّتِي صلى فِيهَا ﷺ .

стр. 279

ذكر الْمَسَاجِد الْمَعْرُوفَة بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة فَمِنْهَا: مَسْجِد قبَاء. قَالَ الله تَعَالَى: " لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى من أول يَوْم " أَي بنيت جدره وَرفعت قَوَاعِده. عَن ابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَالْحسن: هُوَ مَسْجِد قبَاء، وتعلقوا بقوله تَعَالَى: " من أول يَوْم " وَهُوَ قَول بَرِيرَة وَابْن زيد وَعُرْوَة، وَدَلِيل الظّرْف يَقْتَضِي الرِّجَال المتطهرين فَهُوَ مَسْجِد قبَاء. وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِي أهل قبَاء: " فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ". فِيهِ أَي من حاضريه، قيل: كَانُوا يجمعُونَ بَين المَاء وَالْحجر. مَسْجِد قبَاء فِي بني عَمْرو بن عَوْف كَانَ مربداً لكلثوم بن الْهدم فَأعْطَاهُ رَسُول الله ﷺ فبناه مَسْجِدا وأسسه وَصلى فِيهِ قبل أَن يدْخل الْمَدِينَة حِين قدومه من مَكَّة، كَمَا تقدم. وَتقدم فِي بَاب الْفَضَائِل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي فضل قبَاء وَالصَّلَاة فِيهِ. وروى نَافِع عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ صلى إِلَى الاسطوان الثَّالِث فِي مَسْجِد قبَاء الَّتِي فِي الرحبة. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَلم يزل مَسْجِد قبَاء على مَا بناه رَسُول الله ﷺ إِلَى أَن بناه عمر بن عبد الْعَزِيز حِين بنى مَسْجِد رَسُول الله ﷺ ووسعه، ونقشه بالفسيفساء وسقفه بالساج وَعمل لَهُ مَنَارَة، وَجعل لَهُ أروقة وَفِي وَسطه رحبة، فتهدم حَتَّى جدده جمال الدّين الْأَصْبَهَانِيّ وَزِير بني زنكي فِي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة، قَالَ: وذرعته فَكَانَ طوله ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ ذِرَاعا راجحاً قَلِيلا، وَعرضه كَذَلِك، وارتفاعه فِي السَّمَاء عشرُون ذِرَاعا، وَطول منارته فِي سطحه اثْنَان وَعِشْرُونَ ذِرَاعا، وعَلى رَأسهَا قبَّة نَحْو الْعشْرَة أَذْرع، وَفِي الْمَسْجِد تسع وَثَلَاثُونَ إسطوانة، بَين كل اسطوانتين سَبْعَة أَذْرع راجحة، وَفِي جدرانه طاقات فِي كل جَانب ثَمَان إِلَّا الْجَانِب الشَّامي فَإِن الثَّانِيَة سدت

