Полный текст (329 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَكَانَت الظّهْر يَوْمئِذٍ أَربع رَكْعَات، مِنْهَا اثْنَان إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَاثْنَانِ إِلَى الْكَعْبَة، وصرفت الْقبْلَة يَوْم الثُّلَاثَاء النّصْف من شعْبَان فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة، وَقيل: بل صرفت الْقبْلَة فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فِي صَلَاة الْعَصْر يَوْم الِاثْنَيْنِ النّصْف من رَجَب على رَأس سَبْعَة عشر شهرا من الْهِجْرَة. وَقَالَ ابْن الْمسيب: صرفت قبل بدر بشهرين. وَالْأول أصح. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد بعيد من الْمَدِينَة قريب من بِئْر رومة وَقد تقدم، وَلم يبْق إِلَّا آثاره، وَمَوْضِع الْمَسْجِد يعرف بالقاع، والقاع الْمَكَان المستوي. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَبِهَذَا الْوَادي سَار رَسُول الله ﷺ وَمن مَعَه بِالْخَيْلِ وَالْإِبِل على ظهر المَاء لما أَن غزا خَيْبَر قَالَ ﵁: وجدنَا السُّيُول بالقاع فقدرنا المَاء فَإِذا هُوَ أَرْبَعَة عشر قامة فَنزل رَسُول الله ﷺ فَسجدَ ودعا ثمَّ قَالَ: " سِيرُوا على اسْم الله "، فسرنا على المَاء. وَكَانَ ذَلِك نَظِير فلق الْبَحْر لمُوسَى ﵇. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَمَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ بعيد عَن مَسْجِد الْفَتْح من جِهَة الغرب على رابية على شَفير وَادي العقيق، وَحَوله خراب عَتيق على الْحرَّة، وَحَوله آبار ومزارع تعرف بِالْعرضِ، فِي قبله مزارع الجرف الْمَعْرُوف بِالْمَسْجِدِ الْمَذْكُور فِي قَرْيَة بني سَلمَة، وَيُقَال لَهَا خرباة، ثمَّ قَالَ: وَفِي هَذَا الْمَسْجِد وَهُوَ مَسْجِد بني حزَام من بني سَلمَة رأى رَسُول الله ﷺ النخامة فحكها بعرجون كَانَ فِي يَده، ثمَّ دَعَا بخلوق فَجعله على رَأس العرجون، ثمَّ جعله على مَوضِع النخامة، فَكَانَ أول مَسْجِد خلق فِي الْإِسْلَام. وَمِنْهَا مَسْجِد الفضيخ. روى هِشَام بن عُرْوَة والْحَارث بن فُضَيْل أَنَّهُمَا قَالَا: صلى رَسُول الله ﷺ فِي مَسْجِد الفضيح. وَعَن جَابر بن عبد الله أَن النَّبِي ﷺ لما حاصر بني النَّضِير ضرب قُبَّته فِي مَوضِع مَسْجِد الفضيح وَأقَام بهَا سِتا، قَالَ: وَجَاء تَحْرِيم الْخمر فِي السّنة الثَّالِثَة من الْهِجْرَة، وَقيل: فِي السّنة الرَّابِعَة، وَأَبُو أَيُّوب فِي نفر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فِي مَوْضِعه مَعَهم رِوَايَة خمر من فضيخ، فَأمر أَبُو
стр. 282
أَيُّوب ﵁ بعزلا المزادة ففتحت فَسَالَ الفضيخ فِيهِ فَسُمي مَسْجِد الفضيخ، والفضيخ: نوع من الْخمر. وَهُوَ مَا افتضخ من الْبُسْر من غير أَن تمسه النَّار، وَيُقَال لَهُ: الفضوخ وَهُوَ من أَسمَاء الْخمر. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَمَسْجِد الفضيخ قريب من قبَاء من شرقيه وَيعرف بِمَسْجِد الشَّمْس. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهُوَ على شَفير الْوَادي على نشز من الأَرْض، مرضوم بحجارة سود وَهُوَ صَغِير جدا. وَمِنْهَا: مَسْجِد بني قُرَيْظَة. عَن مُحَمَّد بن عتبَة بن أبي مَالك قَالَ: قَالَ ﷺ فِي بَيت امْرَأَة من الْحَضَر فِي بني قُرَيْظَة، فَأدْخل الْوَلِيد بن عبد الْملك ذَلِك الْبَيْت فِي الْمَسْجِد حِين بناه. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: روى عَن عليّ بن رِفَاعَة عَن اشياخ من قومه، أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي بَيت امْرَأَة من بني قُرَيْظَة، فَأدْخل ذَلِك الْمَكَان فِي مَسْجِد بني قُرَيْظَة، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي صلى فِيهِ رَسُول الله ﷺ ببني قُرَيْظَة، وَقيل: إِنَّمَا أَدخل الْبَيْت فِي الْمَسْجِد عمر بن عبد الْعَزِيز حِين بِنَاء مَسْجِد قبَاء. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد بَاقٍ بالعوالي طوله نَحْو الْعشْرين ذِرَاعا، وَعرضه كَذَلِك، وَفِيه نَحْو السِّتَّة عشر اسطوانات، فتهدم وَوَقعت منارته وَأخذت أحجاره، وَقد كَانَ مَبْنِيا على شكل بِنَاء مَسْجِد قبَاء وَحَوله بساتين ومزارع. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: هَذَا الْمَسْجِد شَرْقي مَسْجِد الشَّمْس بَعيدا عَنهُ بِالْقربِ من الْحرَّة الشرقية على بَاب حديقة، يعرف الْآن بحاجوم وقف على الْفُقَرَاء بَين أَبْيَات خراب، هِيَ بعض دور بني قُرَيْظَة، وَهِي شمَالي بَاب الحديقة، وَطوله نَحْو من خَمْسَة وَأَرْبَعين ذِرَاعا، وَعرضه كَذَلِك، وَبَقِي أَثَره إِلَى الْعشْر الأول بعد السبعمائة، فجدد وَبنى عَلَيْهِ حضير مِقْدَار نصف قامة، وَكَانَ قد نسي فَمن ذَلِك التَّارِيخ عرف. وَمِنْهَا: مَسْجِد الْجُمُعَة. وَهُوَ الَّذِي أدْرك فِيهِ رَسُول الله ﷺ صَلَاة الْجُمُعَة بعد أَن أسس مَسْجِد قبَاء وَهُوَ قادم إِلَى الْمَدِينَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد على يَمِين السالك إِلَى مَسْجِد قبَاء شماليه أَطَم خراب، وَيُقَال لَهُ: الْمزْدَلِفَة، أَطَم عتْبَان من بني مَالك وَهُوَ فِي بطن الْوَادي، وَهُوَ مَسْجِد صَغِير مَبْنِيّ بحجارة قدر نصف الْقَامَة، وَهُوَ الَّذِي كَانَ
стр. 283
يحول السَّيْل بَينه وَبَين عتْبَان إِذا سَالَ، والآن منَازِل بني سَالم بن عَوْف كَانَت غربي هَذَا الْوَادي على طرف الْحرَّة وآثارهم بَاقِيَة هُنَاكَ، فَسَأَلَ عتْبَان رَسُول الله ﷺ أَن يُصَلِّي لَهُ فِي بَيته يَتَّخِذهُ مصلى فَفعل ﷺ . وَمِنْهَا: مَسْجِد بني ظفر من الْأَوْس. عَن إِدْرِيس بن مُحَمَّد بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن أنيس بن فضَالة الصفرى عَن جده، أَن رَسُول الله ﷺ جلس على الْحجر الَّذِي فِي مَسْجِد بني ظفر، وَأَن زِيَاد بن عبيد الله أَمر بقلعه حَتَّى جَاءَتْهُ مشيخة بني ظفر فأعلموه أَن رَسُول الله ﷺ جلس عَلَيْهِ فَرده، قَالَ: فَقل امْرَأَة يصعب حملهَا تجْلِس عَلَيْهِ إِلَّا حملت، وَعِنْده أثر فِي الْحجر يُقَال: إِنَّه أثر حافر بغلة النَّبِي ﷺ من جِهَة الْقبْلَة، وَفِي غربيه حجر عَلَيْهِ أثر كَأَنَّهُ أثر مرفق، وعَلى حجر آخر أثر أَصَابِع وَالنَّاس يتبركون بهَا. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهَذَا الْمَسْجِد شَرْقي البقيع مَعَ طرف الْحرَّة الشرقية وَيعرف الْيَوْم بِمَسْجِد البغلة. وَمِنْهَا: مَسْجِد بني مُعَاوِيَة بن مَالك بن النجار بن الْخَزْرَج. عَن عتِيك بن الْحَارِث أَنه قَالَ: جَاءَنَا عبد الله بن عمر ﵄ فِي بني مُعَاوِيَة وَهِي قَرْيَة من قرى الْأَنْصَار، فَقَالَ: هَل تَدْرُونَ أَيْن صلى رَسُول الله ﷺ فِي مَسْجِدكُمْ هَذَا؟ قلت: نعم وأشرت إِلَى نَاحيَة مِنْهُ، فَقَالَ: هَل تَدْرِي مَا الثَّلَاث الَّتِي دَعَا بهَا؟ قلت: نعم قَالَ: فَأَخْبرنِي بِهن، قلت: دَعَا أَن لَا يظْهر عَلَيْهِم عَدو من غَيرهم فأعطيها، وَأَن لَا يُهْلِكهُمْ بِالسِّنِينَ فأعطيها، وَأَن لَا يَجْعَل بأسهم بَينهم فَمنعهَا، قَالَ عبد الله بن عمر: صدقت، فَلَنْ يزَال الهراج إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين وَيعرف هَذَا الْمَسْجِد الْيَوْم بِمَسْجِد الْإِجَابَة، وَهُوَ شمَالي البقيع على يسَار طَرِيق السالك إِلَى العريض وسط تلول، وَهِي أثر قَرْيَة بني مُعَاوِيَة وَهِي الْيَوْم خراب. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: فَيجب زِيَارَة هَذِه الْمَوَاضِع وَإِن لم تعرف أسماؤها؛ لِأَن الْوَلِيد بن عبد الْملك كتب إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز: مهما صَحَّ عنْدك من الْمَوَاضِع الَّتِي صلى فِيهَا رَسُول الله ﷺ فَابْن عَلَيْهَا مَسْجِدا، فالآثار كلهَا أثر بِنَاء عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁. وَأما مشربَة أم إِبْرَاهِيم بن سيدنَا رَسُول الله ﷺ . فروى إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يحيى بن مُحَمَّد بن ثَابت، أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي مشربَة أم إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ
стр. 284
السَّلَام. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: هَذَا الْموضع بالعوالي بَين النخيل، وَهُوَ أكمة قد حوط حولهَا بِلَبن، والمشربة الْبُسْتَان، وَأَظنهُ قد كَانَ بستاناً لمارية الْقبْطِيَّة أم إِبْرَاهِيم ابْن النَّبِي ﷺ . قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: الْمشْربَة شمَالي مَسْجِد بني قُرَيْظَة قَرِيبا من الْحرَّة الشرقية، فِي مَوضِع يعرف بالدشت بَين نخل يعرف بالأشراف القواسم من بني قَاسم بن إِدْرِيس بن جَعْفَر أَخ الْحُسَيْن العسكري؛ لِأَن آل شُعَيْب بن جماز مِنْهُم، وصهيب بِالْقربِ من دَار بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج الَّتِي كَانَ أَبُو بكر ﵁ نازلاً فِيهَا بِزَوْجَتِهِ حَبِيبَة بنت خَارِجَة وَقيل: مليكَة أُخْت ابْن خَارِجَة. وَمِنْهَا: مصلى رَسُول الله ﷺ الْعِيد. عَن هِشَام بن سعيد بن إِبْرَاهِيم بن أبي أُميَّة وَعَن شيخ من أهل السن، أَن أول عيد صلاه رَسُول الله ﷺ صلاه فِي حارة الدوس عِنْد بَين أبي الْجنُوب، ثمَّ صلى الْعِيد الثَّانِي بِفنَاء دَار حَكِيم بن العداء عِنْد دَار حُفْرَة دَاخِلا فِي الْبَيْت الَّذِي بِفنَاء الْمَسْجِد، ثمَّ صلى الْعِيد الثَّالِث عِنْد دَار عبد الله بن درة الْمَازِني دَاخِلا بَين الدَّاريْنِ دَار مُعَاوِيَة وَدَار كثير بن الصَّلْت، ثمَّ صلى الْعِيد الرَّابِع عِنْد أَحْجَار عِنْد الحناطين بالمصلى، ثمَّ صلى دَاخِلا فِي منزل مُحَمَّد بن عبد الله بن كثير بن الصَّلْت، ثمَّ صلى حَيْثُ صلى النَّاس الْيَوْم. وروى عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن أول فطر أَو أضحى جمع فِيهِ رَسُول الله ﷺ بِفنَاء دَار حَكِيم بن العداء عِنْد أَصْحَاب المحامل. وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد بن عمار بن يَاسر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يسْلك إِلَى الْمصلى من الطَّرِيق الْعُظْمَى على أَصْحَاب الفساطيط، وَيرجع من الطَّرِيق الْأُخْرَى على دَار عمار بن يَاسر ﵁. وروى عَن عَائِشَة بنت سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيهَا ﵁، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " مَا بَين مَسْجِدي إِلَى الْمصلى رَوْضَة من رياض الْجنَّة ". وروى عَن حَمْزَة عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يذبح أضحيته بِيَدِهِ إِذا انْصَرف من الْمصلى على نَاحيَة الطَّرِيق الَّتِي كَانَ ينْصَرف مِنْهَا، وَتلك الطَّرِيق وَالْمَكَان الَّذِي كَانَ يذبح فِيهِ ﷺ مُقَابل الْمغرب مِمَّا يَلِي طَرِيق بني زُرَيْق. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَأما الطَّرِيق الْعُظْمَى فَهِيَ طَرِيق النَّاس الْيَوْم من بَاب الْمَدِينَة إِلَى الْمصلى، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ثمَّ صلى حَيْثُ صلى النَّاس الْيَوْم، وَلَا يعرف من الْمَسَاجِد الَّتِي ذكرت لصَلَاة الْعِيد إِلَّا هَذَا الَّذِي يصلى فِيهِ الْعِيد الْيَوْم. قَالَ: وشماليه مَسْجِد وسط
стр. 285
الحديقة الْمَعْرُوفَة بالعريص الْمُتَّصِلَة بقبة عين الْأَزْرَق، وَيعرف الْيَوْم بِمَسْجِد أبي بكر الصّديق ﵁ وَلَعَلَّه صلى فِيهِ فِي خِلَافَته، وشمالي الحديقة أَيْضا مَسْجِد كَبِير مُتَّصِل يُسمى مَسْجِد عَليّ بن أبي طَالب ﵁، وَلم يرد أَنه صلى بِالْمَدِينَةِ عيداً فِي خِلَافَته. فَتكون هَذِه الْمَسَاجِد الْمَوْجُودَة الْيَوْم من الْأَمَاكِن الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي ﷺ سنة، إِذْ لَا يخْتَص أَبُو بكر وَعلي ﵄ بمسجدين لأنفسهما ويتركان الْمَسْجِد الَّذِي صلى فِيهِ رَسُول الله ﷺ . قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَلَيْسَ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة مَسْجِد يعرف غير مَا ذكر إِلَّا مَسْجِد على ثنية الْوَادي على يسَار الدَّاخِل إِلَى الْمَدِينَة من طَرِيق الشَّام، وَمَسْجِد آخر صَغِير على طَرِيق السافلة، وَهِي الطَّرِيق الْيُمْنَى الشرقية إِلَى مَسْجِد حَمْزَة ﵁ يُقَال: إِنَّه مَسْجِد أبي ذَر الْغِفَارِيّ ﵁ وَلم يرد فيهمَا نقل يعْتَمد عَلَيْهِ. وَأما مَسْجِد الضرار: فَهُوَ الْمَسْجِد الَّذِي بناه المُنَافِقُونَ مضاهاة لمَسْجِد قبَاء، فَلَمَّا بنوه أَتَوا النَّبِي ﷺ وَهُوَ متجهز إِلَى تَبُوك فأمروه أَن يُصَلِّي لَهُم فِيهِ، فَقَالَ: " إِنِّي على جنَاح سفر وَحَال شغل وَلَو قدمنَا عَن شَاءَ الله لأتيناكم فصلينا لكم فِيهِ ". فَلَمَّا نزل رَسُول الله ﷺ بِذِي أولن بلد بَينه وَبَين الْمَدِينَة سَاعَة من نَهَار مرجعه من تَبُوك أَتَاهُ خبر الْمَسْجِد، فَدَعَا رَسُول الله ﷺ مَالك بن الدخشم ومعن بن عدي وأخاه عَاصِمًا، وَفِي رِوَايَة وعامر بن السكن ووحشياً قَاتل حَمْزَة، فَقَالَ: " انْطَلقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِد الظَّالِم أَهله فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ ". فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا سَالم بن عَوْف فَأخذ سَعَفًا من النّخل وأشعلاه، ثمَّ دخلا الْمَسْجِد وَفِيه أَهله فَحَرقَاهُ وَهَدَمَاهُ، وَأنزل الله تَعَالَى فِيهِ: " وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا. . " إِلَى آخر الْقِصَّة نزلت هَذِه الْآيَة فِي أبي عَامر الراهب؛ لِأَنَّهُ كَانَ خرج إِلَى قَيْصر وَتَنصر، وَوَعدهمْ قَيْصر أَنه سيأتيهم فبنوا مَسْجِد الضرار، وَكَانَ الَّذين بنوه اثْنَا عشر رجلا: خذام بن خَالِد وَمن بَيته أخرج الْمَسْجِد، ومعتب بن قُشَيْر، وَأَبُو حَبِيبَة بن الأزعر، وَعباد بن حنيف، وَجَارِيَة بن عَامر، وابناه مجمع، وبحزج،
стр. 286
ونبيل بن الْحَارِث، ويخلد بن عُثْمَان، وذريعة بن ثَابت، وثعلبة بن حَاطِب، مَذْكُور فيهم وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ شهد بَدْرًا قَالَه ابْن عبد الْبر. وكل مَسْجِد بني على ضرار أَو رِيَاء أَو سمعة فَحكمه حكم مَسْجِد الضرار لَا تجوز الصَّلَاة فِيهِ. قَالَ النقاش: فَيلْزم أَن لَا يُصَلِّي فِي كَنِيسَة وَنَحْوهَا، فَإِنَّهَا بنيت على شَرّ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ، إِنَّمَا بنوها لعبادتهم، وَقد أجمع الْعلمَاء أَن من صلى فِي كَنِيسَة أَو بيعَة على مَوضِع طَاهِر جَازَ. وَذكر أَبُو دَاوُد عَن عُثْمَان بن الْعَاصِ أَن النَّبِي ﷺ أمره أَن يَجْعَل مَسْجِد الطَّائِف حَيْثُ كَانَت طواغيتهم. وَقَوله تَعَالَى: " لَا تقم فِيهِ أبدا ". قد يعبر عَن الصَّلَاة بِالْقيامِ، وَمِنْه: " من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتساباً غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه ". وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ لَا يمر بِالطَّرِيقِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْمَسْجِد، وَأمر بموضعه أَن يتَّخذ كناسَة ومزبلة. وروى سعيد بن جُبَير أَن النَّبِي ﷺ لما أرسل ليهْدم رؤى الدُّخان يخرج مِنْهُ. وَقيل: كَانَ الرجل يدْخل فِيهِ سعفة فيخرجها سَوْدَاء محترقة. وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: جَهَنَّم فِي الأَرْض ثمَّ تَلا: " فانهار بِهِ فِي جَهَنَّم ". قَالَ الْقُرْطُبِيّ: اخْتلف هَل ذَلِك حَقِيقَة أم مجَاز على قَوْلَيْنِ، أَحدهمَا: أَن ذَلِك حَقِيقَة وَأَنه كَانَ يحْفر ذَلِك الْموضع الَّذِي انهار بِهِ فَيخرج مِنْهُ دُخان وَقَالَ جَابر بن
стр. 287
عبد الله: أَنا رَأَيْت الدُّخان يخرج مِنْهُ. وَقَالَ خلف بن سِيرِين: رَأَيْت فِي مَسْجِد الْمُنَافِقين حجرا يخرج مِنْهُ الدُّخان. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: هَذَا الْمَسْجِد قريب من مَسْجِد قبَاء وَهُوَ كَبِير وحيطانه عالية، وَقد كَانَ بِنَاؤُه مليحاً. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَأما الْيَوْم فَلَا أثر لَهُ وَلَا يعرف لَهُ مَكَان، وَمَا ذكره الشَّيْخ محب الدّين فَهُوَ وهم لَا اصل لَهُ. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَقد ذكر الشَّيْخ جمال الدّين وَابْن النجار هَذَا الْمَسْجِد فِي تاريخهما وعداه من جملَة الْمَسَاجِد الَّتِي صلى النَّبِي ﷺ فِيهَا، وَالنَّبِيّ ﷺ لم يصل فِيهِ فَلذَلِك أخرنا ذكره. انْتهى كَلَامه. وَأما النَّقَاء وحاجز الْمَذْكُورَان فِي الْأَشْعَار: فَاعْلَم أَن النَّقَاء من غربي مصلى الْعِيد الْمَذْكُور إِلَى منزلَة الْحجَّاج غربي وَادي بطحان، والوادي يفصل بَين مصلى الْعِيد والنقاء من أجل مجاورة المكانين، وَفِيه يَقُول بَعضهم مورياً عَن الشيب ومصلى الْجَنَائِز: أَلا يَا سائراً فِي قفر عَمْرو ... يكابد فِي المسرى وعراً وسهلاً بلغت نقاء المشيب وجزت عَنهُ ... وَمَا بعد النَّقَاء إِلَّا الْمصلى وَأما حاجز: فَهُوَ من غربي النَّقَاء إِلَى مُنْتَهى الْحرَّة من وَادي العقيق.
