أي مما يُقَال فِيهم، ومثَّل المُفسّر لهم بعَائِشَة ﵂ وصفوانَ بْن أميَّة ﵁ الَّذي قد رُمي بها كما وَرد فِي القِصَّة.
لكِن قِصَّة الإِفْك في حَقِيقتها لَيْست طعنًا في عَائِشَة وصفوانَ ﵄ فقَط، ولكنَّها طعْن فِيهما وفي النَّبيّ ﷺ وفي أَبي بَكْر ﵁، فهؤُلاءِ الطَّيِّبون مُبرَّؤون مما يُقَال فيهم.
قوْله: [﴿لَهُمْ﴾ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيبات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فِي الجْنَّة]، أي هؤُلاءِ لهم مَغْفِرة عَلى ذُنوبِهم، ورزقٌ كَريم على طاعَاتِهم، فإنَّ الذَّنب يناسِبُه المَغْفِرة، والأعْمال الصَّالحة يناسِبُها الرِّزق الكَريم؛ لأنَّ مَن فعل حسَنةً يُجْزى بعشْر حسناتٍ إلى سبْع مئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كَثيرَةٍ، فنفهم من هَذا أن هؤُلاءِ الَّذين قِيل علَيْهم ما قِيل قد حَصل لهم تكْفِيرُ سيِّئات ومَغْفِرةُ ذُنوب وكذَلِك رِفعَة درجاتٍ، وهَذِه أيضًا فرْدٌ مِن أفْراد القَاعِدَة العامَّة من أنَّه لا إنسانَ يُصيبُه همّ ولا غمّ ولا أذَىً إلا كفَّر الله عنه بذَلِك حتَّى الشوكةُ يُشاكها (١)، يكفِّر الله بها عنه.
وهل يُرفع للْمَرء بما يُؤذِيه درجاتٌ؟
نَقُول: لو أنَّه تلقَّى هَذا الأذَى بالصَّبر علَيْه فإنَّه يُرفع لهُ بِها درجَاتٍ، وإلَّا كانت تكفيرا لسيِّئاتِه فقط؛ ووجْه ذَلِك أنَّ ما أصابَهُ منَ الأَذى ليْسَ بيَدِه، وإنَّما منَ الله ، وعلَيْه فإنَّ الله لن يجْمَع على المرْء بيْن العُقوبَتَيْن، فيُكفِّر بها عنْه مِن سيِّئاتِه، ثم إذا هُو صَبر على هَذا الأَذى يكُون قد حصَل منْه فعِل فيُجزى علَيْه خيرا.
стр. 142
وهنا قَال : ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فهؤُلاءِ أُصيبوا مُصيبةً عظيمةً، ولا شكَّ أنَّهم صَبروا حتَّى فرَّج الله عنهم هَذِه الغُمَّة، فكان جزاءُ ما أُصِيبوا بِه في هَذِه القضيَّة أن حصَلَتْ لهم المَغْفِرة، وفي مُقابلَةِ الصَّبْر حصَل لهم الرِّزق الكَريم.
ووَصْف الرِّزق هنا بأنه كَريم ليْس لأنه ذو شُعُور فيُوصَف بالكَرم، فالرَّجُل مثلًا لَه شُعُور وإرادَةٌ فيَجُوز أن يُوصَف بالكَرم، لكنَّ اليَوْم قد وُصف هُنا بالكَرم رغم أنَّه لا إرادةَ له؛ لأنَّ المرادَ بالكَريم هُنا الشَّيْء الطَّيِّب الحسَن، كما في قوْل النَّبيّ ﷺ لمعاذ: "إيَّاكَ وَكرَائِمَ أَمْوَالهِمْ" (١)، وكرائِم جمع كَريمة.
إذِن فالرِّزق الكَريم هو الرِّزق الحسَن، ويشْمَل هَذا الشَّيْء الكَثير.
من فوائد هَذِه الآيَة:
الفَائِدَة الأُولى: إثبات الحِكْمَة لأحْكَام اللهِ الشَّرْعيَّة والقدَرِيَّة؛ فهَذِه الآية جمعت بيْن أحْكَامٍ شرعيَّةٍ وقدَرَّيةٍ، واللهُ منَ النَّاحية القدرِيَّةِ جعل لكلِّ شيْءٍ ما يُناسبه، وكذَلِك منَ النَّاحية الشَّرْعيَّة يَنْبغي أن نُنزل لكُلِّ شيْء ما يُناسِبُه.
الفَائِدَة الثَّانية: أنَّه يجِب عَلى الإِنْسان أن يُنْزِل النَّاس منازِلهم، فلا يصِفُ الطَّيِّبَ بالخُبْث، ولا الخبيثَ بالطَّيِّب، لأنَّ في هَذا معاكَسةً للقدَر والشَّرْع معًا، مع أنَّه يتضمَّن مفاسِد حين تصِفُ شخصًا خَبِيثًا بالطَّيِّب فتكُون بذَلِك رفعْت عنه وصفه كذبًا وزورًا، ثم إنَّك لو فعلْت هَذا تكون قد خدَعت النَّاس به، فالطَّيِّب يُوصَف بالطَّيِّب، والخبيث يُوصَف بالخُبْث، ولا يجوز للإِنْسان أن يتعدَّى ذَلِك.
стр. 143
الفَائِدَة الثالثة: فيها دَليلٌ على أنَّ الله يبَرِّئ أهل الرَّجُل الطَّيِّب العَفيف منَ الخُبْث؛ لأنَّ الطَّيِّبات للطَّيِّبين، والطَّيِّبون للطَّيِّبات، وهَذا من حِكْمَة الله ، أن الإِنْسانَ كُلَّما كان طيبًا نظيفًا وطاهرًا، فإنَّ الله يُهيئ له أهلًا بهَذِه المثابة جزاءً وِفاقًا، والأمْرُ كذَلِك بالعَكْس فيما لو كان خَبِيثًا، ولا سيَّما فيما يتعلَّق بالعِفَّة.
وهَذا شيْء لو تأمَّله الإِنْسانُ لوجده كَثيرًا، لا نَقُولُ أنَّه مُطلَقٌ وعامٌّ، فهَذا لا يمْنَع أن يكونَ هُناك حالاتٌ مُسْتثناة، وإنَّما هَذا هو الغَالِب في الواقِع، أنَّ المرْء ذا الخُلُق الخَبيث يكون أهلُه كذَلِك؛ لأنَّه لم يحْمِ نفسَه حتى يحمِيَه اللهُ .
الفَائِدَة الرَّابعة: وفيها دَليلٌ على أنَّ مِن رحَمة اللهِ أنَّه يدافِع عمَّن لا يستحِقُّ ما وُصِف به من أوْصافٍ خَبِيثَة؛ لأنَّ هَذِه الآية دِفاعٌ بيِّنٌ واضِح عنْ عَائِشَة ﵂.
الفَائِدَة الخامِسَة: فيها دَليل على أنَّ مَن أُصِيب بمصيبةٍ قوْليَّة أو فعلَيَّة فإنَّ الله تَعالَى يَغْفر له، فإِنْ صَبر فلَهُ أجْر أيضًا.
الفَائِدَة السَّادسة: أنَّ مِن رحْمَة الله بالإِنْسان الطَّيِّب أنَّه يدْفَع عنه أَسْباب الشرِّ، كما أنَّه يحمِيه عن الفِتَن، ومنَ الدَّفع عنه بالأحكام الشَّرْعيَّة حذُ القذف.
وكذلك يُهيِّئ له ما يحْمِيه منَ الأُمور القدرية، وأَذْكُر هنا قِصَّة جرَت على رجُلٍ مِن مدينَتِنا، وقدْ كان هَذا الرَّجُل معروفًا بالوَرَع، الَّذي يُعتَبر مِن أكْمَل ما يكُون، ذَهب في يوْمٍ ليَحْمِل من أرضِه خشبًا لأهْلِه، وكان جارُه في الأرْض قد جمَع كوْمَةً
стр. 144
لهُ مِن خشب، فأناخ هَذا الرَّجُل عنْد خشب جارِه ليَحْمِله وهو يظنُّه خشبَه، فلمَّا حمله على بَعيرِه وأرادَ أن يُقوِّمه رفض البعيرُ أنْ يقُوم، فنزَّل الحِمْل كلَّه فقام البعير، فلمَّا تأمَّل حولَه عرف أنَّه كان قد حَمل على البَعِير خشبَ جارِه، فوقَاه الله أن يحْمِل خشبًا ليْس له، وهَذا من حِمايَة الله ، وهَكَذا فإنَّ من حِماية اللهِ للعَبْد لو عرف من نيَّته الأمانَة والعِفَّة فإنَّه يُبعد عنه أَسْباب الفساد.
بخلَاف المرْء الخبيثِ الَّذي يعلَمُ اللهُ منه أنَّه يَمِيل للشَّرِّ والفساد فإنَّه قد تتهيَّأُ له أَسْبابُ الشَّرِّ والفساد حتى يقَع فيه.
ومن أمْثِلة دفع الله الخُبْث عن الطَّيِّب ما جاء في قِصَّة جُريجٍ العابِد، فقدِ اتهمَتْه امرأَةٌ بغِيٌّ في نفسِها، وجاءت بطِفْل مِن راعٍ فاتَّهمت جُريجًا فيه، لكنَّ الله أنطق الطِّفل في المهْدِ فأشار إلى الرَّاعي وقَال هَذا أبي، فبرَّأه الله مما اتَّهمته به (١)، وهَذا شيْءٌ قدرِيّ.
قَال المُفَسِّر ﵀: [وَقَدْ افْتَخَرَتْ عَائِشَة بِأشْيَاء مِنْهَا أَنَّهَا خُلِقَتْ طَيِّبة وَوُعِدَتْ مَغْفِرَة وَرِزْقًا كَرِيمًا]، أي كأنَّها ﵂ فهمت أن هَذِه الآية قد نزَلت فِيها، فكانَتْ تفتَخِر بها، والمرادُ بالافْتخار هنا التَّحدُّث بنعمة اللهِ، لا إظهارُ العُلوِّ على النَّاس.
فالافْتِخارُ يكونُ بوَجْهين:
الأوَّل: أن يتحدَّث المرءُ بنعمة الله علَيْه، وهَذا افتِخار طيِّبٌ، وهو مما
стр. 145
أمَر اللهُ به، ومنه قوْله النَّبيّ ﷺ : "أنا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ" (١)، ومنه ما رُوي عن صفيَّة ﵂ أنَّها كانَتْ تفتَخِر على زوْاجَات النَّبيّ ﷺ أن اللهَ زوَّجَها في السَّماء (٢).
