← Тафсир

Тафсир · id 553

تفسير العثيمين: النور

ابن عثيمين

Полный текст (440 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقول المُفَسِّر: [بِأَنْ لَمْ يَنتشِرْ ذَكَرُ كُلٍّ] لَيْسَ العَلامَة ألا ينتشر ذكره بل العَلامَة ألا يُعرف منه ميل إلى النِّساء، لأَن من النَّاس من يميل إلى النِّساء، وإن كَانَ ذكره لا ينتشر، فالعَلامَة أن لا يوجد منه ميل إلى النِّساء إطلاقًا لا عند قيام ذكره ولا عند عدم قيامه. فالكلام على أنَّه لا يشتهي النِّساء ولا يميل إلَيْهنَّ فهو كالمَرْأَة، ولمشقَّة التحرز منه أباح الله للنِّساء أن يبدين زينتهنَّ له، فصَارَ التَّابع معناه الَّذِي يتبع أهل البَيْت لتلقي فضول طعامهم إما لكونه خادمًا فيهم أو غير خادم، لكن اشترط الله في التَّابع ألا يَكُون له إربة في النِّساء، والعَلامَة أنَّه يُعلم أنَّه لا يميلُ إلى النِّساء ولا يرغب فيهنَّ، والغالِب أنَّه لا يقوم ذَكَرُهُ، لكنَّه لَيْسَ بلازم قد يَكُون الْإِنْسَان ممَّن يميل إلى النِّساء ويحبهنَّ ويألفهنَّ لكن لا يقوم ذكره. لِذَلك الصَّحيح في هَذه المَسْأَلة أنَّنا نعلم عدم حاجته وعدم ميله إلى النِّساء، ولهَذَا كَانَ في بيوت آل النَّبِيّ ﷺ رجل مخنث، يعني من غير أولي الإربة لم يَكُونوا يعلمون به حَتَّى إنه في يوم من الأيَّام قَالَ لرجل من محارم إِحْدَى زوجات النَّبِيّ ﷺ : إِذَا فتحتم الطائف فعليكم بابنة غيلان الثَّقفي، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان (١)، هم في أول الْأَمْر يحسبونه لَيْسَ بشَيْء، لكن هَذَا الَّذِي يصف المَرْأَة هَذَا الوصف يدُلّ على أنَّه يميل إلى النِّساء، فمنعه النَّبِيّ ﷺ من الدُّخول على أهل بيته لأنَّه يتبَيَّن أنَّه يميل إلى النِّساء، فإذا وُجد أن هَذَا التَّابع يصف النِّساء ويذكر جمالهنَّ وما أشبه ذَلِك علم أنَّه صحاب حاجة، وأما مَسْأَلة قيام الذكر فهَذه لَيْسَ بعلامة.

стр. 177

ذكر المُفَسِّر ﵀ (كُلٍّ) فقال: "بِأَنْ لَمْ يَنتشِرْ ذَكَرُ كُلٍّ] لو قَالَ: "ذكره" لم يكن هُناكَ إِشْكال، لكن قَوْلهُ: [ذَكَرُ كُلٍّ] يقْتَضِي عددًا. قَوْلهُ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِمَعْنَى الأَطْفَال ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ أي: يَطَّلِعُوا ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ لِلْجِمَاعِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُبْدِينَ لهمْ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ قَوْل المُفَسِّر ﵀: [الطفل بِمَعْنَى الأَطْفَال]، فهو اسم جنس بمَعْنى الأطفال، والدَّليل على أنَّه بمَعْنى الأطفال قَوْلهُ: ﴿الَّذِينَ﴾ حيث وصفه بالجمع ولا يُوصف المفرد بالجمع، لكن فيه دَليل على أن اسم الجنس إِذَا حُلي بـ (أل) يَكُون للعموم ولو كَانَ مفردًا. وقَوْلهُ: ﴿يَظْهَرُوا﴾ بمَعْنى يطلعوا ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ للجماع، والمَعْنى أنهم لا يعرفون ما يَتعلَّق بالعورات، فقَوْلهُ: ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾ أي: لم يطلعوا بحيث لا يدرون ماذا يُصنع بالعورات ولا هي لهم على بال، فهَؤُلَاءِ الأطفال يجوز أن تُبدى لهم الزينة، هَذَا المراد، لَيْسَ المُراد الاطِّلاع بالعين لأَن الاطِّلاع بالعين هَذَا يَكُون في الأطفال وغيرهم، لكن المُراد أنهم لا يدرون. وقول المُفَسِّر: [يُبْدِينَ لَهُمْ مَا عَدَا مَا بَيْن السُّرَّة وَالرُّكْبَة] بناء على أن المُراد بالزِّينَة هُنا ما زين الله به المَرْأَة لا أنَّها اللباس. تقدَّم في هَذه الآيَة اثنا عشر صنفًا يَقُول الله تعالى: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ اثنا عشر صنفًا

стр. 178

هَؤُلَاءِ هم الَّذِي تبدى لهم الزِّينَة الخفية ومن عداهم لا تُبدى لهم، هَذَا هو ظاهر الآيَة؛ لأَن الله يَقُول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾ والاستثناء هَذَا مفرغ يقْتَضِي أن من سوى هَؤُلَاءِ لا يجوز إبداء الزِّينَة لهم، لكنَّ بعض العُلَماء ألحق بهم بقية المحارِم من مصاهرة أو نسب أو رضاع؛ لأنَّه يُوجد من المحارِم من النَّسب من لم يُذكر مثل الأعمام والأخوال وأيضًا من المصاهرة من لم يُذكر؛ لأَن قَوْلهُ: ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ معناه تَكُون زوجة ابن أو ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ تَكُون زوجة أب، أي أن زوجة الْأَبّ تبدي لأبناء زوجها الزِّينَة، وزوجة الابن تبدي لآباء زوجها الزينة. لو قَالَ قَائِلٌ: هَؤُلَاءِ الاثنا عشر هل هم على حد سواء فيما يُبدى من الزِّينَة أو لَيْسَوا على حد سواء؟ الجواب: لَيْسَوا على حد سواء بلا شَك، ولهَذَا بدأ الله بالزَّوج لأنَّه أعلى من تُبدى له الزِّينَة بمطلقها، والباقين يُمكن أن يُقالَ: على الترتيب، ويُمْكِن ألا يُقالَ: على الترتيب بل يُنظر إلى ما جرت به العادة؛ لأَن حَقِيقَة الْأَمْر أن الأخ مثلًا إِذَا كَانَ عند أخته دائمًا في البَيْت لَيْسَ كما لو لم يكن يأتيها إلا نادرًا، أي الحالين أَشَدّ تحشمًا بالنِّسْبَةِ لها؟ إِذَا كَانَ لا يأتي إلا نادرًا تجدها تستحي منه وتحتشم أكثر مما إِذَا كَانَ دائمًا عندها، فيَنْبَغِي أن يُقالَ في ترتيبهم، أما الزَّوج فهو عَلَى كُلِّ حَالٍ في القمة، وأما البقية فعلى حسب ما يدعو إلَيْه العرف والعادة بالنِّسْبَةِ لإبداء الزِّينَة كاملة أو متوسطة أو أدنى ما يُقالُ إنَّهُ زينة. المَسْألة الثَّانية: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ هل يَجب على المَرْأَة أن تحتجب عن الرجل، يعني: هل يحرم عَلَيْها أن تنظر إلى الرَّجل أو لا يحرم، يعني إِذَا

стр. 179

قُلْنا: إن المُراد بالزِّينَة هُنا ما زين الله به المَرْأَة أو ما زين الله به الرَّجل فهل يَجب عَلَيْها أن تغض الطرف عن الرَّجل أو لا يَجب؟ هَذه المَسْأَلة فيها خلاف بين أهْل العِلْم، منهم من قَالَ: إنه لا يجوز للمَرْأة أن تنظر إلى الرجل، كما لا يجوز للرَّجُلِ أن ينظر إلى المَرْأَة؛ لأَن الآيَة واحدة قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ وأيدوا قولهم هَذَا بحديث أم سلمة والمَرْأَة الأُخْرَى الَّتِي لما دخل ابن أم مكتوم قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "احْتَجِبَا مِنْهُ" قالوا: يا رَسُول الله! إنه رجل أعمى، فقال: "أَفعَمْيَاوَانِ أَنتُمَا؟ ! " (١) فلمَّا أوردا علَيْه أنَّه أعمى قَالَ: أَفَعَمْيَاوَانِ أنْتُمَا، وأمرهما بالاحتجاب، لكن هَذَا الحَديث لا يصِح عند أهْل العِلْم؛ لأنه من رِوايَة نبهان مولى أبي سلمة وهو مجهول، ولذَلك ضعفه الْإِمَام أحمد ﵀. ولذَلك الصَّحيح أنَّه يجوز للمَرْأة أن تنظر إلى الرَّجل إِذَا لم يكن هُناكَ فتنة أو شهوة، ويدُلّ لِذَلك أحاديث صحيحة صريحة منها حديث عَائِشَة ﵂ حينما كَانَت تطلع إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد والنَّبي ﷺ يسترها وهي تنظر إلَيْهم حَتَّى إنها هي الَّتِي تركت هَذَا الشَّيء (٢)، وهَذَا دَليل واضح على جَواز نظر المَرْأَة إلى الرجل.

стр. 180

كَذلِكَ أيضًا قَوْل النَّبِيّ ﷺ لفاطمة بنت قيس: "اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومِ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ" (١)، وهَذَا أيضًا صريح واضح في أن المَرْأَة يجوز أن تنظر إلى الرجل. وأيضًا قَالَ فقهاؤنا ﵏: لو كَانَ يحرم على المَرْأَة أن تنظر إلى الرَّجل لوجب على الرِّجَال أن يحتجبوا مثلما أن المَرْأَة تحتجب عن الرَّجل لئلا ينظر إلَيْها، فنقول أيضًا: الرَّجل يتحجب عن المَرْأَة لئلا تنظر إلَيْه؛ لأنَّه لا يتم الواجب إلا بهَذَا؛ لأنَّه إِذَا صَارَ وجه الرَّجل مكشوفًا فالمَرْأَة لا بُدَّ أن تراه، لا يُمْكِن أن تعدم رؤيتها له إلا إِذَا احتجب مثلما أنَّها هي تحتجب، ولا قائل من أهْل العِلْم أنَّه يَجب على الرَّجل أن يحتجب عن المَرْأَة. ولهَذَا الصَّحيح في هَذه المَسْأَلة مذهب الْإِمَام أحمد أنَّه يجوز للمَرْأة أن تنظر إلى الرجل، ولكن كل هَذِهِ المَسائِل وغيرها تجوز بشرط أَمْن الْفِتْنَة، أما إِذَا كَانَ هُناكَ فتنة فإنَّه لا يجوز أن تنظر ولا إلى صُورَة الرجل، حَتَّى صُورَة الرَّجل الَّتِي تَكُون في بطاقة أو الَّتِي تظهر في التلفزيون لا يجوز أن تنظر إلَيْها إِذَا كَانَ يُخشى منها الْفِتْنَة، وكَذلِك بالنِّسْبَةِ للرَّجُلِ أيضًا، وهَذه مَسْأَلَة سنبحثها بحثًا مستقلًّا فنقول: هل يجوز للرَّجُلِ أن ينظر إلى صُورَة المَرْأَة الأجنبية منه أو لا يجوز؟ الرأي الأوَّل: متى جاز النَّظر إلى وجهها بغير صُورَة جاز النَّظر إلى صورتها، يعني متى جاز النَّظر إلى المَرْأَة لكونه محرمًا أو خاطبًا جاز النَّظر إلى صورتها، ومتى مُنع منع النَّظر.