ذكر مَسَاجِد صلى فِيهَا النَّبِي ﷺ بِالْمَدِينَةِ المشرفة
: لَا يعرف الْيَوْم إِلَّا بعض أماكنها وَهِي فِي قرى الْأَنْصَار، مِنْهَا: مَسْجِد بني زُرَيْق من الْخَزْرَج وَهُوَ أول مَسْجِد قرئَ فِيهِ الْقُرْآن بِالْمَدِينَةِ قبل هِجْرَة النَّبِي ﷺ ، وَأَن رَافع بن مَالك الزرقي ﵁ لما لَقِي رَسُول الله ﷺ فِي الْعقبَة أعطَاهُ مَا نزل عَلَيْهِ من الْقُرْآن بِمَكَّة إِلَى لَيْلَة الْعقبَة، وَذكر أَن النَّبِي ﷺ تَوَضَّأ فِيهِ وَلم يصل. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وقرية بني زُرَيْق قبل سور الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَقبل الْمصلى، وَبَعضهَا كَانَ من دَاخل السُّور الْيَوْم بالموضع الْمَعْرُوف بدردان أَو ذِي أروان الَّتِي وضع لبيد ابْن عَاصِم وَهُوَ من يهود بني زُرَيْق السحر فِي راعونة بِئْرهَا والْحَدِيث مَشْهُور. وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْفَتْح: ذُو أروان اسْم محلّة بني زُرَيْق، وَهُنَاكَ بِئْر يُسمى بِئْر ذِي أروان وَالْمَسْجِد هُنَاكَ. وَمَسْجِد بني سَاعِدَة من الْخَزْرَج رَهْط سعد بن عبَادَة، ذكر أَن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ وَجلسَ فِي السَّقِيفَة. عَن عبد الْمُهَيْمِن بن عَبَّاس عَن سُهَيْل بن سعد عَن
стр. 288
أَبِيه عَن جده قَالَ: جلس رَسُول الله ﷺ فِي سقيفتنا الَّتِي عِنْد الْمَسْجِد واستقى، فخصت لَهُ وَطْأَة فَشرب ثمَّ قَالَ: زِدْنِي، فخصت لَهُ أُخْرَى فَشرب ثمَّ قَالَ: كَانَت الأولى أطيب وَفِي هَذِه السَّقِيفَة كَانَت بيعَة أبي بكر الصّديق ﵁ وقرية بني سَاعِدَة عِنْد بِئْر بضَاعَة، والبئر وسط بُيُوتهم، وشمالي الْبِئْر الْيَوْم إِلَى جِهَة الْمغرب بَقِيَّة أَطَم يُقَال إِنَّه من دَار أبي دُجَانَة ﵁ السغرى الَّتِي عِنْد بضَاعَة، وَمَسْجِد عِنْد بيُوت الْمَطَر عِنْد خيام بني عَفَّان، روى أَن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ، وَأَن تِلْكَ الْمنَازل كَانَت منَازِل آل بني وهم كُلْثُوم بن الْحصين الغافري ﵁. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين، وَلَيْسَت النَّاحِيَة مَعْرُوفَة الْيَوْم. وَمَسْجِد لجهينة وَلمن هَاجر من بني الربعة عَن خَارِجَة بن الْحَارِث بن رَافع عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: جَاءَ رَسُول الله يعود رجلا من أَصْحَابه فِي بني الربعة من جُهَيْنَة يُقَال لَهُ أَبُو مَرْيَم، فعاده بَين منزل بني قيس الْعَطَّار الَّذِي فِيهِ الأراكة وَبَين منزلهم الْأُخْرَى الَّذِي يَلِي دَار الْأَنْصَار، فصلة فِي الْمنزل فَقَالَ نفر من جُهَيْنَة لأبي مَرْيَم: لَو جِئْت رَسُول الله ﷺ فَسَأَلته أَن يخط لنا مَسْجِدا، فَقَالَ: احْمِلُونِي فَحَمَلُوهُ فلحق النَّبِي ﷺ فَقَالَ: مَا لَك يَا أَبَا مَرْيَم؟ " فَقَالَ: يَا رَسُول الله لَو خططت لنا مَسْجِدا، فجَاء إِلَى مَسْجِد جُهَيْنَة وَفِيه خيام ليلى فَأخذ طلقاً أَو محجناً فَخط لَهُم، فالمنزل لبلى والخطة لجهينة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهَذِه النَّاحِيَة الْيَوْم مَعْرُوفَة غربي حصن صَاحب الْمَدِينَة، والسور الْقَدِيم بَينهمَا وَبَين جبل سلع، وَعِنْدهَا أثر بَاب من أَبْوَاب الْمَدِينَة خراب، وَيعرف الْيَوْم بدرب جُهَيْنَة، والناحية من دَاخل السُّور بَينه وَبَين حصن الْمَدِينَة. وَمَسْجِد قار النَّابِغَة ذكر أَن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ. وَمَسْجِد بني عدي بن النجار ذكر أَن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ أَيْضا. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهَذِه الدَّار غربي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَهِي دَار بني عدي بن النجار وَمَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَمَا يَلِيهِ من جِهَة الْمشرق دَار غنم بن مَالك بن النجار. وَمَسْجِد بني خدرة. وَقيل: خدرة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الدَّال الْمُهْملَة واسْمه لأبجر بن عَوْف بن الْحَارِث، وَقيل: خدرة أم أبجر، وَالْأول أشهر، وَهُوَ بطن من الْأَنْصَار، وأبجر بِفَتْح الْهمزَة وَالْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة. عَن هِشَام بن عُرْوَة أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي مَسْجِد بني خدرة. وَعَن يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن أبي صعصعة أَن رَسُول الله ﷺ صلى فِي بعض منَازِل بني خدرة، فَهُوَ الْمَسْجِد الصَّغِير الَّذِي فِي بني خدرة مُقَابل بَيت
стр. 289
الْحَيَّة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَدَار بني خدرة عِنْد بِئْر البصة. وَمَسْجِد بني مَازِن عَن عَمْرو بن يحيى بن عمَارَة عَن أَبِيه أَن رَسُول الله وضع مَسْجِد بني مَازِن بن النجار بِيَدِهِ، وهيأ قبلته وَلم يصل فِيهِ. وَعَن يَعْقُوب بن مُحَمَّد بن أبي صعصعة أَن رَسُول الله ﷺ صلى فِي بَيت أم أبي بردة فِي بني مَازِن. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَدَار بني مَازِن قبلي بِئْر البصة وَتسَمى النَّاحِيَة الْيَوْم أَبَا مَازِن. وَمَسْجِد بني جديلة وَهُوَ مَسْجِد أبي بن كَعْب ﵁ عَن يُوسُف الْأَعْرَج وَرَبِيعَة بن عُثْمَان أَن رَسُول الله ﷺ صلى فِي مَسْجِد بني جديلة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَدَار بني جديلة عِنْد بِئْر حاء شمَالي سور الْمَدِينَة من جِهَة الْمشرق، وَبَنُو جديلة هم بَنو مُعَاوِيَة بن عَمْرو بن مَالك بن النجار بن الْخَزْرَج. وَمَسْجِد بني دِينَار ذكر أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي مَسْجِد بني دِينَار عِنْد العالين، وَأَن أَبَا بكر ﵁ تزوج امْرَأَة من بني دِينَار بن النجار، فَكَانَ رَسُول الله ﷺ يعودهُ، فكلموه أَن يُصَلِّي لَهُم فِي مَكَان يصلونَ فِيهِ فصلى لَهُم فِي هَذَا الْمَسْجِد، وَمَسْجِد بني دِينَار بَين دَار بني جديلة وَدَار بني مُعَاوِيَة أهل مَسْجِد الإباجة الْمُتَقَدّم ذكره أَعنِي مَسْجِد بني مُعَاوِيَة فَهَذِهِ بطُون بني النجار كلهَا، ودورهم هَذِه الْمَذْكُورَة بِالْمَدِينَةِ وَمَا حولهَا من جِهَة الشمَال إِلَى مَسْجِد الْإِجَابَة، وهم بَنو غنم بن النجار، وَبَنُو عدي بن النجار، وَبَنُو مَازِن بن النجار، وَبَنُو دِينَار بن النجار، وَبَنُو مُعَاوِيَة بن النجار. وَمَسْجِد بِأَصْل المنارتين من طَرِيق العقيق الْكُبْرَى صلى فِيهِ ﷺ وَهُوَ لَا يعرف. وَمَسْجِد بني حَارِثَة من الْأَوْس ذكر أَن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ، وَدَار بني حَارِثَة بِيَثْرِب. وَمَسْجِد بني عبد الْأَشْهَل رَهْط سعد بن معَاذ وَأسيد بن حصن ذكر أَن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ، وَأَن أم عَامر بن يزِيد بن السكن أَتَت رَسُول الله ﷺ بعرف فتعرفه ثمَّ قَامَ قَالَ: فصلى فَلم يتَوَضَّأ، وَبَنُو عبد الْأَشْهَل منسوبون إِلَى عبد الْأَشْهَل بن جشم بن الْحَارِث بن الْخَزْرَج، قَالَ النَّبِي ﷺ : " خير دور الْأَنْصَار بَنو النجار، ثمَّ بَنو عبد الْأَشْهَل، ثمَّ بَنو الْحَارِث ثمَّ بَنو سَاعِدَة، وَفِي كل دور بني الْأَنْصَار خير ". وَمَسْجِد بني الحبلى وهم رَهْط عبد الله بن سلول، ذكر أَنه ﷺ صلى فِيهِ. وَمَسْجِد بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج، ذكر أَنه ﷺ صلى فِيهِ. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَدَار بني الحبلى بَين قبَاء وَبَين دَار بني
стр. 290
النجار، وَدَار بني النجار شَرْقي وَادي بطحان، تعرف الْيَوْم بِالْحَارِثِ بِإِسْقَاط بني. وَمَسْجِد بني أُميَّة بن زيد بالعوالي فِي الكبا عِنْد مَال نهيك بن أبي نهيك، ذكر أَنه ﷺ صلى فِيهِ. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: ودارهم شَرْقي دَار بني الْحَارِث، وَفِيهِمْ كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ نازلاً بامرأته الْأَنْصَارِيَّة أم عَاصِم بنت أَو أُخْت عَاصِم بن ثَابت بن أبي الْأَفْلَح ﵁ وَمَسْجِد بني خدرة ذكر أَنه ﷺ صلى فِيهِ مَسْجِد بني خدرة عِنْد الأطم الَّذِي بجوار سعد بن عبَادَة، وَوضع ﷺ يَده على الْحجر الَّذِي فِي أَطَم سعد. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهَذِه الدَّار قبلي دَار بني سَاعِدَة وَبَين بضَاعَة وَمِمَّا يَلِي سوق الْمَدِينَة، عرضه مَا بَين الْمصلى إِلَى جِدَار سعد الْمَذْكُور، وَهِي جِدَار كَانَ يَسْتَقِي النَّاس فِيهَا المَاء كَمَا ورد عَنهُ بعد وَفَاة أمه ﵁. وَمَسْجِد النُّور صلى ﷺ فِيهِ وَلَا يعرف الْيَوْم. وَمَسْجِد بني وَاقِف ذكر أَنه ﷺ صلى فِيهِ وَهُوَ مَوضِع بالعوالي، كَانَت فِيهِ منَازِل بني وَاقِف من الْأَوْس رَهْط هِلَال بن أُميَّة الوَاقِفِي، أحد الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا، وَلَا يعرف مَكَان دَارهم الْيَوْم إِلَّا أَنَّهَا بالعوالي. وَمَسْجِد فِي دَار سعد بن خَيْثَمَة بقباء ذكر أَنه ﷺ صلى فِيهِ. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَدَار سعد بن خَيْثَمَة أحد الدّور الَّتِي قبل مَسْجِد قبَاء، يزورها النَّاس إِذا زاروا قبَاء وَهُنَاكَ أَيْضا دَار كُلْثُوم بن الْهدم فِي تِلْكَ الْعَرَصَة وَكَانَ ﷺ نازلاً بهَا خين قدم الْمَدِينَة، وَكَذَلِكَ أَهله ﷺ ، وَأهل أبي بكر ﵁ حِين قدم بهم عَليّ بن أبي طَالب ﵁، وَهن سَوْدَة بنت زَمعَة وَعَائِشَة وَأمّهَا أم رُومَان، وَأُخْتهَا أَسمَاء بنت أبي بكر ﵁، وَولدت أَسمَاء عبد الله بن الزبير قبل نزولهم إِلَى الْمَدِينَة، فَكَانَ أول مَوْلُود ولد من الْمُهَاجِرين بِالْمَدِينَةِ. وَمَسْجِد التَّوْبَة صلى ﷺ فِيهِ وَهُوَ بالعصبة عِنْد بئرهم، وَهُوَ غير مَعْرُوف. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: أما الْعصبَة فَهِيَ غربي مَسْجِد قبَاء، فِيهَا مزارع وآبار كَثِيرَة، وَهِي منَازِل بني حججابن لَعَلَّه بطن من الْأَوْس. وَمَسْجِد بني أنيف يَقُولُونَ: صلى رَسُول الله ﷺ فِيمَا كَانَ يعود طَلْحَة بن الْبَراء ﵁ قَرِيبا من أطمهم. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: يلون دَار بني أنيف وهم بطن من الْأَوْس بَين قَرْيَة بني عَمْرو بن عَوْف بقباء وَبَين الْعصبَة. وَمَسْجِد الشيختين وَيُسمى مَسْجِد الشَّيْخ صلى ﷺ فِيهِ، وَهُوَ مَوضِع بَين
стр. 291