الثَّاني: أن يفتَخِر الإِنْسانُ ليُظْهر فضلَه على غيْرِه، ويعلوَ بِه على غيْرِه، وهَذا لا يجُوز، قَال الله تَعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾ [لقمان: ١٨]، فهَذا الفَخْر الَّذي منَ الخُيَلاء الَّذي لا يُحبُّه الله .
* * *
стр. 146
الآية (٢٧)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ [النور: ٢٧].
* * *
قَال المُفسِّرُ ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أَي تَسْتَأْذِنُوا ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ فَيقُول الْوَاحِد السَّلَام عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم﴾ مِنَ الدُّخُول بِغَيْرِ اسْتِئْذَان ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ "تَذّكَّرُونَ" (١) بِإِدْغَامِ التَّاء الثَّانِيَة فِي الذَّال خَيريَّته فتعْمَلُونَ بِهِ).
هَذا منَ الآداب الَّتي من شأْنِها حِماية الأعْرَاض، وهَكَذا تجِدُ أغْلَب هَذِه السُّورة في العِفَّة وما يتعلَّق بها من حِمايَة الأعْرَاض وغيْرِ ذَلِك.
ومنْ جملة هَذا الأَدب الَّذي أدَّبنا اللهُ به: أنَّه عندما نُريد أن ندْخُل بُيوتًا غير بُيوتِنا، فتقُول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، وتصْدِير الحُكم بالنِّداء يدُلُّ على أهميَّته؛ لأنَّ المقصُود بالنِّداء تنْبِيه المُخاطَب، فإذا قُلت: "يا فلان" وهو غيْرُ منتبهٍ فسينتبه، وكذَلِك فإنَّ تصدِيرَ الكَلام سواء كان أمرًا أو نهيًا أو خبرًا يدُلُّ على أهميَّة الكَلام.
стр. 147
وكذَلِك فإنَّ وصف المُخاطَبين هنا بالإِيمَان في قولِه تَعالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدُلّ على أن هَذا العَمل منَ الإِيمَان، وأن مخالَفتَه مما يُنقِص الإِيمَان، ويُراد به أيضًا الإغْرَاء على الْتِزَام الحُكْم، لأنَّ هَذا الوصْف معناهُ أنَّ الحُكم التَّالي من مُقتَضى الإِيمَان، مثل لو قِيل: "يَا رجُلُ افْعَل كذا" فهَذا يقْتَضي الحثَّ والإغرَاء لأنَّ مقتضاه أنَّ مِن رُجولَتِك أن تفْعَل هَذا الأمْر.
فصار الغَرَض مِن توْجِيه النِّداء إلى المُؤْمِنين بوَصْف الإِيمَان الحثُّ والإغرَاء على الْتِزام هَذا الحُكم، فكأنَّه يُقَال: إن كنْتَ مُؤْمِنًا فافْعَل كذا.
قَال تَعالَى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾، (لا) ناهِيَةٌ، والأَصْل في النَّهي التَّحريم، وقوْله: ﴿بُيُوتًا﴾ عامٌّ لكونِه نكرِةً في سِياق نهْيٍ، فالمُرادُ: لا تدْخُلوا أيَّ بيْتٍ غير بُيوتِكم الَّتي تملِكُونها إلا بعْد أمْرَيْن:
الأوَّل: حتى تستَأْنِسوا.
الثَّاني: وتسلِّموا على أهلِها.
قَال المُفسِّر: [﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ أَي تَسْتَأْذِنُوا]، وتفسِير الاسْتِئْناس بالاسْتِئْذان هو تفسيرُ الشَّيْء ببعْض أفْرادِه ليكُونَ ذَلِك كالمثَال، لأنَّ الاسْتِئْناس أعمُّ منَ الاسْتِئْذان، فقد يستَأْنِس الإِنْسان ولا يكونُ في قلبِه وحشَةٌ مِن دُخول هَذا البَيْت وإنْ لم يَستَأْذن، وحينها لا يكون علَيْه إلا السَّلام، كما لو دَعاك إنسانٌ إلى بيتِه بعد صلاة الظُّهر فلمَّا جئتَ وجدْتَ البابَ مفْتوحًا، فهُنا ليْس عليْك الاسْتِئْذان، ولكِن بَقِي عليْك أن تُسلِّم، لأنَّ الاسْتِئْذان هُنا لا محلَّ له، لأنَّ الرَّجُل قد دَعاك وعيَّن الوقت، وأنتَ جئْتَ فوجدْت الْباب مفتوحًا.
стр. 148
وبهَذا نعرف أن هَذِه القِراءَة السبعيَّة أصحُّ منَ القِراءَة الَّتي وردَت عن ابْنِ عبَّاس ﵂ في قوْلِه: "حتى تسْتأذِنُوا" (١)، وكذَلِك ورَد عنه في الحدِيث: "أنَّ كلمة ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ خطأٌ منَ الكَاتِب" (٢)، فهَذا لا يصحُّ عن ابن عباسٍ وإِنْ كان قدْ ذُكر في نصِّ الحدِيث؛ لأنَّ الكَاتِب لا يُمكِن أن يُخطِئ في حرفٍ من كتاب الله ثم تتلقَّاه الأمَّةُ بالقَبُول، لأنَّه لو فُرِض هَذا الشَّيْء لاقْتضَى أنَّ الله لم يحفَظْ هَذا الذِّكر، والله يَقُول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فكيْف يخطِئ الكَاتِب وتتلقَّاه الأُمَّة بالقَبُول، وتقرأُ بِه في صلاتِها، وتعلِّمُه صِغارَها؟ ! هَذا لا يُمكِن.
ومثل هَذا الحدِيث إذا وَرد يُمكِن إعلالُه ولو كان صحيحَ السَّند؛ لأنَّه مِن جملة ما يدُلّ على ضعْفِ الحدِيث أن يكُون مخالفًا لما عُلم بالضَّرورة منَ الشَّرْع أن هَذا الحدِيثَ لا يصِحُّ، فيجِب أن نحكُم ببُطلَانه؛ لأنَّه لا يُمكِن لرُواةٍ أن يأتُوا بما يخالِفُ المعلُوم بالضَّرورَة من أحكام الإِسْلام.
كما أنَّ تناقُل القرآنِ الكَريم لَيْست وسيلتُه الكتابةَ فقط، بل بالنُّطق أيضًا، ولو فرَضْنا بجَواز كِتابة شيْءٍ منْه خطأً، فإنَّ النُّطق سيَبْقى سليمًا، وهَذِه القِراءَة المرويَّة عن ابْن عبَّاسٍ ﵄ لم تصِحَّ في شيْءٍ منَ القراءاتِ السبعيَّة، بل هي شاذَّةٌ.
فتفسير الاسْتِئْناس بالاسْتِئْذان هو من بَاب تفْسِير العامِّ ببعْض أفرَادِه، والمُفَسِّرون قد يُفسِّرُون أحيانًا الشَّيْء ببعْض أفرادِه مِن باب التَّمثيل، كما في قولِه
стр. 149
تَعالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قَال: [الباخل بالزَّكاة]، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قَال: الباذِل للزَّكاة الواجِبَة، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، قَال: البَاذل للصَّدقَة بعد الزَّكاة، فهَذا تفسِيرٌ بالمثال فقَط، لا عَلى أنَّ الآيَة يُراد بِها ما ذُكِر.
قوْله: ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ بدأ اللهُ بالاسْتِئْذان قبْلَ السَّلام، وهَذا هو التَّرتِيب الطَّبيعيُّ؛ لأنَّك لو استأذنْتَ علِمْت أنَّ في البَيْت أحدًا فتُسلِّم، فالآيَة مُرتَّبة على التَّرتيب الطبيعيِّ: الاسْتِئْذان أوَّلًا، ثم السَّلام ثانِيًا، قبل أن يتكلَّم الإِنْسان بأي شيْء.
وقَال المُفَسِّر: (فَيقُول الْوَاحِد: "السَّلَام عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ " (١)، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيث)، وهَذا الحدِيث الَّذي ورد يُحمَل على ما لو كان المسْتَأْذِن عالمًا بأن صاحِبَه موجودٌ، فحينَئذٍ يُسلِّم علَيْه ثم يَستَأْذن، أمَّا لو كَان لا يَعْلم فيُقدِّم الاسْتِئْذان أوَّلًا ثم يُسلِّم.
ولهَذا اختلف العُلَماءُ في مسألَة: هل تسْتَأذِن أوَّلًا، أو تُسلِّم أوَّلًا؟ على أقوالٍ ثلاثَةٍ: فمِنْهم مَن يرى تقديمَ الاسْتِئْذان على السَّلام؛ لظاهر الآيَة: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
ومنْهُم من يرى أن السَّلام قبل الاسْتِئْذان؛ لأحاديث وردت في ذَلِك.
ومنْهُم مَن يرى أنَّه لو علِم أنَّ صاحب البيْتِ موجودٌ فعلَيْه أن يُسلِّم أوَّلًا ثم يَستَأْذن، وأمَّا إذا لم يعْلَم بوُجودِه فإنَّه يَستَأْذن أوَّلًا ثُمَّ يُسلِّم، وهَذا القوْل أصحُّ الأقوالِ الثَّلاثَة؛ لأنَّ فيه جمعًا بين الآيَة والأحاديث الوارِدَة، ولأنَّه موافِقٌ تمامًا للنَّظر.
стр. 150
وقوْلُه تَعالَى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الخِطاب هنا للمُؤْمِنين، ويتركَّب مِن (ذا) اسْم إِشارَة، و (كُم) للمُخاطَب الجَمْع، فاسْم الإِشارَة يكون حسَب المشَار إلَيْه، وضَمير الخِطاب يكُون حَسب المُخاطَب، فإذا كان المشَار إلَيْه مُفردًا والمُخاطَب جماعةً مُذكَّرة تقول: "ذَلِكم"، وإنْ كان المشَار إلَيْه مؤنَّثًا والمُخاطَب جمعَ مذكَّرٍ فتقول: "تلْكُم".
