← Тафсир

Тафсир · id 553

تفسير العثيمين: النور

ابن عثيمين

Полный текст (440 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ولهَذَا لو قَالَ قَائِل: هل الكَافر مرحوم أو لا؟ الجواب: نقول: بالمَعْنى العامّ مرحوم، لَوْلا رحمة الله ما أكل ولا شرب ولا اكتسى ولا تزوج ولا وُلِد له، إلى آخِره، وأما الرَّحمة الخاصة فهي الخاصة بالمُؤْمِنِينَ الَّتِي تتضمن سعادة الدُّنْيَا والْآخِرَة، وأما العامَّة فهي سعادة في الدُّنْيَا فقط. من فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن ذكر العقاب على من أحب الْفَاحِشَة إِشارَة إلى أن هَذَا الْعَذَاب على من أحب الْفَاحِشَة من رأفة الله ورحمته بنا، لقَوْلهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بعد أن ذكر العقاب على من أحب الْفَاحِشَة. الفَائِدة الثَّانية: إِثْبات الفَضْل والرَّحمة؛ لقَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾. الفَائِدة الثَّالِثَة: إِثْبات هَذَيْنِ الاسْمين وما تضمناه من صفة؛ لقَوْلهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. الفَائِدة الرَّابِعَة: هَذَا البَيان وهَذَا الوعيد ذكره الله جمَلَّ وَعَلَا لنحذر، فلا نقع في هَذه الْأُمُور فقَوْلهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤]، لَيْسَ معناه انتفاء الْعَذَاب بل معناه بَيان أن من أحب الْفَاحِشَة فله عَذاب أليم، ولهذَا ذكر بعدها قَوْلهُ: ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فهَذَا البَيان يقْتَفِي الحذر من المُؤْمِن، هَذَا من فضل الله ورحمته، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وهَذَا يُناسِب هَذَا البَيان. * * *

стр. 107

الآية (٢١) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١]. * * * قَوْلهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: طُرُق تَزْيِينِهِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الخُطوات جمع الخُطْوة وهي عِبارَة عن المسافة الَّتِي بين القدمين في المشي، والمُراد بخُطوات الشَّيطان: طرقه، فعبر بالخُطْوة عن الطَّريق، لأَن الطَّريق أثر الخُطَى. وقول المُفَسِّر: [طُرُق تَزْيِينِهِ] هكذا الشَّيطان جميع طرقه مكروهة إلى النُّفوس لكنَّه يزينها لِلإنْسان حَتَّى يدخل فيها، وطرق الشَّيطان من حيث المَعْنى العامّ هي التَّكذيب والاستِكبار، فالشَّيطان مكذب ومستكبر، ومن أدلة استِكباره أنَّه أَبَى أن يسجد لآدم، ومن أدلَّة تكذيبه أنَّه ادعى أنَّه خير من آدم، فإن هَذَا يقْتَفِي أنَّه كذَّب بكون آدم خيرًا منه. فطريق الشَّيطان على سبيل العُموم التَّكذيب والاستِكْبار، فالتَّكذيب يَتعلَّق بالأَخْبار، والاسْتِكْبار يَتعلَّق بالتَّكليف: الأوامر والنَّواهي، وإذا تأملت جميع المعَاصِي

стр. 108

وجدتها لا تخرج عن هَذَيْنِ الْأَمْرين إما تكذيب وإما اسْتِكْبار، فهو أي الشَّيطان طرقه أو طريقه مبني على هَذَيْنِ الْأَمْرين. عنْدَما نأتي للتَّفصيل: هل البخل من خُطُوات الشَّيطان أم لا؟ الجواب: البخل من خُطُوات الشَّيطان؛ لأنَّه يأمر به قَالَ تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، قَالَ كثير من أهْل العِلْم: إن المُراد بالفَحْشاء هُنا البخل لأَن الآية في سِيَاق الإنفاق، وإن كَانَ الأصح أنَّها أعم. وكَذلِك الأكل بالشِّمال والشُّرب بالشِّمال من خُطُواته أيضًا؛ لأَن النَّبِيّ ﷺ أخبر بأن "الشَّيْطَان يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ" (١)، وعلى هَذَا فالأكل بالشِّمال والشُّرب بالشِّمال يَكُون حرامًا؛ لأَن الله نهى عن اتباع خُطُوات الشَّيطان، والنَّبي ﵊ نهى أيضًا أن يأكل الْإِنْسَان بشماله ويشرب بشماله. وإذا كَانَ النَّهي للتَّحريم، لا يسوغه ما يفعله بعض النَّاس الآن يَقُول: والله أنا آكل وأخاف إن شربت باليَمين أن ألوِّث الإناء، ومن ثَمَّ نأخذ خطر تهاون النَّاس اليوم بهَذ المَسْأَلة؛ لأَن كثيرًا من النَّاس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- الآن يأكلون بالشِّمال ويشربون بالشِّمال، ويزعمون أن هَذَا تقدَّم ومدنية والسَّبب هو الشُّعور بالنَّقص؛ لأَن الْإِنْسَان مع الأسف متى شَعُر بنقصه فإنَّه لا بُدَّ أن يقلد من يرى أنَّه أكمل منه. فهَؤُلَاءِ المغرورون ظنوا أن غيرهم من هَذه الأُمَم الكافرة أرقى منهم وأَشَدّ تقدُّمًا، وصحيح أنهم أرْقَى منا في الصِّناعة وفي أمور الدُّنْيَا، لكن في الأخلاق والآداب

стр. 109

الَّتِي أرشدنا إلَيْها الإِسْلام لَيْسَوا أرقى منَّا، إلا أنَّه بالنَّظر إلى حال المُسْلِمِينَ اليوم لا شَكَّ أن عندهم من الآداب الْإِسْلَامية الَّتِي يطبقونها لا عن قصد ولكن لمجرد أنَّها أخلاق فاضِلة لا للتعبُّد لله، ومع الأسف فالمُسْلِم الَّذِي أمر بتطبيق هَذه الآداب والأخلاق هو الَّذِي تقاعس عنها، مع أن المُسْلِم إِذَا طبقها يَكُون متصلًا بهَذه الأخلاق الفاضلة. وهَذه الآداب لا شَكَّ أنَّها نبل وشرف، وزيادة على ذَلِك يَكُون مأجورًا لأنَّه يفعلها امتثالًا لأمر الله ورسوله، وأولئك إِذَا فعلوها لا يؤجرون، لأنهم إنما يفعلونها لأنَّها أخلاق فاضلة، فهم مثلًا عندهم صدق في المعاملة وعندهم بَيان وعدم غش وعندهم وفاء بالوعد، كُلُّ هَذه من الصِّفات الَّتِي أمر الإِسْلام بها، وكثير من المُسْلِمِينَ الآن متخلٍّ عن هَذه الصِّفات، لكن إِذَا اتصف بها المُسْلِم يَكُون محمودًا عَلَيْها وَيكُون مأجورًا عَلَيْها أيضًا؛ لأنَّه يفعلها امتثالًا. أقول: إن خُطُوات الشَّيطان إِذَنْ طرقه الَّتِي يسير عَلَيْها والتي هي منهج سلوكه، وَذلِك دائر على أمرين هما التكذيب والاسْتِكْبار كما تقدَّم، وقد تَكُون خُطُوات الشَّيطان مُبَيَّنَةٌ مخصوصة كما قُلْنا في مَسْأَلة الأكل بالشِّمال والشُّرب بالشِّمال. قَوْلهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: المتبع ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أَي: القَبِيح ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ شَرْعًا باتِّباعِهَا] اهـ. قَوْلهُ: ﴿مَنْ﴾ كَيْفَ نعربها؟ شرطية، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط و (مَن) الشَّرطية تحتاج إلى شرط وجزاء، يعني إلى فعل شرط وجواب شرط، أين فعل الشَّرط؟ ﴿يَتَّبِعْ﴾ وجواب الشَّرط جملة ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.

стр. 110

قَوْلهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ﴾ وقَوْلهُ: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الضَّمِير في قَوْلهُ: ﴿فَإِنَّهُ﴾ يَعود على أيهما؟ إن نظرنا إلى أصل الجُمْلَة والموضوع قُلْنا: إنه يَعود إلى ﴿وَمَنْ﴾ لأَن جواب الشَّرط يَعود على ما يَعود علَيْه فعل الشَّرط، وإذا نظرنا إلى السِّياق وإلى أقرب مذكور قُلْنا: إنه يَعود إلى الشَّيطان، وتكون الجُمْلَة دالة على جواب الشَّرط ولَيْسَت هي جواب الشَّرط. ويؤيد هَذَا الرَّأْي أن السِّياق في النَّهي عن اتباع خُطُوات الشَّيطان، لأَن الله نهى عن اتباع خُطُوات الشَّيطان، ثم ذكر ما يؤيد هَذَا النَّهي من التَّحذِير حيث بيَّن أن الشَّيطان وقع في الفَحْشاء والمُنْكر؛ لأَن الشَّيطان ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ ولهذَا كُلُّ عاقل إِذَا علم أن الشَّيطان يأمر بالفَحْشاء والمُنْكر لا يسوغ له أن يتبع خُطُواته، وهَذَا أظهر من وجهين: لأَن السِّياق يدُلّ علَيْه كما تقدَّم، هَذَا وجه، ولأن المتِّبع لخطُوات الشَّيطان قد لا يأمر بالفَحْشاء والمُنْكر، بل يفعل الفَحْشاء والمُنْكر ولكن لا يأمر بهما، وكثير من أهل الضَّلال تجدهم ضالِّين في أنفسهم، لكن لَيْسَ عندهم دعوة لما هم عليه، وإن كنا نجد أيضًا أن كثيرًا من أهل الضلال عندهم دعوة يأمرون بالفَحْشاء والمُنْكر، أي: لما هم عليه. الحاصل أنَّه لَيْسَ بلازم أنَّ من اتبع خُطُوات الشَّيطان أن يامر بالفَحْشاء والمنكر نعم من اتبع اتباعًا مطلقًا لزم أن يأمر بالفَحْشاء والمنكر لأَن الشَّيطان يأمر بالفَحْشاء والمنكر. أما على ما سلك المُفَسِّر ﵀ فإن جملة ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ﴾ تَكُون هي بعينها جواب الشَّرط إِذَا قُلْنا الضَّمِير عائد على ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ﴾ ويَكُون معنى قَوْلهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ﴾ أي: المتبع كما قَالَ المفسر، فالجُمْلَة هي جواب الشَّرط، والضَّمِير يَعود في جوابه على