стр. 181

الرأي الثَّاني: يجوز النَّظر إلى صُورَة المَرْأَة لأنَّها لا تساوي النَّظر إلى المَرْأَة، فهَذه الصُّورة لَيْسَت هي المَرْأَة، والنَّهي إنما ورد عن المَرْأَة فقط، نعم لو حصل فتنة مثل ما يفعله بعض النَّاس والعِيَاذ باللهِ، أنا أذكر مرة أن مجلة تسمى النَّهضة الكويتية، لكنها نهضة إلى الشَّرِّ، هَذه المجلة وضعت مسابقة لملكة الجمال وصورت حسب ما تصورت أجمل من جاءها من النِّساء، طبعًا مثل هَذَا في ظني أن كثيرًا من النَّاس الَّذينَ لَيْسَ عندهم خوف من الله سيقتنون هَذه الصُّور: صور الجميلات، يتمتعون بالنَّظر إلَيْها أو لأي غرض آخر، فهَذَا لا شَكَ في تحْرِيمه. فنقول: إِذَنْ النَّظر إلى الصُّورة لا يساوي النَّظر إلى الحَقيقَة، ولَيْسَ هو الَّذِي ورد فيه النَّهي، ولكن متى تضمن ذَلِك فتنة لكونه يَتعلَّق بها أو يقتنيها فإن ذَلِك يَكُون حرامًا وإلا فلا يظهر التَّحْريم. وبالنِّسْبَةِ للنظر إلَيْها في التلفزيون، في الحقيقَة الفَرْق بينها وبين الصُّورة الأولى أنَّها تتحرك وفي الغالِب إِذَا كَانَ التلفزيون ملونًا فإنَّه يحكي حالها أكثر وكَذلِك الصَّوْت، وكَذلِك التغنج والتمايل والرقص وما أشبه ذَلِك. لكن إِذَا قدَّرنا أن امرأة عادية طبيعية تذيع مثلًا هل يحرم النَّظر إلَيْها أو لا يحرم؟ والله أنا أرى أن النَّفس لا تتعلق بها ولو رأتها في التلفزيون مثل ما تتعلق بها لو رأتها حَقِيقَة، وأرى أن هُناكَ فرقًا بين أن ينظر إلى امرأة في التلفزيون أو ينظر امرأة حقيقية، في الحَقيقَة بعض النَّاس يَقُول: إن الصُّورة في التلفزيون أَشَدّ من الصُّورة في البطاقة؛ لأنَّها تحكي الحركة والصوت فتكون الْفِتْنَة أعظم، ولكن عندي أيضًا أن

стр. 182

هَذِهِ تمتاز على الصُّورة الَّتِي بالبطاقة - كما تقدَّم - بأنَّها تتحرك ولها صوت، وهَذَا أدعى للفتنة، لكنها تختلف عنها بأنَّها لا تثبت، والصُّورَة الَّتِي في البطاقة تثبت، والْإِنْسَان يُمْكِن أن يجعل عنْدَه صُورَة بالبطاقة كلما اشتهى أن يتمتع بالنَّظر إلَيْها ذهب إلَيْها ونظر، لكن هَذِهِ لا يُمْكِن لأنَّها قد فاتت حيث إنه أغلق التلفزيون وذهب، وكما تقدَّم لا يُمْكِن أن يَتعلَّق قلب الْإِنْسَان بهَذه الصُّورة مثلما يَتعلَّق بالمَرْأَة. معْلُوم أن الوصف مهما بلغ لا يُمْكِن أن يَكُون مثل الصُّورة، لا شَك أن الصُّورة أَشَدّ حكاية للحَقِيقَة، لكن كلامنا إِذَا لم يكن هُناكَ فتنة ولا ضرر. وصف نساء المُسْلِمينَ للكفار هَذَا ضرره عَظِيم، ولذَلك نحنُ نقول: لَيْسَ عندنا شك أن الصُّورة إِذَا صَارَت تبتذل وتكون صُورَة بنت فلان مثلًا بأيدي الفُسَّاق هَذَا من المحرمات الَّتِي لا شَك فيها، ولهَذَا نرى أنَّه من أعظم الخطر ما يفعل الآن بالأعراس تصوير النِّساء حَتَّى لو كَانَت الَّتِي تصور من النِّساء؛ لأَن هَذِهِ الصُّور تبقى في أيدي النِّساء، ومن يأمن المَرْأَة أن تعطيها فلانًا أو فلانًا أو ولدها أو أخاها أو زوجها، لكن نقول: ربما يُحتج علَيْنا بالحَديث الَّذِي أوردته وهو نهي النَّبِيّ ﷺ المَرْأَة أن تنعت المَرْأَة لزوجها كأنما يشاهدها (١). فإذا كَانَ الرَّسُول نهى المَرْأَة أن تباشر المَرْأَة فتنعتها لزوجها كأنما ينظر إلَيْها، فالصُّورَة مثل هَذَا بل أَشَدّ، هَذَا هو الَّذِي يُمْكِن أنْ يُقالَ: إن الصُّورة تدخل فيه؛ لأَن النَّعت في الحَقيقَة -يعني ذكر الأوصاف- لا يحكي المَرْأَة كما تحكيه الصُّورة، ولكن لَيْسَ بظاهر لي؛ لأَن الحقيقَة حكاية الصِّفة بالنِّسْبَةِ للإغراء أَشَدّ لا سيَّما إِذَا

стр. 183

كَانَ الرَّسُول يَقُول: "تَنْعَتهَا لِزَوْجِهَا"، قد يُقالُ: إن كون الرَّسُول ﷺ يَقُول: "تَنْعَتهَا لِزَوْجِهَا" هَذَا لَيْسَ لبَيان الواقِع وأن الغالِب أن المَرْأَة لا تصف النِّساء إلا لزوجها. وقد يُقالُ: إنه لَيْسَ لبَيان الغالِب، ولكن لما يترتب علَيْه من المفاسد حيث يظن الزَّوج أن هَذِهِ المَرْأَة لا تريده، ولذَلك تصف له النِّساء لعله يَتعلَّق بهنَّ هَذَا من جهة، ومن جهة أُخْرَى ربما يَتعلَّق قلب الزَّوج نفسه إِذَا وصفت له زَوْجَته هَذِهِ المَرْأَة ويرغب عن زَوْجَته الَّتِي معه، ويتحول إلى الجديدة. عَلَى كُلِّ حَالٍ وبعد هَذِهِ المناقشة لا أستطيع أن أجزم بتحْرِيم النَّظر إلى المَرْأَة في التلفزيون أو في الصُّورة إِذَا لم يكن في ذَلِك محذور، فإن كَانَ في ذَلِك محذور فلا شَك أنَّه لا يجوز، وأيضًا قد يُقالُ: إن الشَّيء البعيد المنال قد لا تتعلق به نفس الْإِنْسَان لا سيَّما الْإِنْسَان العاقِل؛ لأنَّه كَيْفَ يطمع الْإِنْسَان العاقِل بما لا يُمْكِن أن يناله بخلاف الأَشْيَاء الَّتِي يُمْكِن أن ينالها، ولهَذَا -والله أعلم- أُبيح للمحارم أن يكشفن وجوههنَّ للمَحرم؛ لأَن نفسه لا يُمْكِن أن تتعلق بهنَّ أبدًا إلا والعِيَاذ باللهِ إذا قُلبت فطرته، وأما الرِّجَال الأجانب فلا، هَذَا من الحِكْمة، فالمدار على الْفِتْنَة أو خوفها. وأما إِذَا كَانَ الْإِنْسَان طبيعيًّا ولا يهتز قلبه ولا مشاعره بهَذَا الَّذِي يشاهد فالتَّحْريم وتأثيم النَّاس به أمر فيه إِشْكال، والآن صور النِّساء منتشرة، حَتَّى بعض الأقمشة أظن فيها صور نساء يلصق علَيْه بطاقة صُورَة امرأة، وفي الصُّحف أيضًا وهَذه مشكلة، يعني تأثيم النَّاس بشَيْء لا يتحققه الْإِنْسَان، أمر صعب، فلا يجوز لِلإنْسان أن يؤثم النَّاس إلا بشَيْء يعرف أنَّه يغلب على ظنه أو يقطع به، وأما شَيْء يشك فيه فلا يَنْبَغِي أن يؤثم النَّاس به، ولا شَك أن التحرز من هَذَا أولى.

стр. 184

ولكن المَسْأَلة لَيْسَت هي مَسْأَلَة التحرز، الأولوية مَسْأَلَة التَّحْريم نقول: هل حرام عَليْك أن تنظر أو لَيْسَ حرامًا؟ أما إِذَا كَانَ الْإِنْسَان يجوز له أن ينظر إلى المَرْأَة نفسها فهَذَا واضح أنَّه يجوز أن ينظر إلى صورتها كما في مَسْأَلة الخاطب، فلو أن رجلًا أَرَادَ أن يخطب امرأة فبدلًا من أن يذهب إلَيْها وجد لها صُورَة فإنَّه يراها ولا بأس بِذَلِك، وإن كَانَت الصُّورة في الحَقيقَة لا تحكي الواقِع تمامًا كما هو مشاهد الآن، تشاهد صُورَة لشخص أحيانًا تَكُون صورته مشوهة، وأحيانًا تَكُون صورته أحْسَن من الواقِع أيضًا، وأحيانًا تَكُون صُورَة مطابقة للواقع، الحَقيقَة أن الصُّورة هَذِهِ لا تحكي الواقِع تمامًا. الحاصل أن خوف الْفِتْنَة هو المناط، أي هَذَا هو السَّبب سدًّا لهَذ الذريعة وهَذَا مطرد، فكل شَيْء حرم تحْرِيم الوسائل فإنَّه تبيحه المصْلَحة لَيْسَ الضَّرورة؛ لأَن الحرام لذاته لا تبيحه إلا الضَّرورة، والمحرم تحْرِيم الوسائل تبيحه المصْلَحة، ولِذَلك يجوز في بعض الأَحْيان إِذَا كَانَت المصْلَحة أكثر، فمثلًا تحْرِيم ربا الفَضْل محرم تحْرِيم وسائل، وتبيحه الحاجة كمَسْأَلَة العرايا. ومَسْأَلَة النَّظر التَّحْريم فيها من باب تحْرِيم الوسائل كما قاله أهْل العِلْم، ولذَلك تبيحه المصْلَحة والحاجة مثل نظر الطبيب للمريضة ونظر الخاطب للمخطوبة ونظر الشَّاهد للمشهود عَلَيْها ونظر المعامل، حَتَّى المعامل يجوز أن ينظر لمن تعامله، مثل امرأة جرت العادة أن تبيع وتشتري أغراضًا من الدكان، فيجوز أنْ يقولَ لها: اكشفي الوجه يُمْكِن أن يأتي غيرك وإن شككت أنظر إلى وجهك مرة ثانية، يجوز هَذَا. نص العُلَماء على جَواز هَذِهِ المَسْأَلة لأَن هَذَا لَيْسَ من باب تحْرِيم الذات، بل تحْرِيم الوسائل، ويدُلّك على أن هَذَا محرم تحْرِيم الوسائل بالنِّسْبَةِ للمحارم جَواز