стр. 280

بالمنارة، ومنارة مربعة وَهِي على يَمِين الْمصلى. وَمِنْهَا مَسْجِد الْفَتْح: عَن جَابر ﵁، أَن النَّبِي ﷺ دَعَا فِي مَسْجِد الْفَتْح يَوْم الِاثْنَيْنِ وَيَوْم الثُّلَاثَاء ويم الْأَرْبَعَاء، فاستجيب لَهُ يَوْم الْأَرْبَعَاء بَين الصَّلَاتَيْنِ، فَعرف الْبشر فِي وَجهه. وَقد تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل. وَعَن هَارُون بن كثير عَن أَبِيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا يَوْم الخَنْدَق على الْأَحْزَاب فِي مَوضِع الإسطوانة الْوُسْطَى من مَسْجِد الْفَتْح الَّذِي على الْجَبَل. قَالَ الشَّيْخ جمال: مَسْجِد الْفَتْح على قِطْعَة من جبل سلع من جِهَة الْمغرب، وغربيه وَادي بطحان، وَتَحْته فِي الْوَادي عين تجْرِي، وَيعرف الْموضع بالسيح بِالسِّين الْمُهْملَة يصعد إِلَى الْمَسْجِد من دَرَجَتَيْنِ شمالية وشرقية، وَكَانَت فِيهِ ثَلَاث اسطوانات قبل هَذَا الْبناء الَّذِي هُوَ الْيَوْم عَلَيْهِ من بِنَاء عمر بن عبد الْعَزِيز فتهدم، ثمَّ جدده الْأَمِير سيف الدّين الْحُسَيْن بن أبي الهيجا أحد وزراء العبيديين بِمصْر فِي سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة، وَكَذَلِكَ جدد المسجدين اللَّذين تَحْتَهُ من جِهَة الْقبْلَة، يعرف الأول القبلي بِمَسْجِد عَليّ بن أبي طَالب ﵁، وَالثَّانِي يَلِي الشمَال يعرف بِمَسْجِد سلمَان الْفَارِسِي ﵁ جددهما فِي سنة سبع وَسبعين وَسَبْعمائة. وَذكر الْحَافِظ محب الدّين: أَنه كَانَ مَعَهُمَا مَسْجِد ثَالِث فَذَلِك لم يبْق لَهُ أثر. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وروى عَن معَاذ بن سعد أَن رَسُول الله ﷺ صلى فِي مَسْجِد الْفَتْح الَّذِي على الْجَبَل، وَفِي الْمَسَاجِد الَّتِي حوله، وَفِي المسجدين القبليين. وَمِنْهَا: مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ. عَن عُثْمَان بن مُحَمَّد الأخنسي، أَن رَسُول الله ﷺ زار امْرَأَة من بني سَلمَة يُقَال لَهَا أم بشر فِي بني سَلمَة فصنعت لَهُ طَعَاما، فحانت الظّهْر فصلى رَسُول الله ﷺ بِأَصْحَابِهِ فِي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ الظّهْر، فَلَمَّا صلى رَكْعَتَيْنِ أَمر أَن يتَوَجَّه إِلَى الْكَعْبَة فَاسْتَدَارَ رَسُول الله ﷺ إِلَى الْكَعْبَة. فَسُمي ذَلِك مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ،

стр. 281

وَكَانَت الظّهْر يَوْمئِذٍ أَربع رَكْعَات، مِنْهَا اثْنَان إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَاثْنَانِ إِلَى الْكَعْبَة، وصرفت الْقبْلَة يَوْم الثُّلَاثَاء النّصْف من شعْبَان فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة، وَقيل: بل صرفت الْقبْلَة فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فِي صَلَاة الْعَصْر يَوْم الِاثْنَيْنِ النّصْف من رَجَب على رَأس سَبْعَة عشر شهرا من الْهِجْرَة. وَقَالَ ابْن الْمسيب: صرفت قبل بدر بشهرين. وَالْأول أصح. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد بعيد من الْمَدِينَة قريب من بِئْر رومة وَقد تقدم، وَلم يبْق إِلَّا آثاره، وَمَوْضِع الْمَسْجِد يعرف بالقاع، والقاع الْمَكَان المستوي. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَبِهَذَا الْوَادي سَار رَسُول الله ﷺ وَمن مَعَه بِالْخَيْلِ وَالْإِبِل على ظهر المَاء لما أَن غزا خَيْبَر قَالَ ﵁: وجدنَا السُّيُول بالقاع فقدرنا المَاء فَإِذا هُوَ أَرْبَعَة عشر قامة فَنزل رَسُول الله ﷺ فَسجدَ ودعا ثمَّ قَالَ: " سِيرُوا على اسْم الله "، فسرنا على المَاء. وَكَانَ ذَلِك نَظِير فلق الْبَحْر لمُوسَى ﵇. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ بعيد عَن مَسْجِد الْفَتْح من جِهَة الغرب على رابية على شَفير وَادي العقيق، وَحَوله خراب عَتيق على الْحرَّة، وَحَوله آبار ومزارع تعرف بِالْعرضِ، فِي قبله مزارع الجرف الْمَعْرُوف بِالْمَسْجِدِ الْمَذْكُور فِي قَرْيَة بني سَلمَة، وَيُقَال لَهَا خرباة، ثمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا الْمَسْجِد وَهُوَ مَسْجِد بني حزَام من بني سَلمَة رأى رَسُول الله ﷺ النخامة فحكها بعرجون كَانَ فِي يَده، ثمَّ دَعَا بخلوق فَجعله على رَأس العرجون، ثمَّ جعله على مَوضِع النخامة، فَكَانَ أول مَسْجِد خلق فِي الْإِسْلَام. وَمِنْهَا مَسْجِد الفضيخ. روى هِشَام بن عُرْوَة والْحَارث بن فُضَيْل أَنَّهُمَا قَالَا: صلى رَسُول الله ﷺ فِي مَسْجِد الفضيح. وَعَن جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي ﷺ لما حاصر بني النَّضِير ضرب قُبَّته فِي مَوضِع مَسْجِد الفضيح وَأقَام بهَا سِتا، قَالَ: وَجَاء تَحْرِيم الْخمر فِي السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة، وَقيل: فِي السّنة الرَّابِعَة، وَأَبُو أَيُّوب فِي نفر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي مَوْضِعه مَعَهم رِوَايَة خمر من فضيخ، فَأمر أَبُو

