← Тафсир

Тафсир · id 553

تفسير العثيمين: النور

ابن عثيمين

Полный текст (440 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

يمينًا وشمالًا، ولا تحجبها الرياح مع عصوفها عما تريد، هَذَا مما يدُلّ على كمال قدرة الله ، فالريح الَّتِي تقلقل الجبال والسيارات لا تحجب الطائر عن اتجاهه فيتجه معاكسًا للرياح ولا يبالي، وهَذَا شَيْء مشاهد وهَذَا من تمام قدرة الله ، فهَذَا الطير الضعيف الصَّغير الَّذِي يُمْكِن أن تقتله الرياح يتجه معاكسًا لها ولا ترده، وهَذَا من تمام قدرة الله ، ومن تمام القدرة أيضًا أنك تجده في أيام الشِّتاء الباردة القارسة تجده يطير بين السَّماء والأَرْض بهَذ السرعة وفوق أيضًا ولا يتأثر بهَذَا البرد، كل ذَلِك دَليل على كمال قدرة الله، لكن هَذَا التَّسبيح حالي أو مقالي؟ نحنُ نعلمه حاليًا، ولكن ربما يَكُون أيضًا مقاليًا، ربما أنَّها في حال مد أجنحتها وبسطها تسبح الله؛ لأَن الطير لها نطق قَالَ اللهُ تعالى: ﴿عُلِمْنَا مَنطِقَ الْطَّيرِ﴾ [النمل: ١٧]؛ فكل شَيْء ينطق حَتَّى الحمى ينطق، وقد سُمع تسبيح الحمى بين يدي الرَّسُول ﷺ (١)، فكل شَيْء يسبح بل قَالَ اللهُ في آية أُخْرَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهنا قَالَ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ ولم يذكر السَّموات ولم يعمم كما في قَوْلهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بل هُناكَ قَالَ: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهنا قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ فأثبت علمنا بهَذَا التَّسبيح وهو لَيْسَ شاملًا كما في الآية الثَّانية ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، أما تسبيح ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ بلسان المقال فهَذَا لا نعلمه، ولكن بلسان الحال كما تقدَّم. ثم أعظم من هَذَا قَالَ: ﴿قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ فعل ماضٍ، فيه

стр. 282

ضمير مستتر يَعود - على كلام المُفَسِّر - على الله فمعنى قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، أي: قد علم الله صلاته وتسبيحه، هَذَا ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر ﵀. والقول الثَّاني: أن فاعل ﴿عَلِمَ﴾ يَعود على ﴿مَنْ﴾ وما عطف عَلَيْها، يعني: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾؛ كل من هَؤُلَاءِ المسبحين ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، يعني: أن الله تَعَالَى ألهم هَذِهِ الأَشْيَاء حَتَّى عرفت كَيْفَ تسبح الله وكَيْفَ تصلي له، وأما علم الله بِذَلِك فمفهوم من قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، فعلى رأي المُفَسِّر يَكُون في الآية شبه تكرار ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾؛ ولِهَذَا الصحيح أن قَوْلهُ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾، أي: كل من هَؤُلَاءِ المسبحين ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ هو نفسه ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ لكن بأي شَيْء علم؛ أما بالنِّسْبَةِ للبشر وكَذلِك الجن فقد علموا عن طريق الرُّسل، فالرُّسل أرسلهم الله ليُعلِّموا النَّاس كَيْفَ يصلُّون وكَيْفَ يسبِّحون الله ، وأما البهائم والحيوانات الأُخْرَى فإنها علمت صلاتهها وتسبيحها بما ألهمها الله ، ولكلٍ منها صلاة وتسبيح خاص، قَالَ اللهُ على لسان موسى ردًّا على فرعون في قَوْلهُ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ فقال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠]، ثم إن هَذِهِ الهداية كما تشمل الهداية في الْأُمُور الَّتِي تحفظ أجسادها كَذلِكَ تشمل الهداية في الْأُمُور الَّتِي ألهمها الله من التَّسبيح والصَّلاة. وقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿فِيهِ تَغْلِيب الْعَاقِل] اهـ. لأَن الواو في: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ للعاقل وعلوم أن قَوْلهُ: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل العاقِل وغيره، لكن الآية غلب فيها العاقِل في الموضع الأوَّل وفي الثَّاني، والسبب في ذَلِك

стр. 283

والله أعلم أن التَّسبيح والصَّلاة في العاقِل أظهر منها في غير العاقِل، فلِذَلك غلب وإلَّا فغير العقلاء في الأَرْض أكثر من العقلاء، فالحيوانات والحشرات أكثر. فالصَّلاة من أهم الأعْمَال، وسبحان الله العَظِيم انظر حَتَّى الحيوانات تصلي، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، ولكن صلاتها لا ندري هل مثل صلاتنا أو تختلف، المُهِمّ أن لها صلاة ولها تسبيحًا ولكنه خاص بها قد عَلَّمها الله كَيْفَ تصلي وكَيْفَ نسبح، وعلمت صلاتها وتسبيحها. * * *

стр. 284

الآية: (٤٢) * قَالَ اللهُ : ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [النور: ٤٢]. * * * قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [خَزَائِن المَطَر وَالرِّزْق وَالنَّبَات] اهـ. وقَوْلهُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قَوْلهُ: ﴿وَللَّهِ﴾ هي خبر مقدم، ﴿وَللِّهِ﴾ مُبْتَدَأ مؤخَّر، والقاعِدَة عند أهْل العِلْم أنَّه إِذَا قدم شَيْء من حقِّه أن يؤخر دل ذَلِك على الحصر، الحصر في هَذَا المقدم يعني حصر المؤخر في المقدم؛ فقَوْلهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مَعْناها أي: لا نعبد إلَّا إيّاك، وقَوْلهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]؛ مَعْناها لا نستعين إلَّا إياك، فإذا قدم ما حقّه التأخير كَانَ ذَلِك دليلًا على حصر الشَّيء فيه، فبناءً على هَذَا القاعِدَة، يَكُون ملك السَّموات والأَرْض لله وحده، ولَيْسَ معه غيره بِدَلِيل الحصر في قَوْلهُ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾. وقَوْلهُ: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هَذَا شامل لملك الأعيان والتَّصريف، فـ ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ أعيانها لله والتَّصريف والتَّدبير أيضًا لله، وتَخْصِيص ذَلِك بخزائن الرزق والنَّبات والمطر لا وجه إطلاقًا، فالله تَعَالَى له ملك السَّموات والأَرْض خلقًا وتدبيرًا، فالأعيان والتَّصريف لله وحده ويدُلّ على ذَلِك ما فيها من الانتظام وعدم الاضطراب وعدم التَّناقض، ولِهَذَا استدل الله تَعَالَى على وحدانيته بقَوْلهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ

стр. 285

وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ لو كَانَ معه إله ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ صحيح ما دام أنَّه إله لا بُدَّ أن تَكُون مملكته له وحده، والنَّتيجة ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فإذا علا بعضهم على بعض فلمن تَكُون الأُلوهيَّة؟ للعالي بلا شَك، ونحن نرى بعين اليقين أنَّه لم يتميز الخلق بعضه على بعض وأن العالم العلوي والسفلي كله كتلة واحدة مسخر بعضه لبعض ويتمم بعضه ببعض ولا يتناقض، ولِهَذَا كَانَ العَقْل والمشاهدة دليلين على وحدانية الله . ثم لا يُمْكِن أيضًا تعدد الآلهة لا بُدَّ أن أحَدهما يغلب؛ لأنهما إن تمانعا وعجز كل واحد منهما عن الآخر صَارَ كلاهما غير مستحق للألوهية ما دام كل واحد منهُما يعجز، والرب لا يَكُون عاجزًا، فلا يصلح كل منهما أن يَكُون ربًا؛ لأَن الرب لا بُدَّ أن يَكُون قادرًا، وهَذَا دَليل عقلي معْرُوف، وإن غلب أحَدهما الآخر صَارَ وحده الرب والإله فتكون الألوهية له، فإذا لا بُدَّ أن يَكُون الإله واحدًا، وهَذَا من أبين الأدلَّة وأوضحها. إذا قَالَ قَائِلٌ: ألَيْسَ الله تَعَالَى يَقُول: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: ٣٠]، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣]؛ فأثبت لِلإنْسان ملكًا وأنتم تقولون: إن ملك السَّموات والأَرْض خاص باللهِ بِدَلِيل الحصر فكَيْفَ الجمع؟ الجواب: الملك هَذَا مقيد لَيْسَ ملكًا مطلقًا ومن الَّذِي ملَّكك؟ الله تَعَالَى هو الَّذِي ملكك هَذَا الشَّيء بقدر محدود، أيضًا أنت إِذَا كنت تملك هَذَا المسجل مثلًا تملك أن تبيعه وتشتريه وتنتفع به هَذَا واضح، لكن هل تملك أن تكسره؟ بالنِّسْبَةِ للمخلوقين تملك، لكن بالنِّسْبَةِ لله لا تملك؛ لانَه لا يجوز لك أن تكسره؛ لأنك