стр. 185

الشريعة للمَرْأة أن تكشف لمحرمها؛ لأَن الذريعة في هَذِهِ المَسْأَلة شبه منعدمة، ولِذَلك لو قدر أن وجد محرم والعِيَاذ باللهِ (مقلوب الفطرة) وأنه ينظر إلى محارمه نظر الأجنبيات؛ وجب منعه منهنَّ، ولا يستغرب أن ينظر أحد من الرِّجَال إلى محارمه نظرة الأجنبيات، لا يستغرب ذَلِك. فأنا قد سُئلت هَذِهِ الأيَّام عن رجل له أخت صغيرة من الْأَب لها سبع أو ثمان سنين، تقول المَرْأَة ولا أدري هل هي صادقة أو لا، تقول: أخوها من أبيها ذهب بها إلى بيته وفَجَرَ بها والعِيَاذ باللهِ، وهَذَا لَيْسَ بغريب، بعض النَّاس تَكُون طباعه طباع الكلاب ينزو على أمه ولا يبالي. فالحاصِل: أنَّنا نقول: إن تحْرِيم النَّظر أصله لَيْسَ تحْرِيمًا لذاته، لأَن المحرم الزِّنَا والْفَاحِشَة، لكن النَّهي عن قربان الزِّنَا لأجل ألا يَكُون لنا وسيلة إلَيْه، فتَحْريم النَّظر مِنْ أجل هَذَا مِنْ باب تَحْريم الوَسَائل. قَوْلهُ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ قَوْلهُ: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ﴾ يَعود على المُؤْمِنات. قَوْلهُ: ﴿بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ ضَرَبَ برجله يعني حرَّكها على الأَرْض بقوة. قَوْلهُ: ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِنْ خَلْخَال يَتَقَعْقَع] اهـ، يعني بصوت القَعْقَعْة لأَن المَرْأَة إِذَا صَارَ عَلَيْها خَلْخَال وقد ستره السَّراويل فهو لا يَبين للنَّاس، لكن بعض النِّساء للفتنة -والعِيَاذ باللهِ- تضرب برجلها حَتَّى يُسمع الخَلْخَال ويعرف أن عَلَيْها خلخالًا، فنهى الله المُؤْمِنات أن يفعلن ذَلِك؛ أي: أن يَضْربن بأرجلهنَّ لِيعلمَ ما يخفين من زينتهنَّ، والنَّهي هُنا للتَّحْريم، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

стр. 186

و (اللَّام) في قَوْلهُ: ﴿لِيُعْلَمَ﴾ هل هي للتَّعليل أو للعاقبة؟ المَعْنى يختلف، فإذا قلت: إنها للتَّعليل صَارَ النَّهْي منصبًّا على ما إِذَا قَصَدت ذَلِك؛ أي: ضربت برجلها لأجل أن يُعلمَ، وعلَيْه فلو ضربت برجلها على حشرة مثلًا أو على عقرب أو ما أشبه ذَلِك وسمع الخلخال فإنَّه لا حرج عَلَيْها في ذَلِك، لأنَّها لم تقصد أن يعلم ما تخفي من زينتها، وإذا جعلنا (اللَّام) للعاقبة، يعني: لا تضرب برجلها فإن عاقبة هَذَا الضرب أن يعلم ما تخفي من زينتها، فصَارَ النَّهْي عن الضرب بالرّجل مطلقًا سواء أَرَادَت ذَلِك أم لم ترده، لا شَكَ أنَّنا إِذَا نظرنا إلى المحذور من هَذَا الضرب وهو عِلْم ما أُخْفِي من الزِّينَة فإن هَذَا محذور. لا فرق بين أن تَكُون المَرْأَة قاصدة له أم غير قاصدة، هَذَا المحذور سيحصل إِذَا ضربت حَتَّى سُمِع صوتُ الخَلْخَال، وعلى هَذَا فيُرجَّح أن يمُون اللَّام للعاقبة، ذَلِك لأَن المحذور سيقع، وإذا نظرنا إلى أن المَرْأَة إِذَا لم ترد هَذَا الشَّيء فقد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنياتِ" (١)، وهي ضربت برجلها لا لهَذَا الغرض فلا تَكُون آثمة به. ولام التَّعليل وردت كثيرًا في القُرْآن كقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، هم لم يلتقطوه لِذَلك إنما التقطوه ليَكُون قرة عين لهم، لكن العاقبة صَارَت هكذا. فعَلَى كُلِّ حَالٍ الَّذِي يظهر أن ترجيح كون اللَّام للعاقبة أولى، وَذلِك لأَن المفسدة والْفِتْنَة حاصلة سواء أَرَادَات أو لم ترد، إِذَا كَانَ لا يجوز لها أن تضرب

стр. 187

بالرّجل خوفًا من ظهور صوت الخلخال فما بالك بمن تظهر الخلخال نفسه وتظهر الأسورة في اليدين وتظهر القلادة على العنق فيَكُون هَذَا أَشَدّ وأولى بالنَّهْي والتَّحْريم، ولذَلك عمل النِّساء الآن لا شَك أنَّه محرم. وإننا في الحَقيقَة نحنُ وهنَّ معرضون لِذَلك، كَيْفَ نرى هَؤُلَاءِ النِّساء ينتهكن ما نهى الله عنه علنًا ولا نجد أحدًا ينهاهنَّ ويقول: هَذَا حرام، المَرْأَة في ظني تتقصد إظهار اليد ليرى ما عَلَيْها من الحلي؛ ولِذَلك تجدها أحيانًا لا تظهر إلا اليد الَّتِي في الحلي، وهَذَا أيضًا من العَمَل المشين الَّذِي استعمله النِّساء. فكونها تملأ إِحْدَى اليدين بالحلي وتجعل اليد الأُخْرَى بيضاء أو لَيْسَ فيها إلا ساعة فيها سير أيضًا ففي النَّفس من هَذَا شَيْء؛ لأَن الظَّاهِر أنَّه من جنس الَّذِي يمشي بنعل واحدة، وقد نهى النَّبِيّ ﷺ أن يمشي الرَّجل بنعل واحدة (١)، لما في ذَلِك من عدم العَدْل بين الرجلين، والعَدْل مأمور به، فكونها مثلًا تريد أن تملأ يدًا من الحلي ويدًا خالية هَذَا في النَّفس منه شَيْء، فنقول: الأولى أن تلبس الحلي على حد سواء في اليدين، اللهم إلا إِذَا كَانَت إِحْدَى اليدين فيها ساعة وأَرَادَت أن تنقص من الأسورة بقدر ما تأخذه الساعة من المساحة فهَذَا ربما يقال: إنه عدل ولَيْسَ فيه شَيْء. عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا كَانَ الله نهى أن تضرب المَرْأَة برجلها خوفًا من أن يعلم ما تخفي من الخلخال لظهور صوته، وما علَيْه النِّساء اليوم أَشَدّ وأعظم، ولهَذَا لا يجوز للنِّساء أن يفعلن ذَلِك، حَتَّى عند القائلين بأن الوجه والكف لَيْسَ

стр. 188

بعورة يرون أن الذراع عورة، وأنه لا يجوز للمَرْأة أن تبدي ذراعها المحلى بالأسورة، لكن الْأَمْر مشكِل. قَوْلهُ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِمَّا وَقَعَ لَكُمْ مِنْ النَّظَر المَمْنُوع مِنْهُ وَمنْ غَيْره ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تَنْجُونَ مِنْ ذَلِك لِقَبُولِ التَّوْبَة مِنْهُ، وَفِي الآيَة تَغْلِيب الذُّكُور عَلَى الْإِنَاث] اهـ. قَوْلهُ: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ هَذَا أمر من الله لعباده المُؤْمِنِينَ موجه لكل النَّاس توبوا أيها المُؤْمِنُونَ، وإنما وجه الخِطَاب للجميع لأَن هَذِهِ المُنْكرات إِذَا أُظْهِرَت عم بلاؤها الجميع، فلهَذَا وجه الله الخِطَاب للجميع ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ثم تأمل تأكيد هَذَا الْأَمْر بقَوْلهُ: ﴿جَمِيعًا﴾: ﴿أَيُّهَ﴾ النِّداء: ﴿أَيُّهَ﴾ كل هَذِهِ مغريات توجب إغراء الْإِنْسَان، أو هي لإغراء الْإِنْسَان على التَّوبة وأن تَكُون التَّوبة جماعية، لا يكفي أن يتوب واحد، والباقي يعلن فسقه ومخالفته. ثانيًا: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ النِّداء سبق أنَّه يدُلّ على أهميته، ولهَذَا وجه الخِطَاب بالنِّداء لبَيان الاعتناء به، وأيضًا وصف المُؤْمِنِينَ دَليل على أن الإِيمَان يقضي بتوبة المُؤْمِن وأنه لا يهمل ولا يغفل عن الذُّنوب، وأن عدم التَّوبة نقص في الإِيمَان. ما هي التَّوبة؟ التَّوبة هي الرُّجوع من معْصِيَة الله إلى طاعته، وهي نوعان: النَّوع الأوَّل: التوبة المطلقة يستحق التائب بها أن يوصف بأنه منْ التَّوابين الَّذينَ يحبهم الله، وهي التَّوبة من جميع المعَاصِي بحيث يقلع الْإِنْسَان عن كل معْصِيَة يعملها قولية كَانَت أو فعلية أو عقدية، هَذِهِ هي التَّوبة المطلَقة الَّتِي يستحق فاعلها الثَّناء وأن يَكُون من التَّوابين الَّذينَ يحبهم الله .