الْمَدِينَة وَبَين أحد، على الطَّرِيق الشرقية مَعَ الْحرَّة إِلَى جبل أحد، وَذكروا أَنه ﷺ من هُنَاكَ غَدا إِلَى أحد يَوْم أحد كَمَا قدمنَا. وَمَسْجِد بني حطمة صلى ﷺ فِيهِ. وَمَسْجِد الْعَجُوز ذكر أَنه ﷺ صلى فِي مَسْجِد الْعَجُوز ببني حطمة وَهِي امْرَأَة من بني سليم وَمَسْجِد بني وَائِل صلى ﷺ فِيهِ. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: الظَّاهِر أَن مَنَازِلهمْ بالعوالي شَرْقي مَسْجِد الشَّمْس؛ لِأَن تِلْكَ النواحي كلهَا ديار الْأَوْس، وَمَا سفل من ذَلِك إِلَى الْمَدِينَة ديار الْخَزْرَج. وَمَسْجِد بني بياضة من الْخَزْرَج صلى ﷺ فِيهِ، وَبَنُو بياضة بطن من الْأَنْصَار ثمَّ من الْخَزْرَج. قَالَ المطري: وَكَانَت دَار بني بياضة فِيمَا بَين دَار بني مَازِن، لِأَن رَسُول الله ﷺ لما صلى الْجُمُعَة فِي بني سَالم بن عَوْف برانوناء ركب رَاحِلَته، فَانْطَلَقت بِهِ حَتَّى وارت دَار بني بياضة تِلْقَاء زِيَاد بن لبيد وفروة بن عمْرَة فِي رجال بني بياضة وَمَسْجِد بفيفاء الْخِيَار ذكر ابْن إِسْحَاق فِي غَزْوَة الْعَشِيرَة أَن النَّبِي ﷺ سلك على نقب بني دِينَار ثمَّ على فيفاء الْخِيَار، فَنزل تَحت شَجَرَة ببطحاء ابْن زَاهِر يُقَال لَهَا ذَات السَّاق، فصلى عِنْدهَا فثم مَسْجده وصنع لَهُ طَعَاما عِنْدهَا، وَمَوْضِع أبانى المرمة مَعْلُوم، واستقى لَهُ من مَاء يُقَال لَهُ المشترب. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: فيفاء الْخِيَار غربي الجماوات الَّتِي بوادي العقيق وَهِي الْجبَال الَّتِي فِي غربي وَادي العقيق، وَهِي أَرض فِيهَا سهولة وفيهَا حِجَارَة وحفائر، وَهُوَ الْموضع الَّذِي كَانَت ترعى فِيهِ إبل الصَّدَقَة ولقاح رَسُول الله ﷺ ، لِأَنَّهُ ورد فِي رِوَايَة أَنَّهَا إبل الصَّدَقَة، وَفِي أُخْرَى أَنَّهَا لقاح رَسُول الله ﷺ ، وَأَنَّهَا كَانَت ترعى بِذِي آكِد وَغَرْبِيٌّ جبل عير على سِتَّة أَمْيَال من الْمَدِينَة، وَالرِّوَايَتَانِ صحيحتان، وَالْجمع بَينهمَا: أَن النَّبِي ﷺ كَانَت لَهُ إبل من نصِيبه من الْمغنم، وَكَانَت ترعى مَعَ إبل الصَّدَقَة، فَنحر مرّة عَن إبِله، وَمرَّة عَن إبل الصَّدَقَة وَإِن النَّفر من عكل أَو من عرينة أَمرهم رَسُول الله ﷺ أَن يلْحقُوا بِإِبِل الصَّدَقَة يشْربُوا من أبوالها وَأَلْبَانهَا فَفَعَلُوا، ثمَّ قتلوا الرَّاعِي وَكَانَ يُسمى يسَار من موَالِي رَسُول الله ﷺ وَاسْتَاقُوا الْإِبِل، فَبعث فِي أَثَرهم عشْرين فَارِسًا وَاسْتعْمل عَلَيْهِم ثَوْر بن جَابر الفِهري فأدركوهم فربطوهم، وَفقدُوا وَاحِدَة من لقاح رَسُول الله ﷺ تدعى الْحِنَّاء، فَلَمَّا دخلُوا بهم الْمَدِينَة كَانَ رَسُول الله ﷺ بِالْغَابَةِ أَسْفَل الْمَدِينَة فَخَرجُوا بهم نَحوه فَلَقوهُ وَهُوَ رَاجع إِلَى الْمَدِينَة، وَهُوَ الْيَوْم مَوضِع مَعْرُوف يجْتَمع فِيهِ سيل قبَاء وسيل بطحان، فَأمر بهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 292
فَقطعت أَيْديهم وأرجلهم وسملت أَعينهم وصلبوا هُنَاكَ.
ذكر الْمَسَاجِد الَّتِي صلى فِيهَا ﷺ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة
: مِنْهَا: مَسْجِد ذِي الحليفة، وَهِي محرم الْحجَّاج مِيقَات أهل الْمَدِينَة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَمَسْجِد الحليفة هُوَ الْمَسْجِد الْكَبِير الَّذِي هُنَاكَ، وَكَانَت فِيهِ عُقُود فِي قبلته ومنارة فِي رُكْنه الغربي الشمالي فتهدم على طول الزَّمَان، وَهُوَ مَبْنِيّ على مَوضِع الشَّجَرَة الَّتِي كَانَت هُنَالك وَبهَا سمي مَسْجِد الشَّجَرَة، والبئر من جِهَة شماليه، وَفِي هَذَا الْمَسْجِد مَسْجِد آخر أَصْغَر مِنْهُ، وَلَا يبعد أَن يكون ﷺ صلى فِيهِ بَينهمَا مِقْدَار رمية سهم، وَعَن عبد الله بن عمر أَنه قَالَ: بَات رَسُول الله ﷺ بِذِي الحليفة مبدأه وَصلى فِي مَسْجِدهَا. ويروى أَن النَّبِي ﷺ صلى فِي مَسْجِد الشَّجَرَة إِلَى جِهَة الإسطوان الْوُسْطَى اسْتَقْبلهَا، وَكَانَ مَوضِع الشَّجَرَة الَّتِي كَانَ النَّبِي ﷺ صلى إِلَيْهَا وَكَانَت سَمُرَة، فَيَنْبَغِي للْحَاج إِذا وصل إِلَى ذِي الحليفة أَن لَا يتَعَدَّى فِي نُزُوله الْمَسْجِد الْمَذْكُور من أَربع نواحيه. وَمَسْجِد بشرقي الروحاء الروحاء من أَعمال الْفَرْع عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه قَالَ: صلى رَسُول الله ﷺ بشرقي الروحاء عَن يَمِين الطَّرِيق وَأَنت ذَاهِب إِلَى مَكَّة وَعَن يسارها وَأَنت مقبل من مَكَّة. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: شَرق الروحاء هُوَ آخر السيالة وَأَنت مُتَوَجّه إِلَى مَكَّة، وَأول السيالة إِذا قطعت فرش مَالك وَأَنت مغرب، وَكَانَت الصخيرات صخيرات الإِمَام عَن يَمِينك، وهبطت من فرش مَالك ثمَّ رجعت عَن يسارك واستقبلت الْقبْلَة هَذِه السيالة، وَكَانَت قد تجدّد فِيهَا بعد النَّبِي ﷺ عُيُون وسكان وَآخِرهَا الشرق الْمَذْكُور، وَالْمَسْجِد عِنْده وَعِنْده قُبُور قديمَة، ثمَّ تهبط فِي وَادي الروحاء مُسْتَقْبل الْقبْلَة، وتعرف الْيَوْم بوادي بني سَالم بطن من حَرْب، فتمشى مُسْتَقْبل الْقبْلَة وَشعب على ابْن أبي طَالب ﵁ على يسارك إِلَى أَن يَدُور الطَّرِيق بك إِلَى الْمغرب وَأَنت مَعَ أصل الْجَبَل الَّذِي على يَمِينك، وَأول مَا يلقاك مَسْجِد على يَمِينك وَيعرف ذَلِك الْمَكَان بغرف الظبية، وَيبقى جبل ورقان على يسارك، وَمَسْجِد بغرف الظبية وَهُوَ الْمُتَقَدّم ذكره آنِفا، وَكَانَ فِيهِ قُبُور كَثِيرَة فِي قبلته فمهدهم ﷺ ، وَفِي الْمَسْجِد الْآن حجر قد نقش عَلَيْهِ بالخط الْكُوفِي عِنْد عِمَارَته الْميل الْفُلَانِيّ من الْبَرِيد الْفُلَانِيّ. وَمَسْجِد الزبير: حَدثنَا ابْن الْحسن عَن أَخِيه عَن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن
стр. 293
عَوْف عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: أول غزَاة غَزَاهَا رَسُول الله ﷺ وانا مَعَه غَزْوَة الإيواء حَتَّى إِذا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ عِنْد غرف الظبية قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا اسْم هَذَا الْجَبَل يَعْنِي ورقان؟ هَذَا حمت اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ وَبَارك لأَهله فِيهِ، تَدْرُونَ مَا اسْم هَذَا الْوَادي يَعْنِي وَادي الروحاء؟ هَذَا سجاسج، لقد صلى فِي هَذَا الْمَسْجِد قبلي سَبْعُونَ نَبيا، وَلَقَد مر بهَا يَعْنِي الروحاء مُوسَى بن عمرَان ﷺ فِي سبعين ألفا من بني إِسْرَائِيل، عَلَيْهِ عباءتان قطوانيتان على نَاقَة لَهُ وَرْقَاء، وَلَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يمر بهَا عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵉ حَاجا أَو مُعْتَمِرًا أَو يجمع الله تَعَالَى لَهُ ذَلِك ". وَذكر أَبُو عبيد الْبكْرِيّ: أَن قبر مُضر بن نزار بِالرَّوْحَاءِ على لَيْلَتَيْنِ من الْمَدِينَة بَينهمَا أحد وَأَرْبَعُونَ ميلًا. وَقيل: أَرْبَعُونَ، وَقيل عشرَة فراسخ، وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ ميلًا، وَفِي صَحِيح مُسلم: أَن مَا بَين الروحاء وَالْمَدينَة سِتَّة وَثَلَاثُونَ ميلًا. وَمَسْجِد الغزالة: فِي آخر وَادي الروحاء مَعَ طرف الْجَبَل على يسارك وَأَنت ذَاهِب إِلَى مَكَّة المشرفة، لم يبْق مِنْهُ الْيَوْم إِلَّا عقد الْبَاب، صلى فِيهِ رَسُول الله ﷺ وَعَن يَمِين الطَّرِيق إِذا كنت بِهَذَا الْمَسْجِد وَأَنت مُسْتَقْبل النازية مَوضِع كَانَ عبد الله بن عمر ينزل فِيهِ، وَيَقُول: هَذَا مِنْبَر رَسُول الله ﷺ وَكَانَ ثمَّ شَجَرَة كَانَ عمر ﵁ يصب فضل وضوئِهِ فِي أَصْلهَا، وَيَقُول: هَكَذَا رَأَيْت النَّبِي ﷺ يفعل. وَإِذا كَانَ الْإِنْسَان عِنْد مَسْجِد الغزالة الْمَذْكُور كَانَت كريق النَّبِي ﷺ إِلَى مَكَّة المشرفة على يسَاره مُسْتَقْبل الْقبْلَة، وَفِي الطَّرِيق الْمَعْهُود من قديم الزَّمَان يمر على بِئْر يُقَال لَهَا السقيا، ثمَّ على ثنية هرشاء، وَهِي طَرِيق الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم وَالطَّرِيق الْيَوْم فِي طَرِيق الروحاء على النازية إِلَى مضيق الصَّفْرَاء، وَمَسْجِد على يَمِين الطَّرِيق الْمَذْكُورَة تَجدهُ حِين تُفْضِي من أكمة دون الدويثة بميلين تَحت صخيرة ضخمة، قد انْكَسَرَ أَعْلَاهَا فانثنى فِي جوفها وَهِي قَائِمَة على سَاق، والدويثة مَعْرُوفَة وَالْمَسْجِد غير مَعْرُوف. وَمَسْجِد بطرِيق بلعة من وَرَاء العرج وَأَنت ذَاهِب إِلَى مَكَّة المشرفة عَن يَمِين الطَّرِيق على رَأس خَمْسَة أَمْيَال من العرج إِلَى هبطة هُنَاكَ، وَعِنْدهَا ثَلَاثَة أقبر ورضم من حِجَارَة بَين سلمات كَانَ عبد الله بن عمر يروح من العرج بعد أَن تميل الشَّمْس بالهاجرة فَيصَلي الظّهْر فِي هَذَا الْمَسْجِد، وَالْعَرج مَعْرُوف إِلَّا الْمَسْجِد. وَمَسْجِد على يسَار الطَّرِيق وَأَنت ذَاهِب إِلَى مَكَّة المشرفة فِي مسيل دون ثنية هرشاء إِلَى سرحة هِيَ أقرب السرحات إِلَى الطَّرِيق وَهِي أَطْوَلهنَّ، وَعقبَة هرشاء مَعْرُوفَة سهلة المسالك. وَمَسْجِد بالأثاثة وَلَا تعرف. وَمَسْجِد بالمسيل الَّذِي بوادي مر الظهْرَان حِين
стр. 294
تهبط من الصفراوات على يسَار الطَّرِيق وَأَنت ذَاهِب إِلَى مَكَّة المشرفة. وَمَسْجِد بِذِي طوى ووادي طوى بِمَكَّة بَين الثنيتين ومصلى رَسُول الله ﷺ مِنْهُ أكمة سَوْدَاء، تدع من الأكمة عشرَة أَذْرع أَو نَحْوهَا يَمِينا، ثمَّ تصلي مُسْتَقْبل الفرضين بَين الْجَبَل الطَّوِيل الَّذِي بَيْنك وَبَين الْكَعْبَة وَلَيْسَ بِمَعْرُوف، وَذكر أَن رَسُول الله ﷺ نزل بالدبة دبة المستعجلة من الْمضيق واستقى لَهُ من بِئْر الشعبة الصابة اسفل من الدبة فَهُوَ لَا يفارقها المَاء أبدا، قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: والمستعجلة هِيَ الْمضيق الَّذِي يصعد إِلَيْهِ الْحَاج إِذا قطع النازية وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى الصَّفْرَاء. وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن رَسُول الله ﷺ نزل بشعب يسفر، وَهُوَ الشّعب الَّذِي بَين المستعجلة والصفراء، وَقسم بِهِ غَنَائِم أهل بدر، وَلَا يزَال المَاء بِهِ غَالِبا. وَمَسْجِد الصَّفْرَاء ذكر ابْن زباله أَن النَّبِي ﷺ صلى فِيهِ، وَصلى بِمَسْجِد آخر بِموضع يُسمى ذَات الْمَنّ مضيق الصَّفْرَاء، وَفِي مَسْجِد آخر بدفران وَاد مَعْرُوف يصب فِي الصَّفْرَاء من جِهَة الغرب، وَأَنَّهُمْ حفروا بِئْرا فِي مَوضِع سُجُود النَّبِي ﷺ ووجدوا المَاء بهَا لَهُ فضل من العذوبة على مَا حولهَا ببركة النَّبِي ﷺ . وَمَسْجِد بالبرود ذكرُوا أَن النَّبِي ﷺ نزل فِي مَوضِع الْمَسْجِد الَّذِي بالبرود من مضيق الْفرج وَصلى فِيهِ رَسُول الله ﷺ . وَمَسْجِد من طَرِيق مبرك ذكرُوا أَنه ﷺ صلى فِيهِ فِي مطلعه من طَرِيق مبركه فِي مَسْجِد هُنَاكَ بَينه وَبَين زعان بِسِتَّة أَمْيَال.