стр. 286

ممنوع من قبل الله ، لكن هل الله يملك أن يتلف من على البسيطة؟ الجواب: نعم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، فتبين بهَذَا أن ملكي للشَيْء من الله هو الَّذِي ملكني، والشَّيء الثَّاني: أن هَذَا ملك محدود مقيد، وعلى هَذَا فلا منافاة بين ما أثبت الله تَعَالَى لِلإنْسان من الملك وما أثبت لنفسه من الاختصاص بالملك، ولِهَذَا قَالَ بعض أهْل العِلْم كل شَيْء أضيف ملكه لِلإنْسان فهو على سبيل المجاز لا على سبيل الحَقيقَة؛ لأَن المالك حَقِيقَة هو الله وأنا مالك مجازًا لأني لا أتصرف في هَذَا الشَّيء إلَّا بما أمرت أو كما أذن لي، لا أتصرف تصرفًا مطلقًا. قَوْلهُ: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [المَرْجِع] اهـ. هَذَا فيه تنبيه على أنَّه مالك للأول والآخر فـ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابتداء ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ انتهاء؛ ففيه - والله أعلم - إِشارَة إلى أنَّه إِذَا كَانَ الملك لله والمرجع إلَيْه فإنَّه لا يحل لنا أن نتصرف إلَّا حسب ما شرع لنا ما دمنا ملكًا لله ، نحنُ الآن مِلْكا لله ومصيرنا إلى الله، فما دمت تعلم أنك مِلْك له وهو الَّذِي يدبرك: افعل كذا، ولا تفعل كذا، وما دمت تعلمك أيضا أن مصيرك إلَيْه فلابُدَّ أن تستعد لِهَذَا المصير؛ لأَنه سوف يحاسبك عليه. وقَوْلهُ: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. إِعْراب ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ محلها من الإِعْراب خبر مقدم ﴿الْمَصِيرُ﴾ مُبْتَدَأ مؤخر، وتقديم ما حقه التأخير يُفيد الحصر، فكل شَيْء من حقه أن يتأخر إِذَا قدمته معناه أنك تريد أن يَكُون ما بعده محصورًا فيه، فإذن المصير إلى الله مهما طار الْإِنْسَان ومهما

стр. 287

حلّق في الخيال وفي التفكير ومهما بقي في الدُّنْيَا فإن مصيره إلى الله ، كما قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦]. فملاقاة الله ، والمصير إلَيْه أمر لا بُدَّ منه حتمي، كما أن وجودنا من الله فكَذلِكَ أيضًا انتهاؤنا إلى الله ، ويحتمل أن قَوْلهُ: ﴿الْمَصِيرُ﴾ لَيْسَ المُراد مصير النَّاس في الْآخِرَة فقط بل مصير الْأُمُور كلها، يعني لمرجع إلى الله في كل شَيْء، كل شَيْء صائر إلى الله، فهو يدبر ويفعل ما شاء. * * *

стр. 288

الآية (٤٣) * قَالَ اللهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣]. * * * قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يَسُوقُهُ بِرِفْقٍ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الخِطَاب لكل مخاطب ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المخاطب و (ترى) هُنا بصرية أو علمية؟ إِذَا قُلْنا: إنها بصرية معنى ذَلِك أن الأعمى لا يدري عن شَيْء ومعناه أنَّه لم يعتبر بهَذَا السَّحاب لأَنَّه لا يراه، فهي علمية؛ لأَن العلمية تتضمن البصرية، فالرؤية في قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمَعْنى العِلْم، وتفسيرنا لها بالعلم أعم من تفسيرها بالرؤية البصرية لأجل أن يشمل رؤية الْإِنْسَان ببصره، أي: عن طريق المشاهدة؛ لأنَّها تؤدي إلى العِلْم ورؤية الْإِنْسَان بسمعه بما يخبر به، لأنَّها تؤدي أيضًا إلى العِلْم، ورؤية الْإِنْسَان بقراءته عن هَذَا الْأَمْر لأنه يؤدي إلى العِلْم، والمهم أنَّه ما دامت الرؤية محتملة لأَن تَكُون بمَعْنى العِلْم فتفسيرها بالعلم أولى؛ لأَنَّه أشمل وأعم من السماع. قَوْلهُ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ يسوقُه برفْقٍ ومن المفسِّرين من يَقُول: يسوقه ولم يقيده برفق، ولعل ذَلِك أولى، أي: أن نفسر الإزجاء بالسَّوق سواء كَانَ برفق أو بغير

стр. 289

رفق؛ لأَننا نشاهد أن السَّحاب يسير أحيانًا برفق، أي: يَكُون مشيه رويدًا رويدًا، وأحيانًا يسير بسرعة وهو سحاب يَقُول - أظن - المتنبي: ومنَ الخَيرِ بُطْءُ سَيْبِكَ عَنِّي ... أَسْرَعُ السُّحْبِ في المَسيرِ الجَهامُ الذي لَيْسَ فيه ماء. والاستفهام في قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتقرير مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، فهو للتقرير أيضًا، يعني قد شرحنا لك، وهَكَذا كلما دخلت أداة الاستفهام على النَّفي صَارَت للتقرير، لتقرير ذَلِك الشَّيء يَقُول الله تَعَالَى مقررًا هَذَا الْأَمْر المرئي: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾. الخِطَاب في قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هل هو للنبي ﷺ أو لكل من يصح خطابه؟ الظَّاهِر أنَّه لكل من يصحّ خطابه؛ يعني: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المخاطب ﴿أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ ... إِلَى آخِرِهِ؛ لأَن ذَلِك أشمل. قَوْلهُ: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، يَقُول المُفَسِّر ﵀: [يَضُمّ بَعْضَه إلَى بَعْض فَيَجْعَل الْقِطَع المتفَرِّقَة قِطْعَة وَاحِدَة] اهـ. وهَذَا أيضًا مشاهد؛ فإن الله يؤلِّف بين هَذَا السَّحاب ويجمع بعضه إلى بعض حَتَّى يَكُون قطعة كَبيرَة، وأحيانًا لا يؤلِّف بينه، بل نفس القطعة الصَّغيرة تتوسع وتكون قطعة كَبيرَة لكن التأليف أبلغ؛ لأَن المُفَسِّر أحيانًا يَكُون من غير جنس المُفَسِّر به فدائمًا تَكُون سحابة بيضاء وحمراء وسوداء، ثم تجتمع وتكون بلون واحد، وهَذَا أبلغ، هَذَا التأليف يَقُول الله : ﴿ثُمَ جعَلهُ، رُكَامًا﴾ فيقول المُفَسِّر ﵀: [بَعْضَه فَوْق بَعْض] اهـ.

стр. 290

قَوْلهُ: ﴿ركُامًا﴾ يعني متراكمًا بعضه فوق بعض، وهَذَا أيضًا مشاهد برؤية العين، فإن السَّحاب تجد بعضه فوق بعض، وإذا كنت في الطائرة مرتفعًا فإنَّه يبدو لك ذَلِك ظاهرًا، تجد من السَّحاب ما هو تحتَك ومن السَّحاب ما هو فوقك، وإذا كنت في الأَرْض يتبَيَّن لك أن السَّحاب بعضُه على بعضٍ، وَذلِك بكون بعضه يغطي بعضًا، لكن كَيْفَ يغطي بعضه بعضًا؟ تنظر مثلًا قطعة تمر تحت قطعة أُخْرَى تتجاوزها وتتعداها، مما يدُلّ على أن بعضه فوق بعض، هَذَا الركام له منظر عجيب إِذَا كَانَ الْإِنْسَان ينظر إلَيْه من أعلى، منظر يبهج ويسر، ولِذَلك جعله الله تَعَالَى من الآيَات الدالة على كمال قدرته. قَوْلهُ: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [المَطَر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ مَخَارِجه] اهـ. قَوْلهُ: ﴿فَتَرَى﴾ ترى هُنا بمَعْنى تبصر؛ لأَن المطر يُرى بالعين. قَوْلهُ: ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، أي: من خلال هَذَا السَّحاب، لكن هَذِهِ الرؤية هل الْإِنْسَان يدركها أو بعض النَّاس دون بعض؟ حَقِيقَة لا يدركها إِلَّا إِنْسَان قوي النَّظر، لكن نحنُ نعلم أن المطر ينزل من السَّحاب ويتخلله. قَالَ بعض العُلَماء: إنه يَكُون مثل الغربال الَّذِي يغربل به القمح وما أشبه ذَلِك، ينزل هَذَا المطر من خلاله، لكن من أين يأتي المطر إِذَا كَانَ ينزل من خلاله؛ من السَّحاب نفسه ينعصر - بإذن الله - ثم يتخلل منه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾ [النبأ: ١٤]؛ فإنَّه - بإذن الله - ينعصر وينزل هَذَا المطر. وعلى كل حال الأَسْبَاب الطبيعيَّة لا نعرف عنها شيئًا لكن هَذَا ما نعرفه بالرؤية الحسيَّة.