وفي لُغةٍ ثانيَةٍ: يجوز فِي كاف الخِطاب أن تبْقَى مفرَدَةً، مفتوحَة للمذكَّر، مكسورَةً للمؤنَّث، سواء كُنت تخاطِب مفردًا أو مُثنًّى أو جماعَةً فتقُول: "ذَلِكَ" عنْد خِطاب مذَكَّر مفرَد أو أكْثر، وتقول: "ذَلِكِ" عند خِطاب مؤنَّثٍ مفرَدٍ أو أكثر.
وفي لغةٍ ثالثة: يجوزُ فتح الكافِ دائما، سواء كنت تخاطِب مذكَّرًا أو مؤنَّثًا، مفردًا أو جمعًا، وهَذِه أقلّ اللغات الثلاثَةِ.
وما الخيريَّة الَّتي تترتَّب على الاسْتِئْذان والتَّسليم إذا أرَدْنا دُخول بُيوتٍ غيْر بُيوتِنا؟
فالجوابُ: الخيريَّة في هَذا فيما يلي:
١ - أنَّك لا تكْشِف محارِم البَيْت، فإنَّ كلَّ أهل بيْتٍ لا يحبُّون أنْ يدْخُل علَيْهم أحدٌ وهُم في حالٍ لا يحبُّون أن يَنْظر إلَيْهم أحدٌ فيها.
٢ - ألا يقع صاحِب البَيْت في إحراجٍ لو دَخل علَيْه أحدٌ دون اسْتِئْذان ولا على رغبَةٍ منه.
٣ - لأنَّ هَذا أقرب لتهيُّؤِ صاحب البَيْت واستعدادِه، حتَّى لا يظُنَّ الدَّاخل أنَّه قد أهانَه.
стр. 151
٤ - براءة الإِنْسان منَ التُّهمَة، وهَذا من أهَمِّ فوائِد الاسْتِئْذان، فلو دَخل المرْءُ علَى بيتٍ بدُون اسْتِئْذان فقَد يُتَّهم مثلًا بالسَّرقَة، أو بإرادَةِ الفاحِشَة.
٥ - وفيه تأمينُ أهل البَيْت بالسَّلام من شرِّ هَذا الدَّاخل، مع الدُّعاء لهم بالسَّلامة، فالسَّلام معناه أنَّك تدعو لهم بالسَّلامَة، إذن فمِنَ الأحْرَى والأَوْلى أنَّك لن تضرَّهم، بل ستحرِص على سلامَتِهم، ولهَذا قَال العُلَماء: لو سلَّم المسْلِم على كافِرٍ فإنَّ هَذا تأمينٌ له.
٦ - فيه الإحسانُ لأهل البَيْت بالسَّلام علَيْهم.
٧ - وفيه أن الدَّاخل قد كسب أجرًا بهَذا السَّلام، فالمسْلِم إذا قَال لأخيه المسلِم: "السَّلام عليكم" فازَ بعشر حسناتٍ (١)، والعاقِلُ لا يفرِّط في عملٍ يفوز به بحسَنات، ولا يزْهَد في الحسَنات إلا جاهِلٌ أو متهاوِنٌ.
فهَذِه أُمور منَ الخير في الاسْتِئْذان تتبيَّن بالنَّظر، لكن بعدما أمر الشَّارع بالاسْتِئْذان فتكون الخيرَّية الحَقِيقيَّة هي امتثال الأمْر، وهَذِه هي الخيرَّية الَّتي لا معارِض فِيها، فكلُّ ما أمَر بِه الله أوْ نهى عنْه فإنَّ الخيريَّة الحقَّ فِيه هي الامتثالُ لَه سواء كان أمرًا أو نهيًا، وهَذا هو الأمْر الَّذي من أجلِه خُلق الخَلْق، قَال تَعالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
قوْلُه تَعالَى: ﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾، في هَذا السِّياق يقتَضي العُموم، فهل لو كان أهلُها كُفَّارًا، أتسلِّم علَيْهم؟ ظاهر الآيَة أن تُسلِّم.
وهل هَذا الظَّاهر يُخصَّص بقولِ النَّبيّ ﷺ : "لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى
стр. 152
بِالسَّلامِ" (١)، أم نَقُول: أن الحدِيثَ في الملاقَاة أمَّا الآيَة فَفي الاسْتِئْذان؟
الظَّاهر أن الآيَة مخصوصَةٌ بمَنْ كان مِن أهل السَّلام، فلو كانَ مِن غيْر أهل السَّلام فلا يُسلَّم علَيْه، لكن يَستَأْذن فقط.
قوْله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، (لعل) إِذا جاءَت في كَلام الله فَهِي للتَّعليل، أي: إنَّا أمرْناكم بهَذا الأمْر لأجْل أن تذكَّروا، ويَقُول المُفَسِّر: ["لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ" بِإِدْغَامِ التَّاء الثَّانِيَة فِي الذَّال]، فقوْله: "تذَّكرون" أَصْلها (تتذكرون)، وعلى قِراءَة المُفسِّر: "تذَّكَّرون" بتشْدِيد الذَّال، ومعناها: تتَّعظون؛ لأنَّ التذكُّر هو اتِّعاظ الإِنْسان، وكوْن الأمْر يبْقَى على بالِه فلَا يسْهُو عنه.
وقوْل المُفسِّر: [خَيرَّيته فَتَعْمَلُونَ بِهِ] تُفيد أن مفعولَ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ محذوفٌ وتقديرُه (خيريَّته)، على أن الحَقِيقة أن هَذا الفعل لا يظهر لي أنَّه متعدٍّ، بل الظَّاهر أنَّه لازِم، ما دام بمَعْنى اتَّعظ.
стр. 153
الآية (٢٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢٨].
* * *
قَال المُفسِّرُ ﵀: [﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ يَأْذَن لَكُمْ ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ﴾ بَعْد الاسْتِئْذَان ﴿ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ﴾ أَي الرُّجُوع ﴿أَزْكَى﴾ أَي خَيْر ﴿لَكُمْ﴾ مِنَ الْقُعُود عَلَى الْبَاب ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الدُّخُول بِإِذْنٍ وَغَيْر إذْن ﴿عَلِيمٌ﴾ فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ].
قوْلُه تَعالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ أي إنْ جِئت بيتًا لصاحِبٍ لك، ولم تجِدْ في البَيْت أحدًا، وتعلم أنَّه لا يُوجد أحد.
قوْلُه تَعالَى: ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، وهنا نسأَل: كيْف يُؤذَن لنا ونحنُ لم نجد فيه أحدًا؟
فلو قِيل: المُراد (حتَّى يكون قد أُذِن لكم إذنًا سابِقًا).
قُلنا: لا يسْتَقيم الكَلام بهَذا التَّقدير، وهَذا يمنعه قوْلُه تَعالَى: ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ﴾، ولو كانَ المُراد الإِذْن السَّابق لقَال: "إِلَّا إِذا أُذِن لكم"، على أن احتِمال أن يكون المراد به الإذن المسْبَق هو وارِدٌ عقْلًا، لكنَّ التعبير الوارد في الآيَة لا يُساعِدُه.
لكنَّ المراد هو أنَّ على المرءِ أن ينتظر، وإلا فطالما لم يُؤذَنْ له فإنَّه يستحيل
стр. 154
الدُّخول، فكما أنَّه لا إِذن مَع عدَم وُجود أحدٍ، فكذَلِك لا دُخول بدُون إذْنٍ، لكنَّها جاءت بهَذِه الصيغة -والله أعلم- إِشارَةً إلى أن العِلَّة في الدُّخول وعدمه هو الإِذن.
فإن انتظرتُم حتَّى جاء صاحِبُ البَيْت وأَذِن لكم فادْخُلوا، وإن انصرَفْتم فلا حرج.
قوْلُه تَعالَى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾، فلو طلب منك صَاحِب البَيْت ارْجِع، فلَيْس لك أن تأْنْف من هَذا لو فَعله، أو تُصرَّ على الدُّخول، بل ترْجع؛ وفي هَذا دَليلٌ على أن هَذا الإِنْسانَ صَريحٌ، ويجِبُ عَلى من استأْذَن لو طُلب منْه الرُّجوعُ أن يَرْجع.
ولما كان هَذا الرُّجوع شاقًّا على النُّفوس رَغَّب فيه الله بقوْله: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾، أي أن الرُّجُوع أزْكَى لكم منَ القُعود على البَاب، وقَال المُفَسِّر: [﴿ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ﴾ أَي الرُّجُوع ﴿أَزْكَى﴾ أَي خَيْر ﴿لَكُمْ﴾ مِنَ الْقُعُود عَلَى الْبَاب] والمفضَّل علَيْه هُو القُعود على الباب، ولكن يَنْبغي أن نَقُول: إن الآيَة عامَّة، أي أن هَذا أزْكى لكم مُطلقًا، سواء قعدْتُم على البَاب، أو ألححْتم وأحْرَجْتم صاحبَ البَيْت.
وقوْلُه تَعالَى: ﴿أَزْكَى﴾ أي: هَذا الرُّجُوع أشدُّ زَكاءً للإِنْسان، والزَّكَاء هو سُموُّ الأخْلاق وعُلوُّ الآداب، وكذَلِك من نَاحيَة العِبادَة، فزَكاء الإِنْسان عبارَةٌ عنْ نماء أخلاقِه وآدابِه ودِينِه أيضًا.
قَال بعْضُ السَّلف: "لَقَدْ طلبتُ عُمْرِي كلَّه هَذِهِ الآيَةَ فَمَا أَدْرَكْتُهَا: أَنْ أستأذِنَ عَلَى بَعْضِ إِخْوَانِي، فَيَقُولُ لِي: ارْجِعْ، فَأَرْجِعُ وَأَنَا مُغْتَبِطٌ" (١)، وذَلِك كي يحصُل
стр. 155
على الزَّكاء، ولكِن قلَّ أن تُوجد هَذِه.
وفي هَذِه الآيَة من بَيان صَراحَة الإِسْلام، وآدابِه، مَا فيها، وأنَّ الإِنْسان يَنْبغي أن يكُون صريحًا غير ملتَوٍ، فإن كُنت أرْغب أن تدْخُل فآذن لك، وإن كنْت لا أرغبُ أقول: ارْجع، وهَذا كَثيرٌ منَ النَّاس لا يفعَلُه، ولكن الشَّرْع يُبيحه للإِنْسان، فيَجوز أن تقولَ لمن استأذَن عليْك: ارْجع، وإذا رَجع كان ذَلِك أزْكَى له.
