← Тафсир

Тафсир · id 553

تفسير العثيمين: النور

ابن عثيمين

Полный текст (440 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

منجمًا بأجلين فأكثر، يعني لا يَقُول: كاتبتك مثلًا على عشرة آلاف تحل بعد سنة، لا؛ لأَن هَذَا فيه صعوبة على العَبْد بل يجعله منجمًا بأجلين فأكثر، مثلًا عشرة آلاف إما أنْ يقولَ: كل شهرين ألف ريال أو كل شهر ألف ريال، أو في ستة أشهر خمسة آلاف، المُهِمّ أنَّه لا بُدَّ أن يَكُون منجمًا بأجلين فأكثر؛ مُراعَاة لحال العَبْد ورفقًا به. وظاهر كلام أهْل العِلْم في هذه المَسْأَلة حَتَّى لو فرض أن العَبْد عنْدَه قدرة على أن يسلمها في أجل واحد فإنَّه لا بُدَّ من الأجلين، يعني لو فرضنا أن العَبْد جاءه إِنْسَان وقال له: تَعَالَى اشترٍ نفسك من سيدك وأنا أنقدك دراهم حالَّة فإنَّه لا يصِح، ولكن في هذه المَسْأَلة نظر، وقَضيَّة عَائِشَة ﵂ مع بريرة حيث كاتبت أهلها على تسع أواق فقالت عَائِشَة ﵂: "إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لهمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لي فَعَلْتُ" (١)، يدُلّ على الجَواز، وإن كَانَت عَائِشَة تريد أن تشريها شراء، لكن يدُلَّ على أنَّه إِذَا أَرَادَ أحد أن يعجل ما كاتب علَيْه العَبْد لسيده واتفقا على ذَلِك فإنَّه يصح. لكن في هذه الحال يلْزَم أن يحتاط العَبْد لنفسه لأنَّه قد يأتيه هَذَا الرَّجل ويقول له ذَلِك ثم يتراجع، مع أنه لو تراجع لا يضر العَبْد شيئًا، وآخر أمره أنَّه إِذَا عجز عن أداء مال الكِتابَة يَعود إلى سيده رقيقًا، وهَذَا في الحَقيقَة لا يضر. لو قَالَ قَائِلٌ: إِذَا كاتب العَبْد سيده هل يَجب على سيده أن ينفق عليه؟ الجواب: إِذَا صَارَ مكاتبًا لا يَجب على السَّيِّد الإنفاق عليه، بل يملك كسبه وكل شَيْء، والعتق يبدأ من بداية الكِتابَة لكن لا يتم إلا بأداء مال الكِتابَة.

стр. 212

قَوْلهُ: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَمْر لِلسَّادَةِ ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ فِي أَدَاء مَا الْتَزَمُوهُ لَكُمْ وَفِي مَعْنَى الْإِيتَاء حَطّ شَيْء مِمَّا الْتَزَمُوهُ] اهـ. قول المُفَسِّر ﵀: [أَمْر لِلسَّادَةِ] ويجوز أن يَكُون الْأَمْر لغير السَّادة أو للسادة وغيرهم فيجوز أن يَكُون الْأَمْر للمُسْلِمين كلهم. قَوْلهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ إِذَا كَانَ الْأَمْر موجهًا للسادة ففي كَيْفِيَّة الإتيان صورتان: الصُّورة الأولى: إِذَا كاتبه أعطاه مالًا لأجل أن يَكُون أساسًا لكسبه. والصُّورَة الثَّانية: إِذَا أدى ما علَيْه يحط عنه. ولكن هل يحط عنه من النَّجم الأوَّل؛ أي: من القسط الأوَّل أو من النَّجم الأَخِير؟ بعض السَّلف اختار أن يضع عنه من النَّجم الأوَّل؛ لأَن ذَلِك أيسر له، وبعض السَّلف اختار أن يضع عنه من النَّجم الأَخِير، وقال: إنني إِذَا وضعت عنه من النَّجم الأوَّل أو أعطيته من النَّجم الأوَّل ثم عجز وعاد إليَّ عادت صدقتي إليَّ، بخلاف ما إِذَا أعطيته من النَّجم الأَخِير لأنَّه إِذَا أدى النَّجم الأَخِير يعتق، فإذا أعطيته من النَّجم الأَخِير لم يعد إلي شَيْء من صدقتي، وهَذَا هو الأرجح أنه يعطيه من النَّجم الأَخِير، والصَّحيح: أن الْأَمْر في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ شامل للأسياد ولغيرهم، أي: إِذَا قُلْنا. قَوْلهُ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ وإذا قُلْنا إن الزَّكاة تصرف لهم فالزَّكاة مال الله، وأنه أمر للسادة بالكَيْفِيَّة المذكورة، وأمر لغير السَّادة أيضًا أن يعينوا المكاتب في

стр. 213

مكاتبته ولِذَلك جُعل له سهم من الزَّكاة، فيجوز لِلإنْسان أن يصرف من زكاته شيئًا للمكاتبين، وهَذَا هو الصَّحيح. وقَوْلهُ: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ انظر قَوْلهُ: ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ لم يقل: "من مالكم" إِشارَة إلى أنكم وإن آتيتموهم فالمِنّة لله ؛ لأَن المال مال الله سواء قُلْنا: إنه مال شرعي لله وهو الزَّكاة -هَذَا إِذَا قُلْنا بأن الْأَمْر موجه لغير الأسياد- أو أن المال الَّذِي هو مال لله غير شرعي مال الله قدرًا، وهو مال الْإِنْسَان الَّذِي يتصرف فيه تصرف المالك في ملكه فإنَّه في الحَقيقَة مال الله، وكأنَّ في الآية إِشارَة إلى أنه لا فضل لكم، واحمدوا الله أن أعطاكم مالًا فأعطوا هَؤُلَاءِ المكاتبين من مال الله الَّذِي آتاكم. خُلاصَة الكَلام أن في هذه الآية مشروعية المكاتبة هُنا إِذَا طلبها العَبْد، والْأَمْر فيها للوُجوب على القَوْل الصَّحيح، ولكنه مشروط بعلم الخير، والخيْر هو الصَّلاح في الدِّين والكسب، وفي الآية أيضًا دَليل على وُجوب إتيان المكاتب من المال سواء كَانَ الخِطَاب موجهًا للسيد أو موجهًا لعموم النَّاس، أما إِذَا كَانَ الخِطَاب موجهًا لعموم النَّاس فإنهم يعطون من الزَّكاة، وأما بالنِّسْبَةِ للسيد فيعطيه من المال الَّذِي في يده؛ لأَن الله هو الَّذِي مَنَّ به عليه. قد يَقُول قائل: لماذا تمنعون أن يعطي السَّيِّد من زكاته مكاتبه، مع أنكم تجيزون أن يعطي غريمه إِذَا كَانَ الْإِنْسَان يطلب شخصًا دراهم وأعطاه من زكاته فلا حرج؟ الجواب: يقال: الفَرْق بيِّن، الغريم إِذَا أعطيته ربما يَستَفِيد وربما لا يَستَفِيد، وربما أيضًا يتصرف فيه كما يُرِيد، لكن المكاتب سيَستَفِيد مهما كَانَ إما يَعود المكاتب رقيقًا ويَعود المال إلَيْه، هَذَا هو الفَرْق بينهما.

стр. 214

قَوْلهُ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: إِمَاءَكُمْ ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ أَي: الزِّنَا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تَعَفُّفا عَنْهُ، وَهَذ الْإِرَادَة مَحَلّ الْإِكْرَاه فَلَا مَفْهُوم لِلشَّرْطِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الفتيات كما قَالَ المُفَسِّر ﵀: الإماء: ولَيْسَ المُراد بالفتيات هُنا الصَّغيرات من النّساء يعني حَتَّى الحرائر، لا، هَذَا غير وارد، إنما المُراد بالفتيات الإماء. والبِغَاء الزِّنَا، سمي بغاءً لأنَّه يُطلب، يعني مطلوبًا، فالبِغَاء بمَعْنى الطلب والابتغاء بمَعْنى الطلب، فالزُّنَاة -والعِيَاذ باللهِ- والزَّانيات يطلبون هَذَا الْأَمْر. وقَوْلهُ: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تحصنًا عن الزِّنَا؛ أي: تعففًا عنه وامتناعًا منه، وهَذه الإِرادَة محل الإِكْراه، فلا مفهوم للشرط. فالآية الْكَرِيمَةِ فيها أن الله تَعَالَى نهى أن نكره الفتيات على البِغَاء بشرط: أن يردن التَّحصُّن، فإن لم يردن التَّحصُّن فظاهر الآية أن نُكرههنَّ، لكن المُفَسِّر يَقُول: إن محل النَّهْي هو الشَّرط، ولا يتصور الإِكْراه إلا إِذَا أردن التَّحصُّن، وعلى هَذَا فلا مفهوم للشرط، هَذَا ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر ﵀، وفيه نظر. ظاهر قَوْل المُفَسِّر ﵀: [وَهَذه الْإِرَادَة مَحَلّ الْإِكْرَاه فَلَا مَفْهُوم لِلشَّرْطِ] يعني الإكْراه لا يتصور إلا مع وجود هذه الإِرادَة، فلا مفهوم للشرط، يعني: إِذَا كَانَ الإِكْراه لا يتصور إلا بهَذه الإِرادَة، فالشَّرط لا مفهوم له؛ لأنه لبَيان الواقِع الَّذِي هو واقع الإِكْراه، هَذَا ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر ﵀، لكن فيه نظر ظاهر؛ لأنه قد يكرهها على البِغَاء وهي لا تريد التَّحصُّن.

