← Тафсир

Тафсир · id 553

تفسير العثيمين: النور

ابن عثيمين

Полный текст (440 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الآية (١٣) ° قَالَ اللهُ : ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ [النور: ١٣]. * * * مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: حماية الله للأعْرَاض حيث جعل البَيِّنَة على الزِّنَا أرْبَعة رِجال. الفَائِدة الثَّانية: أن القاذِف لا بُدَّ أن يأتي بأرْبَعة شهداء وإلا اتهم بِالكَذِب؛ لقَوْلهُ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فإذا لم يأتوا بأرْبَعة شهداء ثبت عليهم الحدّ؛ لقَوْلهُ: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ لأنهم كاذبون في دعواهم. الفَائِدة الثَّالِثَة: أن القَاضِي يحكم بالظَّاهِر؛ فإذا جاءت البَيِّنَة العادلة فلَيْسَ للقاضي أن يقولَ: يَجب أن نبحث، ويوجب أيضًا أن يتهم النَّاس أنفسهم ولا أحد يشهد إلَّا بعد استيفاء الشُّروط، هَذِهِ الفَائِدة قد تؤخذ من قَوْلهُ: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ فإن الإتيان بها ملزم للقاضي أن يحكم بِذَلِك بمقتضى الشَّهادة وإن كَانَ الشُّهود قد يتوهمون وقد يخطئون. وقد تؤخذ من قَوْلهُ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وَذلِك أن الله حكم فيهم بِالكَذِب، وإن كَانَ الواقِع قد يَكُون صادقًا في غير قَضيَّة عَائِشَة ﵂، فإذا قذف إِنْسَان

стр. 72

أحدًا ربَّما يَكُون صادقًا لكن إِذَا لم يأت بأرْبَعة شهداء فهو عند الله كاذب ولِذَلك قَالَ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ لم يقل: فأولئك هم الكاذبون، قَالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني في حكمه وشرعه. الفَائِدة الرَّابِعَة: أن النِّساء لا يقبلن في الشَّهادة في الزِّنَا، وقاس على ذَلِك أهْل العِلْم جميع الحُدُود، فلا تقبل فيها النِّساء بل لا بُدَّ من شهادة الرِّجَال، أما النِّساء فلا يقبلن. مَسْألة: ما الفَرْق بين الشَّاهد والقاذِف؟ الجواب: الَّذي يتبَيَّن لي هو أن الفَرْق بين القاذِف والشَّاهد أن القاذِف ينشر الزِّنَا على سبيل العيب والقدح؛ أي: يُرِيد القَدْح بنشر عيبه بين النَّاس، والشَّاهد يشهد به عند القَاضِي، ولا يتكلم به عند النَّاس، بل يشهد لإِثْبات الحْدّ علَيْه لا لعيبه وقدحه. ولهَذَا قَالَ الفُقَهاء ﵏: لا فرق بين أن يأتي هَؤُلَاءِ الشُّهداء الأرْبَعة إلى الحاكم جملة أو متفرِّقين، ومن قَالَ: إِذَا جاءوا متفرِّقين صاروا قَذَفَةً، يرى أن القاذِف لا فرق بينه وبين الشَّاهد يعني مثلًا: لو جاء واحدٌ في الصباح عند القَاضِي وشهد، وجاء الثَّاني في الضُّحَى، والثَّالث بعد ذَلِك، والرَّابع بعد الظُّهر، فلا فرق يعني يصح أن يحكم بشهادتهم ويثبت الحد، هَذَا ما ظهر لي، والمَسْأَلة تحتاج إلى تحقيق ونظر في كلام أهْل العِلْم في هَذَا الموضوع. لو قَالَ قَائِلٌ: هل ثبت الزِّنَا في الإِسْلام عن طريق الشَّهادة؟ الجواب: ليعلم أنَّه لم يثبت في الإِسْلام زنا بطريق الشَّهادة أبدًا والحمد لله إنَّما

стр. 73

الَّذِي ثبت في الإِسْلام بطريق الإقرار لأَنَّ الشَّهادة صعبة، الآن لو يَقُول إنسان: رأيت الرَّجل على المَرْأَة فخذه على فخذها وبطنه على بطنها ويهز عَلَيْها هَذِهِ لَيْسَت بشَهادَة حَتَّى يَقُول: إنَّه رأى ذكرهُ في فَرْجَهَا، وهَذَا صعب جدًّا. الفَائِدة الخَامِسَة: عظم الزِّنَا وحماية الله لأعْرَاض المُؤْمِنِينَ؛ لقَوْلهُ: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فقال: ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فحصر الكَذِب فيهم؛ أي: لا أحد يكذب سوى هَؤُلَاءِ، وإن كَانَ الحصر إضافيًّا، فإنَّه يدُلّ على عظم هَذَا الْأَمْر وأنَّه لا أحدَ أكذب ممَّن رمى محصنًا بالزِّنَا. * * *

стр. 74

الآية (١٤) ° قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾ [النور: ١٤]. * * * مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن الأَسْباب قد يحصل لها من المَوانِع ما يمنع تأْثِيرها، فقد يجعل الله تَعَالَى من المَوانِع ما يمنع حصول الشَّيء مع تحقق أسبابه؛ لأَنَّ الأَسْباب موجودة وهي المسُّ بعَذاب عَظِيم والمانع من هَذَا فضل الله ورحمته. الفَائِدة الثَّانية: عظم مِنة الله على المُؤْمِنِينَ حيث يتفضل عليهم ويرحمهم بدفع الْعَذَاب المستحقين له، ومِنة الله غير الفَضْل والرَّحمة؛ لأَنَّ الفَضْل والرَّحمة أثبتناهما صفتين من صِفات الله -جَلَّ وَعَلَا-، لكن مِنَّة الله على العباد شَيْء آخر. الفَائِدة الثَّالِثَة: إِثْبات أن الأَسْباب الشَّرْعِيَّة مؤثرة بنفْسِها خلافًا لمن أنكر أن السَّبب مؤثر بنَفْسِه، وقد تقدَّم أن بعض الأشَاعِرَة ينكرون أن يَكُون السَّببُ مؤثرًا بنَفْسِه حَتَّى إنهم قالوا: إن إحراق النَّار لما تحرق لَيْسَ بالنَّار وإنَّما يحصل الإحراق عنْدَه لا به. الفَائِدة الرَّابِعَة: أن شِيوع المعْصِيَة بين النَّاس سبب للعُقوبَة العامَّة؛ ؛ لقَوْلهُ: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

стр. 75

الفَائِدة الخَامِسَة: إِثْبات أن الجزَاء من جِنس العَمَل؛ لقَوْلهُ: ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ لأَنَّ ﴿فِي﴾ للسببية. الفَائِدة السَّادِسَة: تفاضُل العُقوبَات حسب تفاضُل الأعْمَال؛ لقَوْلهُ: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأَنَّ بعض العُقوبَات أَشَدّ من بعض، وأَشَدّ اسم تفضيل، والأحْسَن أن نقول: تفاوت العُقوبَات حسب تفاوت الأعْمَال. * * *

стр. 76

الآية (١٥) * * * ° قَالَ اللهُ : ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥]. * * * قَوْلهُ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ هَذَا التفات من الغيبة إلى الخِطَاب، وفَائِدَته التَّنْبيه وقوة التَّوبِيخ؛ لأَنَّ الخِطَاب أبلغ في التَّوبِيخ فإنَّك إِذَا تحدثت لصاحبك بِصيغَة الغائب صَارَ ألطف وأهون، وإذا أتيت بعد ذَلِك بِصيغَة الخِطَاب صَارَ أبلغ سواء كَانَ ذَلِك مدحًا أم ثناء. فمن الثَّناء قَوله تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]، ثم قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فأثنى المصلِّي على الله في أول السُّورة بِصيغَة الغائب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثم بِصيغَة المخاطب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ كأنه بعد الثَّناء صَارَ حاضرًا بين يدي ربه فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وانظر إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ [عبس: ١ - ٣]، فقَوْلهُ: ﴿عَبَسَ﴾ للغائب ثم قَالَ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ كأن الله لم يشأ أن يخاطب النَّبِيّ ﷺ بهَذَا اللَّفْظ عبست وتوليت قَالَ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١)﴾ حَتَّى تبيّن ثم قَالَ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ فهَذِه مثلها. المُهِمّ أنَّه إِذَا انتقل من صِيغَة الغيبة إلى صِيغَة الخِطَاب فله فَائِدَة وهي التَّنْبيه

стр. 77

وأُخْرَى تُستفاد من السِّياق. قَوْلهُ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي يَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ وَحُذِفَ مِنْ الْفِعْلِ إحْدَى التَّاءَيْنِ]. اهـ. أصله: (تتلقونه بألسنتكم)، ولا يُمْكِن أن نقول: إن قَوْلهُ: تلقى هُنا فعل ماضي لكن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، يُمْكِن أن يُقالَ إن ﴿تَلَظَّى﴾ فعل ماضي مع أنَّها في الآية فعل مُضارع لأَنَّ أصلها تتلظى، لكن هُنا لا يُمْكِن أن نجعل (تتلقونه) فعلًا ماضيًا؛ لأَنَّ (تلقى) تَكُون فعلًا ماضيًا إِذَا جاءت مجرَّدَة نحو (تلقيتُ) الحَديث؛ ولأن الفِعْل الماضي لا تتَّصل به الواو والنُّون، بل الواو فقط لأَن النُّون من الأفْعال الخمْسَة المضارِعَة. وفي قَوْلهُ: ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ النُّون موجودة، فإِذَنْ هُنا لا يجوز أن تَكُون فعلًا ماضيًا فيقينًا أنَّه حذف منها إِحْدَى التاءين. ثم قَالَ المُفَسِّر ﵀: [و ﴿إِذْ﴾ مَنْصُوبٌ بِمَسَّكُمْ أَوْ بِأَفَضْتُمْ] اهـ. التَّقدير لمسُّكم ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ أو أفضتم ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾. ويُستفاد من كلام المُفَسِّر أن ﴿إِذْ﴾ هُنا اسم، وقد تقدَّم أن كثيرًا من المعربين يجعلون ﴿إِذْ﴾ التَّعليليَّة حرفًا لا اسمًا لأَنَّ المَعْنى من أجل كذا، فقَوْلهُ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ يعني أنَّه يرويه بعضُكم عن بعض، تلقى الشَّيء بمَعْنى استقبله وأخذه فهم يتلقَّوْنه بألسِنَتهم وَيقُولُونَ بأفواههم ما لَيْسَ لهم به علم. و(الباء) في قَوْلهُ: ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ للتَّعدِية، وأصل التَّلقِّي يَكُون بالسّمع في الحقيقَة لكن عبر به هُنا على أساس أنَّه بمجرَّد ما يتلقَّاه يفيض به.