стр. 111

ما يَعود إلَيْه فعل الشَّرط. فالصحيح إِذَنْ أن الضَّمِير في قَوْلهُ: ﴿فَإِنَّهُ﴾ يَعود على الشَّيطان. وإذا قُلْنا: إنه يَعود على الشَّيطان يبقى النَّظر، أين جواب الشَّرط؟ إِذَا قُلْنا: فإنَّه -أي الشَّيطان- يَكُون الجواب محذوفًا تدُلّ علَيْه هَذه الجُمْلَة تقديره ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ وقع في الفَحْشاء والمُنْكر؛ لأَن الشَّيطان ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ فمن اتبعه وقع فيه، والله أعلم. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: العناية بهَذَا الحُكْم؛ لأَن الله جَلَّ وَعَلَا صدره بالنِّداء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإن النِّداء يُفيد التَّنْبيه، فإذا رأى طالب العِلْم من نفسه غفلة وتكاسلًا فسمع هَذَا ينتبه ويتحرك قلبه إلى حلقة العِلْم بعد ما كَانَ ذاهلا عنها، ووجَّه الله تَعَالَى الخِطَاب للمُؤْمِنِينَ لأنهم هم الَّذينَ يَنْتَفِعون بالْأَمْر والنَّهي ويمتثلون. الفَائِدة الثَّانية: أن الإِيمَان يُراد به مطلق الإِيمَان؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالله جَلَّ وَعَلَا يخاطب المُؤْمِنِينَ كلهم ولَيْسَ كلهم قد بلغوا درجة الكمال في إيمانهم، فحال توجيه الخِطَاب إلَيْهم قد لا يَكُونون متصفين بكمال الإِيمَان ما لم يُنفّذوا، فإذا نفّذوا صاروا كاملي الإِيمَان. الفَائِدة الثَّالِثَة: أنَّه يَنْبَغِي ذكر الحوافز الَّتِي تحفز الْإِنْسَان وتحمله على الامتثال؛ لقَوْلهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنه يَقُول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأنكم مُؤْمِنُونَ ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ففي هَذَا إثارة وحافز قوي يُحفّز الْإِنْسَان على ألا يتبع خُطُوات الشَّيطان.

стр. 112

الفَائِدة الرَّابعَة: التَّحذِير من بَيان عاقبة اتباع خُطُوات الشَّيطان؛ لأَن الخُطُوات خطوة خطوة، فالَّذِي يأخذ خطوة لَيْسَ كمن يأخذ خطوتين. الفَائِدة الخَامِسَة: أن من نعمة الله أن يبين للعباد أسباب الشَّرِّ ويحذرهم منها، يعني لا يَكِلهم إلى أنفسهم بل الله يتولى بَيان ذَلِك بفضله ورحمته. الفَائِدة السَّادِسَة: العَلامَة البَيِّنَة الظَّاهِرة لأوامر الشَّيطان، والعَلامَة هُنا واضحة، فإذا قَالَ الْإِنْسَان: ما هي العَلامَة على ما يأمر به الشَّيطان؟ الجواب: إِذَا وقع في قلبك الهم بفعل الفَحْشاء والمُنْكر فلا تحتاج أن تقول من الَّذِي أمرني بهَذَا؟ فالَّذِي أمرك به الشَّيطان، فهَذه علامة ظاهرة على أوامر الشَّيطان، على العكس من ذَلِك إِذَا كَانَ أمر بالمعْرُوف ونهي عن منكر فهو من أوامر المَلَك الَّذِي وكله الله بالْإِنْسَان لأَن الله جعل لِلإنْسان قرينًا من الملائكة كما قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "إِنَّ لِلشَّيْطَان لمَّةٌ بِابْنِ آدَمَ وَللمَلَكِ لمَّة" (١). الفَائِدة السَّابِعَة: تحْرِيم التشبُّه بأعداء الله جَلَّ وَعَلَا؛ لقَوْلهُ: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ فالشَّيطان عدو لله جَلَّ وَعَلَا ولبني آدم أيضًا، فإذا كَانَ الله تَعَالَى نهى عن اتباع خُطُواته فكَذلِكَ غيره يُنهى عن اتباع خُطُواتهم. الفَائِدة الثَّامِنَة: بَيان فضل الله وحكمته حيث يقرن الأَحْكام بعللِها لأَن قَوْلهُ: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ هَذَا حكم، عِلَّة النَّهي ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وسبق أنَّ ذِكْر الأَحْكام بعللها له فوائد منها؛ زيادة اطمئنان الْإِنْسَان للحكم،

стр. 113

ومعرفة أسرار الشَّريعة وكمالها، وتعدي هَذَا الحُكْم بتعدي العِلَّة. الفَائِدة التَّاسِعَة: تفاوت الأعْمَال في القبح؛ لأنه قَالَ: ﴿بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ والأَصْل في العَطْف المُغايَرَة. الفَائِدة العَاشِرة: بَيان شدة عداوة الشَّيطان لبني آدم وأنه لا يأمر إلا بالفَحْشاء والمُنْكر ولا يأمرهم بالخَيْر أبدًا. الفَائِدة الحَادِيَة عَشرة: إِثْبات الشَّيطان وإِثْبات أوامِره وأن له قصدًا؛ لأَن الَّذِي يأمر لا يأمر إلا عن قصد، فالشَّياطين موجودون ولهم إرادات ومقاصد؛ منها إيقاع النَّاس في الفَحْشاء والمُنْكر، وفي هَذَا رد على الَّذينَ ينكرون الشَّياطين وَيقُولُونَ: لا يوجد شياطين لكنها قوى نفسية تَتَصَارَعُ في الْإِنْسَان، وأما الشَّيطان الخارجي الَّذِي يجري من ابن آدم مجرى الدم فهَذَا لَيْسَ له أصل. الفَائِدة الثَّانية عشرة: الَّذِي يتبع خُطُوات الشَّيطان لا بُدَّ أن يعمل عمله، والشَّيطان يأمر بالفَحْشاء والمُنْكر فهو مثله، ولهذَا جعل المفسر كما تقدَّم معنى قَوْلهُ: ﴿فَإِنَّهُ يَتَّبِعْ﴾ أي: المتبع وبينَّا أن هَذَا التفسير خطأ؛ لأَن الله يَقُول: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فالآمر بالفَحْشاء والمُنْكر هو الشَّيطان والمُراد بالْأَمْر هُنا طلب الفِعْل وإن لم يكن بالصيغة المعْرُوفة فالَّذِي يرغبك في الشَّيء وإن لم يقل: افعل فهو آمر في الحقيقَة. الفَائِدة الثَّالِثَة عشرة: بَيان فضل الله ورحمته على العَبْد بتزكيته. * * *

стр. 114

الآية (٢٢) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢]. * * * قَوْلهُ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [قَالَ أبو بَكر: بَلى أنا أحِبُّ أن يَغفِر الله لِي وَرَجَّعَ إلَى مِسْطح مَا كَان يُنفِقهُ عَليْهِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ هل هَذَا عرض أو تحْضيض؟ الجواب: هو عرض لكنَّه بمَعْنى التَّحضيض، يعني يحضنا أن نحب هَذَا الشَّيء وهو مَغْفِرة الله، ويلْزَم من محبَّة المغْفِرة السَّعي في أسباب حصولها، ولَيْسَ المَقْصُود أن نحب هَذَا الشَّيء فقط بل أن نسعى في أسبابه؛ لأَن من أحب شيئًا سعى في أسباب الحصول عليه. فقد يَدَّعِي هَذَا كُلُّ واحدٍ يَقُول: أنا أحب أن يُغْفَر لي ومع ذَلِك هو منهمك في المعَاصِي مِنْ ترك الواجب وفعل المحرم وهو يَقُول: أنا أحب أن يغفر لي، ومحبته هَذه لَيْسَت صادِقَة لأَن من أحب شيئًا سعى في الوصول إلَيْه ولهذَا قَالَ اللهُ تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فإذا كنتم تحبون ذَلِك فاعفوا واصفحوا عن غيركم، فإن من عفا وصفح عن غيره غفر الله له.

стр. 115

وقَوْلهُ: ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر مَعَ مِسْطَح بن أثاثَةَ ابْنِ خَالَتِهِ]. اهـ. ولكن العبرة بعُموم اللَّفْظ لا بخصوص السّبب. قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الغَفور مأخُوذ من المغْفِرة، وهي ستر الذَّنب مع التَّجاوز عنه، ولَيْسَ مطلق السِّتر بل مع التَّجاوُز، أما السِّتر بدون تجاوز فلَيْسَ بمَغْفِرة، وإنما قُلْنا: إنما هي السِّتر مع التَّجاوُز لأَن التَّجاوُز هو الَّذِي به الوقاية من الْعَذَاب وأصل ذَلِك من المِغفر فإن المغفر يستر الرَّأْسَ ويقيه، ويدُلّ أيضًا على أن المغْفِرة هي السِّتر مع الوقاية أنَّه جاء في الحديث الصَّحيح عن النَّبِيّ ﵊: "أَنَّ اللهَ يَخْلُو بِعَبْده المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَرِّرْهُ بذُنُوبِهِ، حَتَّى إِذَا أقرَّ بِهَا قَالَ اللهُ: قَدْ سَتْرَتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأنا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْم" (١). فدل ذَلِك على أن المغْفِرة غير السِّتر وإلا لكانت المغْفِرة من قبل في الدّنْيَا لكنَّه ستر مع عدم العُقوبَة، يعني السِّتر مع التَّجاوُز، فالمغْفِرة شَيْء والسِّتر شَيْء آخر، لكن كُلّ مَغْفِرة تتضمن السِّتر، ولَيْسَ كُلّ سترٍ يتضمَّنُ المغْفِرةَ؛ لأنَّ مَنْ غفر لك ولم يعاقبْكَ معناه أنَّه ستر عَليْك، إِذْ لو عاقبك لفضحك. إذا قَالَ قَائِل: إِذَا فعل الْإِنْسَان خطيئة وافتضح في الدُّنْيَا هل يُعد هَذَا سترًا؟ الجواب: في هَذه الحال إِذَا فُضح ثم غُفر له صَارَ سترًا؛ لأنَّه إِذَا افتضح عند معاصريه وعند من حوله ولم يغفر له معناه أنَّه افتضح عند جميع النَّاس، فإذا افتضح