стр. 215

إِذَنْ ما هو الرأي في هذه المَسْأَلة، يعني: ما هو القَوْل الراجح؟ الجواب: نقول: ذكر العُلَماء ثلاثة أوجه غير ما ذكره المُفَسِّر: الأوَّل: أن هَذَا بناء على الأغلب أنهم يكرههنَّ وهنَّ يردن التَّحصُّن، ومعْلُوم أن القَيْد إِذَا كَانَ لبَيان الغالِب لا مفهوم له، يعني: أن الله ينهاهم عن أمر قد وقعوا فيه وهو أنهم يكرهون فتياتهنَّ على الزِّنَا وهنَّ يردن التعفف عنه، فيَكُون هَذَا بناءً على الغالِب فلا مفهوم له، وهَذَا ما ذهب إلَيْه ابن كثير، على أن القَيْد -أي: الشَّرط- هَذَا لبَيان الغالِب لا لبَيان الواقِع. الثَّاني: قَالَ بعض العُلَماء: إن الشَّرط هَذَا بمَعْنى (إذ) ولا تكرهوا فتياتكم على البِغَاء (إذ) أردن تحصنًا؛ أي: لأنهنَّ يردن التَّحصُّن، وهَذَا القَوْل في الواقِع قد يَكُون راجعًا إلى القَوْل الَّذِي قبله وهو أننا نُخَّرج الشَّرط بناء على الغالِب، يعني أن الله ينهى عن حالة معينة كَانَ النَّاس يفعلونها في الجاهلية، ولهذَا لا يجوز تمكينها من الزِّنَا فضلًا عن الإِكْراه، لكن النَّهْي وارد على قَضيَّة معينة كانوا يفعلونها في الجاهلية، هَذَا على رأي من يرى أن هَذَا القَيْد يتنزل على الغالِب أو على الحال الَّتِي كَانَت أسبق منه. الثالث: أن المَقْصود من الشَّرط المبالغة في تبكيتهم ولومهم وتوبيخهم كَيْفَ أن الفتيات وهنَّ مماليك يردن التَّحصُّن وأنتم تريدون عكسه؟ ! لكن هَذَا مقصود به المبالغة في تبكيت هَؤُلَاءِ الأسياد الَّذينَ يكرهون الفتيات على البِغَاء، مع أن المفروض أنهنَّ لو أردن البِغَاء لكنتم تريدون التَّحصُّن والتعفف. والتخريج الَّذِي مشى علَيْه المُفَسِّر حيث زعم أن صُورَة الإِكْراه لا تتأتى إلا بهَذِهِ الإِرادَة؛ أي: صُورَة الإِكْراه لا يُمْكِن أن تَكُون إلا إِذَا أردن التَّحصُّن.

стр. 216

فيقال: تتأتى بهَذ الإِرادَة وبإرادة أُخْرَى؛ لأَن صُورَة الإِكْراه تقع في غير هذه الإِرادَة، يعني يُمْكِن أن يكرهها وهي لا تريد التَّحصُّن، إِذَا أكرهها على شخص معين، لكن لا تريد هَذَا الشَّخص بعينه الَّذِي أكرهها عليه، مثل أنْ يقولَ مثلًا: تزنين مع هَذَا الرَّجل لكن هي لا تريد هَذَا الرَّجل تريد رجلًا آخر، فإذا أكرهها على أن تزني بهَذَا الرَّجل تحقق الإِكْراه مع أنَّها لا تريد التَّحصُّن في الحَقيقَة، فيُمْكِن الإِكْراه وإن لم ترد التَحصُن. فقولهم: إن الإِرادَة هي محل النَّهْي؛ لأنه لا إكراه بدون إرادة التَّحصُّن، يقال: لا، يُمْكِن أن يَكُون إكراه بدون إرادة التَّحصُّن، مثل أن تَكُون هي في ذَلِك الوقت لَيْسَ لها رغبة في الجِماع، أو في مكان لا ترغب أن تجامع فيه أو في زمان لا ترغب أن تُجامع فيه، أو لا تريد من أكرهت علَيْه أو ما أشبه ذَلِك، فلَيْسَ الإِكْراه خاصًّا بالزِّنَا حَتَّى نقول: إن هَذَا الشَّرط لبَيان الواقِع، فلا مفهوم له، أو لا تريد أن يقع منها هَذَا الْأَمْر في هَذَا الوقت، أو على هذه الحال، أو في مكان لا ترغب أن يجامع فيه، أو أنَّها تريد أن تراغم السَّيِّد ولا توافقه، أو ما أشبه ذَلِك، يعني لَيْسَ امتناع الفتاة من الزِّنَا محصورًا في إرادة التَّحصُّن؛ إِذْ إنه قد يَكُون له أغراض أُخْرَى. الحاصل أن الإِكْراه لَيْسَ خاصًّا بالزِّنَا حَتَّى نقول إن هَذَا الشَّرط لبَيان الواقِع فلا مفهوم له. وفي قَوْلهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إِشارَة إلى انحطاط رتبة من أراد ذَلِك؛ أي: من أَرَاد عرض الدُّنْيَا، وهَذَا صحيح. و(اللَّام) في قَوْلهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هل هي للتَّعليل أو للعاقبة؟ الظَّاهِر أنَّها للتَّعليل، وأن الَّذينَ يُكرهون فتياتهم على ذَلِك إنما يُريدُونَ عرض الحياة

стр. 217

الدُّنْيَا أي: متاعها، وسمي متاع الدُّنْيَا عرضًا لأنه يزول، وهَذَا أمر واقع، فإن متاع الدُّنْيَا كما وصفها الله قليل، فيزول عنك وتزول عنه، إِذَنْ فهو عرض يعني أمرًا عارضًا يزول. وفي قَوْلهُ: ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إِشارَة إلى أن هُناكَ حياة أُخْرَى وهي حياة الْآخِرَة، والدُّنْيَا هل هي من الدُّنو المعنويّ أو من الدُّنو الزَمَنِيّ أو منهما جميعًا؟ منهما جميعًا، فهي من الدُّنو الزمني لأنَّها سابقة على الْآخِرَة، ومن الدُّنو المعنوي لأنَّها أقل بكثير من الْآخِرَة، قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وأخبر النَّبِيّ ﷺ : "مَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الجَنَّةِ خَيرٌو مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فيها" (١) "، موضع السوط يعني ما يقارب مترًا خير من الدّنْيَا وما فيها، أي دنيا هي؟ هل هي دنياك الَّتِي تعيشها أنت أو كل الدُّنْيَا؟ كل الدُّنْيَا من أولها إلى آخِرها مهما طاب عيشها، فموضع سوط أحدنا في الجَنَّة خير منها وما فيها، فهي دنية بالنِّسْبَةِ للمرتبة. إِذَنْ الدُّنْيَا زمنًا ومعنى، أو إن شئت فقل: مرتبة وهي المَعْنى، فكَيْفَ يُرِيد الْإِنْسَان هَذَا العرض الزائل من هذه الحَياة الدُّنْيَا على حساب الحياة الْآخِرَة، لا شَكَّ أن هَذَا نقص في العَقْل أو نقص في الإِيمَان، أما رجل مُؤْمن لا يُمْكِن يفضل الدُّنْيَا على الْآخِرَة إطلاقًا، ولهَذَا خطب أمير المُؤْمِنِينَ عمر بن عبد العزيز ﵀ ذات يوم ووعظ النَّاس وقال: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالْآخِرَة فَأَنْتُمْ حَمْقَى، وَإِنْ كُنْتُمْ مُكَذِّبِينَ بِهَا فَأَنْتُمْ هَلْكَى" (٢)، هَذَا صحيح، يعني المخالف لشريعة الله بين أمرين:

стр. 218

إما رجل لا يؤمن بالْآخِرَة فهو هالك، وإما رجل يؤمن بالْآخِرَة ويخالف فهو أحمق ولا يحسن التصرف. فعَلَى كُلِّ حَالٍ لا يليق بالْإِنْسَان أن يبتغي عرض الدُّنْيَا على حساب الْآخِرَة. قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ نَزَلَتْ فِي عَبْد الله بْن أُبَيّ كَانَ يُكْرِه جَوَارِيَهُ عَلَى الْكَسْب بالزِّنَا] اهـ. يُمْكِن أن تَكُون نزلت في عبد الله بن أُبَيّ أوْ فِي غيره لكن المُفَسِّر لم يذكر له سندًا، وقد ذكر بعض المفسرين أنَّها نزلت في عبد الله بن أُبَيّ، ولكن يَنْبَغِي أن نعرف أن العبرة بعُموم اللَّفْظ لا بخصوص السَّبَب سواء عبد الله بن أُبَيّ أم غيره، وأشار بعض العُلَماء إلى أن العبرة بعُموم اللَّفْظ على الحالة الَّتِي نزلت أو الَّتِي ورد من أجلها العُموم لَيْسَ بعُموم كل الأَحْوال، عُمُوم اللَّفْظ بالنِّسْبَةِ لتقييدها بالشَّخص لكن على الحالة الَّتِي ورد من أجلها هَذَا النَّص، والفَرْق مفهوم، يعني: العبرة بعُموم اللَّفْظ لا في جميع الأَحْوال بل بعُموم اللَّفْظ بالنِّسْبَةِ لتقيده بالشَّخص، فلا يختص بالشَّخص الَّذِي ورد من أجله بل يعمه وغيره على الحالة الَّتِي وردت، مثال ذَلِك قَوْل النَّبِيّ ﷺ : "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" (١). لو أخذنا هَذَا على عمومه في الأشخاص والأَحْوال لكان الْإِنْسَان لا يصوم في السَّفَر مطلقًا، ولَيْسَ من البر أن يصوم، ولكنَّنا لا نأخذه على عُمُوم الأَحْوال بل على عُمُوم الأشخاص في مثل هذه الحال الَّتِي ورد من أجلها، وقد ورد الحَديث

стр. 219

حينما رأى النَّبِيّ ﷺ زحامًا ورأى رجلًا قد ظُلّل علَيْه فقال: "مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: صَائِمٌ، قَالَ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ". فإذا وصلت الحال بالصائم في سفره إلى مثل هَذَا الرَّجل قُلْنا له: لَيْسَ من البر، وما عدا ذَلِك فلا نقول: إنه لَيْسَ من البر؛ لأَن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يصوم في السَّفَر ولا يصنع شيئًا لَيْسَ ببر، وكان أيضًا يُقِرّ أصْحابه على أن يصوموا في السَّفَر إِذَا لم يصلوا إلى حال هَذَا الرجل، فالعبرة بعُموم اللَّفْظ. وقَوْلهُ: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾ (من) هذه شرطية، وأَسْماء الشَّرط من صيغ العُموم، فَكَما أن الأَسْماء المَوْصولَة من صيغ العُموم كَذلِكَ أَسْماء الشَّرط، يعني: أي إِنْسَان يُكره فتاته ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وفي قَوْلهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ إِشارَة إلى أنه لا بُدَّ من تحقق الإِكْراه، يعني بعد التحقق من الإِكْراه وألا يَكُون في قلبها أي ميل إلى ما أكرهها علَيْه فإن الله من بعد هَذَا الإِكْراه ﴿غَفُورٌ﴾ للمُكْرَهة لا للمُكْرِه، المُكْرِهُ عاص فلَيْسَ أهلًا للمَغْفِرة، ولهذَا نقول: إن جملة الشَّرط هُنا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لم تعد إلى ما يَعود إلَيْه فعل الشَّرط؛ لأَن فعل الشَّرط يَعود على المُكْرِه لا المُكْرَه. لكن جواب الشَّرط لم يعد على المُكْرِه بل على المُكْرَه وَذلِك للتلازم بين المُكْرِه والمُكْرَه إِذْ لا مُكْرِه إلا بمُكْرَه، فلِذَلك صح أن يَكُون جواب الشَّرط لَيْسَ عائدًا إلى ما يَعود علَيْه فعل الشَّرط، إنما هو عائد إلى شَيْء ملابس له وملازم له وهو المُكْرَه. فالقاعِدَة العامَّة أن جواب الشَّرط يَعود على ما يَعود علَيْه فعل الشَّرط، لكن لَيْسَ ذَلِك بلازم بل قد يَعود على ملابسه وملازمه كما في هذه الآية، ولهَذَا نقول:

стр. 220

إن الله من بعد إكراههنَّ غفور لهنَّ لا غفور لهم أي المكرِهين، بل لهنَّ أي: المكرهات ﴿رَحِيمٌ﴾ بهنَّ. وفي قَوْلهُ: ﴿غَفُورٌ﴾ إِشارَة إلى أن هَذَا الذَّنب لا عُقوبَة فيه. وفي قَوْلهُ: ﴿رَحِيمٌ﴾ إِشارَة إلى أن الله سيجعل لهنَّ فرجًا؛ لأَن الرَّحمة بها حصول المَطْلوب وزوال المرهوب، لِذَلك نقول: إن في هذه الآية إِشارَة إلى الفَرَج لمن أكره على فعل محرم، وأن الله تَعَالَى سيجعل له فرجًا، ويؤيد ذَلِك قَوْل النَّبِيّ ﷺ : "وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (١). فإذا قَالَ قَائِل: كثيرًا ما نسمع أن من النَّاس من أكره على أمر محرم ولم يحصل له الفرج بسرعة. فنقول: إن هَذَا لا ينافي الآيَة، إِذْ قد يَكُون من جملة الفرج أن الله يهون الْأَمْر علَيْه في قلبه، وَيكُون التخلص الحسي من هَذَا الإِكْراه بعد ذَلِك بسبب من الأَسْبَاب فوق ما نعلمه. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدتان الأُولَى والثَّانية: أن المُكْرَه على فعل الشَّيء لا يلحقه إثْمُه، ويَكُون في هَذَا رد على من فرق من أهْل العِلْم بين الإِكْراه على القَوْل والإِكْراه على الفِعْل، فمن العُلَماء من فرق بين الإِكْراه على الفِعْل والإِكْراه على القَوْل، وقال: إن الإِكْراه على القَوْل لا يترتب علَيْه مقتضاه، والإِكْراه على الفِعْل يترتب علَيْه مقتضاه. ولكن الصَّحيح أنَّه لا فرق وأن كل من أكره على قَوْل أو فعل فإنَّه لا حكم لفعله

стр. 221

ولا لقوله، يدُلّ على ذَلِك مع هذه الآية قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]، في هذه الآية الْكَرِيمَةِ هل قَوْلهُ: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ أي على الكفر بالقَوْل أو الكفر بالفِعْل أو بهما جميعًا؟ بهما جميعًا، ولم تخصص الآية القَوْل، ففي هذه الصُّورة الإِكْراه على البِغَاء، والبِغَاء فعل. ولو سلمنا جدلًا أن قَوْله تَعَالَى في سورة النَّحل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ خاص بالإِكْراه على القَوْل -لو سلمنا جدلًا مع أننا لا نسلم- فإن هذه الآية لا يُمْكِن فيها التَّأويل ولا التَّخصِيص لأَن القَضيَّة في فعل. فإن قَالَ قَائِل: فماذا تصنعون فيما يذكر من حديث صاحب الذباب الَّذِي مر على صنم هو وصاحب له وقال أصْحاب الصَّنم لأحدهما: قَرِّب، قَالَ: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله فقتلوه، وقالوا للثاني: قرب ولو ذبابًا، فقرب ذبابًا فلم يقتلوه (١)؟ نقول في هَذَا: إن هذه القصَّة لا تصح، ثم لو فرض أنَّها صحيحة عن بني إسرائيل فإن ديننا ولله الحمد قد وضع الله فيه من الآصار والأغلال الَّتِي كَانَت على بني إسرائيل ما أوجب أن يَكُون دين السهولة والَيْسَر، ولهذَا كَانَ من صِفات الرَّسُول ﷺ أنه يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عليهم، فكثير من الآصار والأغلال الَّتِي كَانَت على الأُمَم السَّابِقة رفعت عن هذه الأُمَّة.

стр. 222

لو قَالَ قَائِلٌ: لو أكرهت المَرْأَة وهي صائمة على الجِماع؛ أي: جامعها زوجها وهي صائمة بغيرِ اختيارِها ولم تتمكَّن أن تتخلَّص منه فما الحُكْم؟ الجواب: لا شَيْء عَلَيْها، لا تفطر ولا تكفر، وكَذلِك لو أكرهها على الجِماع وهي في إحرامها، يعني وهي محرمة، كَذلِكَ أيضًا لَيْسَ عَلَيْها شَيْء لا بالنِّسْبَةِ للنسك ولا بالنِّسْبَةِ للفدية، وهَذ قاعِدَة عامَّة مقررة في الدِّين الْإِسْلَامي، لكن يلاحظ أن قَوْلهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ تقدَّم أن فيه إِشارَة إلى تحقق الإِكْراه، وأنه لو كَانَ في المكره أدنى ميل فقد يتخلف جواب الشَّرط، فتتخلف المغْفِرة والرَّحمة إِذَا كَانَ بعدما أُكْرِه مال إلى الشَّيء، فهَذَا يحصل فيه تخلف الشَّرط، ومن ثَمَّ زعم الفُقَهاء ﵏ أن الرَّجل لا يُمْكِن أن يُكْرَه على الزِّنَا، وقالوا: إن الرَّجل إِذَا أُكْرِه على الزِّنَا وجب علَيْه إقامة الحد، وإذا اُكْرِه على الوطء في رمضان وجب علَيْه كفارة والقضاء، وكَذلِك في النُّسك، وما السَّبَب؟ قالوا: الإِكْراه في الجِماع لا يُمْكِن؛ لأنه لَيْسَ بفاعل إلا عن ميل، ما يفعل إلا بعد انتشار ذكره، ولا ينتشر ذكره إلا إِذَا مال، وعلى هَذَا فلا يتحقق الإِكْراه، والله يَقُول: ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ لكن خصوصًا في الحَدّ تدرأ الحُدُود بالشُّبُهَات، هَذَا وإن كَانَ فيه نظر، لكن عَلَى كُلِّ حَالٍ الْإِنْسَان إِذَا كَانَ شابًّا وأكره أن يزني بامرأة جميلة شابة قد ينتشر ذكره، لكن الحَقيقَة أن الْإِنْسَان مع الكراهة الشَّديدة للشَيْء لا يُمْكِن أن ينتشر. * * *

стр. 223

الآية (٣٤) * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْرهَا فِي هذه السُّورَة بَيِّن فِيهَا مَا ذُكِرَ أَوْ بَيِّنَة] اهـ. قَوْلهُ: "مُبَيَّنَاتٍ" (١) هل المَعْنى: بَيَّنت أو بُيِّن فيها ما ذكر؟ المَعْنى بُيِّن فيها ما ذكر، لكن ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: بَيَّنت. قَوْلهُ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ (اللَّام) في قَوْلهُ: ﴿وَلَقَدْ﴾ واقعة في جواب القسم وهي للتَّوكيد و (قد) كَذلِكَ للتَّوكيد، وعلَيْه فهَذه جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر واللَّام وقد، وإنما أكد الله هَذَا بهَذه المؤكدات الثَّلاثة للأهمية، وأننا إِذَا علمنا أن هذه آيَات مبينة فإن ذَلِك سوف يستلزم منا الاعتناء بهَذه الآيات. وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ﴾ ما المُراد بالآيات هُنا الشَّرْعِيَّة أم الْكَوْنِيَّة؟ الظَّاهِر أنَّها الشَّرْعِيَّة وهي الوَحْي الَّذِي نزل على الرَّسُول ﷺ ؛ لأَن الإنزال يتفق

стр. 224

معها أكثر مما يتفق مع الْكَوْنِيَّة، وفي قَوْلهُ: ﴿أَنْزَلْنَا﴾، أي: بالوَحْي الشَّرعي لأنه ينزل حَقِيقَة من العلو إلى السُّفل؛ ولأَنَّهُ ينزل من الله على قلب النَّبِيّ ﵊، فهو نزول حقيقي، وقد حرفه بعضهم إلى أن المُراد بالإنزال: الوَحْي، فقال: ﴿أَنْزَلْنَا﴾ يعني أوحينا، وقال: إن النُّزول لا يَكُون إلا من أعلى ولا يَكُون إلا في جُرم، يُقال: نزل الْإِنْسَان من السطح إلى الأَرْض، والقرآن لَيْسَ كَذلِكَ، ولا شَك أن الَّذِي يَقُول هَذَا الكَلام ينكر علو الله، ولهذَا أهْل السُّنَّة والجَماعَة من جملة ما استدلوا به على علو الله: أن الله أنزل القُرْآن على النَّبِيّ ﷺ وقالوا: يلْزَم من الإنزال أن يَكُون المُنزِل عاليًا، لكن الَّذِي يفسره بالوَحْي بحجة أن الشَّيء النَّازل ذو جرم، والقرآن لَيْسَ ذا جرم وإنما هو قولٌ ينزل، فهَذَا لا شَكَّ أنه محرف لكلام الله . ونحن نقول: إن القُرْآن ينزل كما قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا، وإن كَلِمة ينزل غير كَلِمة يوحى بل لها معنى آخر خاص، ثم إنه ما المانِع من أن يَكُون النُّزول في الْأُمُور المعنويَّة وَيكُون النُّزول إِذَا أضيف إلى الْأُمُور الحسية فهو لذوات الأجرام، وإذا أضيف إلى الْأُمُور المعنويَّة فله معنى آخر، ألَيْسَ الله يَقُول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]، والسكينة ليست حجرًا يُلقى في الْقَلْب، بل هي أمرٌ معنويٌّ، فإِذَنْ النُّزول يَكُون في الْأُمُور المعنويَّة. ثم ما المانِع أن يَكُون القُرْآن أيضًا له جرم، ولكنَّنا لا نعرف هَذَا الجرم؛ لأَن الله يَقُول للرَّسول ﷺ : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥] المزمل: ٥]، وقد ثبت أنه ﷺ نزل علَيْه الوَحْي وهو راقد على رجل حذيفة حَتَّى كاد يَرُضّها (١)،