стр. 78

لو قَالَ قَائِل: ما الفَرْق بين قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ وقَوْلهُ: ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾؟ الفَرْق بين قَوْلهُ: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ وقَوْلهُ: ﴿تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أن التَّلقِّي أخذه من الغير، مثل "تلقي الجَلَب" (١) يعني استقبالهم، فالتَّلقي استقبال الكَلام. وعبر بقَوْلهُ: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ ذَلِك لإلقاء الكَلام إلى الغير وفيه إِشارَة إلى أن هَذَا القَوْل لا يصل إلى الْقَلْب وإنَّما هو مُجرَّد كلام اللِّسَان وَذلِك لتشكك كثير من الصَّحابَة في هَذَا الخبر، وسبق أن جمهورَهم وفُضلاءَهم أنكروه من أول الْأَمْر. قَوْلهُ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ وفي هَذَا من التَّوبِيخ ما فيه و (أَفْوَاه) جمع (فَاه) وهو الفَمُّ، تقول بفمك ما لَيْسَ لك به علم. إذا قَالَ قَائِل: لماذا قَالَ: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ مع أن القَوْل لا يَكُون إلَّا بالفم؟ الجواب: لأنَّه مُجرَّد كلام باللِّسَان وبالفم لم يستقر في الْقَلْب، ولم يصل إلى قَرارة النَّفس؛ لأنَّه لَيْسَ عن علم؛ لأنهم وإن كانوا يَقُولُونَه لكن كأنهم يستبعدونه، مستريبون في حقيقته، وقد يُقالُ: إن هَذَا من باب التَّاكيد يُراد به تحقيق القَوْل وأنه لَيْسَ مُجرَّد ظن أو تخيل بل يَقُولُونَه صراحة بأفواههم، كما تقول: مشى برجله إلى فلان تحقيقًا للمشي، يعني أنَّه قَوْل محقق تقولونه قولًا صريحًا ولَيْسَ ظنًّا في النَّفس، فإن القَوْل يطلق على الظَّن. ومثله أيضًا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ومعْلُوم أن الطَّائر لا يطير إلَّا بجناحَيْه.

стр. 79

وقَوْلهُ: ﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما أكثر ما يقع هَذَا من النَّاس، وهَذَا يُفيد أن الْإِنْسَان لا يَقُول قولا إلا وله به علم، لا يكفي أن تقول قولًا لمجرد الظَّن ولا لمجرد الوهم أو التَّخيَّل، لا تقل خصوصًا في الْأُمُور الخطيرة إلَّا مالك به علم، ولهَذَا قَالَ اللهُ في سُورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني لا تتبعه ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فأنت مسْؤولٌ عن سمعِك وبصَرِك وقلْبِك الَّذِي هو محل الظَّن والاعتِقاد. إِذَنْ لا تقل ما لَيْسَ لك به علم، ولا تتَّبعْ ما لَيْسَ لك به علم، فلا بُدَّ من أن يَكُون الْإِنْسَان على علم، وهَذِهِ تربية من الله تفيد أن الْإِنْسَان يتثبَّت فيما يَقُول؛ ليَكُون قَوْلهُ معتبرًا؛ ولَيْسَلم من إثم القَوْل بلا علم، لا سيَّما إِذَا كَانَ القَوْل على الله، فإنَّه لا أحد أظْلَم ممَّن افترى على الله كذبًا أو كَانَ القَوْل في مثل هَذِهِ الْأُمُور الخطيرة الَّتِي فيها القَدْح بالنَّبيّ ﷺ وآل بيته وأصْحابه، وبالتالي القَدْح في الدِّين؛ لأنَّه إِذَا قُدح في الرَّسُول الَّذِي جاء به فهو قدح في نفس الدِّين الَّذِي أتى به هَذَا الرَّسُول المقدوح فيه. قَوْلهُ: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [لَا إثْمَ فِيهِ ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ فِي الْإِثْم] اهـ. في هَذِهِ الجُمْلَة من تعظيم هَذَا الْأَمْر ما فيها يعني تحسبون أن القَوْل في هَذَا الْأَمْر هينًا وأنَّها كَلِمات تُقال وتُنقل لكنَّه عند الله عَظِيم، ويتعاظَم كلما كَانَ الْإِنْسَان المقول فيه أبعدَ عما قِيلَ فيه، ولهَذَا قذف المحصن فيه الحدّ وقذف غير المحصن فيه التَّعْزِير، يعني لو قذف إنسانًا متهمًا بالزِّنَا ولَيْسَ عفيفًا عُزر، ولو قذف إنسانًا معْرُوفًا بالعِفَّة وجب فيه الحدّ كاملًا ولهَذَا قَالَ: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.

стр. 80

وقُلْنا: إنَّه يتعاظَم بحسَب حال المقْذُوف المتكَلَّم فيه، وكَذلِك إِذَا لم يكن الكَلام قذفًا يَكُون أعظم بحسَب حال القَوْل، ولهَذَا يَقُول الله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [العنكبوت: ٦٨]، فأعظم الكَذِب: الكَذِب على الله ثم على رسوله ﷺ ، وهَكَذا يتعاظم الكَذِب بحسب من نمى إلَيْه الكَلام. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن قلوبَهم لم تستقرّ بهَذَا القَوْل، ولم تطمئِنَّ به، بل هي أقوالٌ بالألسُن، لقَوْلهُ: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾. الفَائِدة الثَّانية: التَّحذِير من القَوْل على الله بلا علمٍ؛ لقَوْلهُ: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾. الفَائِدة الثَّالِثَة: التَّحذِير من صغائر الذُّنوب، لقَوْلهُ: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ ولهَذَا قَالَ أنس ﵁: "إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ إِنْ كُنَّا لَنَعُدَّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيّ ﷺ مِنَ المُوبِقَاتِ" (١). الفَائِدة الرَّابِعَة: أن الْإِنْسَان يحافظ على ما يقول في غيرِه مما يقْدَح فيه، وإن كَانَ هو لا يعتَقِده، بل هَذَا يَكُون أَشَدَّ؛ أي: أن يجمع الْاِنْسَان بين أن يقولَ شيئًا يعتقد أنَّه كذب وأيضًا يسيء إلى غيره. الفَائِدة الخَامِسَة: تحْرِيم القَوْلِ على الله بلا علمٍ، كما لقَوْلهُ: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ وهَذَا يشمل الفتوى والحُكْم والشَّهادة والأَخْبار الشَّائعة،

стр. 81

فالْإِنْسَان لا يَقُول إلَّا بعلم، ومثله تحْرِيم فتوى المقلد، ففتوى المقلد معْرُوف أنَّها حرام لأنَّها لَيْسَ عن علم، لكن إِذَا اضطر النَّاس ولم يجدوا إلَّا مقلِّدًا فماذا يصنعون؟ استفتاء المقلِّد خيرٌ من أن تستفتي إنسانًا جاهلًا لَيْسَ عنْدَه إلمام بالعلم أبدًا. وأيُّهما أقرب للصَّواب في نفسِك: أن تستفتِيَ مقلِّدًا أو أن تستفْتِي عاميًّا جالسًا في السَّوق يسُبُّ النَّاس؟ لا شكَّ أن المقلِّد أقربُ للصَّواب، فإذا لم نجد إلَّا مقلِّدًا فيكونُ الرُّجوع إليْه أفضلَ مِن أن نقول للنَّاس: لا تستفتوا، فيَبْقى هَؤُلَاءِ الجهال يُفتي بعضهم بعضًا. فلا شَكَّ أن المقلِّد خيرٌ من الْإِنْسَان العامِّيِّ إِذَا لم يكن سواه، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. الفَائِدة السَّادِسَة: ظن الشَّيء العَظِيم هينًا لا شَكَّ أنَّه من قُصور النَّظر؛ لقَوْلهُ: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * *

стр. 82

الآية (١٦) ° قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النور: ١٦]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [هَلَّا ﴿إِذْ﴾ حِينَ ﴿سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ﴾ مَا يَنْبَغِي ﴿لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ هُو للتَّعْجِيبِ هُنَا ﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾ كَذِبٌ ﴿عَظِيمٌ﴾] اهـ. ﴿لَوْلَا﴾ بمَعْنى (هلّا) وهي للتَّحضيض المشرب بالتوبيخ ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ الضَّمِير يَعود على الإِفْك ﴿قُلْتُمْ﴾ هَذَا جواب ﴿لَوْلَا﴾. قَوْلهُ: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ ﴿مَا يَكُونُ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [مَا يَنْبِغِي، وأعلم أن كَلِمة ﴿مَا يَكُونُ﴾ وكَلِمة (ما يَنْبَغِي) تأتي للشَيْء الممتنع، فعنْدَما نعبر في كتب الفِقْه بقولنا: لا يَنْبَغِي أن يفعل كذا وكذا، المُراد أن ذَلِك لَيْسَ بمُسْتَحبّ فقط. لكن عنْدَما تأتي (ما يَنْبَغِي) في كلام الله وكلام الرَّسُول ﵊ إنَّما يُراد بها الممتنع غايَة الامتناع الَّذِي لا يصِح ولا يَليق، كما في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، (ما يَنْبَغِي) يعني يمتنع غايَة الامتِنَاع ولا يَليق ولا يصِحّ، وكما في قَوْل النَّبِيّ ﵊: "إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ

стр. 83

أَنْ يَنَامَ" (١) المَعْنى: أنَّه ممتنع لا يليق ولا يصِح أن ينام لكمال حياته. عَلَى كُلِّ حَالٍ معنى قَوْلهُ: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ﴾ يعني ما يَنْبَغِي لنا أن نتكلَّم بهَذَا ولا يصِح منا أن نتكلَّم بهَذَا، وهو ممتنع لأنَّه لا يُمْكِن أن الله يجعل هَذَا الْأَمْر واقعًا من أهل النَّبِيّ ﷺ لا يُمْكِن أبدًا، يمتنع حسب ما تقْتَضِيه حِكْمَة الله أن الله يجعل هَذَا الْأَمْر واقعًا من أهل الرَّسُول ﷺ لما في ذَلِك من الْأَمْر الَّذِي لا يليق بحِكْمَة الله ، ولهَذَا قَالَ: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ لخطورة الْأَمْر وعِظَمه، قَوْلهُ: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾؛ لأَنَّ ذَلِك ينافي تنزيهك ولهَذَا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾. وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ هو للتعجُّب، هَذَا لَيْسَ بصحيح أنَّه للتَّعجُّب، فهم لا يتعجَّبُون مما قِيلَ، ولكنه للتنزيه البالغ؛ أي: ينزهون الله عما نُسب إلى أهله ﵊، يعني نُنزِّهك يا ربَّنا أن يقع هَذَا من أهل بيتِ رسُولِك ﷺ . فقَوْلهُ: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني تنزيهًا لك عما لا يلِيق بِك، ومنْه أن يقع مثل هَذَا من أهل النَّبِيّ ﷺ ، فكَلِمة (سبحانك) في هَذَا الموضِع من أحْسَن ما يَكُون، بل هي أحْسَن ما يَكُون في الحَقيقَة. قَوْلهُ: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [كَذِبٌ]؛ لأنَّه خلاف ما تقْتَضِيه حِكْمَة الله .

стр. 84

ولماذا وُصف بالعظم؟ لأَنَّ المقام في أهل بيت الرَّسُول ﷺ أيُّ بُهْتَان أعظم من بُهْتَان يَكُون فيه القَدْح بالنَّبيّ ﵊ وأهل بيته وأصْحَابِه، فهو بُهْتَان عَظِيم: واضح عظمه لو كَانَ هَذَا قذفًا لفلان أو لفلان أو لفلان كَانَ عَظِيمًا لكن لَيْسَ كعظم ما نُسب لأهل الرَّسُول ﷺ ، فلِذَلك وُصف بالعظم لأَنَّ محله أهل الرَّسُول ﷺ . مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن القَوْل إِذَا أطلق فالمُراد به القَوْل باللِّسَان؛ لقَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ وإذا قيد فالمُراد به حديث الْإِنْسَان نفسه مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨]. الفَائِدة الثَّانية: تنزيه فراشه ﵊ وأن حِكْمَة الله تأبى أن يقع ذَلِك في فراشه ﷺ ؛ لقَوْلهُ: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ فدل هَذَا على أنَّه لا يليق باللهِ أن يقع مثل هَذَا في فراش النَّبِيّ ﷺ وهَذَا الَّذِي جعلهم يَقُولُونَ: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ وَذلِك لأنَّه ينافي حِكْمَة الله . الفائِدة الثَّالِثَة: مُراعَاة المَصالِح العامَّة في الشَّرع والقَدَرِ أمر معْلُوم هَذَا بالنِّسْبةِ للوِلَاية والتَّدبير، فإذا كَانَ واليًا على أمر يَجب علَيْه أن يُراعِي المَصالِح، فتُقدَّم المَصالِح العامَّة في الشَّرْعِ، وتُقدم المَصالِح العامَّة كَذلِكَ في القدر، فالمطر ينزل وربما يفسد بعض المزارع الَّتِي لا يتناسب معها المطر ولكنه للمصلَحَة العامَّة نزل. أما نفس الْإِنْسَان هل يقدم مصلَحَة نفسه على مصلَحَة غيره في أمر لَيْسَ من باب الوِلاية والتَّدبير؟

стр. 85

الجواب: هَذَا يرجع إلى القواعد الشَّرْعِيَّة في ذَلِك، فقد يَكُون الْإِنْسَان مأمورًا بتقديم نفسه كما لو كَانَ عنْدَه طعام وعنده جياع وهو جائع فلا نقول: قَسِّم الطَّعام عليهم بل نقول: أبدأ بنفسك، والرَّسُول ﵊ يَقُول: "ابْدَأْ بنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" (١). وأحيانًا يَجب على الْإِنْسَان أن يقدم المصْلَحة العامَّة على مصلَحَة نفسه كما في المبارزة، ومثل ما حصل للرَّجُلِ المُؤْمِن الَّذِي قَالَ للملك: "إِذَا كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَني فَخُذْ سَهمًا مِنْ كِنَانَتِي ثُمَّ ارْمِني بِهِ وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الغُلَامِ" (٢) فقتل نفسه لكن لمصلَحَة الدِّين. الفَائِدة الرَّابِعَة: وصف الله أو ذكره يَنْبَغِي أن يذكر في كُلِّ محل بما يناسبه، فعنْدَما يَكُون الْأَمْر يقْتَضِي انتقاص الله نأتي بالتَّسبيح، وعنْدَما يَكُون الْأَمْر موجبًا لإظهار فضل الله ورحمته نأتي بالحمد وعنْدَما يشعر الْإِنْسَان في نفْسِه بعلو يأتي بالتكبير، ولهَذَا كَانَ الصَّحابَة ﵃ إِذَا علوا نَشزًا كبروا وإذا نزلوا واديًا سبحوا (٣)، فالْإِنْسَان عنْدَما يعلو يشعر في نفْسِه بالكبرياء فيكبر الله، وعنْدَما يهبط، فيقْتَضي أن يسبح الله لينزهه عن السُّفول.

стр. 86

الآية (١٧) ° قَالَ اللهُ : ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ [النور: ١٧]. * * * قَوْلهُ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [يَنْهَاكُمْ] اهـ. الْأَمْر والنَّهي مَوْعِظَة؛ ولهَذَا قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ثم قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: ٥٨]، فجعل الْأَمْر مَوْعِظَة؛ لأَنَّ الْإِنْسَان يتعظ بها، هكذا هُنا ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحذركم الله بالمَوْعِظَة والتَحذِير متضمن للنهي. وعلى هَذَا فيَجب أن نعرف أن قَوْل المُفَسِّر: [يَنْهَاكُمْ] لَيْسَ تفسيرًا لها بمقتضى اللَّفْظ ولكن بما يدُلّ علَيْه المَعْنى، وإلا فالمَوْعِظَة هي التَّحذِير بما يلين الْقَلْب تخويفًا أو ترغيبًا. قَوْلهُ: ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أي: من أن ترجعوا لمثله أبدًا يعني ما دمتم أحياء. قَوْلهُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هل هي شرط للمَوْعِظَة أي: لـ (يعظكم) أو جملة مستقِلَّة والتَّقدير "إن كنتم مُؤْمِنِينَ فاتعظوا بِذَلِك" يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَتَّعِظُونَ بِذَلِكَ] اهـ.