стр. 116

عند قومه ثم غفر له فمعناه أنَّه ستر عن أكثر النَّاس لأَن أكثر النَّاس غير معاصرين له. إذا قَالَ قَائِل: ما الفَرْق بين العَفو والصَّفْح؟ الجواب: العَفو بمَعْنى التَّجاوُز، يعني أن الله إِذَا عفا عنه فقد تجاوز عنه، وقد يَكُون الصَّفح بدون عفو كما لو أعرض الْإِنْسَان عن هَذَا الاعتداء لكن قلبه مملوء على صاحبه ولم يعفُ عنه، وقد يَكُون العَفو بدون صفح بأن يتجاوز ولا يعاقبه على ذنبه ولكنه لَيْسَ معرضًا عن هَذَا الذم كلما جاءت مناسبة ذكره، ولهذَا أمر الله بالْأَمْرين جميعًا. قَوْلهُ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ هَذَا نظير قَوْلهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤]، ففرق الله تَعَالَى بين العَفو والصَّفْح. لو قَالَ قَائِلٌ: هل العَفو والصَّفْح يَكُون من الله جَلَّ وَعَلَا؟ الجواب: العَفو كما تقدَّم بمَعْنى التَّجاوُز، وعفا الله عنه بمَعْنى تجاوز عنه، والله جلَّ وَعَلَا لا يَقُول: صفحت عنكم، وإنما الصفح فيما نؤمر به، وأما الله فلا أذكر الآن أن يقال: صفح الله عنه، بل يَقُول: عفا عنه، فالصَّفْح والعَفو إِذَا اجتمعا في حق المخْلُوق فإنَّه يُفَصَّل، العَفو بكذا أي بعدم المؤاخذة على الذَّنب، والصَّفْح بالإعراض عنه كلية، وكأنه لم يجر فيَكُون تكميلًا للعفو، وإذا نظرنا إلى معناه الأَصْلي فالعَفو عدم المؤاخذة على الذَّنب، لكن لا أدري هل يُمْكِن أن يَكُون العَفو في حق الله شاملًا الْأَمْرين؟ ! بمَعْنى أن الله يتجاوز عنه نهائيًا ولا يجعل هُناكَ أمورًا خلفية لهذَا العَفو، يعني يُمْكِن أن نقول: إن العَفو في حق الله يشمل الصَّفح.

стр. 117

يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أبو بَكْر ﵁ رَجَّعَ] أو رجع؟ هل نشدد الجيم أو نخففها؟ الجواب: يصح التخفيف؛ قَالَ اللهُ تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣]، ﴿رَجَعَكَ﴾ بمَعْنى ردّك لأَن رَجَع في الحقيقَة فعل ماض يستعمل متعديًا ولازمًا، فإذا قلت: "رَجَعْتُ من كذا"، فهَذَا لازم، وقلت: "رَجَعْتُ إلى فلان ما استعرته منه"، صَارَ متعديًا، إِذَنْ قَوْل المُفَسِّر ﵀: [رَجَع إِلَى مِسْطَح مَا كَانَ يُنْفِقَهُ عَلَيْهِ] بمَعْنى رده فتصح بالتخفيف. ولِذَلك يَنْبَغِي أن يمرن الطَّالب نفسه على كثرة الاسْتِنْباط من النُّصوص؛ لأنه كم من نص واحد تأخذ منه صفحة من الفوائد والمَسائِل، ويأتي واحد آخر لا يحصِّل منه إلا سطرين، فلِذَلك يَنْبَغِي لطالب العِلْم كما أنَّه يمرن نفسه على كثر المطالعة وقِراءَة الكتب يَنْبَغِي أيضًا أن يمرن نفسه على الاسْتِنْباط من الأدلَّة، وكم من دَليل واحد دل على مئات المَسائِل بحسب فهم الْإِنْسَان، فالَّذِي يرزقه الله فهما يستغني بِذَلِك عن نصوص كَثيرَة لا يحتاج إلى أن يجهد نفسه لتحصيلها ومطالعتها. والشَّافعيُّ ﵀ استنبط من قَوْل النَّبِيّ ﷺ : "يَا أبا عُمَيْر مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ" (١) ألف فَائِدَة، وهو حديث كَلِماته قليلة، والنُّغير طائر صغير كَانَ مع الصَّبي الَّذِي يُكنى بهَذه الكنية، يلعب به، فلمَّا مات اغتم هَذَا الصَّبي، مثل عادة الصَّبي إِذَا أمسك عُصفورًا

стр. 118

يفرح به، فإذا مات عُصفوره يغتم به، حَتَّى إنه في بعض الأَحْيان يلعب به وهو ميت، فالنَّبيّ ﵊ لما دخل ذات يوم ووجد الصَّبي محزونًا على فقد هَذَا النُّغير قَالَ له: "يَا أبا عُمَيْر مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ". عَلَى كُلِّ حَالٍ اتقوا الله ما استطعتم وفضل الله يؤتيه من يشاء، ولهَذَا لما قَالَ رجل لعلي بن أبي طالب ﵁: "هَلْ عَهِدَ إِلَيْكُمُ النَّبِيُّ ﷺ بشَيْءٍ؛ قَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا بِشَيْءٍ إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللهُ فِي الكِتابِ، وَما فِي هَذه الصَّحِيفَةِ ... " (١) وذكر ما في هَذه الصَّحيفة. الحاصل: أن على طالب العِلْم أن يهتم ويتعلم كَيْفَ يستنبط الفوائد من النُّصوص، وهَذَا من أهم الأَشْيَاء؛ لأَن النَّاس يختلفون في التحصيل العلمي اختلافًا كثيرًا، لَيْسَ بحسب كثرة الاطِّلاع فقط ولكن بحسب كثرة الاطِّلاع وبحسب الفَهْم؛ ويزداد علمهم بسبب اختلافهم في ذَلِك، فالْإِنْسَان الَّذِي أعطاه الله فهمًا في نصوص الكتاب والسُّنَّةِ. يُمْكِن أن يحصل من النُّصوص القليلة أحكامًا كَثيرَة؛ ولهذَا تجد بعض العُلَماء يستعرض آية ويستنبط منها فوائد كَثيرَة جدًّا وهي واحدة، وعلى العكس من ذَلِك الْاِنْسَان الَّذِي لم يعطه الله فهمًا، قد تَكُون عنْدَه نصوص كَثيرَة، ولا يتفطن لما فيها من الأَحْكام، فيفوته علم كثير فالمهم تمرين الْإِنْسَان نفسه على أخذ الفوائد واسْتِنْباطها من الكتاب والسُّنَّةِ هَذَا يُفيد كثيرًا، ويكثر من علمه وهَذَا الاسْتِنْباط يَكُون من الدَّلالَة الضمنية ودَلالَة المطابقة ودَلالَة الالتزام؛ لأَن الدلالات كما تقدَّم دَلالَة تَضَمّن ومُطَابَقة والْتِزَام.

стр. 119

فدَلالَة الكَلام على معناه كاملًا تسمى دَلالَة مطابقة، ودلالته على جزء معناه تسمى دَلالَة تضمن، ودلالته على أمر يلْزَم منه وقوع كذا وكذا يسمى دَلالَة الالتزام، فمثلًا إِذَا قلت: هَذَا بيت، هَذه الكَلِمة تدلُّ على كُلِّ البَيْت بغرفه وحجره وسطوحه دَلالَة مطابقة، وكونها تدُلّ على أن فيه حجرة وفيه غرفة وفيه سطح هي دَلالَة تضمن، وكونها تدُلّ على أن له بانيًا بناه هَذه دَلالَة التزام، يعني من لازم وجوده أن يَكُون له بانيًا، فهَذه الدلالات الثَّلاث يختلف فيه النَّاس اختلافًا كثيرًا، وبحسب هَذَا الاختلاف يتسع علم الْإِنْسَان. مِن فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: إِثْبات أَسْماء الله تَعَالَى وما دلت علَيْه من الصَّفات في هَذه الآية. الفَائِدة الثَّانية: تحْرِيم الحلف على ترك واجب؛ لأَن إيتاء ذوي القربى من الحقوق الواجبة قَالَ تَعَالَى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الروم: ٣٨]، لكن هُنا يَجب التقييد، فإذا كَانَ الحلف مع ترك مستحب يَكُون الحلف مكروهًا. لكن لو قَالَ قَائِلٌ: هل النَّفقة على القريب واجبة؟ الجواب: القريب له حق، والنَّفقة لَيْسَت لازمة، النَّفقة شَيْء ثان، النَّفقة لا تجب إلا على الوالد، وحق القريب أعم. الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الإساءة من الشَّخص لا توجب إسقاط حُقوقِه فإذا أساء فلَيْسَ معنى ذَلِك أنَّنا نسيء إلَيْه بترك ما يَجب علَيْنا فتكون إساءته علَى نفْسِه، ونحن علَيْنا ما يَجب.