стр. 189

النَّوع الثَّاني: التوبة المقيدة من ذنب معين فهَذِهِ لصاحبها من الثَّناء ما يستحقه، والصَّحيح أن هَذِهِ التَّوبة توبة مقبولة، فإذا تاب الْإِنْسَان من ذنب وهو مُصر على غيره فتوبته منه على القَوْل الراجح صحيحة ومقبولة؛ لأَن الإِيمَان يتبعض، والأعمال تتبعض، والله حكم عدل لا يظلم ولا يخذل، فهَذَا الرَّجل الَّذِي تاب من ذنب وهو مُصِرّ على غيره الصَّحيح أنَّه تقبل توبته وأنه لا مانع من ذَلِك، لكن لا يستحق ما سبق من كونه تائبًا على وجه الإطلاق ومن التَّوابين الَّذينَ يستحقون الثَّناء المُطلق، فله من الثَّناء بحسب ماحصل له من التَّوبة. هَذَا الْأَمْر ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ يتوجه إلى أي القسمين المقيد أو العامّ؟ الجواب: العامّ المطلَق، يعني توبة مطلقة عامَّة من جميع الذُّنوب لأجل أن يحصل الفلاح، و (لعل) في قَوْلهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ للتَّعليل؛ أي: أن التَّوبة سبب للفلاح، والفلاح في الحَقيقَة لَيْسَ كَلِمة هينة، الفلاح مثل الفوز، هو عِبارَة عن النَّجاة من المرهوب وحصول المَطْلوب، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، ففي قَوْلهُ: ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، النَّجاة من المرهوب، وفي قَوْلهُ: ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ حصول المَطْلوب. [والفلاح أيضا هنا ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ما قيده الله] [*] بالدُّنْيَا ولا بالْآخِرَة فدل ذَلِك على أن الفلاح بالتَّوبة يَكُون في الدُّنْيَا وفي الْآخِرَة، وهو كَذلِكَ فإن التائب يحصل له الفلاح في الدُّنْيَا وفي الْآخِرَة. ولماذا أتى المُفَسِّر ﵀ بهَذه الجُمْلَة، وفي الآيَة تغليب الذكور على الإناث، مع أن هَذَا كثير في القُرْآن؟ الجواب: لأَن الخِطَاب موجه للنِّساء في هَذِهِ الآيَة، لو كَانَ من الأَصْل موجهًا للذكور ما احتيج إلى هَذِهِ الجُمْلَة الَّتِي ذكرها المُفَسِّر، لكن لما كَانَ الخِطَاب في الآيَة

стр. 190

الْكَرِيمَةِ موجهًا إلى النِّساء ثم قَالَ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لم يقل: توبوا إلى الله جميعًا أيها المُؤْمِنات نقول: هَذَا لأجل التغليب. ثم إن توجيه الخِطَاب مع أنَّه للذكور -فإنَّه يشمل النِّساء بلا شَكٍ- ففيه إِشارَة والله أعلم إلى رعاية الرَّجل للمَرْأة، وأنه لا بُدَّ من أن يتوب هو نفسه يُعَدِّل أهله وقد قَالَ اللهُ تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. فنقول: توجيه الخِطَاب إلى الذكور مع أن الآيَة كلها خطاب للنِّساء فيه إِشارَة إلى رعاية الرَّجل للمَرْأة وأن المَرْأَة لا تستقيم إلا باستقامة الرجل، والواقِع شاهد لِذَلك الآن، ما أسباب تفريط النِّساء عندنا؟ هنَّ طبعًا مائلات لهَذَا الشَّيء، فالسبب المباشر النِّساء، لكن عدم رعاية الرِّجَال لهنَّ هَذَا هو الَّذِي أوجب لهنَّ هَذَا التوسع الَّذِي لا يقره الشَّرع، لِذَلك لو كَانَ كل واحد من النَّاس قد جند نفسه لحماية امرأته لم يحصل هَذَا الشَّرُّ، والعجيب أن الْإِنْسَان منا تجده مُجَنِّدًا نفسه لحماية ماله؛ الصُّندوق خزانة حديدية وله مفتاحان والمفاتيح في جيبه دائمًا، ولو كَانَ عنْدَه مثلًا واحد في الألف خوف على هَذَا المال قَالَ: أضعه في البنوك؛ حماية له، ويحسب، وينظر، ماذا نقص اليوم، وماذا حصل؟ والأهل الَّذينَ هم في الحقيقَة حياة الْإِنْسَان لا يهتم بهم، أولاده سارحين، وبناته سارحات، ولا ينظر، لو أنَّنا اعتنينا بأهلنا نصف ما نعتني بأموالنا لحصل شَيْء كثير، مع العِلْم بأنَّنا نعتني بأموالنا لغيرنا، لا لنا؛ لأَن هَذَا المال المُكَدَّس لن يتبعك، سوف يرجع، لكن أهلك إِذَا أصلحهم الله على يديك كنت في الحَقيقَة تصلحهم لنفسك؛ فإن النَّبِيّ ﷺ يَقُول: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ

стр. 191

ثَلَاثٍ: - وذكر منها - ووَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (١). مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: وُجوب التَّوبة؛ لقَوْلهُ: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾، ولا حاجة إلى ذكر شروط التَّوبة لأنَّها سبقت عدة مرات وانها خمسة شروط، ففي الآيَة دَليل على وُجوب التَّوبة. الفَائِدة الثَّانية: محبَّة الله للتوبة؛ لأنَّه أمر بها، والله لا يأمر إلا بشَيْء يحبه، وأيضًا من عنايته بها أكدت بهَذه التَّأكيدات ﴿جَمِيعًا﴾ ﴿أَيُّهَ﴾ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ وقد ثبت عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قَالَ: "للهُ أَشَدّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح: اللهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ" (٢). الحقيقَة نحنُ الآن نتخيل هَذَا الفرح لكن هل نحنُ نتصوره؟ لا نتصوره، يعني مهما بلغت مخيلتنا من القوة وإدراك الْأُمُور الغائبة لا يُمْكِن أن نتصور حقيقته، الآن نتخيل أنَّه فرح عَظِيم لأنَّه عِبارَة عن فرح بالحَياة بعد الموت، لكن عنْدَما يقع لِلإنْسان هَذَا الشَّيء يجد أنَّه لا نظير له ولا يُمْكِن أن يوجد له نظير، فالله

стр. 192

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مع كمال غناه عنا وكمال حاجتنا وفقرنا إلَيْه يفرح بتوبة عبده المُؤْمِن أَشَدّ من فرح هَذَا الرَّجل براحلته، ولهَذَا أمر الله تَعَالَى بالتَّوبة مع العناية بها بتأكيدها بهَذه الوجوه الثَّلاثة. الفَائِدة الثَّالِثَة: كرم الله تَعَالَى وفضله، نأخذ الكرم والفضل من محبته للتوبة، يعني كونه يحب أن يتوب النَّاس حَتَّى لا يعاقبهم يدُلّ على كرمه وفضله وأن رحمته سبقت غضبه، بخلاف من لا رحمة عنْدَه، لنفرض مثلًا مدرسًا أو ملكًا أمر بشَيْء أو نهى عن شَيْء، قد يَكُون بعض الَامرين أو النَّاهين يحب من النَّاس المخالفة لأجل أن يعاقبهم، فيُظهر بِذَلِك سيطرته عليهم، من أجل أن يعرفوا أنَّه له أمر وله نهي وله سلطة وله سيطرة، والله جَلَّ وَعَلَا مع كمال هَذَا الْأَمْر له كمال السلطان، مع ذَلِك يحب من عباده أن يتوبوا حَتَّى لا يعاقبهم، وبهَذَا نستدل على كمال رحمة الله بعباده وفضله وإحسانه. الفَائِدة الرَّابِعَة: أن التَّوبة من مُقتَضيات الإِيمَان؛ لقَوْلهُ: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، صحيح أن الإِيمَان لا بُدَّ أن يحمل صاحبه على التَّوبة، ولهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (١)، انظر متى ينتفي عنه الإِيمَان؟ حين يزني، لا يُمْكِن لإنسان مُؤْمن حَقِيقَة إلا ويترك ما حرم الله علَيْه ويفعل ما أوجب الله عليه، واعلم أنَّه إِذَا وقعت منك معْصِيَة فإن ذَلِك من لازم نقص إيمانك، ولهَذَا كَانَ مذهب أهْل السُّنَّة والجَماعَة ﵏ أن الإِيمَان يزيد بالطَّاعة وينقص بالمعصية، هَذَا مذهب أهْل السُّنَّة والجَماعَة ونحن منهم إِنْ شَاء اللهُ.

стр. 193

فعَلَى كُلِّ حَالٍ أقول: إن التَّوبة من مُقتَضيات الإِيمَان، وأن من فرط فيها فهو دَليل على نقص إيمانه، وإذا كَانَ المفرط بالتَّوبة يستدل بعمله هَذَا على نقص الإِيمَان فالفاعل للمعصية الَّذِي يباشر المعْصِيَة مِنْ بَابِ أَوْلَى، ولهَذَا أشرنا إلى الحَديث الَّذِي قَالَ فيه النَّبِيّ ﷺ : "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُو مُؤْمِنٌ". الفَائِدة الخَامِسَة: أن من لم يتب فهو ناقص الإِيمَان؛ لأَن التَّوبة من مُقتَضيات الإِيمَان، وعلى حسب مَعْصِيَته يَكُون نقص إيمانه. الفَائِدة السَّادِسَة: أن التَّوبة سبب للفلاح؛ لقَوْلهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والفلاح هو النَّجاة من المرهوب وحصول المَطْلوب. الفَائِدة السَّابِعَة: إِثْبات الأَسْباب حيث جعل الله التَّوبة سببًا للفلاح، ففيه رد على من أنكروا الأَسْباب، وقالوا: إن الأَسْباب مُجرَّد عَلامَات لا موجبات، وهَذَا مذهب الأشعرية الَّذينَ يرون أن الأَسْباب عَلامَات لا موجبات، فهم يَقُولُونَ: الرَّجل إِذَا كسر الزجاجة لم تنكسر بكسره وإنما انكسرت عند كسرها، والنَّار إِذَا أحرقت لم تحرق يعني لم يحترق الشَّيء بسببها وإنما احترق عندها لا بها، الْإِنْسَان إِذَا أكل حَتَّى شبع لم يشبع بالأكل شبع عند الأكل لا به، لو وضع عنْدَه كثير من الطَّعام ولم يأكل هل يشبع أو لا؟ لا يشبع. عَلَى كُلِّ حَالٍ هَذَا قَوْل باطل لَيْسَ له إطلاقًا محل من الصِّحة، وحتى العَقْل ينكره، لكن أقول: هَذِهِ الآيَة وكثير من الآيَات تثبت الأَسْباب وتدل على أن الأَسْباب مؤثرة في مسبباتها. ولو قَالَ قَائِلٌ: إِذَا جعلتم الأَسْباب مؤثرة في مسبباتها ألستم أثبتم مع الله خالقًا وموجدًا؟

стр. 194

الجواب: لا، لم نثبت موجدًا؛ لأنَّنا لا نقول إن الأَسْباب تستقل بتأْثِيرها، بل الأَسْباب إنما كَانَت أسبابًا بإرَادة الله ، ولهَذَا أحيانًا يوجد السَّبَب تامًّا ولا يؤثر لِوُجود مانع معْلُوم أو غير معْلُوم، فلا يُمْكِن أنْ يقولَ قائل: إنكم إِذَا أثبتم الأَسْباب أثبتم مع الله شريكًا في الإِيجَاد والتكوين نقول: لا، الَّذِي جعل هَذَا السَّبَب سببًا مقتضيًا لمسببه هو الله ، ولهَذَا نرى كثيرًا ما تتخلف المسببات مع وجود الأَسْباب التَّامَّة مما يدُلّ على أن قدرة الله فوق كل شَيْء وأن هَذِهِ الأَسْباب لَيْسَت مستقِلَّة، لكن لا يُمْكِن أن ننكر أمرًا أثبته الشَّرع وأثبته الواقِع من أن الأَسْباب تؤثر في المسببات. * * *