стр. 225

وأنه كَانَ ينزل علَيْه الوَحْي وهو على الراحلة فتبرك به (١)، فما المانِع من أن يَكُون جُرمًا لكنَّه لَيْسَ كالأجرام المعْرُوفة، والله أعلم. والله تَعَالَى يجعل الْأُمُور المعنويَّة أمورًا حسية، ألم تر إلى الموت يوم القِيامَة يُمثل بكبش يشاهده النَّاس من أهل النَّار ومن أهل الجَنَّة ويُذبح أمامهم (٢)، كما أن الأعْمَال توضع في الموازين يوم القِيامَة، والأعمال أصلها معانٍ لا أجرام، والله على كل شَيْء قدير، وقدرته تَعَالَى فوق عقولنا. فهَذه الآية فيها دَليل صريح على أن الله أنزل القُرْآن من عنْدَه وأن النُّزول لَيْسَ بمَعْنى الوَحْي فقط، بل هو معنى خاص أخص من الوَحْي. وقَوْلهُ: ﴿آيَاتٍ﴾ جمعها، وحَقِيقَة الْأَمْر أنَّها كَذلِكَ؛ لأَن القُرْآن لَيْسَ حكمًا واحدًا ولا خبرًا واحدًا، أَخْبار كَثيرَة وأحكام كَثيرَة، فهو ﴿آيَاتٍ﴾ بمَعْنى عَلامَات، عَلامَات على عظمة من أنزلها وعلى صدق من جاء بها ﷺ . ووجه كونها آيات، أنك إِذَا تأملت الأَحْكام الَّتِي جاءت بها هذه الآيات وجدتها مطابقة تمامًا فيما هو مراد ودفع الضرة فيما لَيْسَ بمراد، ووجدت أيضًا أن أَخْبارها في غايَة ما يَكُون من المصْلَحة والمنفعة، ووجدت لها تأْثِيرًا بالغًا، ومن جملة تأْثِيرها حفاوة الأُمَم الَّذينَ كانوا يناضلون الإِسْلام فدخلوا في دين الله أفواجًا

стр. 226

بمجرد أنهم سمعوا القُرْآن ورأوا آدابه وأخلاقه، ثم إن هَذَا التأْثِير - لمن ألقى السمع أو كَانَ له قلب - تأْثِير لا يوجد له نظير. فإذا صفي الذهن وأقبل الْإِنْسَان بقَلْبِه على القُرْآن مهما كَانَ حَتَّى ولو كَانَ غير مسلم لا بُدَّ أن يتأثر، قَدِمَ جبير بن مطعم المدينة، فسمع النَّبِيّ ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فلمَّا بلغ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥، ٣٦]، فقال ﵁: كاد قلبي أن يطير. ومن ذَلِك الوقت ألقى الله الإِيمَان في قلبه ثم أسلم بعدُ (١)، الَّذِي أثار هَذَا الرَّجل كثيرًا أنه سمع القُرْآن، فهَذَا دَليل على أن القُرْآن آيَات عَظِيمة تدُلّ على عظمة من أنزلها، وعلى صدق من جاء بها وَذلِك لما تضمنته من الأَحْكام العادلة الَّتِي تبهر العقول، ولا يُمْكِن لبشر أن يأتي بمثلها. ومن الأَخْبار الصَّادقة النَّافعة وأَخْبار موجعة للنَّفْس ومريحة لها ونافعة للقلب أيضًا ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. وقَوْلهُ: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: تبين الحقّ من الباطل وتفصل بينهما وتميز بينهما، ثم أيضًا تبين الأَحْكام بنفْسِها، لكن منها ما يحتاج إلى بَيان من غيره ومنها ما هو بَيِّن بنَفْسِه، ففي هَذَا إِشارَهَ إلى أنه لا يوجد في الشَّرع أمر مشكِل بحسب الواقِع؛ لأَن الإِشْكال الَّذِي يقع في المَسائِل الشَّرْعِيَّة لَيْسَ لقُصور في النُّصوص ولكن لقُصور في الفَهْم أو قُصور في العِلْم، قد يَكُون الْإِنْسَان قاصِر العِلْم لا يحيط بالنُّصوص كلها،

стр. 227

وقد يَكُون قاصِر الفَهْم، ومن ثَمَّ يحصل الإِشْكال، أما مع العِلْم والفَهْم التام فإنَّه لا يُمْكِن أن يوجد إِشْكال في الشَّريعة، ولِذَلك أحيانًا تعرض لي مَسْأَلة وأجد فيها إِشْكالًا، ثم في زمن آخر تعرض لي نفس المَسْأَلة ولا أجد فيها إِشْكالًا؛ لأَن صفاء الذهن وأحوال الْإِنْسَان لها تأْثِير بالغ في فهم النُّصوص. ولهذَا أنا أرى أنه يَنْبَغِي لطالب العِلْم أن يقيد المَسائِل النَّافعة الَّتِي تعرض له ويخشى أن ينساها ولا يعتمد علَى نفْسِه، ويقول: هذه الفَائِدة واضحة ولا حاجة لتقييدها؛ لأنه قد يأتي يوم من الأيام ما فتح الله عَليْك بالأمس غير موجودٍ الآن، إما لتخلف السَّبَب أو لِوُجود المانِع، والْإِنْسَان بشر تتقلب به الأَحْوال فيُمْكِن أن تعرض له مشكلة في بيته فيخرج إلى النَّاس غضبان ولا يتحمَّل أي كَلِمة من النَّاس، ويُمْكِن أن يرضى في بيته ويخرج إلى النَّاس ويتحمَّل كل كلام منهم، فالْإِنْسَان بشر في جميع أحواله يتقلب ويتغير. فإن القُرْآن -ولله الحمد- مُبيِّن ومُبَيَّن أيضًا، ولكن الخفاء الَّذِي يحصل لِلإنْسان إنما هو من نفسه لا من حيث الأدلَّة وَذلِك لأحد أمرين كما تقدَّم، فمن أجل أحد هَذَيْنِ الْأَمْرين يحصل الخفاء في الأَحْكام الشَّرْعِيَّة، أما الآيات الَّتِي أنزلها الله فهي آيات مُبَيَّنة مُبَيِّنة لَيْسَ فيها إِشْكال. وقد ذكر شيخ الإِسْلام ﵀ عِبارَة في (العقيدة الواسطية) قَالَ: "وَمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ؛ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الحقِّ" (١)، هذه في الحَقيقَة عِبارَة تكتب بماء الذَّهب، وإن كَانَ الذَّهب لا يستعمل مدادًا لكن قصدي هذه عِبارَة ممتازة، من تدبر القُرْآن طالبًا الهُدَى منه تبين له طريق الحَقّ فلابُدَّ من هَذَيْنِ الْأَمْرين.

стр. 228

قَوْلهُ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ و"ومُبَيَّنَاتٍ" قراءتان سبعيتان (١). قَوْلهُ: ﴿وَمَثَلًا﴾: قَالَ المُفَسِّر ﵀: [خَبَرًا عَجِيبًا وَهُوَ خَبَر عَائِشَة ﴿مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أَي: مِنْ جِنْس أَمْثَالهمْ، أَي: أَخْبَارهمْ الْعَجِيبَة، كَخَبَرِ يُوسُف وَمَرْيَم] اهـ. يعني أنزل الله أيضًا مثلًا من الَّذينَ خلقوا من قبلكم، المُراد بالمَثَل والله أعلم هُنا ما هو أعم من الواقِع، يعني أمثالًا من الَّذينَ خلوا، ولَيْسَ هَذَا خاصًّا بخبر عَائِشَة ﵂ ومريم ويوسف بل هو أعم من ذَلِك، لكن المُفَسِّر ذكره، كعادته ﵀ أنَّه يذكر الآيات عامَّة على المَعْنى حسب السِّيَاق، صحيح أن السِّيَاق قد يقيد المطلَق وقد يخصّص العامّ لكن بِدَلِيل، أما إِذَا لم يكن دَليل على أن هَذَا خاص فالأولى العُموم. وما ذكره في قَوْلهُ: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ في الحقيقَة قد يَكُون أعم مما ذكره المُفَسِّر ﵀. إِذَنْ نزول القُرْآن أحكام شرعيَّة عُبر عنها بالآيات المبينات وأَخْبار صادقة فيها العبرة عُبر عنها بقَوْلهُ: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فالله ضرب لنا أمثالًا ممَّن خلا من قبلنا فيما يَتعلَّق بالْعِفَّة والصيانة وفيما يَتعلَّق بالْأَمْر بالدِّين والإِيمَان والقدوة الحسنة، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]، ولما ذكر الله قصة لوط قَالَ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣].

стр. 229

فالْإِنْسَان العاقِل يفيق؛ لأَن سَنَّة الله واحدة والله جَلَّ وَعَلَا البشر بالنِّسْبَةِ إلَيْه سواء إلا بالتَّقوى. فإذا أهلك الله أمة من الأُمَم السَّابِقة بمخالفته فهل يمتنع أن يهلك هذه الأُمَّة أيضًا؟ لا يمتنع إلا أنه يُستثنى من ذَلِك الإهلاك العامّ، الإهلاك العامّ رُفع عن هذه الأُمَة (١). وإلا فأصل العُقوبَة واردة في هذه الأُمَّة كغيرها، بل قَالَ بعض العُلَماء: إنه لم يوجد من بعد إهلاك فرعون، واستدلوا على ذَلِك بقَوْلهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص: ٤٣]، قالوا: فبعد ما نزلت التوراة على موسى ﷺ ما كَانَ ذاك في الأُمَم السَّابِقة يعني إهلاكًا، هَذَا هو الواقِع في الحقيقَة سواء الآية تدُلّ علَيْه أم لم تدُلّ، إنما هَذَا هو الواقِع. قَوْلهُ: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ مثل قصة يوسف ﵊ رمى بما رمي به وأنجاه الله مِنِ امرأة العزيز الَّتِي رمته بالْفَاحِشَة، والغريب أن امرأة العزيز هي الَّتِي راودته عن نفسه، وغلقت الأبواب وهيأت كل شَيْء، ولكنه ﵊ بعد أن هم مع توفر الأَسبَاب وانقطاع المَوانِع ووجود الطلب والهمة بعد ذَلِك امتنع، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، وهَذَا أعلى ما يَكُون في الْعِفَّة، خلافًا لمن ذهب يحاول في كَلِمة ﴿وَهَمَّ﴾ ويقول: إن المُراد بقَوْلهُ: ﴿هَمَّتْ بِهِ﴾ بالزِّنَا ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ ليبطش بها.