стр. 87

هَذِهِ الجُمْلَة في الحَقيقَة إن قلت: إنَّها شرط في قَوْلهُ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾ فإنَّه يَجب أن نؤول المَوْعِظَة هُنا بالمَوْعِظَة النَّافعة لا بمجرد ذكر المَوْعِظَة؛ لأَنَّ المَوْعِظَة لا تنفع إلَّا بشرط الإِيمَان. وأمَّا إِذَا قُلْنا: إن المَوْعِظَة بَيان لما يتعظ به المرء فلَيْسَ الإِيمَان شرط في ذَلِك، فإن مَوْعِظَة الله مُلقَاة لكلِّ أحدٍ سواء كَانَ مؤمنًا أم غير مُؤْمن، ولكن لا ينتَفِع بها إلَّا المُؤْمِنُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ هَذَا عام ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. فالحاصِل: أن قَوْلهُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كَانَت قيدًا في قَوْلهُ: ﴿يَعِظُكُمُ﴾ فالمُراد بالمَوْعِظَة المَوْعِظَة النَّافعة فإنَّها هي الَّتِي تنفع المُؤْمِن، أو نقول: إن كَانَت المَوْعِظَة إلقاءُ ما به الوعظ للنَّاس سواء انتفعوا أم لم يَنْتَفِعوا فإن قَوْلهُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مستقلَّة وجوابها محذوف؛ أي: إن كنتم مُؤْمِنِينَ فاتَّعِظوا بما وعظكم اللهُ به، وعلى كلا الاحتمالَيْن فيه إِشارَة واضِحة على أنَّه لا يَنْتَفِع بمَوْعِظَة الله إلَّا المُؤْمِنُ، أما غير المُؤْمِن فإنَّه لا يَنتفِع. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: تحذير المُؤْمِنِينَ أن يقع منهم هَذَا العَمَل. الفَائِدة الثَّانية: أن الوقوع في مثل هَذَا ينافي الإِيمَان؛ لقَوْلهُ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا﴾ يعني يعظكم من العود ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ثم قد ينافي كماله أو أصله حسب ما تقْتَضِيه الحال. الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الإِيمَان منه أعمال ينتَفي بانتفائِها؛ لأَنَّ الله جعل هَذِهِ الأَشْيَاء منافية لِلْإيمَانِ.

стр. 88

لو قَالَ قَائِل: هل يُمْكِن إِثْبات القياس من قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾؟ الجواب: المُراد بقَوْلهُ: ﴿لِمِثْلِهِ﴾ أي: لمثل هَذَا الكَلام أو لهَذَا الكَلام على أي صُورَة كَانَ سواء جاء بصُورَة القَذْف الَّذِي وقع لعَائِشَة ﵂ أو بصُورَة أُخْرَى لكنَّه قَذْف، فهو نفس الشَّيء، ومثل هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وكقولهم: "مثلك لا يبخل" فإِثْبات القياس من هَذِهِ الآية لَيْسَ بوجيه. الفَائِدة الرَّابِعَة: أن المُؤْمِن هو الَّذِي يَنْتَفِع بالمَوْعِظَة أما غيره فإنَّه لا يَنْتَفِع؛ لقَوْلهُ: ﴿يَعِظُكُمُ﴾ وقَوْلهُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. الفَائِدة الخَامِسَة: فضل الله ورحمته بالعباد حيث كَانَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعالي يعظهم عما يضرهم وينافي إيمانهم، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي يَعِظُك وُيرشدُك وَينْصحُك له فضل عَليْك. * * *

стр. 89

الآية (١٨) ° قَالَ اللهُ - عَزَوَجلَّ -: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾ [النور: ١٨]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [في الْأَمْر وَالنَّهْي ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ ﴿حَكِيمٌ﴾ فِيهِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿يُبَيِّنُ﴾ بمَعْنى يظهر و ﴿الْآيَاتِ﴾ بمَعْنى العلامات الدّالة علَيْه- وقد تقدَّم أن ﴿الْآيَاتِ﴾ تنقسم إلى كونيَّة وشرعيَّة. فالآيات الْكَوْنِيَّة: هي ما خلقه الله في الكون وقَدَرِه كالليل والنَّهار والشَّمس والقمر، وهَذِهِ ظاهرة للمُؤْمِنِينَ وغيرهم فهم يعرفون أن هَذِهِ آيَات لا يسْتَطيع البشر أن يأتوا بمثلها. والآيات الشرعيَّة: لا تتبين وتظهر إلَّا للمُؤْمِنِينَ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ماذا؟ ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. فالآيَات الشَّرْعِيَّة الَّتِي تضمنها وحيه المنزل على رسله سواء القُرْآن أو غير القُرْاَن لا يَستَفِيد منها إلَّا المُؤْمِن، أما الكافر والعِيَاذ باللهِ فإنَّه يَزدَاد بها رجسًا إلى رجسه ويموت على كفره، والآيَات الْكَوْنِيَّة حَتَّى غير المُؤْمِنِينَ باللهِ -يعني غير المنقادين والمذعنين لشرائعه- يؤمنون بأن مثل هَذِهِ الْأُمُور لا يُمْكِن

стр. 90

لبشر أن يأتي بها على اختلاف مشاربهم. والحَقيقَة عند التأمل ربَّما يُقالُ: حَتَّى الآيات الْكَوْنِيَّة ربَّما يعمى عنها بعض النَّاس؛ لأَنَّ من النَّاس من يظن أن هَذِهِ الآيات لَيْسَت ناتجة أو لَيْسَت من فعل خالق، وإنَّما هي طبائع تتفاعل ويتولَّد بعضها من بعض وبدون أن يَكُون لها مدبر أو خالق، وعلى هَذَا فتكون أيضًا الآيات الْكَوْنِيَّة كالآيات الشَّرْعِيَّة خلافًا لما قررناه سابقًا. لهَذَا نقول: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يُظهرها حَتَّى تَتَبيّن، ولا فرق في ذَلِك بين الآيات الْكَوْنِيَّة والآيات الشَّرْعِيَّة، ولهَذَا لما خسفت الشَّمس في عهد الرَّسُول ﵊ ماذا قَالَ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ" (١). حَتَّى خسوفهما من آيات الله لأنَّه لو أن البشر كلهم اجتمعوا على أن يكسفوا الشَّمس لا يستطيعون، فإِذَنْ الكُسوف من آيات الله لأَنَّ معنى الآية هو ما يدُلّ على ما كَانَت آية له، بمَعْنى أنَّها لا يُمْكِن أن يأتي بها أحد سوى من كَانَت آية له. قول المفسر ﵀: [في الْأَمْر والنَّهْي] كأنه حملها على الآيات الشَّرْعِيَّة، والحقيقَة أنَّها شاملة للآيات الشَّرْعِيَّة والآيات الْكَوْنِيَّة. وقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي ذو علم واسع شامل فيما يَتعلَّق بفعله وفيما يَتعلَّق بفعل المخْلُوقين، فالله عليم بما كَانَ وبما سيَكُون من فعله ومن فعل المخْلُوقين، و ﴿حَكِيمٌ﴾ سبق أنَّها مشتقة من الحكْمَةِ والحُكْم، وموضع الحكْمَةِ ومحلها الشَّرع والقَدَر، ففي الشَّرع كُلُّ ما شرعه الله فإنَّه مطابق للحكمة.

стр. 91

وأيضًا في القدر، كُلُّ ما خلقه الله فهو مطابق الحكْمَةِ، أما الحكْمَةُ نفسها فتكون في ثلاثة أشْيَاء: في الإِيجَاد والصُّورَة والغَايَة، فإيجاد الشَّيء حِكْمَة لَوْلا أن الحِكْمة في وجوده ما وُجد، وكونه على هَذَا الشَّكل المعين أو بهَذ الصُّورة المعينة هو أيضًا حِكْمَة، والغَايَة منه أيضًا حِكْمَة قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥]. إذا ضربنا اثنين: (الشَّرع والقدر) في ثلاثة: (في الإِيجَاد أو في الصُّورَة أو في الغَايَة) يَكُون الجميع ستة. أما الحُكْم فإنَّه ينقسم أيضًا إلى قِسْمَيْن: كوني وشرعي، مثال الشَّرعي قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، هَذَا حكم شرعي ولَيْسَ كونيًّا لأنَّه ذكره بعد أَنْ قَالَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة: ١٠] هَذَا شرعي لأَنَّ هَذِهِ الْأُمُور الَّتِي سبقت كلها تَشْريعات. ومثال الكَوْنِيّ قَوْل أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠]. إذا كَانَ الحُكْم كونيًّا أو شرعيًّا مطابقًا للحكمة فهل يَلْزَم أن نعرف هَذِهِ الحِكْمة أو لا يَلْزَم؟ الجواب: لا يلْزَم، لكن يَجب علَيْنا أن نُؤْمِن بأنه ما من شَيْء أوجده الله أو شرعه إلا وله حِكْمَة، لكنَّنا لقُصورنا يخفى علَيْنا كثير من هَذِه الحِكَم.

стр. 92

مِن فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أنَّه يَنْبَغِي للمُؤْمن إِذَا خفي علَيْه شَيْء أن يتأمَّل لأَنَّ الآيَات مبينة وظاهرة، فمثلًا إِذَا خفي عَليْك حكم شَيْء من كتاب الله فأعد النَّظر لأَنَّ الله قَالَ: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾ فالآيات مبينات، وخفاؤها على الْإِنْسَان في بعض الأَحْيان يدُلّ على قُصوره إمَّا في العِلْم أو الفَهْم أو التدبير. الفَائِدة الثَّانية: بَيان الآيات للْكافِر والمُسْلِم، فالآيات ظاهرة لكل أحد للْكافِر والمُسْلِم، والآيات الشَّرْعِيَّة لا تبيّن ولا يَنتفِع بها إلَّا المُؤْمِنون، أما الْكُفَّار فإنهم يَقُولُونَ هَذِهِ أساطير الأولين لأَنَّه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، فلم يعرفوها وقد تقدَّم هَذَا في التفسير. الفَائِدة الثَّالِثَة: إِثْبات الصِّفات والأَسْماء لأَنَّ ﴿عَلِيمٌ﴾ من أَسْماء الله -جَلَّ وَعَلَا- و ﴿حَكِيمٌ﴾ من أسْمَائِه أيضًا وهما متضمنان لصفتين: العِلْم والحِكْمة. لو قَالَ قَائِلٌ: هل يُمْكِن أن نثبت أَسْماء الله من مُجرَّد الفِعْل؟ الجواب: لا يجوز إِثْبات الاسْم من مُجرَّد الفِعْل، ولِهَذَا لا يُمْكِن أن نثبت أن الله ماكر من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، فما جاء بِصيغَة الفِعْل يبقى على الفِعْل، وما جاء بِصيغَة الاسْم هو الَّذِي يُمْكِن أن يؤخذ منه الفِعْل، فالسَّميع يُمْكِن أن نأخذ منه أن الله يسمع. * * *