ذكر الْمَسَاجِد الْمَشْهُورَة الَّتِي صلى فِيهَا النَّبِي ﷺ فِي الْغَزَوَات وَغَيرهَا
: مِنْهَا: مَسْجِد بعضد على مرحلة من الْمَدِينَة صلى فِيهِ ﷺ عِنْد خُرُوجه إِلَى خَيْبَر. وَمَسْجِد بالصهباء والصهباء من أدنى خَيْبَر صلى بِهِ الْمَعْرُوف وَهُوَ مَعْرُوف، وَذكر ابْن زبالة أَن رَسُول الله ﷺ حِين وصل إِلَى خَيْبَر من رُجُوعه من الطَّائِف نزل بَين أهل الشق وَأهل النضاة وَصلى إِلَى عَوْسَجَة هُنَاكَ، وَجعل حول مُصَلَّاهُ حِجَارَة يعرف بهَا. وَمَسْجِد بشمران ذكر ابْن زبالة أَنه ﷺ صلى أَيْضا على جبل بِخَيْبَر يُقَال لَهُ شمران فثم مَسْجده من نَاحيَة سهم بني النزار. قَالَ المطري وَيعرف الْجَبَل الْيَوْم بسمران بِالسِّين الْمُهْملَة يرْوى أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " ميلان فِي ميل من خَيْبَر مقدس " وَعَن سعيد بن الْمسيب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " خَيْبَر مُقَدَّسَة والسوارقة مؤتفكة ". وخيبر كَانَت مسكن الْيَهُود وَمَوْضِع الْجَبَابِرَة مِنْهَا على ثَمَانِيَة برد من الْمَدِينَة، وَفِي خَيْبَر رد رَسُول الله ﷺ الشَّمْس على عليّ ﵁ بعد مَا غربت حَتَّى صلى الْعَصْر. وَمَسْجِد ببدر كَانَ عِنْد
стр. 295
الْعَريش الَّذِي بنى لرَسُول الله ﷺ يَوْم بدر، وَهُوَ مَعْرُوف الْيَوْم يُصَلِّي فِيهِ بِبَطن الْوَادي بَين النخيل وَالْعين قريبَة مِنْهُ. وَمَسْجِد بالعشيرة فِي بطن يَنْبع مَعْرُوف الْيَوْم. وَمَسْجِد بِالْحُدَيْبِية لَا يعرف بل يعرف ناحيته لَا غير، وَهُوَ بَين جدة وَمَكَّة، بَينه وَبَين جدة مثل مَا بَين مَكَّة والطائف، وَمثل مَا بَين مَكَّة وَعُسْفَان. قَالَ مَالك: وَبَينهمَا أَرْبَعَة برد. وَتقدم تَحْدِيد الْحُدَيْبِيَة وتعريفها فِي محلهَا. وَمَسْجِد لية من أَرض الطَّائِف قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَهُوَ مَعْرُوف رَأَيْته وَعِنْده أثر فِي حجر يُقَال إِنَّه أثر خف نَاقَة النَّبِي ﷺ ، وأقاد النَّبِي ﷺ بنحرة الرُّغَاء حِين قدم، وَهُوَ أول دم أقيد فِي الْإِسْلَام رجل من بني لَيْث قتل رجلا من بني هُذَيْل فَقتله بِهِ. قَالَ أَيْن إِسْحَاق: ثمَّ سلك من لية على نخب وَهِي عقبَة فِي الْجَبَل حِين نزل تَحت سِدْرَة يُقَال لَهَا الصادرة، ثمَّ ارتحل فَنزل بِالطَّائِف وَكَانَ قد نزل قَرِيبا من حصن الطَّائِف فَقتل جمَاعَة من أَصْحَابه بِالنَّبلِ، فانتقل إِلَى مَوضِع مَسْجده الَّذِي بِالطَّائِف الْيَوْم. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَهَذَا الْحصن بَاقٍ إِلَى الْآن بِالْبِنَاءِ الجاهلي وَفِيه بِئْر وفيهَا تنين عَظِيم يمنعهُم الْبناء فِيهِ إِلَّا أَن يذبحوا عِنْده، وَهُوَ بِالْقربِ من مَسْجِد الْحجَّاج بن يُوسُف، وَقد كَانَ بنى هَذَا الْمَسْجِد بتربة حَمْرَاء يُؤْتى بهَا من الْيمن، وَلم يبْق إِلَّا آثاره ومنارتاه خراب، وَمَسْجِد رَسُول الله ﷺ بِالطَّائِف فِي وسط الْمَسْجِد الْمَعْرُوف الْيَوْم بِمَسْجِد سيدنَا عبد الله بن عَبَّاس ﵄، وَفِي ركن الْمَسْجِد الْكَبِير مَنَارَة عالية بنيت فِي أَيَّام النَّاصِر لدين الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المستضئ، وَخَلفه تَحت المنارة بِئْر ينزل فِيهَا إِلَى المَاء بدرج قريب الْأَرْبَعين دَرَجَة، وَمَسْجِد رَسُول الله ﷺ فِي هَذَا الْجَامِع بَين قبتين صغيرتين يُقَال إنَّهُمَا بنيتا فِي مَوضِع قبتي زوجتيه ﷺ اللَّتَيْنِ كَانَتَا مَعَه عَائِشَة وَأم سَلمَة ﵄ وَبَين القبتين محراب، وَكَذَلِكَ قُدَّام الْقبْلَة أَيْضا محراب، وَلَا يبعد أَن يكون ﷺ صلى فِي المحرابين، وللمسجد العباسي أَرْبَعَة أروقة فِي قبلته، وَله ثَلَاثَة أَبْوَاب فِي يَمِينه ويساره ومؤخره، وَفِي رُكْنه الْأَيْمن القبلي قبر سيدنَا عبد الله بن الْعَبَّاس ابْن عَم سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، وعَلى قَبره ملبن سَاج على بُنيان طوله من الأَرْض ثَلَاثَة أشبار، وَعرضه بطول الْقَبْر عشرَة أشبار وَقَلِيل، وَعرض الْقَبْر سِتَّة أشبار وَقَلِيل، أَمر بِعَمَلِهِ الإِمَام المقتفى لأمر الله فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، كَذَا مَكْتُوب فِي الْخشب، وَتُوفِّي بِالطَّائِف سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَقد أضرّ. قَالَ مَيْمُون بن مهْرَان: شَهِدنَا جنَازَته بِالطَّائِف فَلَمَّا وضع ليسلم عَلَيْهِ جَاءَ طَائِر أَبيض حَتَّى دخل فِي أَكْفَانه فالتمس فَلم يُوجد، فَلَمَّا سوى عَلَيْهِ التُّرَاب سمعنَا صَوتا وَلم نر شخصا
стр. 296
يَقُول: " يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية ". . إِلَى آخر السُّورَة. وَعِنْده فِي الْقبَّة ثَلَاثَة قُبُور، هَذَا قبر زبيدة توفيت فِي جُمَادَى الْآخِرَة من سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَالظَّاهِر أَن هَذِه عين زبيدة بنت جَعْفَر امْرَأَة هَارُون الرشيد، وَقد ذكر المَسْعُودِيّ فِي " مروج الذَّهَب ": أَن زبيدة بنت جَعْفَر توفيت سنة سِتّ عشر وَمِائَتَيْنِ فِي خلَافَة الْمَأْمُون، اسْمهَا أمة الْعَزِيز وَهِي ابْنة عمَّة الرشيد وَزَوجته وَأم الْأمين، وَهِي الَّتِي بنت الْآبَار والبرك والمصانع بِمَكَّة المشرفة، وحفرت الْعين الْمَعْرُوفَة بِعَين المشاش بِالْحِجَارَةِ، وأجرتها من مَسَافَة اثْنَي عشر ميلًا إِلَى مَكَّة المشرفة وأنفقت عَلَيْهَا ألف ألف مِثْقَال وَسَبْعمائة ألف مِثْقَال وأدخلتها مَكَّة وفرقتها فِي شوارعها. المشاش بِالْحِجَارَةِ، وأجرتها من مَسَافَة اثْنَي عشر ميلًا إِلَى مَكَّة المشرفة وأنفقت عَلَيْهَا ألف ألف مِثْقَال وَسَبْعمائة ألف مِثْقَال وأدخلتها مَكَّة وفرقتها فِي شوارعها. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَرَأَيْت بِالطَّائِف شجرات سدر يذكر أَنَّهُنَّ من عهد رَسُول الله ﷺ ، فِيهِنَّ وَاحِدَة دفر جدرها خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ شبْرًا، وَأُخْرَى تزيد على الْأَرْبَعين، وَأُخْرَى سَبْعَة وَثَلَاثُونَ، قَالَ: وَهُنَاكَ شَجَرَة يذكر أَن النَّبِي ﷺ مر بهَا وَهُوَ على رَاحِلَته فانفرق جدرها نِصْفَيْنِ، يذكر أَن نَاقَته ﷺ دخلت من بَينهمَا وَهُوَ ناعس، قَالَ ﵀: رَأَيْتهَا فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة، وحملت من ثَمَرهَا إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ دخلت الطَّائِف فِي سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة فرأيتها قد وَقعت ويبست وجدرها ملقى لَا يمسهُ أحد لحرمتها. قَالَ الْمرْجَانِي: وَرَأَيْت بوح قَرْيَة من قرى الطَّائِف سِدْرَة محاذية للحيرة قَرْيَة أَيْضا يذكر أَن النَّبِي ﷺ جلس تحتهَا حِين أَتَاهُ عديس بالطبق الْعِنَب وَأسلم، وَقَالَ: شَجَرَة مُحَمَّد، والقصة مَشْهُورَة، قَالَ: وَرَأَيْت غاراً فِي جبل هُنَاكَ عِنْد آخر الْحيرَة تَحت الْعين يذكر أَنه جلس فِيهِ رَسُول الله ﷺ . انْتهى.
стр. 297
الْفَصْل الثَّامِن
: ذكر وَفَاة رَسُول الله وصاحبيه ﷺ وَفِيه ذكر وَفَاة أبي بكر الصّديق ﵁ ووفاة عمر ﵁ وَذكر مَا جَاءَ أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر وَعمر ﵄ وَعِيسَى ﵇ خلقُوا من طِينَة وَاحِدَة وَمَا جَاءَ فِي صفة وضع الْقُبُور المقدسة وَصفَة الْحُجْرَة الشَّرِيفَة.
стр. 298
أما ذكر وَفَاة رَسُول الله ﷺ
قَالَ الله تَعَالَى: " إِنَّك لمَيت وَإِنَّهُم ميتون ". حكى أَبُو معَاذ عَن النَّحْوِيين أَن الميْت بِالتَّخْفِيفِ الَّذِي فَارقه الرّوح، وبالتشديد الَّذِي لم يكن يمت بعد وَهُوَ يَمُوت، فَأخْبرهُ تَعَالَى أَنه ميّت إِشَارَة إِلَى قَوْله تَعَالَى: " كل من عَلَيْهَا فان ". ثمَّ عَن الله تَعَالَى خيّره حِين بعث إِلَيْهِ ملك الْمَوْت على أَن يقبض روحه أَو ينْصَرف، فَلم يُخَيّر قبله نَبِي وَلَا رَسُول أَلا ترى إِلَى مُوسَى ﵇ حِين قَالَ ملك الْمَوْت: أجب رَبك، فَلَطَمَهُ ففقأ عينه، وَلَو أَتَاهُ على وَجه التَّخْيِير لما بَطش بِهِ، وَقَول ملك الْمَوْت حِين رَجَعَ: إِنَّك أرسلتني إِلَى عبد لَا يُرِيد الْمَوْت قَالَ الإِمَام أَبُو إِسْحَاق الثَّعْلَبِيّ: وقصة مُوسَى وَملك الْمَوْت لَا يردهَا إِلَّا كل مُبْتَدع ضال، يُؤَيّدهُ قَوْله ﷺ : " إِن ملك الْمَوْت كَانَ يَأْتِي النَّاس عيَانًا حَتَّى أَتَى مُوسَى ﵇ ليقبضه فَلَطَمَهُ ففقأ عينه، فجَاء ملك الْمَوْت بعد ذَلِك خُفْيَة ". وَكَذَلِكَ قصَّته مَعَ دَاوُد ﵇ حِين غلقت عَلَيْهِ أبوابه فَرَأى ملك الْمَوْت عِنْده فَقَالَ لَهُ: مَا أدْخلك دَاري بِغَيْر إذني، فَقَالَ: أَنا الَّذِي أَدخل على الْمُلُوك بِغَيْر إِذن، فَقَالَ: فَأَنت ملك الْمَوْت، قَالَ: نعم، قَالَ: جِئْت دَاعيا أم ناعياً؟ قَالَ: بل ناعياً، قَالَ: فَهَلا أرْسلت إليّ قبل ذَلِك لأستعد للْمَوْت؟ قَالَ: كم أرْسلت إِلَيْك فَلم تنتبه، قَالَ: وَمن كَانَت رسلك؟ قَالَ: يَا دَاوُد أَيْن أَبوك؟ أَيْن أمك؟ أَيْن أَخُوك؟ قَالَ: مَاتُوا، قَالَ: أما علمت أَنهم رُسُلِي وَأَن النّوبَة تبلغك. قَالَ الْعلمَاء: وابتدأ برَسُول الله ﷺ وَجَعه يَوْم الْخَمِيس فِي لَيَال بَقينَ من صفر، وَقيل: فِي أول ربيع الأول فِي السّنة الْحَادِيَة عشر من الْهِجْرَة، وَمُدَّة مَرضه ﵊ اثْنَي عشر يَوْمًا، وَقيل: أَرْبَعَة عشر، وَكَانَ مَرضه بالصداع، وَاشْتَدَّ وَجَعه ﷺ فِي بَيت مَيْمُونَة فَدَعَا نِسَاءَهُ واستأذنهن فِي أَن يمرض فِي بَيت عَائِشَة ﵂ فَأذن لَهُ فَخرج يمشي بَين رجلَيْنِ من أهل بَيته الْفضل بن الْعَبَّاس وَعلي ﵄ وَخرج نَهَار الْخَمِيس فصلى على أَصْحَاب أحد
стр. 299
واستغفر لَهُم، ثمَّ أَمر بسد الْأَبْوَاب فِي الْمَسْجِد إِلَّا بَاب أبي بكر. قَالَت عَائِشَة ﵂: اضْطجع فِي حجري فَدخل عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر فِي يَده سواك أَخْضَر، قَالَت: فَنظر رَسُول الله ﷺ فِي يَده نظرا عرفت أَنه يُريدهُ، قَالَت: فَقلت: يَا رَسُول الله أَتُحِبُّ أَن أُعْطِيك هَذَا السِّوَاك؟ قَالَ: نعم، قَالَت: فَأَخَذته فمضغته لَهُ حَتَّى لينته ثمَّ أَعْطيته إِيَّاه، قَالَت: فاستن بِهِ كأشد مَا رَأَيْته اسْتنَّ بسواك قطّ ثمَّ وَضعه، وَوجدت رَسُول الله ﷺ يثقل فِي حجري فَذَهَبت أنظر فِي وَجهه فَإِذا بَصَره قد شخص، وَهُوَ يَقُول: بل الرفيق الْأَعْلَى فِي الْجنَّة، فَقلت: خيّرت فاخترت وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ. وروى ابْن أبي مليكَة قَالَ: لما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ خرج رَسُول الله ﷺ عاصباً رَأسه إِلَى صَلَاة الصُّبْح، وَأَبُو بكر يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا خرج رَسُول الله ﷺ تفرج النَّاس، فَعرف أَبُو بكر أَن النَّاس لم يصنعوا ذَلِك إِلَّا لرَسُول الله ﷺ فنكص عَن مُصَلَّاهُ، فَدفع رَسُول الله ﷺ فِي ظَهره وَقَالَ: صلّ بِالنَّاسِ، وَجلسَ رَسُول الله ﷺ إِلَى جنبه فصلى قَاعِدا عَن يَمِين أبي بكر، فَلَمَّا فرغ من صلَاته أقبل على النَّاس رَافعا صَوته حَتَّى خرج صَوته من بَاب الْمَسْجِد يَقُول: " يَا أَيهَا النَّاس سعرت النَّار وَأَقْبَلت الْفِتَن كَقطع اللَّيْل المظلم، إِنِّي وَالله مَا تمسكون عَليّ بِشَيْء، إِنِّي لم أحل إِلَّا مَا أحل الْقُرْآن، وَلم أحرم إِلَّا مَا حرم الْقُرْآن ". فَلَمَّا فرغ رَسُول الله ﷺ من كَلَامه، قَالَ لَهُ أَبُو بكر: يَا نَبِي الله أَرَاك قد أَصبَحت بِنِعْمَة الله وفضله كَمَا تحب، وَالْيَوْم يَوْم ابْنة خَارِجَة، أفآتيها؟ قَالَ: نعم، ثمَّ دخل رَسُول الله ﷺ وَخرج أَبُو بكر إِلَى أَهله بالسنح، وَخرج عَليّ ﵁ من عِنْد رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: يَا أَبَا الْحسن كَيفَ أصبح رَسُول الله ﷺ ؟ قَالَ: أصبح بِحَمْد الله بارئاً، قَالَ: فَأخذ الْعَبَّاس بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ: يَا عَليّ أَنْت وَالله عبد الْعَصَا بعد ثَلَاث، أَحْلف بِاللَّه لقد عرفت الْمَوْت فِي وَجه رَسُول الله ﷺ كَمَا كنت أعرفهُ فِي وُجُوه بني عبد الْمطلب، فَانْطَلق بِنَا إِلَى رَسُول الله ﷺ فَإِن كَانَ هَذَا الْأَمر فِينَا عَرفْنَاهُ، وَإِن كَانَ فِي غَيرنَا أمرناه فأوصى بِنَا النَّاس، فَقَالَ: وَالله لَا أفعل، وَالله لَئِن منعناه لَا يؤتينا بعده أحد، فَتوفي رَسُول الله ﷺ حِين اشْتَدَّ الضُّحَى من ذَلِك الْيَوْم. قيل: إِن الصَّلَاة الني صلاهَا رَسُول الله ﷺ وَهُوَ جَالس عَن يَمِين أبي بكر صَلَاة