стр. 120

الفَائِدة الرَّابِعَة: وُجوب التعرُّض لمَغْفِرة الله ورضوانه، لقَوْلهُ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. الفَائِدة الخَامِسَة: فضيلة أبي بكر ﵁ حيث وصفه الله تَعَالَى بأنه ذو فضل وسعة. الفَائِدة السادِسَة: أن الهِجْرَة لا تبطل بالمعصية وإن عظمت، لقَوْلهُ: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهَذَا الوصف وصف مدح، ولو بطلت الهِجْرَة بفعل المعْصِيَة هَذه، ما صح أن يبقى هَذا الوصف في حق مِسْطح بن أثاثة. الفَائِدة السَّابِعَة: أن كمال العَفو يَكُون بالصَّفْح؛ لقَوْلهُ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾. الفَائِدة الثَّامِنة: قَوْلهُ: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ إما أنَّه عتاب يعني عتابًا لطيفًا لأبي بكر ﵁ أو نقول: إنه حث وحض على طلب المغْفِرة، إِذَا قُلْنا بالأول كَانَ فيه دَليل على فضل أبي بكر حيث خاطبه الله بهَذَا العتاب اللطيف ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ يعني ألستم تحبون ﴿أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. الفَائِدة التَّاسِعَة: أن العَفو عن المسيئين من أسباب مَغْفِرة الله لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فدل هَذَا على أن العَفو عن الخلق من أسباب مَغْفِرة الله ﵎. الفَائِدة العاشرة: طلب إظهار فضل الْإِنْسَان إِذَا كَانَ في ذَلِك مصلَحَة. * * *

стр. 121

الآية (٢٣) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النور: ٢٣]. * * * قَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بالزِّنَا ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ العَفَائِف ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عَنِ الفَوَاحِشِ بِأَنْ لَا يَقَعُ فِي قُلُوبِهنَّ فِعْلُهَا ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ باللهِ وَرَسُولِهِ ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ اهـ. قَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ الرَّمْي هو القَذْف بالزِّنَا؛ وسمي رميًا لأنه يشبه الرَّمْي بالحجارة من حيث إيلامه للمقذوف. وقَوْلهُ: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ تقدَّم أن المُراد بهنَّ العفائف عن الزِّنَا، وأن المُحْصَن في القُرْآن يطلق ويُراد به عدة معان: منها العفيفات عن الزِّنَا، ومنها ذوات الأَزْواج مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ومنها الحرائر مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: الحرائر ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. وذكرنا أيضًا في سِيَاق هَذَا الكَلام أن الألفاظ المشتركة الَّتِي تطلق على معان متعددة يعين المُراد منها السّياق. قَوْلهُ: ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [عَنِ الفَوَاحِشِ بِأَنْ لَا يَقَعُ فِي قُلُوبِهِنَّ

стр. 122

فِعْلُهَا، هَذَا المُراد بالغافلات، وهَذَا القَيْد لَيْسَ بشرطٍ أي لَيْسَ بشرطٍ أن تَكُون المرمية ممَّن هي غافلة، هكذا قَالَ بعض أهْل العِلْم، بِدَلِيل أن من قذف محصنة بالزِّنَا وجب علَيْه حد القَذْف وإن لم تكن غافلة. ولكن الأَصْل في القَيْد أنَّه معتبر وأن مفهومه وهو مفهوم المخالفة غير داخل فيه، هَذَا الأَصْل، فمن قَالَ: إن هَذَا القَيْد لا يعتبر بناء على الغالِب أو ما أشبه ذَلِك لنا أن نطالبه بالدَّليل، نقول: هاتِ دليلًا على أن هَذَا القَيْد لبَيان الغالِب وأنه لَيْسَ بمقصود وإلا فالأَصْل أن القيود يُراد بها ما يخالف محترزاتها، أي يُراد بها أن ما يخالفها يَكُون مخالفًا لها في الحُكْم. وبعض العُلَماء يَقُول: إن قَوْلهُ: ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ قيد لبَيان الواقِع ولَيْسَ مقصودًا، بمَعْنى أن من رمى محصنة فعلَيْه هَذه اللَّعْنة، وإن لم تكن غافلة، لكن ما دليله؛ قَالَ: لأَن من قذف محصنة وجب علَيْه حد القَذْف وإن لم تكن غافلة، والغافلة هي الَّتِي لا يرد في ذهنها هَذَا الْأَمْر الَّذِي رميت به وهو أبلغ من كونها لم تفعله ولم تُتهم به، لأنَّها قد لا تتهم به، ولكن قد يرد في قلبها هَذَا الشَّيء إلا أنَّها لا تفعله، فالغافلات أكمل حالًا، من مُجرَّد المحصنات. فقول هَذَا القائل الَّذِي ذهب إلى أن الغافلات قيد لبَيان الواقِع وأنه لا مفهوم له يؤيد رأيه هَذَا بأن المحصنة إِذَا قُذفت وجب على قاذفها الحد، وإن لم تكن غافلة نقول له ردًّا على كلامه وتقريره: ادعاؤك أن الغافلات قيد أغلبي وأنه لا مفهوم له واستدلالك على ذَلِك بأن رمي المحصنة بالقَذْف يوجب الحَدّ وإن لم تكن غافلة هَذَا غير مُسَلّم به، لأَن الأَصْل في القَيْد الاعتبار وأنه يخرج ما عداه بمفهوم المخالفة، هَذَا الأَصْل أن القيود الَّتِي ترد في القُرْآن أو السُّنَّةِ الأَصْل فيها أنَّها قيود

стр. 123

تخرج محترزاتها من هَذَا الحُكْم، فمثلًا عنْدَما نقول: إن الغافلات قيد أغلبي لا يخرج محترزه هَذَا خلاف الأَصْل وعلى مدعيه الدَّليل. هو استدل على ذَلِك بأن قذف المحصنة يوجب الحدّ وإن لم تكن غافلة، لكنَّنا نرد هَذَا الاستدلال أو هَذَا التأييد الَّذِي أيد به قَوْلهُ بأن الحُكْم مختلف فهناك حد القَذْف وهنا اللَّعْنة، قَالَ تَعَالَى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ويَكُون من قذف محصنة استحق حد القَذْف لكن اللَّعْنة إنما تَكُون على من قذف محصنة غافلة هَذَا هو الأَصْل. ولِذَلك نؤيد أن (الغافلات) قيد اعتباري لا أغلبي وأن الحُكْم الَّذِي هو اللعن في الدُّنْيَا والآخِرَة لا يَكُون إلا لمن قذف محصنة غافلة ذَلِك لأَن الأَصْل على حسب ما تقدَّم في هَذَا التقرير أن القيود اعتبارية تخرج عن الحُكْم محترزاتها فمن خرج عن هَذَا الأَصْل ألزم بالدَّليل. أما من قَالَ: إن المُراد بهَذه الآيَة عَائِشَة ﵂ مثلًا وأنَّها غافلة عن هَذَا الْأَمْر، فهَذَا صحيح، عَائِشَة غافلة لكنَّنا أيضا نرد قَوْلهُ بأن الآيَة عامَّة، فهَذَا أيضا كَذلِكَ أي: حمل العامّ على الخصوص يحتاج إلى دَليل، فمن ادعاه فعلَيْه الدَّليل وإلا وجب الأخذ بالعُموم. وقَوْلهُ: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [باللهِ وَرَسُولِهِ]. إذا قَالَ قَائِل: لماذا قدم الله الوصف بالإحصان على الإِيمَان مع أن الإِيمان أعظم وهو الأَصْل؟ الجواب: نقول: وجه تقديمه هنا واضح، لأَن الرَّمي بالزِّنَا ينقض الإحصان وينافيه، فبدأ بالوصف الَّذِي ينقض ما رُميت به وهو الإحصان؛ لأَن المُؤْمِنة قد تكُون

стр. 124

مؤمنة ولَيْسَت محصنة، لكن المحصنة الَّتِي هي أبعد شيْء عما رُميت به لَيْسَت مؤمنة فقط بل ومحصنة أيضًا. فعلى هَذَا نقول: وجه تقديم المحصنة على المُؤْمِنة مع أن الإِيمَان أكمل وأولى بالاعتبار أن المَسْأَلة في رد قولٍ يَتعلَّق بالإحصان فناسب أن يُذْكَرَ ما يَتعلَّق به من الحُكْم وهو وصف الإحصان قبل وصف الإِيمَان. وقَوْلهُ: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، هذه الجُمْلَة محلها من الإِعْراب خبر (إنَّ). قَوْلهُ: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هُنا لم يقل: لعنهم الله، قَالَ: ﴿لُعِنُوا﴾ لأجل أن يشمل ذَلِك لعنة الله وغيره وهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، يعني: أن الله يَلْعَنهم. وكَذلِك اللاعنون يَلْعَنونهم، وبناء الفِعْل للمجهول مِنْ فَوَائِدِه العُموم، ولكن هَذَا لَيْسَ دائمًا، لكن في مثل هَذه الآية يُفيد العُموم، ومثله قَوْله تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ماذا قَالَ؟ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، لم يقل: غير من غَضِبْتَ عليهم مثل ما قَالَ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لأَن النِّعمة من الله، والغضب من الله ومن غيره، كُلُّ من استكبر عن الحقّ فإنَّه مغضوب علَيْه لا من قِبل الله فحسب، ولكن من قبل الله وغيره فاللعنة هُنا من قبل الله وغيره ولذَلك بنيت للمفعول. وقَوْلهُ: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ اللَّعْنة الطَّرْد والإبعاد عن رحمة الله، هَذَا بالنِّسْبَةِ للعنة الله، فهم والعِيَاذ باللهِ مطرودون عن رحمة الله في الدُّنْيَا والآخِرَة وبالنِّسْبَةِ لغير الله يَلْعَنون في الدُّنْيَا بحيث يسبون ويقدح فيهم

стр. 125

ويبعد عن الاختلاط بهم، تجد النَّاس يبتعدون عنهم؛ لأنهم ممقوتون مَحْذُورون، كلّ يحذر منهم ويخاف أن يتهموه بما اتهموا به فلانًا وفلانًا. إِذَا قَالَ قَائِل: قَالَ اللهُ تَعَالَى في هَذه الآية: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾ هل المحصنون الغافلون مثلهنَّ؟ الجواب: نعم بالإجماع أن المحصَنين مثل المحصَنات في هَذه. لكن ما وجه ذكر هَذَا خاصًّا بالنِّساء دون الرِّجَال ما داموا مشتركين في الحُكْم؟ الجواب: لأَن القَذْف في النِّساء أكثر من الرِّجَال، يعني كون المَرْأَة تقذف وتتهم بِالكَذِب أكثر من الرِّجَال لِذَلك ذكرت هي، والرّجل مثلها بالاتفاق. مِن فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: عظم القَذْف للمحصنات الغافلات، وقد ثبت عن النَّبِيّ ﷺ انَه من الكبائر فقال: "اجْتَنِبُوا السَّبع المُوبِقَاتِ -وذكر منهنَّ- قَذْف المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤْمِناتِ" (١). الفَائِدة الثَّانية: تمام غَيْرة الله وأنه جَلَّ وَعَلَا غيور وقد جاء في الحَديث الصَّحيح: "مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَر مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِي عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِي أَمَته" (٢)، وكَذلِك قصة سعد بن عبادة لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ [النور: ١٣]، كأنَّ سعدًا ﵁ استشكل