стр. 93

الآية (١٩) ° قال اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾ [النور: ١٩]. * * * قَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِاللِّسَانِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قُلْنا: إن مثل هَذَا التَّرْكيب أي: كونه يأتي بالجُمْلَة على جملتين يُفيد ذَلِك التَّأكيد انظر ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لم يقل: "إن للذين يحبون أن تشيع الْفَاحِشَة عَذاب" بل جعلها جملتين صُغرَى وكُبْرَى، فقَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ جملة وقَوْلهُ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هَذِهِ الصُّغْرى، سميت صُغرَى لأنَّها قائمة مقام الاسْم المفرد إِذْ هي خَبرُ، والأَصْل في الخبر أن يَكُون مفردًا. تقول مثلًا: "الطالب فاهم" فاهم خبر المبتدأ وهو مفرد، وتقول: "الطالب له فهم" صَارَ الخبر جملة، والجميع جُملتان كُبْرَى وهو مجموعهما، وصُغرَى وهي الجُمْلَة الَّتِي صَارَت خبرًا. فـ ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى إِعْرابها اسم (إنّ) فهي في محل المبتدأ ﴿يُحِبُّونَ﴾ صلة الموصول ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مفعول يحبون ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم و ﴿عَذَابٌ﴾ مُبْتَدَأ مؤخر والجُمْلَة خبر (إنّ).

стр. 94

وهَذَا يُفيد التَّوكيد، فهَذ الجُملَة أوكد مما لو قِيلَ: إن للذين يحبون أن تشيع الْفَاحِشَة عَذابًا أليمًا، مثلًا هَذَا أبلغ لأنَّها تَكُون كأنَّها جملتان مكررتان. قَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ اسم من الأَسْماء المَوْصولَة، ومعْرُوف في علم الأصول أن الاسْم الموصول يُفيد العُموم، فيَكُون قَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ عامًّا. وقَوْلهُ: ﴿تَشِيعَ﴾ بمَعْنى تَنتشرُ وتَظهرُ، وقول المُفَسِّر ﵀: [باللِّسَان] هَذَا تفسير للشُّيوع يعني تَشِيعُ بالقَوْل وتظهر ويتداولها النَّاس، ولكن الأظهر أنَّها أَعمُّ من الشُّيوع باللِّسَان وأنَّها تشيع بالفِعْل بحيث يشاهدهم النَّاس، وبالقَوْل بحيث يشاع عنهم ذَلِك، فهَؤُلَاءِ ﴿الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ سواء يحبون أن تشيع بالقَوْل -كما أشار المُفَسِّر ﵀ باللِّسَان- أو يحبون أن تشيع بالفِعْل بمَعْنى أن يظهر أمرهم ويتبَيَّن ويُرَون ويُشَاهَدون. وقول المُفَسِّر ﵀: [بِنِسْبَتِهَا إِلَيْهِمْ] اهـ. هَذَا بناء على أن المُراد بالشّيوع: شيوع اللِّسَان، والأصح أنَّه أعم أي بنسبتها إلَيْهم فيما يُقَالُ فيهم أو برؤيتها منهم فيما فعلوا. وقول المُفَسِّر ﵀: [وَهُمُ العُصْبَةُ] اهـ. هَذَا لَيْسَ بصحيح لأنَّه أَرَادَ أن يفسر العامّ بالخاصِّ لأَنَّ ﴿الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ هل هو خاص بالعصبة الَّذينَ جاءوا بالإِفْك أو عامّ في كُلِّ أحدٍ؟ الجواب: عَامٌّ في كُلِّ أحدٍ إلى يوم القِيامَة حَتَّى مثلًا من أحب أن تشيع الْفَاحِشَة في المُؤْمِنِينَ في زمنه فهو داخل في هَذِهِ الآية، وتَخْصِيص الآية بشَيْء لا دَليل علَيْه هَذَا لا يجوز، وقد قَالَ أهْل العِلْم: إن العبرة بعُموم اللَّفْظ لا بخصوص السَّبب.

стр. 95

ويَجب أن نعرف أن صُورَة السَّبب قَطْعيَّة الدخول لأنَّه لا يُمْكِن أن نخرجها عن العُموم وهو وارد من أجلها، يعني أنَّه إِذَا ورد لفظ عام على سبب خاص فإن السَّبب الَّذِي وردت من أجله قطعيّ الدخول في هَذَا العامّ وغيره من أفراد العُموم لَيْسَ قطعيًّا ولكنه ظاهر فيه. وبَيان ذَلِك أن دَلالَة العامّ على كُلِّ فرد من أفراده دَلالَة ظنية يعني لَيْسَت قطعًا إِذْ يجوز أن يَكُون بعض الأفراد قد خصص بحكم يخالف هَذَا العُموم، ولهَذَا نقول: دَلالَة اللَّفْظ العامّ على عمومه ظنية؛ لاحتمال أن يَكُون بعض أفراده قد خص إلَّا صُورَة السَّبب، أي: الصُّورة الَّتِي هي سبب هَذَا العُموم هي قطعية الدُّخول؛ كما تقدَّم. فمثلًا لو قَالَ قَائِل: قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، هَذِهِ الآية لا يدخل فيها أوس بن الصَّامت الَّذِي ظاهر من زَوْجَته وهو سبب النُّزول ماذا نقول له؟ نقول: هَذَا غير صحيح قطعًا هو داخل. ولو قَالَ قَائِل: إن الرَّجل الَّذِي رآه النَّبِيّ ﷺ قد ظلل علَيْه والنَّاس حوله وهو صائم في السَّفَر فقَالَ النَّبِي ﷺ : "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" (١)، لو قَالَ قَائِل: هَذَا الرَّجل لا يدخل في هَذَا الحَديث؟ الجواب: نقول: غير صحيح ولا يُمْكِن لأَنَّ الصُّورة الَّتِي هي سبب العُموم

стр. 96

قطعية الدُّخول وغيرها لَيْسَ قطعيًّا لكنه ظني. المُفَسِّر ﵀ الآن فسر هَذَا العامّ بالخاصِّ، وهَذَا لا يجوز، فإذا وجد لفظ عام يَجب الأخذ بِعُمومِه وإن كَانَ دلالته على جميع أفراده كما تقدَّم ظنية، لكن يَجب الأخذ بِعُمومِه حَتَّى يرد دَليل على التَّخْصِيص، فنقول: هَذِهِ الآية عامَّة في العصبة وغيرها. قَوْلهُ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِالحَدِّ للقَذْفِ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بِالنَّارِ لحق اللهِ]. اهـ. وفي نسخة: (بِحَدِّ القَذْفِ) والمَعْنى واحد، نعم ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ من عَذاب الدُّنْيَا ما ذكره المُفَسِّر ﵀ وقد يَكُون لهم عَذاب أَشَدّ، لكن الآن المتبادر أن الْعَذَاب الأليم في الدُّنْيَا هو العُقوبَة والعَذاب كما أشرنا إلَيْه سابقًا معناه العُقوبَة و ﴿أِليم﴾ بمَعْنى مؤلم، وأمَّا عَذاب الْآخِرَة فهو عند الله أيضًا. وقول المُفَسِّر ﵀: [أنَّه الحْدّ للْقَذْفِ وَعَذَابُ الْآخِرَة لحق اللهِ] هَذَا يشكل علَيْه أنَّه قد ثبت عن رَسُول الله ﷺ أن من أصاب من هَذِهِ الذُّنوب شيئًا وعوقب علَيْه في الدُّنْيَا كَانَ كَفَّارة له (١)، ولهَذَا قالوا: إن الحُدُود كَفَّارة لأصْحابها، الحُدُود كحدّ الزِّنَا وحدّ السَّرقة وغيرها، إِذْ إن الله تَعَالَى لا يجمع علَيْه عقوبتين. لو قَالَ قَائِلٌ: الحَديث عامٌّ والآية خاصَّة؟ الجواب: الحَديث عامٌّ على عُمومه، والآية ظَاهِرها أنَّه يجمع له بين الْأَمْرين،

