الآيتان (٣٦، ٣٧)
* * *
قَالَ اللهُ : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦، ٣٧].
* * *
قَوْلهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [متعَلِّق بِـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ الآتِي]. اهـ.
وما معنى المتعَلِّق في النحو؟ الفِعْلُ يتعدَّى إلى المفعول بنَفْسِه، وأحيانًا يتعدَّى إلى المفعول بحرف جرٍّ، إِذَا تعدى إلى المفعول بحرف الجر يُقال: هَذَا متعَلِّق به، وإلا فإن الجارّ والمَجْرور هو المتعَلِّق، وكَذلِك الظرف وإن كَانَ هو المفعول في الحَقيقَة لكنَّه لا يتعدى إلا بنَفْسِه، فـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ تَعلَّق بها قَوْلهُ: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ يعني أن العامِل في الجارِّ والمجرور هو قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ﴾.
قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [تُعَظَّمُ ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ بِتَوْحِيدهِ، إِلَى آخِرِهِ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ﴾ المرادُ هُنا الإذنُ الشَّرعيُّ، فمعنى (أذن) أي: شَرَعَ أنْ تُعظَّم، ولهذَا قالت عَائِشَة ﵂: "أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِبِنَاءِ المَسَاجِدِ فِي الدُّورِ"، يعني في الحارات، "وَأَنْ تُطيَّبَ" (١)، وهَذَا دليلٌ على أن الإذن هُنا بمَعْنى الشَّرع.
стр. 247
وقد سبق أن قررنا أن الإذن ينقسم إلى قِسْمَيْن: إذنٌ كونيٌّ وإذنٌ شرعيٌّ، فمثال الإذنُ الكَوْنيُّ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ومثال الإذن الشَّرعي قَوْله تَعَالَى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، هَذِهِ الآية لا تصح أن تَكُون إذنًا كونيًّا قدريًّا؟ لأَن الإذنَ القدريَّ الكَوْنيُّ لم يَنْتَفِ؛ لأنهم شرعوا، لكن ما شرعوا إلَّا بإذن الله كَوْنًا وقَدَرًا.
فإذن قَوْلهُ: ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: شرعًا ولأبدَّ.
وقد يأتي الإذن بمَعْنى الاستماع؛ كقوله ﷺ : "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ إِذْنَهُ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ" (١)؛ معنى: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ" أي: ما استمع لشَيْء مثل استماعِه لِهَذَا النَّبِيِّ الَّذِي يَتَغَنَّى بالقرآن ويجهر به.
إذن قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ اللهُ﴾ في الآية الَّتِي معنا من الإذن الشَّرعي، وهل يتعين أن يَكُون للشَّرعي؟
الجواب: نعم، لأَنَّه لو أذن بِذَلِك قدرًا لكانتَ المَسَاجِد تُعَظَّم ولابُدَّ، وتُرفع ولابدَّ؛ لأَن الإذن الكَوْنيُّ أو القدري - والمَعْنى واحد - لا بُدَّ فيه من وقوع المأذون، فكل ما يَتعلَّق بالْأُمُور الْكَوْنِيَّة لا بُدَّ من وقوعها، فلو كَانَ المُراد بالإذن هُنا الكَوْنِيّ لكان رفع المَسَاجِد أمرًا حتميًّا، مع أَنَّنا نجد أن المَسَاجِدَ أحيانًا لا تُرفع ولا تُعظم بل
стр. 248
تُمنع، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤].
قَوْلهُ: ﴿فِى بيُوُتٍ﴾ الثَّابت عن السَّلف أن المُراد بالبُيُوت هُنا المَسَاجِد، ولِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ" (١).
قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ﴾ أي: شَرَعَ أنْ تُرفعَ وتُعَظَّمَ، وفي الحَقيقَة أن رفعَها أعمُّ من التَّعظيم، فالمَسَاجِد تُرفع بالتَّعظيم وبغيره، لكن أظهر ما يَكُون الرَّفع بالتَّعظيم.
قَوْلهُ: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي: اسم الله، والمُراد أن الله يُذكر بأسْمَائِه؛ لأنَّه إِذَا ذُكِرَ الاسْمُ ذُكر المُسمى، لكن بأي شَيْء يُذكر؟ بالقِراءَة والتَّسبيح، كما سيأتي أيضًا، المُهِمّ أن يُذكر بالثَّناء والتَّمجيد، وهَذَا يشمل الصَّلاة وغير الصَّلاة.
قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ وهَذَا التَّنزيه، فيَكُون في الآية إِشارَة إلى أمرين:
إلى إِثْبات الكَمال في قَوْلهُ: ﴿يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ وإلى نفي النَّقص في قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ إِلَى آخِرِهِ.
قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يُسَبِّحُ - بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا - أَي: يُصَلِّي] اهـ.
﴿يُسَبِّحُ﴾ فيها قراءتان سبعيتان (٢)، الفتح والكسر، وسيأتي إِنْ شَاء اللهُ تخريج كلٌّ منهما فيما بعد.
стр. 249
وقوله ﵀: [أَي يُصَلِّي]؛ هَذَا فيه نظرٌ إن قُصِدَ بِذَلِك حصرُ التَّسبيح بالصَّلاة، وإن قُصِدَ بِذَلِك التَّمثيل فهَذَا صحيحٌ؛ فإن قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ أعم من كونهم يصلون بل هم يسبحون الله بالصَّلاة وغيرها مما يَكُون به تنزيهُ الله .
قَوْلهُ: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْغَدَوَات: أَي الْبِكْر ﴿وَالْآصَالِ﴾: الْعَشَايَا مِنْ بَعْد الزَّوَال] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ الغدو؛ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [إنها مصدر، غدا يغدو غدوًا لكنَّه بمَعْنى الجمع؛ أي: بمَعْنى الغدوات، يعني: أول النَّهار، وإنَّما لجأ المُفَسِّر إلى جعل الغدو بمَعْنى الغدوات لمطابقة ﴿وَالْآصَالِ﴾؛ لأَن الآصال جمع أصيل؛ وهو آخر النَّهار، وقوله ﵀: [هي العشايا]؛ العشايا: جمع عَشِيّ أيضًا، وهو ما كَانَ بعد الزوال، وفي حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ذي اليدين: أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ صَلَّى إِحْدَى صَلَاتِي الْعَشِيِّ (١)، يَكُون بالغدو: صلاة الفجر، والعشي: صلاة الظهر والعصر، ويبقى المغرب والعشاء؛ وهما مما يُصلَّى في الليل.
وأن الصَّواب في ذَلِك أن التَّسبيح أعم من الصَّلوات، ثم إنه يحتمل أن يُقصد ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ جميع الوقت كما في قَوْله تَعَالَى في أهل الجَنَّة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]؛ الرزق لأهل الجَنَّة دائم وليس في الصُّبح وآخر النَّهار فقط، فهو دائم، لكن يُقال: بكرة وعشيًّا والمُراد الدوام، فإما أن تُحمل ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾
стр. 250
على معنى الدوام؛ أي: يسبحون دائمًا، أو على معنى أول النَّهار وآخِره، وَيكُون هَذَا إِشارَة للتسبيحات الَّتِي تُذكر في أول النَّهار وفي آخِره؛ ومنها صلاة الفجر وصلاة العصر؛ فإن الصَّلاتين هاتين أفضل الصَّلوات، كما جاء في الحديث الصَّحيح: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنّةَ" (١)، وقال ﷺ : "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ كَماَ تَنْظُرُونَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يُغْلَبَ عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسرِ وَلَا غُرُوبِهَا فَلْيَفْعَلْ" (٢)؛ يعني: الفجر والعصر.
على كل حال ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ إن أُريد بهما حقيقتهما؛ وهو أول النَّهار وآخِره، كَانَ في ذَلِك إِشارَة إلى ما يُقال من التَّسبيح والتَّعظيم لله والتهليل في أول النَّهار وآخِره، وكَذلِك أيضًا إلى صلاة الفجر وصلاة العصر، وإن قُلنا: المُراد بـ ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ كل الدهر، وأن هَذَا من باب ذكر الطرفين الَّذِي يشمل الجميع، كما في قَوْلهُ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]؛ فإنَّه يشمل كل ما يُسبَّح لله تَعَالَى في المَسَاجِد في أول النَّهار وآخِره وفي الليل أوله وآخِره ووسطه.
قَوْلهُ: ﴿رِجَالٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [فَاعِل يُسَبِّح بِكَسْرِ الْبَاء وَعَلَى فَتْحهَا نَائِب الْفَاعِل لَهُ، و ﴿رِجَالٌ﴾ فَاعِل فِعْل مُقَدَّر جَوَاب سُؤَال مُقَدَّر كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ يُسَبِّحهُ؟ ] اهـ.
стр. 251
ننظر الآن توجيه القراءتين: ﴿يُسَبِّحُ﴾ و"يُسَبَّحُ".