стр. 126

كَيْفَ يجد الرَّجل على زَوْجَته رجلًا ثم يذهب يطلب أرْبَعة شهود لا يأتيه إلا وقد فرغ فقال ﵁ للنبي ﵊: والله لأضربنه بالسَّيف غير مصفح، أي أضربه بالسَّيف بحده حَتَّى أقتله، فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلا تَعْجَبُونَ مِنْ غَير سَعْدٍ وَاللهِ إِنِّي لَأَغير مِنْهُ وَاللهُ أَغيرُ مِنِّي" (١). ويدُلّك على صِحَّة هَذَا كَيْفَ أوجب الله هوُلَاءِ القاذِفين أن يُلعنوا في الدُّنْيَا والآخِرَة، وأن لهم عَذابًا عَظِيمًا، ولهذَا جاء الشَّرع بما أَرَادَه سعد بن عبادة ﵁، فإن الْإِنْسَان لو وجد والعِيَاذ باللهِ إنسانًا على امرأته فله أن يقتله سواء كَانَ هَذَا الفاعل محصنًا أو غير محصن، ولا يحتاج أيضًا إلى مدافعة، بل نقول إِذَا عجز عن انكفافه فله قتله، بل له مباشرة؛ لأَن هَذَا لَيْسَ من باب دفع الصَّائل، ولكنه من باب الغيرة على محارمه. ولهذَا وقعت قصة في عهد عمر ﵁ واختصموا إلَيْه ولم ينكروا ادعاء الزَّوج بأنه وجده على امرأته لأنَّه قَالَ: يا أمير المُؤْمِنِينَ! أنا ما ضربت إلا فخذي امرأتي فإذا كَانَ بينهما أحد فقد قتلته، فأخذ السَّيف عمر ﵁ وقال له: إن عادوا فعد (٢). ولم ينكر علَيْه هَذَا الفِعْل لأَن هَذَا الْإِنْسَان لا يتحمَّل أن يجد إنسانًا ينتهك محارمه إلى هَذَا الحَدّ حَتَّى يقتله. فعَلَى كُلِّ حَالٍ في هَذه الآية إِثْبات غَيرة الله ووجه هَذَا أنَّه حمى أعْرَاض عباده المُؤْمِنِينَ المحصنين الغافلين بهَذه العُقوبَة العَظِيمَة وهي اللعن في الدُّنْيَا والآخِرَة.

стр. 127

الفَائِدة الثَّالِثَة: هل يُستَفاد من الآية جَواز لعن القاذِف للمحصنة الغافلة المُؤْمِنة؛ لقَوْلهُ: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا﴾ أو أن هَذَا بَيان لواقع الْأَمْر أن النَّاس يَلْعَنونهم ويكرهونهم ويبعدونهم عن مجالسهم وعن مخالطتهم؟ الحقيقَة أن الآية محتملة، ومثله قَوْلهُ ﷺ : "اتَّقُوا المَلاعِنَ الثّلَاثة: البُرَاز فِي المَوَارِدَ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَالظِّلِّ" (١)، ورواية مسلم "اتَّقُوا اللِّعَانَيْنِ"، قَالُوا: وَمَا اللِّعَانان؟ قَالَ: "الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ" (٢)، فسمى ذَلِك لعنًا. فهل المَعْنى أن هَؤُلَاءِ النَّاس الَّذينَ يفعلون هَذَا الفِعْل ينفر النَّاس منهم ويبعدونهم ويتخلون عن أخلاقهم أو يجوز أن نلعنهم ونقول: اللهم الْعَنْ من تخلى في طريق النَّاس أو ظلهم، وهنا نقول: اللهم العن من قَذف محُصنة غافلة مؤمنة؟ الظَّاهِر أن الْأَمْر يتناول هَذَا وهَذَا، يتناول الْأَمْر الواقِع أن النَّاس يَلْعَنونهم بالفِعْل ويبعدون عنهم ويبعدونهم من مجالسهم وأنه يجوز لِلإنْسان أن يَلْعَن من قذف محصنة غافلة مؤمِنة لأَن الله لعنه، فالدُّعاء علَيْه بِاللَّعْنِ من باب تحقيق ما أخبر الله به. * * *

стр. 128

الآية (٢٤) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٤]. * * * قَوْلهُ: ﴿يَوْمَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [نَاصِبُهُ الاستِقْرَارُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ﴿وَلَهُمْ﴾]. اهـ. (يوم)، لم يجعلها المُفَسِّر متعَلِّقة بـ (لعنوا في الدُّنْيَا والآخِرَة) جعلها متعَلِّقة بالاستقرار الَّذِي تعلق به الجارّ والمَجْرور لأَنَّ لهم عَذابًا عَظِيمًا، إِعْرابها: (لهم) جار ومجرور خبر مقدم و (عَذاب) مُبْتَدَأ و (عَظِيم) صفة، والجارّ والمَجْرور إِذَا كَانَ خبرًا لا بُدَّ أن يَتعلَّق بمحذوف، إما أن تقدره فعلًا وإما أن تقدره اسم فاعل فتقول: استقر لهم أو مستقر لهم، قَالَ ابن مالك ﵀ (١): وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أوْ بِحَرْفِ جَرْ ... اوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أوِ اسْتَقَرْ (كائن) هَذه اسم فاعل و (استقر) فعل. لكن هل الجارّ والمَجْرور هو الخبر أو متعَلِّق الجارّ والمَجْرور هو الخبر؟ الجواب: متعَلِّقه، لكن هم يَقُولُونَ: الجارّ والمَجْرور خبر من باب التسامح والتجوز، والخبر هو المحذوف الَّذِي تعلق به الجارّ والمَجْرور، تقديره كما تقدَّم مستقر لهم عَذاب عَظِيم أو استقر لهم عَذاب عَظِيم.

стр. 129

والمُفَسِّر ﵀ يَقُول في التفسير: [نَاصِبُهُ الاسْتِقْرَارُ] الَّذِي تعلق به الجارّ والمَجْرور (لهم) وهو الاستقرار الَّذِي قدرناه وقُلْنا: تقديره مستقر لهم أو تقديره استقر لهم يومئذٍ. قَوْلهُ: ﴿تَشْهَدُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّة ﴿عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنْ قَوْل وَفِعْل وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة] اهـ. متى يَكُون هَذَا الْعَذَاب العَظِيم؟ الجواب: يَكُون ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ الآية، يعني اليوم الَّذِي تشهد فيه هَذه الجوارِح هو يوم القِيامَة. قوله ﵀: ﴿تَشْهَدُ﴾ [بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّة] اهـ. يعني أن في الآية قراءتين: ﴿تَشْهَدُ﴾ و"يَشْهَدُ" (١)، وَذلِك لأَن ألسِنة جمع تكسير وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث تقول: "قَالَ الرِّجَال، وقالتِ الرِّجَال" فـ (تَشْهَدُ) مؤنث و (يَشْهَدُ) مذكر وكلاهما جائز. قَوْلهُ: ﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾ جمع لسان ﴿وَأَيْدِيهِمْ﴾ جمع يد ﴿وَأَرْجُلُهُمْ﴾ جمع رجل ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِنْ قَوْل وَفِعْل]، استفدنا من كلام المُفَسِّر ﵀ فَائِدَة عَظِيمة وهي أن العَمَل يشمل القَوْل والفِعْل بخلاف الفِعْل، ولهذَا نجعل القَوْل قسيمه الفِعْل، لا تقول: قَوْل وعمل، إِذَا أردت أن تحرر تمامًا تقول: قَوْل وفعل، ويجوز قَوْل وعمل، لكن على سبيل التَّجوُّز. فإذا قِيلَ: قَوْل وعمل من باب التَّقسيم لكنَّه تجَوَّز بإطلاق العَمَل على أحد معنييه وهو الفِعْل.

стр. 130

إِذَنْ العَمَل يطلق على القَوْل وعلى الفِعْل بل قَالَ أهل السُّنَّةِ والجماعة في بحثهم في الإِيمَان: إن العَمَل يشمل عمل اللِّسَان وهو القَوْل وعمل الجوارِح وهو الفِعْل وعمل الْقَلْب أيضًا، عمل الْقَلْب مثل خوفه ورجائه ومحبته وما أشبه ذَلِك، يعني الحركة الْقَلْبية. فإذا قِيلَ: عمل يشمل القَوْل والفِعْل، وإذا أردت أن تُقَسِّم تقول قَوْل وفعل إِذَا سمعت عِبارَة فيها قَوْل وعمل فاعلم أن هَذَا من باب التجوُّز؛ تجوز بالعَمَل عن الفِعْل، وإلا فالأَصْل أن الفِعْل قَسيم القَوْل لا أن العَمَل قسيم القَوْل، والفَرْق عَظِيم إِذَا قلت: عمل يشمل القَوْل والفِعْل، وإذا قلت: فعل يختص بالفِعْل الَّذِي هو عمل الجوارِح والقول عمل اللِّسَان، فالعَمَل يشمل قَوْل اللِّسَان وفعل الجوارِح لكن الفِعْل يختص بفعل الجوارِح فقط. وقَوْلهُ: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ اللِّسَان يشهد على الْإِنْسَان لكن كَيْفَ يشهد؟ يَقُول لهذَا القاذِف للمحصنة الغافِلة المُؤْمِنة: إنك قذفتها، لسانه نفسه يَقُول: إنك قذفتها، مع أن العَمَل في الدُّنْيَا عمل اللِّسَان في الحقيقَة، ومع ذَلِك يشهد اللِّسَان على صاحبه بهَذَا القَوْل الَّذِي هو القَذْف. قَوْلهُ: ﴿وَأَيْدِيهِمْ﴾ أيضًا تشهد عليهم ﴿وَأَرْجُلُهُمْ﴾ كَذلِكَ تشهد عليهم، وقد ذكر الله أن هَذه الأعضاء تشهد على الْإِنْسَان يوم القِيامَة وكَذلِك ذكر أن الجلود تشهد أيضًا وأنه يحصل محاورة بين الْإِنْسَان وبين جلده قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾ [فصلت: ٢١].