стр. 282

أَيُّوب ﵁ بعزلا المزادة ففتحت فَسَالَ الفضيخ فِيهِ فَسُمي مَسْجِد الفضيخ، والفضيخ: نوع من الْخمر. وَهُوَ مَا افتضخ من الْبُسْر من غير أَن تمسه النَّار، وَيُقَال لَهُ: الفضوخ وَهُوَ من أَسمَاء الْخمر. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَمَسْجِد الفضيخ قريب من قبَاء من شرقيه وَيعرف بِمَسْجِد الشَّمْس. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهُوَ على شَفير الْوَادي على نشز من الأَرْض، مرضوم بحجارة سود وَهُوَ صَغِير جدا. وَمِنْهَا: مَسْجِد بني قُرَيْظَة. عَن مُحَمَّد بن عتبَة بن أبي مَالك قَالَ: قَالَ ﷺ فِي بَيت امْرَأَة من الْحَضَر فِي بني قُرَيْظَة، فَأدْخل الْوَلِيد بن عبد الْملك ذَلِك الْبَيْت فِي الْمَسْجِد حِين بناه. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: روى عَن عليّ بن رِفَاعَة عَن اشياخ من قومه، أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي بَيت امْرَأَة من بني قُرَيْظَة، فَأدْخل ذَلِك الْمَكَان فِي مَسْجِد بني قُرَيْظَة، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي صلى فِيهِ رَسُول الله ﷺ ببني قُرَيْظَة، وَقيل: إِنَّمَا أَدخل الْبَيْت فِي الْمَسْجِد عمر بن عبد الْعَزِيز حِين بِنَاء مَسْجِد قبَاء. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد بَاقٍ بالعوالي طوله نَحْو الْعشْرين ذِرَاعا، وَعرضه كَذَلِك، وَفِيه نَحْو السِّتَّة عشر اسطوانات، فتهدم وَوَقعت منارته وَأخذت أحجاره، وَقد كَانَ مَبْنِيا على شكل بِنَاء مَسْجِد قبَاء وَحَوله بساتين ومزارع. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: هَذَا الْمَسْجِد شَرْقي مَسْجِد الشَّمْس بَعيدا عَنهُ بِالْقربِ من الْحرَّة الشرقية على بَاب حديقة، يعرف الْآن بحاجوم وقف على الْفُقَرَاء بَين أَبْيَات خراب، هِيَ بعض دور بني قُرَيْظَة، وَهِي شمَالي بَاب الحديقة، وَطوله نَحْو من خَمْسَة وَأَرْبَعين ذِرَاعا، وَعرضه كَذَلِك، وَبَقِي أَثَره إِلَى الْعشْر الأول بعد السبعمائة، فجدد وَبنى عَلَيْهِ حضير مِقْدَار نصف قامة، وَكَانَ قد نسي فَمن ذَلِك التَّارِيخ عرف. وَمِنْهَا: مَسْجِد الْجُمُعَة. وَهُوَ الَّذِي أدْرك فِيهِ رَسُول الله ﷺ صَلَاة الْجُمُعَة بعد أَن أسس مَسْجِد قبَاء وَهُوَ قادم إِلَى الْمَدِينَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد على يَمِين السالك إِلَى مَسْجِد قبَاء شماليه أَطَم خراب، وَيُقَال لَهُ: الْمزْدَلِفَة، أَطَم عتْبَان من بني مَالك وَهُوَ فِي بطن الْوَادي، وَهُوَ مَسْجِد صَغِير مَبْنِيّ بحجارة قدر نصف الْقَامَة، وَهُوَ الَّذِي كَانَ