إذا كَانَ الفِعْل مبنيًّا للفاعل يَكُون قَوْلهُ: ﴿رِجَالٌ﴾ وفاعل ﴿يُسَبِّحُ﴾. وعلى قِراءَة "يُسَبَّحُ" يَكُون الفِعْل مبنيًّا للمفعول يحتاج إلى نائب فاعل، ولا يصِح أن يَكُون ﴿رِجَالٌ﴾ نائب فاعل؛ لأَنَّه لو كَانَ نائب فاعل لكان الَّذينَ يُسبَّحون الرِّجَال وهَذَا شَيْء غير ممكن، إذن أين نائب الفاعل؟ نائب الفاعل الجارّ والمَجْرور في قَوْلهُ: "يُسَبَّحُ لَهُ"، وإذا لم يوجد المفعول في الفِعْل المبني للمجهول ناب عنه الظرف والجارّ والمَجْرور؛ مثلما لو قلت: ضُرِب الضربُ، وما أشبه ذَلِك؛ فإنَّ المصدر ينوب عن المفعول به، قَالَ ابن مالك ﵀ (١):
وَقَابِلٌ مِنْ ظَرْفٍ أوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنَيِابَةٍ حَرى
في الآيَة "يُسَبَّحُ لَهُ" إذا قُلنا: ﴿لَهُ﴾ يَكُون حرف الجر هو نائب الفاعل. يبقى الإِشْكال في ﴿رِجَالٌ﴾ وعلى قِراءَة "يُسَبَّحُ". نقول: ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل لفعل محذوف، هَذَا الفِعْل المحذوف أوجبه كَلِمة "يُسَبَّحُ" كأنه قِيلَ: من يُسبِّح له؛ فقِيلَ: ﴿رِجَالٌ﴾ وعلى هَذَا فتكون ﴿رِجَالٌ﴾ فاعلًا لفعل محذوف دل علَيْه الفِعْل المذكور.
إذن ﴿يُسَبِّحُ﴾ فيها قراءتان سبْعيَّتان؛ فتح الباء وكسرها، وتبيَّن الآن توجيه كل من القراءتين.
قَوْلهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [شِرَاء ﴿وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾؛ حُذِفَ هَاءُ إقَامَة تَخْفِيفًا ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ تَضْطَرِب
стр. 252
﴿فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ مِنْ الخَوْف؛ ﴿الْقُلُوبُ﴾ بَيْن النَّجَاة وَالهَلَاك ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾ بَيْن نَاحِيَتَيْ الْيَمِين وَالشِّمَال: هُوَ يَوْم الْقِيَامَة] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾. كَلِمة ﴿رِجَالٌ﴾ مهو تدُلّ على المدح والثَّناء كما يُقال: فلانٌ رجل أي: أَنَّه اتصف بصفة الرجولة، ولِذَلك لا تُطلق إلَّا على البالغ العاقِل، وقَوْلهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ لم يقل: لا يبيعون ولا يشترون؛ لأَن الَّذِي لا يبيع ولا يشتري قد يأتي إلى المسجد لَيْسَد الفراغ، لكن الَّذِي يبيع ويشتري له عمل وتجارة، بخلاف الَّذِي لا عمل له ولا شغل، وهَذَا أبلغ في الثَّناء؛ فكونهم يبيعون ويشترون وهَذَا البيع والشِّراء لا يلهيهم عن ذكر الله.
وقَوْلهُ: ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ المُفَسِّر ﵀ فسَّر التجارة بالشِّراء؛ لماذا؟ في مقابلة قَوْلهُ: ﴿بَيْعٌ﴾ ولكنه تفسير غير صحيح؛ لأَن الشِّراء مفهوم من قَوْلهُ: ﴿بَيْعٌ﴾؛ إِذْ لا يوجد بيع إلَّا بشراء، لكن التجارة أعم من البيع، قد يلهو الْإِنْسَان في تجارته بتصنيفها وتبويبها وحفظها وصيانتها وما أشبه ذَلِك.
ربما لا يلهو وهو يبيع ويشتري لكن يلهو بطريق آخر بهَذ التجارة؛ لِذَلك نقول: المُراد بالتجارة في الآيَة ما يتَّجر به الْإِنْسَان، ولهوه به لَيْسَ بالشِّراء بل بما هو أعم، أما الشِّراء فمفهوم من البيع؛ لأنهم إِذَا اشتروا فقد باع عليهم غيرهم، وإذا باعوا فقد اشترى منهم غيرهم.
وقَوْلهُ: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ يعني التجارة لا تلهيهم عن ذكر الله، يقدِّمون ذكر الله على تجارتهم، لكن النَّاس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام في مَسْأَلة التجارة والذكر:
القِسْم الأوَّل: من يقدِّم التجارة على الذكر، وهَذَا خاسر؛ لقَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ
стр. 253
هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]، ولو ربحوا في الأموال والأولاد فهم خاسرون.
القسم الثَّاني: مَن لا تلهيه التجارة ولا الأموال ولا الأولاد عن ذكر الله، لكن يعمل في محله، فهَذَا رابح، لم يفته ماله وولده ولم يفته ذكر الله، أتى لِهَذَا بنصيبه ولِهَذَا بنصيبه.
القسم الثّالث: من هو أعلى من هَذَا، يجعل تجارته وولده من ذكر الله، بحيث يقصد بهَذ التجارة الاستعانة على طاعة ربه وعلى بذل أمواله فيما يُرضي ربه، وكَذلِك بالنِّسْبَةِ للأولاد يجعل اشتغاله بهم لتربيتهم والتأمل في نعمة الله علَيْه بهم وما أشبه ذَلِك؛ هَذِهِ هي المرتبة العليا، وعلى هَذَا يَكُون هَذَا الرَّجل رابحًا في الطرفين في آن واحد، والقسم الثَّاني: رابح في الطرفين لكن على التناوب، يربح في هَذَا ويعطيه ما يستحق ويربح في هَذَا ويعطيه ما يستحق، أما الثّالث والأخير -وهو من جعل اشتغاله بتجارته ذكرًا لله- هَذَا شأنه كبير، ولكن قلَّ من يوجد بهَذِهِ الصِّفة وهو نادر جدّا، وأكثر النَّاس اليوم من القِسْم الأوَّل الَّذِي هو في الحَقيقَة أخيرًا في المرتبة، فهو أول في الذكر وآخر في المرتبة.
قَوْلهُ ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ﴾ إقام بمَعْنى إقامة، لكن حُذفت التاء تخفيفًا. ﴿الصَّلَاةِ﴾ لَيْسَ مُجرَّد فعلها بل هو أمر فوق الفِعْل، فمعنى إقام الشَّيء جعله قَيِّمًا مستقيمًا؛ وَذلِك بفعل شروطها وأركانها وواجباتها، فلَيْسَ كل مُصَل مقيما للصلاة، ولِهَذَا نجد أن الثَّناء الَّذِي يذكره الله في القُرْآن بل والأوامر الَّتِي يأمر الله بها في القُرْآن غالبًا في الإقامة؛ لأَن ذَلِك هو الأَصْل لَيْسَ مُجرَّد فعل الصَّلاة.
ولِهَذَا نجد أن المصلِّي رجلان: أفعالهما مع الإمَام واحدة ودخولهما في الصَّلاة واحد وخروجهما منها واحد، ولكن بين صلاتيهما كما بين السَّماء والأَرْض! لأَن
стр. 254
أحَدهما أقام الصَّلاة والآخر صلَّى فقط، لكن الأوَّل أقامها خاشعًا مستبصرًا مخلصًا يرجوا ثواب الله ويخاف عقاب الله.
﴿الصَّلَاةِ﴾ المذكورة في القُرْآن كثيرًا بُيِّنت بالسُّنَّة، توجد أشْيَاء مبينة في القُرْآن لكن غالب ذَلِك بينته سُنَّة الرَّسُول ﷺ وبهَذَا نعرف أن السنة ضرورية في الشَّرع وأن من أنكرها فقد هدم جانبًا كبيرًا من الشَّرع، وقد وُجد بعض النَّاس أنكر السنة والعِيَاذ وباللهِ.
وسَمِعْنَا أن بعض الزعماء من العرب صاروا يصادرون كتب السنة، قِيلَ لي أنهم يصادرون البخاري ومسلمًا من المكتبات حَتَّى لا تنتشر سُنَّة الرَّسُول ﵊ بين أمته - والعِيَاذ باللهِ -، وهَذَا لا شَك أنَّه كفر، لأَن الَّذِي يُبيح لنفسه أن يُصادر كتب الحديث الَّتِي تلقتها الأُمَّة بالقبول، لو صادروا كتبًا مضلَّة ضعيفة موضوعة لكنا نحمدهم على هَذَا الْأَمْر، لكن يصادرون كتبًا صحيحة تلقتها الأُمَّة بالقبول وعلمها المُسْلِمُونَ واعتبروها سندًا، هَؤُلَاءِ لا شَك أنهم كفَّار، لأنهم كَفَرُوا بسُنَّة الرَّسُول ﵊ بل بالقرآن نفسه، لأَن الله يَقُول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١]، ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
والآيَات في هَذَا كَثيرَة وبينة واضحة، فإقامة الصَّلاة ما بيَّنها بَيانًا كافيًا إلَّا سُنَّة الرَّسُول ﵊.
стр. 255
وقَوْلهُ: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: إعطائها، والزَّكاة معْرُوفة لنا، وهي الجزء الَّذِي أوجبه الله تَعَالَى في أموالنا، ولم يبين المُؤْتَى له، لكنَّه مبيَّن في القُرْآن في سورة التَّوبة في قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، هَؤُلَاءِ الَّذينَ تؤتى إلَيْهم الزَّكاة.
قَوْلهُ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. قَوْلهُ: ﴿يَخَافُونَ﴾ صفة لرجال لا تلهيهم، وهم أيضًا في هَذِهِ الأَحْوال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ يخافون حال تسبيحهم بالغدو والآصال، وفي حال إقامتهم الصَّلاة وإيتائهم الزَّكاة، وفي حال عدم لهوهم في التجارة والبيع، كل هَذِهِ الأعْمَال مبنية على هَذِهِ العقيدة والأساس.