стр. 300
الظّهْر قَالَه ابْن وضاح وَأَبُو عبد الله بن عتاب. وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ: " أَن جِبْرِيل أَتَى النَّبِي ﷺ قبل مَوته بِثَلَاثَة أَيَّام فَقَالَ: يَا أَحْمد إِن الله أَرْسلنِي إِلَيْك يَسْأَلك عَمَّا هُوَ أعلم بِهِ مِنْك يَقُول: كَيفَ تجدك؟ فَقَالَ: أجدني يَا جِبْرِيل مغموماً وأجدني يَا جِبْرِيل مكروباً، وَأَتَاهُ فِي الْيَوْم الثَّانِي فَأَعَادَ السُّؤَال فَثنى الْجَواب، ثمَّ قَالَ فِي الْيَوْم الثَّالِث مثل ذَلِك وَهُوَ يُجيب كَذَلِك، فَإِذا ملك الْمَوْت يسْتَأْذن فَقَالَ: يَا أَحْمد هَذَا ملك الْمَوْت يسْتَأْذن عَلَيْك وَلم يسْتَأْذن على آدَمِيّ قبلك وَلَا يسْتَأْذن على آدَمِيّ بعْدك، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ، فَدخل فَوقف بَين يَدَيْهِ فَقَالَ: إِن الله أَرْسلنِي إِلَيْك وَأَمرَنِي أَن أطيعك، فَإِن أَمرتنِي أَن أَقبض نَفسك قبضتها، وَإِن أَمرتنِي أَن أتركها تركتهَا، فَقَالَ جِبْرِيل ﵇: يَا أَحْمد إِن الله قد اشتاق إِلَيْك، قَالَ: امْضِ لما أمرت بِهِ يَا ملك الْمَوْت، فَقَالَ جِبْرِيل ﵇: السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله هَذَا آخر موطئي الأَرْض، إِنَّمَا كنت حَاجَتي فِي الدُّنْيَا، فَتوفي ﷺ مُسْتَندا إِلَى ظهر عَائِشَة فِي كسَاء ملبد وَإِزَار غليظ. وَتُوفِّي ﷺ عَن أثر السم؛ لقَوْله ﷺ فِي وَجَعه الَّذِي مَاتَ فِيهِ: " مَا زَالَت أَكلَة خَيْبَر تعاودني، فَالْآن أَوَان قطعت أَبْهَري ". قَالَ ابْن إِسْحَاق: إِن كَانَ الْمُسلمُونَ لَيرَوْنَ أَن رَسُول الله ﷺ مَاتَ شَهِيدا مَعَ مَا أكْرمه الله تَعَالَى بِهِ من النُّبُوَّة، وَتُوفِّي ﷺ يَوْم الِاثْنَيْنِ حِين اشْتَدَّ الضُّحَى لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول، وَقيل: لليلتين خلتا مِنْهُ، وَدفن لَيْلَة الْأَرْبَعَاء، وَقيل: لَيْلَة الثُّلَاثَاء، وَقيل: وَكَانَت وَفَاته ﷺ سنة تِسْعمائَة وَخمْس وَثَلَاثِينَ سنة من سنّ ذِي القرنين حَكَاهُ المَسْعُودِيّ فِي " مروج الذَّهَب "، وَقد بلغ من الْعُمر ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة، وَقيل: خمْسا وَسِتِّينَ سنة، وَقيل: سِتِّينَ سنة وَالْأول أصح، روى الثَّلَاثَة مُسلم، وَهِي صَحِيحَة، فَقَوْل من قَالَ: ثَلَاثًا وَسِتِّينَ فَهُوَ على اصله، وَمن قَالَ: سِتِّينَ فَإِنَّهُم كَانُوا فِي الزَّمَان الأول لَا يذكرُونَ الْكسر، وَمن قَالَ: خمْسا وَسِتِّينَ حسب السّنة الَّتِي ولد فِيهَا وَالَّتِي توفّي فِيهَا
стр. 301
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَالَ الْحَاكِم: اخْتلفت الرِّوَايَة فِي سنّ رَسُول الله ﷺ ، وَلم يَخْتَلِفُوا أَنه ولد فِي عَام الْفِيل، وَأَنه بعث وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة، وَأَنه أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عشرا، وَإِنَّمَا اخْتلفُوا فِي مقَامه بِمَكَّة المشرفة بعد الْبَعْث فَقيل: عشرا، وَقيل: ثَلَاثَة عشر، وَقيل: خَمْسَة عشر، وسجى ﷺ بِبرد حبرَة. وَقيل: إِن الْمَلَائِكَة سجته، وَكذب بعض أَصْحَابه بِمَوْتِهِ دهشة مِنْهُم عمر بن الْخطاب، وأخرس بَعضهم فَمَا تكلم إِلَّا بعد الْغَد مِنْهُم عُثْمَان بن عَفَّان، وأقعد آخَرُونَ مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب ﵃. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي: وَالْحكمَة فِي ذَلِك أَنه لما كَانَ عمر أبلغ النَّاس نظرا وَأَعْلَاهُمْ فراسة صَحِيح تخيل الْفِكر عَظِيم قياسة أدهش حَتَّى لم يتخيل موت الْمُخْتَار، وَلما كَانَ عُثْمَان حوى أثقال الفصاحة وَله فِي القَوْل على من سواهُ رجاحة أخرس بإنطاق حجب الأستار، وَلما كَانَ على سبف الله الْقَاطِع وَعَلِيهِ اسْم الْقُوَّة وَاقع اقعد عَن مد خطوَات الأقدار، وَلم يكن أثبت من الْعَبَّاس وَأبي بكر ﵄ وَبَقِي رَسُول الله ﷺ فِي بَيته يَوْم الِاثْنَيْنِ وَلَيْلَة الْأَرْبَعَاء، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثُّلَاثَاء أقبل النَّاس على جهاز رَسُول الله ﷺ فَسَمِعُوا من بَاب الْحُجْرَة حِين ذكرُوا غسله لَا تغسلوه فَإِنَّهُ طَاهِر مطهر، ثمَّ سمعُوا بعده غسلوه فَإِن ذَلِك إِبْلِيس وَأَنا الْخضر، وَقَالَ: إِن فِي الله عزاء من كل مُصِيبَة، وخلفاً من كل هَالك، ودركاً من كل فَائت، فبالله نتقوى، وإياه فَارْجِعُوا، فَإِن الْمُصَاب من حرم الثَّوَاب، ثمَّ كَلمهمْ مُكَلم من نَاحيَة الْبَيْت غسلوا رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ ثِيَابه، وَكَانُوا قد اخْتلفُوا فِي ذَلِك فغسلوه ﷺ فِي قَمِيصه، وَكَانُوا لَا يرَوْنَ أَن يقلبوا مِنْهُ عضوا إِلَّا انْقَلب بِنَفسِهِ، وَإِن مَعَهم لحفيفاً كَالرِّيحِ يصوت بهم ارفقوا برَسُول الله ﷺ فَإِنَّكُم ستكفونه، وَتَوَلَّى غسله عليّ وَالْعَبَّاس وَالْفضل وَقثم بن الْعَبَّاس يقلبونه مَعَهم، وَأُسَامَة بن زيد وشقران موليا رَسُول الله ﷺ يصبَّانِ المَاء، وَأَوْس ابْن خولي الْأنْصَارِيّ مِمَّن حضر غسله ﷺ ، يرْوى عَن عَليّ ﵁ قَالَ: أَوْصَانِي النَّبِي ﷺ لَا يغسلهُ غَيْرِي " فَإِنَّهُ لَا يرى أحد عورتي إِلَّا طمست عَيناهُ ". وسطعت مِنْهُ ﷺ ريح لم يَجدوا مثلهَا قطّ. وكفن ﷺ فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة من كُرْسُف لَيْسَ فِيهَا
стр. 302
قَمِيص وَلَا عِمَامَة، وَكَانَ فِي حنوطه ﷺ الْمسك، ثمَّ وضع على سَرِيره فِي بَيته وَدخل النَّاس يصلونَ عَلَيْهِ أَرْسَالًا أفذاذاً الرِّجَال ثمَّ النِّسَاء ثمَّ الصّبيان، وَلم يؤمهم أحد بِوَصِيَّة مِنْهُ ﷺ قَالَ فِيهَا: " أول من يُصَلِّي عليّ خليلي وحبيبي جِبْرِيل ثمَّ مِيكَائِيل ثمَّ إسْرَافيل ثمَّ ملك الْمَوْت مَعَ مَلَائِكَة كَثِيرَة ". قيل: فعل ذَلِك ﷺ ليَكُون كل مِنْهُم فِي صَلَاة، وَقيل: ليطول وَقت الصَّلَاة فَيلْحق من يَأْتِي من حول الْمَدِينَة، وَاخْتلفُوا فِي مَكَان دَفنه فَقَائِل يَقُول: بِالبَقِيعِ، وَقَالَ قَائِل: عِنْد منبره، وَقَالَ قَائِل: فِي مُصَلَّاهُ، فجَاء أَبُو بكر ﵁ فَقَالَ: إِن عِنْدِي من هَذَا خَبرا وعلماً سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: " مَا قبض نَبِي إِلَّا دفن حَيْثُ توفّي ". فحول فرَاشه وحفر لَهُ مَوْضِعه، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ عُبَيْدَة بن الْجراح يضرح كحفر أهل مَكَّة، وَكَانَ أَبُو طَلْحَة يلْحد لأهل الْمَدِينَة فَبعث الْعَبَّاس خلفهمَا رجلَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ خر لرَسُول الله ﷺ فجَاء أَبُو طَلْحَة فلحد رَسُول الله ﷺ ، وَدفن ﷺ من وسط اللَّيْل لَيْلَة الْأَرْبَعَاء، وَنزل قَبره ﷺ عليّ وَالْعَبَّاس وَقثم وَالْفضل ابْنا الْعَبَّاس وشقران مولى رَسُول الله ﷺ وَأَوْس بن خولى، وَبسط شقران تَحْتَهُ فِي الْقَبْر قطيفة حَمْرَاء كَانَ يفرشها ﷺ ، وَقيل: كَانَ يتغطى بهَا، وَقيل: إِن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود نزل مَعَهم، وَكَذَلِكَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وأطبق أُسَامَة على قَبره ﷺ سبع لبنات نصبن نصبا وَلما دفن ﷺ جَاءَت فَاطِمَة ﵂ فوقفت على قَبره وَأخذت قَبْضَة من تُرَاب الْقَبْر فَوَضَعته على عينهَا وبكت وأنشأت تَقول: مَاذَا على من شم تربة أَحْمد ... أَن لَا يشم مدى الزَّمَان غواليا صبَّتْ عليّ مصائب لَو أَنَّهَا ... صبَّتْ على الْأَيَّام عدن لياليا وَتوفيت بعده ﷺ بِسِتَّة أشهر، وَقيل: ثَمَانِيَة أشهر، وَقيل: ثَلَاثَة اشهر، وَقيل: سَبْعُونَ يَوْمًا، وَكَانَ ﷺ أخْبرهَا أَنَّهَا أول أَهله لُحُوقا بِهِ فَكَانَت كَذَلِك، وَقبض ﷺ عَن
стр. 303
مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعشْرين ألفا من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم قَالَه أَبُو مُوسَى، وَقَالَ أَيْضا: شهد مَعَ رَسُول الله ﷺ حجَّة الْوَدَاع أَرْبَعُونَ ألفا من الصَّحَابَة مِمَّن روى عَنهُ وَسمع مِنْهُ، وَشهد مَعَه تَبُوك سَبْعُونَ ألفا.
ذكر وَفَاة أبي بكر الصّديق ﵁
: ذكر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: أَن الْيَهُود سمت أَبَا بكر فِي أرزة. وَقيل: أكل هُوَ والْحَارث ابْن كلدة حريرة أهديت لأبي بكر، فَقَالَ الْحَارِث: أرفع يَدي إِن فِيهَا لسم سنة، وَأَنا وَأَنت نموت فِي يَوْم وَاحِد عِنْد انْقِضَاء سنة. وَقيل: توفّي من لدغة الجريش لَيْلَة الْغَار. وَقيل: كَانَ بِهِ طرف من السل قَالَه الزبير بن بكار، وَمرض خَمْسَة عشر يَوْمًا وَكَانَ فِي دَاره الَّتِي قطع لَهُ رَسُول الله ﷺ وجاه دَار عُثْمَان ﵁، توفّي ﵁ بَين الْمغرب وَالْعشَاء من لَيْلَة الثُّلَاثَاء لثمان لَيَال بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة وَهُوَ الْأَشْهر، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق: توفّي لَيْلَة الْجُمُعَة لسبع لَيَال بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشر من الْهِجْرَة وَهُوَ الْأَشْهر، وَقيل: توفّي فِي جُمَادَى الأولى حَكَاهُ الْحَاكِم، وَقيل: يَوْم الِاثْنَيْنِ لليلتين بَقِيَتَا من جُمَادَى الْآخِرَة، وَكَانَت خِلَافَته سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر إِلَّا خمس لَيَال وَقيل: عشر لَيَال، وَقيل: وَثَمَانِية أَيَّام، وَقيل: وَسَبْعَة عشر يَوْمًا، استوفى بخلافته سنّ رَسُول الله ﷺ ، وَلما ولي الْخلَافَة اسْتعْمل عمر بن الْخطاب على الْحَج، ثمَّ حج من قَابل ثمَّ اعْتَمر فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْ عشر، وَتُوفِّي أَبُو بكر قبل أبي قُحَافَة فورث أَبُو قُحَافَة مِنْهُ السُّدس ورده على ولد أبي بكر، وَمَات أَبُو قُحَافَة فِي الْمحرم سنة أَربع عشر من الْهِجْرَة وَهُوَ ابْن سبع وَتِسْعين سنة، وغسلت أَبَا بكر ﵁ زَوجته أَسمَاء بِوَصِيَّة مِنْهُ وَابْنه عبد الرَّحْمَن يصب عَلَيْهَا المَاء، وَحمل على السرير الَّذِي حمل عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ، وَصلى عَلَيْهِ عمر ﵁ وجاءه الْمِنْبَر، وَدفن إِلَى جنب رَسُول الله ﷺ بِوَصِيَّة مِنْهُ، وألصق لحده بلحد رَسُول الله ﷺ ، وَدخل قَبره عمر وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر.