стр. 283

يحول السَّيْل بَينه وَبَين عتْبَان إِذا سَالَ، والآن منَازِل بني سَالم بن عَوْف كَانَت غربي هَذَا الْوَادي على طرف الْحرَّة وآثارهم بَاقِيَة هُنَاكَ، فَسَأَلَ عتْبَان رَسُول الله ﷺ أَن يُصَلِّي لَهُ فِي بَيته يَتَّخِذهُ مصلى فَفعل ﷺ . وَمِنْهَا: مَسْجِد بني ظفر من الْأَوْس. عَن إِدْرِيس بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن أنيس بن فضَالة الصفرى عَن جده، أَن رَسُول الله ﷺ جلس على الْحجر الَّذِي فِي مَسْجِد بني ظفر، وَأَن زِيَاد بن عبيد الله أَمر بقلعه حَتَّى جَاءَتْهُ مشيخة بني ظفر فأعلموه أَن رَسُول الله ﷺ جلس عَلَيْهِ فَرده، قَالَ: فَقل امْرَأَة يصعب حملهَا تجْلِس عَلَيْهِ إِلَّا حملت، وَعِنْده أثر فِي الْحجر يُقَال: إِنَّه أثر حافر بغلة النَّبِي ﷺ من جِهَة الْقبْلَة، وَفِي غربيه حجر عَلَيْهِ أثر كَأَنَّهُ أثر مرفق، وعَلى حجر آخر أثر أَصَابِع وَالنَّاس يتبركون بهَا. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد شَرْقي البقيع مَعَ طرف الْحرَّة الشرقية وَيعرف الْيَوْم بِمَسْجِد البغلة. وَمِنْهَا: مَسْجِد بني مُعَاوِيَة بن مَالك بن النجار بن الْخَزْرَج. عَن عتِيك بن الْحَارِث أَنه قَالَ: جَاءَنَا عبد الله بن عمر ﵄ فِي بني مُعَاوِيَة وَهِي قَرْيَة من قرى الْأَنْصَار، فَقَالَ: هَل تَدْرُونَ أَيْن صلى رَسُول الله ﷺ فِي مَسْجِدكُمْ هَذَا؟ قلت: نعم وأشرت إِلَى نَاحيَة مِنْهُ، فَقَالَ: هَل تَدْرِي مَا الثَّلَاث الَّتِي دَعَا بهَا؟ قلت: نعم قَالَ: فَأَخْبرنِي بِهن، قلت: دَعَا أَن لَا يظْهر عَلَيْهِم عَدو من غَيرهم فأعطيها، وَأَن لَا يُهْلِكهُمْ بِالسِّنِينَ فأعطيها، وَأَن لَا يَجْعَل بأسهم بَينهم فَمنعهَا، قَالَ عبد الله بن عمر: صدقت، فَلَنْ يزَال الهراج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين وَيعرف هَذَا الْمَسْجِد الْيَوْم بِمَسْجِد الْإِجَابَة، وَهُوَ شمَالي البقيع على يسَار طَرِيق السالك إِلَى العريض وسط تلول، وَهِي أثر قَرْيَة بني مُعَاوِيَة وَهِي الْيَوْم خراب. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: فَيجب زِيَارَة هَذِه الْمَوَاضِع وَإِن لم تعرف أسماؤها؛ لِأَن الْوَلِيد بن عبد الْملك كتب إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز: مهما صَحَّ عنْدك من الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا رَسُول الله ﷺ فَابْن عَلَيْهَا مَسْجِدا، فالآثار كلهَا أثر بِنَاء عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁. وَأما مشربَة أم إِبْرَاهِيم بن سيدنَا رَسُول الله ﷺ . فروى إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن ثَابت، أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي مشربَة أم إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ

стр. 284

السَّلَام. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: هَذَا الْموضع بالعوالي بَين النخيل، وَهُوَ أكمة قد حوط حولهَا بِلَبن، والمشربة الْبُسْتَان، وَأَظنهُ قد كَانَ بستاناً لمارية الْقبْطِيَّة أم إِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي ﷺ . قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: الْمشْربَة شمَالي مَسْجِد بني قُرَيْظَة قَرِيبا من الْحرَّة الشرقية، فِي مَوضِع يعرف بالدشت بَين نخل يعرف بالأشراف القواسم من بني قَاسم بن إِدْرِيس بن جَعْفَر أَخ الْحُسَيْن العسكري؛ لِأَن آل شُعَيْب بن جماز مِنْهُم، وصهيب بِالْقربِ من دَار بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج الَّتِي كَانَ أَبُو بكر ﵁ نازلاً فِيهَا بِزَوْجَتِهِ حَبِيبَة بنت خَارِجَة وَقيل: مليكَة أُخْت ابْن خَارِجَة. وَمِنْهَا: مصلى رَسُول الله ﷺ الْعِيد. عَن هِشَام بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن أبي أُميَّة وَعَن شيخ من أهل السن، أَن أول عيد صلاه رَسُول الله ﷺ صلاه فِي حارة الدوس عِنْد بَين أبي الْجنُوب، ثمَّ صلى الْعِيد الثَّانِي بِفنَاء دَار حَكِيم بن العداء عِنْد دَار حُفْرَة دَاخِلا فِي الْبَيْت الَّذِي بِفنَاء الْمَسْجِد، ثمَّ صلى الْعِيد الثَّالِث عِنْد دَار عبد الله بن درة الْمَازِني دَاخِلا بَين الدَّاريْنِ دَار مُعَاوِيَة وَدَار كثير بن الصَّلْت، ثمَّ صلى الْعِيد الرَّابِع عِنْد أَحْجَار عِنْد الحناطين بالمصلى، ثمَّ صلى دَاخِلا فِي منزل مُحَمَّد بن عبد الله بن كثير بن الصَّلْت، ثمَّ صلى حَيْثُ صلى النَّاس الْيَوْم. وروى عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن أول فطر أَو أضحى جمع فِيهِ رَسُول الله ﷺ بِفنَاء دَار حَكِيم بن العداء عِنْد أَصْحَاب المحامل. وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يسْلك إِلَى الْمصلى من الطَّرِيق الْعُظْمَى على أَصْحَاب الفساطيط، وَيرجع من الطَّرِيق الْأُخْرَى على دَار عمار بن يَاسر ﵁. وروى عَن عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيهَا ﵁، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " مَا بَين مَسْجِدي إِلَى الْمصلى رَوْضَة من رياض الْجنَّة ". وروى عَن حَمْزَة عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يذبح أضحيته بِيَدِهِ إِذا انْصَرف من الْمصلى على نَاحيَة الطَّرِيق الَّتِي كَانَ ينْصَرف مِنْهَا، وَتلك الطَّرِيق وَالْمَكَان الَّذِي كَانَ يذبح فِيهِ ﷺ مُقَابل الْمغرب مِمَّا يَلِي طَرِيق بني زُرَيْق. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَأما الطَّرِيق الْعُظْمَى فَهِيَ طَرِيق النَّاس الْيَوْم من بَاب الْمَدِينَة إِلَى الْمصلى، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ثمَّ صلى حَيْثُ صلى النَّاس الْيَوْم، وَلَا يعرف من الْمَسَاجِد الَّتِي ذكرت لصَلَاة الْعِيد إِلَّا هَذَا الَّذِي يصلى فِيهِ الْعِيد الْيَوْم. قَالَ: وشماليه مَسْجِد وسط