وكذَلِك عليْكَ لو استأذَنْت أحدًا فطلب منك الرُّجُوع أن ترْجِع، ولا تأْنَف من ذَلِك؛ لأنَّه أزْكى لك، وأوْلَى بك من أن يأَذْن لك على مَضضٍ منه، أو يترك شيئًا مُهِمًّا يشغلُه فيلْقَاك وهو متأذٍّ.
قوْل المُفَسِّر: [﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الدُّخُول بِإِذْنٍ وَغَيْر إذْن ﴿عَلِيمٌ﴾ فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ]، (ما) اسْم موْصُول، أي: بالَّذي تعمَلون، واسم الموصُول يُفيد العُموم، وتقييده بالدُّخول بإِذنٍ أو بغَيْر إذْنٍ مما لا يَنْبغي؛ أي نَعم هُو جاء كذَلِك في السِّياق، لكنَّ العِبْرَة بعُمومِ اللَّفظ، والله منَ الدُّخول بإذن وبغيرِ إِذْن، والرُّجُوع إذا قِيل: ارجعوا، وعدم الرُّجُوع، وغير ذَلِك أيضًا من أعمالِنا ﴿عَلِيمٌ﴾، حتى بأعمال القُلُوب.
والفَائِدَةُ من كوْن الله يعلِّمُنا بأنَّه عليمٌ بأعمالِنا هِي الحَذَر، كما قَال تَعالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فالحَذر منْه إذا عمِلْنا معصِيَةً، وكذَلِك يُوجب الرَّغبة فيما عنْدَه إذا عمِلْنا طاعةً لعلمنا أنَّه يعلَمُ مَا نفْعَل من خَيْر وسيُجازِينا علَيْه، وأنَّ الله لا يُضِيع عمَلَ عامِلٍ.
* * *
مثال ذَلِك في الخبر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ومثالُه في الأحْكام: مِثْل هَذِه الآيَة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، وما ذُكِر هُنا لا شكَّ أنَّه جدِيرٌ بالعنايَة.
وقوْله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقُل: "للنَّاس" لأنَّ الإِيمَان هو الَّذي يقْتَضي القَبُول، فالمُؤْمِن هو الَّذي يقْبَل ما كُلِّف به، وفِيه أيضًا منَ الإغْرَاء على الامْتِثال ما فِيه، أي أنَّه لإِيمَانهم فهُم الجَدِيرون بهَذِه العنايَةِ وهَذا التَّوجيه الربَّاني، أمَّا غيرُ المُؤْمِن فلا يمْتَثل.
قَوْلهُ: ﴿يَغُضُّوا﴾ ما جازمها؟ ثلاثة آراء:
الأوَّل: إما أنَّها مجزومة بـ (اللَّام) المقدرة: قل للمُؤْمِنِينَ ليغضوا من أبصارهم، وذكرنا لِذَلك شاهدًا وهو (محمد تَفْدِ نَفْسَكَ كلُّ نفسٍ) يعني: لتفدِ.
الثَّاني: أنَّها جواب للأمر الموْجُود وهو ﴿قُلْ﴾ وأوردنا على ذَلِك ما يضعفه وهو أن مُجرَّد القَوْل لا يلْزَم منه الغض اللهم إلا على فرض أن المُؤْمِن لا بُدَّ أنَّه إِذَا قِيلَ له أن يغض غَضَّ.
الثَّالث: أنَّها جواب لأمر مقدر: قل للمُؤْمِنينَ غُضوا من أبصاركم، يغضوا من أبصارهم، غُضوا يَغضوا.
ما معنى الغض؟ القصر والنَّقص قَوْلهُ: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (من) المُفَسِّر يرى أنَّها زائدة، والصَّحيح أنَّها للتبعيض ولَيْسَت زائدة، والَّذِي يضعف ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر: أن المَشْهُور أن (مِنْ) لا تُزاد إلا في النَّفي وشبهه وهَذه في الإِثْبات.
стр. 161
لو قَالَ قَائِلٌ: هل غض البصر واجب دائمًا؟
الجواب: غض البصر لَيْسَ واجبًا دائمًا بل هو جائز، لكن لماذا كَانَ غض البصر جائزًا وحفظ الفرج كله واجب؛ قالوا: لأَن غض البصر من باب إيجاب الوسائل، يعني من باب سد الذرائع، تحْرِيم إطلاق البصر من باب سد الذرائع، ولِذَلك يجوز إِذَا كَانَت المصْلَحة في فعله بخلاف حفظ الفرج.
قَوْلهُ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الكَلام فيها كالكلام في قَوْلهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
قَوْلهُ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ما المُراد بالزِّينَة هُنا؟
القَوْل الأوَّل: على رأي المُفَسِّر أن المُراد بالزِّينَة في قَوْلهُ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أو المستثنى الوجْه والكفَّان.
القَوْل الثَّاني: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ من اللباس الَّذِي لا بُدَّ من ظهوره.
تفسير المُفَسِّر الزِّينَة بأنَّها الزِّينَة الخِلقية الَّتِي زين الله بها البدن هل هَذَا صحيح أو غير صحيح؟
الجواب: غير صحيح، الحاصِل أنَّنا نريد أن نضعف أن الزِّيَنَة المُراد بها الزِّينَة الَّتِي خلق الله عَلَيْها المَرْأَة، والصَّحيح أن المُراد بالزينة: الزِّينَة الخارجية وهي ما تتزين بها المَرْأَة لا الزِّينَة الخِلقية الَّتِي خلق الله عَلَيْها المَرْأَة، والدَّليل قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وفي آخر هَذه الآيَة: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦].
стр. 162
فكل من تأمل الزِّينَة وجدها في الزِّينَة الخارجية لا فيما زين الله به المَرْأَة، وعلى هَذَا يَكُون الاستثناء عائدًا على ما يبدو من الثِّيابِ الَّتِي لا بُدَّ من ظهورها وَذلِك لأنَّها لو حُرِّم عَلَيْها حَتَّى الثِّياب الَّتِي تبدو ولا بُدَّ من ظهورها لوجب عَلَيْها أن تبقى في البَيْت، إِذْ لا يُمْكِن تطبيق هَذَا الْأَمْر إلا بِذَلِك، وهَذَا أمر لم يكلف الله به.
إِذَنْ تبين أن الرَّاجح في قَوْلهُ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ما ظهر من اللباس يعني مثل ما مَثَّل به ابن مسعود ﵁ الجلباب والرداء والعباءة وما أشبهه، يعني الشَّيء الَّذِي لا بُدَّ من ظهوره وظهوره ضروري فهو مباح، ويدُلّ لِذَلك أيضًا ما تقدَّم من الأدلَّة على أن الزِّينَة لا تُستعمل إلا فيما يتزين به الْإِنْسَان من لباس وغيره، ويؤيده أيضًا أنَّه قَالَ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ولو كَانَ المُراد الوجه والكفين لقال: إلا ما أُظهر منها، أما ثياب الجمال فهي من الزِّينَة الخفية.
وكَذلِك الحلي وشبهه مما تتحلى به المَرْأَة لا يبدى إلا لمن ذكر الله ، لأَن الحلي يُمْكِن إخفاؤه لَيْسَ كالعباءة والجلباب وشبههما، لكن الآن في الحَقيقَة تطبيق الْأُمُور الشَّرْعِيَّة عند النَّاس صعب جدًّا، لأَن مَسْأَلة الحلي موجودة الآن بكثرة في بيوت النَّاس، مع زوْجة الأخِ وزوْجة العمِّ، فالمشكلة يصعب التحرز منها.
وقَوْلهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ ضَرَبَ بالشَّيء على الشَّيء بمَعْنى ألقاه علَيْه لكن مع الإلصاق.
ومنه ضربت بيدي على يدي مثلًا أَو على فخذي أو ما أشبه ذَلِك، هَذَا معنى الضرب على الجيوب.
قَوْلهُ: ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ جمع خِمار وهو ما تغطي به المَرْأَة رأسها.
стр. 163
قَوْلهُ: ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (الجيوب) جمع جيب وهو طوق الثَّوب، فطوق الثَّوب يسمى جيبًا ولا زال النَّاس إلى الآن يسمونه بهَذَا الاسْم.
أوجب الله تَعَالَى في قَوْلهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ لأَن (اللَّام) لام الْأَمْر والسُّكون في قَوْلهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ لَيْسَ سكون إِعْراب ولكنه سكون بناء؛ لأَن الفِعْل متصل بنون النِّسوة فيَكُون مبنيًّا على السُّكون، مهما كَانَ الْأَمْر هُنا فإن الله أمر أن تضرب المَرْأَة بخمارها على جيبها، ولازم ذَلِك أن ينزل من رأسها إلى الجيب.
فهل المُراد بضرب الخِمَار على الجيب أن يَكُون من تحت الوجه بحيث يبقى الوجه مكشوفًا والجيب مستورًا، أو أن المَعْنى أن تضرب بالخِمَار على الجيب مارًّا بالوجه، لأَن هَذَا هو الأقرب لأَن الخِمَار ينزل من أعلى لأنَّه فوق الرَّأْسِ، ثم الجيب إِذَا وجب ستره فالوجه مِنْ بَابِ أَوْلَى، وكان النّساء في الجاهلية على حسب ما قاله بعض المفسرين كَانَت المَرْأَة تسدل الخِمَار من وراءها ولا يقرب وجهها ولا جيبها، ولهَذَا أمر الله تَعَالَى النِّساء أن يضربن بخمرهنَّ على جيوبهنَّ، وعند من يرى أن المُراد بالزِّينَة الوجه والكفان يَقُول: تضرب بخمارها على جيبها من أسفل فتغطي الجيب وتكشف الوجه مع أن الوجه أعظم فتنة من الجيب.
قَوْلهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي يَسْتُرْنَ الرُّءُوس وَالْأَعْنَاق وَالصُّدُور بِالمَقَانِعِ] اهـ.
المقانع جمع المِقْنَعةُ وهي ما تُقَنِّعُ به المَرْأَة يعني ما نسميه عندنا الآن الغتفة.
قَوْلهُ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [الخَفِيَّة وَهِيَ مَا عَدَا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ جَمْع بَعْل: أَي زَوْج] إلى آخِره. اهـ.