стр. 304
ذكر وَفَاة عمر ﵁
: يرْوى أَنه خرج يطوف بِالسوقِ بعد حجَّته فَلَقِيَهُ أَبُو لؤلؤة فَيْرُوز الْفَارِسِي غُلَام للْمُغِيرَة بن شُعْبَة وَكَانَ نَصْرَانِيّا، وَقيل: مجوسياً، أعدا عليّ الْمُغيرَة بن شُعْبَة فَإِن عليّ خراجاً كثيرا، قَالَ: فكم خراجك؟ قَالَ: دِرْهَمَانِ فِي كل يَوْم، قَالَ: فإيش صناعتك؟ قَالَ: نقاش نجار حداد. قَالَ: فَمَا أرى خراجك كثير على مَا تصنع من الْأَعْمَال، ثمَّ قَالَ لَهُ: وَبَلغنِي أَنَّك قلت: لَو أردْت أَن أعمل رحى يتحدث بهَا من بَين الْمشرق وَالْمغْرب ثمَّ انْصَرف، فَقَالَ عمر: لقد توعدني العلج آنِفا، ثمَّ أَتَى عمر منزله فَجَاءَهُ كَعْب الْأَحْبَار فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اعهد فَإنَّك ميت فِي ثَلَاثَة أَيَّام، فَقَالَ: وَمَا يدْريك؟ فَقَالَ: أجد فِي كتاب الله التَّوْرَاة، فَقَالَ عمر: الله إِنَّك لتجد عمر بن الْخطاب فِي التَّوْرَاة، قَالَ: اللَّهُمَّ لَا وَلَكِن أجد صِفَتك وحليتك وَإنَّهُ قد فنى أَجلك، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد جَاءَهُ كَعْب فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ذهب يَوْم وَبَقِي يَوْمَانِ، ثمَّ جَاءَهُ بعد ذَلِك فَقَالَ: ذهب يَوْمَانِ وَبَقِي يَوْم وَلَيْلَة وَهِي لَك إِلَى صبحها، فَلَمَّا كَانَ الصُّبْح خرج عمر إِلَى الصَّلَاة وَدخل أَبُو لؤلؤة فِي النَّاس فِي يَده خنجر لَهُ رأسان نصابه فِي وَسطه فَضرب عمر سِتّ ضربات، إِحْدَاهُنَّ تَحت سرته وَهِي الَّتِي قتلته وَسقط عمر، وَظهر العلج لَا يمر على أحد يَمِينا أَو شمالاً إِلَّا طعنه حَتَّى طعن ثَلَاثَة عشر رجلا مَاتَ مِنْهُم سَبْعَة، وَقيل: سِتَّة، وَطرح عَلَيْهِ رجل من الْمُسلمين برنساً واحتضنه من خَلفه فَنحر العلج نَفسه، وَأخذ عمر بيد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فقدمه فصلى بِالنَّاسِ بقل هُوَ الله أحد وَقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَحمل عمر إِلَى منزله وَدخل عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار يسلمُونَ عَلَيْهِ، وَدخل فِي النَّاس كَعْب فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ عمر أنشأ يَقُول: وواعدني كَعْب ثَلَاثًا أعدهَا ... وَلَا شكّ أَن القَوْل مَا قَالَه كَعْب وَمَا بِي حذار الْمَوْت إِنِّي لمَيت ... وَلَكِن حذار الذَّنب يتبعهُ ذَنْب طعن يَوْم السبت غرَّة الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين بعد حجَّة تِلْكَ السّنة، وَقيل: طعن يَوْم الِاثْنَيْنِ لأَرْبَع لَيَال بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين، وَقيل: لثلاث لَيَال بَقينَ من ذِي الْحجَّة، وَبَقِي ثَلَاثَة أَيَّام بعد الطعنة ثمَّ توفّي، وَاسْتَأْذَنَ عَائِشَة ﵂ أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ فَأَذنت لَهُ، وَقَالُوا لَهُ: أوصى اسْتخْلف، فَقَالَ: مَا أجد أحدا أولى وَلَا أَحَق بِهَذَا الْأَمر من هَؤُلَاءِ النَّفر الَّذِي توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُم رَاض فَسُمي عُثْمَان وعلياً وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وسعداً وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف فهم أهل
стр. 305
الشورى، وَتُوفِّي وسنه يَوْمئِذٍ ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة، وَقيل: سِتُّونَ. وَقيل: إِحْدَى وَسِتُّونَ، وَقيل: سِتّ وَسِتُّونَ، وَقيل: خمس وَسِتُّونَ، وَقيل: خمس وَخَمْسُونَ، وَنزل قَبره عُثْمَان وعليّ وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص، وَقيل: صُهَيْب وَابْنه عبد الله بن عمر عوضا عَن الزبير وَسعد، تولى الْخلَافَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة لثمان بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة وَقيل: بُويِعَ لَهُ فِي رَجَب، وَقيل: فِي ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة فَكَانَت مُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَسِتَّة اشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام، وَلما دفن عمر ﵁ قَالَت عَاتِكَة ابْنة زيد بن عَمْرو بن عقيل امْرَأَة عمر بن الْخطاب ترثيه: وفجعني فَيْرُوز لَا در دره ... بأبيض تال للْكتاب منيب رؤوف على الْأَدْنَى غليظ على العدا ... أَخا ثِقَة فِي النائبات نجيب مَتى مَا يقل لَا يكذب القَوْل فعله ... سريع إِلَى الْخيرَات غير قطوب وعاتكة امْرَأَته تزَوجهَا عبد الله بن أبي بكر فَقتل عَنْهَا ثمَّ عمر فَقتل عَنْهَا ثمَّ الزبير فَقتل عَنْهَا ثمَّ توفيت سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَلما دفن ﵁ لَزِمت عَائِشَة ثِيَابهَا الدرْع والخمار والإزار وَقَالَت: إِنَّمَا كَانَ أبي وَزَوْجي فَلَمَّا دخل مَعَهُمَا غَيرهمَا لَزِمت ثِيَابِي، وابتنت حَائِطا بَينهَا وَبَين الْقُبُور وَبقيت فِي بَقِيَّة الْبَيْت من جِهَة الشَّام، ويروى عَنْهَا ﵂ أَنَّهَا رَأَتْ فِي الْمَنَام أَنه سقط فِي حجرها وَرُوِيَ فِي حُجْرَتهَا ثَلَاثَة أقمار فَذكرت ذَلِك لأبي بكر فَقَالَ: خيرا. قَالَ يحيى: فَسمِعت بعد ذَلِك أَن رَسُول الله ﷺ لما دفن فِي بَيتهَا، قَالَ أَبُو بكر: هَذَا أحد أقمارك يَا بنية وَهُوَ خَيرهَا. قَالَ عفيف الدّين الْمرْجَانِي فِي فَضَائِل عمر ﵁: عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: رَأَيْت عمر ﵁ فِي الْمَنَام بعد وَفَاته فَقلت لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من أَيْن أَقبلت؟ قَالَ: من حَضْرَة رَبِّي فَسَأَلته مَاذَا فعل الله بك؟ فَقَالَ: أوقفني بَين يَدَيْهِ فَسَأَلَنِي ثمَّ قَالَ: يَا عمر تناديك امْرَأَة على شاطئ الْفُرَات فَأهْلك من شاها شَاة تَقول: واعمراها واعمراها تستغيث بك فَلَا تجيبها. فَقلت: وَعزَّتك وجلالك مَا علمت بذلك وَأَنت أعلم مني، فَقَالَ لي: وَقد كَانَ يجب عَلَيْك، وَإِنِّي أرعد من تِلْكَ الْمَسْأَلَة إِلَى هَذَا الْوَقْت، قَالَ ابْن عَبَّاس: ثمَّ مَاذَا قَالَ؟ قَالَ: رددت إِلَى مضجعي فهبط عليّ مُنكر وَنَكِير فَقَالَا لي: من رَبك؟ وَمن نبيك؟ فَقلت لَهما: أما تستحيان مني ولمثلي تقولان هَذَا وجذبتهما إليّ، وَقلت: الله رَبِّي وضجيعي نَبِي وأنتما من رَبكُمَا؟ فَقَالَ نَكِير لمنكر: وَالله يَا أخي مَا
стр. 306
نَدْرِي نَحن المبعوثون إِلَى عمر أم عمر الْمَبْعُوث إِلَيْنَا، فَرفع رَسُول الله ﷺ رَأسه من لحده فَقَالَ لَهما: " هُوَ عمر بن الْخطاب هُوَ أعرف بربه مِنْكُمَا ".
مَا جَاءَ أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر وَعمر ﵄ وَعِيسَى ﵇ خلقُوا من طِينَة وَاحِدَة وَأَن كل مَخْلُوق يدْفن فِي تربته الَّتِي خلق مِنْهَا
: عَن أنس بن يحيى قَالَ: لَقِي رَسُول الله ﷺ جَنَازَة فِي بعض سِكَك الْمَدِينَة فَسَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا: فلَان الحبشي فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : " سيق من أرضه وسمائه إِلَى التربة الَّتِي خلق مِنْهَا ". قَالَ الْحَافِظ محب الدّين بن النجار: فعلى هَذَا طِينَة النَّبِي ﷺ الَّتِي خلق مِنْهَا من الْمَدِينَة، وطينة أبي بكر وَعمر ﵄ من طِينَة النَّبِي ﷺ وَهَذِه منزلَة رفيعة. وَفِي قَوْله تَعَالَى: " ممنها خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم وَمِنْهَا نخرجكم ". إِشَارَة إِلَى رد الْإِنْسَان إِلَى طِينَة المبدأ الَّتِي مِنْهَا النشأة الأولى، فالإنسان يدْفن فِي مَكَان أَخذ تربته على حد الموازنة، فَلَا يُقَال لأهل البقيع إِنَّهُم من تربة النَّبِي ﷺ وَإِنَّمَا لَهُم شركَة فِي الأَرْض الْمَأْخُوذ مِنْهَا، دَلِيله مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " مَا من مَوْلُود إِلَّا وَفِي سرته من تربته الَّتِي يخلق مِنْهَا، فَإِذا رد إِلَى أرذل الْعُمر رد إِلَى تربته الَّتِي خلق مِنْهَا حَتَّى يدْفن فِيهَا، وَإِنِّي وَأَبا بكر وَعمر خلقنَا من تربة وَاحِدَة وفيهَا ندفن ". انْتهى. وَمن دفن مِنْهُ جُزْء بِأَرْض وَدفن جُزْء آخر بِأَرْض أُخْرَى يُمكن أَن يُقَال خلق من تربتين من أَرضين، وَقيل: لَا يُمكن وَلَيْسَت تربته إِلَّا مَا حازت عجب الذَّنب مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا فِيمَا يظْهر تربة حفرته بِدَلِيل بَقَائِهَا وَمِنْهَا ينْبت فِي النشأة الثَّانِيَة كَذَا ذكره عفيف الدّين الْمرْجَانِي. قَالَ أهل السّير: وَفِي بَيت عَائِشَة ﵂ مَوضِع قبر فِي السهوة الشرقية، قَالَ سعيد بن الْمسيب: فِيهِ يدْفن عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ مَعَ النَّبِي ﷺ . وَعَن عبد الله بن سَلام عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: يدْفن عِيسَى ابْن مَرْيَم مَعَ النَّبِي ﷺ وصاحبيه ﵄، وَيكون قَبره الرَّابِع فعلى هَذَا فطينته من طينتهم. وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِذا أهبط الله الْمَسِيح فيعيش
стр. 307
فِي هَذِه الْأمة مَا يعِيش فَيَمُوت بمدينتي هَذِه، ويدفن إِلَى جَانب قبر عمر، فطوبى لأبي بكر وَعمر يحشران بَين نبيين " فَانْظُر إِلَى هَذَا الْفضل الْعَظِيم وَعَن هَارُون بن مُوسَى العروي. قَالَ: سَمِعت جدي أَبَا عَلْقَمَة سُئِلَ كَيفَ كَانَ النَّاس يسلمُونَ على النَّبِي ﷺ قبل أَن يدْخل الْبَيْت فِي الْمَسْجِد؟ فَقَالَ: كَانَ يقف النَّاس عِنْد بَاب الْبَيْت يسلمُونَ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْبَاب لَيْسَ عَلَيْهِ غلق حَتَّى هَلَكت عَائِشَة ﵂ وَقيل: كَانَ النَّاس يَأْخُذُونَ من تُرَاب قبر النَّبِي ﷺ فَأمرت عَائِشَة ﵂ بجدار فَضرب عَلَيْهِم. ويروى أَن امْرَأَة قَالَت لعَائِشَة: اكشفي لي قبر رَسُول الله ﷺ فكشفته لَهَا فَبَكَتْ حَتَّى مَاتَت.
مَا جَاءَ فِي صفة وضع الْقُبُور المقدسة وَصفَة الْحُجْرَة الشَّرِيفَة
: سَبَب الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك شدَّة هَيْبَة تلْحق النَّاظر فتزيل مِنْهُ كَيْفيَّة التَّمْيِيز، كَمَا سُئِلَ بعض من نزل الْحُجْرَة المقدسة لسَبَب يَأْتِي فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا رَأَيْت. عَن عمر بن بطاس قَالَ: رَأَيْت قبر النَّبِي ﷺ لما هدم عمر بن عبد الْعَزِيز عَنهُ الْبَيْت مرتفعاً نَحوا من أَربع أَصَابِع عَلَيْهِ حَصْبَاء إِلَى الْحمرَة مَا هِيَ، وَرَأَيْت قبر أبي بكر ﵁ وَرَاء قبر النَّبِي ﷺ ، وَرَأَيْت قبر عمر أَسْفَل مِنْهُ، وَهَذِه صفته:
стр. 308
قبر النَّبِي ﷺ قبر أبي بكر ﵁ قبر عمر بن الْخطاب ﵁ وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: رَأس النَّبِي ﷺ مِمَّا يَلِي الْمغرب، وَرَأس أبي بكر عِنْد رجل النَّبِي ﷺ ، وَعمر خلف ظهر النَّبِي ﷺ وَهَذِه صفته: قبر النَّبِي ﷺ عمر ﵁ أَبُو بكر ﵁ وَعَن نَافِع بن أبي نعيم: أَن صفة قبر النَّبِي ﷺ وقبر أبي بكر وَعمر ﵄ قبر النَّبِي ﷺ أمامهما إِلَى الْقبْلَة مقدما، ثمَّ قبر أبي بكر حذاء مَنْكِبي رَسُول الله ﷺ ، وقبر عمر حذاء مَنْكِبي أبي بكر ﵄ وَهَذِه صفته: قبر النَّبِي ﷺ قبر أَبُو بكر ﵁ قبر عمر ﵁ وَعَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق ﵁ قَالَ: دخلت على عَائِشَة ﵂ فَقلت: يَا أمه أريني قبر النَّبِي ﷺ وصاحبيه ﵄ فَكشفت لي عَن قُبُورهم فَإِذا هِيَ لَا مُرْتَفعَة وَلَا لاطئة مبطوحة بَيْضَاء حَمْرَاء من بطحاء الْعَرَصَة، وَإِذا قبر النَّبِي ﷺ أمامها، ورجلا أبي بكر عِنْد رَأس النَّبِي ﷺ ، وَرَأس عمر عِنْد رجْلي النَّبِي ﷺ ، وَهَذِه صفته: النَّبِي ﷺ أَبُو بكر ﵁ عمر ﵁ وروى ابْن الْمُنْكَدر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ: قبر رَسُول الله ﷺ ، وقبر أبي بكر خَلفه، وقبر عمر عِنْد رجل النَّبِي ﷺ ، وَهَذِه صفته: النَّبِي ﷺ أَبُو بكر ﵁ عمر ﵁ وَعَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل قَالَ: خرجت فِي لَيْلَة مطيرة إِلَى الْمَسْجِد حَتَّى إِذا كنت عِنْد دَار الْمُغيرَة بن شُعْبَة لقيتني رَائِحَة وَالله مَا وجدت مثلهَا قطّ، فَجئْت الْمَسْجِد
стр. 309
فَبَدَأت لقبر النَّبِي ﷺ فَإِذا جِدَاره قد انْهَدم، فَدخلت فَسلمت على النَّبِي ﷺ وَمَكَثت فِيهِ مَلِيًّا، وَرَأَيْت الْقُبُور فَإِذا قبر رَسُول الله ﷺ وقبر أبي بكر عِنْد رجلَيْهِ، وقبر عمر عِنْد رجْلي أبي بكر ﵄، وَهَذِه صفته: النَّبِي ﷺ أَبُو بكر ﵁ عمر ﵁ وعَلى هَذِه الصّفة الْمَذْكُورَة رُوِيَ عَن عبد الله بن الزبير أَيْضا، وَقد اخْتلفت الرِّوَايَة فِي قَبره ﷺ هَل هُوَ مسنم أم مسطح؟ فروى الوصفان جَمِيعًا، والمسنم الْمُرْتَفع، وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فِي قبر ضجيعيه ﵄. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَسقط جِدَار حجرَة النَّبِي ﷺ الَّذِي يَلِي مَوضِع الْجَنَائِز فِي زمَان عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁، فظهرت الْقُبُور فَأمر عمر بن عبد الْعَزِيز بقباطي فخيطت ثمَّ ستر الْموضع، وَأمر ابْن وردان أَن يكْشف عَن الأساس فَبَيْنَمَا هُوَ يكشفه إِذْ رفع يَده وَتَنَحَّى، فَقَامَ عمر بن عبد الْعَزِيز فَزعًا فَرَأى قدمين وَرَأى الأساس وَعَلَيْهَا السعد، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن عبد الله بن عمر ﵁: أَيهَا الْأَمِير لَا يروعك فهما قدما جدك عمر بن الْخطاب ضَاقَ الْبَيْت عَنهُ، فحفر لَهُ فِي الأساس، فَقَالَ لَهُ ابْن وردان: غط مَا رَأَيْت فَفعل. وَعَن هِشَام بن عَوْف عَن أَبِيه قَالَ: لما سقط الْحَائِط فِي زمن الْوَلِيد أخذُوا فِي بُنْيَانه، فبدت لَهُم قدم ففزعوا وظنوا أَنَّهَا قدم النَّبِي ﷺ حَتَّى قَالَ لَهُم عُرْوَة: لَا وَالله مَا هِيَ قدم النَّبِي ﷺ ، مَا هِيَ إِلَّا قدم عمر. وَأمر عمر بن عبد الْعَزِيز أَبَا حَفْصَة مولى عَائِشَة ﵂ وناساً مَعَه فبنوا الْجِدَار وَجعلُوا فِيهِ كوَّة فَلَمَّا فرغوا مِنْهُ وربعوه، دخل مُزَاحم مولى عمر ﵁ فَقُمْ مَا سقط على الْقَبْر من التُّرَاب والطين وَنزع