وقَوْلهُ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ خوفهم من هَذَا اليوم يدُلّ على إيمانهم به إِذْ لا يخاف الْإِنْسَان من شَيْء لا يؤمن به، فهو يدُلّ على أن عندهم تمام الإِيمَان واليقين باليوم الآخر ولذَلك يخافون هَذَا اليوم، هَذَا اليوم وصفه الله بقَوْلهُ: ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [تضطرب ﴿فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾] اهـ.
قَوْلُهُ: ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ التقلب معْرُوف؛ هو تغيُّر الهيئة من حال إلى حال، وهَذِهِ القلوب تتقلب وتضطرب وتنتقل من حال إلى حال؛ لكن كَيْفَ تتقلب؟ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [من الخَوْف القلوب بين النَّجاة والهلاك﴾ اهـ.
لا يدري الْإِنْسَان هل ينجو أو يهلك فقلبه متقلب مضطرب، أحيانًا يغلب علَيْه الرجاء وأحيانًا علَيْه الجوْف، كَذلِكَ الأبصار تتقلب، يَقُول المُفَسِّر ﵀: [من ناحيتي الْيَمِين والشِّمال]. اهـ؛ لأَن النَّاس كثيرون وكأنهم لَيْسَوا بعقلاء؛ ولِهَذَا قَالَ اللهُ : ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾
стр. 256
[الحج: ٢]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢، ٤٣]، الواحد إِذَا رأيته كأنه مجنون أو كأنه سكران من شدة الهول، وما ظنُّك بالْقَلْب حينئذٍ؟ ! لا شَك أنَّه في الحقيقَة سوف يتقلّب ويضطرب ولا يدري المآل، هَذَا الَّذِي يحصل يوم القِيامَة.
* * *
стр. 257
الآية (٣٨)
قَالَ اللهُ : ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٨].
* * *
قَوْلهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي ثَوَابه وَأَحْسَن بِمَعْنَى حَسَن] اهـ.
(اللَّام) في قَوْلهُ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ هل هي للعاقبة وأن عاقبتهم هَذَا؟ أو هي للتَّعليل؛ يعني أنهم يسبِّحون ويخافون لأجل أن يجزيهم الله أحْسَن ما عملوا؟
على قولنا: للتَّعليل سيَكُونون جمعوا بين الخَوْف والرجاء، أو نقول: للعاقبة وأنهم يعملون تِلْك الأَشْيَاء خوفًا من الله فتكون عاقبتهم الأَمْن التام مع الثَّواب الجزيل؛ فيه احتمالان.
ثم هُنا نناقش المُفَسِّر ﵀، قَالَ المُفَسِّر: [أي: ثوابه]؛ لأنهم في الحَقيقَة لا يجزون بنفس العَمَل وإنَّما يجزون بثوابه، الجزاء: الثَّواب، لِذَلك احتاج المُفَسِّر أن يُقدِّر العَمَل بثواب العَمَل، لأَنَّه هو الَّذِي به الجزاء، هَذِهِ واحدة.
الثَّانية: يَقُول ﵀: [أحْسَن بمَعْنى حسن]؛ لأَن المُفَسِّر توهَّم أو ربما يتوهَّم المتوهِّم أن الجزاء إنما يقع على أحْسَن ما يعمل الْإِنْسَان، والحقيقَة أن الجزاء يقع على الأحْسَن والحسن، عنْدَما يعمل الْإِنْسَان حسنًا فإن الجزاء يَكُون على الحسن والأحْسَن،
стр. 258
ولكن هَذَا التوهم لا يرد على تقدير المُفَسِّر، وهو أن المُراد ليجزيهم الله ثوابه، فيَكُون المَعْنى ليجزيهم الله أحْسَن ثواب ما عملوا، وعلَيْه فلا إِشْكال إطلاقًا ولا نؤول أحْسَن بمَعْنى حسن، لأَن تأول أحْسَن بمَعْنى حسن تحريف.
أيهما أكمل؟ ﴿أَحْسَنَ﴾. فلِذَلك نقول: الآيَة على ظَاهِرها، واسم التفضيل على بابه، والمَعْنى: أنهم يجزون أحْسَن ثواب لعملهم، لأَن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كَثيرَة، والْإِنْسَان لو عملت له عملًا وأعطاك أجرك مرتين يَكُون هَذَا أحْسَن ثواب، أي: ممتاز، لكن ثواب الله أحْسَن وأحْسَن، لأَن الله يُضاعف لمن يشاء، فالأَوْلَى، بل الواجب، أن تبقى ﴿أَحْسَنَ﴾ على ما هي علَيْه من التفضيل، ونقول أحْسَن: أي أحْسَن ثواب لعملهم، وَيكُون هُنا الأحْسَن لَيْسَ للعمل؛ بل للثواب.
بقي علَيْنا التَّقدير الأوَّل: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ لماذا جعل الله تَعَالَى الحُسْنَ للعمل نفسه مع أن الحسن للثواب؟ إِشارَة إلى أن الجزاء بقدر العَمَل ولذَلك عُبر به عنه، العَمَل كما تدين تُدان، والْإِنْسَان الَّذِي لا يُصلِّي مثلًا؛ هل يُثاب ثواب المصلِّي؟
الجواب: لا، والذي لا يُزكِّي لا يُثاب ثواب المزكِّي وهَكَذا، فالجزاء على العَمَل، ولذَلك عُبِّر به أي بالعَمَل عن جزائه إِشارَة إلى أن الجزاء من جنس العَمَل لكنَّه جزاء أحْسَن ما يَكُون.
قَوْلهُ: ﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [الله تَعَالَى ﴿مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ يُقَال فُلَان يُنْفِق بِغَيْرِ حِسَاب: أَي يُوَسِّع كَأَنَّهُ لَا يَحْسُب مَا يُنْفِقهُ] اهـ.
стр. 259
قَوْلهُ: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هَذَا زائد على ثواب العَمَل، وَذلِك ما يحصل من زيادة الأعْمَال الصَّالحة وزيادة الرزق في الدُّنْيَا وزيادة ما يُدَّخر لهم عند الله في الجَنَّة؛ كالنَّظر إلى وجه الله ؛ كما جاء في الحَديث الصَّحيح في قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، أن المُراد بالزِّيادة النَّظر إلى وجه الله .
وقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ المَعْنى أَنَّه يعطي بغير تقدير، لكن ما معنى بغير تقدير؟ كَيْفَ نقول: بغير تقدير مع أن الله يَقُول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]؟
الجواب: أن هَذِهِ كناية عن كثرة العطاء، ولِهَذَا يُقال كما قَالَ المُفَسِّر ﵀: فلانٌ يُنفق بغير حساب، يعني يعطي عطاءً كثيرَا لا حد له، وإلَّا فإن الله تَعَالَى قد قدَّر بعلمه وحكمته كل شَيْء حَتَّى نقطة المطر إِذَا نزلت في الأَرْض فإنها بمقدار.
إذن يَكُون معنى قَوْلهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير مقدار، وهو كناية عن كثرة ما يُنفق، لا عن كونه ينفق بدون أن يشعر بما ينفق، بل هو يعلم ما يرزق وكَيْفَ يرزق وأين يرزق، ولكنه تَعَالَى لكثرة عطائه كالذي لا يُحسب.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَات الكَريمة:
الفَائِدةُ الأُولَى: فضيلة وشرف المَسَاجِد؛ لأنَّها محل ذكر الله وتعظيمه فيه؛ لقَوْلهُ: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾؛ فإن قَوْلهُ: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ يدُلّ على شرفها؛ لأَن المكان يشرف بشرف العَمَل فيه، كما أن الزمان أيضًا يشرف بشرف العَمَل فيه.
لماذا كَانَ رمضان شريفًا؟
لمشروعية الصِّيام فيه وإنزال القُرْآن.
стр. 260
لماذا كَانَ الحج شريفًا؟
لأَن فيه المناسك وذكر اسم الله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام.
الفَائِدة الثَّانية: مشروعية تعظيم شأن المَسَاجِد، ومن ذَلِك؛ أي من تعظيمها: أن تُطيَّب، ومن ذَلِك أيضًا: أن تُنظَّف من الأَذَى والأقذار.
هل نقول: ومن ذَلِك أن تُزخرف؟
الجواب: لا، ولِهَذَا في الحديث: "مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ المَسَاجِدِ" (١)، وعن ابن عبَّاس ﵄: "لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَما تُزَخْرِفُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى" (٢). فالزخرفة شَيْء لا يليق بالمَسَاجِد؛ لأَن المَسَاجِد لَيْسَت بيوت دنيا، وإنَّما هي بيوت عمل للآخرة لكن تنظف عن الأَذَى والأقذار، وفرق بين التنظيف عن الأَذَى وبين إحداث الزخرفة؛ فإن التنظيف عن الأَذَى تنقية، لكن الزخرفة إيجاد أشْيَاء لا تتناسب مع المَسَاجِد.
لو قَالَ قَائِلٌ: بعض النَّاس يدخلون المسجد بالنَّعلين؛ هل هَذَا حرام؟
الجواب: تعظيم المَسَاجِد ألا تُدخل بالنَّعلين إلَّا وقد نظفتهما؛ فالسنة أن تُصلي في النَّعلين؛ لأَن النَّبِيّ ﵊ أمر بِذَلِك وفعله بنَفْسِه (٣).