стр. 230

لكن يقال: كمال الْعِفَّة أن تحصل مع وجود الطَّلب؛ ولهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﵊ في الَّذينَ يظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه قَالَ: "وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ" (١). لا يوجد مانع إلا هَذَا، فلَيْسَ عندهما أحد، والشَّهْوَة متوفرة والعزيمة موجودة، ومعنى العزيمة الهم، لكن منعه خوف الله ، الحاصل أن يوسف ﵊ بعد أن همت به وهم بها وجُد الآن الطلب والسبب وانتفى المانِع حينئذٍ ﴿رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ فتح الله علَيْه فانصرف ثم تبين أن الخائن أخيرًا امرأة العزيز. ظهر ذَلِك علنًا حَتَّى من يوسف ﵊، فمن قوة صبره ومن حكمته لما دُعي أن يخرج من السجن قَالَ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]، لم يخرج حَتَّى بان أمره، وهَذَا يعتبر من الصَّبر العَظِيم، وإلا فإن طبيعة الْإِنْسَان إِذَا كَانَ مسجونًا وقالوا له: اخرج، فإنَّه لا يتردد في الخروج، لكن هو ﵊ أبى حَتَّى يَكُون بريئًا وفعلًا هَذَا الَّذِي حصل. بالنِّسْبَةِ لمريم ﵂ حصل نفس الشَّيء، اليهود اتهموها لكن هل قالوا إنها زانية؟ عَرَّضوا تعريضًا قالوا: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ [مريم: ٢٨]، يعني، أبوك لَيْسَ امرأ سوء وأمك لَيْسَت بغيًا فمن أين جاءك البِغَاء؟ هَذَا كلامهم. ولهذَا اختلف العُلَماء هل يُحد بالقَذْف إِذَا عرَّض أو لا يُحد؟ والصَّحيح أنه إِذَا كَانَ التَّعريض واضحًا يُحد، بل بعض العُلَماء يَقُول: إن

стр. 231

التَّعريض بالزِّنَا أعظم من التَّصريح به لأنه يتضمَّن قذفًا ولومًا، مثل لو جاءك خصم وقال لك أنا الحمد لله لي أب، فهَذَا أعظم من التَّصريح. قَوْلهُ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢] , إلى آخره ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ [النور: ١٦] إلى آخِره، وَتَخْصِيصهَا بِالمُتَّقِينَ لِأَنَّهُمْ المُنتفِعُونَ بها] اهـ. المُفَسِّر ﵀ ذكر هذه الآيات بناءً على عادته وهو تَخْصِيص العامّ بالسِّيَاق لأَن عادته كما تقدَّم أنَّه يخصّص العُموم بالسِّيَاق. والصَّحيح أن العُموم لا يخصّص بالسِّيَاق وأنه يشمل ما تضمنه السِّيَاق وغيره وعلى هَذَا فهو مَوْعِظَة للمتقين في هذه الآيات الَّتِي عدها وفي غيرها، فالقرآن الكَرِيم مَوْعِظَة لكن لا يَنتفِع به إلا المتقون الَّذينَ اتخذوا وقاية من عَذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. * * *

стр. 232

الآية (٣٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ الله الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ [النور: ٣٥]. * * * قَوْلهُ: ﴿الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي مُنوِّرهمَا بِالشَّمْسِ وَالْقَمَر ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أَي صِفَته فِي قَلْب المُؤْمِن] اهـ. هذه الآية تضمنت عدة أشْيَاء: أولًا: قَوْلهُ: ﴿الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذه الجُمْلَة هل هي على ظَاهِرها وحقيقتها؟ أم هي تحتاج إلى تأويل؟ اختلف فيها أهْل السُّنَّة وغيرهم كالعادة في بقية آيات الصَّفات، فذهب أهل التَّأويل إلى أن الآية لها تأويل وجعلوا التَّأويل: إما أن ﴿نُورُ﴾ بمَعْنى منور كما ذهب إلَيْه المُفَسِّر أو أن ﴿نُورُ﴾ بمَعْنى ذي نور كما تقول: رجل عدل أي: ذو عدل، فمعنى ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ذو نور السَّموات والأَرْض أي: صاحب نورهما أي: الخالق للنور فيهما وعلَيْه فيَعود هَذَا المَعْنى إلى المَعْنى الأوَّل لكن الاختلاف في التَّقدير، وهَذَا مذهب أهل التَّحريف الَّذينَ يُسمَّون أهل التَّأويل والأصح في تسميتهم أهل

стр. 233

التَّحريف؛ لأَن التَّأويل في الحقيقَة منه صحيح ومنه غير صحيح، والأليق بالتَّأويل غير الصَّحيح أن يسمى تحريفًا؛ لأنَّه صرف للفظ عن مدلوله بدون دَليل وهَذَا هو التَّحريف حَقِيقَة، أما أهْل السُّنَّة والجماعَة فقالوا: إن الآية على حقيقتها وعلى ظَاهِرها، وأنَّ الله نور السَّموات والأَرْض لكن النُّور نوعان: نورٌ هو ذات الباري جَلَّ وعلَا وصفاته وآياته وأحكامه وكلامه لما يحصل به من الهداية، أي أن أصل النُّور هو الَّذِي يهتدي به كقول الخنساء (١): ........................ ... كأنَّهُ عَلَمٌ في رَأسِهِ نارُ وهَذَا غير مخلوق، ونورٌ آخر حسي مخلوق، منفصل بائن عن الله، فالنُّور الَّذِي نراه في الشَّمس، وفي القمر، وفي النُّجوم، وفي السُرج هَذَا من النُّور الحسي المخْلُوق ثم النُّور المخْلُوق منه أيضًا: حسيّ ومعنويّ، فالحسي الَّذِي مثلنا به والمعنوي ما ذكره الله تَعَالَى بقَوْلهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ إلى آخِره. فالطَّريق السَّليم أن نقول: نور الله لَيْسَ مخلوقًا، لَيْسَ كنور القمر الَّذِي جعله الله تَعَالَى فيه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، ولَيْسَ كنور المصباح، ولَيْسَ كالنُّور الَّذِي يَكُون في قلب المُؤْمِن من العِلْم والهداية والإِيمَان، ولكنَّ النُّور حقيقي لله فهو نورٌ وصفاته نور وكَذلِك آياته نور سماها الله تَعَالَى نورًا لأَن الله تَعَالَى وصف نفسه بهَذَا الشَّيء، ولكن لَيْسَ كالنُّور الَّذِي نتصوَّره أو نتخيَّله فإن النَّبِيّ ﷺ يَقُول: "حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ" (٢)، يعني لأحرقت سُبُحات وجهه كل شَيْء

стр. 234

لأَن بصره ينتهي إلى كل شَيْء. إِذَنْ أهْل السُّنَّة والجماعَة يَقُولُونَ: إن الله تَعَالَى نور السَّموات والأَرْض، فهو نور بذاته، وكَذلِك أيضًا صفاته، وكَذلِك آياته سماها الله تَعَالَى نورًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، فهو نور لكن أهل التَّحريف لما ظنوا أن النُّور هو مادة الإضاءة أو الضوء نفسه قالوا: هَذَا عرض يزول والله منزه عن العرض أو هَذَا جسم يعني قابلًا للإضاءة والله تَعَالَى منزه عن الجسم على حد تعبيرهم وقواعدهم. لكنَّنا نقول ما الَّذِي يسوغ لنا أن نعدل بالآية عن ظَاهِرها ولا نقول الله نور السَّموات والأَرْض؟ وقد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ" فأثبت لوجهه نورًا. إِذَنْ كلام المُفَسِّر ﵀ [أَي: مُنوِّرهمَا] هَذَا لَيْسَ بصحيح، هَذَا تحريف وإنما معناه نور في السَّموات والأَرْض نور بذاته وصفاته وآياته ﵎. لو قَالَ قَائِلٌ: الَّذينَ يحرفون نُصُوص الْكِتَابِ وَالْسُّنَّةِ هل يعذرون؟ مَسْأَلة العذر شَيْء آخر، نحنُ نبطل القَوْل ونعذر القائل، ونقول للرَّجُلِ إِذَا أخطأ أخطأت، ولكن مع ذَلِك لا نلومه إِذَا علمنا منه حسن النِّية، بل نحبه أيضًا، نحنُ نعرف الآن علماء أجلاء فضلاء ممَّن سلكوا هَذَا المسلك مسلك التَّحريف في أَسْماء الله وصفاته، ومع ذَلِك نُشْهِد الله على محبتهم؛ لأَننا نعرف أنهم لم يسلكوا ذَلِك إلا عن اجتهاد وحسن نية، لما لهم من قدم الصِّدق في الإِسْلام والنُّصح للإِسْلام

стр. 235

والمكانة، مثل النَّووي وابن حجر العسقلاني رحمهما الله تعالى، وغيرهما كثير، هَؤُلَاءِ لا أحد يكرههم أو يبغضهم أو يسيء الظَّن بهم. لكن لا مانع من أن نقول إِذَا أخطئوا: قولهم خطأ، ونقول: قولهم باطل، لكن لا يَلْزَم من ذَلِك أن نلوم هَذَا الشَّخص إِذَا علمنا منه حسن النِّية وأن هَذَا هو الَّذِي أداه إلَيْه اجتهاده، وهَذ طريقة أهْل السُّنَّة والجماعَة، ولذَلك لا تجد بينهم عداوة ولا بغضاء إِذَا اختلفت أقوالهم، لأَن كل واحد منهم يعرف أن صاحبه معذور، لكن أهل الأهواء والعِيَاذ باللهِ هم الَّذينَ لا يعذرون أحدًا يخالفَهْم وإن كانوا هم على باطل ولذَلك تجدهم يُكِنون العداوة والبغضاء لمن خالفَهْم. قَوْلهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي صِفَته فِي قَلْب المُؤْمِن] اهـ. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي مثل نور الله كمشكاة، المُفَسّر ﵀ قَالَ: [فِي قَلْب المُؤْمِن ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ إلى آخِره]، لماذا لا نجعل ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ الَّذِي هو نور ذاته وصفته؟ يعني من الَّذِي أوجب لنا أن نؤول؟ لأَن الله لا مثل له، لا يُمْكِن أن نمثل نوره الَّذِي هو صفته بشَيْء من المخْلُوقات فإن الله قَالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] , إذن لابدَّ من التَّأويل. وفي الحَقيقَة إِذَا قَالَ قَائِلٌ: ألستم تنكرون التَّأويل؟ نقول: لا ننكر التَّأويل مطلقًا، بل ننكر التأويل الَّذِي لا دَليل عليه، أما ما يَقْتَضيه العَقْل فإنَّه أمر معْلُوم لأَن عقلك هل يُمْكِن أن يصدق أن نور الله بهَذَا الحجم ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾؟ أبدًا حَتَّى العَقْل يمنع هَذَا، إِذَا كَانَ العَقْل يمنع هَذَا فالتَّأويل لا بُدَّ منه، يَقُول الله في ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ عقلًا لم تدمر السَّموات ولم تدمر