стр. 310
الْقبَاطِي. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَبنى عمر بن عبد الْعَزِيز على حجرَة النَّبِي ﷺ حَائِطا وَلم يوصله إِلَى السّقف بل دونه بِمِقْدَار أَرْبَعَة أَذْرع وأدار عَلَيْهَا شباكاً من خشب. قَالَ الشَّيْخ جمال الدّين: وَبعد احتراق الْمَسْجِد أُعِيد الشباك كَمَا كَانَ أَولا، وَهُوَ يظْهر الْيَوْم لمن تَأمله من تَحت الْكسْوَة، وَأدْخل عمر بن عبد الْعَزِيز بعض بَيت فَاطِمَة ﵂ من جِهَة الشمَال فِي الْحَائِز الَّذِي بناه بحرفاء يلتقي على ركن وَاحِد كَمَا سنبينه، فَصَارَ لَهَا ركن خَامِس، لِئَلَّا تكون الْحُجْرَة الشَّرِيفَة مربعة كالكعبة، فتتصور جهال الْعَامَّة أَن الصَّلَاة إِلَيْهَا كَالصَّلَاةِ إِلَى الْكَعْبَة، وَبَقِي بَقِيَّة من الْبَيْت من جِهَة الشمَال وَفِيه الْيَوْم صندوق مربع من خشب فِيهِ إسطوان وَخَلفه محراب. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: لما ولى المتَوَكل الْخلَافَة أَمر إِسْحَاق بن سَلمَة وَكَانَ على عمَارَة الْحَرَمَيْنِ من قبله بِأَن تؤزر الْحُجْرَة المقدسة بالرخام من حولهَا فَفعل، وَلم يزل إِلَى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فِي خلَافَة المقتفى، فجدد تأزيرها جمال الدّين الْأَصْبَهَانِيّ وَجعل الرخام حولهَا قامة وبسطة، وَهُوَ الَّذِي عمل الشباك الدائر بالحجرة المقدسة اللاصق بالسقف وَهُوَ الَّذِي احْتَرَقَ وَكَانَ من خشب الصندوق والأبنوس مَكْتُوبًا بأقطاع الْخشب الأراونك سُورَة الْإِخْلَاص صَنْعَة بديعة، وَلم تزل حَتَّى عمل لَهَا الْحُسَيْن بن أبي الهيجاء صهر الْملك الصَّالح ستارة، وَعَلَيْهَا الطرز والجامات المرقومة بالإبريسم، وأدار عَلَيْهَا إزاراً من الإبريسم مَكْتُوبًا فِيهِ سُورَة يس فعلقها نَحْو العامين، ثمَّ جَاءَت من الْخَلِيفَة ستارة فنفذت تِلْكَ الْمُتَقَدّمَة إِلَى مشْهد عليّ بِالْكُوفَةِ وعلقت هَذِه عوضهَا، فَلَمَّا ولى الإِمَام النَّاصِر لدين الله نفذ ستارة أُخْرَى فعلقت فَوق تِلْكَ الْمَذْكُورَة، فَلَمَّا حجت الْخَلِيفَة أم الْخَلِيفَة وعادت إِلَى الْعرَاق نفذت ستارة فعلقت على الستارتين قَالَ ابْن النجار: فَفِي يَوْمنَا هَذَا عَلَيْهَا ثَلَاث ستائر، ثمَّ قَالَ ﵀: وَالْيَوْم فِي رصف سقف الْمَسْجِد الَّذِي بَين الْحُجْرَة والقبلة نيّف وَأَرْبَعُونَ قِنْدِيلًا كبارًا وصغاراً من الْفضة المنقوشة
стр. 311
والسادج، وفيهَا اثْنَان بلور وَوَاحِد ذهب وفيهَا قمر فضَّة مغموس فِي الذَّهَب نفذتها الْمُلُوك وأرباب الْأَمْوَال. قَالَ الْمرْجَانِي: وَهِي إِلَى الْآن بَاقِيَة. قَالَ المطري: وَلم يكن على الْحُجْرَة الشَّرِيفَة قبَّة، بل كَانَ مَا حول حجرَة النَّبِي ﷺ حَصِيرا فِي السَّطْح مَبْنِيا بالآجر مِقْدَار نصف قامة، يُمَيّز الْحُجْرَة عَن السَّطْح إِلَى سنة ثَمَان وَسبعين وَسَبْعمائة فِي دولة السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور قلاوون عمل هَذِه الْقبَّة، وَهِي أخشاب أُقِيمَت وَسمر عَلَيْهَا أَلْوَاح خشب ثمَّ الواح رصاص، وَعمل مَكَان الْحَصِير شباكاً من خشب وَتَحْته بَين السقفين أَيْضا شباكاً خشب تحكيه، وَفِي سقف الْحُجْرَة الشَّرِيفَة بَين السقفين أَلْوَاح خشب سمر بَعْضهَا إِلَى بعض، وَسمر عَلَيْهَا ثوب مشمع، وَهُنَاكَ طابق مقفل إِذا فتح كَانَ النُّزُول مِنْهُ إِلَى مَا بَين حَائِط بَيت النَّبِي ﷺ وَبَين الْحَائِز الَّذِي بناه عمر بن عبد الْعَزِيز، قَالَ: وكما حج السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة اقْتضى رَأْيه أَن يُدِير على الْحُجْرَة الشَّرِيفَة درابزيناً، فقاس مَا حولهَا بِيَدِهِ وَعمل الدرابزين الْمَوْجُود الْيَوْم، وأرسله فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وأداره عَلَيْهَا، وَفِيه ثَلَاثَة أَبْوَاب قبلي وشرقي وَغَرْبِيٌّ، ونصبه مَا بَين الأساطين الَّتِي تلِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة إِلَّا من نَاحيَة الشمَال، فَإِنَّهُ زَاد فِيهِ إِلَى متهجد النَّبِي ﷺ ، وَظن ذَلِك زِيَادَة حُرْمَة للحجرة المقدسة، فحجر طَائِفَة من الرَّوْضَة مِمَّا يَلِي بَيت النَّبِي ﷺ فَلَو كَانَ مَا حجره عكس، وَجعل من النَّاحِيَة فِيهِ لَيست من الرَّوْضَة وَلَا من الْمَسْجِد الْقَدِيم، بل مِمَّا زيد فِي أَيَّام الْوَلِيد، ثمَّ قَالَ: وَلم يبلغنِي أَن أحدا أنكر ذَلِك وَلَا ألْقى إِلَيْهِ بَالا، وَهَذَا من أهم مَا ينظر فِيهِ، وَكَانَ الدرابزين الَّذِي عمل الْملك الظَّاهِر نَحْو القامتين، فَلَمَّا كَانَ فِي تَارِيخ سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة زَاد عَلَيْهِ الْملك الْعَادِل زين الدّين كتبغا شباكاً دائراً عَلَيْهِ وَرَفعه حَتَّى أوصله السّقف، قَالَ ﵀: وَمِمَّا أحدث فِي صحن الْمَسْجِد الشريف قبَّة كَبِيرَة عمرها الإِمَام النَّاصِر لدين الله فِي سنة سبعين وَخَمْسمِائة؛ لحفظ حواصل الْحرم وذخائره، مثل الْمُصحف العقماني، وَلما احْتَرَقَ الْمَسْجِد سلم مَا فِيهَا ببركة الْمُصحف
стр. 312
الْكَرِيم، ولكونها فِي وسط الْمَسْجِد، وَمِمَّا أحدث أَيْضا فِي الصَّخْرَة من جِهَة الْقبْلَة رواقان أَمر بإنشائهما السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون فِي سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة، فاتصل ظلّ السّقف القبلي بهما وَعم نفعهما، وهما المقوس أعلاهما وأزيلت الْمَقْصُورَة الَّتِي كَانَت تظل الْحُجْرَة الشَّرِيفَة للاستغناء عَنْهَا بهما. وَكَانَ المتسبب فِي إِزَالَتهَا إِمَام الْمَدِينَة الشَّرِيفَة شرف الدّين أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الأسيوطي، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَت يجْتَمع فِيهَا أهل الْبدع وَكَانَت لَهُم كالمجتهد فاجتهد فِي إِزَالَتهَا وهدمها لَيْلًا وأدخلها فِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة، فتربعت الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة، توفّي ﵀ يَوْم الرَّابِع والعشري من صفر سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة، وَهَذِه صفة مِثَال الْحَائِز الَّذِي بناه عمر بن عبد الْعَزِيز وَصفَة حجرَة النَّبِي ﷺ فِي وَسطه. قَالَ الْحَافِظ محب الدّين: وَاعْلَم أَن فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة سمعُوا صَوت هدّة فِي الْحُجْرَة المقدسة، وَكَانَ الْأَمِير يَوْمئِذٍ قَاسم بن مهنا الْحُسَيْنِي فأخبروه بِالْحَال فَقَالَ: يَنْبَغِي أَن ينزل شخص لينْظر مَا هَذِه الهدة، فَلم يَجدوا أمثل حَالا من الشَّيْخ عمر النشائي شيخ شُيُوخ الصُّوفِيَّة بالموصل، فَاعْتَذر لمَرض كَانَ بِهِ يحْتَاج إِلَى الْوضُوء فِي غَالب الْأَوْقَات، فألزموه فَامْتنعَ من الْأكل وَالشرب مُدَّة، وَسَأَلَ النَّبِي ﷺ إمْسَاك الْمَرَض عَنهُ بِقدر مَا يبصر وَيخرج، وَنزل بحبال من بَين السقفين وَمَعَهُ شمعة، وَدخل إِلَى الْحُجْرَة فَرَأى شَيْئا من السّقف قد وَقع على الْقُبُور المقدسة فأزاله وكنس التُّرَاب بلحيته، وَأمْسك الله عَنهُ الدَّاء بِقدر مَا خرج وَعَاد إِلَيْهِ، توفّي الشَّيْخ عمر بِمَكَّة بعد نُزُوله بتسع سِنِين فِي سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة، وَكَذَلِكَ أَيْضا فِي سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة فِي أَيَّام قَاسم الْمَذْكُور وجد فِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة رَائِحَة مُنكرَة، فذكروه للأمير فَأَمرهمْ بالنزول، فَنزل الطواشي بَيَان الْأسود أحد خدام الْحُجْرَة الشَّرِيفَة، وَنزل مَعَه الصفي الْموصِلِي مُتَوَلِّي عمَارَة الْمَسْجِد، وَهَارُون الشادي الصُّوفِي بعد أَن بذل جملَة من المَال للأمير فِي ذَلِك، فوجدوا هراً قد هَبَط من الشباك الَّذِي فِي أَعلَى الْحَائِز بَين الْحَائِز وَبَين بَيت النَّبِي ﷺ فأخرجوه وطيبوا مَكَانَهُ، وَكَانَ نزولهم يَوْم السبت الْحَادِي عشر من ربيع الْآخِرَة.
стр. 313
صفحة فارغة
стр. 314
الْفَصْل التَّاسِع
: حكم زِيَارَة رَسُول الله وكيفيتها ﷺ وفضلها وكيفيتها وَكَيْفِيَّة زِيَارَة ضجيعيه ﵄ وَكَيْفِيَّة السَّلَام عَلَيْهِ ﷺ حَال الزِّيَارَة وَالسَّلَام على ضجيعيه والتوسل بِهِ إِلَى الله وَإِثْبَات حَيَاته وَبَقَاء حرمته ﷺ بعد وَفَاته وَذكر مَا روى فِي الْحُجْرَة الشَّرِيفَة من الْعَجَائِب وشوهد فِيهَا من الغرائب.
стр. 315
ذكر حكم زِيَارَة النَّبِي وفضلها ﷺ وفضلها
: إِذا انْصَرف الْحجَّاج والمعتمرون عَن مَكَّة المشرفة يسْتَحبّ لَهُم اسْتِحْبَابا مؤكداً أَن يتوجهوا إِلَى مَدِينَة سيدنَا رَسُول الله ﷺ ؛ للفوز بزيارته، فَإِنَّهَا من أعظم القربات وأرجى الطَّاعَات وَالْحج المتاعي، وَفِي " شرح الْمُخْتَار ": لما جرى الرَّسْم أَن الْحَاج إِذا فرغوا من مناسكهم وقفلوا عَن الْمَسْجِد الْحَرَام قصدُوا الْمَدِينَة زائرين قبر النَّبِي ﷺ ، إِذْ هِيَ من أفضل المندوبات والمستحبات، بل تقرب من دَرَجَة الْوَاجِب، فَإِنَّهُ ﷺ حرض عَلَيْهَا وَبَالغ فِي النّدب إِلَيْهَا، أَحْبَبْت أَن أذكر فِيهَا فصلا أذكر فِيهِ نبذاً من الْآدَاب وَذكرهَا. وَفِي مَنَاسِك الْفَارِسِي: أَنَّهَا قريبَة إِلَى الْوَاجِب فِي حق من كَانَ لَهُ سَعَة. وَمِمَّنْ صرح باستحبابها وَكَونهَا سنة من الشَّافِعِيَّة فِي أَوَاخِر بَاب أَعمال الْحَج الْغَزالِيّ فِي " الْإِحْيَاء " وَالْبَغوِيّ فِي " التَّهْذِيب " وَالشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام فِي " مَنَاسِكه "، وَأَبُو عَمْرو بن الصّلاح وَأَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيّ رَحِمهم اله تَعَالَى، وَمن الْحَنَابِلَة الشَّيْخ موفق الدّين وَالْإِمَام أَبُو الْفرج الْبَغْدَادِيّ وَغَيرهم، وَأما الْمَالِكِيَّة فقد حكى القَاضِي عِيَاض مِنْهُم الْإِجْمَاع على ذَلِك، وَفِي " تَهْذِيب الطالبين " لعبد الْحق عَن الشَّيْخ ابْن عمرَان الْمَالِكِي: أَن زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ وَاجِبَة، قَالَ عبد الْحق: يَعْنِي من السّنَن الْوَاجِبَة، وَفِي كَلَام الْعَبْدي الْمَالِكِي فِي " شرح الرسَالَة ": أَن الْمَشْي إِلَى الْمَدِينَة لزيارة قبر النَّبِي ﷺ أفضل من الْكَعْبَة وَمن بَيت الْمُقَدّس. وَأكْثر عِبَارَات الْفُقَهَاء أَصْحَاب الْمذَاهب تَقْتَضِي اسْتِحْبَاب السّفر للزيارة؛ لأَنهم استحبوا للْحَاج بعد الْفَرَاغ من الْحَج الزِّيَارَة وَمن ضرورتها السّفر وَأما نفس الزِّيَارَة فالأدلة عَلَيْهَا كَثِيرَة وَمِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: " وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول ". . الْآيَة وَلَا شكّ أَنه ﷺ حَيّ وَأَن أَعمال أمته معروضة عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور فِي بَاب الْفَضَائِل يرفعهُ: " من زار قَبْرِي وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن أبي الدُّنْيَا وَابْن خُزَيْمَة وَالْبَيْهَقِيّ فِي " الشّعب ". وَفِي لفظ: " من جَاءَنِي زَائِرًا لم تنزعه حَاجَة إِلَّا زيارتي كَانَ
стр. 316
حَقًا عليّ أَن أكون لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة ". كَذَا فِي الخلعيات، وَعند أبي يعلى الْموصِلِي بِلَفْظ: " من زارني بعد وفاتي عِنْد قَبْرِي فَكَأَنَّمَا زارني فِي حَياتِي ". وَفِي لفظ الدَّارَقُطْنِيّ: " كَانَ كمن زارني فِي حَياتِي وصحبني ". وَفِي لفظ: " من زارني محتسباً إِلَى الْمَدِينَة كَانَ فِي جواري يَوْم الْقِيَامَة ". ذكره الْبَيْهَقِيّ وَابْن الْجَوْزِيّ وَغَيرهمَا. وَعَن ابْن عدي عَن ابْن عمر يرفعهُ: " من حج الْبَيْت وَلم يزرني فقد جفاني ". وَذكره ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات وَهُوَ غير جيد، لِأَن ابْن عدي لما رَوَاهُ بَين سَنَده وَحكم بِأَنَّهُ جيد، وَالدَّارَقُطْنِيّ لما رَوَاهُ فِي " غَرِيب مَالك " قَالَ: تفرد بِهِ هَذَا الشَّيْخ يَعْنِي النُّعْمَان بن سبل وَهُوَ مُنكر، وَلَا يلْزم من هَذَا أَن يكون الْمَتْن مُنْكرا، وَفِي الْبَيْهَقِيّ فِي " السّنَن الْكَبِير " وَفِي الثَّانِي من فَوَائِد الْحَافِظ أبي الْفَتْح الْأَزْدِيّ عَن ابْن مَسْعُود يرفعهُ: " من حج حجَّة الْإِسْلَام وزار قَبْرِي وغزا غَزْوَة وَصلى عليّ من بَيت الْمُقَدّس لم يسْأَله الله تَعَالَى فِيمَا افْترض عَلَيْهِ ". وَفِي " الدرة الثمينة " لِابْنِ النجار عَن أنس يرفعهُ: " مَا من أحد من أمتِي لَهُ مَنْعَة لم يزرني فَلَيْسَ لَهُ عذر ". وَقد تقدم فِي بَاب الْفَضَائِل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي فضل زِيَارَة الْقَبْر الْمُقَدّس قَوْله فِي الحَدِيث: " وَجَبت لَهُ شَفَاعَتِي " مَعْنَاهُ حققت وَثبتت ولزمت وَإنَّهُ لَا بُد مِنْهَا بوعده ﷺ تفضلاً مِنْهُ. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ وَقَوله: " وَجَبت لَهُ " إِمَّا أَن يكون المُرَاد لَهُ بخصوصية بِمَعْنى أَن الزائرين يخصون بشفاعة لَا تحصل لغَيرهم عُمُوما وَلَا خُصُوصا، وَإِمَّا أَن يكون المُرَاد أَنهم يفردون بشفاعة مِمَّا يحصل لغَيرهم وَيكون إفرادهم بذلك تَشْرِيفًا وتنويهاً بِسَبَب الزِّيَارَة، وَإِمَّا أَن يكون المُرَاد أَنه ببركة الزِّيَارَة يجب دُخُوله فِي عُمُوم من تناله الشَّفَاعَة، وَفَائِدَة ذَلِك الْبُشْرَى بِأَنَّهُ يَمُوت مُسلما وعَلى هَذَا التَّقْدِير الثَّالِث يجب إِجْرَاء اللَّفْظ على عُمُومه؛ لأننا لَو أضمرنا فِيهِ شرطا لَو مَاتَ على الْإِسْلَام لم يكن لذكر الزِّيَارَة معنى؛