стр. 291

قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ﴾ زَائِدَة ﴿جِبَالٍ فِيهَا﴾ فِي السَّمَاء بَدَل بِإِعَادَةِ الجَارّ ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ أَي: بَعْضَه ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. الغريب أن المُفَسِّر ﵀ مرتبك في هَذَا، قَالَ في الأوَّل: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ (من) زائدة يعني زائدة إِعْرابًا، فعلى كلامة يَكُون التَّقدير (ويُنَزِّل من السَّماء جبالًا)، ثم بعد ذَلِك قَالَ: بدل لَهُم ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ بإعادة الجار، البدل قَوْلهُ: ﴿مِن جِبَالٍ﴾ و (في السَّماء) إِذَا كَانَت بدلًا بإعادة الجار، فهل ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ تَكُون زائدة في قَوْلهُ: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؟ الجواب: لَيْسَت زائدة، لأنَّها لابتداء الغَايَة، يعني إلى الأَرْض، والمَعْنى الأَخِير الَّذِي ذكره هو المَعْنى الصَّحيح، وهو أن قَوْلهُ: ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ بدل ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ كأنه قَالَ: (يُنزِّل من جبال في السَّماء) فهي بدل من السَّماء بإعادة الجار الَّذِي هو يعني: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ مهو، يعني: (من السَّماء إلى الأَرْض)، من أين ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؟ قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾، أَي: فِي السَّمَاء ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾، أَي بَعْضه] اهـ. لو قَالَ قَائِلٌ: ما الفَرْق بين (مِن) الزائدة والصلة؟ قُلْنا: صلة أو زائدة المَعْنى واحد. بقي أن نقول: ﴿فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ ﴿فِيهَا﴾ الضَّمِير يَعود إلى السَّماء، يعني من جبال في السَّماء، وقَوْلهُ: ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ المُفَسِّر ﵀ يُرِيد أن تَكُون (مِن) للتبعيض، يعني: (يُنَزِّل بعض برد من هَذِهِ الجبال)، ويحتمل أن تَكُون زائدة، ﴿مِن بَرَدٍ﴾، أي: بردًا، ينزل من السَّماء من جبال بردًا، فتكون (مِن) زائدة، ويحتمل أن تَكُون (مِن) لبَيان الجنس، كَيْفَ تَكُون لبَيان الجنس؟ أي: من جبال من البرد، فتكون الجبال نفسها من البرد.

стр. 292

وعلى هَذَا يَكُون المَعْنى: وينزل من السَّماء من جبال من البرد، فيَكُون مفعول التنزيل محذوفًا يعني ينزل بردًا. إِذَا كَانَ من الجبال الَّتِي من البرد فإذا نَزَّل من الجبال الَّتِي من البرد ماذا ينزل؟ ينزل بردًا، فيَكُون المفعول محذوفًا تقديره بردًا، على كل حال (يُنزّل) على رأي المُفَسِّر ﵀ مفعولها ﴿مِن بَرَدٍ﴾، لأنَّه قَالَ: أي بعضه، على أساس أن (مِن) للتبعيض، فهي بمَعْنى بعض، وعلَيْه فيَكُون هَذَا هو مفعول يُنزّل، وأما المنزل منه فهي الجبال الَّتِي في السَّماء، لأَنَّنا قُلْنا ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾ بدل ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ فإعادة الجار، فيَكُون المُنَزَّل منه هَذِهِ الجبال والمُنَزَّل البرد. وعلى الاحتمال بأن (مِن) زائدة يَكُون أيضًا المُنَزَّل البرد، لكن لَيْسَت (مِن) للتبعيض. وعلى الاحتمال الثَّالث قُلْنا: إن (مِن) لبَيان الجنس، أي: جنس الجبال من البرد لكن ماذا ينزل من السَّماء؟ ينزل بردًا، فعلَيْه يَكُون المُنَزَّل الَّذِي هو المفعول محذوفًا تقديره بردًا، ودل علَيْه السِّيَاق. على كل حال معنى الآية الْكَرِيمَةِ أن في السَّماء جبالًا من البرد يُنزل الله تَعَالَى منها، أي: من هَذِهِ الجبال، هَذَا المُنَزَّل أحيانًا يَكُون كبيرًا وأحيانًا يَكُون صغيرًا، لكن من نعمة الله أنَّه لا يَكُون كبيرًا بحيث يهدم البناء، هَذَا شَيْء نادر جدًّا إنما يَكُون كبيرًا بحيث يقتل بعض الزروع أو بعض الأشجار حسب حِكْمَة الله ، أما أن يهدم المنازل ويقتل الآدميين فهَذَا قليل وإن كَانَ قد يوجد لكنَّه قليل، وفي هَذَا دَليل على قدرة الله أن هَذِهِ السَّماء تَكُون فيها هَذِهِ الجبال من البرد، وينزل

стр. 293

منها ما ينزل بمشيئة الله وحكمته على هَذِهِ الأَرْض؛ ولِهَذَا قَالَ: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾. هَذِهِ الجُمْلَة: هل هي لبَيان الامتنان أو لبَيان العُقوبَة أو تحتمل؛ لأَن قَوْلهُ: (يصرف) قد يتبادر لِلإنْسان أن المُراد بالإصابة في أول الآية إصابة العُقوبَة كما يُقال: صرف الله عنك السوء وكما جاء في الحَديث: "وَاصْرِفْ عَنِّي سِيِّئَ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ" (١)؛ فلا يعبَّر بالصرف إلَّا عن شَيْء مكروه، وعلى هَذَا فتكون جملة ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ مسوقة لبَيان العُقوبَة الَّتِي تحدث بهَذَا البرد. ويحتمل أن تَكُون من باب الامتنان؛ فإن البرد قد يَكُون خيرًا وقد يحصل به ري الأَرْض ونبات الأشجار وغير ذَلِك، فيَكُون هَذَا من باب سِيَاق الامتنان يصيب بهَذَا البرد من يشاء فينتفع به ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيفوته الانتفاع، ولا مانع من أن يُستعمل الصَّرف في صرف الشَّيء النَّافع، وإن كَانَ أكثر أن يَكُون في صرف الأَشْيَاء الضارَّة، لكن قد يُستعمل أيضًا في صرف الأَشْيَاء الَّتِي تنفع، وهَذَا من بلاغة القُرْآن أن تَكُون هَذِهِ الجُمْلَة صالحة للوجهين: وجه العُقوبَة ووجه الرَّحمة، فالإصابة بالبرد أحيانًا تَكُون عُقوبَة تهلك بها الزروع وتموت بها المواشي، وأحيانًا بالعَكْسِ. قَوْلهُ: ﴿يَكَادُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [يُقْرُب ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ لمَعَانه ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ النَّاظِرَة لَهُ، أَي: يَخْطَفهَا] اهـ.

стр. 294

من قوة هَذَا البرق يكاد سناه، يعني: لمعانه يذهب بالأبصار، وفي هَذَا إِشارَة إلى أن السَّحاب الَّتِي فيها برد يَكُون برقها أَشَدّ لمعانًا من غيره، فهَذَا البرق يكاد لقوته يذهب بالأبصار، ولا شَك أن هَذَا البرق عَظِيم جدًّا، وقد ذكروا أن فيه طاقة كَبيرَة من الكهرباء وأنَّها تساوي كذا وكذا من الكيلوات، وهَذَا الْأَمْر واقع الآن تجد مثلًا الطّائرات قد تَكُون دون هَذَا السَّحاب ومع ما فيها من الإضاءة لا تكاد تبصرها، أما البرق فإنَّه كما يُشاهد يكاد يخطف البصر ويملأ الأَرْض ضياء، مما يدُلّ على كثرة الطّاقة الكهربائية الَّتِي في هَذَا البرق مع أنَّه - بإذن الله - يحدث في لحظة كأنه انفجار كهربائي، وهَذَا هو الظَّاهِر أنَّه من باب الاحتكاك، كما ذُكر أنَّه يَكُون سالبًا وموجبًا فيتولد من بينهما هَذَا البرق، ولا مانع إن صح الحديث أن يَكُون أيضًا هَذَا من أَسْبَاب ضرب المَلَك الَّذِي يسوق السَّحاب. فإذا صح الحديث فإنَّه لا يُنافي ما ثبت من حيث العِلْم، الَّذِي يتَّصل بهَذَا الْأَمْر من كونه اجتماع سالب وموجب فيحصل به هَذَا اللمعان، إِذْ أن اجتماع السالب والموجب قد يَكُون بأَسْبَاب ضرب الملك. إذن هَذَا من آيات الله الدالة على كمال قدرته، فسوق هَذَا السَّحاب بين السَّماء والأَرْض وكونه جبالًا من البرد وإصابة الله تَعَالَى به من يشاء وصرفه عمَّن يشاء، كل ذَلِك من آيات الله، ولِهَذَا جعلها الله بِصيغَة الاستفهام الدال على التَّقدير. فيَنْبَغِي لِلإنْسان أن ينظر في آيات الله الْكَوْنِيَّة ليعتبر بها، إِذْ أن الاعتبار بها يستلزم عبادة الله .