стр. 195

الآية (٣٢) * قَالَ اللهُ : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾ [النور: ٣٢]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ لو قرأنا: (وانْكَحُوا) هل يختلف المَعْنى أو لا؟ الجواب: يختلف اختلافًا عَظِيمًا جدًّا، ولهَذَا لو أخطأ أحد في هَذِهِ الآيَة وقال: "وانْكَحُوا" وجب الرد عليه؛ لأَن هَذَا لحن يحيل المَعْنى ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ بمَعْنى زوجوا، لكن (وانْكَحُوا) بمَعْنى تزوجوا، فرق عَظِيم بينهما. قَوْلهُ: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الخِطَاب للأحرار بِدَلِيل قَوْلهُ: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾. وقَوْلهُ: ﴿الْأَيَامَى﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: ﴿الْأَيَامَى﴾ جَمْع أَيِّم، وَهِيَ مَنْ لَيْسَ لَهَا زَوْج بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا وَمَنْ لَيْسَ لَهُ زَوْج وَهَذَا فِي الْأَحْرَار وَالحرَائِر] اهـ. فقَوْلهُ: ﴿الْأَيَامَى﴾ الأيَّامى: جمع أَيِّم وهي الَّتِي لَيْسَ لها زوج سواء كَانَت ثيبًا مات عنها زوجها أو طلقها، أو كَانَت بِكْرًا فإنها تُسَمَّى أيمًا، وقد أمر الله تَعَالَى بإنكاحهنَّ وهو دَليل على أن المَرْأَة لا تزوج نفسها؛ لأَن قَوْلهُ: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ بمَعْنى زوجوا، فلو كَانَت المَرْأَة تزوج نفسها لم نحتج لأَن نقول لغيرها: زوجها؛ لأنَّها هي

стр. 196

تزوج نفسها، وهَذَا أحد الأدلَّة، ومنه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. ولَيْسَ هَذَا موضع البسط في مَسْأَلَة الوليِّ وعدم الوليِّ، إنما هَذَا الخِطَاب توجيه لأولياء أمور النِّساء أن يزوجهنَّ، ولم يبين الله مَنْ يُنْكَح، يعني من الَّذِي نزوجه؛ لأنَّنا نحنُ مأمورون بالتزويج؟ بينت ذَلِك السنة فقال ﷺ : "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ" (١)، فنزوج صاحب الدِّين والخلق، صحيحٌ أن المال مقصود حسًّا وواقعًا، وقد بيَّن النَّبِيّ ﵊ أن المَرْأَة تنكح لمالها (٢)، والرّجل كَذلِكَ ينكح لماله، لكن الأَصْل هو الدِّين والخلق. وقَوْلهُ: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ يعني النِّساء غير المتزوجات، لكن الرِّجَال غير المتزوجين كَيْفَ ننكحهم؟ هل معناه إِذَا خطب مني أزوجه، أو معناه أعينه على الزواج أو الْأَمْرين جميعًا؟ الجواب: الْأَمْران جميعًا؛ لأَن الأيَّامى تطلق على الرِّجَال والنِّساء الَّذينَ لم يتزوجوا ولَيْسَ معهم زوجات، بالنِّسْبَةِ للإناث واضح أنَّنا مأمورون بتزويجهنَّ إنما نمنعهنَّ إِذَا خطبهم الْكُفَّار، لكن كَذلِكَ أيضًا الرِّجَال نحنُ مأمورون بتزويجهم، بمَعْنى إِذَا خطب منا الأيم نزوجه، والذي معه زوجة هل نزوجه؟ نزوجه لكن هَذَا أَشَدّ عناية.

стр. 197

يعني لو خطب رجلان امرأة أحَدهما معه زوجة والآخر لا زوجة معه وكلاهما في الدِّين والخلق سواء، من أقدم؟ الجواب: أقدم من لا زوجة له؛ لأنَّه أحوج ولأني أحصن فرجه، والمتزوج قد حصن فرجه من قبل. فإِذَنْ قَوْلهُ: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ بالنِّسْبَةِ للرجال لو كَانَ معهم زوجات مأمورون بالنِّكاح لكن إنما نص على الأيم لأنه أحوج، كَذلِكَ أيضًا يدخل في ذَلِك مساعدة الأيَّامى على الزواج أي: أن الْإِنْسَان يساعدهم، فإن هَذَا من الأعْمَال الَّتِي يؤجر الْإِنْسَان عَلَيْها؛ لأَن الزواج مقصود شرعًا وطبعًا، فإذا تزوج الْإِنْسَان فقد فعل ما أمر الله به وأدرك ما تطلبه نفسه أيضًا، ومع ذَلِك إِذَا ساعدناهم على هَذَا الْأَمْر فنحن ممتثلون لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ لأننا في الحَقيقَة زوجناه، فمساعدتنا له بالزواج هَذَا تزويج. لو قَالَ قَائِلٌ: ما الحُكْم إِذَا أَرَادَت المَرْأَة زوجًا غير صالح؟ الجواب: إِذَا أبتْ الزَّوْج الصَّالح وأَرَادَت الزَّوج غير الصَّالح لا يقبل منها، لكن لو طلبت كُفْئًا لكن الولي يرى أن غيره أولى والذي طلبت لَيْسَ فيه قدح في دينه فيَجب أن يتبع ما تريد. قَوْلهُ: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: "أي المُؤْمِنِينَ ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وَعِبَاد مِنْ جُمُوع عَبْد" اهـ. يعني: وأنكحوا الصَّالحين؛ أي: المُؤْمِنِينَ من عبادكم وإمائكم وقول المُفَسِّر ﵀: [وَعِبَاد مِنْ جُمُوع عَبْد] هَذَا بالنِّسْبَةِ للمملوكين يعني هَذَا خطاب للأسياد، يعني زوجوا الصَّالحين من عبادكم وإمائكم.

стр. 198

وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿الصَّالِحِينَ﴾ (المُؤْمِنِينَ) حمل المُفَسِّر الصَّلاح هُنا على صلاح الدِّين وصلاح الدِّين بالإِيمَان والعَمَل الصَّالح، لكن يحتمل أن يَكُون شاملًا لصلاح الدِّين والدُّنْيَا، يعني إِذَا كَانَ لِلإنْسان رقيق صالح في دينه صالح في دنياه، بمَعْنى أنه صالح لأَن يزوج لكونه بلغ سن الزواج ولكونه عارفًا بأمور الزواج ولكونه عاقلًا لا يحصل من تزويجه مفسدة وتعطيل لحق امرأته. المُهِمّ أنه يَنْبَغِي أن يفسر قَوْلهُ: ﴿الصَّالِحِينَ﴾ بصلاح الدِّين وصلاح الدُّنْيَا يعني صالحًا لأَن يَتزوج ولأن يُزوج، أما أن يَكُون عنْدَه مثلًا معتوه مجنون فهَذَا لا نؤمر بتزويجه على الإطلاق، بل إننا ننظر إِذَا لزم من عدم تزويجه مفسدة زوجناه وإلا فلا؛ لأَن هَذَا جناية على غيره. فالحاصِل: أن الصَّالح من العباد يزوج مطلقًا، وغير الصَّالح إن دعت الحاجة إلى تزويجه لكونه يلْزَم من عدم تزويجه مفسدة، والدَّليل لَيْسَ هذه الآية، ولكن من القاعِدَة العامَّة في الشَّريعة وهي دَرْأ المفاسد. وقَوْلهُ: ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ عباد: جمع عبد، والمُراد الأرقاء لنا، وسماهم الله عبادًا لأنهم ذليلون لنا ونحن أسيادهم، ذليلون قدرًا وشرعًا، أما شرعًا فواضح أنَّه عبدي أبيعه وأشتريه وآمره وأنَّهاه، وقدرًا كما هو معْلُوم أن الْعَبِيد أو العباد الأرقاء يرون أنفسهم في قُصور عن أسيادهم وهَذ من نعمة الله أن الله أذلهم لأسيادهم وإلا لو أن العَبْد تمرد على سيده، كانوا يَقُولُونَ: الجمل إِذَا هاج والعبد إِذَا صاج والسيل إِذَا جاد، هَؤُلَاءِ لَيْسَ لأحد بهم قِبل. قَوْلهُ: ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ جمع أَمَةٍ وهي الرقيقة المملوكة، وفي هَذَا إِشارَة إلى أن العَبْد لا يزوج نفسه؛ لقَوْلهُ: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ أي: زوجوا، هَذَا إِذَا كَانَ الخِطَاب موجهًا

стр. 199

للأسياد، أما إِذَا كَانَ الخِطَاب موجهًا لعموم النَّاس بمَعْنى أن الْإِنْسَان لا يترفع عن تزويج العَبْد والأَمة، لكن هَذَا بعيد، الظَّاهِر أن الخِطَاب هُنا للأسياد يعني زوجوا الصَّالحين للزواج في دينهم ودنياهم، زوجوهم من إماء وعبيد. وفي هذه الآية إِشْكال من جهتين: الجهة الأولى في قَوْلهُ: "عباد"، والجهة الثَّانية في قَوْلهُ: "إماء" فإن الرَّسُول ﷺ يَقُول: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي" (١)، وهنا قَالَ: ﴿عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾، وقال ﷺ : "لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ" (٢)، فهل بين الحديث وهَذهِ الآية تعارض أو لا؟ الجواب: الحقيقَة ظاهرهما التعارض، لكن التَّوفيق بينهما واضح، فالخِطَاب في قَوْلهُ: ﴿عِبَادِكُمْ﴾ من الله لِلإنْسان سمى رقيقه عبدًا له كما يصح أن أقول: هَذَا عبد فلان، وأضيفه إلى فلان، هذه أمته وما أشبه ذَلِك، لكن المحذور والذي وقع النَّهْي عنه إضافة السيد عُبُودِيَّة وإِمَائِيَّة هَؤُلَاءِ إلى نفسه هَذَا هو المحذور؛ لأنه يتضمَّن الغرور بنَفْسِه والتكبر على عبده والترفع علَيْه عنْدَما يَقُول: يا عبدي تعالَ، ويا أَمَتِي تعالي، لا شَك أنه يشعر بعظمة وعلو، والعبد يشعر أمامه بذل وخضوع، ولا يَنْبَغِي أن يَكُون الْأَمْر هكذا، ولهذَا جاء النَّهْي عنه.