стр. 131

لو قَالَ قَائِل: كَيْفَ الجمع بين قَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ وبين قَوْلهُ وتعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]؟ الجواب: المُراد بالخَتْم على الأفْواه بحيثُ لا ينكرون، ولا يُنافي أن تشهد الألْسُن بما يضاد مراده، يعني أن اللِّسَان يدافع عنهم ولكن يشهد بخلافه، فيصير اللِّسَان لسانين: لسان شاهد وموافق للجوارح وهر المَقْصُود بهَذه الآية، ولسان آخر منكر وهو موافق لمراد صاحبه، فلو أنكر إِنْسَان باللِّسَان الَّذِي يتابعه بإرادته، نفس اللِّسَان يشهد عليه، والحكْمَةُ والله أعلم من ذكر اللِّسَان لأَن القَذْف إنما حصل به، ولهذَا قدمه على الأيدي والأرجل. أو يُقالُ: إن القِيامَة مواقِف؛ لأَن يوم القِيامَة بخمسين ألف سنة، فتارة كذا، وتارة كذا، مثلما جمع ابن عباس ﵄ بين قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ [النساء: ٤٢]، فقَوْلهُ: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ يعني: كُلُّ شَيْء يخبرون به، وقال في آية أُخْرَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣]، وهَذَا جُحود، فكَيْفَ نجمع بين الآيتين؟ الجواب: أن نقول إن القِيامَة مواقِف، وهَكَذا أيضًا جمع بعض العُلَماء بين قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [طه: ١٠٢]، وقَوْلهُ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، فهُنا سواد وهناك زرقة. والجمع: منهم من قَالَ هَذَا باعتبار مواقِف القِيامَة، ومنهم من قَالَ: إن الزرقة في العيون والسَّواد في الوجوه، ومنهم من قَالَ: إن النَّاس يختلفون، الْكُفَّار منهم أزرق ومنهم أسود، عَلَى كُلِّ حَالٍ أهْل العِلْم ﵏ لجئوا إلى الجمع بين الآيَات

стр. 132

الَّتِي ظَاهِرها التعارض يوم القِيامَة بأن يوم القِيامَة لَيْسَ ساعة واحدة حَتَّى تتعارض فيه الآيات، يوم القِيامَة خمسين ألف سنة تختلف فيه الأَحْوال. مِن فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: تمام قدرة الله حيث إن هَذه الأعضاء تنطق مع أن النُّطق في العادة باللِّسَان لكن يَكُون النُّطق بكل شَيْء إِذَا أَرَادَ الله ولهذَا تقول الجلودُ أنطقنا اللهُ الَّذِي أنطقَ كُلَّ شَيْء. الفَائِدة الثَّانية والثَّالِثَة: إِثْبات البعث وإِثْبات الجزاء. الفَائِدة الرَّابِعَة: أن الجزاء من جنس العَمَل؛ والدَّليل قَوْلهُ: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، استشهد بما كانوا يعملون لا بزيادة ولا بنقص. * * *

стр. 133

الآية (٢٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور: ٢٥]. * * * قَوْلهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يجازِيهِمْ جَزَاءَهُ الْوَاجِب عَلَيْهِمْ ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ حَيْثُ حَقَّقَ لهمْ جَزَاءه الَّذِي كَانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ وَمنْهُمْ عَبْد الله بْن أُبَيّ، وَالمُحْصَنَات هُنَا أَزْوَاج النَّبِيّ ﷺ لَمْ يُذْكَر فِي قَذْفهنَّ تَوْبَة وَمَنْ ذُكِرَ فِي قَذْفهنَّ أَوَّل سُورَة التَّوْبَة غَيْرهنَّ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾ بمَعْنى يعطيهم وافيًا، تقول: وَفّيته حقه، أي: أعطيته إياه وافيًا. وقَوْلهُ: ﴿دِينَهُمُ﴾ أي: جزاءهم، والدِّين كما أسلفنا كثيرًا يُطلق على العَمَل وعلى جزاء العَمَل، فمن إطلاق الدِّين على العَمَل قَوْله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فلَيْسَ المُراد بالدِّين هُنا الجزاء وإنما المُراد العَمَل الَّذِي تدينون الله به، ومثل قَوْله تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]، ما المراد؟ المُراد: الجزاء. فالدِّين إِذَنْ يُطلق ويُراد به العَمَل والجزاء على العَمَل ومنه قولهم: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، يعني كما تعمل تجازى، إِذَنْ معنى ﴿دِينَهُمُ﴾ أي: جزاء عملهم.

стр. 134

وقَوْلهُ: ﴿الْحَقَّ﴾ بمَعْنى العَدْل وَذلِك لأَن (الحقّ) إن قِيلَ في مقابلة الجيْر فهو بمَعْنى الصِّدق، وإن قِيلَ في مقابلة الحُكْم سواء كَانَ الحُكْم تَشْريعيًّا أو جزائيًّا فمعناه العَدْل، هُنا قِيلَ في مقابلة حكم جزائي، وعلَيْه فيَكُون المُراد بالحقِّ يعني العَدْل الَّذِي لَيْسَ فيه ظلم ولا جور، وهَكَذا جزاء الله يَكُون دائمًا حقًّا يعني عدلًا لَيْسَ فيه جور. لو قَالَ قَائِل: جزاء الله بالحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كَثيرَة هل ينافي هَذه الآية أو لا؟ الجواب: لا ينافيها؛ لأَن هَذَا عدل وزيادة، فكون الله يجازي العامِل أكثر من عمله هَذَا عدل وزيادة، لكن كون الْإِنْسَان يجازي غيره على عمل سيئ فيعاقبه بأكثر مما يستحق هَذَا جَوْر، فالله تَعَالَى منزه عن الأَخِير لأنَّه جَوْر، لكن الأوَّل فضل من الله والله ذو الفَضْل العَظِيم. قَوْلهُ: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ في هَذه الجُمْلَة مؤكدان وإن شئنا قُلْنا: ثلاث مؤكدات: (أنَّ)، وضمير الفصل والمؤكد الثَّالث الجُمْلَة المكونة من مُبْتَدَأ وخبر كلاهما معرفة، وكون المبتدأ والخبر معرفة هَذَا يُفيد التَّوكيد والحصر، إِذَنْ فالله تَعَالَى هو الحق مؤكد بهَذه المؤكدات الثَّلاث، لكن ما معنى كون الله حقًّا؟ الجواب: أولًا: وجوده حق أي: ما يستحقه من الحقوق حق كالعِبادَة مثلًا فهو الإله الحق، ما صدر عنه من خبر أو حكم فهو حق. إِذَنْ فهو الحق في ذاته وجودًا واستحقاقًا وكَذلِك أحكامًا، فالله موجود حقًّا وهو المستحق لِمَا يختص به حقًّا لا يشاركه أحد فيه، وهو لا يصدر عنه إلا الحق يعني أحكامه، وأفعاله كلها حق.

стр. 135

إِذَنْ وجه الأحقية لله من وجوه ثلاثة: أولًا: لِوُجوده فإن وجوده حق فهو أحق الأَشْيَاء وجودًا ولهذَا جميع الفطر السَّليمة تشهد به وكَذلِك العقول الصريحة، يعني الخالصة من الشُّبُهَات والشَّهَوَات تشهد به، ثانيًا: وكَذلِك أيضا ما يصدر عنه فهو حق، ما يصدر عنه من خبر أوحكم فما أخبر به فهو حق وما حكم به فهو حق سواء كَانَت الأَحْكام هَذه تَشْريعية وهو ما يشرعه للعباد، أو جزائية وهو ما يجازي به العباد. هل نقول: أو قدريًّا لأَن الأَحْكام القدرَّية أيضًا تعتبر حكمًا مثلما قُلْنا: إن الحُكْم قسمان: كوني وقدري؟ الجواب: في الحقيقَة أنَّه لا بُدَّ أن يضاف أن ما يصدر عنه من أحكام جزائية أو كونية أو تَشْريعية فهي حق. وأيضًا ما يستحقه من الْأُمُور فهو حق يعني من كمال الصِّفات والعِبادَة، يعني كون الله يختص بأشياء لا يشاركه فيها غيره هَذَا أيضا حق، ولهذَا يَقُول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦٢]. والثَّالث: أفعاله كلها حقّ. قَوْلهُ: ﴿الْمُبِينُ﴾ من (أبانَ) يعني من الفِعْل الرُّباعي، وهل (أبان) بمَعْنى أظهر أو بمَعْنى ظهر؟ (أبان) الفِعْل الرُّباعي يصح أن يستعمل متعديًا ولازمًا فيستعمل لازمًا بمَعْنى (بان) ومتعديًا بمَعْنى (بان) أي ظهر هُنا. ﴿الْمُبِينُ﴾ هل المَعْنى البَيِّن الأحقية أو المَعْنى الَّذِي أبان لخلقه أنَّه حق أو كلاهما؟

стр. 136

الجواب: كلاهما، الواقِع أن الله تَعَالَى بَيِّن الأحقية وقد أبان لعباده كونه حقًّا كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩]. والحاصل أن كَلِمة مبين تستعمل من المتعدي واللازم، لأَن أصلها أبان رباعي والَّذِي يستعمل لازمًا ومتعديًا، فإن كَانَ لازمًا فهو بمَعْنى بَيّن ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وإن كَانَت من المتعدي فهي بمَعْنى مظهر، مظهر للشَيْء، فأبنته بمَعْنى أظهرته حَتَّى بان ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ [يس: ٦٩]، أي: مظهر، لقَوْلهُ: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠]. وكَذلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥]، بمَعْنى مظهر وإن كَانَ من اللازم أنَّه إِذَا كَانَ مظهرًا فهو ظاهر في نفْسِه، فالمبين بمَعْنى المظهر لا بُدَّ أن يَكُون بينًا بنَفْسِه وإلا لما أظهر. قَوْلهُ: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ هَذه الآية هل ننزلها على المبين اللازم أو المبين المتعدي؟ الجواب: في الحَقيقَة تنزل على كليهما، لأَن الله تَعَالَى بَيِّن الأحقية ومبين ذَلِك لعباده، كَيْفَ أبان لعباده أنَّه حق؟ أولًا: بما ركب فيهم من الفطر السَّليمة والعقول، ولهذَا دائما يحيل الله هَذه الْأُمُور إلى العَقْل فقَوْلهُ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾ [القصص: ٦٠]، دَليل على أن العَقْل مرجع، لكن المُراد بالعقل العَقْل السَّليم الَّذِي لَيْسَ فيه شبهات ولَيْسَ فيه شهوات، وأما العَقْل الَّذِي استولت علَيْه الشُّبُهَات أو الشَّهَوَات فهَذَا عقل فاسد لا يحكم بشَيْء.