الفَائِدة الثَّالِثَة: فضيلة ذكر الله في المَسَاجِد؛ لقَوْلهُ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
الفَائِدة الرَّابِعَة: فضيلة تنظيف المَسَاجِد وحمايتها من الأَذَى؛ لقَوْلهُ: ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾؛
стр. 261
لأَن هَذَا من رفعها، ولهَذَا جاء في الحَديث عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجل مِنَ المَسْجِدِ" (١).
الفَائِدة الخَامِسَة: أن الذكر الأفضل أن يَكُون بالْقَلْب واللِّسَان؛ لقَوْلهُ: ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾؛ لأَنَّه لا يُمْكِن أن يُذكر فيها اسمه إلَّا باللِّسَان.
الفَائِدة السَّادِسَة: فضيلة التَّسبيح، لقَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ﴾.
الفَائِدة السَّابِعَة: الجمع بين إِثْبات الكمال لله ونفي النَّقص عنه، لقَوْلهُ: ﴿وَيُذْكَرَ﴾ وقَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ﴾، فقَوْلهُ: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ هَذَا فيه إِثْبات صفة الكمال، وقَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ﴾ هو فيه نفي صفة النَّقص، وسبقت قاعِدَة مهمة في باب التوحيد في الأَسْماء والصفات على أن النَّفي لا يُراد به مجرّد النَّفي، وإنَّما يُراد مع النَّفي إِثْبات كمال ضده، فإذا نفى الله أنَّه يظلم لَيْسَ معنى ذَلِك مُجرَّد نفي الظُّلْم ولكن من أجل إِثْبات كمال العَدْل، فمن أجل كمال عدله لا يظلم، لأَن نفي الظُّلْم قد يَكُون من العجز على الظُّلْم وقد يَكُون لعدم قابلية هَذَا المحل لكونه ظالمًا فإنَّه يُقال مثلًا: الجدار لا يظلم لأنه لَيْسَ قابلًا للظلم، القابلية معدومة، ولو قِيلَ لرجل ضعيف مهين: هو لا يظلم لعجزه، فلا يَكُون مدحًا، لكن إِذَا قِيلَ هَذَا لقادر قابل لأَن يَكُون ظالمًا من حيث هو ذاته، فهَذَا دَليل على كمال عدله، ولِهَذَا نفى الله الظُّلْم عن نفسه متمدحًا به ﵎ ولو كَانَ غير قابل للظلم كما قالت الجبرية ما صح النَّفي.
стр. 262
الفَائِدة الثَّامِنَة: فضيلة التَّسبيح في الصَّباح والمساء إِذَا قُلْنا إن المُراد بالغدو والآصال هَذَيْنِ الوقتين، فإذا قُلْنا المُراد بالغدو والآصال معناه: الاستمرار دائمًا وإنَّما ذكر هَذَان لأنهما طرفا النَّهار لم يكن في هَذَا دَليل على تَخْصِيص هذين الوقتين، ولكن الظَّاهِر من الأدلَّة أن لهَذَيْنِ الوقتين مزية؛ لأَن الله دائمًا يأمر بالتَّسبيح في هَذَيْنِ الوقتين.
الفَائِدة التَّاسِعَة: انه كلما قوي الصَّارف ولم ينصرف الْإِنْسَان فهو أكمل ممَّن لا صارف له، فهَؤُلَاءِ الرِّجَال لو كانوا لا يعرفون التجارة ولا يستطيعون التجارة قُلْنا: إن لجوءهم إلى بيوت الله من باب الضَّرورة يعني لأجل أن يقضوا الوقت عن أنفسهم ويتسلوا بِذَلِك، لكنهم قومٌ لهم تجارة، فالصَّارف عن ذكر الله في المَسَاجِد موجود وهو التجارة، لكنهم مع ذَلِك لا تلهيهم.
الفَائِدتان العاشرة والحَادِيَة عشرة: جَواز الاتِّجار؛ وجهه أنَّه أثبت أنهم يتّجرون في مقام المدح، ولو كَانَ الاتّجار حرامًا أو مذمومًا ما صحّ أن يُؤتى به في سِيَاق المدح فالتجارة لا بأس بها، فلا يُقال لِلإنْسان لا تتّجر ولا تعمل، ولكن على كل حال للنَّاس أغراضٌ في تجارتهم، بعضهم يُرِيد بالتجارة أن تَكُون وسيلة له إلى الْآخِرَة، وبعضهم يُريدُونَ بالتجارة الدُّنْيَا فقط.
واختلاف النَّاس في هَذَا بابٌ واسع، فمن اتّجر ليكسب مالًا يُعين به محتاجًا ويتقرب به إلى الله ويفعل به مشاريع الخيْر هَذَا يُحمد عليه، ولِهَذَا جعله النَبِيّ ﷺ قريبًا للعلم النَّافع؛ حيث قَالَ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ أَعْطَاهُ الله مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَاكِهِ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَعْمَلُ بِهَا وَيَقْضِي بِهَا" (١)، ويتفرع على
стр. 263
الفَائِدة السَّابِقة فضيلة المال إِذَا كَانَ عونًا على طاعة الله.
الفَائِدتان الثَّانية عشرة والثَّالِثَة عشرة: فضيلة إقامة الصَّلاة، وأن لها مزية على غيرها، فالصَّلاة هي من ذكر الله، فخصَّها بالذكر من بين الذكر، والتَّخصِيص بعد التعميم يدُلّ على فضيلة المخصص ومزيته، قَالَ تَعَالَى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]، الروح: جبريل؛ خصَّه بالذكر مع أنَّه من الملائكة لشرفه وفضله، فتَخْصِيص إقامة الصَّلاة بعد ذكر ما هو أعمّ دَليل على مزيتها، وكَذلِك أيضًا فضيلة إيتاء الزَّكاة؛ وهاتان العبادتان هما أفضل العِبادات بعد التوحيد والرسالة، فإقامة الصلاة الركن الثَّاني، وإيتاء الزَّكاة الركن الثَّالث، ودائمًا يقرن الله بينهما في القُرْآن.
الفَائِدة الرَّابِعَة عشرة: أن من تعبد لله خوفًا فهو محمود؛ لقَوْلهُ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ لهو، وقد أثنى الله على من تعبّد خوفًا منه من الْعَذَاب، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وهنا قَالَ: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾، وأثنى الله تَعَالَى على من تعبّد طلبًا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩].
وفي هَذَا ردٌّ على من ذهب من الصُّوفية أو غيرهم إلى أن الأفضل في التعبد ألا يقصد الْإِنْسَان حظًّا لنفسه وإنَّما يعبد الله لذاته فقد، يعني أنك إِذَا عبدت الله لا تقصد فضل الله أو تحذر عقابه، يَقُوُلونَ: أعبد الله لله، فيقال لهم: لستم أكمل حالًا من النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابه، وقد ذكر الله عنهم أنهم كانوا ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾،
стр. 264
ولستم أكمل حالًا ممَّن أثنى الله عليهم من الأبرار، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ إلى أن قَالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٥ - ٧].
ولا شَكَّ أن الْإِنْسَان الَّذِي يعبد الله - سبحانه - لينال فضله وينجو من عقابه هو يُرِيد الوصول إلى رضوان الله وإلى رؤية الله ، لأَن من جملة النَّعيم في الجنَّة رؤية الله .
الفَائِدة الخَامِسَة عشرة: عِظَمُ يوم القِيامَة وأهواله الشَّديدة، لقَوْلهُ: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾، والقلوب هَذِهِ لَيْسَت خاصة، بل (ال) فيها للعموم، يعني كل القلوب تتقلب وكل الأبصار تتقلب، حَتَّى الأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - يخافون ويخشون، فالرُّسل - عليهم الصَّلاة والسَّلام - يعبرون الصِّراط وَيقُولُونَ: اللهم سلم (١).
فالأهوال عنْدَما تحدث، حَتَّى لو بُشّر الْإِنْسَان، فإما أن ينسى ما بُشّر به من شدة الهول، وإما أن يخاف من أمر يصيبه قبل أن يصل إلى ما بشّر به، فعنْدَما يَقُول المَلِك مثلًا - ولله المثل الأعلى -: أنت آمن، وترى أمامك الجلد في النَّاس والأخذ والأسر لا بُدَّ أن يحصل عندك خوف، مع أن هَذَا نقوله على سبيل التقريب وإلَّا فأهوال يوم القِيامَة لا يتصوّرها الْإِنْسَان.
ولكن مع ذَلِك أهل الخَيْر يُؤَمَّنون مع خوفهم، ومعْلُوم أن الَّذينَ يُؤَمَّنون يُهوَّن عليهم هَذَا اليوم ولا شَك، ولِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى في يوم القِيامَة: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ
стр. 265
غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦]؛ فيفهم منه أن هَذَا اليوم مع عظمته وأهواله وشدّته يَكُون على المُؤْمِنِينَ يسيرًا وإلَّا فهو في ذاته عَظِيم جدًّا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١ - ٢].
الفَائِدة السَّادِسَة عشرة: أن الجزاء من جنس العَمَل بل هو في الطاعات أحْسَن من العَمَل؛ لقَوْله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ شيئًا فوق ما عملوه.
الفَائِدة السَّابِعَة عشرة: إِثْبات علم الله ، وجه ذَلِك لأنهم إِذَا كانوا يجزون بأحْسَن ما عملوا فلا مجازاة إلَّا بعد علم المجازِي ما عملوا ثم يجازيهم عليه.