стр. 200

أما إِذَا كَانَ الْأَمْر بالعَكْسِ بأن جاءت الإضافة من غير السيِّد فهَذَا لا بأس به، كما أن العَبْد أيضًا منهي أنْ يقولَ: ربي لسيِّده، وليقل: مولاي، لكن لو أنك قلت: يا عبد كلم ربك، ادعُ ربك لي، هَذَا يجوز، نفس الشَّيء إِذَا خاطب العَبْد سيِّده بالرُبوبِيَّة نقول: هَذَا منهي عنه؛ لأَن السيِّد يتعاظَم والعبد يتواضَع، ولهذَا جاء في الحديث حديث جبريل في أمارات الساعة قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، فَقَالَ: "أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبّتهَا" (١)، هكذا ثبت بهَذَا اللَّفْظ المعْرُوف (رَبّتهَا) لكن في رِوايَة أُخْرَى: "أَنْ تَلِدَ الْأمَةُ رَبَّهَا" (٢). فالحاصِل: أنَّه يَجب أن نعرف الفَرْق بين الإضافة إلى ضمير المتكلِّم والإضافة إلى غيره، فالإضافة إلى ضمير المتكلِّم منهي عنها، بالنِّسْبَةِ للسيد لا يَقُول: عبدي وأمتي، والعبد لا يَقُول: ربي، وأما الإضافة إلى غير ياء المتكلِّم فهَذه جائزة، والفَرْق بينهما من حيث المَعْنى واضح. قَوْلهُ: ﴿إِنْ يَكُونُوا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: الْأَحْرَار ﴿فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله﴾ بِالتَّزوُّجِ ﴿مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ لِخَلْقِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِهِمْ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾ أي المتزوجين. وقول المُفَسِّر: [أَي: الْأَحْرَار] لماذا خصها بالأحرار مع أنَّه في الآية يَقُول: ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ ثم قال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾؟

стр. 201

الجواب: لأَن الْعَبِيد والإماء لا يتصور منهم الغنى والفقر؛ لأنهم لا يملكون والدَّليل على أنهم لا يملكون قَوْل النَّبِيّ ﷺ : "وَمَنْ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَاله لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ" (١)، ماله للذي باعه لم يقل له، فالعبد لا يملك، فهو فقير لا يُمْكِن أن يصير غنيًّا، لكن قد يقال: إن الغني يَكُون لسيده. * * *

стр. 202

الآية (٣٣) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ [النور: ٣٣]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مَا يَنْكِحُونَ بِهِ مِنْ مَهْر وَنَفَقَة عَنِ الزِّنَا ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ الله﴾ يُوَسِّع عَلَيْهِمْ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ فَيَنْكِحُونَ] اهـ. لما أَمَرَ الله بالتزويج وبيَّن أنهم إِنْ كانوا فقراء أغناهم الله من فضله، أمر من كَانَ فقيرًا بأن يستعفف حَتَّى يغنيه الله من فضله، يعني لايطلق لنفسه العَنَان بالنَّظر المحرم والمباشرة المحرمة وتتبع النِّساء وما أشْبَه ذَلِك، بل يَجب علَيْه أن يستعفف عن الزِّنَا وأسبابه ومقدماته، فالمُراد بالْعِفَّة البُعْدُ عن الزِّنَا وأَسْبَابِه ومقدماته. وقَوْلهُ: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ لأنه إِذَا أغناهم الله من فضله تزوجوا إِذْ لم يمنعهم من الزواج إلا ذَلِك. وقَوْلهُ: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ المُفَسِّر فسَّره بقَوْلهُ: [مَا يَنْكِحُونَ به]، والصَّواب أن الآية أعمُّ من ذَلِك ولهذَا قَالَ: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ فيشملُ ما ذَكَرَه المُفَسِّر ﵀، ويشمل ما إِذَا لم يَجِدْ امرأة يتزوجها، قد يَكُون الْإِنْسَان غنيًّا وعنده مَهْرٌ وعنده نفقة

стр. 203

ولكن يَخْطُب ولا يُقبل، فهَذَا لم يجد نكاحًا، فتَخْصِيص عدم النكاح بما ذكره المُفَسِّر فيه نظر، فالآية أعم، فقَوْلهُ: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لا يجدون نفقة له، ولا يجدون امرأة يتزوجونها أيضًا فإنَّه داخل في عُمُوم الآية. لو قَالَ قَائِلٌ: في وقَوْلهُ: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أَرْشَد الله إلى الْعِفَّة لمن لا يجد النكّاح، فهل هَذَا يعارض قَوْل الرَّسُول ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ" (١) هل بين الآية والحديث تعارض؟ الجواب: لا، فالآية أمر الله فيها بالْعِفَّة والنَّبيّ ﷺ بَيَّنَ الطَّريق إلى العفة بأن يصوم الْإِنْسَان فإن ذَلِك يقطع شهوة النكاح، وإذا انقطعت شهوة النكاح فهَذَا من أفضل أَسْبَاب الْعِفَّة، إِذْ الْإِنْسَان لا يَحْدُوه إلى عدم الْعِفَّة إلا الشَّهوة، فإذا انقطعت زالت أَسْبَاب وجود عدم الْعِفَّة. وبهَذَا نعرف أن الحَديث لا ينافي الآية؛ لأَن الله أمر بالاستعفاف والنَّبِيّ ﷺ بَيَّن لنا طريقًا من طرق الاستعفاف، ثم إن الَّذِي لا يجد نكاحًا قد يَكُون ذا شَهْوَة قوية ربما تغريه بانتهاك المحرم، فدواء ذَلِك بالصوم. أما الْإِنْسَان الَّذِي شهوته عادية وبعيد أن تغريه فهَذَا لَيْسَ له أن يصوم؛ لأَن قَوْل النَّبِيّ ﷺ : "وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ" لو أخذنا بظاهره لقُلْنا: كل إِنْسَان فقير لا يجد نكاحًا وله شَهْوَة فإنَّه يصوم، ولكن الْأَمْر لَيْسَ كَذلِكَ، لكن

стр. 204

إِذَا لم يجد الْإِنْسَان طريقًا إلى الْعِفَّة سوى الصَّوم فليصم، أما إِذَا كَانَ الْإِنْسَان معتدلًا طبيعيًا ولا يخشى علَى نفْسِه المحذور فإنَّه لا حاجة إلى الصَّوم، ولهذَا قَالَ: "فَعَلَيْهِ" و (على) هذه للإغراء، فدل ذَلِك على أنَّه في حالة يحتاج إلى ما يدُلّه على كبح جماح الشَّهْوَة وَذلِك بالصوم. وفي قَوْلهُ: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ﴾ إِشارَة إلى أن الْعِفَّة سبب للغنى كما أن الزواج أيضًا سبب للغنى فكَذلِكَ الْعِفَّة، فإذا صبر الْإِنْسَان وأَعَفَّ نفسه وابتعد عما حرم الله علَيْه كَانَ ذَلِك سببًا للغنى، وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى في القُرْآن: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وقَوْلهُ: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ الله﴾ هل المُراد غنى المال أو غنى النِّكاح؟ المُراد غنى النِّكاح لأنَّه قَالَ: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ لماذا؟ لأنَّه مثل ما أشرنا إلَيه قد يَكُون الْإِنْسَان غَنَيَّ المال لكن لا يجد نكاحًا فلا يتزوج، فيشمل ذَلِك الغنى بالمال والغنى بالزَّوْجَة. إن كَانَ عدم وجود النِّكاح من أجل الفقر فالغنى يَكُون بالمال، وإن كَانَ عدم وجود النِّكَاح من أجل المنع فالغنى يَكُون بالطَّاعة؛ بأن يُيسر الله له مَنْ يُطيعه ويزوجه. لما ذَكَرَ الله جَلَّ وَعَلَا أحكام النِّكَاح وما يَتعلَّق به انتقل إلى أمر آخر مهم وهو ما يَتعلَّق بالإماء، بل بالمماليك عُمومًا؛ لأنَّه قَالَ: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ فأشار إلى المماليك ثم انتقل إلى مَسْأَلة مهمة جدًّا وهي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [بِمَعْنَى المُكَاتَبَة ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مِنَ الْعَبِيد

стр. 205

وَالْإِمَاء ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أَي أَمَانَة وَقُدْرَة عَلَى الْكَسْب لِأَدَاءِ مَال الْكِتَابَة وَصِيغَتُهَا مَثَلًا: كَاتَبْتُك عَلَى ألفَيْنِ فِي شَهْرَيْنِ كُلّ شَهْر ألف، فَإِذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْت حُرّ، فَتقُول: قَبِلْت] اهـ. قَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ بمَعْنى يطلبون و ﴿الْكِتَابَ﴾ بمَعْنى المكاتبة، والمكاتَبة هي أن يبيع السيدُ عبدهَ علَى نفْسِه، وسميت مكاتبة لأنَّها في الغالِب تجري بكتاب، يكتب السيد بينه وبين عبده كتابًا بهَذَا العقد فإذا طلب العَبْد من سيده أن يكاتبه فقد قَالَ اللهُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾. وقَوْلهُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ الفاء رابطة للخبر بالمبتدأ، وربط الخبر بالمبتدأ لا يُحتاج إلَيْه تقول: "زيد قائم" "الكتاب جميل" "السَّماء رفيعة" لكن إِذَا كَانَ المبتدأ يشبه الشَّرط في العُموم فإنَّه يربط خَبَره بالفاء، وهنا المبتدأ اسم موصول يشبه الشَّرط في العُموم، وتقدَّم سابقًا أن النَّحويين يمثلون بقولهم: الَّذِي يأتيني فله درهم، وأن هَذَا في القُرْآن كثير منه هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾. وقَوْلهُ: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (مِنْ) هذه بَيان للموصول في قَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ﴾ لأَن الموصول حَتَّى وإن وجدت صلته فهو مبهم في الواقِع، فـ (مِنْ) بَيانية لبَيان المبهم في الموصول. وقَوْلهُ: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في هَذَا إِثْبات الملك للبشر. فإذا قَالَ قَائِلٌ: ألَيْسَ الله يَقُول: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٩]، فحصر الملك لنفسه فكَيْفَ يتفق هَذَا مع إِثْبات الملك للبشر؟

стр. 206

فالجواب: أن الملك المطلَق لله وأن ملك البشر لِمَا يملكون لَيْسَ مطلقًا بل هو مقيد بنوع الملك ومقيد بنوع التصرُّف ومقيد بكل شَيْء، عنْدَما يَكُون لي مال هل أملك مطلق التصرف فيه؟ لا، أتصرف فيه بنوع معين وعلى حدود معينة، لِذَلك لَيْسَ ملكي تامًّا من كل جهة، فلهَذَا نقول: الملك المطلَق لله وحده، وملكي أنا يضاف إليَّ لكنَّه ملك مقيد محدد، فإن ملكت العين والمنفعة سميت مالكًا، وإن ملكت المنفعة دون العين سميت مستأجرًا، وهَكَذا كل نوع من الملك له اسم خاص. وقَوْلهُ: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (الأيمان) جمع يمين وهي مقابل الشِّمال، لكن هل معنى ذَلِك أن الْإِنْسَان يملك عبدَه بيده اليمنى فقط والَيْسَرى لا تملك؟ الجواب: لا، هَذَا تغليب مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فلمَّا كَانَ الغالِب في الأخذ والإعطاء والبيع والشِّراء والعَمَل باليد اليمنى قَالَ: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فأضاف الله الملك إلى الْيَمِين، وإلا فالحَقيقَة أنا مالكه لَيْسَ بيميني فقط. وقَوْلهُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ هَذَا أمر، وهل الْأَمْر هُنا للوُجوب أو للاستحباب؟ اختلف فيه أهْل العِلْم، فالجمهور على أن الْأَمْر للاستحباب، وحجتهم في ذَلِك أن العَبْد مملوك لك، ولا يَجب عَليْك إخراج ملكك إلا برضًا منك، فكَما أن الْإِنْسَان لا يَجبر على بيع بيته وعلى بيع دابته لا يَجبر كَذلِكَ على بيع عبده، فإذا طلب مني المكاتبة فأنا حر لأنَّه مالي، ولهذَا سماه الله تَعَالَى ملكًا فلا يَجبر على إخراج ملكه من ملكه "لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" (١)، وإذا كَانَ كَذلِكَ فإن الْأَمْر هُنا للاستحباب.