стр. 295

قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ إِلَى آخِرِهِ، إنما قرر الله تَعَالَى ذَلِك لا لأجل أن ينظر الْإِنْسَان إلى هَذَا الشَّيء بل لأجل أن يعتبر بهَذَا الشَّيء الَّذِي ينظر إلَيْه ويعلمه لَيْسَتدل به على قدرة الفاعل، ومن ثَمَّ على عبادته، لأَن القادر مستحق للعبادة، ولِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]. * * *

стр. 296

الآية: (٤٤) * قَالَ اللهُ : ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٤]. * * * قَوْلهُ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: يَأْتِي بِكُلٍّ مِنْهُمَا بَدَل الْآخَر، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ التَّقْلِيب ﴿لَعِبْرَةً﴾ دَلَالَة ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لِأَصْحَابِ الْبَصَائِر عَلَى قُدْرَة الله تَعَالَى] اهـ. قَوْلهُ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ التقليب معناه: تغيير الشَّيء من جهة إلى جهة، وهَذَا التقليب، هل المُراد به التقليب الحسِّي الَّذِي أشار إلَيْه المُفَسِّر ﵀ بمَعْنى أنَّه يأتي بهَذَا بدل هَذَا وهَذَا بدل هَذَا، أو المُراد ما هو أشمل، يعني: التَّقليب الحسي والمعنوي؟ الجواب: المُراد ما هو أعمُّ من التَّقليب الحسي، والتَّقليب الحسي أن الله يقلِّب الأَرْض بدلًا من أن كَانَت ضياء ونهارًا إلى ليل ثم إلى نهار وهَكَذا، ومن التَّقليب أيضًا تقليب الفصول؛ حيث يَكُون الليل والنَّهار مرة في وقت الشِّتاء ومرة في وقت الصَّيف، كل هَذَا من التقليب. والتَّقليب المعنوي: ما يحصل في هَذِهِ الأيام من الحوادث والتَّغيرات والعز والنَّصر والإذلال والخذلان؛ كما قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠].

стр. 297

المُهِمّ أنَّه يَجب أن نعرف أن هَذَا التَّقليب عام لكل ما يحصل من تغيير في الليل والنَّهار من الْأُمُور الحسية والْأُمُور المعنويَّة، ووجه العبرة أن في ذَلِك التقليب ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، أي: فصاحب البصيرة فالمُراد بالأبصار هُنا البصائر ولَيْسَ المُراد بالأبصار بصر العين، فكل ذي بصيرة يعرف ما في تقليب الليل والنَّهار من قدرة الله ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص: ٧١]. لو اجتمع الخلق كلهم على أن يُخرجوا الشَّمس في نصف الليل مثلًا لا يستطيعون، ولو اجتمعوا كلهم على أن يأتوا بالليل في نصف النَّهار ما استطاعوا إلى ذَلِك سبيلًا، ولو أن الله تَعَالَى جعل الوقت دائمًا ليلًا أو نهارًا ما استطاع الخلق كلهم أن يُغيِّروا هَذَا الوضع؛ ولهَذَا بَيَّن الله تَعَالَى مِنَّتَهُ علَى عِبَادِه فقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر: ٦١]. كَذلِكَ ما يحصل في الليل والنَّهار من الحوادث وتقلبات الْأُمُور؛ فهَذَا أيضًا فيه عبرة، تجد مثلًا هَذَا المُلك لهَذَا الرَّجل مُلك تامٌّ وافٍ ونعم وافرة، ثم ينقلب ذَلِك المُلك إلى ذل وأسر، وتجد هَؤُلَاءِ القوم في عز ونصر وتمكين وإذا الْأَمْر بالعَكْسِ. كل هَذَا مما يستدل به الْإِنْسَان العاقِل ذو البصيرة على ما لله تَعَالَى من قدرة في تقليب الْأُمُور ومن حِكْمَة في تدبيرها. قَوْلهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ إِذَا كنت لا تتخذ من ذَلِك عبرة ولم تجد في نفسك حركة لهَذَا التقلُّب وهَذَا التغيُّر فاعلم أنك لست من ذوي البصائر؛ لأَن كلام الله محكم لا يتغير، وقد أخبر أن في ذَلِك التقليب عبرة لأولي الأبصار؛ فإذا لم يكن لك في ذَلِك عبرة فاعلم أنك لست من ذوي البصائر.

стр. 298

إذن لا بُدَّ أن تُعالج نفسك حَتَّى تتأمل ما في هَذَا التقليب من العبر وتعتبر به، لا تظن أن قَوْلهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ مجرّد كَلِمة أُطلقت، وتقول: الْإِنْسَان صاحب البصيرة يعرف ما لله تَعَالَى في ذَلِك من القدرة والحِكْمة، ولكن يَجب أن تعتبر، فإذا لم تعتبر فإنك لست من ذوي البصائر. * * *

стр. 299

الآية (٤٥) * قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ بعدما ذكر آيَات الله في العالم العلويِّ ذكر آياته في العالم السفلي؛ وهو قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾. قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: حَيَوَان ﴿مِنْ مَاءٍ﴾، أَي: نُطْفَة] اهـ. قَوْلهُ: ﴿خَلَقَ﴾ بمَعْنى أوجد ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾؛ الدابَّة: كل ما يدبّ على الأَرْض وإن كَانَت قد تُطلق على ذوات الأربع عُرفًا فيُقال دابة للتي تمشي على الأربع، هَذَا في العادة والعرف، ولهَذَا لا يُسمَّى الْإِنْسَان دابة في العُرف، فلو قَالَ لك إنسان: يا دابَّة، يُمْكِن أن تتخاصم معه، لكن الدَّابَّة في اللُّغَة: كل ما دبَّ على الأَرْض فهو دابَّة؛ قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. قَوْلهُ: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هَذَا أصل خلقة الدَّوابِّ من الماء، وقول المُفَسِّر ﵀: من نطفة لَيْسَ بصحيح؛ لأنَّه لَيْسَ كل دابة من نطفة، بل كل دابة من ماءٍ نطفة وغير نطفة؛ فأما يتوالد فماؤه نطفة، وأما ما يتولَّد فماؤه رُطوبة، يعني الشَّيء الَّذِي يتولد

стр. 300

من العَفونات والرُّطوبات ماؤه رطوبة، وأما الَّذِي يتوالد من نطفة فنعم له نطفة يخلقه الله منها؛ فكَلِمة ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ أعم من كَلِمة نطفة، والواجب إبقاء الآيَة عَلى عُمومِها. وهَذه الآيَة بعض من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، لكن أيهما أعم؟ هَذه الآيَة أعم؛ لأَن كل شَيْء حي يشمل الدوابّ وغير الدواب، حَتَّى الأشجار وشبهها أصلها من الماء. قَوْلهُ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ النَّاس يستشهدون بهَذِهِ الآيَة على غير ما أَرَادَ الله بها، يستشهدون بها على أن الماء ضروري لبقاء الحَياة؛ ولَيْسَ الْأَمْر كَذلِكَ، بل الآيَة تدُلّ على أن أصل هَذه الأَشْيَاء الحية أصلها من الماء، ولو كَانَ المُراد ما يستشهد به النَّاس من أجله لقال: "وجعلنا من الماء كل شَيْءٍ حيًّا"، أي: صيَّرناه حيًّا بالماء، ولكن معنى الآيَة - بلا شَك - أن أصل هَذه الأَشْيَاء الحية أصلها الماء، ومن جهة ثانية نقول: إِذَا كَانَ أصلها الماء فهي مفتقرة إلَيْه. قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ قَالَ المُفَسّر ﵀: [كَالحْيَّاتِ وَالهَوَامّ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ هَذَا التقسيم يدُلّ على أن المُراد بالدَّابة العقلاء؛ لقَوْله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ وإلا لقال: "فمنها"، أي: من هَذه الدواب إلا أن العُلَماء قالوا: إن في ذَلِك تغليبًا للعقلاء، ولهَذَا قَالَ: ﴿فَمِنْهُمْ﴾، أي: من هَذه الدواب ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ لكن الَّذِي يمشي على بطنه؛ هل يمشي أو يزحف؟ يزحف فمشيه الزحف مثل الحيات والهوام، الحيات معْرُوفة والهوام ما هي؟ المُفَسِّر ﵀ يظهر لي أن في كلامه نظر؛ لأَن الهوام منها ما يمشي على بطنه، ومنها ما يمشي على رجلين، ومنها ما