стр. 285

الحديقة الْمَعْرُوفَة بالعريص الْمُتَّصِلَة بقبة عين الْأَزْرَق، وَيعرف الْيَوْم بِمَسْجِد أبي بكر الصّديق ﵁ وَلَعَلَّه صلى فِيهِ فِي خِلَافَته، وشمالي الحديقة أَيْضا مَسْجِد كَبِير مُتَّصِل يُسمى مَسْجِد عَليّ بن أبي طَالب ﵁، وَلم يرد أَنه صلى بِالْمَدِينَةِ عيداً فِي خِلَافَته. فَتكون هَذِه الْمَسَاجِد الْمَوْجُودَة الْيَوْم من الْأَمَاكِن الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي ﷺ سنة، إِذْ لَا يخْتَص أَبُو بكر وَعلي ﵄ بمسجدين لأنفسهما ويتركان الْمَسْجِد الَّذِي صلى فِيهِ رَسُول الله ﷺ . قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَلَيْسَ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة مَسْجِد يعرف غير مَا ذكر إِلَّا مَسْجِد على ثنية الْوَادي على يسَار الدَّاخِل إِلَى الْمَدِينَة من طَرِيق الشَّام، وَمَسْجِد آخر صَغِير على طَرِيق السافلة، وَهِي الطَّرِيق الْيُمْنَى الشرقية إِلَى مَسْجِد حَمْزَة ﵁ يُقَال: إِنَّه مَسْجِد أبي ذَر الْغِفَارِيّ ﵁ وَلم يرد فيهمَا نقل يعْتَمد عَلَيْهِ. وَأما مَسْجِد الضرار: فَهُوَ الْمَسْجِد الَّذِي بناه المُنَافِقُونَ مضاهاة لمَسْجِد قبَاء، فَلَمَّا بنوه أَتَوا النَّبِي ﷺ وَهُوَ متجهز إِلَى تَبُوك فأمروه أَن يُصَلِّي لَهُم فِيهِ، فَقَالَ: " إِنِّي على جنَاح سفر وَحَال شغل وَلَو قدمنَا عَن شَاءَ الله لأتيناكم فصلينا لكم فِيهِ ". فَلَمَّا نزل رَسُول الله ﷺ بِذِي أولن بلد بَينه وَبَين الْمَدِينَة سَاعَة من نَهَار مرجعه من تَبُوك أَتَاهُ خبر الْمَسْجِد، فَدَعَا رَسُول الله ﷺ مَالك بن الدخشم ومعن بن عدي وأخاه عَاصِمًا، وَفِي رِوَايَة وعامر بن السكن ووحشياً قَاتل حَمْزَة، فَقَالَ: " انْطَلقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الظَّالِم أَهله فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ ". فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا سَالم بن عَوْف فَأخذ سَعَفًا من النّخل وأشعلاه، ثمَّ دخلا الْمَسْجِد وَفِيه أَهله فَحَرقَاهُ وَهَدَمَاهُ، وَأنزل الله تَعَالَى فِيهِ: " وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا. . " إِلَى آخر الْقِصَّة نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي عَامر الراهب؛ لِأَنَّهُ كَانَ خرج إِلَى قَيْصر وَتَنصر، وَوَعدهمْ قَيْصر أَنه سيأتيهم فبنوا مَسْجِد الضرار، وَكَانَ الَّذين بنوه اثْنَا عشر رجلا: خذام بن خَالِد وَمن بَيته أخرج الْمَسْجِد، ومعتب بن قُشَيْر، وَأَبُو حَبِيبَة بن الأزعر، وَعباد بن حنيف، وَجَارِيَة بن عَامر، وابناه مجمع، وبحزج،
следующие страницы →