стр. 137

أيضًا أبان الحق ﵎ بغير العَقْل بالفطرة فإن الفطرة السَّليمة تشهد بالحق، وأبان الحق بالوَحْي الَّذِي أرسل به الرُّسل، فتكون إبانة الله تَعَالَى للحق بهَذه الطرق الثَّلاث وهي: العَقْل والفطرة والوَحْي. كُلُّ هَذه الطرق الثَّلاث يتبَيَّن بها الحق ولِذَلك يضرب الله الأمثال للنَّاس لأجل أنهم يعتبرون المورد والمضرب؛ أي: مورد المثل ومضربه، فيعتبرون بهَذَا على هَذَا، والله أعلم. * * *

стр. 138

الآية (٢٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ [النور: ٢٦]. * * * قَال المُفسِّرُ ﵀: [﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ مِنَ النِّسَاءِ وَمنَ الْكَلِمَاتِ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ مِنَ النَّاسِ ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ مِنَ النَّاسِ ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ مِمَّا ذُكِرَ ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ مِمَّا ذُكرَ ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ مِنَ النَّاسِ ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ مِنْهُمْ ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ مِمَّا ذُكِرَ أَي اللَّائِق بِالْجبِيثِ مِثْلُه، وَبِالطَّيِّبِ مِثْلُه، ﴿أُولَئِكَ﴾ الطَّيبونَ وَالطَّيَباتُ مِنَ النِّسَاءِ وَمنْهُمْ عَائِشَةُ وَصَفْوَانُ ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أَي الْخبِيثُونَ وَالْخبِيثَاتُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِيهِمْ ﴿لَهُمْ﴾ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيَباتُ ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فِي الجْنَّةِ وَقَدِ افْتَخَرَتْ عَائِشَةُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهَا خُلِقَتْ طَيِّبةً وَوُعِدَتْ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيمًا]. مَن حَكمَةِ اللهِ أنَّه جعل الأَشْياء مُتناسِبة مُتشاكِلةً، كلُّ شيْءٍ لهُ ما يُناسِبُه في الدُّنيا وفي الآخِرَة، كَما قَال تَعالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢)﴾ [الصافات: ٢٢]، أَزْواجَهم يعْنِي أشكالَهم ونُظرَاءَهم، وكلُّ شيْءٍ مِن حِكْمَة الله أنَّه جعلَه يُشاكِل الآخَر وَيمِيلُ إلَيْه. ومن جُمْلة هذِه القَاعِدَة الَّتي ذكَرها اللهُ بعْدَ ذِكْر ما تقدَّم من قِصة الإِفْك، وما جَرى لهؤُلاءِ الَّذين أرادُوا أنْ يدنِّسوا فِراش رَسُولِ الله ﷺ ،

стр. 139

ويطْعَنوا في أهلِه وفي أَصْحابِه كَما سبَق. ومنَ المعْلُوم أنَّ أطيبَ الطَّيِّبين منَ الخلْق هُو النَّبيّ ﵊، فلا يُمكِن أنَّ الله يجعَل تحْتَه امرأةً خَبِيثَة؛ ولهذا قَال الله وفسَّره المُفسِّر: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ مِنَ النِّسَاء وَمنَ الْكَلِمَات ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ بمَعْنى أن الخَبيثَ يكونُ عنْدَه خَبِيثة، ولا يُمكِن أن تكونَ الطَّيِّبة عنْدَ الجبيثِ، وكذَلِك لا يُمكِن أن تكونَ خَبِيثَة عنْدَ طيّب. مثالُ ذَلِك: لو فُرض أن عَائِشَة ﵂ حصل منْها ما رُمِيَت به، لكانت خَبِيثَةً تحت طيِّبٍ، وهَذا لا يُمكِن؛ لأنَّ الخبيثاتِ هُنَّ للخَبيثين. وقوْله: [منَ النِّسَاء] هَذا واضِحٌ، و [منَ الكَلِمات] يَعْني كذَلِك أيضا لا يَنطق بالكَلِمات الخَبيثة ولا يستَحِقُّ أن يُوصَف بها إلا مَن كان خَبِيثًا، فعَائِشَةُ ﵂ لا يُمكِن أن تُوصَف بما رُمِيت به؛ لأنَّها طيِّبة ولا يلِيقُ بها إلَّا الطَّيِّب منَ الكَلِمات. وهَكَذا أيضًا ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، فلو أنَّ شخصًا رَمى بالزِّنا رجلًا عنْدَ امرأةٍ طيِّبة، نَقُول: هَذا أيضًا لا يُمكِن؛ لأنه لا يُمكِنُ أن يكُونَ خَبِيث إلا لخبِيثَةٍ، وهَذا من حِكْمَة الله . إذَنْ فهَذِه قَاعِدَةٌ عامَّةٌ، وعلَيْها فقد صارَتِ المراحِيضُ ومواضِعُ الأَذى مأوَىً للشَّياطينِ، والمساجِدُ والأماكِنُ الطيِّبة مأوىً للملائِكَة، بل نَزِيد على ذَلِك أن النَّفْس الطَّيِّبة يقْتَرِن بها الطَّيِّب، فتؤيِّدُها الملائِكَةُ، والنَّفْس الخبيثَةُ يقْتَرِن بها الجبيثُ، فالإِنْسان السيِّءُ الزَّائِغ يُسلَّط علَيْه قرينٌ حتَّى يكون مصاحبًا له فيُغْريهِ ويُضلُّه، والنَّفْس الطَّيِّبة يُعينُها الله على قَرينها، حتى يُسلِّم، وحتَّى لا يأمُرَها بشَرٍّ.

стр. 140

كل هَذا موافقَةً للقَاعِدَة الَّتي هي حِكْمَة الله . قوْله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ أي منَ النِّسَاء ومنَ الكَلِمات أيضًا ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ يَعْني ما يَلِيق بهم إلا هَذا، فلا يَلِيق بالطَّيّب إلا الكَلِماتُ الطَّيِّباتُ والنِّسَاءُ الطَّيِّباتُ، ولهذا فإنَّ الله طيبٌ لا يقْبَل إلا طيبًا (١)، فلو تصدَّق إنسانٌ بمالٍ كَثير مِن كسْبٍ حرَامٍ فإنَّ اللهَ لا يقْبَلُه؛ لأنَّه خَبِيثٌ والله طيِّبٌ لا يقبَل إلا طيبًا. وتأمَّلْ هَذِه القَاعِدَة العامَّة تجدْها في كلّ شيْء. فإِن قِيل: ولكنَّ الآياتِ الَّتي قبلَ هَذِه الآيةِ جاءَت فِيها مسألَةُ اللِّعان، وهِي لا شكَّ تنْتُج من اجتماعِ زوجة خَبِيثة تحْتَ زوْجٍ طيِّبٍ؟ قُلْنا: لا تكونُ المرأةُ خَبِيثَةً في مسألَة اللِّعانِ إلَّا لو ثبتَتْ علَيْها هذِه التُّهمَة، وإذا ثبتت فإنَّ هَذا أمرٌ نادر، وفي اللِّعان لو لَاعَن الزَّوجُ ثبَت الحدُّ حتَّى ولو لم يأتِ بأرْبَعة شُهداءَ، بخلَاف غيْرِه. والقَواعِدُ العامَّةُ لا ينقُضها اختلافُ فرْدٍ مِن أفرَادِها، فقدْ تتوفَّرُ الأَسْباب لكِنْ تُوجَدُ معَها موانِعُ تمْنَع هَذه الأَسْباب، كما يَرِد علينا كَثيرًا أنَّ الشَّارع جعَل هَذا الأمْرَ سببًا لكِن قد يتخلَّف حُكْمه لوُجودِ مانِعٍ أقْوَى منَ السَّبب، وكذَلِك في بعْضِ الأحْكَام الشَّرْعية قد تُوجد أَسْباب الصِّحَّة وأَسْباب الاستِحْقاق، لكِنْ يُوجَد مانِعٌ يمْنَعُها، وهَذا كَثيرٌ في الأحْكَام الشَّرْعية، وفِي الأخْبَار، وفِي القَواعِد العامَّة. قوْله: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي الإِشارَة إلى الطَّيِّبين والطَّيِّبات ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾

стр. 141

أي مما يُقَال فِيهم، ومثَّل المُفسّر لهم بعَائِشَة ﵂ وصفوانَ بْن أميَّة ﵁ الَّذي قد رُمي بها كما وَرد فِي القِصَّة. لكِن قِصَّة الإِفْك في حَقِيقتها لَيْست طعنًا في عَائِشَة وصفوانَ ﵄ فقَط، ولكنَّها طعْن فِيهما وفي النَّبيّ ﷺ وفي أَبي بَكْر ﵁، فهؤُلاءِ الطَّيِّبون مُبرَّؤون مما يُقَال فيهم. قوْله: [﴿لَهُمْ﴾ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيبات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فِي الجْنَّة]، أي هؤُلاءِ لهم مَغْفِرة عَلى ذُنوبِهم، ورزقٌ كَريم على طاعَاتِهم، فإنَّ الذَّنب يناسِبُه المَغْفِرة، والأعْمال الصَّالحة يناسِبُها الرِّزق الكَريم؛ لأنَّ مَن فعل حسَنةً يُجْزى بعشْر حسناتٍ إلى سبْع مئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كَثيرَةٍ، فنفهم من هَذا أن هؤُلاءِ الَّذين قِيل علَيْهم ما قِيل قد حَصل لهم تكْفِيرُ سيِّئات ومَغْفِرةُ ذُنوب وكذَلِك رِفعَة درجاتٍ، وهَذِه أيضًا فرْدٌ مِن أفْراد القَاعِدَة العامَّة من أنَّه لا إنسانَ يُصيبُه همّ ولا غمّ ولا أذَىً إلا كفَّر الله عنه بذَلِك حتَّى الشوكةُ يُشاكها (١)، يكفِّر الله بها عنه. وهل يُرفع للْمَرء بما يُؤذِيه درجاتٌ؟ نَقُول: لو أنَّه تلقَّى هَذا الأذَى بالصَّبر علَيْه فإنَّه يُرفع لهُ بِها درجَاتٍ، وإلَّا كانت تكفيرا لسيِّئاتِه فقط؛ ووجْه ذَلِك أنَّ ما أصابَهُ منَ الأَذى ليْسَ بيَدِه، وإنَّما منَ الله ، وعلَيْه فإنَّ الله لن يجْمَع على المرْء بيْن العُقوبَتَيْن، فيُكفِّر بها عنْه مِن سيِّئاتِه، ثم إذا هُو صَبر على هَذا الأَذى يكُون قد حصَل منْه فعِل فيُجزى علَيْه خيرا.

стр. 142

وهنا قَال : ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فهؤُلاءِ أُصيبوا مُصيبةً عظيمةً، ولا شكَّ أنَّهم صَبروا حتَّى فرَّج الله عنهم هَذِه الغُمَّة، فكان جزاءُ ما أُصِيبوا بِه في هَذِه القضيَّة أن حصَلَتْ لهم المَغْفِرة، وفي مُقابلَةِ الصَّبْر حصَل لهم الرِّزق الكَريم. ووَصْف الرِّزق هنا بأنه كَريم ليْس لأنه ذو شُعُور فيُوصَف بالكَرم، فالرَّجُل مثلًا لَه شُعُور وإرادَةٌ فيَجُوز أن يُوصَف بالكَرم، لكنَّ اليَوْم قد وُصف هُنا بالكَرم رغم أنَّه لا إرادةَ له؛ لأنَّ المرادَ بالكَريم هُنا الشَّيْء الطَّيِّب الحسَن، كما في قوْل النَّبيّ ﷺ لمعاذ: "إيَّاكَ وَكرَائِمَ أَمْوَالهِمْ" (١)، وكرائِم جمع كَريمة. إذِن فالرِّزق الكَريم هو الرِّزق الحسَن، ويشْمَل هَذا الشَّيْء الكَثير. من فوائد هَذِه الآيَة: الفَائِدَة الأُولى: إثبات الحِكْمَة لأحْكَام اللهِ الشَّرْعيَّة والقدَرِيَّة؛ فهَذِه الآية جمعت بيْن أحْكَامٍ شرعيَّةٍ وقدَرَّيةٍ، واللهُ منَ النَّاحية القدرِيَّةِ جعل لكلِّ شيْءٍ ما يُناسبه، وكذَلِك منَ النَّاحية الشَّرْعيَّة يَنْبغي أن نُنزل لكُلِّ شيْء ما يُناسِبُه. الفَائِدَة الثَّانية: أنَّه يجِب عَلى الإِنْسان أن يُنْزِل النَّاس منازِلهم، فلا يصِفُ الطَّيِّبَ بالخُبْث، ولا الخبيثَ بالطَّيِّب، لأنَّ في هَذا معاكَسةً للقدَر والشَّرْع معًا، مع أنَّه يتضمَّن مفاسِد حين تصِفُ شخصًا خَبِيثًا بالطَّيِّب فتكُون بذَلِك رفعْت عنه وصفه كذبًا وزورًا، ثم إنَّك لو فعلْت هَذا تكون قد خدَعت النَّاس به، فالطَّيِّب يُوصَف بالطَّيِّب، والخبيث يُوصَف بالخُبْث، ولا يجوز للإِنْسان أن يتعدَّى ذَلِك.

стр. 143

الفَائِدَة الثالثة: فيها دَليلٌ على أنَّ الله يبَرِّئ أهل الرَّجُل الطَّيِّب العَفيف منَ الخُبْث؛ لأنَّ الطَّيِّبات للطَّيِّبين، والطَّيِّبون للطَّيِّبات، وهَذا من حِكْمَة الله ، أن الإِنْسانَ كُلَّما كان طيبًا نظيفًا وطاهرًا، فإنَّ الله يُهيئ له أهلًا بهَذِه المثابة جزاءً وِفاقًا، والأمْرُ كذَلِك بالعَكْس فيما لو كان خَبِيثًا، ولا سيَّما فيما يتعلَّق بالعِفَّة. وهَذا شيْء لو تأمَّله الإِنْسانُ لوجده كَثيرًا، لا نَقُولُ أنَّه مُطلَقٌ وعامٌّ، فهَذا لا يمْنَع أن يكونَ هُناك حالاتٌ مُسْتثناة، وإنَّما هَذا هو الغَالِب في الواقِع، أنَّ المرْء ذا الخُلُق الخَبيث يكون أهلُه كذَلِك؛ لأنَّه لم يحْمِ نفسَه حتى يحمِيَه اللهُ . الفَائِدَة الرَّابعة: وفيها دَليلٌ على أنَّ مِن رحَمة اللهِ أنَّه يدافِع عمَّن لا يستحِقُّ ما وُصِف به من أوْصافٍ خَبِيثَة؛ لأنَّ هَذِه الآية دِفاعٌ بيِّنٌ واضِح عنْ عَائِشَة ﵂. الفَائِدَة الخامِسَة: فيها دَليل على أنَّ مَن أُصِيب بمصيبةٍ قوْليَّة أو فعلَيَّة فإنَّ الله تَعالَى يَغْفر له، فإِنْ صَبر فلَهُ أجْر أيضًا. الفَائِدَة السَّادسة: أنَّ مِن رحْمَة الله بالإِنْسان الطَّيِّب أنَّه يدْفَع عنه أَسْباب الشرِّ، كما أنَّه يحمِيه عن الفِتَن، ومنَ الدَّفع عنه بالأحكام الشَّرْعيَّة حذُ القذف. وكذلك يُهيِّئ له ما يحْمِيه منَ الأُمور القدرية، وأَذْكُر هنا قِصَّة جرَت على رجُلٍ مِن مدينَتِنا، وقدْ كان هَذا الرَّجُل معروفًا بالوَرَع، الَّذي يُعتَبر مِن أكْمَل ما يكُون، ذَهب في يوْمٍ ليَحْمِل من أرضِه خشبًا لأهْلِه، وكان جارُه في الأرْض قد جمَع كوْمَةً

стр. 144

لهُ مِن خشب، فأناخ هَذا الرَّجُل عنْد خشب جارِه ليَحْمِله وهو يظنُّه خشبَه، فلمَّا حمله على بَعيرِه وأرادَ أن يُقوِّمه رفض البعيرُ أنْ يقُوم، فنزَّل الحِمْل كلَّه فقام البعير، فلمَّا تأمَّل حولَه عرف أنَّه كان قد حَمل على البَعِير خشبَ جارِه، فوقَاه الله أن يحْمِل خشبًا ليْس له، وهَذا من حِمايَة الله ، وهَكَذا فإنَّ من حِماية اللهِ للعَبْد لو عرف من نيَّته الأمانَة والعِفَّة فإنَّه يُبعد عنه أَسْباب الفساد. بخلَاف المرْء الخبيثِ الَّذي يعلَمُ اللهُ منه أنَّه يَمِيل للشَّرِّ والفساد فإنَّه قد تتهيَّأُ له أَسْبابُ الشَّرِّ والفساد حتى يقَع فيه. ومن أمْثِلة دفع الله الخُبْث عن الطَّيِّب ما جاء في قِصَّة جُريجٍ العابِد، فقدِ اتهمَتْه امرأَةٌ بغِيٌّ في نفسِها، وجاءت بطِفْل مِن راعٍ فاتَّهمت جُريجًا فيه، لكنَّ الله أنطق الطِّفل في المهْدِ فأشار إلى الرَّاعي وقَال هَذا أبي، فبرَّأه الله مما اتَّهمته به (١)، وهَذا شيْءٌ قدرِيّ. قَال المُفَسِّر ﵀: [وَقَدْ افْتَخَرَتْ عَائِشَة بِأشْيَاء مِنْهَا أَنَّهَا خُلِقَتْ طَيِّبة وَوُعِدَتْ مَغْفِرَة وَرِزْقًا كَرِيمًا]، أي كأنَّها ﵂ فهمت أن هَذِه الآية قد نزَلت فِيها، فكانَتْ تفتَخِر بها، والمرادُ بالافْتخار هنا التَّحدُّث بنعمة اللهِ، لا إظهارُ العُلوِّ على النَّاس. فالافْتِخارُ يكونُ بوَجْهين: الأوَّل: أن يتحدَّث المرءُ بنعمة الله علَيْه، وهَذا افتِخار طيِّبٌ، وهو مما

стр. 145

أمَر اللهُ به، ومنه قوْله النَّبيّ ﷺ : "أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ" (١)، ومنه ما رُوي عن صفيَّة ﵂ أنَّها كانَتْ تفتَخِر على زوْاجَات النَّبيّ ﷺ أن اللهَ زوَّجَها في السَّماء (٢). الثَّاني: أن يفتَخِر الإِنْسانُ ليُظْهر فضلَه على غيْرِه، ويعلوَ بِه على غيْرِه، وهَذا لا يجُوز، قَال الله تَعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨]، فهَذا الفَخْر الَّذي منَ الخُيَلاء الَّذي لا يُحبُّه الله . * * *
следующие страницы →