стр. 164
في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، استثنى الزِّينَة المُبْدَاة، وفي قَوْلهُ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ استثنى مَن تُبدى له الزينة، فنهى عن إبداء الزِّينَة في موضعين استثنى من الموضع الأوَّل الزِّينَة المُبْدَاة ومن الموضع الثَّاني من يُبدى له الزِّينَة فهل نجعل الاستثناءين ينصبان على عمل واحد ونقول: فيَكُون المَعْنى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ولا يبدين هَذه الزِّينَة أيضًا ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ وحينئذٍ نكون قد خصصنا عُمُوم ما سبق في الآيَة، وَيكُون غير هَؤُلَاءِ الَّذينَ استثنوا يحرم إبداء الزِّينَة لهم مطلقًا الظَّاهِرة والخفية؟
هَذَا احتمال، واحتمال آخر أن نقول: إن الزِّينَة زينتان: زينة ظاهرة تبدى لكل أحد؛ لأَن بُدوها ضرورة لا يُمْكِن التحرز منه، وزينة خفية لا تُبدى إلا لهَوُلَاءِ، وعلى هَذَا مشى المُفَسِّر على أن المُراد بالزِّينَة هَذه غير الزِّينَة الأولى، فالزِّينَة الأولى عامَّة وأُبيح منها ما ظهر لكل أحد، والثَّانية لَيْسَت عامَّة بل المُراد بها الزِّينَة الخفية الَّتِي لا تظهر أو الَّتِي لَيْسَ من الضروري أن تظهر.
هَذه الزِّينَة المُفَسِّر ﵀ يَقُول: [وَهِيَ مَا عَدَا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ] بناءً على تفسير قَوْلهُ: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالوَجه والكفَّين، لكن الصَّحيح أن المُراد بها الزِّينَة الخفية وهي الَّتِي لَيْسَ من الضَّرورة أن تظهر يعني الثِّياب الداخلية كما يَقُول العامَّة هَذه لا تبدى إلا لهَؤُلَاءِ المذكورين ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى آخِره.
قَوْلهُ: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ البُعُولة جمع بَعْل وهو الزَّوج.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ وهَذَا يشمل الْأَب الأدنى ومن فوقه كالأجداد.
واعلم أن باب التَّحْريم غير باب الإِرْث، باب الإِرْث الأبوة والبنوة لا تشمل إلا من يتصلون بك بطريق الْأَب يعني بطريق الذكورة، فابن البنت مثلًا وأبو الْأُمّ
стр. 165
لا علاقة لهما بالإِرْث، لكن في باب تحْرِيم النِّكاح وما يتصل به يشمل الآباء من قبل الْأَبّ ومن قبل الْأُمّ، لا فرق بين من بينك وبينهم أنثى ومن لَيْسَ بينك وبينهم أنثى، هُناكَ في باب الأصول والفروع في الإِرْث الَّذِي بينك وبينه أنثى من الآباء لا يرث ولا يدخل في الآباء، لكن هُنا الَّذِي بينك وبينه أنثى والَّذِي لَيْسَ بينك وبينه أنثى على حد سواء.
وعلَيْه فنقول: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ يشمل الْأَبّ الأدنى والجد من قبل الْأَبّ ومن قبل الْأُمّ.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ نفس الشَّيء آباء البُعولة يجوز للمَرْأة أن تبدي لهما الزِّينَة الخفية كما تبدى الزِّينَة الظَّاهِرة لكل أحد، وآباء البُعولة هُنا يشمل أبا الزَّوج وجده من قبل الْأَبّ ومن قبل الْأُمّ، ولهَذَا كَانَ أبو الزَّوج وإن علا مَحْرَمًا للزوجة يعني لزوجة ابنه وإن نزل سواء تزوجها ودخل بها أو تزوجها وطلقها قبل الدُّخول أو مات عنها فإن آباءه محارم لها.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنّ﴾ الابن هُنا نقول فيه ما قُلْنا في الأب، يعني أنَّه لا فرق بين الابن للصلب الَّذِي يتصل بالْإِنْسَان بطريق الذكورة والابن الَّذِي يتصل بطريق الأنوثة، فابن البنت مثلًا يدخل في الأبناء ومثله أيضًا أبناء بعولتهنَّ، فابن الزَّوج يجوز للزوجة أن تبدي له الزِّينَة الخفية، وابن بنت الزَّوج كَذلِكَ.
وعلى هَذَا يَكُون جميع من تفرع عن الزَّوج من ذكور وإناث وإن نزلوا يَكُونون محارم لزوجة جدهم، إلا أنَّه في هَذه المَسْأَلة يشترط الدُّخول بالمَرْأَة؛ لأَن هَؤُلَاءِ ربائب، فلو أن رجلًا تزوج امرأة عقد عَلَيْها ثم طلقها أو مات عنها قبل
стр. 166
الدُّخول لم يكن أولاده محارم لها؛ والسَّبب لأنَّ من شرط ذَلِك الدُّخول كما قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
لو قَالَ قَائِلٌ: هل زوج البنت يدخل في الآيَة؟
الجواب: بعل البنت لا يدخل في الآيَة، وقياس الطَّرْد على أبناء بعولتهنَّ منعناه وَذلِك بأن نقول: إِذَا كَانَ ابن زوجها يجوز فزوج ابنتها مثله، لكن قُلْنا: هَذَا لا يُمْكِن لأنَّنا لو فتحنا باب القياس لقُلْنا أيضًا: العم والخال يجوز إبداء الزِّينَة لهما مثل ابن الزَّوج وابن الأخت، وبعض العُلَماء يَقُول إنه يلحق بمن ذكر.
لو قَالَ قَائِلٌ: الرَّبيبة يعتبر الزَّوج بعل أمها فهل يدخل في الآيَة أم لا؟ هل تبدي الزِّينَة لبعل أمها أم لا؟
الجواب: لا يدخل إلا على سبيل الطَّرْد وإلا فلا يدخل، فإن قِيلَ: قد يشق التحرز في مثل هَذَا نقول: تبدي وجهها ويديها وما أشبه ذَلِك، لكن لا تأتي متجملة.
والقاعِدَة عندنا في مَسْأَلة المَحرميَّة أن فرع الزَّوْجَة إن نزلوا هَؤُلَاءِ محارم للزوج، وفروع الزَّوج وإن نزلوا محارم للزوجة، يعني الرَّبيب وهو ولد الزَّوْجَة إِذَا كَانَ له بنات، وبنات بنات يُكشفن لزوج جدتهم.
قَوْلهُ: ﴿إِخْوَانِهِنَّ﴾ سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ وإن نزلوا، بنو إخوانهنَّ ماذا يكن لهم؟ عمات، فالعمة يجوز أن تبدي لابن أخيها ما يخفى من زينتها لأنَّه من محارمها.
стр. 167
قَوْلهُ: ﴿أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ ويكن لهم خالات، إِذَنْ فالخالة يجوز أن تبدي لابن أختها ما يخفى من زينتها؛ لأنَّه من محارمها.
هل بقي أحد من الأقارب المحارِم لم يذكروا في هَذِهِ الآيَة؟
الجواب: الأعمام والأخوال لم يذكروا في هَذِهِ الآيَة مع أنهم من المحارِم، والآيَة صريحة استثناء، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ... ﴾ إلى آخِرهِ فعلى هَذَا العم والخال لا يجوز للمَرْأة أن تبدي لهم الزِّينَة الخفية، لأَن الآيَة حصر ولا يبدين زينتهنَّ إلا لهَؤُلَاءِ، وعلى هَذَا لَيْسَ كُلُّ محرم يجوز أن تبدي لهما الزينة؛ قالوا: لأَن إبداء الزِّينَة للعم والخال يخشى منه أن يصف ذَلِك لابنه، لأَن ابن العم يجوز أن يتزوج بنت عمه وابن الخال يجوز أن يتزوج بنت عمته، ولَيْسَ هُناكَ أحد من الأقارب أبناؤه يجوز لهم التزوج بهنَّ إلا العم والخال، وإلا فكل من ذكروا فإن فروعهم لا يُمْكِن أن يتزوجوا هَذِهِ المَرْأَة.
فلِذَلك قالوا: لا تبدي الزِّينَة للعم والخال وإن كانا من المحارِم، وفي هَذَا إِشارَة أو دَلالَة بينة على أنَّه لَيْسَ المُراد بالزِّينَة هُنا كما قَالَ المُفَسِّر ﵀: ما عدا الوجه والكفين، لأَن ما عدا الوجه والكفين يجوز إبداؤها للعم والخال؛ لأنه من المحارِم، ولكن هَذه الزِّينَة زينة اللباس الخفية، يعني ثياب التجمُّل، فلا تخرج على عمها وخالها بثياب جميلة، فالزِّينَة لَيْسَت الَّتِي تعود إلى ما زين الله به المَرْأَة إنما الزِّينَة ما تتزين به المَرْأَة من الثِّياب، وعلى هَذَا فلا يجوز للمَرْأة أن تتجمل عند عمها أو خالها.
ومَسْألة الزِّينَة لا علاقة لها بمَسْأَلة الحجاب، مَسْأَلة الحجاب وما يَتعلَّق به في سورة الأحزاب، أما سورة النُّور كما تقدَّم فكلها في حفظ الفروج والتزكية والتطهير،
стр. 168
ولذا فالمَرْأَة لا تبدي الزِّينَة للعم والخال خوفًا من أن يحصل ما يحصل، فالعم لا يجوز له أن ينظر من المَرْأَة ما ينظره الأخ.
لو قَالَ قَائِل: الرِّضاعُ لم يُذْكرْ في هَذه الآيَة فهل حكمهم حكم المذكورين هُنا أو لا؟
الجواب: حَقِيقَة الْأَمْر أن إبداء الزِّينَة غير مَسْأَلة المحرميَّة، الآيَة تدُلّ على أن إبداء الزِّينَة مَسْأَلة منفصلة عن مَسْأَلة المَحرميَّة، إِذَا كَانَ العم والخال ما ذكرا مع أنهما من المحارِم دل ذَلِك على أن مَسْأَلة إبداء الزِّينَة غير المَحرميَّة نعم؛ لأَن المَسْأَلة هُنا حساسة جدًّا.