الفَائِدة الثَّامِنة عشرة: إِثْبات القدرة، وجه ذَلِك من إِثْبات الجزاء، فإنَّه لا يجزي إلَّا من كَانَ قادرًا، ولو أنك صنعت إلى إِنْسَان معْرُوفًا فقد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ" (٩)؛ فالله لتمام قدرته لا ينقصه ما أعطى العامِلين من ثوابهم وأجرهم.
الفَائِدة التَّاسِعَة عشرة: إِثْبات المشيئة لله، لقَوْله: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ﴾،
стр. 266
وإِثْبات المشيئة لله في حقه، أي: فيما يتعلّق بفعله أمرٌ متفق علَيْه فيما أعلم، لم يخالف فيه المبتدعة ولا غيرهم، ومشيئة الله بالنِّسْبَةِ لما يتعلّق بأفعال الخلق خالفت فيها طائفة تُسمَّى القدرية؛ حيث زعموا أن العَبْد مستقلٌ بعمله وأنه لا تعلّق لمشيئة الله به، حَتَّى إن بعض غلاتهم أنكروا علم الله، وقالوا: إن الله لا يعلم بأعمال العَبْد إلَّا بعد أن يفعلها، أما قبل ذَلِك فإنَّه لا يعلم ، وأنكروا النُّصوص الصَّحيحة الصَّريحة في إِثْبات علم الله في كل شَيْء حَتَّى في أعمال الْإِنْسَان.
الفَائِدة العشرون: كثرة رزق الله ؛ لقَوْله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وأنه يعطي بلا حساب، ولَيْسَ معنى بلا حساب أي: بلا تقدير؛ لأَن الله يَقُول: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، حَتَّى القطرة الَّتِي تنزل من السَّماء إلى الأَرْض هي مقدَّرة عند الله ، فمعنى قَوْلهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: أنَّه لا يكافئ الْإِنْسَان بحساب بل بكثرة كَثيرَة.
* * *
стр. 267
الآية (٣٩)
قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩]
* * *
قَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ لمَّا ذكر الله أعمال هَؤُلَاءِ الرجَال، تِلْك الأعْمَال الفاضلة، ذكر أعمال الَّذينَ كَفَرُوا ما شأنَّها، وهَذ طريقة الله تَعَالَى في كتابه؛ إِذَا ذكر وصف المُؤْمِن ذكره بعده وصف الكافر أو بالعَكْسِ، وإذا ذكر وصف الجَنَّة ذكره بعده وصف النَّار أو بالعَكْسِ؛ لأَن القُرْآن مثاني تثنى فيه المعاني ويقابل بعضها ببعض، هَذِهِ واحدة، ولأن الْإِنْسَان إِذَا ذُكرت له أوصاف أهل الخَيْر وأوصاف الجنَّة قد يغلب علَيْه جانب الرجاء فيهلك، وإذا ذكرت له صِفات النَّار وصفات أهل الشَّرِّ يغلب علَيْه الخَوْف فيهلك.
ولهَذَا اختلف أهْل العِلْم: هل الأولى أن يُغلِّب الْإِنْسَان جانب الرجاء أو جانب الخَوْف أو يجعلهما سواء؟
فقال الْإِمَام أحمد: يَنْبَغِي أن يَكُون خوفه ورجاؤه واحدًا فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب الخَوْف وقع في القنوط من رحمة الله، وإن غلب الرجاء وقع في الأَمْن من مكر الله، وكلاهما طريق لا يليق بالمُؤْمِن.
стр. 268
وقال بعض العُلَماء: يَنْبَغِي للمريض أن يغلب جانب الرجاء؛ لقول النَّبِيّ ﷺ : "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ" (١)، وَينْبَغِي للصحيح أن يغلب جانب الخَوْف.
وقال آخرون: يَنْبَغِي عند فعل المعْصِيَة أن يغلب جانب الخَوْف؛ لأجل أن يرتاع؛ لأَنَّه لو غلب جانب الرجاء وقال: إن الله غفور رحيم وأرجو أن يغفر لي لأمن المعْصِيَة، وعند فعل الطَّاعة يغلب جانب الرجاء وأن الله تَعَالَى يقبل منه ويثيبه حَتَّى لا ييأس، ويدُلّ على ذَلِك قَوْل النَّبِيّ ﷺ : "ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ" (٢)، كَذلِكَ اعبد الله وأنت على رجاء أن يتقبل منك.
وعلى كل حال هَذَا القَوْل في ظنِّي أنَّه أرجح الأقوال أنَّه عنْدَما يَكُون الْإِنْسَان في جانب التعبّد وفعل العِبادَة يغلِّب الرجاء، ولَيْسَ المَعْنى أن يجزم بالرجاء بهَذَا؛ لأَن الله يَقُول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]؛ يعني: خائفة ألا يقبل منها، لكن المَعْنى أن يغلّب هَذَا مع الخَوْف، وأما في جانب فعل المعْصِيَة فيغلب جانب الخَوْف؛ لأجل ألّا يُقدم عَلَيْها معتمدًا على الرجاء، وقصدنا مما ذُكر أن القُرْآن الكَرِيم يذكر الله تَعَالَى فيه هَذَا وهَذَا ليَكُونَ سيرُ الْإِنْسَان معتدلًا.
قَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [جَمْع قَاع: أَي فِي فَلَاة وَهُوَ شُعَاع يُرَى فِيهَا نِصْف النَّهَار فِي شِدَّة الْحَرّ يُشْبِه المَاء الجَارِيَ] اهـ.
стр. 269
هَذَا تفسير للسراب، والقيعة: هي الفلاة، والسراب بالقيعة معْرُوف؛ يَكُون عند شدة الحر عنْدَما تَكُون في فلاة من الأَرْض، وقيعة، يعني: قاعًا -بخلاف الرملية لا يَكُون فيها هَذَا الشَّيء- لكن القيعان ترى من بُعد كأنَّ في ذَلِك الجانب ماء فتظنّه ماءً، ولَيْسَ بماء لكن كَيْفَ ذَلِك؟ لأنهم يَقُولُونَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]؛ فيظنون أن هَذَا الشِّرك الَّذِي يبعدهم عن الله حَقِيقَة يظنونه يقربهم إلى الله ، يظنون هَؤُلَاءِ الشُّفعاء الَّذينَ سيتبرؤون منهم شفعاء، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، ومن المعْرُوف أن النَّفس إِذَا تعلقت بالشَّيء على أنَّه شفيع أو على أنَّه مقَرِّب لها إلى الله تتبعه بلا شَك، هَؤُلَاءِ مثل السراب في القيعة.
قَوْلهُ: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿يَحْسَبُهُ﴾ يَظُنّهُ ﴿الظَّمْآنُ﴾ أَي: الْعَطْشَان ﴿مَاءً﴾] اهـ.
هَذَا تشبيه بليغ، ووجه الشَّبه بين أعمال الْكُفَّار وبين السراب: أن هَؤُلَاءِ الْكُفَّار يعملون الأعْمَال ويظنون أنَّها تنفعهم وكَذلِك العطشان، يعني أنَّه يقصد الماء بشدةٍ ولهف معتقدًا أنَّه ينقذه لأَن العطشان محتاج للماء، إِذَا رأى ما يشبه الماء قصده بشدة ولهف، لأجل أن يدفع ضرورته به، لأنَّه يظنه ينفعه، ولولا أنَّه يظنه ينفع لم يذهب إلَيْه، لكن النَّتيجة ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ﴾، قَالَ المُفَسِّر ﵀: [مِمَّا حَسِبَهُ] اهـ.
قَوْلهُ ﴿إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ماذا تتصور حاله حينئذٍ؛ خيبة أمل عَظِيمة - والعِيَاذ باللهِ - لا يتصوّرها أحد، إِنْسَان عطشان جاء إلى هَذَا السراب من بعيد يُرِيد أن يشرب فتكون النَّتيجة أنَّه لم يجد شيئًا مما حسبه، ولاحِظ أن السراب لا يتراءى في
стр. 270
الأماكن القريبة، بل في البعيدة، يَقُول المُفَسِّر ﵀: [كَذَلِكَ الْكَافِرُ يَحْسَب أَنَّ عَمَلَه كَصَدَقَةٍ يَنْفَعهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ وَقَدِمَ عَلَى رَبّه لَمْ يَجِد عَمَله، أَي: لَمْ يَنْفَعهُ] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: عِنْد عَمَله؛ ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، أَي جَازَاهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، أَي: المُجَازَاة] اهـ.
هَذَا الكافر يظن أن عمله ينفعه، وتمثيل المُفَسِّر لِذَلك بالصدقة فيه نظر إلَّا إِذَا قصد بِذَلِك ضرب المثل؛ فهَذَا صحيح، فهي من جملة الأعْمَال الَّتِي يفعلها الْكُفَّار يظنون أنَّها تنفعهم وهي لا تنفعهم، ولكن يَنْبَغِي أن يُقال: هي أعم من ذَلِك لَيْسَ المُراد فقط الصَّدقة، بل حَتَّى عبادة الأصنام يظنونها تنفعهم؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، ومع ذَلِك هَذَا كله لا ينفعهم ولا يجدون شيئًا مما يظنونه ويحسبونه.
وقَوْلهُ: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ عند هَذَا السراب؛ لأنَّه الآن وصل إلى الموت، فإذا مات فقد لاقى الله ، ولِهَذَا قَالَ: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾؛ هَذَا ظاهر السِّيَاق، أما على رأي المُفَسِّر ﵀؛ فيجعل ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾، أي: عند عمله، فيَكُون الضَّمِير على رأي المُفَسِّر عائد على المشبّه دون المشبه به، ويحتمل أنَّه عائد على المشبه به، وقول المُفَسِّر: أي: عند عمله؛ تفريعًا على قَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لأَن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عام فكأنه قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: الكافر عمله كذا وكذا، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولكن ظاهر الأئة أن الضَّمائر تعود على أقرب مذكور وهو هَذَا العطشان الَّذِي وصل إلى الماء عطشان فلم يجد شيئًا فسيهلك.