стр. 207

وذهب بعض أهْل العِلْم ومنهم أهل الظَّاهِر إلى أنَّ الْأَمْر للوُجوب وأنَّ العَبْد إِذَا طلب المكاتبة فإنَّه يَجب على السيد إجابته، وَذلِك لأَن الأَصْل في الْأَمْر الوُجوب وقولهم: "إن المالك لا يَجبر على إخراج ملكه من ملكه" هَذَا لَيْسَ على إطلاقه؛ فإن المالك يَجبر على إخراج ملكه من ملكه في الْأُمُور الَّتِي أوجب الله، ألَيْسَ يَجب على الْإِنْسَان أن يخرج الزَّكاة وهو إخراج شَيْء من ملكه، ألَيْسَ يَجب علَيْه الْكُفَّارة، ألَيْسَ يَجب علَيْه الإنفاق على غيره من أقارب وزوجات وغيرهم، ألَيْسَ الْإِنْسَان إِذَا تعلق بماله حق الغرماء وصَارَ دينه أكثر من ماله يحجر علَيْه ويَجبر على أن يبيع ماله ويصرف إلى الغرماء. فإِذَنْ عِبارَة: "لا يَجب على الْإِنْسَان أن يخرج ملكه من ملكه" لَيْسَت على إطلاقها، وما أكثر المَسائِل الَّتِي يَجبر فيها الْإِنْسَان على إخراج ملكه من ملكه. فعَلَى كُلِّ حَالٍ نقول: هذه المَسْأَلة لَيْسَت على إطلاقها وكم من مسائل صَارَت واجبة وهي متضمنة لإخراج الْإِنْسَان ملكه من ملكه، وهَذَا في الحقيقَة دافع لما يحتج به الجمهور، ثم إنه يقوي أن الْأَمْر للوُجوب أنهم قالوا: إن الشَّارع متطلع إلى العتق، والرق وارد في الحقيقَة على البشر ولَيْسَ أصيلًا فيهم، فإذا أَرَادَ الْإِنْسَان أن يتخلص من هَذَا الرق ويعيد نفسه إلى الأَصْل فإن الشَّارع يتطلع إلى ذَلِك. ولهذَا تجدون أن الشَّارع رغب في العتق كثيرًا حَتَّى إنه أخبر أن "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ الله بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ" (١)، وهَذَا

стр. 208

ترغيب عَظِيم، كَذلِكَ أيضًا أوجب الله عتق الرقبة في كفارات متعددة مثل كفارة الظهار وكفارة الْيَمِين وكفارة القتل، كل هَذَا دَليل على أن الشَّارع له تَشَوّف لتحرير الْعَبِيد فكَيْفَ لا نجعل هَذَا الْأَمْر للوُجوب لا سيَّما مع طلب العَبْد، فالعبد هو الطالب الآن، ويعرف من نفسه أنه سيستغني عن سيده ويريد أن يخلص نفسه فكَيْفَ نمنعه؟ فإذا قَالَ السيد: هَذَا عبدي ولا أستطيع أن أتخلص منه قُلْنا له: إِذَا اتقيت الله جعل لك من أمرك يسرًا، وإذا حررته تستأجره إِذَا كنت محتاجًا إلَيْه، أو ييسر الله لك سواه. عَلَى كُلِّ حَالٍ ما دام أن الله أمر به، فالأَصْل في أوامر الله ورسوله الوُجوب. قَوْلهُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ هَذَا شرط في الْأَمْر فجعل الله ذَلِك مشروطًا بعلم الخيْر فيهم، ولكن ما هو الخَيْر؟ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي أَمَانَة وَقُدْرَة عَلَى الْكَسْب لِأَدَاءِ مَال الْكِتَابَة] اهـ. فسره بعض السَّلف بقَوْلهُ: "صلاحًا في دينهم وكسبًا" ويُمْكِن أن يَكُون قَوْلهُ: [أمانة] يشير إلى ذَلِك، لكن إِذَا قُلْنا: "صلاحًا في دينهم" صَارَ أعم من كَلِمة أمانة، وهل الأمانة هي الصَّلاح في الدِّين أو من الصَّلاح؟ من الصَّلاح ولهذَا نقول: المُراد بالخيْر الصَّلاح في الدِّين والكسب، الصَّلاح في الدِّين بأن نعرف أنه مقيم للصلاة، مقيم للصوم، تارك للمحرمات، مستقيم، ومن الصَّلاح في الدِّين الأمانة، فنعرف أيضًا أنَّنا إِذَا أعتقناه لن يذهب يسرق من النَّاس؛ أي: أنه أمين، والكسب صلاح الدُّنْيَا؛ أي: نعرف أن هَذَا العَبْد إِذَا أعتق صَارَ قادرًا على الكسب ولَيْسَ كَلًّا على غيره؛ لأنَّه إِذَا كَانَ غير قادر على الكسب وأعتقه سيده فمن أين يأكل؟ يَكُون

стр. 209

كَلًّا على النَّاس، وربما يَكُون عنْدَه قوة فيسرق وينهب، لهذَا لا بُدَّ من هَذَا الشَّرط الصَّلاح والكسب. وأما قَوْل المُفَسِّر: [لأداء مال الكِتابَة] هَذَا فيه نظر، فلا يكفي أن يَكُون عنْدَه كسب لأداء مال الكِتابَة بل لأداء مال الكِتابَة وللإنفاق علَى نفْسِه في المستقبل. إِذَنْ الوُجوب أو الْأَمْر مشروط بأن نعلم فيهم الخيْر. إذا لم أعلم فيه خيرًا هل يَجب عليَّ مكاتبته إِذَا طلب؟ لا يَجب. وهل يجوز؟ إِذَا قُلْنا: يجوز، كَيْفَ يجوز وأنا أعرف أنه لَيْسَ فيه خير، أعرف أني إِذَا أعتقته يُرِيد أن يفسد إما أن يلحق بالْكُفَّار إِذَا كَانَ كافرًا أصلًا، وإلا فإنَّه يُفسد في الأَرْض بالمعاصي، وعندي محفوظ، لكن إِذَا صَارَ حرًّا من الَّذِي يسْتَطيع أن يأمره وينهاه، لَيْسَ لأحد أمر عليه. فالصحيح أن نقول: إِذَا لم نعلم فيه خيرًا لم نؤمر بمكاتبته هذه واحدة، ثم إِذَا لم نؤمر هل يجوز لنا أن نكاتبه؟ الجواب: إن علمنا أن في إجابته شرًّا ومفسدة صَارَت إجابته حرامًا، وإن لم نعلم فيها شرًّا ومفسدة فإجابته جائزة، فصَارَ المَفْهُوم فيه تفصيل: أنْ علمنا أَنَّ فيه خيرًا فتجب المكاتبة، وضد ذَلِك أَنْ نعلم أَنَّ فيه شرًّا فتحرم المكاتبة، وإن لم نعلم فيه لا هَذَا ولا هَذَا فهي محل جَواز. بقي الجواب عن هَذَا السؤال: إِذَا قَالَ السَّيِّد: أنا لا أعلم فيه خيرًا فلا يَجب عليَّ كتابته ماذا نقول؟

стр. 210

نقول: أنت وأمانتك، الله هو الَّذِي سيحاسبك وقد وكل الْأَمْر إليك، فإذا قلت: أنا لا أعلم فيه خيرًا، بالنِّسْبَةِ لنا نوافق ولا نجبرك على الكِتابَة. فعَلَى كُلِّ حَالٍ الْأَمْر موكول إلى السَّيِّد في علم الخير وعدمه، بالنِّسْبَةِ لنا أحكام الدُّنْيَا على الظَّاهِر إِذَا قَالَ: أنا لا أعلم في هَذَا العَبْد خيرًا، وأنا أعرف إن تركته سيَفْسَد ويُفسد، نقول: بالنِّسْبةِ للظاهر لا نجبرك، ولا نقول: يَجب عَليْك، لكن بالنِّسْبَةِ لله لا ينفعك إِذَا كنت تعلم أن فيه خيرًا وادعيت أنك لا تعلم أن فيه خيرًا، يعني إِذَا كَانَ الله يعلم أنك تعلم أن فيه خيرًا فإن دعواك هذه مردودة ولا تقبل، إلا إِذَا كَانَ الواقِع يكذبه بأن علمنا من هَذَا العَبْد أنَّه صالح دائمًا يصلي وأمين بين النَّاس ويعرف الكسب هَذَا طبعًا لا نقبل دعواه. لو قَالَ قَائِلٌ: ما الحُكْم إِذَا طلبت الأَمة المكاتَبة ولَيْسَ لها كسب؟ الجواب: لا يَجب على سيِّدِها أن يُكاتبها، وهَذَا بخلاف المعتِق؛ لأنَّه إِذَا أعتقها إن كَانَ لها أقارب فهم أوْلياؤُها، وإن لم يكن له أقارب فهو وليُّها، ويزوجها إِذَا أَرَادَت أن تتزوج، فإن لم يكن أهلًا لِذَلك فوليها القَاضِي. يَقُول المُفَسِّر ﵀: [وَصِيغَتُهَا مَثَلًا -يعني الكِتابَة- كَاتَبْتُك عَلَى ألفَيْنِ فِي شَهْرَيْنِ كُلّ شَهْر ألف فَإِذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْت حُرّ، فَتقُول: قَبِلْت] ذَلِك. قول المُفَسِّر: [صيغتها مثلًا] يعني لَيْسَ هذه هي الصّيغة الوَحْيدة بل كل ما دل على ذَلِك أجزأ، لكن قَوْلهُ: [على ألفين في شهرين] هل المُراد الألفان يحلان بنجم، واحد في الشَّهرين أو كل واحد في شهر؟ يَقُول العُلَماء: إنه من باب التيسير على العَبْد أن يَكُون المال الَّذِي يكاتب علَيْه

стр. 211

منجمًا بأجلين فأكثر، يعني لا يَقُول: كاتبتك مثلًا على عشرة آلاف تحل بعد سنة، لا؛ لأَن هَذَا فيه صعوبة على العَبْد بل يجعله منجمًا بأجلين فأكثر، مثلًا عشرة آلاف إما أنْ يقولَ: كل شهرين ألف ريال أو كل شهر ألف ريال، أو في ستة أشهر خمسة آلاف، المُهِمّ أنَّه لا بُدَّ أن يَكُون منجمًا بأجلين فأكثر؛ مُراعَاة لحال العَبْد ورفقًا به. وظاهر كلام أهْل العِلْم في هذه المَسْأَلة حَتَّى لو فرض أن العَبْد عنْدَه قدرة على أن يسلمها في أجل واحد فإنَّه لا بُدَّ من الأجلين، يعني لو فرضنا أن العَبْد جاءه إِنْسَان وقال له: تَعَالَى اشترٍ نفسك من سيدك وأنا أنقدك دراهم حالَّة فإنَّه لا يصِح، ولكن في هذه المَسْأَلة نظر، وقَضيَّة عَائِشَة ﵂ مع بريرة حيث كاتبت أهلها على تسع أواق فقالت عَائِشَة ﵂: "إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لهمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لي فَعَلْتُ" (١)، يدُلّ على الجَواز، وإن كَانَت عَائِشَة تريد أن تشريها شراء، لكن يدُلَّ على أنَّه إِذَا أَرَادَ أحد أن يعجل ما كاتب علَيْه العَبْد لسيده واتفقا على ذَلِك فإنَّه يصح. لكن في هذه الحال يلْزَم أن يحتاط العَبْد لنفسه لأنَّه قد يأتيه هَذَا الرَّجل ويقول له ذَلِك ثم يتراجع، مع أنه لو تراجع لا يضر العَبْد شيئًا، وآخر أمره أنَّه إِذَا عجز عن أداء مال الكِتابَة يَعود إلى سيده رقيقًا، وهَذَا في الحَقيقَة لا يضر. لو قَالَ قَائِلٌ: إِذَا كاتب العَبْد سيده هل يَجب على سيده أن ينفق عليه؟ الجواب: إِذَا صَارَ مكاتبًا لا يَجب على السَّيِّد الإنفاق عليه، بل يملك كسبه وكل شَيْء، والعتق يبدأ من بداية الكِتابَة لكن لا يتم إلا بأداء مال الكِتابَة.