стр. 301

يمشي على أربع، فالتَّمثيل بها فيه نظر، أما الحيات فنعم تمشي على بطنها، وكَذلِك الدود والسَّرْوُ (١)، وغيرهم يمشي أيضًا على بطنه. قَوْلهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾، قَالَ المُفَسّر ﵀: [كَالْإِنْسَان وَالطَّيْر] اهـ. الْإِنْسَان يمشي على رجلين اثنتين، والطير يمشي على رجلين اثنتين، لكن هل توجد طيور تمشي على أكثر من رجلين؟ لا نعلم قد توجد ولا ندري، لكن نحنُ نعرف أن الطيور لَيْسَ لها إلا رجلان اثنتان. قَوْلهُ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾، قَالَ المُفَسّر ﵀: [كَالْبَهَائِم وَالأَنْعَام] اهـ. لكن هل هَذَا التَّقسيم من باب الحصْر أو من باب القَصر؟ من باب القصر، يعني الاقتصار على بعض الأَشْيَاء؛ لأَن من الحيوانات أو من الدواب ما يمشي على أكثر من أربع، يوجد شَيْء يسمّونه (أبو أربع وأربعين رِجل)؛ موجود، وتوجد أشْيَاء لها دون ذَلِك، منها ما له ستة أرجل أو أكثر من ذَلِك، إنما هَذَا التقسيم لَيْسَ للحصر ولكنه للقصر؛ أي: من باب الاقتصار على بعض الأنواع فقط، ويدُلّ على ذَلِك قَوْلهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قَوْلهُ: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ يعني من هَذَا الَّذِي ذكر من كونه يمشي على بطنه وعلى رجلين وعلى أربع وعلى ما هو أكثر من ذَلِك فإن الله لا أحد يحجزه فهو خالق لما يشاء حسب ما تقْتَضِيه حكمته ﵎. قَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ القدرة صفة يتَّصف بها القادر بحيث

стр. 302

يفعل ما يُرِيد بدون عجز، بخلاف القوة؛ فإنَّه يفعل بها ما يُرِيد بدون ضعف؛ فالقوة تقابل بالضعف، والقدرة تُقابل بالعجز، انظر إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، وانظر إلى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]؛ فجعل القدرة في مقابل العجز، فلقدرته لا يعجز. على كل حال؛ القدرة صفة بها يتَّصف القادر بحيث يفعل ما يُرِيد بدون عجز، مثلًا رجل يصلي قائمًا لكن مع تعب، ما نقول في هَذَا: قادر أو قوي؟ قادر، ويوجد إِنْسَان يصلي قائمًا وهو لا يهمه، هَذَا نسميه قويًّا وقادرًا، وأيضًا يوجد إِنْسَان يحمل هَذه الصَّخرة كما يحمل الريشة لا يهمه، وإنسان آخر يحمل هَذه الصَّخرة مع تعب ومشقَّة، فالأول قوي والثَّاني قادر؛ لأنَّه يحملها لكن مع التعب والمشقَّة، وأيضًا ثالث: لما جاء يحملها عجز؛ هَذَا لَيْسَ قويًّا ولا قادرًا. وقَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ توجد كَلِمة بين النَّاس يَقُولُونَ: "إنه على ما يشاء قدير"، هَذه الكَلِمة لا يَنْبَغِي أن تُقال؛ لأنَّه إِذَا قُيِّدت القدرة بالمشيئة حصل بِذَلِك قُصور، فتكون قدرته على ما يشاء دون الَّذِي لا يشاء، مع أن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، لكن ما شاء كَانَ وما لم يشأ لم يكن. فبعض النَّاس يَقُول: إنه على ما يشاء قدير، فيَجب أن يُنهى عنه، ويُقال: قل إنه على كل شَيْء قدير لا على الَّذِي يشاؤه فقط، لا سيَّما وأنك إِذَا قلت: إنه على ما يشاء قدير وقدمت المعمول فإن تقديم المعمول يُفيد الحصر، وأنك حصرت القدرة بما شاء فقط؛ وهَذَا لَيْسَ بصحيح. فالذي يَجب على الْإِنْسَان أن يُطلق صفة القدرة لله

стр. 303

كما أطلقها الله لنفسه، ويقول: إنه على كل شَيْء قدير؛ كما وصف الله نفسه، لا يُقيِّدها بما شاء. أمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]؛ فالمشيئة هُنا لَيْسَت قيدًا في القدرة ولكنها قيد في الجمع، بعني أنَّه إِذَا شاء هَذَا الفِعْل فلَيْسَ بعاجز عنه، وهَذَا قاله الله تَعَالَى ردًّا على من أنكروا البعث، قالوا: إنه لا يُمْكِن أن يجمع الله النَّاس بعد أن تفرَّقوا في الأَرْض كانوا رميمًا، ومثل ذَلِك أيضًا ورد به الحديث في مسلم في الرَّجل الَّذِي أمره الله تَعَالَى أن يدخل الجنَّة بعد ما سبق عليه، فقال له الله تعالى: "إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ" (١)؛ فإنَّه هُنا يخاطبه لفعل شَيْء وقع، فكأنه قَالَ: إني على ذَلِك قادر إِذَا شئته، ولهَذَا عبَّر بقادر دون قدير، فإن القدير أبلغ في الصِّفة، بخلاف قادر فقد تتعلق بفعل شَيْء معين. على كل حال الَّذِي يَنْبَغِي لِلإنْسان بل الَّذِي يَجب علَيْه أن يطلق صفة القدرة إِذَا وصف الله بها فيقول: إنه على كل شَيْء قدير فقط ولا يُقيِّدها بمشيئة. مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن الله تَعَالَى له التصرُّف المطلَق في خلقه؛ لقَوْله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. الفَائِدة الثَّانية: إِثْبات القدرة وعموم قَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وأشرنا في التفسير إلى أن ما يستعمله بعض النَّاس من تقييد القدرة بما يشاء غلط، وأن الواجب إطلاق صفة القدرة، وأجبنا عن مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ عَلَى

стр. 304

جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]، والحديث الَّذِي فيه: "إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ"، وقُلْنا: هَذه المشيئة متعلِّقة بالفِعْل لا بالصِّفَة فالصفة مُطلقة، والفِعْل هو المقيد بالمشيئة إِذَا شاء فعل وإذا شاء لم يفعل. * * *

стр. 305

الآية (٤٦) * قَالَ اللهُ : ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦]. * * * قَوْلهُ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: بَيِّنَات، هِيَ الْقُرْآن، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ﴾ طَرِيق ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾، أَي دِين الإِسْلام] اهـ. قَوْلهُ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا﴾ سبق الكَلام على مثلها عدة مرات، وقُلْنا: إن هَذه الجُمْلَة مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات: القسم واللَّام وقد؛ لأَن ﴿لَقَدْ﴾ أصلها (والله لقد] وتكون الجُمْلَة هُنا مؤكّدَة بهَذه المؤكِّدات الثَّلاث. وقَوْلهُ: ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾، أي: بينات، لا شَك أن هذ التفسير لا يُطابق المفسَّر؛ لأَن ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ أبلغ من بينات؛ لأَن المبيِّن: البائن في نفْسِه المبيِّن لغيره فهو ظاهر في نفْسِه مظهر لغيره، والبين ظاهر في نفْسِه فقط، والأول أبلغ؛ لهَذَا تفسير المُفَسِّر يعتبر قاصِرًا. والصَّواب: أن المبيِّنات بمَعْنى البَيِّنَة في نفْسِها المبينة لغيرها، فالآيَات الَّتِي أنزلها الله مبينات؛ تبيِّن كل ما يتعلَّق بمصالح العباد، تبين الخَيْر من الشَرِّ، والحق من الباطل، والمتَّقي من الفاسق، وصفات الخالق من صِفات المخْلُوق، وكل ما يحتاج النَّاس إلَيْه ويتعلَّق بمصالحهم في دينهم ودنياهم؛ فإن هَذِهِ الآيَات بينات، لكن

стр. 306

التبيين له طرق: تارة يَكُون تبيينًا بالتفصيل، وتارة يَكُون بالإجمال، فمثلًا إِذَا تدبرت آيَات الفرائض وقسمة المواريث تجد أن الآيَات فيها بينة بالتفصيل. وإذا تدبرت بعض الآيَات الأُخْرَى مثل أقيموا الصَّلاة وآتوا الزَّكاة تجد أنَّها مجملة لكن الْإِنْسَان يعرف ذَلِك من أدلة أُخْرَى؛ ولهَذَا قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، ما من شَيْء إلا بيَّنه هَذَا القُرْآن. وقد تقدَّم ما ذُكر عن الشَّيخ محمد عبده ﵀ أنَّه كَانَ في مطعم في أحد بلاد أوروبا وكان عنْدَه رجل من النَّصَارَى، فقال له: أنتم تقولون إن القُرْآن تبْيان لكل شَيْء؛ فهل بَيَّن كَيْفَ يُصنع هَذَا الطَّعام؟ طبعًا نحنُ لا نرى في القُرْآن هَذَا، أي: أنك إِذَا أردت أن تصنع الطَّعام ضع بصلًا وضع ملحًا وضع لحمًا وما أشبه ذَلِك لَيْسَ هَذَا موجودًا، فقال: نعم، هَذَا القُرْآن بَيَّن لها كَيْفَ نصنع هَذَا الطَّعام، تعجب هَذَا الكافر النَّصراني، قَالَ: كَيْفَ؟ فدعا صاحب المطعم، وقال له: كَيْفَ صنعت هَذَا الطَّعام، فقال له: صنعته بكذا وكذا وبَيَّن له تراكيبه، فقال: هكذا في القُرْآن فإن الله يَقُول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]. القُرْآن لم يبين ذَلِك تفصيلًا لكن أرشدنا كَيْفَ نهتدي إلى معرفة الْأُمُور في قَوْلهُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وطبعًا لا يُراد بأهل الذكر في هَذه الآيَة أهل الطبخ، لكن إما أن نقول المُراد بأهل الذكر أهْل العِلْم وعلم كل شَيْء بحسبه، وإما أن نقول أهْل العِلْم بالشَّرع ونقيس ما عدا العلوم الشَّرْعِيَّة على العلوم الشَّرْعِيَّة؛ فيَكُون من باب العُموم المعنوي في الآيَة، لأَن الآيَة إن لم تشمل هَذَا بِعُمومِها اللفظي فهي شاملة له بِعُمومِها المعنوي