قَوْلهُ: [حِسَابَهُ﴾، يعني: جزاء عمله، وقوله ﵀: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، أي: المجازاة.
стр. 271
ما المُراد بالسُّرعة هُنا، هل المُراد قرب وقت المجازاة فتكون السُّرعة زمنية أو المُراد إنجاز الحساب فتكون السرعة عملية أو كلاهما؟ هل المَعْنى أنَّه في محاسبته سريع أو المَعْنى حسابه للعباد قرب أوكلاهما؟
الجواب: كلاهما؛ فالحساب قريب حَتَّى وإن طالت الدُّنْيَا بالْإِنْسَان، فإنَّه قريب؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، وكَذلِك عنْدَما يحاسب الله الخلائق يوم القِيامَة يحاسبهم في نصف يوم (١)، كما قَالَ اللهُ : ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾، ثم قَالَ بعدها: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]؛ استنبط العُلَماء من ذَلِك أنهم سيقيلون في منازلهم في نصف ذَلِك اليوم.
ولكن اليوم الَّذِي أشار الله إلَيْه مقداره خمسين ألف سنة، ومهما يكن من شَيْء فالله قادرٌ على ما هو أبلغ من ذَلِك، لكن مع هَذَا، هَذِهِ سرعة عَظِيمة وقدرة بالغة حَتَّى لو كَانَت المدة خمس وعشرين ألف سنة، الخلائق من أولهم إِلَى آخِرِهِم ما بين آدمي وجنّي وطير وغيرهم يحاسبهم الله في نصف يوم، الآن لو يحاسب الْإِنْسَان شخصًا يعامله لمدة سنة كم تَكُون المدة إِذَا كَانَ الحساب دقيقًا وكثيرًا؟ يبقى مدة وقد يَكُون الحساب مضبوطًا وقد لا يَكُون مضبوطًا؛ أما حساب الله ؛ فهو مع سرعته ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
* * *
стр. 272
الآية (٤٠)
قَالَ اللهُ : ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠]
* * *
بعدما ضرب الله مثلًا لكافرٍ عمل يُرِيد التقرب إلى الله ؛ ضرب مثلًا آخر وهو قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾.
﴿أَوْ﴾؛ هُنا لَيْسَت للشك بلا ريب؛ لأَن الله منزَّهٌ عن الشَّك؛ لأَن الشَّك إنما يَكُون لقُصور علم الْإِنْسَان أو لقُصور علم الشَّاكّ، أما الله فعلمه واسمع، يعني لا يُمْكِن أنْ يقولَ الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ﴾؛ إما مثل هَذَا أو مثل هَذَا على سبيل الشَّكّ؛ كما تقول مثلًا: أنا رأيتُ هَذَا الشَّيء وهو يشبه كذا أو كذا، هَذَا لا يُمْكِن أن يَكُون في حق الله ، إذن فـ (أو) للتنويع، في قَوْلهُ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾، يعني: أو أعمالهم كظلمات ... إِلَى آخِرِهِ.
قَوْلهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ﴾؛ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [السَّيِّئةَ ﴿كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عَمِيقٍ ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾، أَي: المَوجُ ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾، أَي: المَوجُ الثَّاني ﴿سَحَابٌ﴾، أي: غَيْمٌ؛ ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ ظُلْمَة الْبَحْر
стр. 273
وَظُلْمَة المَوْج الْأَوَّل وَظُلْمَة الثَّانِي وَظُلْمَة السَّحَاب ﴿إِذَا أَخْرَجَ﴾، أَي: النَّاظِر ﴿يَدَهُ﴾ فِي هَذِهِ الظُّلُمَات ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أَي: لَمْ يَقْرُب مِنْ ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، أَي: مَنْ لَمْ يَهْدِهِ الله لَمْ يَهْتَد﴾ اهـ.
هَذَا قسم ثان من الْكُفَّار، وهَذَا التقسيم للتنويع كما تقدَّم، فالأول والله أعلم: في حال الكافر المجتهد الَّذِي عنْدَه فهم واجتهاد الَّذِي يظن أن عمله ينفعه، والثَّاني: في حال المقلد الَّذِي لا يدري وعنده جهل وضلال؛ فهو في ظلمة يسير مع الْكُفَّار وهو لا يدري.
قَوْلهُ: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ البحر: معْرُوف، واللجي: العميق، وكلما كَانَ البحر أعمق كَانَت ظلمته أَشَدّ.
قَوْلهُ: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ بمَعْنى يغطي هَذَا الكافر ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أيضًا أمواج عالية لكن ما حد الموج الثَّاني من الأوَّل؟ يعني ما الَّذِي يميز الموج الثَّاني عن الموج الأوَّل؟
الجواب: إما أن يُقال بالاتجاه يعني الأمواج تتلاقى، موج يأتي من هُنا والثَّاني أعلى منه أتى من جهة ثانية من أجل أن يتبَيَّن علو هَذَا على ذاك، أو أنَّها أمواج متلاحقة، مثلًا موج مقبل كارتفاع الجبل ووراءه موجٌ آخر أعلى منه، فإذا لحقه صار موجًا من فوقه موج، وأما أنَّه موج واحد فلا يُمْكِن أن يفصل بعضه عن بعض، ومن شاهد البحر وجد الْأَمْر كَذلِكَ، تجد أمواجًا متلاحقة، أحيانًا إِذَا انعكس الهواء تتقابل وأحيانًا تتلاحق، لكن هَذِهِ الأمواج المتلاحقة أيضا تجري، سبحان الله العَظِيم، مثل الدرج، يعني: بعضها فوق بعض، هَذَا هو ما ضربه الله في هَذَا المثل.
стр. 274
قَوْلهُ: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ السَّحاب في الحقيقَة مراتب في الجو ولَيْسَ كما يغلب على ظننا أنَّه في طبقة واحدة، لا، بل في طبقات متباعدة جدًّا، وهَذَا يعرفه الْإِنْسَان إِذَا ركب الطَّائرة يجد أحيانًا سحابًا بينه وبين الطَّائرة من أسفل مثل ما بين السَّحاب والأَرْض، وسحاب فوقه بينه وبينه مثل ما بين الطَّائرة والأَرْض وهو بينهما، وهَذَا شَيْء معْرُوف ومشاهد، فالظَّاهِر والله أعلم أن قَوْلهُ: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ مثل قَوْلهُ: ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ بمَعْنى أن السَّحاب يكاد يَكُون ملاصقًا لهذه الأمواج، ويُمْكِن أيضا أن يُراد بالسَّحاب ما يشمل الضَّباب؛ لأَن حَقِيقَة الْأَمْر أن الضَّباب سحاب لأَنَّه ينسحب على الأَرْض، فإذا وجد ذَلِك صَارَت الظُّلْمة واضحة جدًّا، ولا شَك أن الضَّباب يقرب من سطح البحر، سواء كَانَ قريبًا أو بعيدًا، لكن أيهما أَشَدّ؟ إِذَا قرب أَشَدّ.
قَوْلهُ: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ انظر التهويل في هَذَا المثل يعني كَانَ يكفي أنْ يقولَ: ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، لكن لأجل تهويله في النَّفس وبَيان عظمته، قَالَ: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾.
ثم ضرب مثلًا فقال: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
ما أقرب شَيْء لك؟ اليد مِنْ أقرب ما يَكُون إليك، بل هي أقرب شَيْء لك من الأعضاء المتحركة الَّتِي يُمْكِن أن تُرى، يُمْكِن أن تُخرج ويُمْكِن ألا تُخرج.
قَوْلهُ: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ هل معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أنَّه يراها بصعوبة أو لا يراها؟
يَقُول النَّحويون: إن (كاد) إِثْباتها نفي ونفيها إِثْبات، فإذا قلت: "لم أكد أفعل" فمعناه: فعلت لكن بَعْدَ بُعْدٍ، فقَوْلهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ على هَذِهِ القاعِدَة؟ رآها لكن
стр. 275
مع بُعْد الرؤية وصعوبتها، لكن الظَّاهِر كما قَالَ: آخرون من النَّحويين: إن (كاد) مثل غيرها نفيها نفي وإِثْباتها إِثْبات، لكن هي بمَعْنى قارب، فإذا قلت: كدتُ أفعل، أي: قاربتُ أن أفعل، لكن فأنت لم تفعل لكن قاربت، ولِهَذَا هي عُدَّت عند النَّحويين من أفعال المقاربة، فمن نفى أن يقارب الشَّيء فإنَّه قطعًا لم يفعله، ومن أثبت أنَّه مقاربٌ له فهو أيضًا قطعًا لم يفعله؛ وهَذَا معنى قولك: قاربتُ الفِعْل؛ أي: ولم أفعل، فإذا قِيلَ: لم يكد يفعل كذا.
ولم يسبق ما يدُلّ على فعله فإنَّه لم يفعله؛ أي: إن وجدت قرينة تدُلّ على فعله فهَذ القرينة هي الَّتِي تدُلّ على الفِعْل، فلو قلت: وصلت إلى البلد ولم أكد أصل، دل ذَلِك على وصولك، والقرينة قولك: وصلت، وأما قولك: ما كدت فلا يدُلّ على الوصول، لكن إِذَا قلت: سرت إلى البلد ولم أكد أصل، لا يَكُون واصلًا ولا مقاربًا للوصول ما لم يوجد دَليل.