стр. 236

الأَرْض وإنما دمرت كل شَيْء يَنتفِعون به بِدَليل قَوْلهُ: ﴿لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. فعَلَى كُلِّ حَالٍ إننا نقول: مثل نوره، أي: مثل نوره الَّذِي يضعه في قلب المُؤْمِن، وبعضهم يَقُول: مثل نوره الَّذِي يهدي به، ويرى أن هَذَا من باب التقريب المعنويِّ للحسيِّ ويقول مثلًا: إن القُرْآن نور، مَثَلَ هَذَا النُّور كمشكاة ... إلى آخِره، لكن الأسلم ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر ﵀ أن المُراد بالنُّور هُنا: النُّور الَّذِي يضعه الله تَعَالَى في قلب المُؤْمِن. قَوْلهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ما هي المِشْكَاة؟ المِشْكَاة: الكوة ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ سراج ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [هي الْقِنْدِيل، و ﴿الْمِصْبَاحُ﴾ السِّرَاج، أَي: الْفَتِيلَة المَوْقُودَةُ، وَالمِشْكَاة: الطَّاقَة غَيْر النَّافِذَة، أَي: الْأنبُوبَة فِي الْقِنْدِيل] اهـ. المشكاة كما قَالَ المُفَسِّر ﵀: الطَّاقَة غَيْر النَّافِذَة الَّتِي يسميها النَّاس عندنا الرُّوزَنَة هذه إِذَا كَانَ فيها مصباح، وهَذَا المصباح في زجاجة -وسيأتي أيضًا وصف هذه الزجاجة- يَكُون نوره أقوى لأَن النُّور ينعكس ولا يتبدد، وهَذَا في الحَقيقَة أصل العَمَلية الَّتِي يسمونها الكُبْس الَّتِي تعكس النُّور فهي مأخوذة من القُرْآن؛ لأَن هذه المشكاة هي في الحقيقَة نظرية الكُبْس. قَوْلهُ: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: وَالنُّور فِيهَا ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ أَي: مُضِيء بِكَسْرِ الدَّال وَضَمّهَا مِنْ الدَّرْء بِمَعْنَى الدَّفْع لِدَفْعِهَا الظَّلَام، وَبِضَمِّهَا وَتَشْدِيد الْيَاء مَنْسُوب إلَى الدُّرّ: اللُّؤْلُؤ] اهـ.

стр. 237

فالآية فيها قراءات ثلاث: ﴿دُرِّيٌّ﴾ بضم الدال وتشديد الياء بدون همزة منسوب إلى الدر وهو اللؤلؤ لصفائه. و"دُرِّئٌ" (١) بكسر الدال، فعِّيل على وزن سكَّين مبالغة من الدَرء بمَعْنى الدفع. و"دُرِّئ" (٢) بضم الدال، فعِّيل، أيضًا من الدرء بمَعْنى الدفع، والكَوْكَب الدُري معناه العَظِيم النُّور والتوقد يعني: توقده ونوره عَظِيم، وَذلِك لأَن وصفه بهَذَا الدرء يدُلّ على قوة نوره ونفوذه، وكلما كَانَ أَشَدّ لمعانا كَانَ أَشَدّ درءًا، فـ (دُريءٌ) مشتق من الدرء، درأ يدرأ فهو داريء، فـ (داريء) اسم الفاعل، لكن جاءت المَسْأَلة على باب المبالغة؛ لأَن وزن فِعِّيل وفُعِّيل كلاهما من صيغ المبالغة؛ لأَن كل مشتق بمَعْنى اسم الفاعل إِذَا عُدل به عنه، فهو يدُلّ على أحد أمرين: إما المبالغة، وإما الصِّفة المشبهة، فهُنا يدُلّ على المبالغة يعني بسبب قوةِ توقده وقوة ضوئه يَكُون دِرِّيئًا أي: يدرأ الظلام بقوة نفوذه، ولا يدرأ الظلام بقوة نفوذه إلا وهو عَظِيم التوقد وعَظِيم النُّور؛ لأنك لو أتيت مثلًا بسراج أو لمبة صغيرة هل تدرأ الظلام؟ لا تدرأ إلا درءًا بسيطًا فيما حولها، لكن لو أتيت بلمبة كَبيرَة وعَظِيمة تدرأ الظلام بقوة ولذَلك يَكُون ما حولها منيرًا جدًّا، وكَذلِك أيضًا أوسع وأبعد. القِراءَة الأُخْرَى: "دُرّيٌّ" منسوب إلى الدر كما تقدَّم، وهو اللؤلؤ لصفائه، يعني لا يوجد مثلًا قَتَم يحول بيننا وبين هَذَا الكَوْكَب بل هو صافٍ جدًّا مثل الدر، هاتان القراءَتان قد سبق الإِشَارَة إلى أن القراءَتَين يَكُون مِنْ فَوَائِدِهما أحيانًا سعة

стр. 238

المَعْنى، يعني اختلاف القراءتين قد يَكُون له مصلَحَة وفَائِدَة عَظِيمة منها مثلًا التفسير كقَوْلهُ: "فتثبتوا"، "فتبينوا" (١) ومنها توسيع المَعْنى فمثلًا ﴿دُرِّيٌّ﴾ أو (دِريء) و (دُري) والذي وسمع المَعْنى أنَّها بنفْسِها صافية بناءً على الدري وقوية الإضاءة بناءً على (دِرِّيءٌ) فهَذه مِنْ فَوَائِدِ اختلاف القراءات أنه يظهر في كل قِراءَة معنى غير الَّذِي ظهر في القِراءَة الأُخْرَى فيَكُون ذَلِك أوسع وأشمل. قَوْلهُ: ﴿يُوقَدُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: (المِصْبَاح بالمَاضِي، وَفي قِراءَة بِمُضَارع أَوْقَد مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِالتَّحْتَانِيَّة، وَفِي أُخْرَى "تُوقَدُ" (٢) بِالْفَوْقَانِيَّةِ، أَي: الزَّجَاجَة) اهـ. إِذَنْ في الآية ثلاث قراءات هُنا كأنَّها كوْكب (دُرِّي تَوَقَّد) هَذَا على أنه فعل ماضي، أي: استمد الوقود من شَجرَة مُباركة إلى آخِره، وفيها أيضًا (يُوْقَدُ) أي: يوضع فيه الوقود، وفيه أيضًا (تُوْقَدُ). على قِراءَة "تَوَقَّدَ" وعلى قِراءَة (يُوقَدُ) الضَّمِير يَعود على المصباح، ولا يصِح أن يَعود على الكوْكَب لأَن الكَوْكَب لا يوقد من هَذَا الشَّيء أي: أن الكَوْكَب لا يوقد من الشَّجرة الَّذِي يوقد هو المصباح. يَقُول المُفَسِّر ﵀: [وفي أُخْرَى "تُوْقَدُ" بالفوقانية أي: الزجاجة] اهـ. الضَّمِير يَعود على الزُّجاجة لا على المصباح وهنا لا يقال مثلًا: إن الضَّمِير يَعود إلى أقرب مذكور، لأَن القاعِدَة الضَّمِير يَعود على أقرب مذكور ما لم يوجد مانع لفظي أو معنوي فهُنا وجد مانع لفظي، والمانِع اللفظي هو أَن قَوْلهُ: [تُوْقَدُ] الضَّمِير فيه يَعود على مؤنث والمصباح مذكر، هُنا وجد مانع لفظي يمنع من عود

стр. 239

الضَّمِير إلى آخر مذكور، وربما يوجد مانع معنوي مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ قَوْلهُ: ﴿هُوَ﴾ أي: الله ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، الضَّمِير يَعود على (الله) لأنَّه قَالَ: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ﴾ أي: الله ﴿سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ فإبراهيم ﵊ لم يسمنا في هَذَا، يعني لو فرض أن قَوْلهُ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ يصح أن يَعود على إبراهيم لكن قَوْلهُ: [وفي هَذَا] مانع فلِذَلك نقول: هَذَا مانع معنوي؛ لأَن (هو) صالح لأَن يرجع إلى الله وصالح أن يرجع إلى إبراهيم ﵊ لكن المَعْنى يمنع منه. أما على قراءتنا فنقول: (تَوَقَّدَ) و (يُوْقَدُ) كلاهما الضَّمِير يَعود على الكَوْكَب، وأما (تَوَقدَ) فالضَّمِير يَعود على الزجاجة الَّتِي فيها المصباح ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾. قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مِن﴾ زيت ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بَلْ بَيْنهمَا فَلَا يَتَمَكَّن مِنْهَا حَرّ وَلَا بَرْد مُضِرَّانِ] اهـ. يَقُول المُفَسِّر ﵀: [﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ من زيت شَجرَة]، كَيْفَ يَكُون من زيت شَجرَة؟ لأَن الشَّجرة نفسها لَيْسَت هي الوقود وإنما الوقود زيتها. وقَوْلهُ: ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ أي: ذات بَرَكَة، والبَرَكَة هي الخير الكثير الثّابت، مأخوذ من برْكَة الماء لكثرة مائها وثبوته. وقَوْلهُ: ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ وهُناكَ شَجرَة غير الزَّيتون يُوقد منها، لكن زيت الزَّيتون هو أعلاها وأَشَدّها صفاءًا وأقواها نورًا.