стр. 307

والعُموم اللفظي: هو الَّذِي دخل في الكَلام لفظًا، ودل علَيْه الكَلام دَلالَة مطابقة، والعُموم المعنوي: هو الَّذِي دل علَيْه الكَلام بالقياس، يعني لم يدخل في اللَّفْظ لكنَّه يُقاس عليه؛ لأَن القياس عِبارَة عن اشتراك المقيس والمقيس علَيْه في العِلَّة الَّتِي من أجلها ثبت الحُكْم، فهَذَا عُمُوم معنوي. ولِذَلك نجد في كلام العُلَماء يَقُولُونَ: هَذه المَسْأَلَة يشملها النَّص بِعُمومِه اللفظي، بمَعْنى أنَّها فرد من أفراد هَذَا العُموم، وأحيانًا يَقُولُونَ: بِعُمومِه المعنوي، بمَعْنى أنَّها تُقاس على ما دل عليه. ثم قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ لما بَيَّن حال الآيَات وأنَّها آيَات مبينات، لكن هل كل أحد يَستَفِيد من هَذه الآيَات المبينات؟ الجواب: لا، قَالَ: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني على الرغم من كون الآيَات مبينات واضحة مبينة، على الرغم من ذَلِك فلَيْسَ كل أحد يهتدي بها، وإنما الله تَعَالَى ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وهَذه الآيَة كغيرها من كثير من الآيَات، مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ ثم قَالَ: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]؛ فعمم بالدعوة، لكن الهداية قَالَ: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ فهَذه مثلها، فالآيَات مبينات موضحة للأمور، لكن لَيْسَ كل أحد يهتدي بها، والله تَعَالَى ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قَوْلهُ: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ تقدَّم أيضًا الكَلام على أن كل شَيْء قيَّده الله بمشيئته فهو مقرون بالحِكْمة، والله تَعَالَى يهدي من اقتضت الحكْمَةُ هدايته.

стр. 308

مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: بَيان أن الآيَات الَّتِي أنزلها الله مبينة موضحة لكل شَيْء مبينة الحَقّ من الباطل، وأهل الخَيْر من أهل الشَّرِّ، والأَحْكام الَّتِي بين النَّاس، وغير ذَلِك. ومع كون الآيات مُبينَة هل اهتدَى بها كلُّ النَّاس؟ لا، وإنما يهتدي بها من شاء الله هدايته، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾، لكن لَيْسَ كل أحد يهتدي بها؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. الفَائِدة الثَّانية: أنَّه لا يَنْبَغِي لِلإنْسان أن يعتمد علَى نفْسِه في الهداية، بل يسأل الله دائمًا أن يهديه ثم يثبته ما دام أن الله هو الَّذِي يهدي، فإذن لا تستقل أنت بهداية نفسك فاسأل الله دائمًا الهداية ثم الثَّبات عَلَيْها، ولا تغترّ بما معك من الإِيمَان؛ فإن إعجاب الْإِنْسَان بعمله قد يؤدي إلى حبوطه وبطلانه. الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الشَّرع كله - الَّذِي هو دين الإِسْلام - مستَقِيم لَيْسَ فيه اعوجاج؛ لقَوْله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ ولهَذَا قَالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الَّتِي تذهب يمينًا وشمالًا ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. لو قَالَ قَائِلٌ: إِذَا قُلْنا: إن الهداية من الله وأنَّها مُعلَّقة بالمشيئة يهدي من يشاء؛ فهل لهَذِهِ الهداية من سبب؟ الجواب: طلب الْإِنْسَان الحَق؛ هَذَا من أَسْبَاب الهداية، الدَّليل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، والدَّليل ما سيأتي في الآيَات الَّتِي

стр. 309

بعدها؛ فإنها تُرشد إلى ما ذكرنا أن سبب الهداية هو إرادة الْإِنْسَان الحَقّ وطلبه له، فإذا أراده وطلبه فإن الله تَعَالَى يهديه إلَيْه، أما إِذَا أعرض وتولى فإن الله تَعَالَى لا يهديه إلَيْه. * * *

стр. 310

الآية (٤٧) * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَي: المنافِقُونَ ﴿آمَنَّا﴾ صَدَّقْنَا ﴿بِاللَّهِ﴾ بتَوْحِيدِهِ ﴿وَبِالرَّسُولِ﴾ محمد ﷺ وَأَطَعْنَاهما فِيمَا حَكَمَا بِهِ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ يُعْرِض ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ عَنْهُ ﴿وَمَا أُولَئِكَ﴾ المُعْرِضُونَ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ المَعْهُودِينَ المُوَافِق قُلُوبهمْ لِأَلْسِنَتِهِمْ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ هَذِهِ حكاية عن جماعة سواء كانوا من المُنافِقِينَ؛ كما قَالَ المُفَسِّر ﵀، أم من غيرهم. ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ فسَّر المُفَسِّر ﵀ الإِيمَان بالتصديق، وقد سبق أن هَذَا التفسير قاصِر، وأن الإِيمَان هو التصديق مضافًا إلَيْه القبول والإذعان، وَذلِك بأن يقبل الْإِنْسَان ما جاء به الرَّسُول ﷺ وأن يُذعن له، أما مُجرَّد التصديق فلَيْسَ بإيمان، ولهَذَا نحنُ نعلم أن أبا طالب كَانَ مُصدِّقًا للنبي ﷺ -وهو بنَفْسِه يُقرُّ علَى نفْسِه بِذَلِك بقَوْلهُ: لقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنا لا مُكذَّبٌ ... لَدَيْنا، ولا يُعْنى بِقَوْلِ الأباطِلِ (١)

стр. 311

ويقول: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَريَّةِ دِينَا (١) لكنَّه لَيْسَ بمؤمن مع التصديق؛ لأنَّه لم يُذعن ولم ينقد، لم يُذعن للرَّسول ﷺ ولا انقاد له، كَذلِكَ أيضًا الْكُفَّار الَّذينَ حكى الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٩]؛ هم مُصدِّقون باللهِ، لكن لما لم يقبلوا ما جاء به الرَّسُول ﷺ ولم يُذعنوا له لم يَكُونوا مُؤْمِنِينَ؛ فتفسير الاِيمَان شرعًا بمجرد التصديق تفسير ناقص، بل نقول: الإِيمَان هو التصديق مع القبول والإذعان، ولابُدَّ من ذَلِك. قَوْلهُ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ أعاد حرف الجر في قَوْلهُ: ﴿وَبِالرَّسُولِ﴾؛ لأَن الإِيمَان بالرَّسُول إيمان مستقل، يعني: لا بُدَّ لِلإنْسان أن يؤمن باللهِ إيمانًا كاملًا ﴿وَبِالرَّسُولِ﴾ إيمانًا كاملًا كما أن الطَّاعة لله طاعة كاملة وللرَّسول كَذلِكَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، قَالَ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ثم قَالَ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ عطفها على طاعة الله والرَّسُول بدون إعادة العامِل إِشارَة إلى أن طاعة ولاة الْأُمُور تبع لطاعة الله ورسوله، أما طاعة الرَّسُول فهي مستقِلَّة؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وطاعة الله كَذلِكَ؛ مثله أيضًا الإِيمَان باللهِ وبالرَّسُول إِذَا جاء حرف الجر معناه أن هَذَا إيمان مستقل؛ كأن هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ آمنا إيمانًا كاملًا باللهِ وآمنا إيمانًا كاملًا بالرَّسُول أنَّه رَسُول الله. وقول المُفَسِّر ﵀: آمنا باللهِ [أي: بتوحيده]؛ هَذَا أيضًا فيه قُصور بل الإِيمَان باللهِ يشمل التوحيد وغيره، فيشمل التوحيد والتصرُّف والتدبير والتَّشْريع