الرضاع كله بجميع أقسامه لم يذكر فألحقه بعض العُلَماء مدعين أن ذكر البعض يدُلّ على البقية وأن العرب في كلامهم أحيانًا يقتصرون على ذكر البعض تنبيهًّا على البقية، لكن هَذَا لَيْسَ بجيد؛ وجه ذَلِك أن ذكر البعض الَّذِي يُراد به إلحاق البقية يُكتفى منه بذكر واحد، وَيكُون هَذَا الواحد على سبيل التمثيل، أما أن يذكر عدد من جنس ويحذف الباقي وبطريق الحصر فهَذَا غير مُسلم.
لكن يبقى النَّظر في مَسْأَلة إبداء الزِّينَة الَّتِي زينها الله بها يعني الوجه واليدين وما أشبه ذَلِك، فهَذَا له دَليل غير هَذه الآيَة.
فنقول: هَذه الآيَة في زينة اللباس وشبهه، ويَجب إبقاؤها على ما ذكر الله ، وأما مَسْأَلة إبداء الوجه والكفَّين والسَّاق والرَّقَبة وما أشبه ذَلِك فهَذَا يؤخذ من أدلة أُخْرَى.
ولِذَلك الإخوة من الرِّضاع عند النِّساء الآن وعند النَّاس كلهم أن المَرْأَة تتجمل وتتزين لهم، مع أن المَسْأَلة في الحَقيقَة خطيرة جدًّا، وكم من أناس والعِيَاذ باللهِ
стр. 169
فجروا بأخواتهنَّ من الرِّضاعة؛ لأَن الصِّلة لَيْسَت صلة رحم ونسب، فصلة الرِّضاع أضعف من صلة النَّسب والرحم، ولذَلك يحصل عند بعض النَّاس -والعِيَاذ باللهِ- الَّذينَ لا يخافون من الله من تحرك الشَّهوة والتمتع بالنَّظر إلى أخواتهنَّ أو خالاتهم من الرِّضاع ما هو معْلُوم.
لِذَلك كره بعض العُلَماء للمَرْأة أن تبدي زينتها لمحارمها من الرِّضاع وقال: إن ذَلِك خطأ، ولهَذَا لم يتعرض الله في هَذه الآيَة للرضاعة إطلاقًا أبدًا ولَيْسَ هَذَا من باب التَّحْريم وإلا فالتَّحْريم يَقُول النَّبِيّ ﵊: "يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (١).
فالمَسْأَلة هُنا إبداء زينة وقد علم الآن بحسب هَذَا الحصر أنَّها لَيْسَ لها علاقة بمَسْأَلة المَحرميَّة، المَحرميَّة إبداء الوجه واليدين وما أشبه ذَلِك هَذَا ثابت بالنَّص ولهَذَا قَالَ النَّبِيّ ﷺ لزوجاته: "انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ" (٢) وأباح لإخوانهنَّ مِنَ الرِّضاعة أن يدخلوا على زوجاته، مع وُجوب الحجاب، فمَسْأَلة النَّظر إلى الوجه والكفين وما أشبه ذَلِك غير مَسْأَلة إبداء الزينة، هَذه مَسْأَلة مستقِلَّة عن هَذه، ولهَذَا يَجب أن نعرف هَذَا الفَرْق، وأن هَذه المَسْأَلة لا علاقة لها بمَسْأَلة المَحرميَّة لا طردًا ولا عكسًا، كَيْفَ لا طردًا ولا عكسًا؟ لأنَّنا نظرنا إلى أن الأعمام من المحارِم ولم يستثنوا هَذَا بالنِّسْبَةِ للطرد.
стр. 170
وبالعَكْسِ نظرنا فوجدنا أن فيها أناسًا لَيْسَوا من المحارِم كملك الْيَمِين والتَّابعين غير أولي الإربة أو الطفل الَّذينَ لم يظهروا على عورات النِّساء.
وعلى هَذَا فيَكُون الحُكْم في هَذه الآيَة مستقلًّا عن مَسْأَلة المَحرميَّة، فما استثني من إبداء الزِّينَة وجب استثناه وما لا فلا.
فهَذه المَسْأَلة لَيْسَ لها علاقة بمَسْأَلة المَحرميَّة وإنما هي مَسْأَلة مستقِلَّة تعود إلى أمر حساس دقيق، لأنَّنا قُلْنا: إن هَذه الصُّورة كلها في حماية الأعْرَاض وتطهير النُّفوس وإبعادها عن الدنس، ولذَلك تجد احترازات بالغة الأهمِّيَّة، فالَّذِي يظهرُ لي من سِيَاق الآيَة أنَّه يَجب إبقاؤها عَلى عُمومِها وعلى خصوصها أيضًا، وأن ما استثني فيها فله حكم الاستثناء وما لم يذكر فيها فهو باقٍ على النَّهي، فالعِلَّة الوَحْيدة هي أن الله لم يستثنه، والمَسْأَلة كما تقدَّم لَيْسَت مبينة على المَحرميَّة فمن استثناه الله استثنيناه ومن لم يستثنه لم نستثنه.
قد يَقُول قائل: إِذَا كَانَ أبناء الأخ وأبناء الأخت يجوز إبداء الزِّينَة لهم لأَن المَرْأَة عمتهم أو خالتهم، لماذا لا يَكُون العكس؟ ألَيْسَت المَرْأَة للعم هي بنت أخيه، وللخال هي بنت أخته، فإذا كَانَ يجوز لها إبداء الزِّينَة لابن أخيها ولابن أختها أفلا يجوز العكس لأَن الصِّلة واحدة؟ نقول: لا، لأَن ابن أخيها وابن أختها تشعر هي بأنَّها لها العلو عليهما؛ لأنَّها عمة وخالة لهما، فهما يحترمانها ولَيْسَت هي الَّتِي تحترمهما، لكن مَسْأَلة العم والخال يشعران بعلو مرتبتهما على بنت أخيهما وبنت أختهما فهي تحترمهما وهما لا يحترمانها، فلِذَلك يَكُون القياس هُنا غير وجيه، والآيَة لَيْسَ فيها مجال للقياس أبدًا لأَن فيها تفصيل بالأعيان: إلا فلان وفلان وفلان، لَيْسَت قواعد عامَّة.
стр. 171
قَوْلهُ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ هَذه اختلف المفسرون فيها، فمنهم من قَالَ: إن الإضافة للنوع، ومنهم من قَالَ: إن الإضافة للجنس.
الَّذينَ قالوا: إن الإضافة للنوع قالوا: إن المُراد بنسائهنَّ المؤْمِنات لأنَّه قَالَ: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ فالمُراد بـ ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ ما كَانَ من نوعهنَّ، فالإضافة من باب إضافة الشَّيء إلى نوعه، يعني نساء المُؤْمِنات فخرج بقَوْلهُ: ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ الكافرات بناء على أن الإضافة نوعية لا جنسية وأن المُراد بنسائهنَّ، أي: المُسْلِمات، ولذا قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَخَرَجَ بِنِسَائِهِنَّ الْكَافِرَات فَلَا يَجُوز لِلْمُسْلِمَاتِ الْكَشْف لَهُنَّ وَشَمَلَ ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، الْعَبِيد] اهـ.
وبعضهم قَالَ: من باب إضافة الجنس يعني أنَّه أضيف النِّساء إلَيْهنَّ باعتبار الجنس، يعني: أو النِّساء اللاتي من جنسهنَّ، يعني من النِّساء فلا تخرج الكافرات بل يشمل الكافرات والمُسْلِمات، وقد ذكروا أن الصَّحابَة ﵃ لما فتحوا الأمصار كَانَ فيها قوابل من الكافرات يولدن النِّساء فأقرهنَّ الصَّحابَة على ذَلِك (١)، وهَذَا مما يدُلّ على أن المُراد بنسائهنَّ النِّساء دون المُسْلِمات، يعني لَيْسَ بقيد المُسْلِمات، نعم إن خيف منها ضرر هَذَا شَيْء ثانٍ، وخوف الضرر حَتَّى في المُسْلِمات.
فَعلَى القَوْلِ الأوَّل لا يجوز للمَرْأة المُسْلِمة أن تبدي زينتها للكَافرة؛ لأنَّها لَيْسَت من نوعها ولأن الكَافرة في الحقيقَة غير مؤتمنة، قد تغري بها الفُسَّاق والْكُفَّار إِذَا رأتها تتجمل وتتزين وتبدي الزينة، والقول الثَّاني: أن المُراد بنسائهنَّ الجنس، يعني النِّساء اللاتي من جنسهنَّ، وعلَيْه فيجوز للمَرْأة أن تبدي ما خفي من زينتها لجميع النِّساء من مؤمنات وغير مؤمنات، وهَذَا هو الأقرب، واحتمال أن هَذه المَرْأَة
стр. 172
الكافرة تغري بها الفُسَّاق والْكُفَّار وارد، لكن هَذَا الاحتمال أيضًا وارد في المُسْلِمة فإن المُسْلِمة وأقول: المُسْلِمة غير المُؤْمِنة لأَن المُسْلِمة ربما يحصل منها ذَلِك.
وهَذه مسائل في الحَقيقَة دقيقة جدًّا وقد ترد حَتَّى مع النّساء بعضهنَّ بعضًا، ولذَلك الساحقة بين النِّساء موجودة؛ لأَن المَرْأَة تعشق المَرْأَة وتتعلق بها كما يَتعلَّق الرَّجل بالمَرْأَة ويحصل منها هَذَا الفِعْل المحرم.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فَيَجُوز لهمْ نَظَره إلَّا مَا بَيْن السّرَّة وَالرُّكْبَة فَيَحْرُم نَظَره لِغَيْرِ الْأَزْوَاج] اهـ.
المُفَسِّر ﵀ مشى على أن المُراد بالزِّينَة هُنا ما زين الله به المَرْأَة، يَقُول: من هَؤُلَاءِ الَّذينَ استثنوا ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أي: الْعَبِيد لأنَّه لا يُمْكِن أن تتحرز من خادمها وملك يمينها، ومع ذَلِك هو لَيْسَ بمحرم، يعني لو أَرَادَ أن يسافر بها لم تسافر إلا بمحرم، لكن يجوز أن تبدي الزِّينَة الخفية له؛ لأَن هَذَا أمر لا يُمْكِن التحرز منه، وكَذلِك الإماء اللاتي ملكهنَّ النِّساء، ولا بُدَّ أن يَكُون تامًّا فإن كَانَ لها عبد مشترك فإنَّه لا يجوز لها إبداء الزِّينَة له؛ لأنَّه لا يُقالُ حينئذٍ: ملكته وإنما ملكت بعضه.