стр. 97

والحديث يدُلّ على أنَّه لا يجتمع له الْأَمْران، والتَّوفيق بينهما أن نقول: إنه إِذَا فاته عَذاب الدُّنْيَا أصيب بعَذاب الْآخِرَة. الحاصل أن الحَديث في الحُدُود الشَّرْعِيَّة، لكن محبَّة إشاعة الْفَاحِشَة أو شيوع الْفَاحِشَة لَيْسَ هو القَذْف الموجب للحد، هَذَا إنما يوجب التَّعْزِير، والتَّعْزِير قد يختلف ويصير هَؤُلَاءِ مستحقون للعَذاب في الْآخِرَة، يعني قد لا يعزرون ويتخلف التَّعْزِير بسبب من الأَسْباب. وأما عَذابهم في الْآخِرَة فباق، يعني لو تخلف عَذاب الدُّنْيَا لم يتخلف عَذاب الْآخِرَة، على أن المُراد بالْعَذابِ قد يَكُون ما هو أعم من الجلد وشبهه فقد يَكُون الْعَذَاب بأن يُجعل في قلبه ألمًا وحزنًا وقلقًا وما أشبه ذَلِك. فعلى هَذَا نقول: إن الآية هَذه فيمن يحب أن تشيع الْفَاحِشَة لا فيمن أشاعها، لكن هل علَيْه حدٌّ في الدُّنْيَا أعني الَّذِي يحب أن تشيع الْفَاحِشَة فقط مع أنَّه هو ما أشاعها؟ نعم لَيْسَ علَيْه حد؛ لأَن مُجرَّد محبَّة الْإِنْسَان لشيوع الْفَاحِشَة في المُؤْمِنِينَ لَيْسَ بِقَذْف، فلا يُقام علَيْه الحد، لكن يُعذب أو يُعاقب بما يسميه أهْل العِلْم التَّعْزِير. فالتَّعْزِير يردعه وأمثاله عن هَذَا العَمَل، فإذا أُقيم علَيْه الحدّ لمعصية من المعَاصِي فإنَّه يَكُون كفارة له كما ثبت ذَلِك عن رَسُول الله ﷺ ، فالحد يَجب إقامته؛ لأَن الحُدُود فرائض لا بُدَّ من إقامتها، والتَّعْزِير بعض العُلَماء يَقُول: لا يَجب، ومنهم من يرى أنَّه يرجع إلى اجتهاد الْإِمَام، فالْإِمَام إِذَا رأى أنَّه لا يُقام فلا يقيمونه، فإذا فرضنا أن الْإِمَام اجتهد سواء أخطأ في اجتهاده أم أصاب ولم يُقِم الحدّ علَيْه هَذَا معناه أنَّه يُعاقب في الْآخِرَة ولابُدَّ.

стр. 98

لو قَالَ قَائِل: إِذَا عُزِّر بمحبته للْفَحْشَاء هل يُعذب في الْآخِرَة؟ الجواب: إِذَا عُزِّر بمحبته للْفَحْشَاء فلا يُعذب في الْآخِرَة؛ لأَن الله لا يجمع بين عقوبتين على العَبْد بذنب واحد، لكن إِذَا فاته التَّعْزِير إما لكون الحاكم اجتهد أو لكونه أخفى نفسه أو ما أشبه ذَلِك يبقى عَذاب الْآخِرَة. لو قَالَ قَائِل: كَيْفَ نعرف أنَّه يحب أن تشيع الْفَاحِشَة؟ الجواب: نعرف أنَّه يحب أن تشيع الْفَاحِشَة إما بإظهاره كأنْ يقولَ: عسى الله يبين عورة فلان؛ لأنَّه إن أشاعها هو بنَفْسِه صَارَ مشيعًا، وإن كَانَ ما أشاعها فهو يحب ذَلِك، وأيضًا نعرف أنَّه يحب بأن يتتبع النَّاس ويقول: ماذا قالوا في هَذَا؟ ماذا عملوا؟ لو قَالَ قَائِل: هل التَّعْزِير يُكفِّر الذُّنوب؟ الجواب: لو عزره الأمام فإننا نقول: بمقتضى أن الحَدّ يكفر؛ فالتَّعْزِير يكفر أيضًا إِذَا كَانَ مستوفيًا؛ لأَن حَقِيقَة الْأَمْر أن الْإِمَام بالنِّسْبَةِ للتعزير قد يتركه إطلاقًا مع وُجوبه وقد يفعله مع التهاون وقد يفعله على وجه الكمال، بمَعْنى أنَّه يعاقب هَذَا المعتدي عُقوبَة تامَّة تَكُون كالحد الشَّرعي؛ لأننا نعلم أن الحَدّ الشَّرعي عُقوبَة تامة لأنه من الله، لكن التَّعْزِير قد ينقص عن مقابلة الذَّنب أو الجرم فيَكُون ناقصًا وقد يَكُون مساويًا ويَكُون تامًّا، وقد لا يُؤاخذ به الْإِنْسَان إطلاقًا، كأن يَكُون الحاكم مثلًا إما ظالم أو له قرابة مع هَذَا الشَّخص فيحابيه. لو قَالَ قَائِلٌ: إِذَا كَانَ هَذَا الوعيد فيمن يحبون أن تشيع الْفَاحِشَة في المُؤْمِنِينَ فكَيْفَ يَكُون حال من أشاع الْفَاحِشَة؟

стр. 99

الجواب: الَّذِي يشيع أَشَدّ من الَّذِي يحب أن تشيع لأَن الَّذِي يشيع يحب ويفعل، إِذْ ما أشاع الشَّيء إلا لمحبَّته لشيوعه فيَكُون قد أحب وفعل، والَّذِي أَحَبَّ قد لا يفعل ومع ذَلِك له عَذاب أليم. قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [انْتِفَاءَهَا عَنْهُمْ ﴿وَأَنْتُمْ﴾ أَيُّهَا العُصْبَة بِمَا قُلْتُمْ مِنَ الإِفْكِ ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ وُجُودهَا فِيهِمْ] اهـ. قول المُفَسِّر ﵀: [﴿يَعْلَمُ﴾ انْتِفَاءَهَا عَنْهُمْ] سواء هَذَا أو قصة أُخْرَى لأَن الصَّحيح العُموم، يعني انتفاء الْفَاحِشَة الَّتِي أحب هَؤُلَاءِ أن تشيع في المُؤْمِنِينَ يعلم أنَّها لَيْسَت فيهم أو أنَّها فيهم. قَوْلهُ: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هَذَا النَّفي هل هو على إطلاقِه، يعني لا تعلَمون شيئًا أو لا تعلَمون ما يعلمُه الله؟ الجواب: الأَخِير، يعني لا تعْلَمُون ما يعلَمُه الله وإلا فعند الْإِنْسَان علم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، لكن لا تعْلَمُون ما عند الله من العِلْم، ولا تعلَمُون كعِلْم الله لأَن عِلْم الله واسع شامل تام. وعِلْم الْاِنْسَان قاصِر ناقص محدود بخلاف علم الله ، وفي هَذَا إِشارَة إلى أنَّه لا يجوز لِلإنْسان أن يتكلم بمثل هَذه الْأُمُور حَتَّى يَكُون لديه علم، وإذا كَانَ لديه علم أيضًا فإنَّه يَجب أن يتبع المَصالِح في ذَلِك. لو فرَضْنا أنِّي أدْرِي أن هَذَا الرَّجل أصاب فاحِشَةً فهل من المسْتَحْسَن أن أرفعها إلى الْإِمَام لتبين وتبرز أو من المسْتَحْسَن ألا أرفعها؟

стр. 100

الجواب: هَذَا يَتعلَّق بالمصلَحةِ إِذَا كَانَ هَذَا الَّذِي وقعت منه الْفَاحِشَة رجلًا معْرُوفًا بالعفة وبالصَّلاح وأن الْأَمْر بدر منه هكذا هفوة فإنَّه لا يَنْبَغِي أن يرفع إلى الْإِمَام ويُشْهر بل يُسْتر علَيْه ويُنصح، وإذا كَانَ الرَّجل معْرُوفًا بالشَّرّ والفَسَاد كَانَ من الواجب أن يبين أمره ويظهر ويشهر. ومثل ذَلِك أيضًا مَسْأَلة العَفو عن الجناة هل العَفو أولى من الأخذ بالحقِّ أو الأخذ بالحقِّ أولى من العَفو؟ ينبني على هَذَا التفصيل إِذَا كَانَ في العَفو صلاح فالعَفو أفضل، وإلا فالأخذ بالحقِّ أفضل. وكل الآيات الَّتِي تندب إلى العَفو مقيدة بقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، فقيد الله تَعَالَى العَفو بالإصْلَاح وأيضًا من النَّاحية المعنويَّة يُقالُ: العَفو إحسان، والإصْلَاح واجب، أي: وطلب الإصْلَاح واجب، وإذا تعارض الواجب والإحسان يُقدم الواجب. فعلى هَذَا إِذَا تعارض إصلاح الخلق أو العَفو عن هَذَا المجرم نقول: إن الإصْلَاح أولى لهذَا المجرم، ولو عفوت عنه ذهب يفعل إجرامًا بغيرك، وإذا عفا آخر يذهب يفعل إجرامًا آخر وهَكَذا، فنقول: لا يَنْبَغِي العَفو هُنا إن لم نقل بتحْرِيمه، وعلى هَذَا يتنزل فعل بعض النَّاس. فبعض النَّاس إِذَا صدمه إِنْسَان مثلًا أو صدم له مالًا أو صدم له نفسًا تجده يبادر بالعَفو وهَذَا خطأ عَظِيم، فالواجب النَّظر هل هَذَا الرَّجل الَّذِي تهَوَّرَ مثلًا وصدم هَذَا الآدمي أو هَذ البهيمة أو هَذَا المال وأفسده هل هو إِنْسَان متهوِّر شرير، فإن كَانَ كَذلِكَ فإنَّه لا يَنْبَغِي العَفو عنه، وهل أيضًا من المصْلَحة أن نعفو عنه؟ أو ربما إِذَا عفونا أصبح النَّاس لا يبالون بهَذَا الشَّيء.