стр. 240

وقَوْلهُ: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ كَيْفَ تَكُون ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ ما معنى هَذَا؟ يَقُول ﵀: [بَلْ بَيْنهمَا فَلَا يَتَمَكَّن مِنْهَا حَرّ وَلَا بَرْد مُضِرَّينِ] هكذا في النُّسخة الَّتِي عندي، والظَّاهِر أن الصَّواب (مضران) ومعنى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي: أنَّها في ربوة أو جبل لأنَّها إِذَا كَانَت في منخفض، فهي لا بُدَّ أن تَكُون شرقية أو غربية. فإن كَانَت في المنخفض من جهة الشَّرق فهي شرقية، شمس آخر النَّهار لا تصيبها، وإذا كَانَت من جهة الغرب فهي غربية شمس أول النَّهار لا تصيبها، فهي إما في ربوة وَذلِك أكمل وأبين وأعلى وأطيب زيتًا، وإما في مكان مستوٍ، صحراوية، وفي هَذَا دَليل وإرشاد إلى أنَّه يَنْبَغِي لِلإنْسان إِذَا وضع الشَّجر ألا يضعه في مكان يحتجب عن الشَّمس شرقًا أو غربًا بل يَنْبَغِي أن يوضع الشَّجر في مكان يبرز للشمس شرقًا وغربًا. قَوْلهُ: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ يَقُول ﵀: لِصَفَائِهِ. اهـ. ﴿يَكَادُ﴾ بمَعْنى يقرب ﴿زَيْتُهَا﴾ أي: زيت هذه الشَّجرة، ﴿يُضِيءُ﴾ أي: يحدث إضاءةً ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ كَيْفَ يضيء ولم تمسسه نار؟ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [لِصَفَائِهِ] فإذا أصابته النَّار مع أن أصله صافٍ يكاد يضيء ماذا يحدث؟ ﴿نُورٌ عَلَى نُور﴾. الآن يُمْكِن أن نعرف ما نوع هَذَا التَّمثيل وهل هَذَا التَّمثيل مركب أو مفرد؟ الظَّاهِر أنَّه مركب يعني مركبًا من هذه الأَشْيَاء، ولا يتحقق ولا يتم التَّمثيل إلا بتصور هذه الأَشْيَاء مجتمعة، لو قُلْنا: أنَّه مفرد كَانَ معنى ذَلِك أن كل تمثيل لا يتصل بما بعده، ننظر قَوْلهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ المشبه نور الله، والمشبه به المشكاة، ثم قَوْلهُ: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾.

стр. 241

وهل هَذَا التَّشبِيه مستقل عما قبله أو هو في ضمن ما قبله؟ الَّذِي أرى -وهو أبلغ- أن يَكُون في ضمن ما قبله؛ لأجل أن يَكُون التَّشبِيه مركبًا من الصُّورة كاملة، ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ إِذَنْ هَذَا تشبيه تمثيل بمَعْنى أن الله شبه النُّور الَّذِي في قلب المُؤْمِن بهَذ القَضيَّة كلها (مشكاة فيها مصباح) والَّذِي يقابل المشكاة هو الْقَلْب، والنُّور الَّذِي يقذفه الله في قلبه مع نور الإِيمَان هو المصباح، لكن هَذَا المصباح مركب في زجاجة والزجاجة صافية لامعة ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ووقود هَذَا النُّور ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ زيتها صافٍ وجيد، فصَارَت مادة النُّور جيدة، وكَذلِك محله جيد، وكذاك وقايته جيدة؛ لأَن الزجاجة تقي النُّور وتصفيه. فالنُّور إِذَا لم يكن في زجاجة -كما هو معْلُوم- يَكُون مضطربًا وَيكُون غير صافي، فتجد أن هَذَا النُّور قد كملت فيه أَسْبَاب الصَّفاء من حيث الوقود والمكان، وكَذلِك أَسْبَاب الشُّمول والقوة من حيث كونه في مشكاة، النُّور الَّذِي في قلب المُؤْمِن مثل هَذَا، ولكن المُراد المُؤْمِن كامل الإِيمَان في الحقيقَة. فأما المُؤْمِن ناقص الإِيمَان فإنَّه ينقص من نوره بمقدار ما نقص من إيمانه، يعني لا تظن أن هَذَا التَّشبِيه لكل قلب مُؤْمن، بل المُراد المُؤْمِن الكامل الإِيمَان، فإن الله تَعَالَى يجعل في قلبه هَذَا النُّور العَظِيم، وَذلِك أمر معْلُوم، كلما قوي إيمان العَبْد وكلما قوي طلبه للحق فإن الله تَعَالَى يهديه ويزداد نوره، وكلما ضعف إيمان العَبْد أو ضعف طلبه للحق فإنَّه يضعف نوره، ولهذَا قَالَ الشَّافعي ﵀ (١): شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ... فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصِي

стр. 242

وأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ ... ونُورُ اللهِ لَا يُؤْتَاهُ عَاصِي فكلما نقص الإِيمَان أو نقص طلب الحَقّ فإنَّه ينقص هَذَا النُّور، وكلما ازداد الْإِنْسَان في طلب الحقّ وَذلِك بالتعلم وقوي إيمانه ازداد نوره، ولذَلك تجد أن أهْل العِلْم تقوى معرفتهم بالشَّريعة بحسب ما أوثر عنهم من الإِيمَان والتَّقْوى. قَوْلهُ: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ ما هو النُّور الَّذِي على نور؟ النُّور نور هَذَا المصباح على نور ما في الزيت، فإن هَذَا الزيت أصله فيه إنارة يعني ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ فكَيْفَ إِذَا أصابته النَّار؟ كَذلِكَ نور الإِيمَان في الْقَلْب، مثل نور الزيت، ونور العِلْم والهداية مثل النَّار الَّتِي تصيب هَذَا الزيت وهَذَا مثل تقريبي وإلا فنور الإِيمَان والعلم في قلب المُؤْمِن أَشَدّ وأبلغ لكن لضرب الأَشْيَاء المعقولة بالأَشْيَاء المحسوسة تقريبًا فقط لا تحقيقًا ومساواة بل بينهما فرق. قَوْلهُ: ﴿نُورٌ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [بِهِ ﴿عَلَى نُورٍ﴾ بِالنَّارِ وَنُور الله أَي: هُدَاهُ لِلْمُؤْمِنِ نُور عَلَى نُور الْإِيمَان] اهـ. إِذَنْ فالإِيمَان بمنزلة الزيت والهداية بمنزلة النَّار الَّتِي جُعل الزيت وقودًا لها. قَوْلهُ: ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ﴾، يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي: دِين الإِسْلام ﴿مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ﴾ يُبيِّن ﴿الله الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا فَيُؤْمِنُوا ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ منْهُ ضَرْب الْأَمْثَال] اهـ. قَوْلهُ: ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ﴾ هَذَا النُّور الَّذِي يهدي الله هل هو النُّور الَّذِي يقذفه في قلب المُؤْمِن أو النُّور الَّذِي ينزله للنَّاس؟ الَّذِي ينزله للنَّاس، يهدي الله المُؤْمِن إلَيْه، فالذي ينزله الله إلى النَّاس من الوَحْي هو نور بلا شَك ويهدي إلَيْه من يشاء.

стр. 243

وقَوْلهُ: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ تقدَّم أن أي شَيْء عُلق بالمشيئة فإنَّه مقرونٌ بالحِكْمة، فالله تَعَالَى يهدي من يشاء لكن إِذَا اقتضت الحكْمَةُ هدايته، وَذلِك لكونه مستعدًا وقابلًا للهداية، وقد علمنا أن كل من طلب الحَقّ بنية صادقة فإن الله يهديه، وكل من زاغ عن الحقّ وتولى عنه فإن الله تَعَالَى يضله قَالَ اللهُ تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ [المائدة: ٤٩]. وقَوْلهُ: ﴿وَيَضْرِبُ الله الْأَمْثَالَ﴾ جمع مَثَلٍ وهو الشَّبَه، أو مِثْل وهو الشِّبْه أيضًا، و ﴿الْأَمْثَالَ﴾ كل شَيْء يُشابه غيره أي: الأشباه والنَّظائر، ولا شَك أنَّ ضربَ الأمثال من نعمة الله علَى عِبَادِه، لأنَّ هَذَا لا شَك أنه من تمَام التَّعليم، وإلا فلو شاء الله لم يضرب الأمثالَ للنَّاس ولَتَرَكَهُمْ حَتَّى يضلوا، ولكن من تمام رحمته أن كَانَ تعليمه على وجه الكمال والتَّمام؛ ولذَلك ﴿يَضْرِبُ الله الْأَمْثَالَ﴾، لأَجْلِ أنْ يستدلَّ النَّاس بها على ما يريدُ الله إِثْباتَه لهم. فالله تَعَالَى يضرب الأمثالَ للنَّاس، إما أن يضرب حسيًّا بحسي، أو معنويًّا بمعنوي، أو معنويًّا بحسي، وأحيانًا يضربُ الغائب بالحاضر، والغالِبُ أن الله يضرب الأمثالَ بأمر حسيٍّ إِذَا كَانَ الْأَمْر معنويًّا، وإذا كَانَ الْأَمْر الحسيُّ أمرًا مستبعدًا أو منكرًا فإنَّه يضربه بحسيٍّ معْلُوم، وَذلِك لتقريب الْأَمْر إلى أذهان النَّاس، مثلًا نجد أن الله تَعَالَى ضرب مثلًا للذينَ يعبدون غير الله بالعنكبوت، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾، هَذَا ضرب أمرٍ معنويٍّ بأمرٍ حسيٍّ، فهم يلوذون بهَذ الأصنام كما أن العنكبوت تلوذ ببيتها، لكن هل بيتها يقيها؟ لا، ولهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١].

стр. 244

ونجد أن الله تَعَالَى يضرب مثلًا لما ينكره الكافرونَ من إحياء الموتى بإحياء الأَرْض بعد موتها؛ فإن الأَرْض تَكُون مَيْتَةً هامدة، فإذا أنزل الله عَلَيْها الماء اهتزت ورَبَتْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩]. ونجد أنه هُنا في الْأَمْر المعنوي الَّذِي هو نور الله تَعَالَى في قلب المُؤْمِن، ونور الله الَّذِي ينزله فيهتدي به المُؤْمِن، نجد أن الله تَعَالَى ضرب به مثلًا بهَذَا المِصباح الَّذِي في المِشْكَاةِ إلى آخِره. قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مناسبتُها للآية أنه أعلم العالمينَ بما يطابق المثلَ مَضْرَبًا ومَوْرِدًا؛ لأَن المَثَلَ له مَضْرِبٌ وله مَوْرِدٌ، فالله هو أعلم العالمين بهَذَا المَضْرِبِ والمَوْرِدِ، ومطابقة أحَدهما للآخر؛ لأنه قد يشبه الْإِنْسَان شيئًا بشَيْء، وعنْدَما تُمحِّصُ الْأَمْر وتُحقِّقُه لا تجد مشابهة، لكن الله إِذَا ضرب مثلًا بشَيْء فإنَّه بكل شَيْءٍ عليمٌ، لا يخفى علَيْه أوجه المشابهة الَّتِي يتضمَّنها هَذَا المثل، فالله عليمٌ بكل شَيء في نفس المثل وفيما ينتفع به، وفي هذه الآية إِشارَةٌ بل تصريحٌ إلى عُموم علم الله ، وأنه عليمٌ بكل شَيْءٍ فيما يَتعلَّقُ بأفعاله، وفيما يَتعلَّقُ بأفعال العباد. والَّذينَ أنكروا العِلْم بأفعال العبادِ من القَدَرِيَّة يستدلونَ بآيات من متشابه القُرْآن، والله حكيمٌ؛ ومن حكمته أن يجعل في وحيه متشابهًا، فيستدلونَ بمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]؛ قالوا: ﴿حَتَّى﴾ للغاية، ومعنى ذَلِك أن الله لا يعلم المجاهدَ والصابرَ إلا بعد أن يجاهدَ ويصبرَ.