стр. 212

قَوْلهُ: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَمْر لِلسَّادَةِ ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ فِي أَدَاء مَا الْتَزَمُوهُ لَكُمْ وَفِي مَعْنَى الْإِيتَاء حَطّ شَيْء مِمَّا الْتَزَمُوهُ] اهـ. قول المُفَسِّر ﵀: [أَمْر لِلسَّادَةِ] ويجوز أن يَكُون الْأَمْر لغير السَّادة أو للسادة وغيرهم فيجوز أن يَكُون الْأَمْر للمُسْلِمين كلهم. قَوْلهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ إِذَا كَانَ الْأَمْر موجهًا للسادة ففي كَيْفِيَّة الإتيان صورتان: الصُّورة الأولى: إِذَا كاتبه أعطاه مالًا لأجل أن يَكُون أساسًا لكسبه. والصُّورَة الثَّانية: إِذَا أدى ما علَيْه يحط عنه. ولكن هل يحط عنه من النَّجم الأوَّل؛ أي: من القسط الأوَّل أو من النَّجم الأَخِير؟ بعض السَّلف اختار أن يضع عنه من النَّجم الأوَّل؛ لأَن ذَلِك أيسر له، وبعض السَّلف اختار أن يضع عنه من النَّجم الأَخِير، وقال: إنني إِذَا وضعت عنه من النَّجم الأوَّل أو أعطيته من النَّجم الأوَّل ثم عجز وعاد إليَّ عادت صدقتي إليَّ، بخلاف ما إِذَا أعطيته من النَّجم الأَخِير لأنَّه إِذَا أدى النَّجم الأَخِير يعتق، فإذا أعطيته من النَّجم الأَخِير لم يعد إلي شَيْء من صدقتي، وهَذَا هو الأرجح أنه يعطيه من النَّجم الأَخِير، والصَّحيح: أن الْأَمْر في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ شامل للأسياد ولغيرهم، أي: إِذَا قُلْنا. قَوْلهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ وإذا قُلْنا إن الزَّكاة تصرف لهم فالزَّكاة مال الله، وأنه أمر للسادة بالكَيْفِيَّة المذكورة، وأمر لغير السَّادة أيضًا أن يعينوا المكاتب في

стр. 213

مكاتبته ولِذَلك جُعل له سهم من الزَّكاة، فيجوز لِلإنْسان أن يصرف من زكاته شيئًا للمكاتبين، وهَذَا هو الصَّحيح. وقَوْلهُ: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ انظر قَوْلهُ: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ لم يقل: "من مالكم" إِشارَة إلى أنكم وإن آتيتموهم فالمِنّة لله ؛ لأَن المال مال الله سواء قُلْنا: إنه مال شرعي لله وهو الزَّكاة -هَذَا إِذَا قُلْنا بأن الْأَمْر موجه لغير الأسياد- أو أن المال الَّذِي هو مال لله غير شرعي مال الله قدرًا، وهو مال الْإِنْسَان الَّذِي يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه فإنَّه في الحَقيقَة مال الله، وكأنَّ في الآية إِشارَة إلى أنه لا فضل لكم، واحمدوا الله أن أعطاكم مالًا فأعطوا هَؤُلَاءِ المكاتبين من مال الله الَّذِي آتاكم. خُلاصَة الكَلام أن في هذه الآية مشروعية المكاتبة هُنا إِذَا طلبها العَبْد، والْأَمْر فيها للوُجوب على القَوْل الصَّحيح، ولكنه مشروط بعلم الخير، والخيْر هو الصَّلاح في الدِّين والكسب، وفي الآية أيضًا دَليل على وُجوب إتيان المكاتب من المال سواء كَانَ الخِطَاب موجهًا للسيد أو موجهًا لعموم النَّاس، أما إِذَا كَانَ الخِطَاب موجهًا لعموم النَّاس فإنهم يعطون من الزَّكاة، وأما بالنِّسْبَةِ للسيد فيعطيه من المال الَّذِي في يده؛ لأَن الله هو الَّذِي مَنَّ به عليه. قد يَقُول قائل: لماذا تمنعون أن يعطي السَّيِّد من زكاته مكاتبه، مع أنكم تجيزون أن يعطي غريمه إِذَا كَانَ الْإِنْسَان يطلب شخصًا دراهم وأعطاه من زكاته فلا حرج؟ الجواب: يقال: الفَرْق بيِّن، الغريم إِذَا أعطيته ربما يَستَفِيد وربما لا يَستَفِيد، وربما أيضًا يتصرف فيه كما يُرِيد، لكن المكاتب سيَستَفِيد مهما كَانَ إما يَعود المكاتب رقيقًا ويَعود المال إلَيْه، هَذَا هو الفَرْق بينهما.

стр. 214

قَوْلهُ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: إِمَاءَكُمْ ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ أَي: الزِّنَا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تَعَفُّفا عَنْهُ، وَهَذ الْإِرَادَة مَحَلّ الْإِكْرَاه فَلَا مَفْهُوم لِلشَّرْطِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الفتيات كما قَالَ المُفَسِّر ﵀: الإماء: ولَيْسَ المُراد بالفتيات هُنا الصَّغيرات من النّساء يعني حَتَّى الحرائر، لا، هَذَا غير وارد، إنما المُراد بالفتيات الإماء. والبِغَاء الزِّنَا، سمي بغاءً لأنَّه يُطلب، يعني مطلوبًا، فالبِغَاء بمَعْنى الطلب والابتغاء بمَعْنى الطلب، فالزُّنَاة -والعِيَاذ باللهِ- والزَّانيات يطلبون هَذَا الْأَمْر. وقَوْلهُ: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تحصنًا عن الزِّنَا؛ أي: تعففًا عنه وامتناعًا منه، وهَذه الإِرادَة محل الإِكْراه، فلا مفهوم للشرط. فالآية الْكَرِيمَةِ فيها أن الله تَعَالَى نهى أن نكره الفتيات على البِغَاء بشرط: أن يردن التَّحصُّن، فإن لم يردن التَّحصُّن فظاهر الآية أن نُكرههنَّ، لكن المُفَسِّر يَقُول: إن محل النَّهْي هو الشَّرط، ولا يتصور الإِكْراه إلا إِذَا أردن التَّحصُّن، وعلى هَذَا فلا مفهوم للشرط، هَذَا ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر ﵀، وفيه نظر. ظاهر قَوْل المُفَسِّر ﵀: [وَهَذه الْإِرَادَة مَحَلّ الْإِكْرَاه فَلَا مَفْهُوم لِلشَّرْطِ] يعني الإكْراه لا يتصور إلا مع وجود هذه الإِرادَة، فلا مفهوم للشرط، يعني: إِذَا كَانَ الإِكْراه لا يتصور إلا بهَذه الإِرادَة، فالشَّرط لا مفهوم له؛ لأنه لبَيان الواقِع الَّذِي هو واقع الإِكْراه، هَذَا ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر ﵀، لكن فيه نظر ظاهر؛ لأنه قد يكرهها على البِغَاء وهي لا تريد التَّحصُّن.

стр. 215

إِذَنْ ما هو الرأي في هذه المَسْأَلة، يعني: ما هو القَوْل الراجح؟ الجواب: نقول: ذكر العُلَماء ثلاثة أوجه غير ما ذكره المُفَسِّر: الأوَّل: أن هَذَا بناء على الأغلب أنهم يكرههنَّ وهنَّ يردن التَّحصُّن، ومعْلُوم أن القَيْد إِذَا كَانَ لبَيان الغالِب لا مفهوم له، يعني: أن الله ينهاهم عن أمر قد وقعوا فيه وهو أنهم يكرهون فتياتهنَّ على الزِّنَا وهنَّ يردن التعفف عنه، فيَكُون هَذَا بناءً على الغالِب فلا مفهوم له، وهَذَا ما ذهب إلَيْه ابن كثير، على أن القَيْد -أي: الشَّرط- هَذَا لبَيان الغالِب لا لبَيان الواقِع. الثَّاني: قَالَ بعض العُلَماء: إن الشَّرط هَذَا بمَعْنى (إذ) ولا تكرهوا فتياتكم على البِغَاء (إذ) أردن تحصنًا؛ أي: لأنهنَّ يردن التَّحصُّن، وهَذَا القَوْل في الواقِع قد يَكُون راجعًا إلى القَوْل الَّذِي قبله وهو أننا نُخَّرج الشَّرط بناء على الغالِب، يعني أن الله ينهى عن حالة معينة كَانَ النَّاس يفعلونها في الجاهلية، ولهذَا لا يجوز تمكينها من الزِّنَا فضلًا عن الإِكْراه، لكن النَّهْي وارد على قَضيَّة معينة كانوا يفعلونها في الجاهلية، هَذَا على رأي من يرى أن هَذَا القَيْد يتنزل على الغالِب أو على الحال الَّتِي كَانَت أسبق منه. الثالث: أن المَقْصود من الشَّرط المبالغة في تبكيتهم ولومهم وتوبيخهم كَيْفَ أن الفتيات وهنَّ مماليك يردن التَّحصُّن وأنتم تريدون عكسه؟ ! لكن هَذَا مقصود به المبالغة في تبكيت هَؤُلَاءِ الأسياد الَّذينَ يكرهون الفتيات على البِغَاء، مع أن المفروض أنهنَّ لو أردن البِغَاء لكنتم تريدون التَّحصُّن والتعفف. والتخريج الَّذِي مشى علَيْه المُفَسِّر حيث زعم أن صُورَة الإِكْراه لا تتأتى إلا بهَذِهِ الإِرادَة؛ أي: صُورَة الإِكْراه لا يُمْكِن أن تَكُون إلا إِذَا أردن التَّحصُّن.
следующие страницы →