стр. 101

ولو أن كُلَّ من جرى منه مثل هَذَا الْأَمْر هُدِّد وحُبس وغُرِّم المال لم يكن النَّاس على هَذَا الوجه الَّذِي نرى الآن، لكن مع الأسف أن بعض الإخوان تجده تأخذه العاطفة ويأخذه الزهد في الدُّنْيَا أمام الصَّدمة العَظِيمَة الَّتِي أصابته ثم يبادر ويسمح، عنْدَما يُصاب بهَذه المصيبة الفادحة ترخص الدُّنْيَا كلها عنْدَه يَقُول مثلًا: إِذَا راح عزيزي لا يهمني، الدُّنْيَا كلها صَارَت عندي لَيْسَت بشَيْء، ثم يبادر ويسمح وهَذَا خطأ، فالواجب التعقل. ولهذَا الحَقيقَة أن الأخذ بالعاطفة دون العَقْل من شيم النِّساء ولَيْسَ من شيم الرِّجَال ولا من شيم أهل الإصْلَاح أيضا، فإن الواجب في هَذه الْأُمُور أن ينظر ما هو الأَصْلح بالنِّسْبَةِ لهَذَا الشَّخص الخاص وبالنِّسْبَةِ للعموم. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن محبَّة الخَيْر للمُسْلِمين ودفع الضرر والفَواحِش عنهم فيه ثواب؛ لأنه إِذَا كَانَ في محبَّة الْفَاحِشَة عَذاب عَظِيم ففي كراهة شيوع الْفَاحِشَة ثواب، ويكن أن نأخذ هَذَا من قَوْل الرَّسُول ﷺ : "وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ"، قَالُوا: أَوَ يأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيكُونُ لَهُ أَجْر؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ، كَذَلِكَ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ كَانَ لَهُ أَجْرٌ" (١) يعني يُؤخذ القياس من العكس. الفَائِدة الثَّانية: أنَّ مَنْ أَشَاعَ فاحشة فله عَذاب عَظِيم في الدُّنْيَا والْآخِرَة أو ثبوت هَذَا العقاب لمن أشاع الْفَاحِشَة لأنه إِذَا ثبت فيمن أحبها فكَذلِكَ فيمن أشاعها مِنْ بَابِ أَوْلَى.

стр. 102

الفَائِدة الثَّالِثَة والرَّابِعَة: التَّحذِير من محبَّة إشاعة الفَواحِش، ولَيْسَ المَقْصُود من ذَلِك الإخبار بأنهم يُعذبون بل المَقْصُود من ذَلِك التَّحذِير من محبَّة الْفَاحِشَة في المُؤْمِنِينَ فكَيْفَ بمن يشيعها بنَفْسِه. لو قَالَ قَائِل: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هل المُراد أن يشيع فعلها وتكثر الفَواحِش في المُؤْمِنِينَ أو المُراد أن يشيع خبر الْفَاحِشَة؟ الجواب: كلاهما صحيح، وإن كَانَ المَعْنى الأَخِير لم يخطر على بالي أن المُراد من انتشار الْفَاحِشَة أن يشيع فعلها، لكن لو قَالَ قَائِلٌ: إنه هو ظاهر اللَّفْظ في قَوْلهُ: ﴿تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ ولم يقل: خبرها، وإشاعة خبرها يؤخذ من سِيَاق القصَّة؛ لأَن القَضيَّة فيمن جاءوا بالإِفْك أي فيمن أشاعوا الخبر، لكن قطعًا هَؤُلَاءِ الَّذينَ أشاعوا الخبر يحبون أن تشيع الْفَاحِشَة بين المُؤْمِنِينَ ولِذَلك نشروها فيَكُون ذَلِك مقياسًا لغيرهم. فعَلَى كُلِّ حَالٍ يظهر أنَّ الآية عامَّة لهَذَا ولهذَا، أن يشيع خبرها وتنتشر إِذَا فُعلت وأن يشيع فعلها وتكثر الفَواحِش في المُؤْمِنِينَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ الَّذينَ يحبون هَذَا وهَذَا ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أليمٌ فِي اَلدُّنيَا وَالآخِرَةِ﴾ ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧]، لكن لما كَانَ عَذاب الْآخِرَة أَشَدّ من جهة تأْثِيره على الْإِنْسَان فيَجب على المُؤْمِن أن يَكُون شعوره بعَذاب الْآخِرَة أَشَدّ من شعوره بعَذاب الدُّنْيَا، لكن لضعف إيماننا نشعر بعَذاب الدُّنْيَا أكثر مما نشعر بعَذاب الْآخِرَة، ولهذَا يذكر الله عَذاب الدُّنْيَا لأنَّه مباشر لِلإنْسان ويُمْكِن أن يؤثر علَيْه أكثر مع ضعف إيمانه.

стр. 103

قد احترقت طائرة قريبًا فعندنا يتصوَّر الْإِنْسَان نفسه أنَّه من أصْحاب هَذه الطائرة الَّتِي احترقت وأغلقت عليهم الأبواب وهم يتصَارَخون: هل إلى خروج من سبيل فلا بُدَّ أنه ينزعِج، ولو تصوَّر نفسَه مع أهل النَّار: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)﴾ [الهمزة: ٨ - ٩]، هل يشعر بهَذَا الشُّعور؟ الواقِع لا. فالنَّاس يقرؤون القُرْآن وفيه مثل هَذه الآيات ولكنهم لا ينفعلون، مثلًا لو تصوروا أنفسهم مع هَؤُلَاءِ، ولهذَا يُذكر أن رجلين حاولا أن يركبا في هَذه الطائرة ولكن لم يحصل لهما ذَلِك ولما احترقت مَرِضَا لأنهما انزعجا حيث تصورا أنفسهما لو كانا مع هَؤُلَاءِ لاحترقا. فأقول: المُؤْمِن حَقِيقَة يشعر بعَذاب الْآخِرَة أكثر، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨]، كَانَ عمر ﵁ إِذَا قرأها مرض حَتَّى يُعاد (١)، الله أكبر، اللهم ارحم حالنا. وعلَيْه فنأخذ من هَذَا فَائِدَة وهي وُجوب سد ذرائع الفَواحِش؛ لأنه إِذَا كَانَ الَّذِي يحب كثرتها في النَّاس يُعذب فكَيْفَ بمن حاول أن يكثرها بفعله فإنَّه يعذب مِنْ بَابِ أَوْلَى، عَلَى كُلِّ حَالٍ هَذَا فَهْم بعيد لكن له وجه. الفَائِدة الخَامِسَة: فضل الله على المُؤْمِنِينَ في حماية أعْرَاضهم حيث توعد من أحبَّ أن تشيع الْفَاحِشَة فيهم.

стр. 104

الفَائِدة السَّادِسَة: إِثْبات علم الله ؛ لقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾. الفَائِدة السَّابِعَة: وُجوب ردِّ الأَشْيَاء إلى الله وحكمها؛ لقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾. الفَائِدة الثَّامِنة: قُصور علم المخْلُوق؛ لقَوْلهُ: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ولذَلك نفى الله عنه العِلْم؛ لأَن ما أوتي من العِلْم قليلٌ، وإن كَانَ الْإِنْسَان عنْدَه علم لكنَّه قليل لِذَلك نفاه الله . * * *

стр. 105

الآية (٢٠) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ [النور: ٢٠]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَيَّهَا الْعُصْبَة ﴿وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بِكُمْ لَعَاجَلَكُمْ بِالْعُقُوبَةِ] اهـ. كرر الله هُنا قَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ... ﴾؛ لأَن المقام كله مَقام عَظِيم، ففي الآية الأولى الَّتِي قبل قصة الإِفْك وكانت في القَذْف وهو أمر عَظِيم وتدنيس لأعْرَاض المُسْلِمِينَ قَالَ: فلولا فضل الله على المُسْلِمِينَ ورحمته بإقامة الحُدُود الَّتِي تردعهم وتمنعهم لحصل ما حصل، وكَذلِك ذكر ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ في قصة الإِفْك فقد ذكرت ثلاث مرات. قَوْلهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الرأفة هي الرَّحمة المتضمنة للرِّقَّة البالغة، يعني أخَّها أخص من الرَّحمة المطلَقة، رحمة وزيادة ولهذَا قَالَ: ﴿رَحِيمٌ﴾ فجمع بين الأخص من حيث المَعْنى والأعم، فالرَّحمة أعم من الرَّأفة فكل رأفة رحمة ولا عكس لأنَّها أي الرَّأفة رحمة من نوع خاصٍّ تقتضي زيادة في الرَّحمة وعناية به، و (الرحيم) سبق أنَّه من أَسْماء الله وقد قسم العُلَماء الرَّحمة إلى قِسْمَيْن: عامَّة وخاصة، فالعامَّة هي الشَّاملة لكل أحد من مُؤْمن وكافر وبر وفاجر وإنسان وبهيم.