стр. 317
لِأَن الْإِسْلَام وَجه كَاف فِي نيل هَذِه الشَّفَاعَة وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الْأَوَّلين يَصح هَذَا الْإِضْمَار، فَالْحَاصِل أَن أثر الزِّيَارَة إِمَّا الْوَفَاة على الْإِسْلَام مُطلقًا لكل زَائِره وَكفى بهَا نعْمَة، وَإِمَّا شَفَاعَة خَاصَّة بالزائر أخص من الشَّفَاعَة الْعَامَّة. وَقَوله: شَفَاعَتِي فِي الْإِضَافَة إِلَيْهِ تشريف لَهَا فَإِن الْمَلَائِكَة والأنبياء وَالْمُؤمنِينَ يشفعون والزائر لقبره ﷺ لَهُ نِسْبَة خَاصَّة مِنْهُ يشفع فِيهِ هُوَ بِنَفسِهِ والشفاعة تعظم بِعظم الشافع فَكَمَا أَن النَّبِي ﷺ أفضل من غَيره كَذَلِك شَفَاعَته أفضل من شَفَاعَة غَيره. انْتهى كَلَام السُّبْكِيّ. وَمِنْهَا: أَن نَبينَا ﷺ أَحْيَاهُ الله بعد مَوته حَيَاة تَامَّة واستمرت تِلْكَ الْحَيَاة إِلَى الْآن، وَهِي مستمرة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ويشاركه فِي ذَلِك جَمِيع الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَالدَّلِيل على ذَلِك أُمُور أَحدهَا: قَوْله تَعَالَى: " وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ ". وَالشَّهَادَة حَاصِلَة لَهُ ﷺ على أتم الْوُجُوه؛ لِأَنَّهُ شَهِيد الشُّهَدَاء، قَالَ الله تَعَالَى: " وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا ". وَإِن توهم أَن ذَلِك من خَصَائِص الْقَتْل، فقد حصل لَهُ ذَلِك أَيْضا من أَكلَة خَيْبَر، صرح ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَغَيرهمَا بِأَنَّهُ ﷺ مَاتَ شَهِيدا. ثَانِيهَا: حَدِيث أنس يرفعهُ: " الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ ". وَفِي لفظ عِنْد الْبَيْهَقِيّ: " الْأَنْبِيَاء لَا يتركون فِي قُبُورهم بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَة وَلَكنهُمْ يصلونَ بَين يَدي الله حَتَّى ينْفخ فِي الصُّور ". ثَالِثهَا: حَدِيث أنس عِنْد مُسلم: " أتيت على مُوسَى لَيْلَة أسرِي بِي وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي قَبره ". رَابِعهَا: حَدِيث الْإِسْرَاء ورؤيته الْأَنْبِيَاء وَذكره لكل أحد أَنه على صُورَة كَذَا وبهيئة كَذَا ومستند إِلَى الْبَيْت الْمَعْمُور، وأمثال ذَلِك دَلَائِل قَاطِعَة على أَنهم أَحيَاء بأجسادهم. خَامِسهَا: حَدِيث أَوْس بن أَوْس " إِن الله حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء ". وَفِيه دَلِيل وَاضح وَقد ذهب إِلَى مَا ذكرنَا دَلِيله وأوضحنا حجَّته جماعته من أهل الْعلم وصرحوا بِهِ، مِنْهُم الإِمَام الْبَيْهَقِيّ والأستاذ أَبُو
стр. 318
الْقَاسِم الْقشيرِي وَأَبُو حَاتِم بن حبَان وَأَبُو طَاهِر الْحُسَيْن بن عَليّ الأردستاني، وَصرح بِهِ أَبُو عَمْرو بن الصّلاح ومحيي الدّين النَّوَوِيّ والحافظ محب الدّين الطَّبَرِيّ وَغَيرهم. وَأما حَدِيث: " لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد ". فَلَا دلَالَة فِيهِ على النَّهْي عَن الزِّيَارَة، بل هُوَ حجَّة فِي ذَلِك، وَمن جعله دَلِيلا على حُرْمَة الزِّيَارَة فقد أعظم الجرأة على الله وعَلى رَسُوله، وَفِيه برهَان قَاطع على غباوة قَائِله، وقصوره عَن ذوق صافي الْعلم، وقصوره عَن نيل دَرَجَة كَيْفيَّة الاستنباط وَالِاسْتِدْلَال، والْحَدِيث فِيهِ دَلِيل على اسْتِحْبَاب الزِّيَارَة من وَجْهَيْن؛ الأول: أَن مَوضِع قَبره الشريف أفضل بقاع الأَرْض، وَهُوَ ﷺ أفضل الْخلق وَأكْرمهمْ على الله تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لم يقسم بحياة أحد غَيره، وَأخذ الْمِيثَاق من الْأَنْبِيَاء بِالْإِيمَان بِهِ وبنصره، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: " وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة ثمَّ جَاءَكُم رَسُول مُصدق لما مَعكُمْ لتؤمنن بِهِ ولتنصرنه. . " الْآيَة. وشرفه بفضله على سَائِر الْمُرْسلين وَكَرمه؛ بِأَن ختم بِهِ النَّبِيين وَرفع دَرَجَته فِي عليين، فَإِذا تقرر أَنه أفضل المخلوقين وَأَن تربته أفضل بقاع الأَرْض، اسْتحبَّ شدّ الرّحال إِلَيْهِ وَإِلَى تربته بطرِيق الأولى. الْوَجْه الثَّانِي: أَنه اسْتحبَّ شدّ الرّحال إِلَى مَسْجِد الْمَدِينَة، وَلَا يتَصَوَّر من الْمُؤمنِينَ المخلصين انفكاك قَصده عَنهُ ﷺ ، وَكَيف يتَصَوَّر أَن الْمُؤمن الْمُعظم قدر النَّبِي ﷺ يدْخل مَسْجده ويشاهد حجرته ويتحقق أَنه يسمع كَلَامه ثمَّ بعد ذَلِك يَسعهُ أَن لَا يقْصد الْحُجْرَة والقبر، وَيسلم على رَسُول الله ﷺ ، هَذَا مِمَّا لَا خَفَاء فِيهِ على أحد، وَكَذَلِكَ لَو قصد زِيَارَة قَبره لم يَنْفَكّ قَصده عَن قَصده الْمَسْجِد، وَمن الدَّلِيل على الزِّيَارَة الْأَحَادِيث الْكَثِيرَة الصَّحِيحَة فِي فضل زِيَارَة الإخوان فِي الله، فزيارة النَّبِي ﷺ أولى وَأولى. وَمِنْهَا: أَن حرمته ﷺ وَاجِبَة حَيا وَمَيتًا، وَلَا شكّ أَن الْهِجْرَة إِلَيْهِ كَانَت فِي حَيَاته من أهم الْأَشْيَاء فَكَذَا بعد مَوته. وَمِنْهَا: الْأَحَادِيث الدَّالَّة على اسْتِحْبَاب زِيَارَة الْقُبُور، وَهَذَا فِي حق الرِّجَال مجمع عَلَيْهِ، وَفِي حق النِّسَاء فِيهِ خلاف، هَذَا فِي غير قبر النَّبِي ﷺ ؛ وَأما زِيَارَة قَبره ﷺ فالإجماع على استحبابها للرِّجَال وَالنِّسَاء. وَمِنْهَا: أَن الْإِجْمَاع على جَوَاز شدّ الرّحال للتِّجَارَة وَتَحْصِيل الْمصَالح الدُّنْيَوِيَّة فَهَذَا أولى؛ لِأَنَّهُ من أعظم الْمصَالح الأخروية. وَمِنْهَا: إِجْمَاع النَّاس العملي على زيارته ﷺ وَشد الرّحال إِلَيْهِ بعد الْحَج، من بعد وَفَاته إِلَى زَمَاننَا هَذَا. وَمِنْهَا: الْإِجْمَاع القولي. قَالَ
стр. 319
القَاضِي عِيَاض: زِيَارَة قَبره ﷺ سنة من الْمُسلمين مجمع عَلَيْهَا. وَأما الْآثَار فكثيرة جدا، عَن يزِيد الْمهْدي قَالَ: لما ودعت عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ: إِنِّي لي إِلَيْك حَاجَة. قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ ترى حَاجَتك عِنْدِي؟ قَالَ: إِنِّي أَرَاك إِذا أتيت الْمَدِينَة سترى قبر النَّبِي ﷺ فأقرئه مني السَّلَام. وَعَن حَاتِم بن وردان قَالَ: كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يُوَجه الْبَرِيد قَاصِدا من الشَّام إِلَى الْمَدِينَة، ليقرئ عَنهُ النَّبِي ﷺ السَّلَام. وَفِي بَاب الْحَج من فَتَاوَى الْفَقِيه أبي اللَّيْث قَالَ أَبُو الْقَاسِم: لما أردْت الْخُرُوج إِلَى مَكَّة قَالَ الْقَاسِم بن غَسَّان: إِن لي إِلَيْك حَاجَة إِذا أتيت قبر النَّبِي ﷺ فأقرئه مني السَّلَام. فَلَمَّا وضعت رجْلي فِي مَسْجِد الْمَدِينَة ذكرت لَك. قَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث: فِيهِ دَلِيل أَن من لم يقدر على الْخُرُوج فَأمر غَيره ليسلم عَنهُ فَإِنَّهُ ينَال فضل السَّلَام إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَفِي مُسْند الدَّارمِيّ: أَنه لما كَانَ أَيَّام الْحرَّة لم يُؤذن فِي مَسْجِد النَّبِي ﷺ ثَلَاثًا وَلم يقم وَلم يبرح سعيد بن الْمسيب فِي الْمَسْجِد، وَكَانَ لَا يعرف وَقت الصَّلَاة إِلَّا بهمهمة يسْمعهَا من قبر النَّبِي ﷺ . وَعَن أم الدَّرْدَاء قَالَت: لما رَحل عمر بن الْخطاب ﵁ من فتح بَيت الْمُقَدّس فَصَارَ إِلَى الخابية، فَسَأَلَهُ بِلَال أَن يقره بِالشَّام فَفعل ذَلِك، فَقَالَ: وَأخي أَبُو رويحة يَعْنِي عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْخَثْعَمِي الَّذِي آخى بيني وَبَينه رَسُول الله ﷺ ، فَنزل دَارنَا فِي خولان فَأقبل هُوَ وَأَخُوهُ إِلَى قوم من خولان، فَقَالَ لَهُم: إِنَّا قد أَتَيْنَاكُم خاطبين، وَقد كُنَّا كَافِرين فهدانا الله تَعَالَى، ومملوكين فأعتقنا الله تَعَالَى، وفقيرين فأغنانا الله تَعَالَى، فَإِن تزوجونا فَالْحَمْد لله تَعَالَى، وَإِن تردونا فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، فزوجوهما، ثمَّ إِن بِلَالًا رأى فِي مَنَامه النَّبِي ﷺ وَهُوَ يَقُول: مَا هَذِه الجفوة يَا بِلَال أما آن لَك أَن تزورني. فانتبه بِلَال حَزينًا وجلاً خَائفًا، فَركب رَاحِلَته وَقصد الْمَدِينَة فَأتى قبر النَّبِي ﷺ فَجعل يبكي عِنْده ويمرغ وَجهه عَلَيْهِ، فَأقبل الْحسن وَالْحُسَيْن فَجعل يضمهما ويقبلهما، فَقَالَا لَهُ: يَا بِلَال نشتهي نسْمع أذانك الَّذِي كنت تؤذن لرَسُول الله ﷺ فِي الْمَسْجِد فَفعل، فعلا سطح الْمَسْجِد فَوقف موقفه الَّذِي كَانَ يقف فِيهِ، فَلَمَّا قَالَ: الله أكبر الله أكبر ارتجت الْمَدِينَة، فَلَمَّا قَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ازدادت رجتها، فَلَمَّا قَالَ: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله خرجت الْعَوَاتِق من خُدُورهنَّ، وَقَالُوا: بعث رَسُول الله ﷺ فَمَا رُؤِيَ يَوْم أَكثر باكياً وَلَا باكية بِالْمَدِينَةِ بعد رَسُول الله ﷺ من ذَلِك، ذكره ابْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة بِلَال. وَلَيْسَ الِاعْتِمَاد فِي الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث على رُؤْيا الْمَنَام فَقَط، بل على فعل بِلَال وَهُوَ
стр. 320
صَحَابِيّ لَا سِيمَا فِي خلَافَة عمر ﵁، وَالصَّحَابَة متوافرون وَلَا تخفى عَنْهُم هَذِه الْقِصَّة، فسفر بِلَال فِي زمن صدر الصَّحَابَة لم يكن إِلَّا للزيارة وَالسَّلَام على النَّبِي ﷺ ، وَكَذَلِكَ إبراد عمر بن عبد الْعَزِيز الْبَرِيد من الشَّام فِي زمن صدر التَّابِعين فَلَا يقل من لَا علم لَهُ: إِن السّفر لمُجَرّد الزِّيَارَة لَيْسَ بِسنة. وَأنْشد بَعضهم: تَمام الْحَج أَن تقف المطايا ... على ليلى وتقرئها السلاما " وَفِي الْوَاقِعَات ": الْأَحْسَن بالحاج أَن يبْدَأ بِمَكَّة فَإِذا قضى نُسكه بِمَكَّة أَتَى الْمَدِينَة، لِأَن الْحَج فرض والزيارة سنة، وَلَو كَانَ الْحَج غير حجَّة الْإِسْلَام يبْدَأ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَو بَدَأَ بِالْمَدِينَةِ فِي الْوَجْه الأول جَازَ، وَإِذا نوى زِيَارَة قبر النَّبِي ﷺ فلينو مَعَ ذَلِك زِيَارَة مَسْجده؛ لِأَنَّهُ أحد الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة.
وَأما كَيْفيَّة زيارته ﷺ وزيارة ضجيعيه ﵄
: فَإِذا توجه إِلَى زِيَارَة قَبره الشريف ﷺ أَكثر من الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم على سيدنَا مُحَمَّد البشير النذير ﷺ فِي طَرِيقه، وَيَنْبَغِي أَن ينيخ بالبطحاء الَّتِي بِذِي الحليفة وَهِي المعرس وَيُصلي بهَا؛ تأسياً بسيدنا رَسُول الله ﷺ وَكَانَ ابْن عمر ﵄ شَدِيد الْحِرْص على ذَلِك، ويروى عَن نَافِع أَنه انْقَطع عَن ابْن عمر حَتَّى سبقه إِلَى المعرس ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا حَبسك عني، فَأخْبرهُ فَقَالَ: إِنِّي ظَنَنْت أَنَّك أخذت الطَّرِيق الْأُخْرَى وَلَو فعلت لأوجعتك ضربا. وليزد فِي الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْهِ ﷺ إِذا وَقع بَصَره على معاهد الْمَدِينَة وحرمها ونخيلها وآبارها، وَكلما قرب من الْمَدِينَة وعمرانها زَاد من الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم، وَسَأَلَ الله تَعَالَى أَن يَنْفَعهُ بزيارته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ويستشعر تَعْظِيم عرصاتها ويتخيل منازلها ورحباتها فَإِنَّهَا المواطن الَّتِي عمرت بِالْوَحْي والتنزيل، وَكثر فِيهَا تردد أبي الْفتُوح جِبْرِيل وَأبي الْغَنَائِم مِيكَائِيل، واشتملت تربَتهَا على جَسَد سيد الْبشر، وانتشر عَنْهَا من دين الله تَعَالَى وَسنَن رَسُول الله ﷺ مَا انْتَشَر، وَقد أحسن ناظم هَذِه الأبيات راداً على من أنكر سَماع رَسُول الله ﷺ من الْمصلى عَلَيْهِ الصَّلَاة، وَهِي هَذِه الأبيات: أَلا أَيهَا الغادي إِلَى يثرب مهلا ... لتحمل شوقاً مَا أُطِيق لَهُ حملا تحمل رعاك الله مني تَحِيَّة ... وَبلغ سلامي روح من طيبَة حلا وقف عِنْد ذَاك الْقَبْر فِي الرَّوْضَة الَّتِي ... تكون على يمنى الْمُصَلِّي إِذا صلى وقم خاضعاً فِي مهبط الْوَحْي خَاشِعًا ... وخفض هُنَاكَ الصَّوْت واسمع لما يُتْلَى
следующие страницы →