فإذا لم يسبق شَيْء يدُلّ على الفِعْل فإنَّه يقين لم يفعل، مثل قَوْل عمر ﵁: "مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ تَغْرُبُ" (١)، يعني: ما قاربت صلاة العصر، لكن هل صلّاها أو لم يصلّها؟ لم يصلّها، يعني: ما قاربت صلاة العصر حَتَّى قاربت الشَّمس الغروب، فلمَّا قَارَبَتْ الشَّمسُ الغروب قَارَبَتْ صلاة العصر، هو ﵁ لم يصل إلَّا بعد الغروب مع النَّبِيّ ﵊، لكن كأنه في الأوَّل لم يتهيأ له أن يقرب من الصَّلاة فضلًا عن أن يصليها، المَعْنى أنهم شغلهم الْكُفَّار عن قرب غروب الشَّمس فما قارب أن يصلي، ومقاربة الصَّلاة بالتهيؤ لها أي: ما تهيأتُ
стр. 276
للصلاة حَتَّى قاربت الشَّمس أن تغرب، ولِهَذَا صلى مع النَّبِيِّ ﵊ صلاة العصر بعد غروب الشَّمس، فالحاصِل: أن في قَوْلهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أثبتت المقاربة، لكن علمنا انتفاء الفِعْل من المقاربة؛ فقَوْلهُ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أي: لم يقرب أن يراها كما قَالَ المُفَسِّر.
إذن إِذَا كَانَ لم يقرب أن يراها فانتفاء الرؤية مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وأما قَوْله تَعَالَى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، لَوْلا قَوْلهُ: (ذبحوها) لم تدُلّ الآية على أنهم ذبحوها، لكن المَعْنى أنهم ذبحوها بعد أن كانوا بعيدين عن الذبح لم يقصدوه ولا نووا أن يمتثلوا، بل قالوا لنبيهم: أتتخذنا هزوًا، بعد هَذَا البُعد عن الفِعْل وبعد أن أجيبوا بطلباتهم ذبحوها، فهم كانوا بعيدين عن الامتثال إلَّا أنَّه بعد الإلحاح وبعدما قالوا: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا﴾، وبُيِّن كما طلبوا بعد ذَلِك أُجيب، وهَذَا مَثَلٌ في الحقيقَة يَنْبَغِي لِلإنْسان أن يعتبره بنَفْسِه وأنه عنْدَما يؤمر بالْأَمْر لا يَقُول: لماذا كذا ولماذا كذا؛ لأَن هَذَا خطير فقد قَالَ اللهُ : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، لِهَذَا يَجب على المُسْلِم إِذَا علم بالشَّرع أن يستسلم ولا بأس فيما بعد فيما يقرر علَى نفْسِه أنَّه ممتثل، لا بأس فيما بعد أن يسأل عن الحِكْمة؛ لأَن سؤال الحِكْمة لا ينافي الانقياد، لكن المُهِمّ أن يستسلم أولًا ولا يورد إيُرادات وشبهات، لماذا، ولماذا كذا وكذا، ثم بعد ذَلِك يفعل إِذَا شاء.
قَوْلهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ يعني الَّذِي لم يجعل الله له نورًا لم يكن له نور، يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي: مَنْ لَمْ يَهْدِهِ الله لَمْ يَهتدِ﴾ اهـ.
стр. 277
جعل المُفَسِّر هُنا النُّور نورًا معنويًّا؛ أي: من لم ينوِّر الله قلبه بالعلم والإِيمَان فلا أحد ينور قلبه فما له من نور.
لو قَالَ قَائِلٌ: ما الغرض من مثل هَذِهِ الآيات الَّتِي يذكرها الله ، كقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ [الرعد: ٣٣] وكقَوْلهُ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وكقَوْلهُ: "مَنْ يَهْدِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ" (١)، وما أشبه ذَلِك، هل الغرض منها تقرير مذهب الجبرية كما استلوا بها أو الغرض شَيْء آخر؟
الجواب: قطعًا لَيْسَ الغرض من ذَلِك تقرير مذهب الجبرية؛ لأَن الجبرية مذهبهم باطل يبطله الحس والشَّرع والعقل والفطرة، لكن الغرض من ذَلِك ألا يعتمد الْأِنْسَان علَى نفْسِه وأن يلجأ دائمًا إلى الله في طلب الهداية وطلب النُّور وطلب التَّوفيق وغير ذَلِك، وإلَّا فمن المعْلُوم أن الله لا يقرر أمرًا باطلًا يبطله بالعقل والحس.
فعلى كل حال يَقُول الله : إِذَا لم يجعل الله لِلإنْسان نورًا يهتدي به فما له من نور، وقد أتى بالجُمْلَة الأسْمية الدالة على الثُّبوتِ والاستمرار ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ وأكّد انتفاء النُّور عنه بـ ﴿مِنْ﴾ الزائدة في قَوْلهُ: ﴿مِنْ نُورٍ﴾؛ لأَن ﴿مِنْ﴾ زائدة و ﴿نُورٍ﴾ مُبْتَدَأ مؤخر؛ أي: فلَيْسَ له نورٌ.
فإذن نعلم بهَذَا أن الله هو الَّذِي يتصرف في ملكه كما يشاء، وأن من أعطاه الله النُّور فهو على نور من ربه، ومن لم يعطه الله نورًا فما له من نور، ومن أين يأتيه النُّور وقد حجب الله النُّور عنه.
стр. 278
ولكن اعلم أيضًا أن حجب الله النُّور عن العَبْد لَيْسَ منعًا لفضله ﵎ فإنَّه ذو الفَضْل العَظِيم والعطاء أحب إلَيْه من المنع، والهداية أحب إلَيْه من الإضلال، لكن لأَن المرء نفسه هو الَّذِي منع عن نفسه هَذَا النُّور، واقرأ قَوْل الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، واقرأ قَوْل الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يعني عن الحَقّ وأعرضوا عنه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، يتبَيَّن لك أن إضلال الله للعبد وحجب النُّور عنه بسبب نفسه فهو الَّذِي لم يهتدِ.
فعلى كل حال هَذِهِ الآية تدُلّ على أنَّه يَنْبَغِي بل يَجب على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا بأنه يسأله أن ينور قلبه؛ لأَن ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ هَذَا منطوق الآية، مفهوم الاصلة من جعل الله له نورًا فلا أحد يحجب عنه نور الله .
* * *
стр. 279
الآية (٤١)
* قَالَ اللهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].
* * *
قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهمزة للاستفهام الداخل على النَّفي، وإذا دخل الاستفهام على النَّفي أفاد التقرير، أي: إِثْبات ما ذُكر، قَالَ اللهُ للنَّبِيّ ﷺ : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١] يعني: قد شرحنا لك صدرك، يقرر الله تَعَالَى أنَّه قد شرح صدر النَّبِيّ ﷺ .
قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ يعني: قد رأيت، لكن هل الخِطَاب للرَّسول ﷺ أو لكل من يتأتى خطابه؟ الظَّاهِر العُموم ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المخاطب لا أيها النَّبيّ، لأَن ذَلِك أشمل وأعم.
وقَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ هل هَذِهِ الرؤية بصرية أو علمية؟ إِذَا جعلتها بصرية صَارَت هَذِهِ الرؤية خاصة بما يُفعل لا بما يُقال ولا بما يعلم بالعقل، وإذا جعلتهما علمية شملت ما يعلم بالقَوْل وبالبصر وبالذهن، وحينئذٍ أيهما أولى؟
الأولى أن تَكُون علمية، يعني ألم تعلم سواء كَانَ علمك عن طريق المشاهدة بالبصر أو عن طريق السمع بالأذن أو عن طريق الاستنتاج بالعقل والتفكير، هَذِهِ الثَّلاثة هي طرق العِلْم كما قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
стр. 280
إذن (ألم تعلم) علمًا ناتجًا عن هَذِهِ الْأُمُور الثَّلاثة أو عن واحد منها.
قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَمنَ التَّسْبِيح صَلَاة] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ﴾ أتى بـ (مَن) الَّتِي للعاقل؛ لأَن التَّسبيح أظهر للعقلاء من غير العقلاء، وهَذَا التَّسبيح يشمل التَّسبيح بالقَوْل وبالحال، بالقَوْل مثل: سبحان الله، وبالحال أنك إِذَا تأملت خلقه وما جبلوا علَيْه علمت بِذَلِك أن الله تَعَالَى منزه عن العبث وعن النَّقائص، يسمى هَذَا التَّسبيح بالحال.
إذا قُلْنا: إن التَّسبيح بالمقال فمن المعْلُوم أن الكافر لا يسبح الله بمقاله، يعني لا يَقُول: سبحان الله لأنَّه يصف الله بالعيب ويجعل مع الله شريكًا لكنَّه مسبح لله بحاله فإن حاله وما جبل علَيْه وانصرافه عن الحقّ مع وضوحه وما أشبه ذَلِك، كل ذَلِك مما يدُلّ على تنزيه الله وعلى حكمته.
وقَوْلهُ: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يشمل الملائكة، وتسبيح الملائكة نحنُ لم نعلمه عن طريق الرؤية ولكن عن طريق الوَحْي الَّذِي هو السمع، سَمِعْنَا من نبينا ﷺ أن الملائكة تسبح الله، وسَمِعْنَا قَوْل الله أن الملائكة تسبح ... إِلَى آخِرِهِ.