стр. 312

وغير ذَلِك، يشمل كل هَذَا وكَذلِك يشمل ما له من الصِّفات، يعني لا يتم الإِيمَان باللهِ إلا بالإِيمَان بصفاته؛ لا بُدَّ من ذَلِك. وقَوْلهُ: ﴿وَأَطَعْنَا﴾ هَذَا الانقياد يعني أنَّنا مُؤْمِنُونَ وأيضًا مطيعون، لكن ما معنى الطَّاعة؟ الطَّاعة؛ قالوا: مَعْناها موافقة الْأَمْر، بمَعْنى: ألا تخرج عمن أمرك ولا تخالفه، بل توافق أمره؛ إن كَانَ إيجابيًّا فبالفِعْل، وإن كَانَ سلبيًّا فبالترك، هَذه هي الطَّاعة، ولهَذَا كَلِمة طاعة تشمل فعل الأوامر وترك النَّواهي؛ لأَن مَعْناها موافقة الْأَمْر، فمعنى ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أي: أنَّنا وافقنا أمر الله ورسوله فلا نخرج عنه، وبعد هَذَا القَوْل: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعد إقرارهم بالإِيمَان باللهِ ورسوله يعرض فريق منهم. قَوْلهُ: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ما أولئك المعرضون بالمُؤْمِنِينَ حقًّا، ولكن هَذَا النَّفي، هل هو نفي لِلْإيمَانِ أصله، أو نفي لِلْإيمَانِ كمال؟ فيه تفصيل؛ إِذَا كَانَ التولِّي تولِّيًا مطلقًا فهو نفي لِلْإيمَانِ كله؛ لأي: لأصله، وإذا كَانَ التولي توليًا غير مطلق، بل في بعض الْأُمُور فإنها تختلف، فبعض الْأُمُور إِذَا تركها الْإِنْسَان وأعرض عنها قد يَكُون كافرًا، وقد يَكُون مؤمنًا ناقص الإِيمَان. المُهِمّ أن توليهم يُنافي ما ادَّعَوه من الإِيمَان. وفي هَذَا دَليل واضح على أن الْإِنْسَان إِذَا قَالَ إنه مُؤْمن وهو متولٍ ومُعرض؛ فهو كاذب في دعواه، وهو إما أن يَكُون لَيْسَ مؤمنًا أصلًا، وإما أن يَكُون مؤمنًا لكن ناقص الإِيمَان.

стр. 313

قَوْلهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ﴿فَرِيقٌ﴾ مَعْنى: جماعة ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من هَؤُلَاءِ القائلين وفريق آخر باقون على الإِيمَان والطَّاعة لا يُعرضون، فيَكُون ما ادَّعَوه من الإِيمَان حَقِيقَة. انظر المحترزات في القُرْآن الكَرِيم في أول الآيَة، قَالَ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ﴾ لأنه لَيْسَ كل من قَالَ: آمنا باللهِ وأَطَعْنَا لَيْسَ كلهم يتولون بل منهم من هو مُؤْمن حَقِيقَة ولا يتولى، كَذلِكَ إِذَا دعوا إلى الله ورسوله، هل كلهم يتولون؟ لا؛ منهم من ينقاد لحكم الله ورسوله ويتخاصم إلى ورسوله ويقبل حكم الله ورسوله؟ فقَوْلهُ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣]، أي: عن المجيء إلَيْه أو عن حكمه، انظر قَوْلهُ: ﴿يَتَوَلَّى﴾ و ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ التولي بالجسم والإعراض بالْقَلْب؛ لأَن المتولي قد يتولى وفيه أمل أن يرجع، لكن إِذَا تولى وهو معرض - والعِيَاذ باللهِ -؛ فالمعرض كاره لِمَا دُعي إلَيْه؛ لأنَّه لم يُعرض عنه إلا وهو يكرهه وهَذَا أَشَدّ في التولي، فالتولي بالجسم والإعراض بالْقَلْب، يعني أنهم يتولون ولَيْسَ من نيتهم الرُّجوع. وفي الآيَة دَليل على خطر من يتعصب للمذهب أو لقول واحد من أهْل العِلْم إِذَا دُعي إلى الله ورسوله وقِيلَ: هَذَا كتاب الله وهَذه سنة رَسُول ﷺ ، فالواجب التحاكم إلَيْهما والرجوع إلَيْهما. بعض النَّاس يَقُول: المَذْهب كذا وقال العالم الفلاني كذا وما أشبه ذَلِك، هَذَا فيه شبه من هَؤُلَاءِ المُنافِقِينَ الَّذينَ إِذَا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم تجده متوليًا ومعرضًا، وبعض النَّاس - والعِيَاذ باللهِ - لا يتأنى أبدًا بسرعة يغضب ويقول: أبدًا، لا نريد هَذَا، نريد أن نتبع فلانًا.

стр. 314

وهل فلان هو الرَّسُول؟ الجواب: لا، فلان بشر يأخذ من قَوْل الرَّسُول ﵊، تارة يُخطئ وتارة يصيب، فإذا قِيلَ: وأنت أيضًا تخطئ وتصيب؟ أقول: صحيح أنا أُخطئ وأُصيب، لكن هَذَا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تأمله أنت، أنا لا أُلزمك أن تأخذ بما فهمتُ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لكني أُلزمك أن تنظر إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم تنظر في قَوْل من قلدت، هل يَكُون موافقًا أو مخالفًا، أما أن تُعرض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتقول: أبدًا لا أنظر فيهما لأني أتبع فلانًا وفلانًا، هَذَا لا أوافقك عليه. فهُنا فرق بين أن أدعوك إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله لتنظر فيهما وتتبعهما، وبين أن أقول: هَذَا كلام الله وسنة رسوله ﷺ ، ولكن ألزمك ما أفهمه أنا، أنا لا أُلزمك به لأني إِذَا ألزمتك به فقد دعوتك إلى ما نهيتك عنه، دعوتك إلى تقليدي. ولكنَّنا ندعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، المُهِمّ ألا تتحجر وتقول: أنا لا أتبع إلا فلانًا، بل يَجب عَليْك أن تتبع ما يدُلّ علَيْه الكتاب والسنة سواء وافق رأي مُقلَّدك أم خالفه، لكن البلية كل البلية هي مَسْأَلَة التقليد المحض، إلا أنَّنا ولله الحمد نبشر النَّاس بأن هَذَا بدأ يضعف في النَّاس، أعني التقليد المحض الَّذِي يَكُون حَتَّى مع ظهور الحَقّ وبَيانه هَذَا بدأ - ولله الحمد - يضعف في النَّاس وصَارَ النَّاس يتطلَّبون الأقوال الَّتِي تَكُون راجحة حسب دَلالَة الكتاب والسنة بقطع النَّظر عن كون فلان أخذ بها أو لم يأخذ بها. قَوْلهُ: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ إِعْراب هَذه الجُمْلَة: (ما) نافية لكنها تعمل عمل لَيْسَ عند الحجازيين وعند جميع النَّحويين، لكن لغة بني تميم لا يُعملونها

стр. 315

عمل لَيْسَ، وفي القُرْآن ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]؛ فأعملها عمل (لَيْسَ)، ولم يقل في الآيَة: "ما هَذَا بشرٌ"، لو لم تعمل لكانت الآيَة: "ما هَذَا بشرٌ"؛ يَقُول الشَّاعر (١): ومُهَفْهَفِ الأعْطافِ قلتُ له انْتسِبْ ... فأجابَ: ما قَتْلُ المحِبِّ حَرامُ هَذَا الشَّاعر تميمي؛ لأنَّه قَالَ له: انتسب، لم يقل: أنا تميمي، بل أجاب: "ما قتل المحب حرام"؛ فعُرف أنَّه تميمي؛ لأنَّه لو كَانَ حجازيًّا لقال: "ما قتل المحب حرامًا"؛ فالحجازيون يُعملون (ما)، والمُراد بالحجازيين والتميميِّين وغيرهم: العرب الأولون الَّذينَ لم تتغير ألسنتهم؛ أما الآن فالألسنة متغيرة في عصرنا، فالحجازيون والتميميون سواء، وليعلم أن قولنا: الكوفيون أو النَّحويون أيضًا لَيْسَ وصفًا للعرب النَّاطقين باللُّغَة العربي، بل وصف للعلماء الَّذينَ تولَّوا العناية بالنَّحو. الحاصل أن (ما) الحجازية، ترفع الاسْم وتنصب الخبر (أولاء) اسمها لكنَّه لَيْسَ مضمومًا؛ لأنَّه مبني، وأَسْماء الإِشَارَة كلها مبنية هَؤُلَاءِ وأولاء، وما أشبه ذَلِك كلها مبنية. وقَوْلهُ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (الباء) حرف جار زائد، وهو زائد من حيث الإِعْراب، أمَّا من حيث المَعْنى ففيه تأكيد النَّفي في قَوْلهُ: ﴿وَمَا أُولَئِكَ﴾. وقَوْلهُ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر (ما) والنَّحويون يَقُولُونَ: إنه خبرها لكنَّه غير مَنْصُوب بها؛ لأَن الباء الزائدة يَكُون العَمَل لها؛ لأَن عملها فيه ظاهر بمباشرتها إياه،