стр. 106

ولهَذَا لو قَالَ قَائِل: هل الكَافر مرحوم أو لا؟ الجواب: نقول: بالمَعْنى العامّ مرحوم، لَوْلا رحمة الله ما أكل ولا شرب ولا اكتسى ولا تزوج ولا وُلِد له، إلى آخِره، وأما الرَّحمة الخاصة فهي الخاصة بالمُؤْمِنِينَ الَّتِي تتضمن سعادة الدُّنْيَا والْآخِرَة، وأما العامَّة فهي سعادة في الدُّنْيَا فقط. من فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن ذكر العقاب على من أحب الْفَاحِشَة إِشارَة إلى أن هَذَا الْعَذَاب على من أحب الْفَاحِشَة من رأفة الله ورحمته بنا، لقَوْلهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بعد أن ذكر العقاب على من أحب الْفَاحِشَة. الفَائِدة الثَّانية: إِثْبات الفَضْل والرَّحمة؛ لقَوْلهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾. الفَائِدة الثَّالِثَة: إِثْبات هَذَيْنِ الاسْمين وما تضمناه من صفة؛ لقَوْلهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. الفَائِدة الرَّابِعَة: هَذَا البَيان وهَذَا الوعيد ذكره الله جمَلَّ وَعَلَا لنحذر، فلا نقع في هَذه الْأُمُور فقَوْلهُ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [البقرة: ٦٤]، لَيْسَ معناه انتفاء الْعَذَاب بل معناه بَيان أن من أحب الْفَاحِشَة فله عَذاب أليم، ولهذَا ذكر بعدها قَوْلهُ: ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فهَذَا البَيان يقْتَفِي الحذر من المُؤْمِن، هَذَا من فضل الله ورحمته، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وهَذَا يُناسِب هَذَا البَيان. * * *

стр. 107

الآية (٢١) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١]. * * * قَوْلهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: طُرُق تَزْيِينِهِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الخُطوات جمع الخُطْوة وهي عِبارَة عن المسافة الَّتِي بين القدمين في المشي، والمُراد بخُطوات الشَّيطان: طرقه، فعبر بالخُطْوة عن الطَّريق، لأَن الطَّريق أثر الخُطَى. وقول المُفَسِّر: [طُرُق تَزْيِينِهِ] هكذا الشَّيطان جميع طرقه مكروهة إلى النُّفوس لكنَّه يزينها لِلإنْسان حَتَّى يدخل فيها، وطرق الشَّيطان من حيث المَعْنى العامّ هي التَّكذيب والاستِكبار، فالشَّيطان مكذب ومستكبر، ومن أدلة استِكباره أنَّه أَبَى أن يسجد لآدم، ومن أدلَّة تكذيبه أنَّه ادعى أنَّه خير من آدم، فإن هَذَا يقْتَفِي أنَّه كذَّب بكون آدم خيرًا منه. فطريق الشَّيطان على سبيل العُموم التَّكذيب والاستِكْبار، فالتَّكذيب يَتعلَّق بالأَخْبار، والاسْتِكْبار يَتعلَّق بالتَّكليف: الأوامر والنَّواهي، وإذا تأملت جميع المعَاصِي

стр. 108

وجدتها لا تخرج عن هَذَيْنِ الْأَمْرين إما تكذيب وإما اسْتِكْبار، فهو أي الشَّيطان طرقه أو طريقه مبني على هَذَيْنِ الْأَمْرين. عنْدَما نأتي للتَّفصيل: هل البخل من خُطُوات الشَّيطان أم لا؟ الجواب: البخل من خُطُوات الشَّيطان؛ لأنَّه يأمر به قَالَ تَعَالَى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، قَالَ كثير من أهْل العِلْم: إن المُراد بالفَحْشاء هُنا البخل لأَن الآية في سِيَاق الإنفاق، وإن كَانَ الأصح أنَّها أعم. وكَذلِك الأكل بالشِّمال والشُّرب بالشِّمال من خُطُواته أيضًا؛ لأَن النَّبِيّ ﷺ أخبر بأن "الشَّيْطَان يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ" (١)، وعلى هَذَا فالأكل بالشِّمال والشُّرب بالشِّمال يَكُون حرامًا؛ لأَن الله نهى عن اتباع خُطُوات الشَّيطان، والنَّبي ﵊ نهى أيضًا أن يأكل الْإِنْسَان بشماله ويشرب بشماله. وإذا كَانَ النَّهي للتَّحريم، لا يسوغه ما يفعله بعض النَّاس الآن يَقُول: والله أنا آكل وأخاف إن شربت باليَمين أن ألوِّث الإناء، ومن ثَمَّ نأخذ خطر تهاون النَّاس اليوم بهَذ المَسْأَلة؛ لأَن كثيرًا من النَّاس -نسأل الله لنا ولهم الهداية- الآن يأكلون بالشِّمال ويشربون بالشِّمال، ويزعمون أن هَذَا تقدَّم ومدنية والسَّبب هو الشُّعور بالنَّقص؛ لأَن الْإِنْسَان مع الأسف متى شَعُر بنقصه فإنَّه لا بُدَّ أن يقلد من يرى أنَّه أكمل منه. فهَؤُلَاءِ المغرورون ظنوا أن غيرهم من هَذه الأُمَم الكافرة أرقى منهم وأَشَدّ تقدُّمًا، وصحيح أنهم أرْقَى منا في الصِّناعة وفي أمور الدُّنْيَا، لكن في الأخلاق والآداب

стр. 109

الَّتِي أرشدنا إلَيْها الإِسْلام لَيْسَوا أرقى منَّا، إلا أنَّه بالنَّظر إلى حال المُسْلِمِينَ اليوم لا شَكَّ أن عندهم من الآداب الْإِسْلَامية الَّتِي يطبقونها لا عن قصد ولكن لمجرد أنَّها أخلاق فاضِلة لا للتعبُّد لله، ومع الأسف فالمُسْلِم الَّذِي أمر بتطبيق هَذه الآداب والأخلاق هو الَّذِي تقاعس عنها، مع أن المُسْلِم إِذَا طبقها يَكُون متصلًا بهَذه الأخلاق الفاضلة. وهَذه الآداب لا شَكَّ أنَّها نبل وشرف، وزيادة على ذَلِك يَكُون مأجورًا لأنَّه يفعلها امتثالًا لأمر الله ورسوله، وأولئك إِذَا فعلوها لا يؤجرون، لأنهم إنما يفعلونها لأنَّها أخلاق فاضلة، فهم مثلًا عندهم صدق في المعاملة وعندهم بَيان وعدم غش وعندهم وفاء بالوعد، كُلُّ هَذه من الصِّفات الَّتِي أمر الإِسْلام بها، وكثير من المُسْلِمِينَ الآن متخلٍّ عن هَذه الصِّفات، لكن إِذَا اتصف بها المُسْلِم يَكُون محمودًا عَلَيْها وَيكُون مأجورًا عَلَيْها أيضًا؛ لأنَّه يفعلها امتثالًا. أقول: إن خُطُوات الشَّيطان إِذَنْ طرقه الَّتِي يسير عَلَيْها والتي هي منهج سلوكه، وَذلِك دائر على أمرين هما التكذيب والاسْتِكْبار كما تقدَّم، وقد تَكُون خُطُوات الشَّيطان مُبَيَّنَةٌ مخصوصة كما قُلْنا في مَسْأَلة الأكل بالشِّمال والشُّرب بالشِّمال. قَوْلهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: المتبع ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أَي: القَبِيح ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ شَرْعًا باتِّباعِهَا] اهـ. قَوْلهُ: ﴿مَنْ﴾ كَيْفَ نعربها؟ شرطية، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط و (مَن) الشَّرطية تحتاج إلى شرط وجزاء، يعني إلى فعل شرط وجواب شرط، أين فعل الشَّرط؟ ﴿يَتَّبِعْ﴾ وجواب الشَّرط جملة ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.

стр. 110

قَوْلهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ﴾ وقَوْلهُ: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الضَّمِير في قَوْلهُ: ﴿فَإِنَّهُ﴾ يَعود على أيهما؟ إن نظرنا إلى أصل الجُمْلَة والموضوع قُلْنا: إنه يَعود إلى ﴿وَمَنْ﴾ لأَن جواب الشَّرط يَعود على ما يَعود علَيْه فعل الشَّرط، وإذا نظرنا إلى السِّياق وإلى أقرب مذكور قُلْنا: إنه يَعود إلى الشَّيطان، وتكون الجُمْلَة دالة على جواب الشَّرط ولَيْسَت هي جواب الشَّرط. ويؤيد هَذَا الرَّأْي أن السِّياق في النَّهي عن اتباع خُطُوات الشَّيطان، لأَن الله نهى عن اتباع خُطُوات الشَّيطان، ثم ذكر ما يؤيد هَذَا النَّهي من التَّحذِير حيث بيَّن أن الشَّيطان وقع في الفَحْشاء والمُنْكر؛ لأَن الشَّيطان ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ ولهذَا كُلُّ عاقل إِذَا علم أن الشَّيطان يأمر بالفَحْشاء والمُنْكر لا يسوغ له أن يتبع خُطُواته، وهَذَا أظهر من وجهين: لأَن السِّياق يدُلّ علَيْه كما تقدَّم، هَذَا وجه، ولأن المتِّبع لخطُوات الشَّيطان قد لا يأمر بالفَحْشاء والمُنْكر، بل يفعل الفَحْشاء والمُنْكر ولكن لا يأمر بهما، وكثير من أهل الضَّلال تجدهم ضالِّين في أنفسهم، لكن لَيْسَ عندهم دعوة لما هم عليه، وإن كنا نجد أيضًا أن كثيرًا من أهل الضلال عندهم دعوة يأمرون بالفَحْشاء والمُنْكر، أي: لما هم عليه. الحاصل أنَّه لَيْسَ بلازم أنَّ من اتبع خُطُوات الشَّيطان أن يامر بالفَحْشاء والمنكر نعم من اتبع اتباعًا مطلقًا لزم أن يأمر بالفَحْشاء والمنكر لأَن الشَّيطان يأمر بالفَحْشاء والمنكر. أما على ما سلك المُفَسِّر ﵀ فإن جملة ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ﴾ تَكُون هي بعينها جواب الشَّرط إِذَا قُلْنا الضَّمِير عائد على ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ﴾ ويَكُون معنى قَوْلهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ﴾ أي: المتبع كما قَالَ المفسر، فالجُمْلَة هي جواب الشَّرط، والضَّمِير يَعود في جوابه على
следующие страницы →