ولهَذَا لا يجوز للرَّجُلِ أن يَتَسَرّى بالأَمة المشتركة، إِذَا كَانَت أمة مشتركة بينه وبين شخص لا يجوز له أن يتسرى بها لأنَّها لَيْسَت ملكه، كما أنَّه لا يجوز للمَرْأة أن تبدي شيئًا من فشتها الخفية لمملوك بينها وبين غيرها؛ لأنَّه لا يصدق علَيْه أنَّه ملكها بل إنه مشترك.
وقول المُفَسِّر ﵀: [فَيَجُوز لهمْ نَظَره إلَّا مَا بَيْن السُّرَّة وَالرّكْبَة فَيَحْرُم نَظَره لِغَيْرِ الْأَزْوَاج]، هُنا المُفَسِّر مشى على ما أشرنا إلَيْه سابقًا أن المُراد بالزِّينَة ما زين الله به
стр. 173
المَرْأَة، يَقُول: إن هَؤُلَاءِ المستثْنَيْن يجوز للمَرْأة أن تبدي لهم ما بين السُّرَّة والرُّكبة، هَذَا على رأيه، يعني مثلما يجوز للمَرْأة أن تبدي لإخوانها وابن أخيها وابن أختها وابن زوجها يجوز أن تبدي صدرها وبطنها وثدييها وكل شَيْء ما عدا ما بين السُّرَّة والرُّكبة، يعني: يجوز تأتي بسروالها وتخرج على أبي زوجها وما أشبه ذَلِك، لكن هَذَا فيه نظر وفيه فتنة عَظِيمة، لو قُلْنا بجَواز هَذَا لحصل به فتنة كَبيرَة جدًّا، امرأة مثلًا شابة زوجة ابنه تأتي إلَيْه بهَذِهِ المثابة ولنفرض أيضًا أنَّه هو رجل شاب هَذَا لا أحد يَقُول به بشرط أن تؤمن الْفِتْنَة، يعني حَتَّى على رأي المُفَسِّر لا بُدَّ من أمن الْفِتْنَة، فإن لم تؤمن الْفِتْنَة حرم، لكن حَتَّى إِذَا أومنت الْفِتْنَة فإن هَذَا فتح باب لها بلا شَك، ولهَذَا الصَّحيح في هَذه المَسْأَلة بقطع النَّظر عن كون هَذَا المُراد بالآيَة أو غير المُراد بالآيَة.
فالصَّحيح أنَّه لا يجوز للمَرْأة أن تكشف للمحارم إلا ما جرت العادة به فقط، لأَن ما جرت العادة به لا يحتشم منه ولا يبالى به، في عرفنا الآن تخرج الكَفَّ والذِّرَاعَ والسَّاقَ وَالرَّأْسَ والرَّقَبَةَ كُلُّ هَذَا يخرج عادة للمحارم ولهَذَا لو زاد على هَذَا الْأَمْر لوجدت النَّاس ينكرونه؛ لأنَّه إِذَا جاز كشف السَّاق فالذراع مِنْ بَابِ أَوْلَى، وانتقال الْإِنْسَان في التفكير من السَّاق إلى ما فوقه أقرب من انتقاله من الذراع إلى ما تحته.
فعَلَى كُلِّ حَالٍ الصَّحيح في هَذه المَسْأَلة أن يرجع في هَذَا إلى ما جرت به العادة إلا في الشَّيء الَّذِي لا يُمْكِن كشفه إلا بفتنة متوقعة أو لازمة فهَذَا لا يجوز.
يبقى النَّظر في غير المحارِم ممَّن تبتلى بهم المَرْأَة وهم غير محارم والمَرْأَة تبتلى بهم مثل أخي الزَّوج إِذَا كَانَ الْإِنْسَان عنْدَه في البَيْت أخ، وطبعًا كُلُّ واحدٍ من الأخوين له زوجة، على المَشْهُور من المَذْهب أنَّه لا يجوز أن تبدي لا كفًّا ولا وجهًا ولا قدمًا
стр. 174
ولا غيره، وأن هَذَا الرَّجل مثل الرَّجل الَّذِي في السُّوق، ولو أخذنا بهَذَا في الحَقيقَة لَلَحِق النَّاس حرج كبير تقول للمَرْأة: إِذَا صَارَ أخو زوجك موجودًا لازم لا يظهر منك ولا ظفر ولا شعرة؛ هَذَا في الحَقيقَة فيه مشقَّة وحرج، ولهَذَا الصَّحيح في هَذه المَسْأَلة أن مَسْأَلة الكف والقدم مما يشق التحرز منه، لا بأس به.
أما الوجه فلا يجوز؛ لأَن التحرز منه ممكن بخلاف الكف والرجل، وهَذه امرأة تعمل في البَيْت تغسل الأواني مثلًا وتفرش وتكنس كَيْفَ تتحرز من أخي زوجها؟ تقول: إِذَا أردت مثلًا تغطين الأواني وأخو زوجك موجود ضعي غطاء على اليدين، هَذَا فيه صعوبة، لهَذَا نقول: إن ما يشق التحرُّز منه من إظهار القدم والكف فالصحيح أنَّه لا بأس به، وقد مشى على ذَلِك بعض فقهاء الحنابلة، وقال في الإنصاف: إنه ما يسع النَّاس العَمَل إلا بهَذَا، وهَذَا صحيح ما يسع النَّاس العَمَل إلا بهَذَا الشَّيء والله الموفق.
المُفَسِّر ﵀ يَقُول: [وَخَرَجَ بِنِسَائِهِنَّ الْكَافِرَات فَلَا يجوز لِلْمُسْلِمَاتِ الْكَشْف لهنَّ وَشَمَلَ ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ الْعَبِيد].
لو قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَقُول المُفَسِّر: شمل ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ الْعَبِيد، وهل هُناكَ أحد غير الْعَبِيد، فما الجواب؟
الجواب: نعم، على القَوْل بأن المُراد بنسائهنَّ المُسْلِمات فإن ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يشمل الأَمة الكافرة فيجوز إبداء الزِّينَة لها وإن لم تكن من نسائهنَّ لأنَّها مملوكة، أما إِذَا قُلْنا: إن المُراد بنسائهنَّ جميع النِّساء فإن قَوْلهُ: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يختص بالذكور فقط؛ لأَن النِّساء معْرُوفات من قَوْلهُ: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ لكن المُفَسِّر ﵀ اضطر أنْ يقولَ ذَلِك لهَذَا السَّبب، على أن من أهْل العِلْم من قصر قَوْلهُ: ﴿مَا مَلَكَتْ
стр. 175
أَيْمَانُهُنَّ﴾ على النِّساء الكافرات فقط وقال: إن العَبْد لا يجوز لسيِّدته إبداء الزّينَة له، وإنما المُراد بما ملكت أيمانهنَّ لأجل أن تدخل الأَمة المملوكة إِذَا كَانَت كافِرة؛ لأنَّها خرجت بنسائهنَّ ودخلت فيما ملكت أيمانهنَّ.
لكن الصَّحيح أن (نسائهنَّ) كما أشرنا إلَيْه سابقًا المُراد به الجنس، وأن جميع النِّساء من مسلمات وكافرات يجوز إبداء الزِّينَة لهنَّ إلا إِذَا خشي المحذور، إِذَا خشي المحذور فهَذَا لا يجوز ولو كَانَت مسلمة كما نهى النَّبِيّ ﷺ المَرْأَة أن تنعت المَرْأَة لزوجها حَتَّى كأنه يشاهدها (١)، أي تقول له: فلانة كذا وكذا وكذا، وتصفها حَتَّى كأنه يشاهدها، فإن الرَّسُول ﷺ نهى المَرْأَة أن تنعت المَرْأَة لزوجها على هَذَا الوجه، فإذا خشي المحذور فهَذَا شَيْء ثانٍ، لكن هَذه الأَشْيَاء بدون محذور.
قَوْلهُ: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فِي فُضُول الطَّعَام ﴿غَيْرِ﴾ بِالجَرِّ صِفَة وَالنَّصْب اسْتِثْنَاء ﴿أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ أَصْحَاب الحَاجَةِ إِلَى النِّسَاءِ ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ بِأَنْ لَمْ يَنْتَشِرْ ذَكَرُ كُلٍّ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿التَّابِعِينَ﴾ فِي فُضُولِ الطَّعَام]، فالمُراد بهم الخدم وشبههم الَّذينَ يتبعون أهل البَيْت، أو المُراد بالتَّابعين أيضًا الَّذينَ يأتون إلى النَّاس ليأكلوا من فضول طعامهم وإن لم يَكُونوا خدمًا لهم، فهو شامل لهَؤُلَاءِ وهَؤُلَاءِ، فالتَّابع هو الَّذِي يتبع أهل البَيْت إما لكونه خادمًا عندهم وإما لكونه يتلقى فضول الطَّعام منهم، فهَؤُلَاءِ يجوز إبداء الزِّينَة لهم بشرط ألا يَكُون لهم إربة يعني حاجة في النِّساء.
стр. 176
وقول المُفَسِّر: [بِأَنْ لَمْ يَنتشِرْ ذَكَرُ كُلٍّ] لَيْسَ العَلامَة ألا ينتشر ذكره بل العَلامَة ألا يُعرف منه ميل إلى النِّساء، لأَن من النَّاس من يميل إلى النِّساء، وإن كَانَ ذكره لا ينتشر، فالعَلامَة أن لا يوجد منه ميل إلى النِّساء إطلاقًا لا عند قيام ذكره ولا عند عدم قيامه.
فالكلام على أنَّه لا يشتهي النِّساء ولا يميل إلَيْهنَّ فهو كالمَرْأَة، ولمشقَّة التحرز منه أباح الله للنِّساء أن يبدين زينتهنَّ له، فصَارَ التَّابع معناه الَّذِي يتبع أهل البَيْت لتلقي فضول طعامهم إما لكونه خادمًا فيهم أو غير خادم، لكن اشترط الله في التَّابع ألا يَكُون له إربة في النِّساء، والعَلامَة أنَّه يُعلم أنَّه لا يميلُ إلى النِّساء ولا يرغب فيهنَّ، والغالِب أنَّه لا يقوم ذَكَرُهُ، لكنَّه لَيْسَ بلازم قد يَكُون الْإِنْسَان ممَّن يميل إلى النِّساء ويحبهنَّ ويألفهنَّ لكن لا يقوم ذكره.