стр. 245

ولكن سبق الجواب عن مثل هَذَا الإِشْكال، وأن المُراد بالعلم العِلْم الَّذِي يترتب علَيْه الجزاء؛ لأَن عِلْمَ الله تَعَالَى بالشَّيء قبل وقوعه لا يترتب علَيْه الجزاء، يعني كون الله يعلم بأن هَذَا سيجاهد وهَذَا لن يجاهد، هَذَا لا يترتب علَيْه جزاءٌ، فيَكُون المَعْنى: "حتى نعلمَ العِلمَ الَّذِي يترتبُ علَيْه الجزاءُ"، وَذلِك لا يَكُون إلا بعد الامتحانِ والابتلاءِ. وأيضًا فرق آخر: عِلْمُ اللهِ بالشَّيءِ قبل وقوعهِ علمٌ بأنه سيقع فلا يَتعلَّق به شيْء، وعلمه بعد وقوعهِ علمٌ بأنه وَقَعَ، وفرق بين مَدْرَكِ العِلْمَين. الأوَّل: علمٌ بأنه سيقع، ولا يترتب علَيْه شَيْء بالنِّسْبَةِ للمكلَّف. والثَّاني: علمٌ بأنه وقع، وهو الَّذِي يترتب علَيْه ما رتَّبه الله تَعَالَى بالنِّسْبَةِ للمكلَّف، هَذَا هو ما أجاب به أهل السُّنة عن مثل هذه الآية. * * *

стр. 246

الآيتان (٣٦، ٣٧) * * * قَالَ اللهُ : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦، ٣٧]. * * * قَوْلهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [متعَلِّق بِـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ الآتِي]. اهـ. وما معنى المتعَلِّق في النحو؟ الفِعْلُ يتعدَّى إلى المفعول بنَفْسِه، وأحيانًا يتعدَّى إلى المفعول بحرف جرٍّ، إِذَا تعدى إلى المفعول بحرف الجر يُقال: هَذَا متعَلِّق به، وإلا فإن الجارّ والمَجْرور هو المتعَلِّق، وكَذلِك الظرف وإن كَانَ هو المفعول في الحَقيقَة لكنَّه لا يتعدى إلا بنَفْسِه، فـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ تَعلَّق بها قَوْلهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يعني أن العامِل في الجارِّ والمجرور هو قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ﴾. قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [تُعَظَّمُ ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بِتَوْحِيدهِ، إِلَى آخِرِهِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ﴾ المرادُ هُنا الإذنُ الشَّرعيُّ، فمعنى (أذن) أي: شَرَعَ أنْ تُعظَّم، ولهذَا قالت عَائِشَة ﵂: "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ"، يعني في الحارات، "وَأَنْ تُطيَّبَ" (١)، وهَذَا دليلٌ على أن الإذن هُنا بمَعْنى الشَّرع.

стр. 247

وقد سبق أن قررنا أن الإذن ينقسم إلى قِسْمَيْن: إذنٌ كونيٌّ وإذنٌ شرعيٌّ، فمثال الإذنُ الكَوْنيُّ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ومثال الإذن الشَّرعي قَوْله تَعَالَى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، هَذِهِ الآية لا تصح أن تَكُون إذنًا كونيًّا قدريًّا؟ لأَن الإذنَ القدريَّ الكَوْنيُّ لم يَنْتَفِ؛ لأنهم شرعوا، لكن ما شرعوا إلَّا بإذن الله كَوْنًا وقَدَرًا. فإذن قَوْلهُ: ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: شرعًا ولأبدَّ. وقد يأتي الإذن بمَعْنى الاستماع؛ كقوله ﷺ : "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ إِذْنَهُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ" (١)؛ معنى: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ" أي: ما استمع لشَيْء مثل استماعِه لِهَذَا النَّبِيِّ الَّذِي يَتَغَنَّى بالقرآن ويجهر به. إذن قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ اللهُ﴾ في الآية الَّتِي معنا من الإذن الشَّرعي، وهل يتعين أن يَكُون للشَّرعي؟ الجواب: نعم، لأَنَّه لو أذن بِذَلِك قدرًا لكانتَ المَسَاجِد تُعَظَّم ولابُدَّ، وتُرفع ولابدَّ؛ لأَن الإذن الكَوْنيُّ أو القدري - والمَعْنى واحد - لا بُدَّ فيه من وقوع المأذون، فكل ما يَتعلَّق بالْأُمُور الْكَوْنِيَّة لا بُدَّ من وقوعها، فلو كَانَ المُراد بالإذن هُنا الكَوْنِيّ لكان رفع المَسَاجِد أمرًا حتميًّا، مع أَنَّنا نجد أن المَسَاجِدَ أحيانًا لا تُرفع ولا تُعظم بل

стр. 248

تُمنع، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]. قَوْلهُ: ﴿فِى بيُوُتٍ﴾ الثَّابت عن السَّلف أن المُراد بالبُيُوت هُنا المَسَاجِد، ولِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ" (١). قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ﴾ أي: شَرَعَ أنْ تُرفعَ وتُعَظَّمَ، وفي الحَقيقَة أن رفعَها أعمُّ من التَّعظيم، فالمَسَاجِد تُرفع بالتَّعظيم وبغيره، لكن أظهر ما يَكُون الرَّفع بالتَّعظيم. قَوْلهُ: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: اسم الله، والمُراد أن الله يُذكر بأسْمَائِه؛ لأنَّه إِذَا ذُكِرَ الاسْمُ ذُكر المُسمى، لكن بأي شَيْء يُذكر؟ بالقِراءَة والتَّسبيح، كما سيأتي أيضًا، المُهِمّ أن يُذكر بالثَّناء والتَّمجيد، وهَذَا يشمل الصَّلاة وغير الصَّلاة. قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ وهَذَا التَّنزيه، فيَكُون في الآية إِشارَة إلى أمرين: إلى إِثْبات الكَمال في قَوْلهُ: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ وإلى نفي النَّقص في قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ إِلَى آخِرِهِ. قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يُسَبِّحُ - بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا - أَي: يُصَلِّي] اهـ. ﴿يُسَبِّحُ﴾ فيها قراءتان سبعيتان (٢)، الفتح والكسر، وسيأتي إِنْ شَاء اللهُ تخريج كلٌّ منهما فيما بعد.

стр. 249

وقوله ﵀: [أَي يُصَلِّي]؛ هَذَا فيه نظرٌ إن قُصِدَ بِذَلِك حصرُ التَّسبيح بالصَّلاة، وإن قُصِدَ بِذَلِك التَّمثيل فهَذَا صحيحٌ؛ فإن قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ أعم من كونهم يصلون بل هم يسبحون الله بالصَّلاة وغيرها مما يَكُون به تنزيهُ الله . قَوْلهُ: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْغَدَوَات: أَي الْبِكْر ﴿وَالْآصَالِ﴾: الْعَشَايَا مِنْ بَعْد الزَّوَال] اهـ. قَوْلهُ: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ الغدو؛ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [إنها مصدر، غدا يغدو غدوًا لكنَّه بمَعْنى الجمع؛ أي: بمَعْنى الغدوات، يعني: أول النَّهار، وإنَّما لجأ المُفَسِّر إلى جعل الغدو بمَعْنى الغدوات لمطابقة ﴿وَالْآصَالِ﴾؛ لأَن الآصال جمع أصيل؛ وهو آخر النَّهار، وقوله ﵀: [هي العشايا]؛ العشايا: جمع عَشِيّ أيضًا، وهو ما كَانَ بعد الزوال، وفي حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين: أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ صَلَّى إِحْدَى صَلَاتِي الْعَشِيِّ (١)، يَكُون بالغدو: صلاة الفجر، والعشي: صلاة الظهر والعصر، ويبقى المغرب والعشاء؛ وهما مما يُصلَّى في الليل. وأن الصَّواب في ذَلِك أن التَّسبيح أعم من الصَّلوات، ثم إنه يحتمل أن يُقصد ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ جميع الوقت كما في قَوْله تَعَالَى في أهل الجَنَّة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]؛ الرزق لأهل الجَنَّة دائم وليس في الصُّبح وآخر النَّهار فقط، فهو دائم، لكن يُقال: بكرة وعشيًّا والمُراد الدوام، فإما أن تُحمل ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾

стр. 250

على معنى الدوام؛ أي: يسبحون دائمًا، أو على معنى أول النَّهار وآخِره، وَيكُون هَذَا إِشارَة للتسبيحات الَّتِي تُذكر في أول النَّهار وفي آخِره؛ ومنها صلاة الفجر وصلاة العصر؛ فإن الصَّلاتين هاتين أفضل الصَّلوات، كما جاء في الحديث الصَّحيح: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنّةَ" (١)، وقال ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ كَماَ تَنْظُرُونَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يُغْلَبَ عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسرِ وَلَا غُرُوبِهَا فَلْيَفْعَلْ" (٢)؛ يعني: الفجر والعصر. على كل حال ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ إن أُريد بهما حقيقتهما؛ وهو أول النَّهار وآخِره، كَانَ في ذَلِك إِشارَة إلى ما يُقال من التَّسبيح والتَّعظيم لله والتهليل في أول النَّهار وآخِره، وكَذلِك أيضًا إلى صلاة الفجر وصلاة العصر، وإن قُلنا: المُراد بـ ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ كل الدهر، وأن هَذَا من باب ذكر الطرفين الَّذِي يشمل الجميع، كما في قَوْلهُ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]؛ فإنَّه يشمل كل ما يُسبَّح لله تَعَالَى في المَسَاجِد في أول النَّهار وآخِره وفي الليل أوله وآخِره ووسطه. قَوْلهُ: ﴿رِجَالٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فَاعِل يُسَبِّح بِكَسْرِ الْبَاء وَعَلَى فَتْحهَا نَائِب الْفَاعِل لَهُ، و ﴿رِجَالٌ﴾ فَاعِل فِعْل مُقَدَّر جَوَاب سُؤَال مُقَدَّر كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ يُسَبِّحهُ؟ ] اهـ.
следующие страницы →