قَوْلهُ: ﴿وَالطَّيْرُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [جَمْع طَائِر بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض ﴿صَافَّاتٍ﴾ حَال بَاسِطَات أَجْنِحَتهنَّ] اهـ.
﴿وَالطَّيْرُ﴾ معطوفة على ﴿مَنْ﴾ يعني وتسبح له الطير و ﴿صَافَّاتٍ﴾ حال من الطير، يعني هي أيضًا تسبح الله في حال صفوفها، أي: صف أجنحتها، أي: بسطها، فإن صفوفها في الهواء بين السَّماء والأَرْض، وعدم سقوطها، واتجاهها
стр. 281
يمينًا وشمالًا، ولا تحجبها الرياح مع عصوفها عما تريد، هَذَا مما يدُلّ على كمال قدرة الله ، فالريح الَّتِي تقلقل الجبال والسيارات لا تحجب الطائر عن اتجاهه فيتجه معاكسًا للرياح ولا يبالي، وهَذَا شَيْء مشاهد وهَذَا من تمام قدرة الله ، فهَذَا الطير الضعيف الصَّغير الَّذِي يُمْكِن أن تقتله الرياح يتجه معاكسًا لها ولا ترده، وهَذَا من تمام قدرة الله ، ومن تمام القدرة أيضًا أنك تجده في أيام الشِّتاء الباردة القارسة تجده يطير بين السَّماء والأَرْض بهَذ السرعة وفوق أيضًا ولا يتأثر بهَذَا البرد، كل ذَلِك دَليل على كمال قدرة الله، لكن هَذَا التَّسبيح حالي أو مقالي؟
نحنُ نعلمه حاليًا، ولكن ربما يَكُون أيضًا مقاليًا، ربما أنَّها في حال مد أجنحتها وبسطها تسبح الله؛ لأَن الطير لها نطق قَالَ اللهُ تعالى: ﴿عُلِمْنَا مَنطِقَ الْطَّيرِ﴾ [النمل: ١٧]؛ فكل شَيْء ينطق حَتَّى الحمى ينطق، وقد سُمع تسبيح الحمى بين يدي الرَّسُول ﷺ (١)، فكل شَيْء يسبح بل قَالَ اللهُ في آية أُخْرَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهنا قَالَ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ ولم يذكر السَّموات ولم يعمم كما في قَوْلهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بل هُناكَ قَالَ: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهنا قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ فأثبت علمنا بهَذَا التَّسبيح وهو لَيْسَ شاملًا كما في الآية الثَّانية ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، أما تسبيح ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ بلسان المقال فهَذَا لا نعلمه، ولكن بلسان الحال كما تقدَّم.
ثم أعظم من هَذَا قَالَ: ﴿قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ فعل ماضٍ، فيه
стр. 282
ضمير مستتر يَعود - على كلام المُفَسِّر - على الله فمعنى قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، أي: قد علم الله صلاته وتسبيحه، هَذَا ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر ﵀.
والقول الثَّاني: أن فاعل ﴿عَلِمَ﴾ يَعود على ﴿مَنْ﴾ وما عطف عَلَيْها، يعني: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾؛ كل من هَؤُلَاءِ المسبحين ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، يعني: أن الله تَعَالَى ألهم هَذِهِ الأَشْيَاء حَتَّى عرفت كَيْفَ تسبح الله وكَيْفَ تصلي له، وأما علم الله بِذَلِك فمفهوم من قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، فعلى رأي المُفَسِّر يَكُون في الآية شبه تكرار ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾؛ ولِهَذَا الصحيح أن قَوْلهُ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾، أي: كل من هَؤُلَاءِ المسبحين ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ هو نفسه ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ لكن بأي شَيْء علم؛ أما بالنِّسْبَةِ للبشر وكَذلِك الجن فقد علموا عن طريق الرُّسل، فالرُّسل أرسلهم الله ليُعلِّموا النَّاس كَيْفَ يصلُّون وكَيْفَ يسبِّحون الله ، وأما البهائم والحيوانات الأُخْرَى فإنها علمت صلاتهها وتسبيحها بما ألهمها الله ، ولكلٍ منها صلاة وتسبيح خاص، قَالَ اللهُ على لسان موسى ردًّا على فرعون في قَوْلهُ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ فقال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠]، ثم إن هَذِهِ الهداية كما تشمل الهداية في الْأُمُور الَّتِي تحفظ أجسادها كَذلِكَ تشمل الهداية في الْأُمُور الَّتِي ألهمها الله من التَّسبيح والصَّلاة.
وقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿فِيهِ تَغْلِيب الْعَاقِل] اهـ. لأَن الواو في: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ للعاقل وعلوم أن قَوْلهُ: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل العاقِل وغيره، لكن الآية غلب فيها العاقِل في الموضع الأوَّل وفي الثَّاني، والسبب في ذَلِك
стр. 283
والله أعلم أن التَّسبيح والصَّلاة في العاقِل أظهر منها في غير العاقِل، فلِذَلك غلب وإلَّا فغير العقلاء في الأَرْض أكثر من العقلاء، فالحيوانات والحشرات أكثر.
فالصَّلاة من أهم الأعْمَال، وسبحان الله العَظِيم انظر حَتَّى الحيوانات تصلي، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، ولكن صلاتها لا ندري هل مثل صلاتنا أو تختلف، المُهِمّ أن لها صلاة ولها تسبيحًا ولكنه خاص بها قد عَلَّمها الله كَيْفَ تصلي وكَيْفَ نسبح، وعلمت صلاتها وتسبيحها.
* * *
стр. 284
الآية: (٤٢)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢].
* * *
قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [خَزَائِن المَطَر وَالرِّزْق وَالنَّبَات] اهـ.
وقَوْلهُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قَوْلهُ: ﴿وَللَّهِ﴾ هي خبر مقدم، ﴿وَللِّهِ﴾ مُبْتَدَأ مؤخَّر، والقاعِدَة عند أهْل العِلْم أنَّه إِذَا قدم شَيْء من حقِّه أن يؤخر دل ذَلِك على الحصر، الحصر في هَذَا المقدم يعني حصر المؤخر في المقدم؛ فقَوْلهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مَعْناها أي: لا نعبد إلَّا إيّاك، وقَوْلهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]؛ مَعْناها لا نستعين إلَّا إياك، فإذا قدم ما حقّه التأخير كَانَ ذَلِك دليلًا على حصر الشَّيء فيه، فبناءً على هَذَا القاعِدَة، يَكُون ملك السَّموات والأَرْض لله وحده، ولَيْسَ معه غيره بِدَلِيل الحصر في قَوْلهُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾.
وقَوْلهُ: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هَذَا شامل لملك الأعيان والتَّصريف، فـ ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ أعيانها لله والتَّصريف والتَّدبير أيضًا لله، وتَخْصِيص ذَلِك بخزائن الرزق والنَّبات والمطر لا وجه إطلاقًا، فالله تَعَالَى له ملك السَّموات والأَرْض خلقًا وتدبيرًا، فالأعيان والتَّصريف لله وحده ويدُلّ على ذَلِك ما فيها من الانتظام وعدم الاضطراب وعدم التَّناقض، ولِهَذَا استدل الله تَعَالَى على وحدانيته بقَوْلهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ
стр. 285
وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ لو كَانَ معه إله ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ صحيح ما دام أنَّه إله لا بُدَّ أن تَكُون مملكته له وحده، والنَّتيجة ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فإذا علا بعضهم على بعض فلمن تَكُون الأُلوهيَّة؟ للعالي بلا شَك، ونحن نرى بعين اليقين أنَّه لم يتميز الخلق بعضه على بعض وأن العالم العلوي والسفلي كله كتلة واحدة مسخر بعضه لبعض ويتمم بعضه ببعض ولا يتناقض، ولِهَذَا كَانَ العَقْل والمشاهدة دليلين على وحدانية الله .
ثم لا يُمْكِن أيضًا تعدد الآلهة لا بُدَّ أن أحَدهما يغلب؛ لأنهما إن تمانعا وعجز كل واحد منهما عن الآخر صَارَ كلاهما غير مستحق للألوهية ما دام كل واحد منهُما يعجز، والرب لا يَكُون عاجزًا، فلا يصلح كل منهما أن يَكُون ربًا؛ لأَن الرب لا بُدَّ أن يَكُون قادرًا، وهَذَا دَليل عقلي معْرُوف، وإن غلب أحَدهما الآخر صَارَ وحده الرب والإله فتكون الألوهية له، فإذا لا بُدَّ أن يَكُون الإله واحدًا، وهَذَا من أبين الأدلَّة وأوضحها.
إذا قَالَ قَائِلٌ: ألَيْسَ الله تَعَالَى يَقُول: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: ٣٠]، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]؛ فأثبت لِلإنْسان ملكًا وأنتم تقولون: إن ملك السَّموات والأَرْض خاص باللهِ بِدَلِيل الحصر فكَيْفَ الجمع؟
الجواب: الملك هَذَا مقيد لَيْسَ ملكًا مطلقًا ومن الَّذِي ملَّكك؟ الله تَعَالَى هو الَّذِي ملكك هَذَا الشَّيء بقدر محدود، أيضًا أنت إِذَا كنت تملك هَذَا المسجل مثلًا تملك أن تبيعه وتشتريه وتنتفع به هَذَا واضح، لكن هل تملك أن تكسره؟ بالنِّسْبَةِ للمخلوقين تملك، لكن بالنِّسْبَةِ لله لا تملك؛ لانَه لا يجوز لك أن تكسره؛ لأنك