لِذَلك الصَّحيح في هَذه المَسْأَلة أنَّنا نعلم عدم حاجته وعدم ميله إلى النِّساء، ولهَذَا كَانَ في بيوت آل النَّبِيّ ﷺ رجل مخنث، يعني من غير أولي الإربة لم يَكُونوا يعلمون به حَتَّى إنه في يوم من الأيَّام قَالَ لرجل من محارم إِحْدَى زوجات النَّبِيّ ﷺ : إِذَا فتحتم الطائف فعليكم بابنة غيلان الثَّقفي، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان (١)، هم في أول الْأَمْر يحسبونه لَيْسَ بشَيْء، لكن هَذَا الَّذِي يصف المَرْأَة هَذَا الوصف يدُلّ على أنَّه يميل إلى النِّساء، فمنعه النَّبِيّ ﷺ من الدُّخول على أهل بيته لأنَّه يتبَيَّن أنَّه يميل إلى النِّساء، فإذا وُجد أن هَذَا التَّابع يصف النِّساء ويذكر جمالهنَّ وما أشبه ذَلِك علم أنَّه صحاب حاجة، وأما مَسْأَلة قيام الذكر فهَذه لَيْسَ بعلامة.
стр. 177
ذكر المُفَسِّر ﵀ (كُلٍّ) فقال: "بِأَنْ لَمْ يَنتشِرْ ذَكَرُ كُلٍّ] لو قَالَ: "ذكره" لم يكن هُناكَ إِشْكال، لكن قَوْلهُ: [ذَكَرُ كُلٍّ] يقْتَضِي عددًا.
قَوْلهُ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِمَعْنَى الأَطْفَال ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ أي: يَطَّلِعُوا ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ لِلْجِمَاعِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُبْدِينَ لهمْ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ قَوْل المُفَسِّر ﵀: [الطفل بِمَعْنَى الأَطْفَال]، فهو اسم جنس بمَعْنى الأطفال، والدَّليل على أنَّه بمَعْنى الأطفال قَوْلهُ: ﴿الَّذِينَ﴾ حيث وصفه بالجمع ولا يُوصف المفرد بالجمع، لكن فيه دَليل على أن اسم الجنس إِذَا حُلي بـ (أل) يَكُون للعموم ولو كَانَ مفردًا.
وقَوْلهُ: ﴿يَظْهَرُوا﴾ بمَعْنى يطلعوا ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ للجماع، والمَعْنى أنهم لا يعرفون ما يَتعلَّق بالعورات، فقَوْلهُ: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ أي: لم يطلعوا بحيث لا يدرون ماذا يُصنع بالعورات ولا هي لهم على بال، فهَؤُلَاءِ الأطفال يجوز أن تُبدى لهم الزينة، هَذَا المراد، لَيْسَ المُراد الاطِّلاع بالعين لأَن الاطِّلاع بالعين هَذَا يَكُون في الأطفال وغيرهم، لكن المُراد أنهم لا يدرون.
وقول المُفَسِّر: [يُبْدِينَ لَهُمْ مَا عَدَا مَا بَيْن السُّرَّة وَالرُّكْبَة] بناء على أن المُراد بالزِّينَة هُنا ما زين الله به المَرْأَة لا أنَّها اللباس.
تقدَّم في هَذه الآيَة اثنا عشر صنفًا يَقُول الله تعالى: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ اثنا عشر صنفًا
стр. 178
هَؤُلَاءِ هم الَّذِي تبدى لهم الزِّينَة الخفية ومن عداهم لا تُبدى لهم، هَذَا هو ظاهر الآيَة؛ لأَن الله يَقُول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾ والاستثناء هَذَا مفرغ يقْتَضِي أن من سوى هَؤُلَاءِ لا يجوز إبداء الزِّينَة لهم، لكنَّ بعض العُلَماء ألحق بهم بقية المحارِم من مصاهرة أو نسب أو رضاع؛ لأنَّه يُوجد من المحارِم من النَّسب من لم يُذكر مثل الأعمام والأخوال وأيضًا من المصاهرة من لم يُذكر؛ لأَن قَوْلهُ: ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ معناه تَكُون زوجة ابن أو ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ تَكُون زوجة أب، أي أن زوجة الْأَبّ تبدي لأبناء زوجها الزِّينَة، وزوجة الابن تبدي لآباء زوجها الزينة.
لو قَالَ قَائِلٌ: هَؤُلَاءِ الاثنا عشر هل هم على حد سواء فيما يُبدى من الزِّينَة أو لَيْسَوا على حد سواء؟
الجواب: لَيْسَوا على حد سواء بلا شَك، ولهَذَا بدأ الله بالزَّوج لأنَّه أعلى من تُبدى له الزِّينَة بمطلقها، والباقين يُمكن أن يُقالَ: على الترتيب، ويُمْكِن ألا يُقالَ: على الترتيب بل يُنظر إلى ما جرت به العادة؛ لأَن حَقِيقَة الْأَمْر أن الأخ مثلًا إِذَا كَانَ عند أخته دائمًا في البَيْت لَيْسَ كما لو لم يكن يأتيها إلا نادرًا، أي الحالين أَشَدّ تحشمًا بالنِّسْبَةِ لها؟ إِذَا كَانَ لا يأتي إلا نادرًا تجدها تستحي منه وتحتشم أكثر مما إِذَا كَانَ دائمًا عندها، فيَنْبَغِي أن يُقالَ في ترتيبهم، أما الزَّوج فهو عَلَى كُلِّ حَالٍ في القمة، وأما البقية فعلى حسب ما يدعو إلَيْه العرف والعادة بالنِّسْبَةِ لإبداء الزِّينَة كاملة أو متوسطة أو أدنى ما يُقالُ إنَّهُ زينة.
المَسْألة الثَّانية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ هل يَجب على المَرْأَة أن تحتجب عن الرجل، يعني: هل يحرم عَلَيْها أن تنظر إلى الرَّجل أو لا يحرم، يعني إِذَا
стр. 179
قُلْنا: إن المُراد بالزِّينَة هُنا ما زين الله به المَرْأَة أو ما زين الله به الرَّجل فهل يَجب عَلَيْها أن تغض الطرف عن الرَّجل أو لا يَجب؟
هَذه المَسْأَلة فيها خلاف بين أهْل العِلْم، منهم من قَالَ: إنه لا يجوز للمَرْأة أن تنظر إلى الرجل، كما لا يجوز للرَّجُلِ أن ينظر إلى المَرْأَة؛ لأَن الآيَة واحدة قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ وأيدوا قولهم هَذَا بحديث أم سلمة والمَرْأَة الأُخْرَى الَّتِي لما دخل ابن أم مكتوم قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "احْتَجِبَا مِنْهُ" قالوا: يا رَسُول الله! إنه رجل أعمى، فقال: "أَفعَمْيَاوَانِ أَنتُمَا؟ ! " (١) فلمَّا أوردا علَيْه أنَّه أعمى قَالَ: أَفَعَمْيَاوَانِ أنْتُمَا، وأمرهما بالاحتجاب، لكن هَذَا الحَديث لا يصِح عند أهْل العِلْم؛ لأنه من رِوايَة نبهان مولى أبي سلمة وهو مجهول، ولذَلك ضعفه الْإِمَام أحمد ﵀.
ولذَلك الصَّحيح أنَّه يجوز للمَرْأة أن تنظر إلى الرَّجل إِذَا لم يكن هُناكَ فتنة أو شهوة، ويدُلّ لِذَلك أحاديث صحيحة صريحة منها حديث عَائِشَة ﵂ حينما كَانَت تطلع إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد والنَّبي ﷺ يسترها وهي تنظر إلَيْهم حَتَّى إنها هي الَّتِي تركت هَذَا الشَّيء (٢)، وهَذَا دَليل واضح على جَواز نظر المَرْأَة إلى الرجل.
стр. 180
كَذلِكَ أيضًا قَوْل النَّبِيّ ﷺ لفاطمة بنت قيس: "اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومِ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ" (١)، وهَذَا أيضًا صريح واضح في أن المَرْأَة يجوز أن تنظر إلى الرجل.
وأيضًا قَالَ فقهاؤنا ﵏: لو كَانَ يحرم على المَرْأَة أن تنظر إلى الرَّجل لوجب على الرِّجَال أن يحتجبوا مثلما أن المَرْأَة تحتجب عن الرَّجل لئلا ينظر إلَيْها، فنقول أيضًا: الرَّجل يتحجب عن المَرْأَة لئلا تنظر إلَيْه؛ لأنَّه لا يتم الواجب إلا بهَذَا؛ لأنَّه إِذَا صَارَ وجه الرَّجل مكشوفًا فالمَرْأَة لا بُدَّ أن تراه، لا يُمْكِن أن تعدم رؤيتها له إلا إِذَا احتجب مثلما أنَّها هي تحتجب، ولا قائل من أهْل العِلْم أنَّه يَجب على الرَّجل أن يحتجب عن المَرْأَة.
ولهَذَا الصَّحيح في هَذه المَسْأَلة مذهب الْإِمَام أحمد أنَّه يجوز للمَرْأة أن تنظر إلى الرجل، ولكن كل هَذِهِ المَسائِل وغيرها تجوز بشرط أَمْن الْفِتْنَة، أما إِذَا كَانَ هُناكَ فتنة فإنَّه لا يجوز أن تنظر ولا إلى صُورَة الرجل، حَتَّى صُورَة الرَّجل الَّتِي تَكُون في بطاقة أو الَّتِي تظهر في التلفزيون لا يجوز أن تنظر إلَيْها إِذَا كَانَ يُخشى منها الْفِتْنَة، وكَذلِك بالنِّسْبَةِ للرَّجُلِ أيضًا، وهَذه مَسْأَلَة سنبحثها بحثًا مستقلًّا فنقول: هل يجوز للرَّجُلِ أن ينظر إلى صُورَة المَرْأَة الأجنبية منه أو لا يجوز؟
الرأي الأوَّل: متى جاز النَّظر إلى وجهها بغير صُورَة جاز النَّظر إلى صورتها، يعني متى جاز النَّظر إلى المَرْأَة لكونه محرمًا أو خاطبًا جاز النَّظر إلى صورتها، ومتى مُنع منع النَّظر.