стр. 316

فيَكُون الباء حرف جر زائد و (المُؤْمِنِينَ) اسم مجرور بالباء وعلامة جره الياء نيابة عن الكَسْرة؛ لأنَّه جمع مذكر سالم، وبعضهم يَقُول: (المُؤْمِنِينَ) خبر (ما) مَنْصُوب بها، وعلامة نصبه ياء مقدّرة غير الياء الظَّاهِرة؛ لأَن الياء الظَّاهِرة لمناسبة الباء، وهَذِهِ الياء المقدرة منه من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. على كل حال هَذَا تعمُّق شديد لَيْسَ له داع، إنما يَجب أن نعرف أن (ما) نافية من حيث المَعْنى، و (الباء) حرف جر زائد، والغرض منه تأكيد النَّفي، أي: الإِيمَان عن هَؤُلَاءِ الَّذينَ قالوا: آمنا وأَطَعْنَا، ثم تولوا ولَيْسَوا بمُؤْمِنينَ، وتقدَّم أن نفي الإِيمَان هُنا إما نفي لأصله وإما نفي لكماله. * * *

стр. 317

الآية (٤٨) * قَالَ الله : ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨]. * * * قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا﴾ الضَّمِير يَعود على هَؤُلَاءِ القائلين الَّذينَ يَقُولُونَ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ﴾ يتولون. قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي: المُبَلِّغ عَنْهُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عَنِ المَجِيءإِلَيْهِ] اهـ. قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا﴾ أي: دعاهم من يخاصمهم إلى الله وإلى رسوله ليحكم بينهم، أعرضوا. قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾؛ هل المُراد أن يُدعَوا إلى الله ليصلوا إلَيْه فوق عرشه؟ الجواب: لا، وإنما يَكُون الدُّعاء إلى الله بالدَّعوة إلى كتابِه؛ لأَن كتاب الله كلام الله ، فالدُّعاء إلى الله هو الدُّعاء إلى كتاب الله. وقَوْلهُ: ﴿وَرَسُولِهِ﴾ هل المُراد أن يصلوا إلى النَّبِيّ ﷺ في بيته أو في مسجده أو في سوقه؟

стр. 318

نقول: في حياته يصلون إلَيْه شخصيًّا في المسجد أو في البَيْت أو في السوق، وبعد وفاته إلى سنَّته؛ لأَن سنته ﵊ هي: قَوْلهُ وفعله وإقراره، فإننا نشاهده عنْدَما ندعوا إلى قَوْلهُ أو إلى فعله أو إلى إقراره. وقول المُفَسِّر ﵀: [المبلغ عنه] أي: عن الله، وإنما قَالَ المُفَسِّر ﵀ هَذَا لأجل أن يبين أن حكم الرَّسُول ﷺ هو حكم الله، وحتى لا يقع إِشْكال في قَوْلهُ: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ مع أنهم مدعوون إلى الله ورسوله. ثم قَالَ المُفَسِّر: [المُبَلِّغ عَنْهُ أَوْ ذُكِر الله لِتَعْظِيمِهِ]. وقَوْلهُ: [أَوْ ذُكِر الله لِتَعْظِيمِهِ] غير موجود في النُّسخ الأُخْرَى، فهَذه الحاشية إن صحت فيَكُون مراده ﵀ أن ذكر الله لَيْسَ مقصودًا ولكن للتعظيم، أي لتعظيم حكم الرَّسُول ﵊؛ لأَن الَّذِي سيحكم هو النَّبِيّ ﵊، لكن هَذَا لا وجه له. وقَوْلهُ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (اللَّام) للتَّعليل، يعني دُعوا لهَذَا الغرض ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الضَّمِير في قَوْلهُ: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ هل يَعود على الله أو على الرَّسُول ﷺ أو عليهما؟ لا يصِح أن يَعود عليهما، إِذْ لو كَانَ عائدًا عليهما لوجب أن يَكُون الضَّمِير بِصيغَة التثنية، أي: إِذَا دعوا إلى الله ورسوله ليحكما بينهم، لكنها تعود إلى واحد منهما، إلى الرَّسُول ﷺ لأنَّه أقرب مذكور، لكن بالنِّسْبَةِ لله إما أن يُقدر جملة مثل هَذه الجُمْلَة يعني مثل قَوْلهُ: "إلى الله ليحكم بينهم ورسوله ليحكم بينهم"، مثل ما قُلْنا في قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التَّوبة: ٦٢]، ولم يقل: أن يُرضوهما بل قَالَ: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ فقالوا: إن التَّقدير: "والله أحق أن يُرضوه ورسوله أحق أن يُرضوه"، وإما أن يُقال: إن حكم الرَّسُول ﵊ هو حكم الله ويشير إلى هَذَا قَوْل المُفَسِّر ﵀: [أي إلى رَسُول الله المبلغ عنه]؛

стр. 319

فإذا كَانَ النَّبِيّ ﷺ هو المبلغ عن الله صَارَ حكمه حكم الله. وفي الحَقيقَة أن الحاكم المباشر هو الرَّسُول ﷺ فعند النِّزاع في حياته نرجع إلَيْه مباشرة لِذَلك نقول: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ الضمِير يَعود على الرَّسُول ﷺ ولماذا؟ لأنَّه أقرب مذكور، ثم نقول: إن حكم الرَّسُول ﷺ هو حكم الله، لأنَّه مبلغ عنه، لا يحكم إلا بما حكم الله به. هَؤُلَاءِ إِذَا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ يسميها النَّحويون فجائية، يعني المفاجئة، ففي هَذه الآيَة ﴿إِذَا﴾ الأولى في قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ شرطية جوابها ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ لكنَّه صدَّر بـ ﴿إِذَا﴾ الفجائية؛ لأنَّه جملة اسمية، وإذا كَانَ الجواب جملة اسمية، فلابُدَّ أن يصدر بالفاء أو بـ (إذا) الفجائية. إِذَنْ (إذا) فُجائية، يعني تدُلّ على مفاجئة ما بعدها لما قبلها فهَؤُلَاءِ إِذَا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم هل يُفكرون وينظرون هل يقبلون أو لا يقبلون؟ الجواب: لا، يردون مباشرة - والعِيَاذ باللهِ - لا يتأنون في الْأَمْر ويفكرون: بل ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ بسرعة يعني بدون تروٍ، فكأنهم من الأَصْل مستعدون لرد حكم الله ورسوله، وهَذَا - والعِيَاذ باللهِ - أَشَدّ في الاسْتِكْبار وفي العتو من رجل يَقُول: يتروى ثم يعرض، وإن كَانَ الحُكْم واحدًا؛ إِذْ الواجب قبول ما حكم به الله ورسوله، لكن كون الْإِنْسَان يُفَاجِئ بالإعراض دَليل على أنَّه مستكبر ولا يُرِيد أبدًا أن يخضع للحق، ولهَذَا قَالَ: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.

стр. 320

مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكَرِيمَةِ: الفَائِدةُ الأُولَى: أن الحُكْم لله ورسوله والتحاكم إلى الله ورسوله، قد أقسم الله تَعَالَى قسمًا مؤكَّدًا بأنهم لن يؤمنوا حَتَّى يُحكِّموا النَّبِيَّ ﷺ فيما شجر بينهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، هَذه مرحلة، المرحلة الثَّانية: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥]، هاتان مرحلتان، يعني لا يَكُون في نفسك ضيق أو كراهة لما حكم به الرَّسُول ﵊، المرحلة الثَّالِثَة ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، يعني: ينقادوا انقيادًا تامًّا. والنَّاس مختلفون فيما يلتزمون من هَذه المراحل، فمن النَّاس من لا يُحكِّم الرَّسُول ﵊ وهَذَا من الأَصْل لم يدخل في المراحل الثَّلاث، ومن النَّاس من يحكم الرَّسُول ﵊ لكن يجد في نفْسِه حرجًا من حكم الله ورسوله؛ لأنَّه يخالف هواه فتجده متحرِّجًا، يعني يحكم الله ورسوله لكن مع ضيق وحرج، هَذَا أيضًا لَيْسَ بمؤمن، ومن النَّاس من يحكم الرَّسُول ﵊ ولا يَكُون في صدره حرج من حكمه، لكن لا يستسلم، يَكُون مثلًا عنْدَه تأنٍّ وعنده تهاون أو تقصير في بعض التنفيذ، هَذَا أيضًا لَيْسَ بمؤمن. إِذَنْ لا بُدَّ من الْأُمُور الثَّلاثة: التحكيم وانتفاء الحرج والتسليم، وتأمل قَوْلهُ: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ إِشارَة إلى أنَّه تسليم كامل، ولهَذَا يُسمي النَّحويون هَذَا المَصْدَر مصدرًا مؤكِّدًا، يعني: أنهم يُسلِّموا تسليمًا كاملًا لَيْسَ فيه أي التواء أو إعراض، هَذِهِ الآية مثلها. * * *
следующие страницы →